Полный текст (13 172 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
وخمسين ألفا، وكان مسيره وغيبته إحدى وعشرين سنة. فلما سمع الملوك بذكره وما فتح من البلاد وما أسرها بوه، وخافوا شدّة بأسه وعظم سلطانه. وتجبّر وبنى بالجانب الشرقى قصورا من الرخام ونصب عليها أعلاما، فكان يقيم بها الأيام الكثيرة. وكان الخراج قد بلغ فى وقته سبعة وتسعين ألف ألف فأحبّ أن يتمه مائة ألف ألف دينار، فأمر بوجوه العمارات وإصلاح الجسور والزيادة فى استنباط الأراضى حتى بلغ ذلك وزاد عليه.
ثم كان من خبر يوسف الصديق ﵇ وبيعه بمصر وخبره مع امرأة العزيز وسجنه وقصته مع صاحبى الملك ورؤيا الملك وتعبيرها وتولية الريان بن الوليد يوسف ﵇ رتبة العزيز وخبر القحط، ما قدّمنا ذكره فى أخبار يوسف ﵇، وهو فى السفر الحادى «١» عشر من نسخة الأصل. فلا فائدة فى إعادته. إلا أنه قد وردت زيادات أخر لم ترد هناك نحن نذكرها الآن. وهو ما حكاه مؤلف هذا الكتاب الذى نقلنا منه إبراهيم بن القاسم الكاتب عن إبراهيم بن وصيف شاه قال: إن يعقوب ﵇ لما قدم مصر بأهله وولده، خرج يوسف ﵇ فى وجوه أهل مصر فتلقاه وأدخله على الملك؛ وكان يعقوب ﵇ مهيبا جميلا فقرّبه الملك وعظّمه وقال له: يا شيخ، كم سنوك وما صناعتك وما تعبد؟ فقال: أما سنّى فعشرون ومائة سنة، وأما صناعتى فلنا غنم نرعاها وننتفع بها، وأما الذى أعبد فربّ العالمين، وهو الذى خلقنى وخلقك، وهو إله آبائى وإلهك وإله كل شىء.
قال: وكان فى مجلس الملك فنيامين، وهو كاهن جليل القدر، فلما سمع كلام يعقوب ضاق به ذرعا وقال للملك بلغتهم: أخاف أن يكون خراب مصر على يد ولد هذا.
стр. 4972
فقال له الملك: فأنّى «١» لنا خبره؟ فقال الكاهن: أرنا إلهك أيها الشيخ. قال:
إلهى أعظم من أن يرى. قال: فإنا نحن نرى آلهتنا. قال: لأن آلهتكم ذهب وفضة ونحاس وخشب، وما يعمله بنو آدم عبيد إلهى الذى احتجب عن خلقه بعزّ ربوبيته، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. قال له فنيامين: إن لكل شىء دليلا، وكل شىء لا تراه العيون فليس بشىء، فغضب يعقوب وقال: كذبت يا عدوّ الله وطغيت فى هذه الدنيا؛ إن الله شىء وليس كالأشياء، وهو خالق كل شىء لا إله إلا هو. قال: فصفه لنا. قال: إنما يوصف المخلوقون ولا يوصف الخالق عزوجل؛ لأنه يرتفع عن الصفات؛ لأنه واحد قديم مدبّر للأشياء فى كل مكان يرى ولا يرى. ثم قام يعقوب مغضبا، فأجلسه الملك وأمر فنيامين أن يكفّ عنه ويكون بين يديه ويأخذ فى غير هذا. ثم قال الملك: كم عدّة من دخل معك إلى مصر؟ قال ستّون رجلا. قال الكاهن: كذلك نجده فى كتبنا؛ إن خراب مصر يجرى على أيديهم. قال الملك: فهل يكون فى أيامنا؟ قال: لا، ولا إلى مدّة كبيرة. والصواب أن يقتله الملك ولا يستبقى من ذرّيته أحدا. قال الملك: إن كان الأمر كما تقول فما يمكننا أن ندفعه ولا نقتل هؤلاء، وإن لهم إلها عظيما، وقد قبل قلبى هذا الشيخ، ومالى إلى قتله من سبيل، فخاطبه بألين الكلام؛ فجرت بينهما بعد ذلك مخاطبات ألان له فيها القول.
قال: ثم إن يعقوب ﵇ أحبّ أن يعرف خبر مصر ومدائنها وكيف بنيت وخبر طلّسماتها وعجائبها. فسأله عن ذلك وسأله بحقّ الملك ألا يكتمه شيئا من أمرها فأخبره. قال: وأقام يعقوب ﵇ مع الريان بن الوليد الملك يعظّمه ويبجّله إلى أن حضرته الوفاة، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشأم، فحمل فى تابوت
стр. 4973
وخرج معه يوسف ﵇ ووجوه مصر حتى بلغ الى موضعه ورجعوا. وقيل:
إن عيصو منعهم من دفنه هناك لأن إسحاق ﵇ كان قد وهبه الموضع فاشتراه يوسف ﵇ منه. ويقال: إن الريان آمن بيوسف وكتم إيمانه خوفا من فساد ملكه.
وملك الريان مائة وعشرين سنة. وفى وقته عمل يوسف ﵇ الفيوم لابنة الملك، وكان أهل مصر قد وشوا به وقالوا: قد كبر ونقص نفعه فاختبره.
فقال له الملك: قد وهبت هذه الناحية لابنتى، وكانت مغايض للماء فدبّرها.
قال: فقلع أدغالها، وساق المنهى «١» ، وبنى اللّاهون «٢» ، وجعل الماء فيه مقسوما موزونا، وفرغ من ذلك كله فى أربعة أشهر، فعجبوا من حكمة يوسف ﵇.
قال: ولما مات الريان بن الوليد ملك بعده ابنه دريموس «٣» بن الريان ابن الوليد ويسميه أهل الأثر دارم، وهو الفرعون الرابع عندهم. قال: ولما ملك خالف سنّة أبيه، وكان يوسف ﵇ خليفته كما كان مع أبيه، وذلك بأمر الريان.
وكان يوسف يسدّده فربما قبل منه وربما خالفه، وظهر فى وقته معدن فضة على ثلاثة أيام من النيل فأبان «٤» منه شيئا عظيما، وعمل منه صنما على اسم القمر؛ لأن طالعه كان بالسرطان، ونصبه على القصر الرخام الذى كان أبوه بناه فى شرقى النيل، ونصب حوله أصناما كلّها من الفضة وألبسها الحرير الأحمر، وعمل لها عيدا فى كل سنة «٥» ، وهو إذا نزل القمر السرطان.
стр. 4974
وكان يتنقّل الى مواضع شتّى يتنزّه فيها، وإذا أراد أن يضرّ الناس بشىء منعه يوسف ﵇ ودفعه عنه الى أن توفّى يوسف ﵇، كما تقدّم فى خبر وفاته، فاستوزر الملك دارم بعده بلاطس بن منسا الكاهن، فكان بلاطس يطلق له ما كان يوسف يمنعه عنه، وحمله على أذى الناس وأخذ أموالهم فبلغ منهم كل مبلغ.
وعمل الوادى المنحوت بين الجبلين فى الناحية الغربية وكنز الأموال فلا يوصل إليها، وجعل صقالة من الوادى الى باب الخبّاء، وجعل له بابا من الحديد يتوصّل إليه من تلك الصقالة، وصمده بجماعة من العفاريت يمنعون من ذلك الخباء، فمن رامه من الناس سقط فى الوادى. وقال آخرون: كنزها فى موضع منه يدخل إليه وينظر الى الأموال مكشوفة مضروبة، فى كل دينار عشرة مثاقيل عليها صورته، فإن أخذ الداخل منها شيئا انطبق عليه الباب فلم يقدر على الخروج، فإذا ردّه الى موضعه انفتح له الباب. وهو بحاله الى هذا الوقت كما زعموا.
قال: ثم زاد دارم فى التجبّر الى أن اختلع كلّ امرأة جميلة بمدينة منف من أهلها؛ ولا يسمع بامرأة حسناء فى ناحية من النواحى إلا وجّه فحملت إليه. وفشا ذلك فى المملكة واضطرب الناس من فعله وشقّ عليهم أمره الى أن شغبوا عليه وعطّلوا الصنائع والأعمال والأسواق فعدا على جماعة منهم فقتلهم. وزاد الأمر حتى اجتمعوا على خلعه، فخاف بلاطس الوزير أن يفسد أمر المملكة فدخل على الملك وأشار عليه أن يتودّد الى الناس ويعتذر إليهم ويردّ نساءهم فأبى إلا مخالفته، وهمّ أن يخرج الى الناس فى خاصّته ويقتل منهم وقال: إنما هم عبيدى وعبيد آبائى. فلم يزل يرفق به الى أن سكن غضبه؛ فأمره أن يعتذر الى الناس عنه، ففعل الوزير ذلك وذكر عنه جميلا، فأبى الناس أن يقبلوا منه دون مخاطبتهم الملك فضمن لهم ذلك وخاطبه وأشار به عليه، فأمره أن ينادى فى الناس بالحضور فى يوم عيّنه،
стр. 4975
ثم لبس أرفع ثيابه وأكبر تيجانه وجلس ودخل الناس عليه فذكروا ما حلّ بهم من أخذ أموالهم، وعرّفوه أنه لم يجر عليهم من ملك قبله مثل هذا، فاعتذر إليهم ووعدهم الإقلاع عما شكوا منه وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين.
ثم أمر بعمل قصر من خشب على أساطين خشب ممدودة بأضلاع مسمّرة يتنزّه فيه، فعمل ودهن بالأدهان والأصباغ الملوّنة المذهبة، وضبّب بالفضة والنحاس المذهب، وعمل فوقه قبة من الفضة المذهبة مصوّرة بالزجاج الملوّن وعلّق فيها الحجر المضىء الذى أتى به أبوه من المغرب. فلما فرغ القصر فرشه بأحسن الفرش وجعله طبقتين: طبقة له يجلس فيها مع من يحبّه، وطبقة لحشمه، وجعل حول ذلك أروقة ملصقة بالمجلس يجلس فيها من يريد؛ فكان يركب فيه بمن احبّه من خاصته ونسائه ويصعّد فيه فى الماء إلى ناحية الصعيد وتتبعه المراكب فيها أصحابه وغلمانه بالعدد والسلاح وينحدر إلى أسفل الأرض، فإذا مرّ بمكان يستحسنه أقام فيه أياما.
واتفق أنه خرج فى بعض الأيام مصعّدا فوثب رجل من الإسرائليين على رجل من سدنة الهياكل فضربه حتى أدماه وعاب دين الكهنة، فغضب القبط لذلك وخاطبوا خليفة الملك أن يخرجهم من مصر فآمتنع دون مشاورة الملك، وكتب إليه يعرّفه ذلك، فكتب إليه ألا يحدث فى القوم حادثة دون موافاته، فشغبوا وأجمعوا على خلعه وتمليك غيره، وتعرّض بعضهم الى ذكر الملك فحشد أهل الصعيد وانحدر اليهم، فحاربوه فهلك بينهم خلق كثير. وعاونته امرأة أبيه، وكانت ساحرة، فأظهرت من سحرها وتخاييلها ودخنها ما أعماهم عن النظر، وأضعف حواسهم وأسكرهم، فقتل خلقا منهم وصلب خلقا على عبر النيل، ورجع إلى أكثر مما كان عليه من ابتزاز النساء ونهب الأموال واستخدام الأشراف والوجوه من القبط ومن بنى إسرائيل؛
стр. 4976
فأجمع الكل على ذمه. وكانت الساحرة لا تخلّيه من معونتها الى أن ركب فى ذلك القصر فى بعض الليالى وقد أحدق النيل بالبلد، وهو من الجبل الى الجبل، وامتدّ القمر على الماء، فأراد أن يعدّى من العدوة الى العدوة الأخرى فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه، فركب مركبا لطيفا مع ثلاثة من خدمه والساحرة، فلما توسّط البحر هاجت ريح عاصف فغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكّين فى أمره لا يعلمون ما نزل به، الى أن وجدت جثته بشطّنوف «١» فعرف بخاتمه وبجوهر كان يتقلّد به فحمل الى منف.
وملك بعده ابنه معاديوس بن دريموس؛ ويسميه أهل الأثر معدان ابن دارم، وهو الفرعون الخامس. وذلك بتدبير الوزير؛ فأجلسه على سرير الملك وبايعه الجيش، وكان صبيا فكرهه الناس ثم رضوا به، فأسقط عن الناس الخراج الذى كان أبوه أسقطه، وزادهم سنة وأحسن إليهم فأطاعوه؛ واستقام له الأمر وردّ نساءهم. وكان ينكر على أبيه فعله ولا يرضاه؛ فلذلك رضوا به.
قال: وفى زمانه كان طوفان أضرّ ببعض البلد فلزم الملك الإقبال على الهياكل والتعبد، وطلب القاطر ووجوه الكهنة بالحضور معه، وأنصف بعض الناس من بعض. وكثر بنو إسرائيل وعابوا الأصنام وثلبوها. وكان الوزير قد هلك فاستوزر كاهنا يقال له املاده، فلما رأى ما فعله بنو إسرائيل أنكره وأمر أن يفردوا بناحية من البلد لا يختلط بهم أحد غيرهم، فأقطعهم موضعا فى قبلىّ منف، واجتمعوا إليه وعملوا لأنفسهم معبدا كانوا يتلون فيه صحف إبراهيم ﵇، واتفق أن رجلا من أهل بيت الكهنة عشق امرأة من بنى إسرائيل كانت قد جاءته
стр. 4977
لتشتكى أخاها أنه غصبها ميراثها، وأرادت أن يعتنى بأمرها عند وزير الملك، فرآها ابنه فأحبها وسأل والده أن يزوّجه منها، فخطبها من أهلها فأبوا ذلك، فأنكر الناس فعلهم واجتمعوا الى الوزير وقالوا: هؤلاء قوم يعيبوننا ويرغبون عنّا، ولا نحب أن يجاورونا إلا أن يدينوا بديننا. فقال الوزير: قد علمتم إكرام الريان الملك لجدّهم يوسف ﵇، وقد وقفتم على بركة جدّهم يوسف ﵇ حتى جعلتم قبره وسط النيل فأخصب جانبا مصر بمكانه فلا تخوضوا فى هذا، فأمسكوا.
قال: وتغلّب أحد ملوك الكنعانيين على الشام وامتنع أهله أن يحملوا الضريبة التى كانت عليهم لملك مصر، فأنكر أهل مصر ذلك وأشفقوا من غلبة صاحب الشام على بلدهم، فحضّوا الملك على غزو الشام فقال: إن رام أحد حدود بلدنا غزوناه، وما لنا فى ذلك البلد من حاجة؛ فاستنقصوا رأيه. وأقام على ملازمة الهياكل والتعبّد فيها؛ فيزعم القبط أنه بينا ذات يوم قائم فى هيكل زحل حذاء صورته، وقد أجهد نفسه فى التعبد، إذ تغشّاه النوم فتجلّى له زحل وخاطبه وقال:
قد جعلتك ربّا على أهلك وأهل بلدك، وحبوتك بالقدرة عليهم وعلى غيرهم، وسأرفعك إلىّ فلا تخل من ذكرى؛ فعظم عند نفسه، واتصل خبره بأهل البلد، وأخبرهم سدنة الهيكل أنهم رأوا النور وسمعوا الخطاب، وأعظم الناس أمره، فتجبّر فى نفسه وأمر الناس أن يسمّوه ربّا، وترفّع أن ينظر فى شىء من أمر الملك، وأحضر الناس وقال: قد وقفتم على ما خصصت به دون الملوك، وهذه موهبة يلزمنى الشكر لواهبها عليها، ولست أتفرّغ للنظر فى أموركم، وقد رأيت أن أجعل الملك إلى ابنى أكسامس، وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصى عنكم كما وعدت، وقد أيدته بالقاطرين، فانظروا كيف تكونون، ولا تتظالموا فإنكم منى بمرأى ومسمع،
стр. 4978
فرضوا بذلك وقالوا: نحن عبيد الملك ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق أن يرضوه ولا يخالفونه.
فملك ابنه أكسامس بن معاديوس؛ ويسميه أهل الأثر كاسم ابن معدان، وهو الفرعون السادس، وجلس على سرير الملك وتوّج بتاج أبيه وقام القاطرون بين يديه، فجعل لكل واحد منهم رتبة، ورتّب الناس مراتب، وقسم الكور والأعمال، وأمر باستنباط العمارات وإظهار الصناعات، ووسع على الناس فى أرزاقهم وعلى حاشيته وحاشية أبيه، وأمر بتنظيف الهياكل وتجديد لباسها وأوانيها، وزاد فى القرابين؛ وكلما أتى شيئا من ذلك لم تخالفه الكهنة وقدّروا أن ذلك عن أمر أبيه برضى الكواكب، واحتجب أبوه عن الناس. وأقام كاسم أعلاما كثيرة حول منف وجعل عليها أساطين يمرّ عليها من بعضها إلى بعض.
وعمل برقودة وصا ومدائن الصعيد وأسفل الأرض مدنا كثيرة وأعلاما ومنائر للوقود والطلّسمات. وعمل كرة من الفضة على عمل البيضة الفلكية ونقش عليها صور الكواكب الثابتة ودهنها بدهن الصينى وركّبها على منار فى وسط منف. وعمل فى هيكل أبيه روحانىّ زحل من ذهب أسود مدبّر. وعمل فى وقته الميزان الذى يعتبر به الناس، وجعلت كفّتاه من ذهب وعلائقه من فضّة وخيوطه سلاسل ذهب، وكان معلقا فى هيكل الشمس، وكتب على إحدى كفّتيه حقّ، والأخرى باطل، وتحته فصوص قد نقش عليها أسماء كل شىء من الكواكب؛ فيدخل الظالم والمظلوم ويأخذ كل واحد منهما فصّا من تلك الفصوص ويسمى عليها ما يريد، ويجعل أحد الفصين فى كفّة والآخر فى الأخرى، فتثقل كفة الظالم وترتفع كفة المظلوم. وكذلك من أراد سفرا أخذ فصين فذكر على واحد اسم السفر، والآخر اسم الجلوس، ويجعل كل واحد فى كفة، فإن لم يرتفع أحدهما على الآخر جلس،
стр. 4979
وإن ارتفعا خرج، وإن ارتفع أحدهما مكث شهرا. ومن نحو هذا من غائب ودين وفساد وصلاح. ويقال إن بختنصّر لما ظفر بمصر حمله فى جملة ما حمل الى بابل وجعله فى بيت من بيوت النار.
قال: وطالب كاسم الناس بلزوم الأعمال وإظهار الصنائع، فعملت كل غريبة منها: التنّور الذى يشوى من غير نار فيه، والقدور التى يطبخ فيها من غير نار، والسكين التى تنصب فإذا رآها شىء من البهائم أقبل حتى يذبح نفسه بها، والماء الذى يستحيل نارا، والزجاج الذى يستحيل هواء، وأشياء من ذلك.
قال: فأقام فى أوّل ولايته ثلاث سنين بأجمل أمر وأصلح حال، ومات وزير أبيه الذى كان معه فاستخلف رجلا من أهل بيت المملكة يقال له طلما، وكان شجاعا فارسا كاهنا كاتبا حكيما دهيّا متصرّفا فى كل فنّ، وكانت نفسه تنازعه الملك فصلح أمر المملكة بمكانه وأحبه الناس، فعمل معالم كثيرة وعمر خرابا وبنى مدنا من الجانبين. ورأى فى نجومه أنه ستكون شدّة فاستعمل ما استعمله نهراوش، وبنى بناحية رقودة والصعيد ملاعب ومصانع. وشكا القبط اليه حال الإسرائليين فقال: هم عبيد لكم، فكان القبطىّ اذا أراد حاجة سخر الإسرائيلى، وكان القبطىّ يضرب الإسرائيلىّ فلا ينكر عليه أحد، وإن ضرب الإسرائيلىّ القبطىّ قتل، فكان أوّل من أذى بنى إسرائيل، ويفعل نساء القبط بنساء بنى إسرائيل ما يفعل الرجال بالرجال من السّخر والضرب.
قال: وفى أيام أكسامس بنيت منارة الإسكندرية. وفى زمانه هاج البحر المالح فغرّق كثيرا من القرى والجنان والمصانع. وحكى أن أكسامس تغيّب عن الناس مدّة. وقيل: مات وكتموا موته. وكانت مدّة ملكه إلى أن غاب إحدى وثلاثين سنة، وأقام طلما إحدى عشرة سنة يدبّر المملكة ثم اضطرب الناس على
стр. 4980
طلما وتغيّروا واتصل بهم أنه قتل الملك بسمّ سقاه إياه فاجتمعوا وقالوا: لابدّ لنا من النظر إلى الملك، فعرّفهم أنه قد تخلّى عن الملك وولّى ابنه لاطس فلم يقبلوا ذلك.
فأمر طلما الجيوش فركبت فى السلاح وأجلس لاطس بن أكسامس على سرير الملك ولبس التاج. وكان جريئا معجبا فوعد الناس جميلا وقال: أنا مستقيم لكم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وأمر ونهى وألزم الناس أعمالهم، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم، وصرف طلما عن خلافة المملكة واستخلف رجلا يقال له لاهوق من ولد صا الملك ودفع إليه خاتمه، وأنفذ طلما عاملا على الصعيد وأنفذ معه جماعة من الإسرائيليين، وعمل الأعلام وأصلح الهياكل وبنى قرى كثيرة، وأثيرت «١» فى أيامه معادن كثيرة وكنوز فى صحراء المشرق، واستعمل آنية كثيرة من الجوهر الأخضر وأصناف الزجاج. وكان محبّا للحكم ثم تجبّر وعلا، وأمر ألا يجلس أحد فى مجلسه ولا فى قصر الملك من الكهنة وغيرهم، بل يقومون على أرجلهم إلى أن ينصرفوا، وزاد فى أذى الناس والعنف بهم، ثم منع الناس فضول ما بأيديهم وقصرهم على القوت، وجمع أموالهم وطلب النساء فانتزع كثيرا منهنّ، وفعل فى ذلك أكثر من فعل من تقدّمه من الملوك، وقهر الناس بالسطوة واستعبد بنى إسرائيل وقتل جماعة من الكهنة فأبغضه الخاص والعامّ.
وكان طلما لما صرفه لاطس عن خلافته وجد «٢» فى نفسه وأضمر الغدر به.
فلما خرج إلى الصعيد احتجز الأموال فلم يحملها، وحال بين الملك وبين المعادن، وأراد أن يقيم ملكا من ولد قبطريم ويجلسه فى الملك، فأشار بعض الكهنة على طلما أن يطلب الملك لنفسه وعرّفه أنه سيكون له حال. فلما شجّعه الكاهن وجرّأه على
стр. 4981
ذلك دعا إلى نفسه وكاتب وجوه أهل البلد، فبعض أجابه وبعض توقف، ورفع كل واحد من ولد الملوك رأسه وطمع فى الملك.
قال: وفى بعض كتبهم أن بعض الروحانيين ظهر له وقال: إنى أطيعك إن أطعتنى، وأقلدك مصر زمانا طويلا، فأجابه إلى ما سأله وقرّب له أشياء ذكرها له، منها غلام إسرائيلىّ؛ فعاونه حينئذ وكان له رسولا الى رؤساء مصر، فكان يتصوّر بصور بعضهم ويشير بتمليكه عليهم إلى أن استقام له الأمر، قال:
ولما منع طلما لاطس من مال الصعيد كتب بصرفه عن العمل فأبى أن ينصرف، فوجه اليه قائدا من أهل بيته وقلده مكانه وأمره أن يحمله اليه، فحاربه وأعانه الروحانىّ فظفر به طلما واعتقله ثم خلّاه وقرّبه وأدخله فى جملته، واتصل الخبر بلاطس فأنفذ اليه قائدا آخر فهزمه طلما وسار فى أثره بجيش كثيف، وكاتب جميع القوّاد وأهل البلد وبذل لهم الأموال، وخرج اليه لاطس فحاربه طلما وعاونه الروحانىّ فظفر به طلما وقتله وسار حتى دخل منف وعاث فيها.
وملك طلما بن قومس؛ ونزل قصر المملكة وجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان فى خزائنهم. قال: وطلما هذا هو ابن قومس، وهو الذى يذكر القبط أنه فرعون موسى ﵇. وأهل الأثر يسمونه الوليد بن مصعب وأنه من العمالقة.
وذكروا أن الفراعنة سبعة فأوّلهم: طوطيس بن ماليا، ثم الوليد بن دومع، ثم ابنه الريان بن الوليد، ثم دريموس بن الريان، ثم معاديوس بن دريموس، ثم أكسامس بن معاديوس، ثم طلما.
قال: وكان طلما فيما زعموا قصيرا. قيل: كان طوله أربعة أشبار، طويل اللحية، أشهل العينين، صغير العين اليسرى، فى جبينه شامة. ويقولون: إنه
стр. 4982
كان أعرج. وزعم قوم أنه من القبط. قال: والدليل على ذلك ميله إليهم ونكاحه فيهم؛ ونسب أهل بيته مشهور عندهم.
وقد اختلف الناس فى سبب ملكه وعمن تلقّى الملك، فقيل ما ذكرناه، وقيل ما قدّمناه «١» فى قصة موسى بن عمران ﵇، والله تعالى أعلم.
قال: ولما جلس طلما على سرير الملك اضطرب الناس عليه فبذل الأموال وأرغب من أطاعه، وقتل من خالفه، فاعتدل الأمر له. وكان أوّل ما عمل أن رتّب المراتب، وشيّد الأعلام، وبنى المدن، وخندق الخنادق، وعمل بناحية العريش حصنا، وكذلك على حدود مصر، واستخلف هامان، وكان يقرب منه فى نفسه ونسبه، فأثار بعض الكنوز وصرفها فى بناء المدن والعمارات، وحفر خلجانا كثيرة. ويقال: إنه الذى حفر خليج السّردوس «٢» ، وكان كلما عرّجه الى قرية من قرى الحوف حمل إليه أهلها مالا؛ فاجتمع له من ذلك شىء كثير، فأمر بردّه «٣» على أهله.
стр. 4983
وانتهى الخراج فى وقته الى سبعة وتسعين ألف ألف دينار، وكان ينزل الناس على مراتبهم. وهو أوّل من عرّف العرفاء على الناس، وكان ممن صحبه من الإسرائليين رجل يقال له إمرى، وهو عمران أبو موسى ﵇، وهو أخو مزاحم لأبويه، ومزاحم أبو آسية، فهى ابنة عمّ موسى وبنت خالته، فجعل فرعون عمران حارسا لقصره يتولى حفظه وفتحه وإغلاقه. وكان رأى فى كهانته أن هلاكه على يد مولود من الإسرائليين، فمنعهم المناكحة ثلاث سنين؛ لأنه رأى أن ذلك المولود يكون فيها. ثم كان من خبر موسى فى حمل أمه به وولادته وغير ذلك من أمره ما قدّمنا «١» ذكره فى قصة موسى ﵇ فلا فائدة فى إعادته.
وقد نقل أن موسى ﵇ لمّا كبر عند فرعون عظم شأنه وردّ فرعون إليه كثيرا من أمره وجعله من قوّاده، وكانت له سطوة؛ ثم وجهه فرعون لغزو الكوثانيين، وكانوا قد عاثوا فى أطراف مصر، فخرج فى جيش كثيف فرزقه الله عزوجل الظّفر، فقتل منهم خلقا وأسر خلقا وانصرف سالما فسرّ به فرعون وآسية. قال: واستولى موسى وهو غلام على كثير من أمر فرعون وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلا من أشراف القبط فكان من أمره ما تقدّم ذكره.
والله أعلم.
هذا ما أورده إبراهيم فى كتابه؛ ولم يذكر من أخبار ملوك مصر بعد غرق فرعون شيئا ولا ذكر من ملك بعده. وقد أشار المسعودى فى مروج الذهب الى نبذة من أخبار من ملك مصر بعد غرق فرعون نحن نذكرها. وأما سياقة أخباره فيما كان قبل فرعون فهذا الذى ذكرناه أتمّ منه وأكثر استيعابا.
стр. 4984
ذكر نبذة من أخبار من الملك مصر بعد غرق فرعون
قال أبو الحسن على بن عبد الله المسعودى فى كتابه مروج الذهب «١» ومعادن الجوهر: لما أهلك الله تعالى فرعون وقومه بالغرق خشى من بقى بمصر من الذرارى والنساء والعبيد أن يغزوهم ملوك الشام والمغرب؛ فملكوا عليهم امرأة يقال لها دلوكة؛ فبنت على أرض مصر حائطا يحيط بجميع البلاد من حدّ أرض رفج الى برقة، وجعلت الحرّاس على مسافة كل ميل منها يصل أخبار بعضهم الى بعض، فإذا حدث أمر فى أوّل ملكها بليل رفعت النيران فى وقت حدوثه فعلم فى آخر المملكة بالخبر من ليلته، وإن كان بالنهار دخن. وهذا الحائط موجود الى حين وضعنا لهذا الكتاب ويسمى حائط العجوز. وقيل فيه: حائط «٢» الحجوز. وقيل: إنها بنت هذا الحائط من خوفها على ولدها.
واتخذت دلوكة بمصر البرابى وصوّرت فيها الصور، وأحكمت آلات السحر، وجعلت فى البرابى صور من يرد فى البر ودوابّهم إبلا كانت أو خيلا، ومن يرد
стр. 4985
فى البحر فى المراكب من بلاد الغرب وسواحل الشام، وأحكمت جميع ذلك بحركات فلكيّة. فكان إذا ورد عليها عدوّ من نحو الحجاز واليمن عوّرت تلك الشخوص التى فى البرابى من الإبل وغيرها فيحدث العور فى ذلك الجيش وتهلك دوابّهم، وكذلك كل من يقدم عليها من البر والبحر اذا بلغها خبر مقدمه صنعت فى تلك الصور ما يحدث مثله فى ذلك الجيش من الآفات، فهابها سائر ملوك الأمم. وخبر هذه المرأة مشهور. وأكثر هذه البرابى باق الى وقتنا هذا وفيها التصاوير إلا أنها لا فعل لها.
وقد قيل فى البرابى: إنها اتخذت مع الأهرام قبل الطوفان. والله تعالى أعلم.
وقيل أيضا: إن مما أنشأته هذه المرأة منارة الإسكندرية، وقد تقدّم ذكر خبرها فى المبانى القديمة وهو فى السفر «١» الأول من كتابنا هذا من هذه النسخة.
قال: وملكت هذه المرأة نحوا من ثلاثين سنة، وقيل أقل من ذلك.
ولما هلكت دلوكة ملك بعدها دركوس «٢» بن بلوطس. ثم ملك بعد ولده بورش. «٣»
ثم ملك بعده ولده بغاش «٤» بن بورش نحوا من خمسين سنة. ثم ملك بعده دنيا «٥» ابن بورش نحوا من عشرين سنة. ثم ملك بعده بلوطس عشرين سنة. ثم ملك بعده بلوطس بن متناكيل «٦» أربعين سنة. ثم ملك بعده مالس «٧» بن بلوطس. ثم ملك
стр. 4986
بعده بوليه «١» بن متناكيل؛ وكانت له حروب وسير فى الأرض وهو فرعون الأعرج «٢» الذى غزا بنى إسرائيل وخرّب بيت المقدس. ثم ملك بعده وينوس بن مرينوس «٣» ثمانين سنة. ثم ملك بعده قومس «٤» بن بغاس «٥» عشر سنين. ثم ملك بعده مكاييل وكانت له حروب مع ملوك الغرب، وهو الذى غزاه بختنصّر فقتله وقتل رجاله وخرّب أرض مصر، فقيل إنها خرّبت مدة أربعين سنة. وانقرض ملك الفراعنة.
وملك الروم أرض مصر فتنّصر أهلها؛ ولم تزل بيد ملوك الروم الى أن ملك كسرى أنو شروان فارس فغلبت جيوشه على الشام وسارت نحو مصر، فملك الفرس أرض مصر، وغلبوا عليها نحوا من عشر سنين. وكانت بين الروم وفارس حروب كثيرة، فصار أهل مصر يؤدّون خراجين: للروم وللفرس، ثم انجلت الفرس عن الشام ومصر لأمر حدث فى بلادهم، فغلبت الروم على مصر والشام وأظهروا النصرانية، واستمرّ ذلك الى أن جاء الله تعالى بالإسلام. وكان المقوقس ينوب عن ملك الروم، وهادى رسول الله ﷺ . ولم تزل الديار المصرية
стр. 4987
والشام بيد ملوك الروم الى أن فتحت فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه على ما سنورد ذلك إن شاء الله تعالى فى خلافة عمر فى الباب الثانى من القسم الخامس من هذا الفن، وهو فى السفر السابع عشر من هذه النسخة.
قال المسعودى ﵀: والذى اتفقت عليه التواريخ، مع تباين ما فيها، فى عدد ملوك مصر الى آخر أيام الفراعنة أنهم اثنان وثلاثون ملكا. قال: فمن ملوك بابل الى آخر أيام ابنة ماموم- يشير الى دليفة- أحد عشر ملكا وملكة. ومن العماليق أربعة ملوك. ومن الفراعنة من لدن الوليد بن مصعب فرعون موسى بن عمران ﵇، والى أن خرج بختنصّر الفارسىّ على مكاييل وقتله سبعة عشر ملكا بما فى ذلك من ملك دلوكة، وهو إنما يشير الى من ملكها بعد الطوفان. وأما من ملكها قبل الطوفان فإنه لم يتعرّض الى ذكرهم. قال: وملكها من الروم سبعة ملوك. ومن اليونان عشرة ملوك. قال: وذلك قبل ظهور المسيح ﵇.
قال: وملكها أناس من الفرس فكانت مدّة من ملكها من الفراعنة ومن بعدهم والعماليق والفرس والروم واليونان ألفى سنة وثلاثمائة سنة. والله أعلم بالصواب.
стр. 4988
الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الخامس فى أخبار ملوك الأمم من الأعاجم ؛
وهم ملوك الفرس الأول، وملوك الطوائف من الفرس، والملوك الساسانية واليونان والسريان والكلوانيين والروم والصقالبة والنوكبرد والإفرنجة والجلالقة وطوائف السودان
ذكر أخبار ملوك الفرس وهم الفرس الأول
وقد اختلف الناس فى الفرس وأتسابهم وكم من دولة كانت لهم. وسنذكر هاهنا مقالاتهم فى ذلك واختلافهم. فمن الناس من زعم أنهم من فارس بن ياسور ابن سام بن نوح، وهذا قول هشام بن محمد. ومنهم من زعم أنهم من ولد يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. ومنهم من زعم أنهم من ولد هدرام ابن أرفخشد بن سام بن نوح، وأنه ولد له بضعة عشر رجلا كلهم كان فارسا شجاعا؛ فسمّوا الفرس لفروسيتهم، وفى ذلك يقول حطّان بن المعلّى الفارسىّ:
وبنا سمّى الفوارس فرسا ... نا ومنّا مناجب الفتيان «١»
وزعم قوم أن الفرس من ولد لوط من ابنتيه رشا ورغوشا. وذكر آخرون أنهم من ولد بوّان بن أران بن الأسود بن سام بن نوح، ولبوّان هذا ينسب شعب بوّان وهو أحد متنزّهات الدنيا. وقد تقدّم ذكره فى باب الرياض «٢» من الفن الرابع.
стр. 4989
ومن الناس من يرى أن الفرس من ولد إيران بن أفريدون، ولا خلاف بين الفرس أجمع أنهم من ولد كيومرث «١» وهو الأشهر، وإليه يرجع جميع الفرس الأول وملوك الطوائف والملوك الساسانية.
وأما التنازع فى دولهم فمن الناس من زعم أنهم أربعة أصناف، وأن الصنف الأوّل منهم كان من كيومرث إلى أفريدون وهم الجرهانية، وقيل الجهدهانية. والصنف الثانى من كيان إلى دارا بن دارا وهم الكيانية. والصنف الثالث ملوك الطوائف.
والصنف الرابع الساسانية. ومن الناس من جعلهم صنفين: فجعل الصنف الأوّل من كيومرث إلى دارا بن دارا. والصنف الثانى من أردشير بن بابك إلى يزدجرد ابن شهريار المقتول فى خلافة عثمان رضى الله عنه. فمدّة ملكهم فى الدولة الأولى ثلاثة آلاف سنة وثلاثمائة وستة وعشرون سنة. وعدّة ملوكهم عشرون ملكا فيهم امرأة واحدة.
فأوّل ملك ملك من الفرس الأول كيومرث وقيل فيه جيومرث.
وقد اختلف فى نسبه، فمن الناس من قال: إنه ولد آدم «٢» لصلبه. ومنهم من قال: إنه ولد لاوذ بن إرم بن سام بن نوح. وقد قيل: إنه أوّل ملك ملك من بنى آدم. وكان السبب فى ملكه أنه لمّا كثر البغى والظلم فى الناس اجتمع أكابر أهل زمانه ورأوا أنه لا يقيم أمرهم إلا ملك يرجعون إليه فيما يأمر وينهى، فأتوه وقالوا: أنت أكبر أهل زمانك وبقية أبينا، والناس قد بغى بعضهم على بعض، وأكل القوىّ الضعيف، فضمّ أمرنا إليك وكن القائم بصلاحنا. فأخذ عليهم العهود والمواثيق بالسمع والطاعة له وترك الخلاف عليه. فصنعوا له تاجا ووضعوه على رأسه. وهو أوّل من وضع التاج على رأسه. فاستوثق له الأمر وقام
стр. 4990
بأمر الناس وحسنت سيرته فيهم. وكانت مدّة ملكه عليهم أربعين سنة. وكان ينزل إصطخر من أرض فارس حتى مات. واختلف فى مقدار عمره، فقيل:
إنه عاش ألف سنة، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم.
فلما مات قام بالأمر من بعده أو شهنج ابنه وقيل: أخوه، وقيل: أو شهنج ابن فيشداد «١» بن كيومرث. وفى الناس من يزعم أنه أوّل ملك ملك من الفرس، وهو الذى جمع الأقاليم السبعة، ورتب الملك ونظّم الأعمال، ولقّب بفيشداد، وتفسيره بالعربية أوّل سيرة العدل. ويقال: إن أوشهنج هذا كان بعد الطوفان بمائتى سنة، وهو أوّل من قطع الحجر وبنى به، واستخرج المعادن، وبنى مدينتى بابل والسوس.
وكان فاضلا حسن السياسة محمود الأثر. قال: ونزل الهند وتنقّل فى البلاد وعقد التاج وجلس على السرير. وكان من حسن سياسته أنه نفى أهل الفساد والدعارة من البلدان وألجأهم إلى رءوس الجبال وجزائر البحر، واستخدم منهم من كان يصلح للخدمة وسمّاهم الشياطين والعفاريت، وقرّب أهل الخير والصلاح. وكانت مدّة ملكه أربعين سنة.
ولما مات ملك بعده طهمورث «٢» وقيل فيه طهورث بن أنوجهان بن أوشهنج، وقيل بل بينهما عدّة آباء. قال: ولما ملك سار فى الناس سيرة جدّه أوشهنج. وكان ينزل نيسابور. وقيل إنه الذى أنشأها ثم جدّدها بعد ذلك سابور. وقيل: إنه أوّل من كتب بالفارسية «٣» ونفى أهل الدعارة والشرّ واستقام له نظام الملك. قيل: وفى أيامه ظهر بوداسف الذى «٤» أحدث دين الصابئة. وكان ملكه ثمانين سنة. وقيل ثلاثين سنة.
стр. 4991
ولما مات ملك بعده أخوه جمشيد «١» ، وتفسير شيد: الشعاع، سمى بذلك لوضاءة وجهه. قال: ولما ملك سلك سيرة من تقدّم وزاد عليها بأن صنّف الناس وطبّقهم ورتّب منازل الكتّاب وأمر لكل واحد وظيفة وأمره أن يلزمها.
وعمل أربعة خواتيم: خاتما للحرب والشّرط «٢» وكتب عليه الأناة، وخاتما للخراج وجباية الأموال وكتب عليه العمارة، وخاتما للبريد وكتب عليه الوحا، وخاتما للمظالم وكتب عليه العدل. فبقيت هذه الرسوم فى ملوك الفرس الى أن جاء الإسلام.
وكان ملكه ستمائة سنة. وقيل سبعمائة سنة وستة أشهر. وقيل ألف سنة إلا عشر سنين. وفى أيامه أحدث النيروز «٣» وجعله عيدا، وأمر الناس أن يتنعموا فيه. ثم بدّل سيرته بالجور بعد الإنصاف، والظلم بعد العدل، والإساءة بعد الإحسان، فثقلت وطأته على الناس. ثم أظهر الكبر على وزرائه وكتّابه وقوّاده.
ثم انهمك على لذّاته وترك مراعاة كثير من السياسة الملوكية التى جرت عادة الملك أن يتولّاها بنفسه. وقيل: إنه ادّعى الإلهية فخرج عليه بيوراسب، وكان من جملة عمّاله، واستجلب الناس وجمعهم عليه واستصلحهم لنفسه، وقصد جمشيد بعد أن كثرت أتباعه وقويت شوكته، فهرب منه فاتبعه حتى أدركه وظفر به ونشره بمنشار.
وملك بعد جمشيد بيوراسب؛ وهو الذى يسمّيه العرب الضحّاك. قالوا:
وهو بيوراسب «٤» بن أرونداسف بن بغاداس بن طوخ بن قروال بن ساعل بن فرس ابن كيومرث، وهو الدّهّاك، فعرّب اسمه فقيل الضحّاك. وقيل: إنه ملك ألف سنة. وزعم قوم أنه نمروذ. وزعم قوم آخرون أنه كان من عمّال بيوراسب على كثير من أعماله.
стр. 4992
قال: ولما ملك بيوراسب ظهر منه خبث شديد وفجور كثير، وملك الأرض كلها، فسار فيها بالجور والعسف وسفك الدماء والصلب، وهوّل على الناس ومحاسيرة من تقدّمه من الملوك، وسنّ الأعشار واتخذ الملاهى والغناء. وكان على منكبيه سلعتان «١» يحرّكهما إذا شاء كما يحرّك يده، فادّعى أنهما حيّتان تهويلا على ضعفاء الناس. وقد تقدّم ذكره فى الباب الرابع من القسم الثالث من الفنّ الأوّل، وهو فى السفر الأوّل «٢» من نسخة الأصل فى أخبار أعياد الفرس، فلا حاجة الى إعادة ما قدّمنا ذكره من أمره.
قال: ولما عمّ الناس جوره كان من سوء عاقبة ذلك أن ظهر بأصبهان رجل يقال له كابى «٣» من عوامّ الناس. ويقال: إنه كان حدّادا. وكان الضحاك قتل لكابى ابنين، فبلغ به الجزع على ولديه مبلغا عظيما، فقام وأخذ عصا وعلّق عليها جرابا.
وقيل: بل علّق النّطع الذى كان يشدّه على وسطه يتّقى به النار إذا صنع الحدادة.
وقيل: بل كان جلد أسد. وقيل: بل جلد نمر، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب، فحمل الناس ما كانوا فيه من البلاء إن اتبعوه وأطاعوه، فاستفحل أمره، وكثرت أتباعه، واجتمع عليه أشراف الناس وأكابرهم؛ فقصد بيوراسب. فلما أشرف عليه هرب عن منازله، فجاء أشراف الناس إلى كابى الأصبهانى واجتمعوا عليه ليملّكوه، فامتنع من ذلك وقال: إنى لست من بيت الملك، ولكن التمسوا من هو من بيت الملك فنولّيه علينا. وكان أفريذون «٤» بن اثفيان قد استخفى من الضحاك
стр. 4993
فى بعض النواحى، فجاء إلى كابى الأصبهانىّ ففرح الناس به واستبشروا بمقدمه، وكان مرشحا للملك فملّكوه عليهم، وصار كابى من جملة أعوان أفريذون.
قال: وتفاءل الفرس وتبركوا بذلك العلم الذى كان قد رفعه كابى الأصبهانى وعظّموه ورصّعوه بعد ذلك بالجواهر وسمّوه الدّرفس وجعلوه علمهم الأكبر الذى يتبرّكون به، وهو الذى صار الى المسلمين فى وقعة القادسية «١» . وكانت الفرس لا ينشرونه إلا فى الأمور العظيمة.
قال: ولما هرب بيوراسب ملك بعده أفريذون؛ وهو التاسع من ولد جمشيد. قال: فأوّل ما بدأ به أن اتبع بيوراسب فأدركه بدنباوند «٢» وقتله. وفى يوم قتله أحدث المهرجان على ما قدّمناه «٣» . قال: ثم ردّ أفريذون مظالم الناس وأمر بالإنصاف وبسط العدل، ونظر الى ما كان بيوراسب قد اغتصبه من أموال الناس وأملاكهم وأراضيهم، فردّ ذلك على أهله، وما لم يجد أهله وقفه على المساكين ومصالح العامة. وكان مؤثرا للعلم وأهله. وكان صاحب طبّ وفلسفة ونجوم.
وزعم بعض الفرس أن بيوراسب الضحاك هو النمروذ، وأن أفريذون هو إبراهيم ﵇. قال: ودام ملكه خمسمائة سنة. وقال: هو أوّل من تسمى بكى، فكان يقال له: كى أفريذون، وهى كلمة يراد بها التنزيه؛ أى روحانىّ منزّه متصل بالروحانية. وهو أوّل من ذلّل الفيلة وقاتل بها الأعداء. قال: وكان لأفريذون
стр. 4994
ثلاثة أولادوهم: سرم وقيل فيه سلم، وطوخ «١» ، وإيرج وقيل فيه إيران؛ فخشى أفريذون ألا يتفقوا بعده وأن يبغى بعضهم على بعض، وظن أنه إذا قسم الملك بينهم فى حياته بقى الأمر بعده على انتظام واتساق فقسمه بينهم. فجعل الروم والشام وناحية المغرب لسرم. وجعل الترك والصين لطوخ. وجعل العراق والهند لإيرج، وهو صاحب التاج والسرير. ففى ذلك يقول شاعرهم:
وقسمنا ملكنا فى دهرنا ... قسمة اللحم على ظهر الوضم «٢»
فجعلنا الروم والشام الى ... مغرب الشمس الى الملك سرم
ولطوخ جعل التّرك له ... فبلاد الصين يحويها ابن عم
ولإيران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفزنا بالنعم
فلما مات أفريذون وثب طوخ وسرم بأخيهما إيران فقتلاه وملكا الأرض بينهما، ولذلك نشأت العداوة بين الترك والروم، وقامت الحروب، وطلب بعضهم بعضا بالدماء. فكان من سوء عاقبة غدرهما بأخيهما وتغلبهما على ملكه أن نشأ ابن لإيران بن أفريذون يقال له منوجهر، وقيل اسمه منواشجهر، وقيل فيه منوشهر، فغلب على ملك أبيه إيران.
وملك منوجهر بن إيران بلاد فارس، ثم نشأ ابن لطوخ التركى فنفى منوجهر عن بلاده وجرت بينهما حروب، ثم ظفر منوجهر وعاد الى ملكه، ونفى ولد طوخ وقوى أمره وظهر اسمه. وكان منوجهر موصوفا بالعدل والإحسان فى مملكته.
ويقال: إنه أوّل من خندق الخنادق، وجمع آلة الحروب، وأوّل من وضع الدّهقنة «٣» ، وجعل لكل قرية دهقانا، وجعل أهلها عبيدا وخولا وألبسهم لباس
стр. 4995
المذلّة. ولما قوى أمره سار نحو الترك وطلب بدم أبيه فقتل عمّيه اللذين قتلا أباه، وأدرك ثأره وانصرف الى بلاده.
ثم نشأ فراسياب «١» بن ترك من ولد طوخ بن أفريذون وإليه ينسب الترك، فحارب منوجهر وحاصره بطبرستان «٢» ، ثم اصطلحا وضربا بينهما حدّا لا يجاوزه واحد منهما، وهو نهر بلخ، فانقطعت الحرب بين فراسياب ومنوجهر. وكان لمنوجهر هذا خطب تدل على سداد رأيه، ووفور عقله، وجودة فهمه؛ قد ذكرنا بعضها فى الباب الرابع «٣» من القسم الخامس من الفنّ الثانى فى وصايا الملوك. قال: وفى أيام منوجهر ظهر موسى بن عمران ﵇.
قال: ولما مات منوجهر تغلّب فراسياب على إقليم بابل اثنتى عشرة سنة، وأكثر الفساد، وخرّب البلاد، وطمّ الأنهار ودفن القنى، فقحط الناس الى أن ظهر زوّبن طهماسب فأخرجه عن بلاد فارس الى تركستان.
وملك زوّبن طهماسب وقيل فيه: زاع، وقيل فيه: زاب، وقيل: راسب، وهو من أولاد منوجهر، وبينه وبين منوجهر عدّة آباء. قال: ولما ملك ابتدأ فى عمارة ما خرّبه فراسياب، وأمر ببناء ما هدم من الحصون، وحفر الأنهار والقنى، حتى عادت البلاد إلى أحسن ما كانت عليه، ووضع عن الناس الخراج
стр. 4996
سبع سنين، فعمرت البلاد فى أيامه، ودرّت معايش الناس، واحتفر بالسواد «١» نهرا وسماه الزاب، وبنى على حافتيه مدينة وهى التى تسمى المدينة العتيقة، وكوّرها كورا، وجعلها ثلاثة طساسيج «٢» : الزاب الأعلى، والزاب الأوسط، والزاب الأسقل، ونقل إليها بذور الرياحين، وأصول الأشجار، وزوّ هذا أوّل من اتخذ ألوان الطبيخ، وأنواع الأطعمة، وقسم الغنائم على جنوده. وكانت مدّة ملكه ثلاث سنين.
ثم ملك بعده كرشاسب بن أسباس؛ وأمه من سبط يامين بن يعقوب ﵇. قال: وكان مسكنه ببابل. ومدّة ملكه عشرون سنة. وبعض المؤرّخين لم يذكره فى الملوك. وقال الشيخ أبو على أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم: إن كرشاسب كان وزيرا لزوّ بن طهماسب، وأنه من أولاد طوخ ابن أفريذون. قال: وقد حكى أن زوّا وكرشاسبا اشتركا فى الملك. قال:
والصحيح من أمره أنه كان وزيرا لزوّ ومعينا له، والذى أثبت كرشاسب فى الملوك الشيخ عبد الملك بن عبد الله بن عبدون الحضرمى الشلبى فى كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر، وقال: ولم يذكره بعض المؤرّخين.
ثم ملك بعده كيقباذ بن زوّ؛ وقيل فيه: ابن زاب بن تور، وسلك سبيل أبيه فكوّر الكور، وبين حدودها، وأمر الناس بالعمارات، وأخذ العشر من الغلات لأرزاق الجند. وكان حريصا على العمارة، مانعا لحوزته. والملوك الكييّة «٣» من نسله. وكان بينه وبين الترك حروب كثيرة. وكانت إقامته فى الحدّ
стр. 4997
الذى بين مملكة الفرس والترك بناحية بلخ. وكان ملكه مائة وعشرين سنة ثم مات.
وملك بعده كيقابوس «١» بن كينة بن كيقباذ الملك. قال: ولما ملك شدّد على أعدائه، وقتل خلقا كثيرا من عظماء البلاد وسكن بلخ، وولد له ابن لم ير مثله فى عصره جمالا وتمام خلقة، وسمّاه سياوخش وضمه الى رستم الشديد بن دستان من ولد كرشاسب. وكان أصبهبذا بسجستان وما يليها من قبل كيقابوس وأمره بتربيته.
فمضى به رستم الى سجستان وتخيّر له الحواضن والمراضع الى أن عقل، فجمع له المعلمين، ثم علّمه الفروسية حتى فاق فيها، فقدم به على أبيه وهو كامل الصفات من العقل والأدب والفروسية، فامتحنه والده فوجده فوق ما يحب.
قال: وكان لكيقابوس زوجة بارعة الجمال يقال إنها بنت فراسياب ملك الترك؛ ويقال: إنها ابنة ملك اليمن، فهويت سياوخش وهويها، ويقال: إنها كانت ساحرة فسحرته، وآل أمرهما الى أن انكشف لأبيه كيقابوس واطّلع على ما كان من أمر ابنه وزوجته، فأشفق سياوخش على نفسه وخشى عاقبة أبيه فتلطف فى البعد عنه، فسأل رستم أن يشير على أبيه لإرساله لحرب فراسياب ملك الترك، وكان قد تجدّدت بين فراسياب وكيقابوس وحشة، ففعل رستم ذلك وخاطب كيقابوس فيه واستأذن له فى جند يضمهم إليه، فأذن له وضمّ إليه جندا كثيفا وأشخص سياوخش الى بلاد الترك، فسار حتى التقى بفراسياب فانتظم الصلح بينهما من غير حرب، فكتب سياوخش الى أبيه يخبره بما كان بينه وبين فراسياب من الصلح والاتفاق، فكتب إليه كيقابوس بإنكار ذلك عليه وأمره بمناهضته ومناجرته الحرب، فرأى سياوخش
стр. 4998
أنه إن فعل ما أمره به والده من الحرب ونقض الهدنة من غير سبب وقع يوجب نقضها، يكون ذلك عارا عليه ومنقصة، فامتنع من إنفاذ أمر أبيه وأجمع رأيه على الهرب منه، فكتب الى فراسياب ملك الترك يطلب منه الأمان لنفسه، وعرّفه أنه آثر اللحاق به فأجابه الى ذلك. وكان السفير بينهما أحد عظماء الترك وأكابرهم يسمى قيران. فلما استوثق سياوخش من ملك الترك سار نحوه وانصرف من كان معه من جند أبيه ورجعوا إليه. قال: ولما وصل سياوخش الى فراسياب ملك الترك أكرمه وعظّمه وزوجه بابنته، وهى أم كيخسرو الذى ملك الفرس. ولم يزل على إكرامه الى أن ظهر له من أدبه وحسن سياسته وجميل تلطفه ما أشفق منه وخشى على ملكه لميل الناس إليه فقتله. وكانت ابنة الملك قد اشتملت من سياوخش على حمل، فقصد أن يسقطه وتحيّلوا فى ذلك فلم تسقط؛ ثم جاء قيران، وهو الذى كان السفير فى الصلح بين الترك وسياوخش، وأنكر ما كان من فعل الملك وحذّره عاقبة الغدر والطلب بالثأر، وأشار عليه أن يدفع ابنته زوجة سياوخش إليه لتكون عنده الى أن تضع وقال: اذا أردت بعد ذلك قتل ولدها فاقتله؛ فأجابه الملك الى ذلك وسلّم إليه ابنته، فكانت عنده الى أن وضعت كيخسرو؛ فلما وضعته امتنع قيران من قتله وستر أمره، فكان عند قيران حتى بلغ، ثم احتال جدّه كيقابوس الى أن أخرجه هو وأمّه من بلاد الترك.
قال أبو على أحمد بن محمد بن مسكويه فى كتابه المترجم بتجارب الأمم: وللفرس فى أمر كيقابوس خرافات كثيرة منها: أنهم يزعمون أن الشياطين مسخوه، وقوم منهم يزعمون أن سليمان بن داود ﵉ أمرهم بذلك فى خرافات كثيرة ظاهرة الإحالة: من الصعود الى السماء، وبناء مدينة كنكر بأسوار من ذهب وفضة
стр. 4999
وحديد ونحاس وأنهار، وأنها ما بين السماء والأرض؛ وأشياه ذلك مما تحيله العقول السليمة؛ لأن ذلك ليس فى قدرة البشر.
قال: ولما تمّ لكيقابوس أكثر ما كان يقصده سار من خراسان ونزل بابل وترك ما كان يتولاه بنفسه من السياسات، واحتجب عن الناس وتعاظم عليهم، وآثر الخلوة، فكان من عاقبة ذلك أن فسد عليه ملكه وغزته الملوك؛ فكان بعد ذلك يغزوهم فيظفر بهم مرّة وينكب أخرى، الى أن غزا بلاد اليمن، والملك بها يومئذ ذو الأذعار بن أبرهة بن ذى المنار. فلما أتاه كيقابوس خرج اليه ذو الأذعار فى جموعه من حمير وولد قحطان، فظفر به ذو الأذعار وأسره واستباح عسكره وحبسه فى بئر وأطبق عليه طبقا، فخرج رستم الشديد من سجستان فى جموع كثيرة من الفرس؛ فالفرس تزعم أنه أوغل فى بلاد اليمن واستخرج كيقابوس من محبسه، واليمن تقول غير ذلك، وأن ملكهم ذاالأذعار لما بلغه إقبال رستم خرج اليه فى جموعه وجنود عظيمة، وخندق كل منهما على نفسه وعسكره، وأنهما أشفقا على جندهما من البوار، فاتفقا على أن دفع لهم ملك اليمن كيقابوس وانصرف رستم من غير حرب ورجع بكيقابوس الى بابل، فكتب له كيقابوس كتابا بالعتق وأقطعه سجستان. ونسخة الكتاب الذى كتبه: من كيقابوس بن كيقباذ الى رستم. إنى قد أعتقتك من العبودية، وملّكتك بلاد سجستان، واجلس على سرير من فضة مموّه بالذهب، والبس قلنسوة من الحرير منسوجة بالذهب متوجة. قال: ومما يدل على صحة ما نقل من أمر كيقابوس قول الحسن بن هانىء:
وقاظ «١» قابوس فى سلاسلنا ... سنين سبعا وفت لحاسبها
стр. 5000
ولما مات كيقابوس ملك بعده ولد ابنه كيخسرو بن سياوخش بن كيقابوس. قال: ولما ملك عقد التاج على رأسه وخطب رعيته خطبة بليغة أعلمهم فيها أنه على الطلب بدم أبيه سياوخش قبل فراسياب ملك الترك، وكتب إلى جوذرز بأصبهان- وكان أصبهبذا على خراسان- يأمره بالمسير إليه، وأمره أن يعرض جنده وأن ينتخب ثلاثين ألف راجل ويضمهم إلى طوس [بن نوذران «١» ] وكان فيمن أشخص معه برزافره [بن كيقاوس «٢» ] عمّ كيخسرو وابن جوذرز وجماعة من إخوته، وتقدّم كيخسرو إلى طوس، وأمره أن يقصد فراسياب وطراخنته «٣» وحذره من ناحية ببلاد الترك فيها أخ له من أبيه سياوخش يقال له فروذ، وكان قد رزقه من بعض نساء الأتراك، كان سياوخش قد تزوّجها لما سار إلى فراسياب فولدت له فروذ، وأقام بموضعه إلى أن شبّ، فسار طوس وكان من غلطه الذى فعله أنه لما صار بالقرب من المدينة التى فيها فروذ حاربه فقتل فروذ فى الوقعة. فلما اتصل الخبر بكيخسرو غضب لذلك وشقّ عليه، فكتب إلى عمه برزافره ذلك كتابا غليظا يخبره بما ورد عليه من خبر طوس ومخالفته له ومحاربته لأخيه فروذ وقتله إياه، وأمره بإشخاص طوس إليه مقيدا مغلولا، وأن يتقدّم هو على العسكر ويتوجه. ففعل برزافره ذلك وتولى أمر العسكر، وسار وعبر النهر المعروف بكاشرود، وانتهى خبره إلى فراسياب فوجه للقائه وحربه جماعة من إخوته وطراختنه، فالتقوا وفيهم قيران وإخوته، فاقتتلوا قتالا شديدا، وظهر من برزافره عمّ كيخسرو فى ذلك اليوم فشل لمّا اشتدت الحرب، فهرب وانحاز بالعلم إلى رءوس الجبال، واضطرب على ولد جوذرز الأمر، فقتل منهم فى تلك الملحمة فى وقعة
стр. 5001
واحدة سبعون رجلا، وقتل خلق كثير، وانصرف برزافره ومن أفلت معه إلى كيخسرو، فرئيت الكابة فى وجهه وامتنع عن الطعام والشراب أياما، ثم أتاه جوذرز وشكا إليه عمه برزافره وأنه كان سبب الهزيمة، ولاطفه كيخسرو وقال: إن حقك لازم لنا لخدمتك إيانا، وهذا جندنا وخزائننا مبذولة لك فاطلب ترتك «١» واستعدّ وتجهّز للتوجه إلى فراسياب. فنهض جوذرز وقبّل يده وقال: نحن رعيتك وعبيدك أيها الملك، فإن كانت آفة أو نازلة فلتكن بالعبيد دون الملوك، وأولادى الذين قتلوا فداؤك، ونحن من وراء الانتقام من فراسياب والاستيفاء «٢» من الترك. فكتب كيخسرو إلى وجوه عساكره وأكابر أجناده يأمرهم بموافاته فى صحراء تعرف بشاه اسطون من كورة بلخ فى وقت وقّته لهم، فوافوه فى ذلك الوقت، وشخص كيخسرو بأصبهبذيته وأصحابهم وفيهم برزافره عمه وجوذرز وولده، فعرض كيخسرو الجند بنفسه حتى عرف عدّتهم واطّلع على أحوالهم، ثم أحضر جوذرز وثلاثة نفر معه من القوّاد فأعلمهم أنه يريد إدخال العساكر على الترك من أربعة وجوه ليحيطوا بهم من جميع جهاتهم، وقوّد على تلك العساكر، وجعل أعظمها إلى جوذرز، ودفع اليه يومئذ درفس «٣» كابيان، ولم يكن يدفع قبل ذلك لأحد من القوّاد، بل مع أولاد الملوك.
قال: وأمر أحد القوّاد بالدخول مما يلى الصين وضم اليه ثلاثين ألف رجل، وأمرهم بالدخول من ناحية الخزر من طريق بين جوذرز وبين الذى دخل من طريق الصين، ودخل جوذرز من ناحية خراسان وبدأ بقيران والتحمت بينهما
стр. 5002
الحرب واشتدّ القتال، فقتل جوذرز أخالقيران، ثم قتل قيران مبارزة، ثم قصد فراسياب والتحمت عليه العساكر من كل جهة، واتبع كيخسرو القوم بنفسه وقصد الوجه الذى كان فيه جوذرز، وقد أثخن فى القتل وقتل أصبهبذ فراسياب والمرشح للملك بعده، وجماعة كثيرة من إخوته وأولاده، وأسر برويز وهو الذى قتل سياوخش.
قال: ولما جاء كيخسرو وجد جوذرز قد أحصى الأسرى والقتلى وما غنم من الكراع «١» والأموال، فوجد ما فى يده من الأسرى ثلاثين ألفا، ومن القتلى خمسمائة ألف ونيفا وستين ألفا على ما تزعم الفرس، وحاز من الكراع والأموال ما لا يحصى كثرة، وأمر كل واحد من الوجوه الذين كانوا معه أن يجعل أسيره ورأس قتيله [عند علمه «٢» ] لينظر إلى ذلك كيخسرو عند موافاته. فلما وافى كيخسرو موضع الملحمة تلقاه جوذرز وعرض عليه الأسرى والقتلى، فرأى قيران قتيلا، وأتى بقاتل «٣»
أبيه الذى مثّل به بعد قتله. فقتله كيخسرو شرّ قتلة؛ قطعه عضوا عضوا ثم ذبحه، وأحسن صلة جوذرز وفوّض إليه الوزارة التى يقال لها بزر جفر «٤» مذار وجعل إليه مع ذلك أصبهان وجرجان، وأحسن لكل من أبلى من قوّاده ورجاله، ثم أتته أخبار قوّاده الثلاثة الأخر أنهم قد أحاطوا بفراسياب، وبرز فراسياب ومن بقى من ولده وعساكره وتوجه نحو كيخسرو بجيوش عظيمة، فيقال إن كيخسرو أشفق منه وهابه حتى ظن أنه لا قبل له به، ودام القتال بين العسكرين أربعة أيام، فقتل شيده مقدّم عسكر فراسياب، وكانت هذه
стр. 5003
الحرب معه، ثم أقبل فراسياب فى جمع عظيم من الأتراك والتقى هو وكيخسرو ونشبت بينهما حروب عظيمة يقال إنه لم ير مثلها قبلها قط على وجه الأرض، فكانت الدائرة على الترك، وانهزم فراسياب وكثر القتل فى أصحابه وأتبعه كيخسرو حتى أدركه بأذربيجان فظفر به واستوثق منه بالحديد ووبّخه على ما كان منه من قتل سياوخش، فلم يكن له حجة، فذبحه ثم انصرف. وقد غنم غنائم عظيمة لا تحصى وأدرك بثأره.
قال: ولما فرغ كيخسرو من أمر الترك ورجع إلى بلاده واستقرّ بدار ملكه زهد فى الملك وتنّسك، وأعلم وجوه أهل بيته وأكابر مملكته أنه قد عزم على التخلى والأنفراد وترك الملك؛ فجزعوا من ذلك وسألوه ألا يفعل، فأبى عليهم. فلما أيسوا منه سألوه أن ينصب فى الملك من يراه له أهلا، فأشار بيده إلى لهراسف وأعلمهم أنه خاصته ووصيته، فقبل لهراسف ذلك وأقبل الناس عليه. وفقد كيخسرو. فمنهم من يقول: إنه غاب للتنسك، وبعضهم يقول غير ذلك، إلا أنه لم تعلم جهة وفاته. قال: وكان ملكه ستين سنة. قال: وفى أيام ملكه كان سليمان بن داود ﵇.
ثم ملك بعده لهراسف «١» ؛ وقيل فيه بهراسف بن تنوفى بن كيمش وهو ابن أخى كيقابوس ويلقب بكى لهراسف. قال: ولما ملك اتخذ سريرا من ذهب مكللا بالجوهر للجلوس عليه، وبنيت له بأرض خراسان مدينة، وسماها بلخ الحسناء.
قال: وهو أوّل من دوّن الدواوين، وقوّى ملكه بانتخاب الجنود، وعمر الأرض.
وكانت شوكة الأتراك اشتدّت فى زمانه، فنزل بلخ لمقاتلتهم، ووجه بختنصر
стр. 5004
أصبهبذا ما بين الأهواز إلى أرض الروم، من غربىّ الفرات. وسنذكر أخباره إذا انتهت أخبار لهراسف.
قال: وكان لهراسف بعيد الهمة، طويل الفكرة، شديد القمع للملوك المحيطة لإيران شهر. وكانت ملوك الروم والمغرب والهند يؤدّون إليه إتاوة معلومة فى كل سنة، ويقرّون له أنه ملك الملوك هيبة له، واستمتر فى الملك إلى أن كبرت سنّة وأحس بالضعف فاعتزل الملك ونصب ابنه بشتاسب «١» . وكان ملكه فيما ذكر مائة وعشرين سنة.
ذكر أخبار بختنصّر
ويقال فى اسمه بالفارسية بخترشه «٢» ، وكان مرزبانا للهراسف، ومعنى المرزبان أنه ملك على ربع من أرباع المملكة. وقد قدّمنا أن الملك لهراسف كان قد جعله أصبهبذا ما بين الأهواز إلى أرض الروم. قال: فسار حتى أتى دمشق فصالحه أهلها، ووجه قائدا له فأتى بيت المقدس فصالح ملك بنى إسرائيل، وهو رجل من بنى داود النبىّ ﵇، وأخذ منه رهائن وانصرف. فلما بلغ طبرية وثب بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه وقالوا له: إنك هادنت أهل الكفر وخذلتنا واستعدّوا للقتال؛ فكان عاقبة ذلك أن قائد بختنصر- لما بلغه ما كان من بنى إسرائيل- كتب إليه يخبره بقتلهم ملكهم، فأجابه بختنصر أن يقيم بموضعه حتى يوافيه، وأمره بضرب أعناق الرهائن الذين معه. وسار بختنصر حتى أتى بيت
стр. 5005
المقدس فأخذ المدينة عنوة وقتل المقاتلة وسبى الذرّية وهرب الباقون إلى مصر، فكتب بختنصر إلى ملك مصر: أن عبيدا لى هربوا منى إليك فسرّحهم إلىّ وإلا غزوتك وأوطأت خيلى بلادك، فكتب إليه ملك مصر: إنهم ليسوا عبيدك، ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار، وامتنع من إنفاذهم اليه، فغزاه بختنصر وقتله وسبى أهل مصر، ثم سار فى أرض المغرب حتى بلغ أقصى نواحيها.
قال صاحب كتاب تجارب الأمم: وقد حكى أهل التوراة وغيرهم فى أمر بختنصر أقوالا مختلفة، فذكروا منها: أن بختنصر لما خرّب بيت المقدس أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه فى بيت المقدس، فقذفوا فيه من التراب ما ملأه. قال: ولما انصرف إلى بابل اجتمع معه سبايا بيت المقدس من بنى إسرائيل وغيرهم، فاختار منهم سبعين ألف صبىّ، فلما فرّق الغنائم على جنوده سألوه أن يقسم فيهم الصبيان، فقسمهم فى الملوك منهم، فأصاب كل رجل منهم أربعة، وكان من أولئك الغلمة الذين سباهم، دانيال النبىّ وحنين ومنشايل، وسبعة آلاف من أهل بيت داود، وأحد عشر ألفا من سبط بشر بن يعقوب. ثم غزا بختنصر العرب، وذلك فى زمن معدّ بن عدنان.
قال: وكانت مدّة غلبة بختنصر إلى أن مات أربعين سنة، ثم قام ابن له يقال له أو نمروذ «١» ثم [هلك، وملك مكانه ابن له يقال «٢» له] بلتنصر، وذلك فى زمن بهمن، فلم يرض بهمن أمره فعزله وملّك مكانه كيرش، وتقدّم إليه بهمن أن يرفق ببنى إسرائيل ويمكّنهم من النزول حيث سألوا، أو الرجوع إلى أرضهم، وأن يولّى
стр. 5006
عليهم من يختارونه، فاختاروا دانيال فولاه أمرهم. فكانت مدّة خراب بيت المقدس سبعين سنة، وقيل غير ذلك. ولنرجع إلى أخبار الفرس.
ولما اعتزل لهراسف الملك كما ذكرناه، ملك بعده كى بشتاسف «١» بن كى لهراسف. قال: ولما ملك بنى مدينة فسا «٢» ، وهو أوّل من بسط دواوين الكتاب لا سيما ديوان الرسائل، وكان له ديوانان أحدهما: ديوان الخراج، والآخر ديوان النفقات، فكل ما يرد فإلى ديوان الخراج، وكل ما يصرف فمن ديوان النفقات. وكان له كاتب موكل بدار المملكة، فإن وقع تقصير بأحد فى منزلته، أو حطّ من درجته رجع إلى ذلك الكاتب ليبين له حال مرتبته فيجرى على رسمه وعادته.
وفى أيامه ظهر زرادشت [بعد ثلاثين سنة من ملكه فادّعى النبوّة «٣» ] فأراده على قبول دينه فامتنع من ذلك ثم صدّقه وقبل دعواه، وأتاه بكتاب يكتب فى جلد اثنتى عشرة ألف بقرة حفرا فى الجلود ونقشا بالذهب، فصير بشتاسف ذلك الكتاب بإصطخرو وكل به الهرابذة «٤» ، ومنع من تعليمه العامة. وبنى ببلاد الهند بيوتا للنيران، وتنسّك واشتغل بالعبادة، وهادن كى خرزاسف بن كى سواسف ابن أخى «٥» فراسياب ملك الترك على ضروب من الصلح، وفى جملة شريطة الصلح ألا يكون
стр. 5007
ببلاد خرزاسف دابة موقوفة فى منزلة الدوابّ التى تكون على أبواب الملوك، وغير ذلك مما وقعت عليه المهادنة. فأشار زرادشت على بشتاسف بنقض الهدنة ومفاسدة ملك الترك، فبلغ ملك الترك ذلك، فغضب وكتب إليه كتابا غليظا من جملته أن يوجه إليه زرادشت، وأقسم إن امتنع أن يغزوه حتى يسفك دمه ودماء أهل بيته؛ فأجابه بشتاسف بجواب أغلظ من كتابه وآذنه بالحرب وأعلمه أنه غير ممسك عنه إن أمسك هو. فسار كل منهما الى الآخر، ومع كل واحد منهما إخوته وأهل بيته، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الدائرة على الترك، وقتل اسفنديار بن بشتاسف بيدرفش «١» الساحر مبارزة؛ وقتلت الترك قتلا ذريعا، وهرب ملكهم خرزاسف ورجع بشتاسف الى بلخ.
قال: فلما مضت لتلك الحرب سنون سعى رجل يقال فروخ «٢» بإسفنديار الى بشتاسف ونسبه أنه تطاول للملك، وزعم أنه أحقّ به، فأفسد بذلك قلب بشتاسف عليه، وصدق مقالة فروخ، فأخذ فى التدبير على إسفنديار وجعل يرسله الى حرب بعد حرب، وهو يظفر وينجح ويرجع بالغنائم، ثم أمر بتقييده فقيّد، وصيره فى الحبس فى حصن من حصونه، وسار بشتاسف الى جبل يقال له طميدر لدراسة دينه والتنسك هناك، وخلّف أباه لهراسف فى مدينة بلخ، وقد كبرت سنه وهرم وعجز.
قال: فاتصل هذا الخبر بخرزاسف ملك الترك، فجمع من الجنود ما لا يحصى كثرة، وشخص من بلاده نحو بلخ حتى [إذا «٣» ] انتهى الى تخوم ملك فارس قدّم أمامه
стр. 5008
جوهرمز «١» أخيه، وكان مرشحا للملك، فى جماعة كثيرة من المقاتلة، وأمرهم أن يغذّوا السير حتى يتوسطوا المملكة، ثم يوقعوا بأهلها ويشنوا الغارة على المدن والقرى.
ففعل جوهر مز ذلك وسفك الدماء واستباح الحرم، وسبى ما لا يحصى، وأتبعه خرزاسف ملك الترك حتى انتهى الى مدينة بلخ، فأحرق الدواوين وقتل لهراسف والهرابذة، وهدم بيوت النيران، واستولى على الأموال والكنوز، وسبى ابنتين لبشتاسف وأخذ درفس كابيان، وسار فى طلب بشتاسف فتحصن منه فى جبل طميدر؛ فعند ذلك ندم بشتاسف على ما كان منه فى حق ابنه إسفنديار؛ فيقال:
إنه وجه من استخرجه من محبسه، وجاءه به؛ فلما دخل عليه اعتذر منه ووعده عقد التاج على رأسه، وأن يفعل معه كما فعل لهراسف به. وقلده أمر عساكره وندبه لحرب ملك الترك. فطابت نفس إسفنديار بكلام أبيه له، وتأهب لوقته، وسار بالجنود صبيحة النهار نحو الترك. فلما قرب منهم تبادروا لحربه؛ فكان ممن خرج اليه منهم جوهر مزواندرمان، فالتقوا والتحمت بينهم الحرب، فانقضّ إسفنديار على عساكر الترك بنفسه واختلط بهم، وقاتل حتى ثلم فيهم ثلمة عظيمة، وفشا فى الترك أن إسفنديار قد أطلق من محبسه، وأنه هو الذى يقاتلهم، فانهزموا لا يلوون على شىء. واسترجع إسفنديار من الترك الدّرفس وعاد الى أبيه، فاستبشر وأمره باتّباع القوم وقتال خرزاسف وقتله- إن ظفر به- بجدّه لهراسف، وقتل جوهر مز واندرمان بمن قتل من ولده، وأن يهدم حصون الترك ويحرّق مدنهم ويقتل أهلها بمن قتلوا من أهل بلاده، ويستنقذ من سبوه من بناته. فدخل إسفنديار بلاد الترك ورام ما لم يرمه أحد قبله، واعترض العنقاء ورماها على ما يزعم الفرس، ودخل مدينة الصفر عنوة، وقتل ملكها وأخوته ومقاتلته، واستباح
стр. 5009
أمواله وسبى ذراريه ونساءه واستنقذ أختيه، وكتب بالفتح الى أبيه. ولم يستقل إسفنديار هذا بالملك.
والذى ملك الفرس بعد بشتاسف أردشير «١» بهمن بن إسفنديار بن بشتاسف. وتفسير بهمن بالعربية: الحسن النيّة.
قال: ولما ملك أردشير انبسطت يده وتناول الممالك حتى ملك الأقاليم.
وكانت ملوك الأرض تحمل اليه الإتاوة، وابتنى بالسواد مدينة وهى المعروفة بهمينيا «٢» ، وهو أبو دارا الأكبر، وأبو ساسان. قال: وكان بهمن كريما متواضعا. وكانت تخرج كتبه: من أردشير بهمن عبد الله وخادم الله والسائس لأمركم. ويقال:
إنه غزا رومية الداخلة فى ألف ألف مقاتل. ومن المؤرخين من ذهب الى أن بهمن هذا هو الذى جهّز بختنّصر لغز والعرب وغيرهم. وكانت مدّة ملك أردشير [مائة «٣»
و] اثنتى عشرة سنة.
ولما مات ملكت بعده ابنته جماز هرازاد، وهى جمانى «٤» أمّ ابنه دارا. قال:
وكانت قد حملت منه بدارا الأكبر وسألته أن يعقد التاج للذى فى بطنها ويؤثره بالملك، ففعل أردشير ذلك. وكان ابنه ساسان يتصنع للملك ولا يشكّ أنه يكون هو الملك بعد أبيه. فلما رأى ما فعل أبوه شقّ ذلك عليه، فلحق بإصطخر وتزهّد، وخرج عن حلية الملوك، واتخذ غنيمة وكان يتولّاها بنفسه، فاستشنع «٥» الناس ذلك
стр. 5010
من فعله وقالوا: صار ساسان راعيا، ولم تزل جمانى قائمة بأمر الملك، ضابطة له، وأغزت الروم جيشا [بعد «١» جيش] وأوتيت ظفرا، فقمعت الأعداء وشغلتهم عن التطرّق الى شىء من بلادها، ونال رعيّتها بتدبيرها رفاهية وأمن الى أن كبر ابنها.
فملك دارا بن أردشير بهمن. قال: ولما كبر حوّل التاج الى رأسه ونزل بابل. وكان ضابطا لملكه، قاهرا لمن حوله من الملوك، يؤدون اليه الخراج.
وابتنى بفارس مدينة وسماها دارا بجرد. ورتّب دوابّ البريد. وكانت مدّة ملكه اثنتى عشرة سنة.
وملك بعده ابنه دارا بن دارا بن أردشير؛ وكان دارا هذا حقودا جبارا، فملّه قومه. وغزاه الإسكندر بن فيلبس اليونانى، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل دارا بن دارا. وسنذكر خبر مقتله فى أخبار الإسكندر.
فهؤلاء ملوك الفرس الأول. ثم تبدّد ملك الفرس وانتثر لقتل دارا بن دارا، واستقل الإسكندر بالملك. وملك بعده من نذكره من ملوك اليونان، وتفرّق ملك الفرس أربعمائة سنة الى أن عاد الى بنى ساسان. وهأنا ذاكر خبر ملوك الطوائف ما بين دارا بن دارا وأردشير بن بابك.
ذكر أخبار ملوك الطوائف
وملوك الطوائف هم الذين ملكوا بلاد فارس ما بين دارا بن دارا وأردشير ابن بابك الذى جمع ملك الفرس بعد تبدّده، ونظمه بعد انتثاره. وكان من خبرهم أن الإسكندر لما قتل دارا بن دارا وغلب على بلاد الفرس هم بقتل أكابرهم، فكتب الى معلّمه أرسطا طاليس يستشيره فى ذلك، فنهاه عن قتلهم وقال: هذا
следующие страницы →