وودّعت ببنان عقدها عنم، ... ناديت: لا حملت رجلاك يا جمل!
ويلى من البين! ماذا حلّ بى وبها ... من نازل البين؟ حان البين فارتحلوا!
يا راحل العيس، عرّج كى نودّعها! ... يا راحل العيس، فى ترحالك الأجل؟
إنّى على العهد لم أنقض مودّتهم، ... يا ليت شعرى! بعد العهد ما فعلوا؟
قال: فقال رجل من البغضاء الذين معى: ماتوا! قال: قال إذن فأموت! فقال له: إن شئت! فتمطّى واستند إلى السارية التى كان مشدودا فيها فمات. فما برحنا حتّى دفناه.
وحكى عن أبى يحيى التيمى، قال: كنا نختلف إلى أبى مسعر بن كدام، وكان يختلف معنا فتى من النّسّاك، يقال له أبو الحسن، ومعه فتى حسن الوجه يفتتن به الناس إذا رأوه. فأكثر الناس القول فيه وفي صحبته إياه. فمنعه أهله أن يصحبه وأن يكلمه. فذهل عقله حتّى خيف عليه التلف. فلقيته فأخبرته بذلك، فتنفس الصّعداء ثم أنشأ يقول:
يا من بدائع حسن صورته ... تثنى إليه أعنّة الحدق!
لى منك ما للناس كلّهم: ... نظر وتسليم على الطّرق.
لكنّهم سعدوا بأمنهم ... وشقيت حين أراك بالفرق!
ثم صرخ صرخة وشخص بصره نحو السماء وسقط إلى الأرض. فحرّكته فإذا هو ميت.
وروى ابن الجوزىّ قال: أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطىّ، قال:
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبى نصر الحميدىّ قال: حدّثنى أبو محمد علىّ بن أحمد
стр. 632
الفقيه الحافظ قال: حدّثنى أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجىّ الأديب، قال:
نت أختلف في النحو إلى أبى عبد الله محمد بن خطاب النحوى في جماعة، أيام الحداثة. وكان معنا أسلم بن سعيد قاضى قضاة الأندلس. قال محمد بن الحسن:
وكان من أجمل من رأته العيون. وكان معنا عند ابن خطاب أحمد بن كليب.
وكان من أهل الأدب والشعر فاشتدّ كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف فيه القول متسترا بذلك، إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة، وأنشدت في المحافل.
فلعهدى بعرس في بعض الشوارع و «البكورىّ» الزامر في وسط المحفل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم.
أسلّمنى في هوا ... هـ أسلم، هذا الرّشا!
غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا!
وشى بيننا حاسد ... سيسأل عمّا وشى!
ولو شاء أن يرتشى ... على الوصل روحى، ارتشى!
ومغنّ محسن يسايره. فلما بلغ هذا المبلغ، انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس على بابه. فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم نهاره كله. فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا. فإذا صلّى المغرب واختلط الظلام، خرج مستروحا، وجلس على باب داره. فعيل صبر أحمد بن كليب.
فتحيل في بعض الليالى ولبس جبّة من جباب أهل البادية، واعتمّ بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجا وبالأخرى قفصا فيه بيض. وجاء كأنه قدم من بعض الضّياع، فتقدّم إلى أسلم وقبل يده، وقد اختلط الظلام، وقال: يا مولاى، من يقبض
стр. 633
هذا؟ فقال له أسلم: من أنت؟ فقال: أجيرك في الضّيعة الفلانية- (وقد كان يعرف أسماء ضياعه) . فأمر أسلم غلمانه بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم. ثم جعل أسلم يسأله عن أحوال الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام فتأمله فعرفه، فقال له: يا أخى! وإلى هاهنا تتبعنى؟ أما كفاك انقطاعى عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة، وعن القعود على بابى نهارا حتّى قطعت علىّ جميع مالى فيه راحة فصرت في سجنك؟ والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلى، ولا جلست بعدها على بابى، لا ليلا ولا نهارا، ثم قام. وانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا.
قال محمد: واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب: وخسرت دجاجك وبيضك؟
فقال: هات كلّ ليل قبلة في يده، وأخسر أضعاف ذلك! فلما يئس من رؤيته البتة، نهكته العلة وأضجعه المرض. قال محمد بن الحسن: فأخبرنى شيخنا محمد بن خطاب قال: فعدته فوجدته بأسوإ حال. فقلت له: لم لا تتداوى؟ فقال: دوائى معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم فيّ البتة، فقلت له: وما دواؤك؟ قال: نظرة من أسلم! فلو سعيت في أن يزورنى لأعظم الله جزاءك بذلك، وآجره. قال: فرحمته وتقطعت نفسى عليه، فنهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه، فأذن لى وتلقّانى بما يجب، فقلت:
لى حاجة، فقال: وما هى؟ قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندى. فقال: نعم، ولكن قد تعلم أنه برّح بى، وشهر اسمى وآذانى.
فقلت له: كل ذلك يغتفر في مثل هذه الحال التى هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته. فقال لى: والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلّفنى هذا! فقلت: لا بدّ من ذلك فليس عليك فيه شىء، وإنما هى عيادة مريض. قال: ولم أزل به حتّى أجاب، فقلت له: فقم الآن، قال: لست والله أفعل، ولكن غدا، فقلت له: ولا خلف،
стр. 634
قال: نعم. فانصرفت إلى أحمد بن كليب فأخبرته بوعده فسرّ بذلك وارتاحت نفسه.
فلما كان من الغد بكّرت إلى أسلم، وقلت له: الوعد، قال: فوجم، وقال: والله لقد تحملنى على خطّة صعبة علىّ، وما أدرى كيف أطيق ذلك؟ فقلت له: لا بدّ أن تفى بوعدك لى، قال: فأخذ رداءه ونهض معى راجلا، فلما أتينا منزل أحمد، وكان يسكن في درب طويل. فعند ما توسّط الزّقاق وقف واحمرّ وخجل، وقال:
يا سيدى، للساعة والله أموت! وما أستطيع أن أعرض هذا على نفسى! فقلت:
لا تفعل بعد أن بلغت المنزل، قال: لا سبيل والله إلى ذلك البتّة! ورجع هاربا فاتّبعته وأخذت بردائه، فتمادى وتمزق الرداء وبقيت قطعة منه في يدى لشدّة إمساكى له. ومضى ولم أدركه. فرجعت ودخلت على أحمد، وكان غلامه قد دخل عليه لما رآنا من أوّل الزقاق مبشّرا. فلما رآنى تغير وجهه وقال: أين أبو الحسن؟
فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الاسترجاع. فاستبشعت الحال وجعلت أتوجّع وقمت، فثاب إليه ذهنه، وقال لى: يا أبا عبد الله، قلت: نعم، قال: اسمع منى، واحفظ عنّى، وأنشأ يقول:
أسلم، يا راحة العليل ... رفقا على الهائم النّحيل!
وصلك أشهى إلى فؤادى ... من رحمة الخالق الجليل!
قال: فقلت له: اتق الله، ما هذه العظيمة؟ قال: قد كان، فخرجت عنه فو الله ما توسطت الزقاق حتّى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدّنيا.
وهذه الحكاية مشهورة عند أهل الأندلس. وأسلم هذا من بنى خالد وكانت فيهم وزارة وحجابة. وهذا الباب طويل والحكايات والأخبار والوقائع فيه كثيرة يطول الشرح بذكرها.
стр. 635
وأما من قتل نفسه بسبب العشق، فحكى عن عبد الرحمن بن إسحاق القاضى قال: انحدرت من «سرّ من رأى» مع محمد بن إبراهيم أخى إسحاق، ودجلة تزخر من كثرة مائها. فلما سرنا ساعة، قال: ارفقوا بنا، ثم دعا بطعامه فأكلنا، ثم قال:
ما ترى في النبيذ؟ قلت له: أعز الله الأمير، هذه دجلة قد جاءت بمدّ عظيم يرغب مثله، وبينك وبين منزلك مبيت ليلة، فلو شئت أخرته، قال: لا بدّ لى من الشراب، واندفعت مغنية فغنّت، واندفعت أخرى فغنته:
يا رحمتا للعاشقينا، ... ما إن أرى لهم معينا!
كم يشتمون ويضربو ... ن ويهجرون، فيصبرونا!
فقالت لها المغنية الأولى: فيصنعون ماذا؟ قالت: يصنعون هكذا، ورفعت الستارة وقذفت بنفسها في دجلة. وكان بين يدى محمد غلام ذكر أنّ شراءه ألف دينار، بيده مذبّة، لم أر أحسن منه. فوضع المذبّة من يده وقذف بنفسه في دجلة، وهو يقول:
أنت التى غرّقتنى ... بعد الفضا، لو تعلمينا!
فأراد الملاحون أن يطرحوا أنفسهم خلفهما، فصاح بهم محمد: دعوهما يغرقا إلى لعنة الله! قال: فرأيتهما وقد خرجا معتنقين ثم غرقا.
وحكى عن جميل بن معمر العذرىّ أنه قال: دخلت على عبد الملك بن مروان فقال لى: يا جميل حدّثنى بعض أحاديث بنى عذرة، فإنه بلغنى أنهم أصحاب أدب وغزل، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، انتجعوا عن حيّهم مرة فوجدوا النّجعة بموضع نازح فقطنوه. فخرجت أريدهم. فبينا أنا أسير، غلطت الطريق وجنّ علىّ الليل،
стр. 636
فلاح لى باب فقصدته. فوردت على راع في أصل جبل قد ألجأ غنمه إلى كهف فى الجبل، فسلمت عليه، فردّ علىّ السلام، وقال: أحسبك قد ضللت الطريق؟
قلت: قد كان ذلك، فأرشدنى! قال: بل أنزل حتّى تريح ظهرك، وتبيت ليلتك، فإذا أصبحت وقّفتك على القصد. فنزلت فرحّب بى وأكرمنى، وعمد إلى شاة فذبحها، وأجّج نارا، وجعل يشوى ويلقى بين يدىّ، ويحدّثنى في خلال ذلك. ثم قام إلى كساء فقطع به جانب الخباء ومهّد لى جانبا، ونزل جانبا خاليا. فلما كان في الليل سمعته يبكى ويشكو إلى شخص. فأرقت ليلتى. فلما أصبحت، طلبت الإذن فأبى، وقال:
الضيافة ثلاث! فأقمت عنده، وسألته عن اسمه ونسبه وحاله، فانتسب لى. فإذا هو من بنى عذرة، من أشرافهم. فقلت: يا هذا، وما الذى أحلّك هذا الموضع؟ فأخبرنى أنه كان يهوى ابنة عمّ له وتهواه، وأنه خطبها إلى أبيها فأبى أن يزوّجه إيّاها لقلّة ذات يده، وأنه زوّجها رجلا من بنى كلاب فخرج بها عن الحىّ وأسكنها في موضعه ذلك، وأنه تنكّر ورضى أن يكون راعيا لتأتيه ويراها. وجعل يشكو إلىّ صبابته بها وعشقه لها، حتى إذا جنّنا الليل وحان وقت مجيئها، جعل يتقلقل ويقوم ويقعد كالمتوقّع لها. فلما أبطأت عن الوقت المعتاد وغلبه الشوق، وثب قائما وأنشأ يقول:
ما بال ميّة لا تأتى لعادتها! ... أهاجها طرب أم صدّها شغل؟
لكن قلبى لا يلهيه غيرهم ... حتّى الممات، ولالى غيرهم أمل!
لو تعلمين الّذى بى من فراقكم ... لما اعتللت ولا طابت لك العلل!
روحى فداؤك! قد هيّجت لى سقما ... تكاد من حرّه الأعضاء تنفصل!
لو أن عاديّه منّى على جبل، ... لزال وانهدّ من أركانه الجبل!
стр. 637
ثم قال: يا أخا بنى عذرة، مكانك حتّى أعود إليك! فما أتوهّم أن أمر ابنة عمّى صحيح! ثم مضى. فما لبث أن أقبل وعلى يده شىء محمول، وقد علا شهيقه ونحيبه، فقال: يا أخا بنى عذرة، هذه ابنة عمى، أرادت أن تأتينى فاعترضها الأسد فأكلها! ثم وضعها عن يده، وقال: على رسلك حتّى أعود اليك، ومضى فأبطأ حتّى يئست من رجوعه. ثم أقبل ورأس الأسد على يده، فألقاها وجعل ينكت على أسنان الأسد ويقول:
ألا أيّها الليث المخيل بنفسه! ... هلكت! لقد حرّت يداك لنا حزنا!
وغادرتنى فردا وقد كنت آلفا ... وصيّرت بطن الأرض ثمّ لنا سجنا!
أقول لدهر خاننى بفراقه: ... معاذ إلهى أن أكون له خدنا!
ثم قال: يا أخا بنى عذرة، إنك سترانى بين يديك ميّتا! فإذا متّ فاعمد إلىّ وابنة عمّى، فأدرجنا في كفن واحد، واحفر لنا جدثا واحدا، وادفنّا فيه، واكتب على قبرى هذين البيتين:
كنّا على ظهرها، والعيش في مهل! ... والشّمل يجمعنا والدار والوطن
ففرّق الدهر والتصريف ألفتنا ... فصار يجمعنا في بطنها الكفن.
وردّ الغنم إلى صاحبها وأعلمه بقصتنا، ثم عمد إلى خناق فطرحه في عنقه، فناشدته الله تعالى أن لا يفعل، فأبى وجعل يخنق نفسه حتّى سقط ميتا. فكفّنتهما ودفنتهما فى قبر واحد، وكتبت البيتين على قبرهما، ورددت الغنم إلى صاحبها، وأعلمته بقصتهما فحزن حزنا شديدا أشفقت منه على نفسه.
стр. 638
ذكر شىء مما ورد في التحذير من فتنة النساء، وذمّ الزنا، والنظر إلى المردان، والتحذير من اللّواط، وعقوبة اللّائط
أما ما ورد من التحذير من فتنة النساء، فقد
روى عن أبى أمامة بن يزيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما تركت في الناس بعدى فتنة أضرّ على الرجال من النّساء» .
وعن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه، عن النبىّ ﷺ أنه قال: «إنّ الدّنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتّقوا الدّنيا واتّقوا النساء؛ فإن أوّل فتنة بنى إسرائيل كانت في النّساء» .
وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أخوف ما أخاف على أمّتى النساء واخمرة» .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: لم يكن كفر من مضى إلّا من قبل النساء، وهو كائن، كفر من بقى من قبل النساء.
وعن حسان بن عطية، قال: ما أتيت أمّة قطّ إلا من قبل نسائهم.
وعن سعيد بن المسيب، قال: ما يئس الشيطان من ابن آدم قطّ، إلا أتاه من قبل النّساء.
وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «قال إبليس لربه : يا ربّ قد أهبط آدم، وقد علمت أن سيكون لهم كتاب
стр. 639
ورسل، فما كتابهم ورسلهم؟ قال الله : رسلهم الملائكة والنّبيّون منهم، وكتبهم التوراة والإنجيل والزّبور والفرقان، قال: فما كتابى؟ قال: كتابك الوشم، وقرآنك الشّعر، ورسلك الكهنة، وطعامك ما لم يذكر اسم الله عليه، وشرابك من كل مسكر. وصدقك الكذب، وبيتك الحمّام، ومصايدك النساء، ومؤذّنك المزمار، ومسجدك الأسواق» .
ومن فتنة النساء، ما روى عن وهب بن منبّه أن عابدا كان في بنى إسرائيل، وكان من أعبد أهل زمانه. وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت، وكانت بكرا. فخرج البعث عليهم فلم يدروا عند من يخلّفون أختهم، ولا من يأمنون عليها، فأجمعوا رأيهم على أن يخلّفوها عند العابد. فأتوه وسألوه أن يخلّفوها عنده. فأبى ذلك. فلم يزالوا به حتّى قال: أنزلوها في بيت جوار صومعتى، فأنزلوها في ذلك البيت، ثم انطلقوا وتركوها. فمكثت في جوار العابد زمانا ينزل إليها الطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام. قال: فتلطف له النبطان. فلم يزل يرغّبه في الخير ويعظّم عنده خروج الجارية من بيتها نهارا، ويخوّفه ان يراها أحد فيعلقها. فلم يزل به حتّى مشى بطعامها ووضعه عند باب بيتها، ولا يكلّمها. فلبث بذلك زمانا. ثم جاءه إبليس فرغّبه فى الخير والأجر، وقال له: لو كنت تمشى إليها بطعامها حتّى تضعه في بيتها. كان أعظم لأجرك. فلم يزل به حتّى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها. فلبث بذلك زمانا. ثم جاءه إبليس فرغّبه في الخير وحضّه عليه، وقال له: لو كنت تكلمها وتحدّثها، فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة، فلم يزل به حتّى حدّثها
стр. 640
زمانا، يطلع إليها من فوق صومعته. ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فقال له: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدّثها، وتقعد على باب بيتها فتحدّثك، كان آنس لها.
فلم يزل به حتّى أنزله فأجلسه على باب صومعته يحدّثها، وتخرج الجارية من بيتها حتّى تقعد على بابها. فلبثا زمانا يتحدّثان. ثم جاءه إبليس فرغّبه في الخير، فقال: لو خرجت من باب صومعتك فجلست قريبا من بيتها فحدّثتها، كان آنس لها. فلم يزل به حتّى فعل. فلبثا بذلك زمانا. ثم جاءه إبليس فقال: لو دنوت من باب بيتها، ثم قال:
لو دخلت البيت فحدّثتها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد، كان أحسن، فلم يزل به حتّى دخل البيت فجعل يحدّثها نهاره كله. فإذا أمسى صعد في صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فلم يزل يزيّنها له حتّى ضرب العابد بيده على فخذها وقبّلها. ثم لم يزل يحسنها في عينه ويسوّل له حتّى وقع عليها فأحبلها، فولدت غلاما. فجاء إبليس، فقال له: أرأيت إن جاء إخوتها، وقد ولدت منك كيف تصنع؟ فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه، فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها، فقتله. ثم جاءه، فقال:
أتراها تكتم ما صنعت بها؟ خذها فاذبحها وادفنها مع ابنها، فذبحها وألقاها في الحفرة.
فمكث ما شاء الله حتّى قفل إخوتها من الغزو. فجاءوه فسألوه عن أختهم فنعاها لهم وترحّم عليها وبكاها، وقال: كانت خير امراة، وهذا قبرها. فأتى إخوتها القبر فبكوها وترحّموا عليها، وأقاموا على قبرها أياما ثم انصرفوا إلى أهاليهم. قال: فلما جنّهم الليل وأخذوا مضاجعهم، أتاهم الشيطان في النوم فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم. فأخبره بقول العابد وبموتها. فكذّبه الشيطان، وقال: لم يصدقكم أمر أختكم. إنه أحبلها وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فرقا منكم، وألقاهما في الحفرة خلف باب البيت. وأتى الأوسط في منامه، فقال له مثل ذلك؛ ثم أتى أصغرهم، فقال له مثل
стр. 641
ذلك. فلما استيقظ القوم، استيقظوا متعجبين لما رآه كلّ واحد منهم. فأقبل بعضهم على بعض يقول: لقد رأيت عجبا! وأخبر بعضهم بعضا بما رأى، فقال كبيرهم: هذا حلم، ليس هذا بشىء، فامضوا بنا ودعوا هذا، فقال أصغرهم:
لا أمضى حتّى آتى ذلك لمكان فأنظر فيه، فانطلقوا فبحثوا الموضع، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين. فسألوا عنها العابد، فصدّق قول إبليس فيما صنع بهما. فاستعدوا عليه ملكهم فأنزل من صومعته وقدّموه ليصلبوه. فلما أوثقوه على الخشبة، أتاه الشيطان، فقال له: قد علمت أنى صاحبك الذى فتنتك في المرأة حتّى أحبلتها وذبحتها وابنها، فإن أنت أطعتنى اليوم وكفرت بالله الذى خلقك، خلّصتك مما أنت فيه، فكفر العابد بالله. فلما كفر، خلّى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه.
قال وهب: ففيه نزلت هذه الآية: (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) .
نسأل الله العافية من فتنتهن، ونعوذ به من الشيطان الرجيم.
وأما ما جاء في ذم الزنا. فكفى به ذمّا قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) .
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزنى الزّانى حين يزنى وهو مؤمن»
الحديث
وعن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «يا أمّة محمد، ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته تزنى» .
стр. 642
وعنه ﷺ أنه قال: «اشتدّ غضب الله تعالى على الزّناة» .
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء. فإذا زنى العبد، نزع منه سربال الإيمان.
فاذا تاب ردّ عليه» .
وعنه ﷺ أنه قال: «ما من ذنب بعد الشّرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحلّ له» .
وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إيّاكم والزّنا، فإنّ في الزنا ستّ خصال، ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة: فأما اللواتى فى الدنيا، فذهاب نور الوجه، وانقطاع الرّزق، وسرعة الفناء؛ وأما اللّواتى في الآخرة، فغضب الربّ، وسوء الحساب، والخلود في النار، إلا أن يشاء الله تعالى» .
وعن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله أىّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا، وهو خلقك!» قلت: ثم أىّ؟ قال: «أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك» . قلت: ثم أىّ؟ قال: «أن تزنى بحليلة جارك» .
والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة.
وأما ما جاء في النهى عن النظر إلى المردان ومجالستهم. روى عن أبى السائب انه قال: لأنا على القارئ من الغلام الأمرد أخوف منّى عليه من سبعين عذراء.
وفي لفظ عنه: لأنا أخوف على عابد من غلام أمرد من سبعين عذراء.
стр. 643
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا رأيتم الرجل يلحّ النظر إلى غلام أمرد، فاتّهموه.
وكان سفيان الثورىّ رضى الله عنه لا يدع أمرد يجالسه.
وعن يعقوب بن سوال قال: كنا عند أبى نصر بشر بن الحارث. فوقفت عليه جارية ما رأينا أحسن منها، فقالت يا شيخ: أين مكان باب حرب؟ فقال لها:
هذا الباب الذى يقال له باب حرب. ثم جاء بعدها غلام فسأله، فقال له يا شيخ:
أين مكان باب حرب؟ فأطرق بشر. فردّ عليه الغلام السؤال فغمّض عينيه. فقلنا للغلام: أىّ شىء تريد فقال: باب حرب. فقلنا: بين يديك. فلما غاب، قلنا يا أبا نصر، جاءتك جارية فأجبتها وكلمتها، وجاءك غلام فلم تكلمه؟ فقال: نعم، يروى عن سفيان الثورىّ أنه قال: مع الجارية شيطان، ومع الغلام شيطانان، فخشيت على نفسى من شيطانيه.
وعن أبى سعيد الخراز، قال: رأيت إبليس في النوم، وهو يمرّ عنّى ناحية، فقلت:
تعال، فقال: أىّ شىء أعمل بكم؟ أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس، قلت ما هو؟ قال: الدنيا، فلما ولّى. التفت إلىّ فقال: غير أن لى فيكم لطيفة، قلت: ما هى؟ قال: صحبة الأحداث.
وعن مظفر القرميسينىّ، قال: من صحب الأحداث على شرط السلامة والنصيحة، أدّاه ذلك إلى البلاء؛ فكيف من صحبهم على غير وجه السّلامة؟
وقد ذكر أبو الفرج في كتابه المترجم «بذم الهوى» من افتتن بالأحداث، وصرح بأسمائهم. فلم نؤثر التعرّض لذلك، لما فيه من التشنيع عليهم والإذاعة لمساويهم.
стр. 644
وأما ما جاء في التحذير من اللواط وما ورد في سحاق النساء،
روى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ملعون ملعون من عمل بعمل قوم لوط»
. وعنه عن النبىّ ﷺ أنه قال: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط» .
وعن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف على أمّتى عمل قوم لوط» .
وفي لفظ آخر
عنه ﷺ : «إن أخوف ما أخاف على أمّتى من بعدى عمل قوم لوط، ألا فلتترقّب أمتى العذاب إذا كان الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها» .
وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يعل فحل فحلا حتّى كان قوم لوط، فإذا علا الفحل الفحل، ارتجّ أو اهتزّ عرش الرحمن ، فاطّلعت الملائكة تعظيما لفعلهما، فقالوا: يا ربّ، ألا تأمر الأرض أن تغور بهما، وتأمر السماء أن تحصبهما، فيقول الله تعالى: إنّى حليم لا يفوتنى شىء» .
وعن سماك بن حرب، عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أنه قال: إن الرجل ليأتى الرجل فتضجّ الأرض من تحتهما، والسماء من فوقهما، والبيت والسقف، كلهم يقولون: أى ربّ، ائذن لنا بنطبق بعضنا على بعض فنجعلهم نكالا ومعتبرا، فيقول الله : إنهم وسعهم حلمى ولن يفوتونى.
стр. 645
وكان سفيان الثورىّ ﵀ يقول: لو أنّ رجلا عبث بغلام بين إصبعين من أصابع رجليه يريد الشهوة، لكان لواطا.
وروى عن مكحول عن واثلة بن الأسقع أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «سحاق النساء زنّى بينهن» .
وأما ما ورد في عقوبة اللائط والملوط به في الدنيا والآخرة:
أما عقوبة الدنيا، فقد جاء بها نصّ القرآن في قصة قوم لوط، وشرح أفعالهم، وما عذبوا به في آى كثيرة.
وجاء في الأحاديث النبوية، على قائلها أفضل الصلاة والسلام، فى عقوبة اللائط والملوط به ما يدل على التغليظ والتشديد.
فمن ذلك
ما روى عن عكرمة عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال فيمن عمل عمل قوم لوط: يقتل الفاعل والمفعول به،
وفي لفظ آخر
عن ابن عباس عن النبىّ ﷺ : اقتلوا الفاعل والمفعول به، فى عمل قوم لوط.
وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من عمل بعمل قوم لوط فاقتلوه» .
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فارجموا الأعلى والأسفل» .
стр. 646
وعن محمد بن المنكدر أن خالد بن الوليد كتب إلى أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه، أنه وجد رجلا في بعض الأضاحى ينكح رجلا كما تنكح المرأة. فجمع أبو بكر رضى الله عنه لذلك أصحاب رسول الله ﷺ ورضى عنهم، فيهم علىّ بن أبى طالب، وقال: إن هذا ذنب لم تعمل به أمّة إلا أمّة واحدة. ففعل الله بهم ما قد علمتم. أرى أن نحرّقه بالنار، فاجتمع رأى أصحاب رسول الله ﷺ على أن يحرّق بالنار. فأمر به أبو بكر رضى الله عنه أن يحرّق بالنار.
وقد حرّقهم عبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك.
- وعن يزيد بن قيس أن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه رجم لوطيّا.
- وعن سعيد بن زيد قال: سئل عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، ما حدّ اللوطىّ؟ قال: ينظر أعلى بيت في القرية فيرمى منكّسا ثم يتبع بالحجارة.
وللتابعين ولأئمة العلماء في ذلك أقوال:
فمنهم من رأى أن حدّه كحدّ الزنا، وفرّق بين المحصن وغير المحصن.
ومنهم من رأى أن حدّه القتل أحصنا، أو لم يحصنا.
روى سفيان عن جابر عن الشعبىّ أنه قال: اللّوطىّ يرجم، أحصن أو لم يحصن.
وعن ابن أبى نجيح عن عطاء قال: حدّ اللوطىّ حدّ الزانى؛ وإن أحصن رجم، وإلا جلد. وبه قال الهيثم.
وعن قتادة عن الحسن أنه قال في الرجل يخالط الرجل: إن كان أحصن، جلد ورجم؛ وإن كان لم يحصن، جلد ونفى.
وعن مالك بن أنس عن الزهرى قال: يرجم، أحصن أو لم يحصن.
стр. 647
وعن الطيالسىّ قال: حدّثنا إسحاق الكوسخ، قال: قلت لأحمد بن حنبل:
أيرجم اللوطى، أحصن أو لم يحصن؟ قال: يرجم، أحصن أو لم يحصن.
وقد روى عن أحمد بن حنبل أن حدّ اللوطىّ كحدّ الزانى، يختلف بالثّيوبة والبكارة.
وهو قول محمد عن الشافعىّ.
وقال الحكم: يضرب اللوطىّ دون الحدّ. قال ابن الجوزىّ: وإلى هذا مال أبو حنيفة.
وأما مذهب ابن حزم الظاهرىّ فإنه لا يضرب في اللّواط فوق عشرة أسواط.
وقال النخعىّ: لو كان أحد ينبغى أن يرجم مرتين، لكان ينبغى أن يرجم اللوطىّ مرتين.
وحكى أبو الفرج بن الجوزىّ، قال: أخبرتنا شهدة بنت أحمد، قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد السراج، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علىّ، قال: أخبرنا علىّ بن جعفر الصوفى، قال: سمعت الموازينى يقول: قال لى رجل من الحاج: مررت بدار قوم لوط، وأخذت حجرا مما رجموا به، فطرحته في مخلاة، ودخلت مصر. فنزلت في بعض الدور في الطبقة الوسطى. وكان في سفل الدار حدث، فأخرجت الحجر من خرجى، ووضعته في روزنة في البيت. فدعا الحدث الذى كان في البيت صبيا إلى عنده واجتمع معه، فسقط الحجر على الحدث من الروزنة، فقتله.
وقال أيضا: أخبرتنا شهدة، قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عثمان بن مكىّ، قال: أخبرنى جدّى أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن أحمد، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشا المقرى، قال: سمعت أبا عبد الله
стр. 648
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: خرجت حاجّا إلى مكة. فلما كانت ليلة عرفات، رأى الإمام الذى حجّ بنا تلك الليلة مناما.
فلما صرنا إلى مكة بعد انقضاء الحج، سمعنا مناديا ينادى فوق الحجر: أنصتوا يا معشر الحجيج، فأنصت الخلق، فقال: يا معشر الحجيج، إن إمامكم رأى أن الله قد غفر لكل من وافى البيت العام إلا رجلا واحدا فإنه فسق بغلام.
وأما عقوبته في الآخرة، فقد
روى عن أبى سلمة عن أبى هريرة وعبد الله ابن عباس رضى الله عنهم، قالا: خطبنا رسول الله ﷺ فقال فى خطبته: «من نكح امرأة في دبرها أو غلاما أو رجلا، حشر يوم القيامة أنتن من الجيفة، يتأذّى به الناس حتّى يدخله الله نار جهنم. ويحبط الله عمله، ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا. ويجعل في تابوت من نار، ويسمّر عليه بمسامير من حديد من نار، فتشتبك تلك المسامير في وجهه وفي جسده»
. قال أبو هريرة: وهذا لمن لم يتب.
وعن انس بن مالك رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولا يجمعهم مع العالمين، يدخلون النار أوّل الداخلين إلا أن يتوبوا؛ فمن تاب، تاب الله تعالى عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن خمر، والضارب أبويه حتّى يستغيثا، والمؤذى جيرانه حتّى يلعنوه، والناكح حليلة جاره» .
وعن إبراهيم بن علقمة عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «اللّوطيّان لو اغتسلا بماء البحر، لم يجزهما إلا أن يتوبا» .
стр. 649
وعن أنس رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات من أمّتى يعمل عمل قوم لوط، نقله الله إليهم حتّى يحشر معهم» .
قلت: وقد بلغنى من كثير من الناس أن رجلين مشيا على جانب البركة المعروفة ببركة قوم لوط، وهى في غور الكرك على جانبها ضياع، منها الصافية واللاخية وسويمة وغيرها، وتعرف هذه البركة أيضا بالمنتنة، ويقال إنها إحدى المدائن التى خسف بها (من مدائن قوم لوط) . فجعلا يتباسطان. فكان من جملة ما قالاه أو قاله أحدهما للآخر فلم ينكره: هذه بركة أصحابنا، فطلعت من البركة موجة اختطفتهما معا، وألقتهما في البركة. فكان آخر العهد بهما.
وهذه الحكاية يتداولها أهل تلك البلاد. لا ينكرها سامع منهم على قائل. ولا يبعد أن يعاقب من تجاهر بمعاصى الله وانتسب لمن كفر بالله وعصاه وكذّب رسوله أن يعاقبه الله بما عاقبهم به ويلحقه بهم. وفي بعض هذا عبرة لمن اعتبر.
ولنرجع إلى سياق ما جاء في ذلك من الأحاديث والأخبار.
روى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزىّ بسنده إلى أنس بن مالك رضى الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قبّل غلاما بشهوة، عذّبه الله في النار ألف سنة؛ ومن جامعه لم يجد رائحة الجنة، وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام، إلا أن يتوب» .
وعن خالد عن إسمعيل بن كثير عن مجاهد، قال: لو أن الذى يعمل ذلك العمل (يعنى عمل قوم لوط) اغتسل بكل قطرة في السماء وكلّ قطرة في الأرض، لم يزل نجسا.
стр. 650
وعن عبّاد بن الوليد العنبرىّ قال: سمعت إبراهيم بن شمّاس يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لو أنّ لوطيّا اغتسل بكل قطرة من السماء، لقى الله تعالى غير طاهر.
وعن طلحة بن زيد عن برد بن سنان عن أبى المنيب عن عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما، قال: يحشر اللوطيون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير.
وعن أبى الصهباء عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهم قال:
من خرج من الدنيا على حال، خرج من قبره على تلك الحال، حتّى إن اللوطىّ يخرج يطلق ذكره على دبر صاحبه مفتضحين على رءوس الخلائق يوم القيامة.
هذا ما أمكن إيراده في هذا الفصل على سبيل الاختصار والإيجاز، وإلا فالأخبار فى العشق وتوابعه وما يتولد عنه كثيرة جدّا، ووقفنا منها على كثير، ولا يحتمل أن يورد في الكتب الشاملة لفنون مختلفة أكثر مما أوردناه. فلنذكر الآن نبذة مما قيل في الغزل والنسيب.
ذكر نبذة مما قيل في الغزل والنسيب
هذا الباب- أكرمك الله وعافاك، ووقاك من فتنته وكفاك- باب متسع، قد أكثر الشعراء القول فيه، وتنوّعوا في أساليبه ومعانيه؛ لو استقصيناه لطال به هذا التصنيف، وانبسط هذا التأليف؛ وكان بمفرده كتبا مبسوطة وأسفارا كبيرة، فلخصنا منه دررا نفيسة وأعلاقا خطيرة؛ واقتصرنا منه على ما رقّ معناه وراق، وحسن لفظه وشاق؛ وارتاحت إليه النفوس، وتحلت به الطروس؛ ولمحته النواظر، وانجذبت إليه الخواطر. وقد تنوّع الشعراء في الغزل: فتغزّلوا في المحبوب باسمه،
стр. 651
وكنوا عنه واستعاروا له، ووصفوا أعضاءه وشبهوها بأشياء، فشبهوا العيون بالنّرجس، وأفعالها بالخمر والسّهام؛ وشبّهوا الحواجب بالقسىّ، والجبين بالصّباح، والشّعور بالليالى، والسّوالف بالغوالى والصوالج والعقارب؛ وشبهوا الوجه بالشمس والقمر؛ وشبهوا الخدود بالورد والتّفاح؛ وشبهوا الثّغور بالأقحوان، واللمى بالخمر، والريق بالشّهد، والشّفاه بالعقيق، والأسنان بالّلؤلؤ؛ وشبهوا النّهود بالرّمّان، والقوام بالغصون، والأرداف بالكثبان. وغير ذلك. وقد تقدّم إيراد ذلك كله مستوفى فى موضعه، وهو في الباب الذى قبل هذا الباب.
وتغزلوا أيضا في أصناف الفواكه المأكولة والمشمومة؛ وتغزلوا في الرياض والأزهار.
وسنورد إن شاء الله ذلك في موضعه، وهو في القسم الثانى والثالث والرابع من الفن الرابع من كتابنا هذا، فى السفر العاشر من هذه النسخة.
فلنورد الآن هاهنا من باب الغزل والنسيب خلاف ما قدّمنا ذكره مما ذكرناه وما نذكره إن شاء الله تعالى.
والذى نورده في هذا الباب نبذة مما قيل في المذكّر، والمؤنّث، والمطلق، والمشترك، وطيف الخيال، والردّ على العذول، ورجوع العذول، والوصال، والفراق، والبين، والتوديع، والصدّ، والهجران؛ وما قيل في الزيارة وتخفيفها، وموانعها، والمدامع، والرضا من المحبوب باليسير، والنّحول؛ وما قيل في المحبوب إذا اعتلّ؛ وما قيل على لسان الورقاء، والمراجعات، والمردوف، والجناس، والموشّحات.
стр. 652
فمما قيل في المذكر
قال العماد الأصفهانى الكاتب:
وأحور يسبى بطرف يكلّ ... وتخجل منه الظّبا والظّباء.
بخدّيه من حسنه والشباب ... تجمّع ضدّان: نار وماء.
وفي مقلتيه وقد صحّتا ... كما صحتا سقم وانتشاء.
عففت وعفت الحيا في هوا ... هـ حتّى استوى صدّه واللّقاء.
وكلّ حياء يذود العفا ... ف عن ودّه، فعليه العفاء!
وقال آخر:
وكأنّ بهجة وجهه في شعره ... قمر بدا في ليلة ليلاء.
وكأنّ عقرب صدغه في خده ... وقفت مخافة ناره والماء.
قمر رجوت من الزمان وصاله ... يوما، فأخلف بالصّدود رجائى!
وقال عبد الجليل بن وهبون:
وافت به غفلة الرّقيب ... والنجم قد مال للغروب،
نشوان قد هزّت الحميّا ... منه قضيبا على كثيب!
يعثر في ذيله فيحكى ... عثرة عينيه في القلوب!
والله لو نالت الثّريّا ... ما نال من بهجة وطيب،
دنا إليها الهلال حتّى ... قبّل في كفّها الخضيب!
وقال ابن حجاج:
ومذلّل! أما القضيب فقدّه ... شكلا وأمّا ردفه فكثيب!
يمشى وقد فعل الصّبا بقوامه ... فعل الصّبا بالغصن، وهو رطيب.
стр. 653
متلوّن يبدى ويخفى شخصه ... كالبدر يطلع تارة ويغيب.
أرمى مقاتله فتخطئ أسهمى ... غرضى، ويرمى مهجتى فيصيب!
نفسى فداؤك! إنّ نفسى لم تزل ... يحلو فداؤك عندها ويطيب!
مالى ومالك لا أراك تزورنى ... إلا ودونك كاشح ورقيب!
وقال أبو نواس:
شبيه بالقضيب وبالكثيب! ... غريب الحسن ذو دلّ غريب!
بعيد. إن نظرت إليه يوما، ... رجعت وأنت ذو أجل قريب!
ترى للصّمت والحركات فيه ... سواما لا يذاد عن القلوب.
ويمتحن القلوب بمقلتيه، ... فينكشف البرىء من المريب!
وقال الوأواء الدمشقىّ:
بدر تقنّع بالظّلا ... م على قضيب في كثيب!
تدعو محاسنه القلو ... ب إلى مشافهة الذّنوب.
فعلت به ريح الصّبا ... ما ليس تفعل بالقضيب.
عقلت ركائب حسنه ... بعقولنا عند المغيب.
وتلطّمت وجناتنا ... بيد الدّموع من النّحيب!
وقال الأمير تاج الملوك ابن أيوب:
سلب الفؤاد فلا عدمت السالبا! ... ورنا، فكان اللحظ سهما صائبا!
قمر مشارقه الجيوب، فلا ترى ... أبدا له إلا القلوب مغاربا!
ملك الفؤاد بمقلتين وحاجب ... أمسى لحسن الصبر عنّى حاجبا.
وحكى القضيب شمائلا عبثت به ... أيدى النّسيم شمائلا وجنائبا!
стр. 654
وقال أيضا:
يا أيّها البدر الّذى ... مطلعه طوق القبا!
يا جنّة القلب الّذى ... أضرم فيه لهبا!
فدّيت هذا الوجه، ما ... أحسنه وأعجبا!
لم تر عينى قبله ... صبحا تردّى غيهبا!
وقال أبو نواس:
يا بدعة في مثال ... يجوز حدّ الصّفات!
فالوجه بدر تمام ... بعين ظبى فلاة!
والقدّ قدّ غلام ... والغنج غنج فتاة!
مذكّر حين يبدو، ... مؤنّث الخلوات!
زها علىّ بصدغ ... مزرفن الحلقات.
من فوق خدّ أسيل ... يضىء في الظّلمات!
وقال كشاجم:
معتدل من كلّ أعطافه! ... مستحسن الإقبال والملتفت!
لو قيست الدّنيا ولذّاتها ... بساعة من وصله، ما وفت!
سلّطت الألحاظ منه على ... قلبى؛ فلو أودت به ما اشتفت!
واستعذبت روحى هواه فما ... تسلو ولا تصحو، ولو أتلفت!
وقال فضل الرّقاشىّ:
وشاطر فاتك الشّمائل قد ... خالط منه المجون تخنيثا.
تراه طورا مذكّرا؛ فإذا ... عاقر راحا، رأيت تأنيثا.
стр. 655
ألثغ إن قلت يا فديتك: قل ... موسى، يقل من رطوبة: موثا.
ما زال حتّى الصباح معتنقى ... مطارحى في الدّجى الأحاديثا.
وقال كشاجم:
بليت بوجدين [١] وجدى بظبى ... يصدّ، وما به إلا لجاج.
وعذّبنى قضيب في كثيب ... تساوى فيه لين واندماج.
أغار إذا دنت من فيه كاس ... على درّ يقبّله زجاج.
وقال أيضا:
يا لقومى! من لمكتئب ... دمعه في الخدّ منسفح؟
لامه العذّال في رشإ ... عذره من مثله يضح.
وادّعوا نصحى! وأخون ما ... كان عذّالى إذا نصحوا!
خوّفونى من فضيحته، ... ليته وافى وأفتضح!
كيف يسلو القلب عن غصن، ... علّه من مائه المرح؟
ذهبىّ الحسن تحسب من ... وجنتيه النار تقتدح!
وكأنّ الشمس نيط لها ... قمر، يمناه والقدح.
صدّ أن مازحته غضبا! ... ما على الأحباب إن مزحوا؟
وهو لا يدرى لنخوته ... أننا في النّوم نصطلح!
ثمّ لا أنسى مقالته: ... أطفيلىّ ومقترح؟
стр. 656
وقال تاج الملوك ابن أيوب:
فديت وجه الحبيب بدرا! ... والبدر يفدى، وليس يفدى!
سى فؤادى بليل شعر ... وصبح وجه وغصن قدّ.
فى فمه عنبر مداف ... فى قهوة خولطت بشهد.
كأنّما خدّه شقيق، ... نقّط من خاله بندّ.
ظبى من التّرك ذو دلال ... يستحسن الجور والتعدّى.
كأنّه غصن خيزران، ... إذا انثنى أو قضيب رند.
يحلّ في الحبّ عقد صبرى ... إن شدّ في الخصر عقد بند!
وقال أبو نواس:
أيا من بحبّى علىّ اجترى؟ ... ومن بلسانى علىّ افترى؟
ومن بيدى غلّنى للهوى، ... فأصبحت للحبّ مستأسرا؟
أما والذى جعل المستهام ... صديق السّهاد عدوّ الكرى!
لقد ذهبت مهجتى باطلا، ... لئن متّ منك على ما أرى!
وقال آخر:
ومهفهف طاوى الحشا ... خنث المعاطف والنظر!
ملأ القلوب بصورة ... تليت محاسنها سور!
فإذا رنا وإذا شدا ... وإذا سقى وإذا سفر:
فضح الغزالة والحم ... امة والمدامة والقمر!
وقال آخر:
إذا أكثر الواشون فينا مقالهم ... وليس لهم عندى وعندك من ثار
،
стр. 657
وشنّوا على أسماعنا كلّ غارة ... وقلّت حماتى عند ذاك وأنصارى،
لقيناهم من مقلتيك وأدمى ... وأنفاسنا بالسّيف والسّيل والنار.
وقال آخر، من شعراء اليتيمة:
وأغنّ أغيد حبّه ... مستأنس لى، وهو نافر!
إن قلت: زرنى! قال: نم، ... فالطّيف ليس يزور ساهر!
كيف السبيل إلى الرّقا ... د كما رسمت، وأنت هاجر؟
ويقول لى فيما يقو ... ل: نعم! وما للقول آخر!
حتّى أشاور! قلت: ل ... كنّى هويت ولم أشاور!
وقال تاج الملوك:
يا قمرا أقبل يسعى على ... دعص من الأغصان مهزوز!
وصلك، واويلى! على طيبه ... أصبح ذا منع وتعزيز.
ما كان إلا بيضة الدّيك لى ... أو مطرة في شهر تمّوز.
وقال أبو نواس:
عذّبنى قلبى بمن قلبه ... للصّبّ مثل الحجر القاسى.
أحور فتّان قطوف الخطا ... أغيد مثل الغصن ميّاس.
أبيت ليلى ونهارى معا ... معلّقا منه بوسواس.
إنّى وإن لم يك لى نائل ... منه لأرجوه على ياس.
وقال سيف الدّين المشدّ:
إلى قدّك اللّدن يعزى الهيف! ... فما هبّت الرّيح إلا انعطف!
قوام أراد قضيب النّقا ... يحاكيه، لمّا انثنى، فانقصف!
стр. 658
فيا راميا قد رمانى هواه ... بنار الأسى في بحار الأسف!
سهام جفونك قلبى غدا ... لها غرضا، وضلوعى هدف.
وأوردتنى في الهوى موردا ... تجرّعت فيه مرير التّلف.
وأعرضت عنّى، ولا ذنب لى! ... فكم ذا الدّلال! وكم ذا الصّلف!
ومخطف خصر على ردفه، ... فكلّ فؤاد به مختطف!
وقال أبو القاسم العطار:
وبى غزال، إذا صادفت غرّته ... جنيت من وجنتيه روضة أنفا!
كالبدر مكتملا، كالظّبى ملتفتا، ... كالروض مبتسما، كالغصن منعطفا!
وقال تاج الملوك:
يا قمرا في غصن من بانة، ... يميل عجبا في كثيب من نقا!
أصبح قلب المستهام مغربا ... له، وأطواق القباء مشرقا!
أغيد، لا يقصد إلّا تلقى! ... ولم يزل قلبى به معلّقا.
ذكّرنى حسن ابتسام ثغره ال ... واضح لمع البرق إذ تألّقا.
وطالما ذكّرنى رضابه ال ... بارد صرف الراح إذ تعتّقا.
أغنّ، ما فوّق سهم لحظه ... إلا أصاب القلب لمّا فوّقا.
حاجبه قوس ولحظ عينه ... سهم، فما يخطى إذا ما رشقا.
وقال أبو نواس.
جال ماء الشّباب في خدّيكا، ... وتلالا البهاء في عارضيكا.
ورمى طرفك المكحّل بالسّح ... ر فؤادى فصار رهينا لديكا.
стр. 659
أنا مستهتر بحبّك صبّ ... لست أشكو هواك إلّا إليكا.
يا بديع الجمال والحسن والدّ ... لّ، حياتى وميتتى في يديكا.
بأبى أنت! لو بليت بوجدى ... لم يهن ما لقيت منك عليكا!
أصبحت بالهوى سهام المنايا ... قاصدات إلىّ من عينيكا!
وقال أيضا:
يا من جداه قليل ... ومن بلاه طويل!
ومن دعانى إليه ... طرف أحمّ كحيل،
وواضح النبت يحكى ... مزاجه الزّنجبيل،
ووجنة جائل ما ... ؤها وخدّ أسيل.
وغصن بان تثنّى ... قدّا، وردف ثقيل،
ويجمع الحسن فيه ... وجه وسيم جميل!
فكلّ ناحية من ... قلبى إليه تميل!
وقال الوأواء الدمشقى:
رماه ريم فأصا ... ب القلب منه، إذ رمى.
واحتجّ في قتلته ... بأنّه ما علما.
يا معشر الناس! أما ... ينصفنى من ظلما؟
علّم سقم طرفه ... جسمى منه سقما.
فسقم جسمى في الهوى ... من طرفه تعلّما.
لو قيل لى: ما تشتهى؟ ... مخيّرا محكّما.
لقلت أن ألثمه: ... نحرا ووجها وفما!
стр. 660
وقال الوزير أبو مروان عبد الملك بن جهور:
أحوى النواظر، ألعس الشّ ... فتين، عذب الرّيق، ألمى!
لو زارنى طيف له ... عند الهجوع ولو ألمّا،
لأفاد روحا أو لفرّ ... ج من هموم النفس همّا!
وقال آخر:
وأهيف، مهزوز القوام إذا انثنى ... وهبت لعذرى فيه ذنب اللّوائم.
بثغر كما يبدو لك الصّبح باسم، ... وشعر كما يبدو لك لليل فاحم.
مليح الرضا والسّخط، تلقاه عاتبا ... بألفاظ مظلوم وألحاظ ظالم.
ومما شجانى أنّنى يوم بينهم ... شكوت الذى ألقى إلى غير راحم.
وحمّلت أثقال الجوى غير حامل ... وأودعت أسرار الهوى غير كاتم.
وأبرح ما لا قيته أنّ متلفى ... بما حلّ بى في حبّه، غير عالم.
ولو كنت مذ بانوا سهرت لساهر ... لهان، ولكنّى سهرت لنائم.
وقال أبو نواس:
يا ريم هات الدّواة والقلما ... أكتب شوقى إلى الّذى ظلما!
غضبان قد غرّنى رضاه ولو ... يسئل ممّا غضبت، ما علما.
فليس ينفكّ منه عاشقه ... فى جمع عذر لغير ما اجترما.
أظلّ يقظان في تذكّره ... حتّى إذا نمت، كان لى حلما.
لو نظرت عينه إلى حجر، ... ولّد فيه فتورها سقما!
وقال سيف الدين المشدّ:
وبى رشيق القوام لدن ... لقدّه ينسب الرّدينى!
стр. 661
ما نظرته العيون إلّا ... فدته من نظرة وعين!
قابل بالكأس وجنتيه، ... فخفّ نجم بنيّرين.
وزيّنت كفّه الحميّا! ... ما أحسن التّبر في اللّجين!
وقال كشاجم:
بالله يا متفرّدا في حسنه ... ومقلّبا هاروت بين محاجره!
ومحكّما أردافه في خصره، ... ومصافحا خلخاله بضفائره!
لا تغضبنّ على فتى يرضى بما ... أوليته، ولو انتعلت بناظره.
ويكاتم الأسرار حتّى إنه ... ليصونها عن أن تمرّ بخاطره.
وقال أبو تمام الطائى:
لها، وأعارنى ولها! ... وأبصر ذلّتى فزها!
له وجه يعزّبه، ... ولى حرق أذلّ بها!
دقيق محاسن، وصلت ... محاسن وجنتيه بها.
ألاحظ حسن وجنته، ... فتجرحنى وأجرحها.
وقال أيضا:
نشرت فيك رسيسا كنت أطويه! ... وأظهرت لوعتى ما كنت أخفيه!
إن كان وجهك لى تترى محاسنه، ... فإنّ فعلك لى تترى مساويه!
مرتجّة في تهاديه أسافله، ... مهتزّة في تثنّيه أعاليه!
تاهت على صور الأشياء صورته ... حتّى إذا كملت، تاهت على التّيه!
стр. 662
وقال المخزومىّ:
أىّ محبّ فيك لم أحكه؟ ... وأىّ ليل فيك لم أبكه؟
إن كان لا يرضيك إلا دمى، ... فقد أذنّا لك في سفكه!
وقال أبو نواس:
يا قابرى بملاله ... ودامرى بمطاله!
ويا مبدّل ليلى ... قصاره بطواله!
أعوذ منك بوجه ... بدر الدّجى في مثاله!
لكنّه منه أحلى ... لحسن موضع خاله.
هلّا رحمت صريعا ... تحت الرّدى وطلاله؟
من لا يرى منه فوق ال ... فراش غير خياله.
مثل الخلال نحيلا ... يخفى على عذّاله.
فمن بغى لك سوءا، ... فكان في مثل حاله!
وقال محمد بن عبد الله السلامىّ، شاعر اليتيمة:
ومختصر الخصر، من بعده ... هربت فألقيت في صدّه!
وقابلنى وجهه مقبلا ... بحدّ الحسام وإفرنده.
فما زلت أعصر من خمره ... وأقطف من مجتنى ورده.
وأظما فأرشف من ريقه! ... فيا حرّ صدرى من برده!
وقال أبو هلال العسكرىّ:
أقول لمّا لاح من خدره، ... واللّيل يرخى الفضل من ستره:
أبدره أحسن من وجهه، ... أم وجهه أحسن من بدره؟
стр. 663
قد مالت الرّقّة في شطره، ... ومالت الغلظة في شطره.
فأزره غصّت بأردافه، ... ووشحه جالت على خصره.
أصبحت لا أدرى- وإن لم يكن ... فى الأرض شىء أنا لم أدره-
أشعره أحسن من قدّه؟ ... أم قدّه أحسن من شعره؟
ودرّه يؤخذ من لفظه، ... أم لفظه يؤخذ من درّه؟
وثغره ينظم من عقده، ... أم عقده ينظم من ثغره؟
فمن عذير الصّبّ من صدّه؟ ... ومن مجير القلب من هجره؟
يا ليته يعرف حبّى له! ... عساه يجزينى على قدره!
وقال تاج الملوك بن أيوب:
يا هلالا لاح في غصن، ... تشرق الدّنيا بطلعته!
وغزالا طالما خضع ... الأسد الضارى لهيبته!
ما رنا إلّا وجرّد لى ... صارما من لحظ مقلته.
صل عليلا، أنت أعلم من ... كلّ مخلوق بعلّته.
قد أطالت مقلتاك بلا ... سبب تعذيب مهجته.
كلّما لجّت عواذله ... أجّجت نيران لوعته.
فاتّئد من طول عذلك لى، ... يا عذولى في محبّته!
من بنى الأتراك معتدل، ... قد تمادى في قطيعته.
ليس يشفى القلب من ظمإ ... غير رشفى راح ريقته!
لا، ولا يطفى لظى كبدى ... غير تقبيلى لوجنته!
ليت أن الدّهر مكّننى ... بيدى من حلّ تكّته!
стр. 664
وقال آخر:
ومهفهف! عنّى يميل ولم يمل ... يوما إلىّ، فقلت من ألم الجوى:
لم لا تميل إلىّ، يا غصن النّقا؟ ... فأجاب: كيف، وأنت من جهة الهوى؟
وقال ابن منير الطرابلسىّ:
من ركّب البدر في صدر الرّدينىّ، ... وموّه السّحر في حدّ اليمانىّ؟
وأنزل النّيّر الأعلى إلى فلك ... مداره في القباء الخسروانىّ؟
طرف زنا أم قراب سلّ صارمه؟ ... وأغيد ماس أم أعطاف خطّىّ؟
وبرق غادية أم برق مبتسم، ... يفترّ من خلل الصّدغ الدّجوجىّ؟
ويلاه، من فارسىّ النّحر مفترس ... بفاتر أسدىّ الفتك ريمىّ!
يكنّ ناظره ما في كنانته! ... فليس ينفكّ من إقصاد مرمىّ!
أذلّنى بعد عزّ؛ والهوى أبدا ... يستعبد الليث للظّبى الكناسىّ.
مامان مانىّ [١] ، لولا ليل عارضه ... ما شدّ خيل المنايا بالأمانىّ.
تكنّف الحسن منه وجه مشتمل ... نفار أحور في تأنيث حورىّ.
أما وذائب مسك من ذوائبه ... على أعالى القضيب الخيزرانىّ؟
لو قيل للبدر: من في الأرض تحسده؟ ... إذا تجلّى، لقال ابن الفلانىّ!
أربى علىّ بشتّى من محاسنه ... تألّفت بين مسموع ومرئىّ.
إباء فارس مع لين الشّآم مع الظ ... رف العراقىّ في النّطق الحجازىّ.
وما المدامة بالألباب ألعب من ... فصاحة البدو في ألفاظ تركىّ!
أشبهته ببعادى، ثم كان له ... مزية الخلق والأخلاق والزّىّ.
من أين لى لهب يجرى على ذهب ... فى صحن أبيض صافى الماء فضّىّ؟
стр. 665
وروضة لم تحكها كفّ سارية ... ولا شكا خدّها من لثم وسمىّ؟
يحفّها سوسن غضّ يغازله ... بنرجس بنطاف السّحر مولىّ.
من منقذى أو مجيرى من هوى رشإ ... أفتى وأفتك من عمرو بن معدىّ؟
لا يعشق الدّهر إلا ذكر معركة ... أو خوض مهلكة أو ضرب هندىّ.
ولا يحدّث إلا عن ربابته ... من المهار العوالى والمهارىّ.
والصّافنات ولبس الضافيات وشر ... ب الصافيات وإطراب الأغانىّ،
أشهى إليه من الدّوح الظّليل على الرّ ... وح العليل وتغريد القمارىّ،
شدّ الجياد لأيّام الجلاد وإر ... شاد الصّعاد إلى طعن الأناسىّ؟
وحثّ باز على نأى وحمل قطا ... مىّ تكدّر منه عيش كدرىّ؟
فى غلمة كغصون البان يحملها ... كثبان برد على غادات بردىّ؟
يمشون في الوشى أسرابا، فتحسبهم ... روض الرّبيع على بيض الأداحىّ.
والساحر الساخر الغرّار بينهم ... كالشمس تكسف أنوار الدّرارىّ.
مهفهف القدّ، سهل الخد، أغرب في ال ... جمال من لثغة في لفظ نجدىّ.
يلهيه عن كتب تروى ونصرته ... لشافعىّ فقيه أو حنيفىّ.
عوج القسىّ وقبّ الأعوجيّة والشّ ... هب الهماليج تربى في الأوارىّ.
والشّعر في الشّعر الداجى على الغنج السّ ... اجى يليّن منه قلب حوشىّ.
فلو بصرت به يصغى وأنشده، ... قلت النّواسىّ يشجو قلب عذرىّ.
أو صائد الإنس قد ألقى حبائله ... ليلا فأوقع فيها صعيد وحشىّ.
أغراه بى بعد ما جدّ النّفار به ... شدو القريض وألحان السّريجىّ.
فصار أطوع لى منه لمقلته، ... وصرت أعرف فيه بالعزيزىّ.
стр. 666
ومما قيل في المؤنث، قال ابن الرومى:
مخفّفة مثقّلة، تراها ... كأن لم يعد نصفيها غذاء!
إذا الإغباب جدّد حسن شىء ... من الأشياء، جدّدها اللّقاء.
لها ريق تشفّ له الثّنايا، ... ويروى عنه- لا منه- الظّماء.
وأنفاس كأنفاس الخزامى ... قبيل الصّبح، بلّتها السّماء!
تنفّس نشرها سحرا، فجاءت ... به سحريّة المسرى رخاء!
وقال أبو نواس:
ما هوى إلا له سبب ... يبتدى منه وينشعب.
فتنت قلبى محجّبة، ... وجهها بالحسن منتقب.
خلّيت والحسن تأخذه ... تنتقى منه وتنتخب.
فاكتسب منه طرائفه ... واستزادت بعض ما تهب.
صار جدّا ما مزحت به ... ربّ جدّ ساقه اللّعب!
وقال أيضا:
يا قمرا، أبصرت في مأتم ... يندب شجوا بين أتراب!
يبكى فيذرى الدّرّ من نرجس، ... ويلطم الورد بعنّاب.
أبرزه المأتم لى كارها، ... برغم دايات وحجّاب!
لا تبك ميتا حلّ في رمسه، ... وابك قتيلا لك بالباب!
стр. 667
وقال سيف الدين المشد:
وبمهجتى! من لو بدت ... للشمس من تحمت النّقاب،
سترت محاسن وجهها ... خجلا، ولاذت بالسّحاب!
وقال القاضى أبو على التّنوخى، شاعر اليتيمة:
أقول لها والحىّ قد فطنوا بنا ... ومالى عن أيدى المنون براح:
لما ساءنى أن وشّحتنى سيوفهم ... وإنّى لكم دون الوشاح وشاح.
وقال عمارة اليمانى:
طرقتها، والليل وحف الجناح، ... وما تلبّست بثوب الجناح.
فى ليلة بات نجادى بها ... ذوائبا يخفقن فوق الوشاح.
والحسن قد ألّف أشتاته ... غصن تثنّى فوق ردف رداح.
نام رقيب الصّبح عن ليلتى، ... وبات لى كلّ مصون مباح!
أجمع من خدّ ومن مبسم ... بحمرة الورد بياض الأقاح.
حصلت من ريق ومن منطق ... على اقتراح ونمير قراح.
ترنّحت من نشوات الصّبا ... فبتّ مسرورا بنشوان صاح.
وفاح من نشر الصّبا عنبر ... أحرقه الفجر بجمر الصّباح!
وقال أبو نواس:
وذات خدّ مورّد ... قوهيّة المتجرّد.
تأمّل العين منها ... محاسنا ليس تنفد.
فالحسن في كل جزء ... منها معاد مردّد.
стр. 668
فبعضه في انتهاء ... وبعضه يتولّد.
وكلّما عدت فيه ... يكون لى العود أحمد!
وقال علىّ بن عبد الرحمن بن المنجم:
شبّهتها بالبدر فاستضحكت ... وقابلت قولى بالنّكر.
وسفّهت قولى وقالت: متى ... سمجت حتّى صرت كالبدر.
البدر لا يرنو بعين كما ... أرنو، ولا يبسم عن ثغر.
ولا يميط المرط عن ناهد، ... ولا يشدّ العقد في نحر.
من قاس بالبدر صفاتى، فلا ... زال أسيرا في يدى هجرى!
وقال العماد الأصفهانىّ:
لثن الأهلّة بالمعاجر ... وكحلن بالسّقم المحاجر.
ونظرن عن حدق حجر ... ن بها على آرام حاجر.
شهرت لحاظ ظبائهنّ ... على القلوب ظبا بواتر.
آرام خدر بالّلحا ... ظ تصيد آسادا خوادر.
غيد لسفك دم المحب ... تظافرت منها الظّفائر.
بيض التّرائب حمرها ... خضر اللّمى سود الغدائر.
وقال كشاجم:
جعلت إليك الهوى ... شفيعا فلم، تشفعى!
وناديت مستعطفا ... رضاك فلم تسمعى.
أتاركتى مدنفا ... أخا جسد موجع!
ومغريتى والدّمو ... ع قد أحرقت مدمعى.
стр. 669
أحين سبيت الفؤا ... د بالنظر المطمع،
جفوت وأقصيتنى؟ ... فهلّا، وقلبى معى؟
وقال ابن المعلم:
صعدة القدّ وسيف الكحل ... حكما حكم الهوى في أجلى.
يا لقومى! حملت ثقل دمى ... غادة يثقلها حمل الحلى!
قدّها معتدل يظلمنى! ... حزنى من قدّها المعتدل!
خصرها ينشط، لكن ردفها ... أبدا بقهره بالكسل.
نظرة من مقلتى جارية ... وثنت عطف القضيب الثّمل.
لست أدرى: قمر في كلّة ... ما أرى، أم دمية في هيكل؟
سألت جسمى عن ساكنه! ... ومن الجهل سؤال الطّلل!
وقال سيف الدين المشدّ:
وغادة، أعشق من أجلها ... بدر الدّجى والظّبى والخيزران.
لأنّ ذا يشبهها بهجة، ... وذاك ألحاظا، وهذا بنان.
وقال أبو نواس:
يا منسى المأتم أشجانه ... لما أتاهم في المعزّينا!
حلّت عجار الوشى عن صورة ... ألبسها الله التّحاسينا!
استفتنتهنّ بتمثالها ... فهنّ للتّكليف يبكينا.
حقّ لذاك الوجه أن يزدهى ... عن حزنه من كان محزونا.
وقال أيضا:
أيا ليت شعرى أمن صخرة ... فؤادك هذا الذى لا يلين!
стр. 670
تقول إذا ما اشتكيت الهوى، ... كما يشتكى الباس المستكين:
أفى النّوم أبصرت ذا كلّه؟ ... فخيرا رأيت، وخيرا يكون!
وقال المشوق الشامى:
أترى بثار أو بدين ... علقت محاسنها بعينى؟
فى خصرها وقوامها ... ولحاظها ما في الرّدينى.
وبوجهها ماء الشّبا ... ب خليط نار الوجنتين.
وقال السرىّ الرفّا، شاعر اليتيمة:
قامت وخوط البانة ال ... ميّاس في أثوابها.
ويهزّها سكران: سك ... ر شرابها وشبابها!
تسعى بصهباوين من ... ألحاظها وشرابها.
وكأنّ كأس مدامها ... لمّا ارتدت بحبابها:
توريد وجنتها إذا ... ما لاح تحت نقابها.
وقال ابن الرومىّ:
من بنات الرّوم، لا يكذبنا ... لونها المشرق عن منصبها.
قامة الغصن- إذا ما اعتدلت، ... قامة الغصن- إلى منكبها.
شهد الشاهد من أحسنها، ... فحكى الغائب من أطيبها.
تشفع الحسن بإحسان لها ... يجلب الأفراح من مجلبها.
تشرع الألحاظ في وجنتها ... فتلاقى الرّىّ في مشربها.
وجنة للغنج فيها عقرب، ... وبلاء الصبّ من عقربها.