← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

رئيسهم، وركبهم المسلمون، فقتلوا منهم من شاءوا، وأصابوا من شاءوا، وخمّسوا الغنائم، وبعثوا بالخمس إلى أبى بكر الصّديق رضى الله عنه، وقسّموا ما بقى. وأمّا من بقى من بقية الأمراء الذين عقد لهم أبو بكر رضى الله عنه، وبعثهم إلى من ارتدّ من قبائل العرب، فإنّ كل أمير سار إلى من بعثه إليه فمن رجع عن الردة، وفاء إلى الإسلام قبل منه ومن أبى قتل، وأطفأ الله تلك النيران. روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنّه قال: لقد أقمنا بعد رسول الله ﷺ مقاما كدنا نهلك فيه، لولا أنّ الله تعالى منّ علينا بأبى بكر، جمعنا على أن نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون، وأن نأكل قرى عرينة، ونعبد الله حتى يأتينا اليقين. فعزم الله لأبى بكر على قتالهم، فو الله ما رضى منهم إلا بالخطّة المخزية أو الحرب المجلّية، فأما الخطة المخزية فأن يقرّوا بأنّ من قتل منهم فى النار، وأنّ من قتل منّا فى الجنة، وأن يدوا قتلانا، ونغنم ما أخذنا منهم، وما أخذوا منّا مردود علينا، وأمّا الحرب المجلّية فأن يخرجوا من ديارهم. وكانت هذه الحروب التى ذكرناها. وهذه الوقائع كلّها فى سنة إحدى عشرة، وكان فيها حوادث أخر غير ما ذكرناها، نذكرها إن شاء الله تعالى فى حوادث السنين فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه بعد نهاية الغزوات. والله أعلم.

стр. 6652

ذكر مسير خالد بن الوليد الى العراق وما افتتحه وما صالح عليه وما قرره من الجزية كان إرسال خالد بن الوليد إلى العراق فى المحرم سنة ثلاث عشرة من الهجرة [١] . قالوا: وكان الّذى هاج أبا بكر رضى الله عنه؛ أن المثنّى بن حارثة الشّيبانىّ كان يغير على أهل فارس بالسواد، فبلغ أبا بكر والمسلمين خبره، فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: من هذا الذى تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه؟ فقال قيس بن عاصم: أما إنّه غير خامل الذّكر، ولا مجهول النّسب، ولا قليل العدد، ولا ذليل العمارة [٢] ، ذلك المثنّى بن حارثة الشيبانى. ثم قدم المثنّى على أبى بكر، فقال: يا خليفة رسول الله، ابعثنى على قومى، فإنّ فيهم إسلاما. أقاتل بهم أهل فارس، وأكفيك أهل ناحيتى من العدوّ؛ ففعل أبو بكر رضى الله عنه ذلك. وقدم المثنّى إلى العراق، فقاتل، وأغار على أهل فارس ونواحى السواد حولا، ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبى بكر يسأله المدد ويقول: إن أمددتنى وسمعت بذلك العرب أسرعوا إلىّ، وأذلّ الله المشركين، مع أنّى أخبرك يا خليفة رسول الله أنّ الأعاجم تخافنا وتتّقينا. فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، ابعث خالد بن الوليد مددا للمثنّى بن حارثة، يكون قريبا من أهل الشام، فإن استغنى عنه أهل

стр. 6653

الشام ألحّ على أهل العراق؛ حتى يفتح الله عليه. حكاه أبو عمر بن عبد البر من حديث الأصمعى عن سلمة بن بلال عن أبى رجاء العطاردى [١] . قال: كتب أبو بكر الصّديق رضى الله عنه إلى المثنّى بن حارثة: إنّى قد ولّيت خالد بن الوليد، فكن معه؛ وكان المثنّى بسواد الكوفة، فخرج خالد فتلقّاه، وقدم معه البصرة. وحكى أبو الحسن علىّ بن محمد الموصلى المعروف بابن الأثير فى تاريخه: «الكامل. قال: أرسل [٢] أبو بكر رضى الله عنه خالد بن الوليد من اليمامة إلى العراق، وقيل: بل قدم إلى المدينة من اليمامة، فأرسله إلى العراق، وأوصاه أن يبدأ بفرج الهند، وهو الأبلّة، وأن يتألّف أهل فارس، وكلّ من كان فى ملكهم من الأمم، فصار حتى نزل بيانقيا، وباروسما وألّيس، فصالحه أهلها على عشرة آلاف دينار سوى جزية [٣] كسرى، وكان على كلّ رأس أربعة دراهم فأخذ منهم الجزية، ثم سار حتّى نزل الحيرة، فخرج إليه أشرافها مع قبيصة بن إياس الطائىّ، وكان أميرا عليها بعد النّعمان بن المنذر، فدعاهم إلى الإسلام، أو الجزية، أو المحاربة فاختاروا الجزية، فصالحهم على تسعين ومائة ألف درهم، فكانت أوّل جزية أخذت من الفرس فى الإسلام، هى والقريّات التى صالح عليها، واشترط على أهل الحيرة أن يكونوا عيونا للمسلمين، فأجابوا إلى ذلك. ثم سار خالد لقتال هرمز، فلمّا سمع هرمز بهم كتب إلى أردشير

стр. 6654

الملك بالخبر واستمدّه والتقيا، وخرج هرمز، ودعا خالدا للبراز ووطّأ أصحابه على الغدر به، فبرز إليه خالد، ومشى نحوه راجلا، وبرز هرمز، واقتتلا، فاحتضنه خالد، وحمل أصحاب هرمز، فما شغله ذلك عن قتله، وحمل القعقاع بن عمرو، فأنهى أهل فارس وركبهم المسلمون؛ وسمّيت هذه الوقعة: ذات السّلاسل، وكانت عدّة أصحاب خالد ثمانية عشر ألفا، ونجا قباذ وأنوشجان، وأخذ خالد سلب هرمز، وكانت قلنسوته بمائة ألف، وبعث بالفتح والأخماس إلى أبى بكر، وسار حتى نزل بموضع الجسر الأعظم بالبصرة، وبعث المثنّى بن حارثة فى آثارهم، وبعث مقرّن إلى الأبلّة ففتحها، وجمع الأموال بها والسّبى. وقيل: إن الأبلّة فتحت فى خلافة عمر على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وحاصر المثنّى حصن المرأة، فافتتحه، وأسلمت المرأة. ذكر وقعة الثنى قال [١] : ولما وصل كتاب هرمز إلى أردشير بخبر خالد، أمدّه بقارن بن قريانس، فلقيه المنهزمون، فرجعوا معه وفيهم قباذ وأنوشجان، فنزلوا الثّنى- وهو النهر- وسار إليهم خالد، والتقوا، واقتتلوا، فبرز قارن فقتله معقل بن الأعشى، وقتل عاصم أنوشجان وقتل عدىّ قباذ، وقتل من الفرس مقتلة عظيمة يبلغون ثلاثين ألفا؛ سوى من غرق فى الماء، فقسّم خالد الفئ، بعد أن خمّسه،

стр. 6655

وأرسل بالأخماس إلى المدينة، وأعطى الأسلاب من سلبها، وكانت غنيمة عظيمة، وأخذ الجزية من الفلاحين، وكانوا ذمّة، وكان فى السّبى أبو الحسن البصرى، وكان نصرانيّا. ذكر وقعة الولجة قال: [١] ولمّا وصل الخبر إلى أردشير بعث الأندرزغر [وكان فارسا من مولدى السّواد، وأرسل بهمن جازويه فى أثره فى جيش، وكان مع الأندرزغر] [٢] الفرس والعرب الضّاحية والدهاقين، فعسكروا بالولجة، فجاءهم خالد إليها وكمن لهم كمينا، وقاتلهم قتالا شديدا، وخرج كمين خالد من خلفهم فانهزمت الأعاجم، وأخذهم خالد من أمامهم، والكمين من خلفهم، فقتل منهم خلق كثير. [ومضى] [٢] الأندرزغر منهزما، فمات عطشا. وكانت هذه الوقعة فى صفر سنة اثنتى عشرة، فأصاب خالد ابنا لجابر بن بجير، وابنا لعبد الأسود [٣] من بكر بن وائل. ذكر وقعة أليس قال: لمّا أصاب خالد بن الوليد يوم الولجة ما أصاب من نصارى بكر بن وائل، الّذين أعانوا الفرس، غضب لهم نصارى قومهم، فكاتبوا الفرس، واجتمعوا على ألّيس [٤] ، وعليهم عبد الأسود

стр. 6656

العجلىّ، وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه، وأمره بالقدوم على نصارى العرب، فقدم عليهم بهمن جابان، وأمره بالتوقف عن المحاربة حتى يقدم عليه، وسار بهمن إلى أردشير يشاوره فيما يفعل، فوجده مريضا فتوقّف؛ واجتمع على جابان نصارى عجل، وهم اللّات وضبيعة وجابر بن بجير، وعرب الضّاحية من أهل الحيرة، فسار إليهم خالد والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا؛ فقال خالد: اللهمّ إن هزمتهم فعلىّ ألّا أستبقى منهم من قدرت عليه؛ حتّى أجرى من دمائهم نهرهم، فانهزمت فارس، فنادى منادى خالد: الأسر الأسر! إلا من امتنع فاقتلوه، فأقبل بهم المسلمون أسراء، ووكّل بهم من يضرب أعناقهم، فضرب أعناقهم يوما وليلة؛ فقال له القعقاع: لو قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، فأجرى عليه [الماء] [١] فسمّى ذلك الماء نهر الدم، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا، وكانت الوقعة فى صفر أيضا. ثم سار إلى أمغيشيا، وأصاب فيها ما لم يصب مثله من الغنائم، وأخربها، وبعث إلى أبى بكر بالسّبى والغنائم؛ فقال أبو بكر: عجز النّساء أن يلدن مثل خالد. رضى الله تعالى عنهما.

стр. 6657

ذكر وقعة فرات بادقلى وفتح الحيرة قال: [١] ثم سار خالد من أمغيشيا إلى الحيرة، وحمل الرّجال والأثقال فى السفن، فخرج مرزبان الحيرة، وهو الأزادبه، فعسكر عند الغريّين وأرسل ابنه، فقطع الماء عن السّفن، فبقيت على الأرض، فسار خالد نحوه فلقيه على فرات بادقلى، فقتله، وقتل أصحابه، فلما بلغ الأزاذبة قتل ابنه هرب بغير قتال، ونزل المسلمون على الغريّين، وتحصّن أهل الحيرة فحصرهم فى قصورهم، وافتتح المسلمون الدّروب والدّور، وأكثروا القتل، فنادى القسّيسون والرّهبان: يا أهل القصور! ما يقتلنا غيركم! فنادى أهل القصور المسلمين: قد قبلنا واحدة من ثلاث: إمّا الإسلام، أو الجزية، أو المحاربة، فكفّوا عنهم، وصالحهم على مائة ألف وتسعين ألفا. وقيل: مائتى ألف وتسعين ألفا. وكان فتح الحيرة فى شهر ربيع الأوّل، وكتب لهم خالد كتابا، فلمّا كفر أهل السواد ضيّعوه، فلما افتتحها المثنّى ثانية عاد بشرط آخر، فلمّا عادوا كفروا، وافتتحها سعد بن أبى وقاص، ووضع عليهم [أربعمائة] [٢] ألف. فقال خالد: ما لقيت قوما كأهل فارس، وما لقيت من أهل فارس كأهل ألّيس.

стр. 6658

ذكر ما كان بعد فتح الحيرة قال [١] : وكان الدّهاقين يتربّصون بخالد، ما يصنع أهل الحيرة، فلمّا صالحهم واستأمنوا له أتته الدّهاقين من تلك النّواحى، فصالحوه على ألفى ألف. وقيل: ألف ألف، سوى ما كان لآل كسرى. وكتب إلى أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، فإن أجابوه وإلّا حاربهم. وجبى الخراج فى خمسين ليلة، وأعطاه للمسلمين، ولم يبق لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر، لاختلافهم بموت أردشير، إلّا أنّهم مجمعون على حرب خالد، وهو مقيم بالحيرة. ذكر فتح الأنبار قال: ثم [٢] سار خالد إلى الأنبار، وإنّما سمّيت الأنبار، لأن أهراء [٣] الطعام كانت بها أنابير، وكان [على] [٤] من بها من الجند شيرزاد صاحب ساباط، فلمّا التقوا أمر خالد رماته برشق السّهام، وأن يقصد واعيونهم، فرشقوا رشقا واحدا، ثم تابعوا، فأصابوا ألف عين، فسمّيت هذه الواقعة ذات العيون، فلما رأى شيرزاد ذلك، أرسل فى طلب الصّلح، فصالحه خالد على أن يلحقه مأمنه فى جريدة، وليس معهم من المتاع شىء.

стр. 6659

وخرج شيرزاد إلى بهمن جاذويه، ثم صالح خالد من حول الأنبار وأهل كلواذى. والله أعلم والحمد لله وحده. ذكر فتح عين التمر قال: ولما [١] فرغ خالد من الأنبار، استخلف عليها الزّبرقان اين بدر، وسار إلى عين التّمر، وبها مهران بن بهرام جوبين فى جمع عظيم من العجم، وعقّة بن أبى عقّة فى جمع عظيم من العرب؛ من النّمر، وتغلب، وإياد؛ وغيرهم. فقال عقّة لمهران: إنّ العرب أعلم بقتال العرب منكم، فدعنا وخالدا؛ فقال: نعم، وإن احتجتم إلينا أعنّاكم، فالتقى عقّة بخالد، فحمل خالد عليه وهو يقيم صفوفه، فاحتضنه وأسره، فانهزم أصحابه من غير قتال، وأسر أكثرهم. فلما بلغ الخبر مهران، هرب فى جنده وترك الحصن [٢] ، فانتهى المنهزمون إليه وتحصّنوا به، فنازلهم خالد، فسألوا الأمان، فأبى، فنزلوا على حكمه، فأخذهم أسرى، وقتل عقّة، ثم قتلهم عن آخرهم، وسبى [كلّ من] [٣] بالحصن وغنم ما فيه، ووجد فى بيعتهم أربعين غلاما يتعلّمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره وقال: ما أنتم؟ قالوا: رهن، فقسّمهم فى أهل البلاد، منهم: أبو زياد مولى ثقيف، وأبو عمرة جدّ عبد الله بن عبد الأعلى

стр. 6660

الشاعر، وسيرين أبو محمد، ونصير أبو موسى، وحمران مولى عثمان بن عفان. وأرسل إلى أبى بكر بالخبر والخمس والسّبى، فكان أول سبى قدم المدينة من العجم، وجعل خالد على عين التمر عويمرا السّلمىّ. ذكر خبر دومة الجندل قال: ولمّا [١] فرغ خالد من عين التّمر أتاه كتاب عياض بن غنم؛ يستمده على من بإزائه من المشركين، فسار إليه، وكان بإزائه بهراء وكلب، وغسّان، وتنوخ، والضجاعم، وكانت دومة الجندل على رئيسين: أكيدر بن عبد الملك، والجودى بن ربيعة، فأمّا أكيدر فأشار بالصّلح، ولم ير قتال خالد، فلم يقبلوا منه، فخرج عنهم، وسمع خالد بمسيره، فأرسل إلى طريقه، وأخذه أسيرا وقتله وأخذ ما كان معه، وسار حتى نزل بدومة، وجعلها بينه وبين عياض، وخرج الجودى إلى خالد فى جمع ممّن عنده من العرب، وأخرج طائفة إلى عياض، فهزمهم عياض، وهزم خالد من يليه، وأسر الجودى، وانهزموا إلى الحصن، فلما امتلأ أغلقوا الباب دون أصحابهم، فبقوا حوله، فقتلهم خالد، وقتل الجودى وقتل الأسرى إلّا أسرى كلب، فإنّ بنى تميم قالوا لخالد: قد أمّنّاهم، وكانوا حلفاءهم، فتركهم لهم، ثم أخذ الحصن فقتل المقاتلة، وسبى الذّريّة، فاشترى خالد ابنة الجودى، وكانت موصوفة بالجمال. وأقام خالد بدومة الجندل، فطمع الأعاجم، وكاتبهم عرب

стр. 6661

الجزيرة غضبا لعقّة، فكانت وقعة حصيد والخنافس، بين القعقاع بن عمرو، خليفة خالد على الحيرة، وبين روزبة وزرمهر. فقتل روزبه بحصيد، وانهزم الأعاجم إلى الخنافس؛ فتبعهم المسلمون، وهربوا إلى المصيّخ، إلى الهذيل بن عمران. ثم كانت وقعة مصيخ قال: [١] ولما انتهى الخبر إلى خالد كتب إلى القعقاع وأبى ليلى، وواعدهم فى وقت معلوم يجتمعون بالمصيّخ لقتال هذيل بن عمران ومن معه، فأغاروا عليه من ثلاثة أوجه وهم نائمون فقتلوهم، وأفلت الهذيل فى نفر قليل، وكثر فيهم القتل. وقعة الثنى والزميل وكان [٢] ربيعة بن بجير بالثّنى والزّميل- وهما شرقىّ الرّصافة- قد خرج غضبا لعقّة، فلمّا أصاب خالد أهل المصيّخ سار إلى الثّنى وبيّتهم من ثلاثة أوجه، وأوقع بهم وقتلهم، فلم يفلت منهم مخبر، وسبى وغنم، وبعث بالخبر والخمس إلى أبى بكر الصّديق رضى الله عنه، فاشترى علىّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه- بنت ربيعة [ابن بجير] [٣] التّغلبىّ، فولدت له عمر ورقيّة.

стр. 6662

ذكر وقعة الفراض قال: ثم [١] سار خالد إلى الفراض، وهى تخوم الشّام والجزيرة، فأفطر فيها شهر رمضان لاتّصال الغزوات، وحميت الرّوم، واستعانوا بمن يليهم من الفرس فأعانوهم، واجتمع معهم تغلب وإياد والنّمر، وساروا إلى خالد، وبلغوا الفرات، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت الرّوم ومن معهم، وأمر خالد ألّا يرفع عنهم السيف، فقتل فى المعركة، وفى الطلب مائة ألف، وأقام خالد على الفراض عشرا، ثم أذن بالرّجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذى القعدة سنة ثنتى عشرة، وخرج من الفراض سرّا، ومعه عدّة من أصحابه يعسف [٢] البلاد، حتى أتى مكّة فحجّ ورجع، وكانت غيبته عن الجند يسيرة؛ ولم يعلم بحجّه إلّا من أفضى إليه بذلك. ذكر فتوح الشام قال: وفى [٣] سنة ثلاث عشرة وجه أبو بكر رضى الله عنه الجنود إلى الشأم، بعد منصرفه من مكّة إلى المدينة، فبعث عمرو بن العاص قبل فلسطين، وبعث يزيد بن أبى سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة، وأمرهم أن يسلكوا على البلقاء من علياء الشام. وقيل: أوّل لواء عقده أبو بكر رضى الله عنه، عند توجيهه الجنود إلى الشام لواء خالد بن سعيد بن العاص، ثم عزله قبل أن يسير،

стр. 6663

وولّى يزيد بن أبى سفيان- وكان عزله عن رأى عمر- وقدم عكرمة ابن أبى جهل على أبى بكر فيمن كان معه من تهامة وعمان والبحرين، فجعل أبو بكر عكرمة ردءا للنّاس. وبلغ الرّوم ذلك، فكتبوا إلى هرقل، فخرج هرقل حتى أتى حمص، فأعدّ لهم الجنود، وأرسل أخاه إلى عمرو، فخرج نحوه فى تسعين ألفا، فهابهم المسلمون، وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفا سوى عكرمة؛ فإنّه فى ستة آلاف، فكتبوا إلى عمرو بن العاص: ما الرأى؟ فكاتبهم أنّ الرأى الاجتماع، وذلك أنّ مثلنا إذا اجتمع لا يغلب من قلّة. فاتّعدوا اليرموك ليجتمعوا به، وكان المسلمون كتبوا إلى أبى بكر بمثل ما كتبوا به إلى عمرو، فجاءهم كتابه بمثل ما رأى عمرو. وبلغ ذلك هرقل، فكتب إلى بطارقته أن اجتمعوا لهم، وانزلوا بالرّوم منزلا واسع المطرّد ضيق المهرب، ففعلوا، ونزلوا الواقواصة، وهى على ضفّة اليرموك، وصار الوادى خندقا لهم، وأقبل المسلمون، فنزلوا عليهم بحذائهم، فأقاموا صفر وشهرى ربيع لا يقدرون من الروم على شىء، حتى إذا انسلخ شهر ربيع الأول، كتبوا إلى أبى بكر يستمدونه، فكتب إلى خالد بن الوليد يلحق بهم، وأن يسير فى نصف العسكر، ويستخلف على النّصف الآخر المثنّى ابن حارثة الشّيبانىّ، ففعل. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 6664

ذكر مسير خالد بن الوليد الى الشام وما فعل فى مسيره إلى أن التقى بجنود المسلمين بالشام لما [١] ورد كتاب أبى بكر الصّديق رضى الله عنه إلى خالد بن الوليد، يأمره بالمسير إلى الشام فى نصف العسكر سار كما أمره، فلما انتهى إلى سوى أغار على أهله، وهم بهراء، وأتاهم وهم يشربون الخمر، ومغنيهم يقول: ألا علّلانى قبل جيش أبى بكر ... لعلّ منايانا قريب وما ندرى ألا علّلانى بالزّجاج وكرّرا ... علىّ كميت اللّون صافية تجرى ألا علّلانى من سلافة قهوة ... تسلّى هموم النفس من جيّد الخمر أظنّ خيول المسلمين وخالدا ... ستطرقكم قبل الصّباح مع النّسر فهل لكم فى السّير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر [٢] فقتل المسلمون مغنّيهم، وسال الدّم فى تلك الجفنة، وأخذوا أموالهم، وقتل حرقوص بن النعمان البهرانىّ. ثم سار خالد حتى أتى أرك، فصالحوه، ثم أتى تدمر فتحصن أهلها، ثم صالحوه، ثم أتى القريتين، فقاتل أهلها وظفر بهم وغنم،

стр. 6665

وأتى حوارين [١] فقاتل أهلها فهزمهم، وسار حتى نزل ثنيّة العقاب، بالقرب من دمشق ناشرا رايته، وهى راية سوداء كانت لرسول الله ﷺ ، تسمّى العقاب، فسمّيت الثّنيّة بها، ثم سار فأتى مرج راهط [٢] ، فأغار على غسّان، فقتل، وسبى، وأرسل سريّة إلى كنيسة بالغوطة، فقتلوا الرّجال، وسبوا النّساء، ثم سار حتى وصل إلى بصرى، وعليها أبو عبيدة ابن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبى سفيان، فجمع له صاحب بصرى، فسار إليه خالد هو وأبو عبيدة، فلقيهم خالد، فظفر بهم وهزمهم، فدخلوا حصنهم وطلبوا الصّلح، فصالحهم على كلّ رأس دينار فى كلّ عام، وجريب حنطة، فكانت بصرى أوّل مدينة فتحت بالشّام على يد خالد بن الوليد، وأهل العراق. وبعث الأخماس إلى أبى بكر الصّديق رضى الله عنه. ثم سار فطلع على المسلمين فى شهر ربيع الآخر، وطلع باهان على الروم منذرا لهم. واتفق قدوم خالد وقدوم باهان، ومع باهان القسيسون والشمامسة والرّهبان يحرّضون الرّوم على القتال، وخرج باهان، فولى خالد قتاله، وقاتل الأمراء من بإزائهم، ورجع [٣] ماهان والرّوم إلى خندقهم، وقد نال المسلمون منهم، فلزموا خندقهم غاية شهرهم. والله أعلم.

стр. 6666

ذكر وقعة أجنادين هذه الوقعة قد ذكرها ابن الأثير [١] ﵀ بعد وقعة اليرموك، واعتمد فى ذلك على أبى جعفر الطبرى ﵀، فإنّه أوردها على منواله، ويقتضى سياق التاريخ أن تكون مقدّمة على وقعة اليرموك؛ وذلك أن خالد بن الوليد لما قدم بصرى وعليها أبو عبيدة وشرحبيل ابن حسنة ويزيد بن أبى سفيان، صالح أهلها على الجزية على ما تقدّم، ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا لعمرو بن العاص، وهو مقيم بالعربات، واجتمعت الروم بأجنادين- وهى بين اليرموك وبيت جبرين من أرض فلسطين- وعليهم تذارق أخو هرقل لأبويه. وقيل: كان على الرّوم القبقلار. وسار عمرو بن العاص حين سمع بالمسلمين فلقيهم، فنزلوا بأجنادين، فبعث القبقلار عربيّا إلى المسلمين يأتيه بخبرهم، فعاد إليه، فقال له: ما وراءك؟ فقال: باللّيل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوه، ولو زنى رجموه، لإقامة الحقّ فيهم، فقال: إن كنت صدقتنى فبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها. ثم التقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وظهر المسلمون عليهم، وانهزم الروم، وقتل القبقلار وتذارق، واستشهد رجال من المسلمين. ثم جمع هرقل للمسلمين، فالتقوا باليرموك. والله سبحانه أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلّم.

стр. 6667

ذكر وقعة اليرموك قال: واجتمع [١] المسلمون باليرموك، وقد تكامل عددهم ستّة وثلاثين ألفا، منهم جيش خالد تسعة آلاف، وجيش عكرمة ستّة آلاف. وقيل فى عددهم غير ذلك. وكان الرّوم فى مائتى ألف وأربعين ألف مقاتل، منهم: ثمانون ألف مقيّد، وأربعون ألف مسلسل للموت، وأربعون ألفا مربوطون بالعمائم، وثمانون ألف راجل. وذلك فى جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وخرجوا للّقاء، فلما أحسّ المسلمون بخروجهم، قام خالد بن الوليد، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه؛ وقال: إنّ هذا يوم من أيّام الله، لا ينبغى فيه الفخر. أخلصوا بجهادكم، وأريدوا الله بعملكم، وهلمّوا فلنتعاور [٢] الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غدا، والآخر بعد غد، حتى يتأمّر كلّكم؛ ودعونى أميركم اليوم. فأمّروه، وهم يرون أنّ الأمر أطول مما صاروا إليه، وخرجت الروم فى تعبئة لم ير الرّاءون مثلها قطّ، وخرج خالد فى تعبئة لم يعبّئها العرب قبل ذلك، فخرج فى ستة وثلاثين كردوسا [٣] إلى أربعين، وجعل القلب كراديس، وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس، وجعل عليها عمرو بن العاص، وفيها شرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة كراديس، وعليها يزيد بن أبى سفيان، وجعل على كردوس

стр. 6668

من كراديس العراق إنسانا، وشهد اليرموك ألف رجل من الصحابة، فيهم من أهل بدر نحو المائة. فقال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقلّ المسلمين! فقال خالد: ما أكثر المسلمين وأقلّ الروم! وإنّما تكثر الجنود بالنّصر، وتقلّ بالخذلان، لا بعدد الرّجال. ثم أمّر خالد عكرمة والقعقاع بن عمرو- وكانا مجنّبنى القلب- فأنشبا القتال، فنشب والتحم الناس، وتطارد الفرسان؛ فإنّهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة، فسأله النّاس عن الخبر، فأخبرهم بسلامة وأمداد تقبل إليهم؛ وإنّما كان قد جاء بموت أبى بكر وتأمير أبى عبيدة، فأبلغوه خالدا، فأخبره بوفاة أبى بكر سرّا، وأخبره بالّذى أخبر به الجند، فشكره وأخذ الكتاب، فجعله فى كنانته. وخرج جرجة [١] من عسكر الرّوم، وكان أحد عظمائهم، فوقف بين الصّفّين ليخرج إلى خالد، فخرج إليه، وأقام أبا عبيدة مكانه، فواقفه بين الصفّين حتى اختلفت أعناق دابّتيهما، وقد أمن كلّ منهما صاحبة. فقال جرجة: يا خالد، اصدقنى ولا تكذبنى، فإن الحرّ لا يكذب، ولا تخادعنى، فإن الكريم لا يخادع المسترسل، قد أنزل الله على نبيكم سيفا، فأعطاه لك، فلا تسلّه على قوم إلّا هزمهم الله! قال: لا، قال: ففيم سمّيت سيف الله؟ قال: إنّ الله بعث فينا نبيّه ﷺ ، فدعانا، فنفرنا منه، ثم إن بعضنا صدّقه وبعضنا باعده وكذّبه، فكنت ممّن كذّبه وقاتله

стр. 6669

ثم هدانى الله فتابعته؛ فقال: أنت سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين، ودعا لى بالنصر، فسمّيت سيف الله بذلك، فأنا أشدّ المسلمين على الكافرين المشركين؛ فقال: صدقت، فأخبرنى، إلام تدعونى؟ قال خالد: إلى الإسلام أو الجزية، أو الحرب. قال فما منزلة الذى يجيبكم ويدخل فيكم؟ قال: منزلتنا واحدة، قال: فهل له فى الأجر والذّخر مثلكم؟ قال: نعم، وأفضل؛ لأنّنا اتّبعنا نبيّنا وهو حىّ يخبرنا بالغيب، ونرى منه العجائب، وأنتم لم تروا مثلنا، ولم تسمعوا ما سمعنا، فمن دخل بنيّة وصدق، كان أفضل منّا. فقلّب جرجة ترسه، ومال مع خالد يعلّمه الإسلام، وأسلم، فمال به خالد إلى فسطاطه، فشنّ [١] عليه قربة من الماء وصلّى به ركعتين. وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد، وهم يرون أنّها منه حيلة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم، فقال عكرمة بن أبى جهل: قاتلت مع رسول الله ﷺ فى كلّ موطن، وأفرّ منكم! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام، وضرار ابن الأزور فى أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا أمام فسطاط خالد حتى أثبتوا [٢] جميعا جراجا، فمنهم من برئ، ومنهم من استشهد. وحمل خالد ومعه جرجة- والرّوم خلال المسلمين- فنادى الناس

стр. 6670

فثابوا، وتراجعت الرّوم إلى مواقعهم، وزحف خالد بالمسلمين إليهم حتى تصافحوا بالسيوف، وضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النّهار إلى جنوح الشمس للغروب، ثم أصيب جرجة، ولم يصلّ صلاة سجد فيها إلّا الركعتين مع خالد، وصلّى الناس الظّهر والعصر إيماء، وتضعضع الرّوم، ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم، فانهزم الفرسان، وخرجت خيلهم تشتدّ فى الصحراء. ولما رأى المسلمون خيل الروم أفرجوا لها، فذهبت، فتفرّقت فى البلاد، وأقبل خالد ومن معه على الرّجل، ففضّوهم؛ فكأنّما هدم بهم حائط، واقتحموا فى خندقهم، فاقتحمه عليهم، فعمدوا إلى الواقوصة، فهوى فيها المقترنون وغيرهم، فتهاوى فيها عشرون ومائة ألف، ثمانون ألف مقترن، وأربعون ألف مطلق، سوى من قتل فى المعركة من الفرسان والرجال، وقاتل النساء يومئذ، وكانت هزيمة الرّوم مع اللّيل. وصعد المسلمون العقبة وأصابوا ما فى عسكر الرّوم، قتل الله صناديد الرّوم ورءوسهم وأخا هرقل؛ وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص- أو بحمص- فنادى بالرّحيل عنها، وجعلها بينه وبين المسلمين، وأمّر عليها أميرا كما أمّر على دمشق. هذا ما كان من واقعة اليرموك على سبيل الاختصار روى عن عبد الله بن الزّبير، قال: كنت مع أبى باليرموك وأنا صبىّ لا أقاتل؛ فلمّا اقتتل النّاس نظرت إلى أناس على تلّ لا يقاتلون، فركبت فذهبت إليهم؛ فإذا أبو سفيان بن حرب ومشيخة من قريش

стр. 6671

من مهاجرة الفتح، فرأونى حدثا فلم يتقونى. قال: فجعلوا إذا مال المسلمون، وركبهم الرّوم يقولون: إيه بنى الأصفر! وإذا مالت الرّوم، وركبهم المسلمون قالوا: ويح بنى الأصفر! فلما هزمت الرّوم أخبرت أبى بذلك، فضحك وقال. قاتلهم الله! أبوا إلا ضغنا! لنحن خير لهم من الرّوم. وقد حكى أبو جعفر الطّبرىّ ﵀، أنّ أبا سفيان يوم اليرموك كان يسير فيقف على الكراديس فيقول: الله، الله! إنّكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنّهم ذادة الرّوم وأنصار الشّرك! اللهم إنّ هذا يوم من أيّامك، الّلهم أنزل نصرك على عبادك. والله أعلم. هذا ما وقع فى خلافة أبى بكر الصّديق رضى الله عنه من الغزوات والحروب، والفتوحات، فلنذكر ما هو خلاف ذلك من الحوادث على السنين، إن شاء الله تعالى، والحمد لله وحده.

стр. 6672

ذكر ما وقع فى خلافة أبى بكر غير ما ذكرناه سنة إحدى عشرة فيها كانت وفاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضى عنها، وذلك فى ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان، وهى يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة، أو نحوها. وقيل: توفّيت بعد رسول الله ﷺ بثلاثة أشهر؛ قاله أبو جعفر [١] . ثم قال: والثّبت عندنا أنها توفّيت بعد ستة أشهر، وغسّلها علىّ بن أبى طالب، وأسماء بنت عميس، وصلّى عليها العباس ابن عبد المطلب، ودخل قبرها العباس وعلىّ والفضل بن عباس؛ قاله الواقدىّ. قال أبو عمر: فاطمة [٢] أوّل من غطّى نعشها من النّساء فى الإسلام؛ وذلك أنّها قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء، إنّى قد استقبحت ما يصنع بالنساء، إنه يطرح على المرأة الثوب، فيصفها. فقالت أسماء يا بنت رسول الله، ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت عليها ثوبا. فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله! تعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا متّ فاغسلينى أنت وعلىّ، ولا تدخلى علىّ أحدا، فلمّا توفيت جاءت عائشة تدخل؛ فقالت أسماء: لا تدخلى، فشكت إلى أبى بكر. فقالت: إنّ هذه الخثعميّة تحول بيننا وبين بنت رسول الله، وقد جعلت لها مثل

стр. 6673

هودج العروس؛ فجاء أبو بكر، فوقف على الباب. فقال: يا أسماء، ما حملك على أن [منعت] [١] أزواج رسول الله ﷺ أن يدخلن على بنت رسول الله، وجعلت لها مثل هودج العروس؟. قالت: أمرتنى ألّا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذى صنعت وهى حيّة، فأمرتنى أن أصنع ذلك لها. قال أبو بكر: فاصنعى ما أمرتك، ثم انصرف [٢] . وفيها انصرف معاذ بن جبل عن اليمن. واستقضى أبو بكر عمر بن الخطاب رضى الله عنهم. وفيها أمّر أبو بكر رضى الله عنه على الموسم عتّاب بن أسيد؛ وقيل: بل حجّ بالنّاس عبد الرّحمن بن عوف عن تأمير أبى بكر إيّاه. سنة اثنتى عشرة فيها مات أبو مرثد الغنوىّ، واسمه كنّاز بن حصن- ويقال ابن حصين- حليف حمزة بن عبد المطلب؛ صحب رسول الله ﷺ هو وابنه مرثد، وابنه أنيس بن مرثد؛ وشهد بدرا هو وابنه مرثد، وشهد هو المشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، ومات وهو ابن ستّ وستين سنة. وفيها، فى ذى الحجّة مات أبو العاص بن الربيع، واختلف فى اسمه، فقيل: لقيط، وقيل مهشم، وقيل: هشيم، والأكثر لقيط بن الرّبيع بن عبد العزّى بن عبد مناف بن قصىّ القرشىّ

стр. 6674

العبشّمىّ ويسمى جرو [١] البطحاء، وهو صهر رسول الله ﷺ على ابنته زينب، وأمّه هالة بنت خويلد، أخت خديجة أمّ المؤمنين، وأوصى إلى الزّبير بن العّوام، وتزوّج علىّ ابنته. وحجّ بالنّاس فى هذه السّنة أبو بكر الصّديق رضى الله عنه، واستخلف على المدينة عثمان بن عفّان رضى الله عنه. وقيل: بل حجّ عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم بالصّواب. ذكر وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه ومدة خلافتة قد اختلف فى وقت وفاته رضى الله عنه؛ فقال ابن اسحاق: فى يوم الجمعة لتسع [٢] من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وقال غيره: إنّه مات عشىّ يوم الاثنين. وقيل: ليلة الثلاثاء. وقيل: عشىّ يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. قال ابن عبد البر: هذا قول أكثرهم [٣] . وقيل: مكث فى خلافته سنتين وثلاثة أشهر وسبع ليال. وقال ابن اسحاق: سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال. وقيل: سنتين وثلاثة أشهر واثنتى عشرة ليلة. وقال غيره: وعشرة أيام. وقال آخرون: وعشرين يوما. واختلف أيضا فى السّبب الذى مات منه، فذكر الواقدىّ: أنّه اغتسل فى يوم بارد، فحمّ. ومرض خمسة عشر يوما.

стр. 6675

وقال الزبير بن بكّار: كان به طرف من السّل. وروى عن سلّام ابن [أبى] [١] مطيع: أنه سمّ، وأن اليهود سمّته فى حريرة، وهى الحسو، فأكل هو والحارث بن كلدة، فكفّ الحارث، وقال لأبى بكر: أكلنا طعاما مسموما، سمّ سنة، فمات بعد سنة. وقيل: أصل مرضه الغمّ على رسول الله ﷺ . وانتهت سنّه رضى الله عنه عند وفاته إلى سنّ رسول الله ﷺ ، ثلاثا وستين سنة. قال أبو عمر بن عبد البر: لا يختلفون فى أن سنّه انتهت إلى ذلك، إلّا ما لا يصح [٢] . وقد كان آخر ما تكلّم به: توفّنى مسلما، وألحقنى بالصالحين. وغسّلته زوجته أسماء بنت عميس بوصيّة منه وابنه عبد الرحمن، وأوصى أن يكفّن فى ثوبيه، ويشترى معهما ثوب ثالث، وقال: الحىّ أحوج إلى الجديد من الميّت، إنّما هو للمهملة [٣] والصّديد. وصلّى عليه عمر بن الخطاب فى مسجد رسول الله ﷺ ، وكبّر أربعا، وحمل على السّرير الذى حمل عليه رسول الله ﷺ ، وهو سرير عائشة رضى الله عنها، وكان من خشبتى ساج منسوجا باللّيف فى ميراث عائشة، بأربعة آلاف درهم اشتراه مولى لمعاوية، وجعله للمسلمين. ودخل قبره ابنه عبد الرحمن وعمر بن الخطاب وعثمان وطلحة، وجعل رأسه عند كتفى النّبى ﷺ ، وألصقوا لحده بلحده، ودفن رضى الله عنه ليلا.

стр. 6676

ذكر نبذة من أخباره وأحواله ومناقبه رضى الله عنه غير ما تقدّم قد ذكرنا فيما تقدّم من كتابنا هذا فى هذا السّفر وما قبله نبذة من أخباره، ولمعة من آثاره، وطرفا من مآثره السنيّة، وجملة من فضائله التى هى بجزيل الخيرات مليّة، وأحببنا أن نورد فى هذا الموضع نبذة أخرى غير ما قدّمنا، ونختم هذا الفصل بشىء من مناقبه كما بدأنا، ولا نشترط الاستيعاب لمناقبه ومآثره لتوفّرها، ولا الحصر لفضائله الجزيلة لتعدّدها وتكرّرها، بل نورد من كل نوع منها طرفا يحتوى على خصال منيعة، وأخلاق شريفة، ويتحقّق سامعه أنّه لو أنفق ملء أحد ذهبا ما بلغ مدّه ولا نصيفه. كان رضى الله تعالى عنه قد تقلّل من الدنيا جهد طاقته، واقتصر منها على بعض ما يسدّ به بعض خلّته وفاقته، وتجنّب أموال المسلمين جهده، وأنفق فى سبيل الله وعلى رسول الله ﷺ ما كان عنده؛ نطق بفضله القرآن، جاهد فى دين الله فأذّلّ الله له وبه أهل الشّرك والطّغيان، وشمّر عن السّاعد فى قتال أهل الرّدّة حين استذلّهم الشيطان، وأقدم على حربهم بنفسه وجيوشه حين اشرأبّ النفاق ولمعت بوارقه، وناضلهم بكتبه وكتائبه حين ظهر الكفر ونشرت خوافقه، فأخمد الله تعالى به ما كان قد اضطرم من نيران الرّدة، وأفاء تلك القبائل التى كانت لحرب الإسلام مستعدة؛ إلّا من استمرّ منهم على كفره، وما نزع عن شرّه ومكره، وأبى إلّا جحود هذا الدّين

стр. 6677

وقتال شعبه، ونفر عن الرّجوع والانضمام إلى حزبه؛ فإن الله تعالى قتله شرّ قتلة، وأباح للمسلمين ماله وأهله ونسله. روى أنّه لما ارتدت العرب، خرج أبو بكر رضى الله عنه شاهرا سيفه إلى ذى القصّة، فجاءه علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، فأخذ بزمام راحلته، وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك كما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: شم سيفك [١] لا تفجعنا بنفسك، فو الله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام نظام ، وكان له رضى الله عنه بيت مال بالسّنح، وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى المدينة؛ فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: لا، فكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين، فلا يبقى فيه شىء، فلمّا انتقل إلى المدينة جعل بيت المال معه فى داره. ولما توفّى جمع عمر الأمناء، وفتح بيت المال فلم يجد فيه شيئا غير دينار سقط من غرارة، فترحّموا عليه. وفى خلافته رضى الله عنه: انفتح معدن بنى سليم، فكان يسوّى فى قسمته بين السّابقين الأوّلين والمتأخّرين فى الإسلام، وبين الحرّ والعبد، والذّكر والأنثى. فقيل له: ليقدّم أهل السّبق على قدر منازلهم. فقال: إنّما أسلموا لله، ووجب أجرهم عليه، يوفّيهم ذلك فى الآخرة، وإنما هذه الدنيا بلاغ. وكان يشترى الأكسية ويفرّقها فى الأرامل فى الشتاء. قال أبو صالح الغفارىّ: كان عمر رضى الله عنه يتعهّد امرأة

стр. 6678

عمياء فى المدينة بالليل، فيقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، ففعل ما أرادت، فرصده عمر، فإذا هو أبو بكر رضى الله عنه، كان يأتيها ويقضى أشغالها سرّا وهو خليفة؛ فقال: أنت هو لعمرى! وكان منزل أبى بكر رضى الله عنه بالسّنح [١] عند زوجته حبيبة بنت خارجة، فأقام هناك ستة أشهر بعد ما بويع، وكان يغدو على رجليه إلى المدينة، وربّما ركب فرسه، فيصلّى بالنّاس؛ فإذا صلّى العشاء رجع إلى السّنح. وكان إذا غاب صلّى بالنّاس عمر، وكان يغدو كلّ يوم إلى السّوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربّما خرج هو بنفسه فيها، وربّما رعيت له، وكان يحلب للحىّ أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح [٢] دارنا، فسمعها، فقال: بل لعمرى لأحلبنّها لكم، وإنى لأرجو ألا يغيّرنى ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهم، ثمّ تحوّل إلى المدينة بعد ستة أشهر من خلافته. وقال: لا تصلح أمور النّاس مع التجارة، وما يصلح إلا التّفرغ لهم؛ والنظر فى شأنهم، فترك التجارة، وأنفق من مال المسلمين، ما يصلحه ويصلح عياله يوما بيوم، ويحجّ ويعتمر؛ فكان الذى فرضوا له فى كلّ سنة ستة آلاف درهم. فلما حضرته الوفاة قال: ردّوا ما عندنا من مال المسلمين، فإنّى لا أصيب من هذا المال شيئا، وإنّ أرضى الذى بكذا وكذا للمسلمين

стр. 6679

بما أصبت من أموالهم، فدفع ذلك إلى عمر. وقيل: إنّه قال: انظروا كم أنفقت منذ ولّيت من بيت المال؟ فاقضوه عنّى، فوجدوا مبلغه ثمانية آلاف. وقيل: إنّه قال لعائشة رضى الله عنها: أما إنّا منذ ولّينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما، ولكنّا قد أكلنا من جريش طعامهم، ولبسنا من خشن ثيابهم، وليس عندنا من فىء المسلمين إلّا هذا العبد، وهذا البعير، وهذه القطيفة، فإذا متّ فابعثى بالجميع إلى عمر؛ فلما مات بعثته إليه، فلما رآه بكى حتى سالت دموعه على الأرض؛ وجعل يقول: رحم الله أبا بكر! لقد أتعب من بعده، يكرّر ذلك، وأمر برفعه. فقال له عبد الرحمن ابن عوف: سبحان الله! تسلب عيال أبى بكر عبدا، وناضحا [١] ، وشقّ قطيفة ثمنها خمسة دراهم! فلو أمرت بردّها عليهم. فقال: لا، والذى بعث محمدا لا يكون هذا فى ولايتى، ولا خرج أبو بكر منه وأتقلّده أنا. وقد قيل: إنّه رضى الله عنه، كان يأخذ من بيت المال فى كلّ يوم ثلاثة دراهم أجرة، وإنه قال لعائشة: انظرى يا بنيّة ما زاد فى مال أبيك منذ ولى هذا الأمر فردّيه على المسلمين. فنظرت فإذا بجرد [٢] قطيفة لا تساوى خمسة دراهم، ومحشّة [٣] ، فجاء الرّسول إلى عمر بذلك والنّاس حوله، فبكى عمر، وبكى النّاس؛ وقال: رحمك الله أبا بكر! لقد كلّفت من بعدك تعبا طويلا! فقال الناس: اردده يا أمير المؤمنين إلى أهله.

стр. 6680

قال: كلّا، لا يخرجه من عنقه فى حياته، وأردّه إلى عنقه بعد وفاته. ثم أمر بذلك، فحمل إلى بيت المال. وحكى أنّ زوجته اشتهت حلوا، فقال: ليس لنا ما نشترى به. فقالت: أنا أستفضل من نفقتنا فى عدّة أيام ما نشترى به؛ قال: افعلى، ففعلت ذلك؛ فاجتمع لها فى أيام كثيرة شىء يسير، فلمّا عرّفته ذلك أخذه، فردّه فى بيت المال. وقال: هذا يفضل عن قوتنا، وأسقط من نفقته بمقدار ما استفضلت فى كلّ يوم، وغرامة لبيت المال فى المدة الماضية من ملك كان له. قيل: ولمّا حضرته الوفاة أتته عائشة رضى الله عنها وهو يعالج الموت، فتمثّلت: لعمرك ما يغنى الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر [١] فنظر إليها كالغضبان، ثم قال: ليس كذلك، ولكن قولى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [٢] . إنّى قد نحلتك حائط كذا، وفى نفسى منه! فردّيه على الميراث؛ وقال: إنّما هو أخواك وأختاك! قالت: من الثانية؟ إنّما هى أسماء. قال: ذات بطن بنت خارجه- يعنى زوجته- وكانت حاملا، فولدت أمّ كلثوم بعد موته. وهو رضى الله عنه أوّل وال فرضت له رعيّته نفقته، وأوّل خليفة ولّى وأبوه حىّ، وأوّل من جمع القرآن بين اللّوحين بمشورة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وسماه مصحفا، وهو أوّل من سمّى خليفة؛ رضوان الله عليه.

стр. 6681

ذكر أولاد أبى بكر وأزواجه تزوّج رضى الله عنه فى الجاهلية قتلة- ويقال: قتيلة- بنت عبد العزّى بن عبد [بن] [١] أسعد بن مضر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤىّ، فولدت له عبد الله وأسماء. وتزوّج أيضا فى الجاهلية أمّ رومان- بفتح الراء وضمها- واسمها زينب بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتّاب ابن أذينه بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة. أسلمت وهاجرت؛ وكانت قبل أبى بكر تحت عبد الله بن الحارث ابن سخبرة بن جرثومة الخير بن عادية بن مرّة الأزدىّ، وكان قدم بها مكّة، فحالف أبا بكر قبل الإسلام، ثم توفّى عن أمّ رومان، فولدت له الطّفيل، ثم خلف عليها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن وعائشة؛ فالطّفيل أخوهما لأمّهما، توفيت أم رومان فى ذى الحجة سنة أربع، أو سنة خمس، فنزل رسول الله ﷺ فى قبرها، واستغفر لها. وقال: اللهمّ لم يخف عليك ما لقيت أمّ رومان فيك وفى رسولك. وروى عن رسول الله ﷺ ، أنّه قال: «من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أمّ رومان» . وتزوّج رضى الله عنه فى الإسلام أسماء بنت عميس الخثعميّة؛ وهى أخت ميمونة زوج النبىّ ﷺ لأمّها، وكانت

стр. 6682

عند جعفر بن أبى طالب، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، فولدت له هناك محمد بن أبى بكر، ثم تزوّجها بعده علىّ بن أبى طالب، فولدت له يحيى بن علىّ. وزعم ابن الكلبى أن عون بن علىّ، أمّه أسماء، ولم يقله غيره. وقيل: كانت أسماء بنت عميس تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له ابنة تسمّى أمة الله. وقيل: أمامة، ثم خلف عليها بعده شدّاد بن الهاد الليّثى، ثم العتوارىّ، حليف بنى هاشم، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن بن شدّاد، ثم خلف عليها بعد شدّاد جعفر بن أبى طالب. وقيل: التى كانت تحت حمزة وشدّاد سلمى بنت عميس أختها أسماء، والله تعالى أعلم بالصواب. وتزوّج رضى الله عنه فى الإسلام أيضا أمّ حبيبة بنت خارجة ابن زيد بن أبى زهير الأنصارية، من بنى الحارث بن الخزرج، فولدت له بعد وفاته أمّ كلثوم. ولنصل هذا الفصل بذكر شيىء من أولاد أبى بكر رضى الله عنهم. وأمّا عبد الله بن أبى بكر رضى الله عنهما، فكان قديم الإسلام إلّا أنّه لم يسمع له بمشهد إلّا شهوده الفتح وحنينا والطائف. ورمى بالطائف بسهم؛ قيل: رماه به أبو محجن، فاندمل جرحه، ثم انتقض عليه، فمات فى شوّال سنة إحدى عشرة. وكان قد ابتاع الحلّة التى أرادوا دفن رسول الله ﷺ فيها بسبعة دنانير ليكفّن فيها، فلما حضرته الوفاة، قال: لا تكفّنونى فيها، فلو كان فيها خير كفّن رسول الله

стр. 6683

صلّى الله عليه وسلم فيها، ودفن بعد الظهر، وصلّى عليه أبوه، ونزل قبره عمر بن الخطاب وطلحة وعبد الرحمن أخوه. وكان عبد الله رضى الله عنه زوج عاتكة بنت زيد بن عمرو ابن نفيل العدويّة، أخت سعيد بن زيد، وكانت من المهاجرات، وكانت حسناء جميلة بارعة، فأولع بها، وشغلته عن مغازيه، فأمره أبوه بطلاقها لذلك؛ فقال: هذه الأبيات: يقولون طلقها وخيّم مكانها ... مقيما، تمنّى النّفس أحلام نائم وإنّ فراقى أهل بيت جميعهم ... على كبرة منّى لإحدى العظائم أرانى وأهلى كالعجول تروّحت ... إلى بوّها قبل العشار الرّوائم فعزم عليه أبوه حتى طلقها، ثم تبعتها نفسه، فهجم عليه أبو بكر رضى الله عنه وهو يقول: أعاتك لا أنساك ماذرّ شارق ... وما ناح قمرىّ الحمام المطوّق أعاتك قلبى كلّ يوم وليلة ... إليك بما تخفى النفوس معلّق فلم أر مثلى طلّق اليوم مثلها ... ولا مثلها فى غير جرم تطلّق لها خلق جزل ورأى ومنصب ... وخلق سوىّ فى الحياء ومصدق فرقّ له أبوه، وأمره بمراجعتها فارتجعها؛ وقال هذه الأبيات: أعاتك قد طلّقت فى غير ريبة ... وروجعت للأمر الذى هو كائن كذلك أمر الله غاد ورائح ... على النّاس فيه ألفة وتباين وما زال قلبى للتفرّق طائرا ... وقلبى لما قد قرّب الله ساكن

стр. 6684

فإنّك ممّن زيّن الله وجهه ... وليس لوجه زانه الله شائن فلما مات عبد الله صارت عاتكة ترثية بهذه الأبيات: رزئت بخير النّاس بعد نبيّهم ... وبعد أبى بكر وما كان قصّرا فآليت لا تنفكّ عينى حزينة ... عليك، ولا ينفك جلدى أغبرا فلله عينا من رأى مثله فتى ... أكرّ وأحمى فى الهياج وأصبرا إذا شرعت فيه الأسنّة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الرّمح أحمرا ثم تزوّجت بعده زيد بن الخطاب، على اختلاف فى ذلك؛ فقتل عنها يوم اليمامة شهيدا، فتزوّجها عمر بن الخطاب فى سنة اثنتى عشرة، فأولم عليها، ودعا عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله ﷺ ، وفيهم علىّ بن أبى طالب؛ فقال له: دعنى أكلّم عاتكة: قال: نعم، فأخذ بجانب الحذر. ثم قال: يا عديّة نفسها، أين قولك: فآليت لا تنفكّ عينى حزينة ... عليك ولا ينفك جلدى أغبرا فبكت. فقال عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن؟! كلّ النساء يفعلن هذا، ثم قتل عنها عمر، فقالت تبكيه: عين جودى بعبرة ونحيب ... لا تملّى على الجواد النّجيب فجعتنى المنون بالفارس المعلم ... يوم الهياج والتّثويب قل لأهل الضّرّاء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب وقالت أيضا ترثيه بهذه الأبيات: منع الرقاد فعاد عينى عائد ... مما تضمّن قلبى المعمود

стр. 6685

يا ليلة حبست علىّ نجومها ... فسهرتها والشّامتون رقود قد كان يسهرنى حذارك مرّة ... فاليوم حقّ لعينى التّسهيد أبكى أمير المؤمنين ودونه ... للزائرين صفائح وصعيد ثم تزوّجها الزّبير بن العوّام فقتل عنها؛ فقالت ترثيه بهذه الأبيات: غدر ابن جرموز بفارس بهمّة ... يوم اللّقاء وكان غير معرّد يا عمرو لو نبّهته لوجدتة ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا بن فقع القردد ثكلتك أمّك إن ظفرت بمثله ... فيما مضى ممن يروح ويغتدى والله ربّك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة المتعمّد ثم خطبها علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه بعد انقضاء عدّتها، فأرسلت إليه. إنّى لأضنّ بك يا بن عمّ رسول الله عن القتل! وإنما ذكرنا ما ذكرنا من خبر عاتكة فى هذا الموضع على سبيل الاستطراد؛ فالشّىء بالشىء يذكر، فلنذكر عبد الرحمن ابن أبى بكر. وأمّا عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنه؛ فهو أسنّ ولد أبى بكر، وكان يكنى أبا عبد الله. وقيل: أبا محمد، بابنه محمد الذى يقال له: أبو عتيق، والد عبد الله بن أبى عتيق، وأدرك أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن رسول الله ﷺ هو وأبوه وجدّه، وجدّ أبيه؛ أربعتهم، أجمعوا على أنّ هذه المنقبة ليست

стр. 6686

لغيرهم، روى البخارىّ ﵀، قال: قال موسى بن عقبة: ما نعلم أحدا فى الإسلام أدركوا هم وأبناؤهم النّبىّ ﷺ أربعة إلّا هؤلاء الأربعة: أبو قحافة، وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن ابن أبى بكر، وابنه عتيق بن عبد الرحمن. وعبد الرحمن شقيق عائشة؛ شهد عبد الرحمن بدرا وأحدا مع قومه، ودعا إلى البراز، فقام إليه أبو بكر ليبارزه، فذكر أنّ النبىّ ﷺ قال له: «متّعنى بنفسك» . ثم أسلم عبد الرحمن، وحسن إسلامه، وصحب رسول الله ﷺ فى هدنة الحديبية. وكان اسمه فى الجاهلية عبد الكعبة، فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وكان رضى الله عنه من أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، حضر اليمامة مع خالد بن الوليد، فقتل سبعة من كبارهم، منهم محكّم اليمامة طفيل، رماه بسهم فى نحره فقتله. ولما فتحت دمشق نفله عمر ليلى بنت الجودى، وكان قد رآها قبل ذلك، وكان يتشبّب بها. وشهد عبد الرحمن الجمل مع عائشة، وكان ابنه محمد يومئذ مع علىّ. قال أبو عمر بن عبد البر: ولما [١] قعد معاوية على المنبر، ودعا إلى بيعة يزيد، كلّمه الحسين بن علىّ وعبد الله بن الزّبير، وعبد الرّحمن بن أبى بكر، فكان كلام عبد الرحمن: أهرقليّة! إذا مات كسرى كان كسرى مكانه! لا نفعل والله ابدا. وبعث إليه معاوية

стр. 6687

بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد فردّها عبد الرحمن. وقال: أبيع دينى بدنياى! وخرج إلى مكة، فمات بها قبل أن تمّ البيعة ليزيد. ويقال: إنه [مات] فجأة بموضع يقال له: الحبشىّ [١] على نحو عشرة أميال من مكّة، وحمل إلى مكة فدفن بها. وقيل: إنّه توفى فى نومة نامها، وكانت وفاته فى سنة ثلاث وخمسين. وقيل: سنة خمس وخمسين، والأول أشهر. ولما اتّصل خبر وفاته بعائشة أمّ المؤمنين أخته، ظعنت من المدينة حاجّة حتى وقفت على قبره، وتمثّلت بهذه الأبيات: وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدّهر حتى قبل لن يتصدّعا [٢] فلمّا تفرّقنا كأنّى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وقالت: أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث متّ مكانك، ولو حضرتك ما بكيتك! رضى الله عنهما. وأما محمّد بن أبى بكر رضى الله عنهما، فإنه ولد فى عقب ذى الحجة سنة عشر من الهجرة بذى الحليفة، أو بالشجرة، وسمّته عائشة محمدا، وكنّته أبا القاسم، ثم كان محمد بعد وفاة أبى بكر فى حجر علىّ بن أبى طالب لما تزوّج أمّه أسماء بنت عميس، وكان محمّد على رجّالة علىّ يوم الجمل، وشهد معه أيام صفّين، ثم ولّاه مصر، فقتل بها. واختلفوا فى قتله، فقيل: قتله معاوية بن حديج صبرا،

стр. 6688

وذلك فى سنة ثمان وثلاثين؛ وقيل: إنّه لمّا ولّاه على مصر سار إليه عمرو بن العاص من قبل معاوية فاقتتلوا، فانهزم أصحاب محمد وفرّ هو، فدخل خربة فيها حمار ميّت، فدخل فى جوفه، فأحرق فى جوف الحمار؛ وقيل: بل قتله معاوية بن حديج فى المعركة، ثم أحرق فى جوف الحمار بعد ذلك، وقيل: إنّه أتى عمرو بن العاص فقتله صبرا بعد أن قال له: هل معك عهد؟ هل معك عقد من أحد؟ فقال: لا، فأمر به فقتل. وكان علىّ يثنى على محمد خيرا، ويفضّله؛ لانه كانت له عبادة واجتهاد؛ وكان ممّن دخل على عثمان حين أرادوا قتله، فقال له عثمان: لو رآك أبوك لم يرض بهذا المقام منك! فخرج عنه وتركه، روى محمد بن طلحة، عن كنانة مولى صفيّة بنت حيىّ- وكان شهد يوم الدّار- أنّه لم ينل محمد بن أبى بكر دم عثمان بشىء. قال: محمد بن طلحة: فقلت: لكنانة: فلم قيل: إنّه قتله؟ قال: معاذ الله أن يكون قتله! إنّما دخل عليه، فقال له عثمان: يا بن أخى، لست بصاحبى، وكلّمه عثمان بكلام فخرج ولم ينل دمه بشىء. فقلت لكنانة: فمن قتله؟ قال: رجل من أهل مصر يقال له: جبلة ابن الأيهم. وأمّا عائشة رضى الله عنها فقد تقدّم ذكرها فى السيرة النبوية فى أزواج النبىّ ﷺ ، أمّهات المؤمنين رضى الله عنهنّ. وأما أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه فهى قديمة الإسلام. قال ابن إسحاق: أسلمت بعد سبعة عشر، وكانت تحت الزّبير

стр. 6689

ابن العوام رضى الله عنه، وهاجرت إلى المدينة وهى حامل بعبد الله ابن الزبير، فوضعته بقباء، وكانت تسمّى ذات النّطاقين، وقد تقدّم الخبر فى تسميتها بذلك فى سيرة سيدنا رسول الله ﷺ عند خروجه من مكة إلى الهجرة. توفيت أسماء بمكّة فى جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين بعد مقتل ابنها عبد الله، وقد بلغت مائة سنة. وأمّ كلثوم [١] بنت أبى بكر رضى الله عنه، تزوّجها طلحة بن عبيد الله رضى الله عنهما، فولدت له عائشة بنت طلحة، فتزوجها عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبى بكر الصّديق. ولعائشة بنت طلحة أخبار تقدّم ذكرها، وتزوّجت عائشة بعد عبد الله مصعب بن الزبير، ولم تلد من أحد من أزواجها غير عبد الله، ولدت له عمران، وعبد الرحمن، وأبا بكر، وطلحة، ونفيسة، تزوجها الوليد بن عبد الملك، وكان ابنها طلحة أجود أجواد قريش، وله يقول الحزين الدّيلىّ: فإن تك با طلح أعطيتنى ... عذافرة تستخفّ الضّفارا فما كان نفعك مرّة ... ولا مرّتين ولكن مرارا أبوك الذى صدّق المصطفى ... وسار مع المصطفى حيث سارا وأمّك بيضاء تيميّة ... إذا نسب الناس كانت نضارا وطلحة هذا، ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصّديق رضى الله عنه. وطلحة هذا هو جدّى الذى أنسب إليه. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 6690

ذكر أسماء قضاته وعماله وكتابه وحاجبه وخادمه لمّا ولّى أبو بكر رضى الله عنه، قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال. وقال له عمر: أنا أكفيك القضاء، فاستعملهما. فمكث عمر سنة لا يأتية رجلان فى محاكمة، وكان يكتب لأبى بكر عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومن حضر، وكان حاجبه شديد مولاه، وكان عامله على مكّة عتّاب بن أسيد، ومات فى اليوم الّذى مات فيه أبو بكر. وقيل: مات بعده. وكان على الطّائف عثمان بن أبى العاص، وعلى صنعاء المهاجر ابن أبى أميّة، وعلى حضرموت زياد بن لبيد، وعلى خولان يعلى بن أمية، وعلى زبيد أبو موسى الأشعرىّ، وعلى الجند معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء الحضرمىّ. وبعث جرير بن عبد الله إلى نجران، وعبد الله بن ثور إلى جرش، وعياض بن غنم إلى دومة الجندل. وكان على الشام أبو عبيدة بن الجراح. وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبى سفيان، وعمرو بن العاص؛ كلّ رجل منهم على جند وعليهم خالد بن الوليد رضى الله عنه. وكان خاتمة خاتم رسول الله ﷺ . وقال الزّبير بن بكّار: وكان نقش خاتمه: «نعم القادر الله» . وقال غيره: كان نقش خاتمه: «عبد ذليل لربّ جليل» .
следующие страницы →