فوقف وقوفا طويلا، ثم دعا دعاء لا يسمعه النّاس، ثم تكلّم فقال:
أيّها النّاس، إنّى قد سألتكم سرّا وجهرا عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرّجلين: إمّا علىّ، وإمّا عثمان.
فقم إلىّ يا علىّ، فقام إليه فوقف تحت المنبر، وأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعى على كتاب الله وسنة نبيّه محمّد ﷺ ، وفعل أبى بكر وعمر؟ قال: اللهمّ لا، ولكن على جهدى من ذاك وطاقتى.
قال: فأرسل يده ثمّ نادى: قم إلىّ يا عثمان، فأخذ بيده، وهو فى موقف علىّ الّذى كان فيه، فقال: هل أنت مبايعى على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبى بكر وعمر؟ فقال: اللهمّ نعم، قال:
فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده فى يد عثمان، فقال: اللهمّ اسمع واشهد ثلاثا، اللهمّ إنّى قد جعلت ما فى رقبتى من ذلك فى رقبة عثمان، قال: فازدحم النّاس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعد النبىّ ﷺ من المنبر، وأقعد عثمان على الدّرجة الثّانية، فجعل النّاس يبايعونه، وتلكّأ علىّ.
فقال عبد الرّحمن: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
[١] .
فرجع علىّ يشقّ النّاس حتى بايع عثمان وهو يقول: خدعة، وأىّ خدعة!
стр. 6932
وقيل: لمّا بايع عبد الرحمن عثمان قال علىّ: ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون، والله ما ولّيت عثمان إلا ليردّ الأمر إليك، والله كلّ يوم [هو] [١] فى شأن.
فقال عبد الرحمن: يا علىّ، لا تجعل على نفسك حجّة ولا سبيلا، فخرج علىّ وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.
فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته، وإنّه من الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون.
فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين، قال: إن كنت أردت الله فأثابك الله ثواب المحسنين.
وقال المقداد: ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم، إنّى لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا، لا أقول ولا أعلم أنّ رجلا أقضى بالعدل، ولا أعلم منه، أما والله لو أجد أعوانا عليه! فقال عبد الرحمن: يا مقداد، اتّق الله؛ فإنّى خائف عليك الفتنة.
فقال رجل للمقداد: رحمك الله! من أهل هذا البيت؟ ومن هذا الرّجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطّلب، والرجل علىّ بن أبى طالب.
فقال علىّ: إنّ النّاس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر بينها
стр. 6933
فتقول: إن ولّى عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وإن كانت فى غيرهم تداولتموها بينكم.
قال: وقدم طلحة فى اليوم الرّابع الذى بويع فيه عثمان، فقيل له:
بايعوا لعثمان، فقال: كلّ قريش راض به؟ قالوا: نعم. فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك، إن أبيت رددتها.
قال: أتردّها؟ قال: نعم. ثم قال أكلّ النّاس بايعوك؟ قال، نعم.
قال: قد رضيت، لا أرغب عمّا أجمعوا عليه، وبايعه.
حكاه ابن الأثير فى تاريخه الكامل [١] ، عن عمرو بن ميمون.
وفيه زيادة عن الطّبرىّ.
وروى أبو جعفر الطّبرىّ ﵀ فى قصّة الشّورى، عن المسور بن مخرمة نحو ما تقدّم؛ الّا أنّه ذكر زيادات ذكرنا بعضها فى أثناء هذه القصّة، ونذكر بقيّتها الآن.
قال [٢] : لما دفن رضى الله عنه جمعهم عبد الرحمن وخطبهم، وأمرهم بالاجتماع وترك التفرق.
فتكلّم عثمان رضى الله عنه، فقال: الحمد لله الذى اتخذ محمدا نبيّا وبعثه رسولا، وصدقه وعده، ووهب له نصره على كلّ من بعد نسبا، أو قرب رحما، صلّى الله عليه، جعلنا الله له تابعين، وبأمره مهتدين، فهو لنا نور ونحن بأمره نقوم، عند تفرّق الأهواء، ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة، وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منّا، ولا يدخل
стр. 6934
علينا غيرنا الّا من سفه الحقّ، ونكل عن القصد، وأحر [١] بها يابن عوف أن تترك، وأجّدر بها [٢] أن تكون إن خولف أمرك، وترك دعاوءك، فأنا مجيب وداع إليك، وكفيل بما أقول زعيم، وأستغفر الله لى ولكم.
ثمّ تكلّم الزبير بعده، فقال: أمّا بعد، فإنّ داعى الله لا يجهل ومجيبه لا يخذل، عند تفرّق الأهواء، ولىّ الأعناق، ولن يقصّر عما قلت إلّا غوىّ، ولن يترك ما دعوت إليه إلّا شقىّ، ولولا حدود لله فرضت، وفرائض لله حدّت، تراح على أهلها، وتحيا لا تموت؛ لكان الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ولكن لله علينا إجابة الدّعوة، وإظهار السّنّة، لئلّا نموت موتة [٣] عميّة، ولا نعمى عمى جاهليّة، فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم، وأستغفر الله لى ولكم.
ثم تكلّم سعد فقال. الحمد لله بديئا، بمحمّد ﷺ أنارت الطّرق، واستقامت السّبل، وظهر الحقّ، ومات كلّ باطل، إيّاكم أيّها النّفر وقول الزّور، وأمنيّة أهل الغرور! فقد سلبت الأمانىّ قوما قبلكم، ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم، فاتخذوا الله عدوّا، ولعنهم لعنا كثيرا، قال الله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ...
[٤]
стр. 6935
إلى قوله: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
إنّى نكبت قرنى [١] وأخذت سهمى الفالج [٢] ، وأخذت لطلحة بن ابن عبيد الله ما ارتضيت لنفسى، فأنّا كفيل به، وبما أعطيت عنه زعيم، والأمر إليك يابن عوف، بجهد النّفس، وقصد النّصح، وعلى الله قصد السبيل وإليه الرّجوع، واستغفر الله لى ولكم، وأعوذ بالله من مخالفتكم.
ثم تكلّم علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، فقال: الحمد لله الذى بعث محمدا منّا نبيّا، وبعثه إلينا رسولا، فنحن بيت النبوّة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب؛ لنا حقّ إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الابل، ولو طال السّرى. لو عهد إلينا رسول الله ﷺ عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتّى نموت، لن يسرع أحد قبلى إلى دعوة حقّ، وصلة رحم، ولا قوّة الّا بالله.
اسمعوا كلامى، وعوا منطقى، عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا المجتمع تنتضى فيه السّيوف، وتخان فيه العهود، حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضّلالة، وشيعة لأهل الجهالة ثم قال [٣] :
فإن تك جاسم هلكت فإنّى ... بما فعلت بنو عبد بن ضخم
стр. 6936
مطيع فى الهواجر كلّ عىّ ... بصير بالنّوى من كلّ نجم
فقال عبد الرحمن: أيّكم يطيب نفسا أن يخرج نفسه من هذا الأمر، ويولّيه غيره؟ قال: فأمسكوا عنه. وذكر نحو ما تقدم.
فلنرجع إلى بقيّة أخبار عمر رضى الله عنه.
قال: ومات عمر لأربع بقين من ذى الحجّة، قاله الواقدىّ.
وقال غيره: يوم الاثنين لليلتين بقيتا منه، وقيل: طعن يوم الأربعاء لأربع بقين من ذى الحجّة، سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد هلال المحرّم، سنة أربع وعشرين فى حجرة عائشة رضى الله عنها، ورأسه قبالة كتفى أبى بكر رضى الله عنهما، وصلّى عليه صهيب الرّومىّ. والله أعلم بالصّواب.
стр. 6937
ذكر أولاد عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعنهم وأزواجه
تزوّج رضى الله عنه فى الجاهليّة زينب بنت مظعون بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وحفصة أمّ المؤمنين رضى الله عنهم.
وتزوّج مليكة بنت جرول الخزاعىّ فى الجاهليّة [فولدت له عبيد الله ففارقها فى الهدنة، وقيل: كانت أمّ عبد الله وأمّ زيد الأصغر أمّ كلثوم بنت جرول الخزاعىّ] [١] . وكان الإسلام فرّق بينها وبين عمر.
وتزوّج قريبة بنت أبى أميّة المخزومىّ فى الجاهليّة، ففارقها فى الهدنة أيضا، فتزوّجها بعده عبد الرحمن بن أبى بكر الصّديق رضى الله عنه. وفريبة أخت أمّ سلمة زوج النبىّ ﷺ .
وتزوّج أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومىّ فى الإسلام، فولدت له فاطمة، فطلّقها، وقيل: لم يطلّقها.
وتزوّج جميلة بنت عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح الأوسىّ فى الإسلام، فولدت له عاصما فطلّقها، وقيل: لم يطلّقها.
وتزوّج أمّ كلثوم بنت علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وأمّها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأصدقها أربعين ألفا فولدت رقيّة وزيدا.
стр. 6938
وتزوّج لهيّة [١] ، امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن الأوسط، وقيل الأصغر. وقيل: كانت أمّ ولد، وكانت عنده فكيهبة أمّ ولد فولدت له زينب، وهى أصغر ولد عمر.
وتزوّج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وقد تقدّم خبرها عند ذكر عبد الله بن أبى بكر.
ومن أولاده رضى الله عنه: عبد الرّحمن، وكنيته أبو شحمة؛ وقيل: إنه كان له ولد يقال له: مجبّر.
ولنفصّل هذا الفصل بذكر شىء من أخبار من أدرك رسول الله ﷺ من أولاد عمر، ومن ولد فى حياته [أما عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فإنّه أسلم مع أبيه، وهو صغير لم يبلغ الحلم وكان أول مشاهده] [٢] الخندق.
وقيل: أحد؛ لأنّ رسول الله ﷺ ردّه يوم بدر لصغر سنّه، وشهد الحديبية، وكان رضى الله عنه من أهل الورع والعلم، كثير الاتّباع لآثار رسول الله ﷺ ، شديد التّحرّى والاحتياط فى فتواه. وكان لا يتخلّف عن السّرايا على عهد رسول الله ﷺ ، ثم كان بعد رسول الله ﷺ كثير الحجّ.
وقال رسول الله ﷺ لحفصة بنت عمر: «إن أخاك عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من اللّيل»
، فما ترك بعدها قيام الليل. وقعد عن حرب علىّ لمّا أشكلت عليه لورعه، ثم ندم على ذلك
стр. 6939
حين حضرته الوفاة، فقال: ما أجد فى نفسى من أمر الدّنيا شيئا إلا أنّى لم أقاتل مع علىّ الفئة الباغية.
قال ميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عبّاس.
وأفتى فى الإسلام ستّين سنة، ونشر نافع عنه علما جمّا.
وروى عن يوسف بن الماجشون، عن أبيه وغيره: أنّ مروان بن الحكم دخل فى نفر على عبد الله بن عمر بعد ما قتل عثمان، فعرضوا عليه أن يبايعوا له، فقال: كيف لى بالنّاس؟ قال: تقاتلهم ونقاتل معك، قال: والله لو اجتمع علىّ أهل الأرض، إلا أهل فدك ما قاتلتهم فخرجوا من عنده ومروان يقول:
إنى أرى فتنة تغلى مراجلها ... والملك بعد أبى ليلى لمن غلبا
قال: وكانت وفاة عبد الله بمكّة سنة ثلاث وسبعين، بعد قتل ابن الزّبير بثلاثة أشهر أو نحوها، وقيل: ستّة أشهر، وأوصى أن يدفن فى الحلّ، فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج، فدفن بذى طوى، بمقبرة المهاجرين.
وكان الحجاج قد أمر رجلا فسمّ زجّ رمحه، وزحمه فى الطّريق، ووضع الزّجّ فى ظهر قدمه؛ وذلك أنّ الحجاج خطب يوما، وأخّر الصّلاة، فقال ابن عمر: إنّ الشّمس لا تنتظرك، فقال الحجّاج:
لقد هممت أن أضرب الذى فيه عيناك. فقال: إن تفعل فإنّك سفية سلط [١] . وقيل: إنّه أخفى قوله ذلك عن الحجّاج فلم يسمعه.
стр. 6940
وكان عبد الله يتقدّم فى المواقف بعرفة وغيرها [إلى المواضع] [١] الّتى كان رسول الله ﷺ يقف فيها، فكان ذلك يعزّ على الحجّاج، فأمر الحجاج رجلا معه حربة مسمومة، فلما دفع النّاس من عرفة، لصق به ذلك الرّجل، فأمرّ الحربة على قدمه وهو فى غرز راحلته، فمرض منها إيّاما، فدخل عليه الحجّاج يعوده، فقال: من فعل ذلك بك يا أبا عبد الرّحمن؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قتلنى الله إن لم أقتله.
قال: ما أراك فاعلا، أنت الذى أمرت الّذى نخسنى بالحربة. قال لا نفعل يا أبا عبد الرحمن وخرج عنه. وقيل: إنّه قال للحجّاج: إذ قال له: من فعل بك؟ قال: أنت الّذى أمرت بإدخال السّلاح فى الحرم، فلبث أيّاما ثم مات رضى الله عنه، وصلّى عليه الحجّاج.
وأما عبد الرّحمن الأكبر، فإنّه أدرك لسنّه رسول الله صلّى الله عليه ولم يحفظ عنه.
وعبد الرحمن الأوسط وهو أبو شحمة هو؛ الذى ضربه عمرو ابن العاص بمصر فى الخمر، ثم حمله إلى المدينة فضربه أبوه أدب الوالد، ثم مرض ومات بعد شهر.
كذا رواه معمر عن الزّهرىّ، عن سالم، عن أبيه، وأهل العراق! يقولون: إنّه مات تحت سياط عمر.
قال ابن عبد البرّ: وذلك غلط. وقال الزّبير: أقام عليه عمر حدّ الشراب، فمرض ومات وعبد الرحمن الأصغر، هو أبو المجبّر، واسم المجبّر عبد الرحمن
стр. 6941
ابن عبد الرحمن بن عمر، سمّى المجبّر لأنّه وقع وهو غلام فتكسّر، فأتى به إلى عمته حفصة أمّ المؤمنين، فقيل لها: انظرى إلى ابن أخيك المكسّر فقالت: ليس بالمكسّر ولكنّه المجبّر.
وقال الزّبير: هلك عبد الرحمن الأصغر، وترك ابنا صغيرا، أو حملا، فسمّته حفصة: عبد الرحمن، ولقّبته المجبّر، «وقالت:
لعلّ الله يجبره.
وعبيد الله بن عمر ولد على عهد رسول الله ﷺ ، ولم ينقل أنّه روى عنه، ولا سمع منه، وهو الّذى حدّه عمر فى شرب الخمر، وهو الّذى وثب على الهرمزان فقتله، وقتل معه نصرانيّا اسمه جفينة من أهل الحيرة، وقد اتهمهما أنّهما أغريا أبا لؤلؤة بقتل عمر. وقتل أيضا ابنة لأبى لؤلؤة طفلة، ولما ضرب الهرمزان بالسّيف قال: لا إله إلّا الله، فلمّا قتل هؤلاء أخذه سعد ابن أبى وقّاص وحبسه فى داره، وأحضره عند عثمان. وكان عبيد الله يقول: والله لأقتلنّ رجالا ممّن شرك فى دم أبى، يعرّض بالمهاجرين والأنصار.
قالوا: وإنّما قتل هؤلاء، لأنّ عبد الرحمن أبى بكر قال غداة قتل عمر: رأيت عشيّة أمس الهرمزان، وأبا لؤلؤة، وجفينة، وهم يتناجون، فلمّا رأونى ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه فى وسطه، وهو الخنجر الذى ضرب به عمر، فقتلهم عبيد الله.
فلمّا أحضره عثمان قال: أشيروا علىّ فى هذا الّذى فتق فى الإسلام ما فتق، فقال علىّ: أرى أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل
стр. 6942
عمر أمس، ونقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص: إنّ الله قد أعفاك أن يكون لك هذا الحدث، ولك على المسلمين سلطان. فقال عثمان: أنا وليّه، وقد جعلتها دية، واحتملتها [١] فى مالى.
وقيل فى فداء عبيد الله غير ذلك.
[قال القماذيان بن الهرمزان [٢]] : كانت العجم بالمدينة يستروح [٣] بعضها إلى بعض، فمرّ فيروز بأبى، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال له: ما تصنع به؟ قال: أسنّ به، فرآه رجل، فلمّا أصيب عمر قال: رأيت الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله.
فلمّا ولّى عثمان أمكننى منه، فخرجت به وما فى الأرض أحد إلّا معى، إلّا أنّهم يطلبون إلىّ فيه، فقلت لهم: ألى قتله؟ قالوا: نعم، وسبّوا عبيد الله، قلت: أفلكم منعه؟ قالوا: لا، وسبّوه، فتركته لله ولهم، فحملونى، فو الله ما بلغت المنزل إلّا على رءوس النّاس.
والأوّل أصح وأشهر؛ لأنّ عليّا لما ولى الخلافة أراد قتل عبيد الله، فهرب منه إلى معاوية بالشّام، ولو كان إطلاقه بأمر ولىّ الدّم لم يعرض له علىّ رضى الله عنه.
قال أبو عمر: وكان عبيد الله من أنجاد قريش وفرسانهم، قتل بصفّين مع معاوية، وكان يومئذ على الخيل، فرماه أبو زبيد الطائىّ.
стр. 6943
وقيل: كان قد خرج فى اليوم الذى قتل فيه، وجعل امرأتين له بحيث تنظران إلى فعله وهما: أسماء بنت عطارد بن حاجب التّميمىّ، وبحريّة بنت هانئ بن قبيصة، فلمّا برز شدّت عليه ربيعة فنشب [١] بينهم فقتلوه، وكان على ربيعة يومئذ زياد بن خصفة التّميمىّ، فقيل له: إنّ هذه بحريّة، فسقط عبيد الله ميّتا قرب فسطاطه، وقد بقى طنب من طنبة الفسطاط لا وتد له، فجرّوه، وشدّوا الطّنب برجله، وأقبلت امرأتاه حتّى وقفتا عليه، فبكتا وصاحتا، فخرج زياد بن خصفة [فقيل له: إن هذه بحرية بنت هانئ] [٢] فقال: ما حاجتك يا بنت أخى؟ فقالت: زوجى قتل، تدفعه إلىّ، قال:
نعم، فخذيه، فحملته على بغل، فذكر أنّ يديه ورجليه خطّتا على الأرض من فوق البغل [٣] ، والله أعلم بالصّواب، وهو حسبى ونعم الوكيل، وصلّى الله على سيّدنا محمّد.
стр. 6944
ذكر عمال عمر رضى الله عنه وعنهم على الامصار
قد ذكرنا عمّا له فى حوادث السّنين، ورأينا أن نجمعهم فى هذا الموضع فنقول: كان عمّاله رضى الله عنهم: على مكّة عتّاب ابن أسيد، وعلى اليمن والطائف يعلى بن منية، وعلى البحرين واليمامة العلاء بن الحضرمىّ، ثمّ عثمان بن أبى العاص، ثم قدامة ابن مظعون، ثم أبا بكرة، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى البصرة- أول من كان بها- قطبة بن قتادة السّدوسىّ، يغزو بتلك الناحية، كما كان المثنّى يفعل بناحية الحيرة. ثم كتب إلى عمر يعلمه بمكانه، ويستمدّه، فوجّه إليه شريح بن عامر، أحد بنى سعد بن عمرو بن بكر، فسار إلى الأهواز، فقتاء الأعاجم بدارس، فاستعمل عمر عتبة بن غزوان، ففتح الأبلّة، ثم سار إلى عمر، فأعاده إلى عمله، فمات فى الطّريق، فكانت إمارته ستّة أشهر، فاستعمل بعده أبا سبرة بن أبى رهم على أحد الأقوال، ثم المغيرة بن شعبة، ثم عزله كما تقدّم بيانه، فاستعمل أبا موسى الأشعرى، ثمّ صرفه إلى الكوفة، واستعمل عمر بن سراقة، ثم صرفه إلى الكوفة، وصرف أبا موسى إلى البصرة فعمل عليها ثانية، ثمّ صرفه وأعاده ثالثة.
وعلى مضافات البصرة جماعة [فكان على مناذر غالب الوائلىّ، وعلى نهر تيرى حرملة بن مريطة، وعلى سوق الأهواز حرقوص بن زهير.
стр. 6945
وعلى الكوفة وما يليها] [١] ، أوّل من استعمل عليها سعد بن أبى وقّاص، فكان عليها إلى سنة عشرين، فعزله لشكاية أهلها، وأقرّ خليفته على الكوفة، وهو عبد الله بن عبد الله بن عتبان، ثم استعمل عمر عمّار بن ياسر بن مسعود كما تقدّم، ثم المغيرة بن شعبة.
وعلى ثغور الكوفة من قدّمنا ذكره، وعلى الجزيرة وما يليها عياض بن غنم، ثم ضمّه عمر إلى أبى عبيدة، واستعمل حبيب ابن مسلمة على خراج الجزيرة وعجمها، والوليد بن عقبة على عربها، وعلى الموصل من كان على حربها ربعىّ بن الأفكل، وعلى خراجها عرفجة ابن هرثمة؛ وذلك فى سنة ستّ عشرة.
وقيل: كان على الحرب والخراج [بها عتبة بن فرقد، وقيل كان ذلك إلى عبد الله بن مغنم، وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح] [٣] ، وكان تحت يده جماعة على الأعمال، فكان خالد بن الوليد على قنّسرين، وحمص، ويزيد بن أبى سفيان على دمشق ومعاوية على الأردنّ، وعلقمة بن مجزّز على فلسطين وعبد الله بن قيس على السواحل. فلما مات أبو عبيدة استعمل عمر معاذ بن جبل فمات من عامه، فاستعمل يزيد بن أبى سفيان، فمات، فاستعمل معاوية على دمشق والأردنّ، ثم استقر فى سنة إحدى وعشرين عمير بن سعد على دمشق وحوران وحمص وقنّسرين والجزيرة، ومعاوية بن أبى سفيان على البلقاء
стр. 6946
والأردنّ، وفلسطين، والسّواحل، وأنطاكية، وقلقية، ومعرّة مصرين.
وعلى مصر عمرو بن العاص، وكان العمّال فى سنة وفاته إلى آخر سنة ثلاث وعشرين.
وعلى مكّة نافع بن عبد الحارث الخزاعىّ، وعلى الطائف سفيان ابن عبد الله الثّقفىّ. وعلى صنعاء يعلى بن منية، وعلى الجند عبد الله بن أبى ربيعة، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبا موسى الأشعرىّ، وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى حمص:
عمير بن سعد، وعلى دمشق معاوية، وعلى البحرين وما والاها عثمان ابن أبى العاص الثقفىّ.
كتابه
عبد الله بن خلف الخزاعىّ وزيد بن ثابت، وعلى بيت المال زيد ابن أرقم.
قضاته
يزيد بن أخت النّمر بالمدينة.
وأبو أمية شريح بن الحارث الكندّى بالكوفة، ويقال: إنّ شريحا أقام قاضيا ستّين سنة إلى أيّام الحجّاج، فعطّل ثلاث سنين، وامتنع من الحكم، وذلك فى أيّام فتنة ابن الزّبير. ولمّا ولّى الحجّاج استعفاه، فأعفاه، ومات سنة سبع وثمانين وله مائة وعشرون سنة.
стр. 6947
وقيل: مائة سنة، وليس هو فى عداد الصّحابة رضى الله تعالى عنهم، بل من كبار التّابعين.
وعلى قضاء البصرة كعب بن سور.
وعلى قضاء مصر قيس بن العاص السّهمىّ، ثم كعب بن سيّار بن ضبّه، ثمّ عثمان بن قيس بن أبى العاص.
وكان حاجبه يرفأ مولاه، وخاتمه خاتم رسول الله ﷺ وقال أبو عمر بن عبد البرّ: كان نقش خاتمة: «كفى بالموت واعظا يا عمر» .
стр. 6948
ذكر خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه
هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عمرو، وقيل فى تكنيته بأبى عبد الله:
إنّ رقية بنت رسول الله ﷺ ، ولدت له ابنا فسمّاه عبد الله، فاكتنى به، ومات، ثم ولد له عمرو، فاكتنى به إلى أن مات.
وقيل: إنّه كان يكنى أبا ليلى عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف،، ويجتمع مع نسب رسول الله ﷺ فى عبد مناف، ولقّب بذى النّورين، لأنه تزوّج ابنتى رسول الله ﷺ [رقيّة وأمّ كلثوم] [١] .
وقيل للمهلّب بن أبى صفرة: لم قيل: عثمان ذو النّورين؟ قال:
لأنه لا نعلم أن أحدا أرسل سترا على ابنتى نبىّ غيره.
وأمّه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بنت عبد شمس بن عبد مناف، وأمّها البيضاء، أمّ حكيم بنت عبد المطّلب، عمّة رسول الله ﷺ .
ولد فى السّنة السادسة بعد عام الفيل. والله وسبحانه وتعالى أعلم.
بالصّواب، وهو حسبى ونعم الوكيل، وصلّى الله على سيّدنا محمد.»
стр. 6949
ذكر صفته ونبذة من فضائله
كان رضى الله عنه طويل القامة، حسن الوجه وقيل: كان ربعة، ليس بالقصير ولا بالطّويل، حسن الوجه رقيق البشرة، كبير اللّحية، عظيما أسمر اللّون، كثير الشّعر، ضخم الكراديس [١] ، بعيد ما بين المنكبين، وكان يصفّر لحيتّه، ولما كبر شدّ أسنانه بالذّهب، وهو رضى الله عنه أحد العشرة الّذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنّة، ومات وهو عنهم راض.
وله رضى الله عنه فضائل ومآثر وسابقة فى الإسلام قال علىّ رضى الله وعنه: كان عثمان أوصلنا للرّحم، وكان من الّذين آمنوا واتّقوا وأحسنوا، والله يحبّ المحسنين.
واشترى رضى الله عنه بئر رومة، وكانت ركيّة ليهودىّ، يبيع للمسلمين ماءها،
فقال رسول الله ﷺ : «من يشترى بئر رومة فيجعلها للمسلمين، يضرب بدلوه فى دلائهم، وله بها مشرب فى الجنّة؟»
. فأتى عثمان اليهودىّ فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلّها، فاشترى منه نصفها باثنى عشر ألف درهم فجعله للمسلمين، فقال له عثمان: إن شئت جعلت على نصيبى يومين، وإن شئت علىّ يوم ولك يوم، قال: لا، بل لك يوم ولى يوم. فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلمّا رأى اليهودىّ ذلك، قال: أفسدت علىّ ركيّتى، فاشتر النّصف الآخر، فاشتراه بثمانية آلاف.
وقال رسول الله ﷺ : «من يزيد فى مسجدنا؟»
стр. 6950
فاشترى عثمان رضى الله عنه موضع خمس سوار، فزاده فى المسجد.
وجهّز رضى الله عنه جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا، وأتمّ الألف بخمسين فرسا.
وعن قتادة رضى الله عنه، قال: حمل عثمان ما فى جيش العسرة على ألف بعير، وسبعين فرسا.
وعن محمد بن بكير: أنّ عثمان رضى الله عنه، كان يحيى اللّيل بركعه يقرأ فيها القرآن. وروى أنّه كان يصوم الدّهر رضى الله عنه.
ذكر بيعة عثمان رضى الله عنه
بويع له بالخلافة كما تقدّم فى قصّة الشّورى، وقد اختلف فى يوم بيعته، وهو مرّتب على الخلاف فى تاريخ وفاة عمر رضى الله عنهما، فقيل: [فى] [١] يوم السّبت غرّة المحرم، سنة أربع وعشرين.
ولم يذكر أبو عمر بن عبد البرّ غيره [٢] .
وقيل: يوم الاثنين لليلة بقيت من ذى الحجّة، سنة ثلاث وعشرين، فاستقبل بخلافته شهر المحرّم، سنة أربع وعشرين، قاله أبو جعفر.
قال: وقيل: لعشر خلون من المحرّم بعد مقتل عمر بثلاث ليال.
стр. 6951
قال: استخلف وقد دخل وقت العصر، وقد أذّن مؤذّن صهيب، واجتمعوا فى ذلك بين الأذان والإقامة، فخرج فصلّى بالنّاس، وزادهم مائة مائة، ووفّد أهل الأنصار، وهو أوّل من صنع ذلك.
قال: وقيل: لمّا بايع أهل الشّورى عثمان رضى الله عنه، خرج وهو أشدّهم كآبة، فأتى منبر النّبىّ ﷺ [فخطب فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبىّ ﷺ ] [١] وقال:
أيها النّاس، إنّكم فى دار قلعة [٢] ، وفى بقيّة أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبّحتم أو مسّيتم، ألا وإنّ الدّنيا طويت على الغرور فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ*
[٣] واعتبروا بمن مضى، ثم جدّوا ولا تغفلوا؛ فإنّه لا يغفل عنكم.
أين أبناء الدّنيا وإخوانها الّذين أثاروها وعمروها، ومتّعوا بها طويلا! ألم تلفظهم! رموا بالدّنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة؛ فإنّ الله قد ضرب لها مثلا وللّذى هو خير، فقال:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ ...
إلى قوله:
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا
. [٤]
стр. 6952
وكان أوّل كتاب كتبه إلى عمّاله:
أمّا بعد [١] ؛ فإنّ الله تعالى أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدّم إليهم أن يكونوا جباة، وأنّ صدر هذه الأمّة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكنّ أئمّتكم أن يصيروا جباة، ولا يكونوا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء.
ألا وإنّ أعدل السّيرة أن تنظروا فى أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنّوا بالذّمة فتعطوهم الذى لهم، وتأخذوهم بالّذى عليهم، ثم العدوّ الذى تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء.
وكان أول كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد فى الفروج:
أمّا [٢] بعد، فإنّكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر رضى الله عنه ما لم يغب عنّا، بل كان عن ملإ منّا، ولا يبلغنا عن أحد منكم تغيير ولا تبديل، فيغيّر الله بكم، ويستبدل بكم غيركم.
فانظروا كيف تكونون، فإنّى أنظر فيما ألزمنى الله النّظر فيه والقيام عليه.
стр. 6953
ذكر الفتوحات والغزوات فى خلافة عثمان
ذكر خلاف أهل الاسكندرية
وفى [١] سنة خمس وعشرين نقض أهل الإسكندرية الصّلح؛ وذلك أنّ الرّوم حضروا إليهم من القسطنطينيّة، ونفذ منهم منّويل الخصىّ، واتفقوا مع من بها من الرّوم، ولم يوافقهم المقوقس، وثبت على صلحه، فثبت لذلك.
وسار عمرو بن العاص إليهم، وسار إليه الرّوم، واقتتلوا أشدّ قتال، فانهزم الروم وتبعهم المسلمون إلى أن أدخلوهم الإسكندريّة، وقتلوا منهم فى البلدة مقتلة عظيمة، وقتل منّويل الخصىّ.
وكان الرّوم لمّا خرجوا من الإسكندريّة أخذوا أموال أهل تلك القرى، من وافقهم ومن خالفهم، فلمّا ظفر بهم المسلمون جاء أهل القرى الّذين خالفوهم فقالوا لعمرو بن العاص: إنّ الرّوم أخذوا أموالنا ودوابّنا، ولم نخالف نحن عليكم، وكنّا على الطّاعة، فردّ عليهم ما غرموا من أموالهم بعد إقامة البيّنة.
وهدم عمرو سور الإسكندريّة.
ذكر غزو ارمينية وغيرها وما وقع من الصلح
كان [٢] عثمان رضى الله عنه قد استعمل سعد بن أبى وقّاص على الكوفة، ثم عزله، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبى معيط- وهو أخو عثمان لأمّه- فعزل الوليد عتبة بن فرقد عن أذربيحان،
стр. 6954
فنقضوا العهد فغزاهم الوليد فى سنة خمس وعشرين، وجعل على مقدّمته ابن شبيل الأحمسىّ، وأغار على أهل موقان وما جاورها، ففتح وغنم وسبى، وطلب أهل كور أذربيجان الصّلح، فصالحهم على صلح حذيفة، وهو ثمانمائة ألف درهم، فقبض المال ثم بثّ سراياه، وبعث سلمان بن ربيعة الباهلىّ إلى أهل إرمينية فى اثنى عشر ألفا فقتل وسبى وغنم، ثم انصرف وقد ملأ يده حتى أتى الوليد.
وعاد الوليد وجعل طريقه على الموصل، ثم أتى الحديثة [١] .
قال: ولمّا نزل الوليد بن عقبة الحديثة، أتاه كتاب عثمان رضى الله عنه يقول: إنّ معاوية كتب إلىّ أنّ الرّوم قد أجلبت على المسلمين فى جموع كثيرة، وقد رأيت أن يمدّهم أخوانهم من أهل الكوفة. فابعث إليهم رجلا له نجدة وبأس فى ثمانية آلاف، أو تسعة آلاف، أو عشرة آلاف من المكان الّذى يأتيك كتابى فيه، والسّلام.
فقام الوليد فى النّاس، وأعلمهم الحال، وندبهم مع سلمان ابن ربيعة الباهلىّ، فانتدب معه ثمانية آلاف، فمضوا حتّى دخلوا مع أهل الشّام إلى أرض الرّوم، فشنّوا الغارات، فأصاب النّاس ما شاءوا، وافتتحوا حصونا كثيرة.
وقيل: إنّ الذى أمدّ حبيب بن مسلمة بسلمان بن ربيعة، كان سعيد بن العاص لمّا كان على الكوفة؛ وكان سبب ذلك أنّ عثمان كتب إلى معاوية يأمره أن يغزى حبيب بن مسلمة فى أهل الشّام إرمينية، فوجّهه إليها، فأتى قاليقلا فحصرها، وضيّق على من كان بها،
стр. 6955
فطلبوا الأمان على الجلاء أو الجزية، فجلا كثير منهم، فلحقوا ببلاد الرّوم، وأقام حبيب بها فيمن معه أشهرا، ثم بلغه أنّ بطريق إرمنياقس- وهى ملطية، وسيواس وقونية، وما والاها من البلاد إلى خليج القسطنطينيّة- واسمه الموريّان، قد توجّه نحوه فى ثمانين ألفا من الرّوم. فكتب إلى معاوية بذلك، فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى سعيد بن العاص، يأمره بإمداد حبيب، فأمدّه بسلمان فى ستة آلاف، فأجمع حبيب على تبييت الرّوم، فسمعته امرأته أمّ عبد الله بنت يزيد الكلبيّة، فقالت: أين موعدك؟ فقال: سرادق الموريان، ثم بيّتهم، فقتل من وقف له، ثم أتى السّرادق فوجد امرأته قد سبقته إليه، ولمّا انهزمت الرّوم عاد حبيب إلى قاليقلا، ثم سار فيها فنزل مربالا، فأتاه بطريق خلاط بكتاب عياض بن غنم بأمانه فأجراه عليه، وحمل إليه البطريق ما عليه من المال.
ونزل حبيب خلاط، ثم سار منها، فلقيه صاحب مكس، وهى من البسفرجان، فقاطعه على بلاده، ثم سار منها إلى أزدشاط وهى القرية التى يكون بها القرمز الّذى يصبغ به، فنزل على نهر دبيل، وسرّح الخيول إليها وحصرها، فتحصّن أهلها، فنصب عليهم منجنيقا، فطلبوا الأمان، فأجابهم إليه، وبثّ السّرايا فبلغت خيله ذات اللّجم؛ وإنّما سمّيت ذات اللّجم لأنّ المسلمين أخذوا لجم خيلهم، فكبسهم الرّوم قبل أن يلجموها، ثم ألجموها وقاتلوهم فظفروا بهم.
ثم وجّه سريّة إلى سراج طير وبغروند، فصالحه بطريقها على إتاوة، وقدم عليه بطريق البسفرجان، فصالحه على بلاده، وأتى
стр. 6956
السّيسبان فحاربه أهلها فهزمهم، وغلب على حصونهم. وسار إلى جرزان، وفتح عدّة حصون ومدن تجاورها صلحا.
وسار سلمان بن ربيعة إلى أرّان، ففتح البيلقان صلحا، على أن يؤمّنهم على دمائهم وأموالهم، وحيطان مدنهم، واشترط عليهم، الجزية والخراج، ثم أتى سلمان مدينة برذعة فعسكر على الثّرثور (نهر بينه وبينها نحو فرسخ) فقاتله أهلها أيّاما، وشنّ الغارات على قراها، فصالحوه على مثل صلح البيلقان، ودخلها، ووجّه خيله ففتحت رساتيق الولاية، ودعا أكراد البلاشجان إلى الإسلام، فقاتلوه فظفر بهم، فأقرّهم على الجزية، وأدّى بعضهم الصّدقة وهم قليل، ووجّه سريّة إلى شمكور ففتحوها، وهى مدينة قديمة، ولم تزل معمورة حتّى أخربها السّاورديّة، وهم قوم تجمّعوا لمّا انصرف يزيد بن أسيد عن إرمينية، فعظم أمرهم، ثم عمّرها بغا فى سنة أربعين ومائتين، وسمّاها المتوكّليّة، نسبة إلى المتوكّل.
وسار سلمان إلى مجمع الرّسّ والكرّ، ففتح قبلة، وصالحه صاحب شكّى وغيرها على الإتاوه، وصالحه ملك شروان، وسائر ملوك الجبال فأهل مسقط والشّابران، ومدينة الباب. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 6957
ذكر غزو معاوية الروم
وفى [١] سنة خمس وعشرين، غزا معاوية بن أبى سفيان الرّوم، فبلغ عمّورية فوجد الحصون الّتى بين أنطاكية وطرسوس خالية، فجعل عندها جماعة كثيرة من أهل الشّام والجزيرة؛ حتى انصرف من غزاته. ثم أغزى بعد ذلك يزيد بن الحرّ العبسىّ الصائفة وأمره أن يفعل مثل ذلك، ولما خرج هدم الحصون إلى أنطاكية.
والله أعلم بالصواب.
ذكر فتح كابل
وفى [٢] سنة خمس وعشرين بعث عثمان بن عفّان رضى الله عنه عبد الله بن عامر إلى كابل، فبلغها فى قول، وكانت أعظم من خراسان ولم يزل إلى أن مات معاوية، فامتنع أهلها. والله أعلم.
стр. 6958
ذكر غزو افريقية وفتحها
وفيها [١] بعث عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبى سرح إلى أطراف إفريقيّة غازيا بأمر عثمان فغنم وعاد، وكتب إلى عثمان بستأذنه فى غزوها، فأذن له، وعزل عمرو بن العاص عن خراج مصر. واستعمل عبد الله بن سعد فى سنة ستّ وعشرين، فتنازعا الأمر.
فكتب عبد الله إلى عثمان أنّ عمرا كسر علىّ الخراج، وكتب عمرو إنّ عبد الله كسر علىّ مكيدة الحرب. فعزل عثمان عمرا واستقدمه، واستعمل عبد الله على حرب مصر وخراجها، وأمره أن يغزو إفريقيّة وقال: إن فتح الله عليك فلك خمس الخمس نفلا.
وأمّر عثمان عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله بن نافع ابن الحارث على جند، وسرّحهما، وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله ابن سعد على صاحب إفريقيّة، ثم يقيم عبد الله فى عمله [فخرجوا] [٢] ووصلوا إلى أرض إفريقيّة فى عشرة آلاف من شجعان الإسلام، فصالحهم أهل إفريقيّة على مال يؤدّونه، ولم يقدموا على دخول إفريقيّة والتّوغّل فيها لكثرة أهلها.
ثم أرسل عبد الله إلى عثمان يستشيره فى قصد إفريقيّة، وفتحها، فجهّز إليه عثمان جماعة من أعيان الصّحابة، منهم عبد الله بن عبّاس وغيره، فسار بهم ابن سعد إلى إفريقيّة.
стр. 6959
فكان من أمر فتح إفريقيّة ما نذكره إن شاء الله تعالى فى الباب السّادس من القسم الخامس من هذا الفنّ فى أخبار إفريقيّة، وبلاد المغرب بما هو أبسط من هذا القول، وهو السّفر الثّانى والعشرون من هذه النّسخة.
قال: لمّا فتحت سبيطلة وهى دار الملك، وجد فيها من الأموال ما لم يكن فى غيرها، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، وسهم الرّاجل ألف دينار.
وبعث عبد الله بن سعد جيوشه فى البلاد، فبلغت قفصة، فسبوا وغنموا، وبعث عسكرا إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل البلاد، فحصره وفتحه بالأمان، فصالحه أهل إفريقيّة على الفىء، ألف وخمسمائة ألف دينار.
وسار عبد الله بن الزّبير إلى عثمان بالبشارة، وتنفّل [١] بابنة الملك، ثم عاد عبد الله بن سعد من إفريقيّة إلى مصر، وكان مقامه بها سنة وثلاثة أشهر، ولم يفقد من المسلمين إلّا ثلاثة عشر رجلا، وحمل خمس إفريقيّة إلى المدينة، فابتاعه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار، فوضعها عنه عثمان وهو مما أخذ عليه، وأنكره الصّحابة رضى الله تعالى عنه، وقال فى ذلك عبد الرحمن بن حنبل أحد الصّحابة رضى الله تعالى عنهم:
أحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله أمرا سدى
ولكن جعلت لنا فتنة ... لكى نبتلى بك أو تبتلى
стр. 6960
دعوت الطريد فأدنيته ... خلافا لما سنّه المصطفى
وولّيت قرباك أمر العباد ... خلافا لسنّة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس الغنيم ... ة آثرته وحميت الحمى
وما لا أتانى به الأشعرىّ ... من الفىء أعطيته من دنا
فإنّ الأمينين قد بيّنا ... منار الطّريق عليه الهدى
فما أخذا غيلة درهما ... ولا قسّما درهما فى هوى
قال: ولما فتحت إفريقيّة أمر عثمان عبد الله بن نافع بن عبد القيس أن يسير إلى الأندلس، فأتاها من البحر، ففتح الله تعالى على المسلمين.
وفى سنة سبع وعشرين فتحت إصطخر، وهو الفتح الثانى، وكان فتحها الآن على يد عثمان بن أبى العاص.
وقد ذكرنا الأول فى خلافة عمر. وفيها غزا معاوية بن سفيان رضى الله تعالى عنه قبرس.
ذكر فتح جزيرة قبرس
كان [١] فتحها على يد معاوية بن أبى سفيان، واختلف فى وقته، فقيل: فتحت فى سنة ثمان وعشرين، وقيل: فى سنة تسع وعشرين، وقيل: فى سنة ثلاث وثلاثين.
وكان قد ألحّ على عمر رضى الله عنه فى غزو البحر، وذكر قرب
стр. 6961
[الرّوم] [١] من حمص، وقال: إنّ قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم.
فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: أن صف لى البحر وراكبه، فكتب إليه عمرو: إنى رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، ليس إلّا السّماء والماء، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرّك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلّة، والشّكّ كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق.
فلمّا قرأ كتاب عمرو، كتب إلى معاوية: والّذى بعث محمدا بالحقّ لا أحمل فيه مسلما أبدا، وقد بلغنى أنّ بحر الشّام يشرف على أطول شىء من الأرض، فيستأذن الله كلّ يوم وليلة فى أن يغرق الأرض، فكيف أحمل الجنود على هذا الكافر، لمسلم أحبّ إلىّ ممّا حوت الرّوم. فإيّاك أن تعرّض إلىّ، فقد علمت ما لقى العلاء منّى.
وترك ملك الرّوم الغزو، وكاتب عمر وقاربه، فلمّا كان زمن عثمان كتب معاوية إليه يستأذنه فى غزو البحر مرارا، فأجابه إلى ذلك وقال: لا تنتخب [الناس] [١] ولا تقرع بينهم، خيّرهم، فمن اختار الغزو طائعا، فاحمله وأعنه، ففعل.
واستعمل عبد الله بن قيس الحارثىّ حليف بنى فزارة، وسار المسلمون إلى قبرس، وسار إليها عبد الله بن سعد من مصر، فاجتمعوا عليها فصالحهم أهلها على جزية، وهى سبعة آلاف دينار فى كلّ سنة، ويؤدّون للرّوم مثلها، لا يمنعهم المسلمون من ذلك، وليس على المسلمين
стр. 6962
[منعهم] [١] ممّن أرادهم من ورائهم. وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوّهم من الرّوم، ويكون طريق المسلمين إلى العدوّ عليهم، فقبلوا ذلك منهم، وعادوا عنهم.
وشهد هذه الغزاة جماعة من الصحابة، منهم: أبو ذرّ الغفارى، وعبادة بن الصّامت، ومعه زوجته أمّ حرام بنت ملحان، وأبو الدّرداء شدّاد بن أوس.
وفى هذه الغزاة ماتت أمّ حرام، ألقتها بغلتها بجزيرة قبرس فاندقّ عنقها، وكان رسول الله ﷺ أخبرها أنّها من أوّل من يغزو فى البحر.
قال: وبقى عبد الله بن قيس على البحر، فغزا خمسين غزاة فى البحر، من بين شاتية، وصائفة، لم ينكب أحد من جنده، وكان يدعو الله أن يعافيه فى جنده، ثم خرج هو فى قارب طليعة، فانتهى إلى المرفأ من أرض الرّوم، وعليه مساكين يسألون، فتصدّق عليهم، فرجعت امراة منهم إلى قريتها، فقالت: هذا عبد الله بن قيس فى المرفأ فبادروا إليه، وهجموا عليه، فقتلوه، بعد أن قاتلهم، فأصيب وحده، ونجا الملّاح حتّى أتى أصحابه فأعلمهم، فجاءوا حتّى رسوا بالمرفأ وعليهم سفيان بن عوف الأزدىّ، فخرج إليهم فقاتلهم.
وقيل لتلك المرأة بعد ذلك: بأىّ شىء عرفت عبد الله بن قيس؟
قالت: كان كالتّاجر، فلمّا سألته أعطانى كالملك، فعرفته بهذا.
ولمّا كانت سنة اثنتين وثلاثين أعان أهل قبرس الرّوم على غزو
стр. 6963
المسلمين بمراكب أعطوهم إيّاها، فغزاهم معاوية فى سنة ثلاث وثلاثين ففتحها عنوة، فقتل وسبى، ثم أقرّهم على صلحهم، وبعث إليهم اثنى عشر ألفا فبنوا المساجد، وبنى بها مدينة.
وقيل: كانت الغزوة الثانية فى سنه خمس وثلاثين.
وفى سنة ثمان وعشرين غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الرّوم. والله تعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ذكر نقض أهل فارس وغيرهم وفتح إصطخر ودرابجرد
وفى سنة تسع وعشرين نقض أهل فارس بعييد الله بن معمر، فسار إليهم، فالتقوا على باب إصطخر، فقتل عبيد الله، وانهزم المسلمون.
فبلغ الخبر عبد الله بن عامر أمير البصرة، فاستنفر أهل البصرة وسار إلى فارس، فالتقوا بإصطخر، واشتدّ القتال، فهزم المسلمون الفرس، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وفتحت إصطخر عنوة، وأتى درابجرد، وقد غدر أهلها، ففتحها وسار إلى مدينة جور، فانتقضت إصطخر، فلم يرجع إليها، وتمّم السير إلى جور فحاصرها، وكان هرم بن حيّان محاصرا لها، وكان المسلمون يحاصرونها وينصرفون عنها فيأتون إصطخر، ويغزون نواحى كانت تنتقض عليهم، فلم يزل عبد الله بن عامر عليها حتّى فتحها.
وكان سبب فتحها أنّ بعض المسلمين قام يصلّى ذات ليلة، وإلى جانبه جراب له فيه خبز ولحم، فجاء كلب فجرّه وعدا به حتّى دخل
стр. 6964
المدينة من مدخل خفىّ، فلزم المسلمون ذلك المدخل حتّى دخلوها منه وفتحوها عنوة، فلمّا فرغ ابن عامر منها عاد إلى إصطخر وفتحها عنوة بعد أن حاصرها ورماها بالمجانيق، وقتل بها خلقا كثيرا من الأعاجم، وأفنى أكثر أهل البيوتات، ووجوه الأساورة، وكانوا قد لجئوا إليها.
وقيل: إنّ أهل إصطخر لما نكثوا عاد إليها ابن عامر قبل وصوله إلى جور، فملكها عنوة، وعاد إلى جور، وأتى درابجرد فملكها، وكانت منتقضة أيضا، ووطىء أهل فارس وطأة لم يزالوا منها فى ذلّ.
وكتب إلى عثمان بالخبر، فكتب إليه أن استعمل على بلاد فارس هرم بن حيّان اليشكرىّ، وهرم بن حيّان العبدىّ، والخرّبت ابن راشد، والتّرجمان الهجيمىّ.
وأمره أن يفرّق كور خراسان على جماعة، فيجعل الأحنف بن قيس على المروين. وحبيب بن قرّة اليربوعىّ على بلخ، وخارجة ابن عبد الله بن زهير على هراة، وأمير بن أحمر على طوس، وقيس ابن هبيرة وقيسا السّلمىّ على نيسابور، والله أعلم.
ذكر غزو طبرستان
فى [١] سنة ثلاثين غزا سعيد بن العاص عامل الكوفة طبرستان ومعه الحسن والحسين وابن عبّاس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة بن اليمان. وابن الزّبير وغيرهم، ولم يغزها غيره أحد على أصحّ الأقوال.
стр. 6965
وقد ذكرنا فيما تقدّم فى خلافة عمر رضى الله عنه فتحها، والخلاف فيه.
قال: فأتى سعيد جرجان، فصالحوه على مائتى ألف، ثم أتى طميسة وهى كلّها من طبرستان، متاخمة جرجان على البحر، فقاتله أهلها، فصلّى صلاة الخوف وحاصرهم، فسألوه الأمان فأعطاهم، على ألّا يقتل منهم رجلا واحدا، واحتوى على ما فى الحصن، وفتح سعيد نامية، وليست مدينة، هى صحارى.. والله أعلم.
ذكر غزو الصوارى
كانت [١] هذه الغزوة فى سنة إحدى وثلاثين، وقيل فى سنة أربع وثلاثين، وكان سببها أنّ المسلمين لمّا فعلوا بأهل إفريقيّة ما فعلوا عند فتحها، عظم ذلك على قسطنطين بن هرقل، فخرج فى جمع لم يجمع الرّوم مثله مذ كان الإسلام.
قيل: خرج فى خمسمائة مركب، وقيل: فى ستّمائة، وخرج المسلمون، وعلى أهل الشّام معاوية بن سفيان، وعلى البحر عبد الله ابن سعد بن أبى سرح، فالتقوا، وقرّبوا السّفن بعضها إلى بعض، فاقتتلوا بالسّيوف والخناجر، فأنزل الله نصره على المسلمين، فانهزم قسطنطين جريحا، ولم ينج من الرّوم إلا الشّريد، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصّوارى بعد الهزيمة أيّاما ورجع.
стр. 6966
وأمّا قسطنطين فإنّه وصل فى مركبه إلى صقلّية، فقال أهلها:
أهلكت النّصرانيّة، وأفنيت رجالها، لو أتانا أهل المغرب لم يكن عندنا من يمنعهم، ثم أدخلوه الحمّام وقتلوه. والله أعلم.
ذكر مقتل يزدجرد آخر ملوك بنى ساسان
قال [١] : لمّا فتح عبد الله بن عامر بلاد فارس على ما قدّمناه، هرب يزدجرد إلى خراسان، فوجّه عبد الله فى طلبه مجاشع بن مسعود وقيل: غيره، فأتبعه إلى كرمان، وكثر الثّلج والبرد، فهلك جيش مجاشع، ورجع هو.
واختلف فى قتل يزدجرد، فقيل: هرب من كرمان إلى مرو ومعه خرّزاذ أخو رستم، فرجع عنه إلى العراق، وأوصى به ما هويه مرزبان مرو، فسأله يزدجرد مالا فمنعه مخافة أهل مرو على أنفسهم فأرسلوا إلى التّرك يستنصرونهم عليه، فأتوه فبيّتوه وقتلوا أصحابه، فخرج ماشيا إلى وسط المرغاب، فأوى إلى بيت رجل ينقر الأرحاء، فلما نام قتله.
وقيل: بل قتله أهل مرو، ولم يسنتنصروا بالتّرك. وقيل: غير ذلك، والله أعلم، وهو حسبى.
стр. 6967
ذكر فتح خراسان
قال: [١] كان أهل خراسان قد غدروا لمّا قتل عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه، ونقضوا، فلمّا افتتح عبد الله بن عامر بلاد فارس عاد إلى البصرة، واسخلف على إصطخر شريك بن الأعور الحارثىّ، فبنى شريك مسجد إصطخر، ثم تجهّزا بن عامر من البصرة، واستخلف عليها زياد بن أبيه، وسار إلى كرمان واستعمل عليها مجاشع بن مسعود السّلمى، وله صحبة، وأمره بمحاربة أهلها، وكانوا قد نكثوا.
واستعمل على سجستان الربيع بن زياد الحارثىّ، وكانوا قد أعدّوا له أيضا، ونقضوا الصّلح.
وسار عبد الله بن عامر إلى نيسابور، وعلى مقدّمته الأحنف بن قيس، فأتى الطّبسين، وهما حصنان، وهما بابا خراسان، فصالحه أهلها، وسار إلى قوهستان فقاتله أهلها، فقاتلهم حتّى ألجأهم إلى حصنه، وقدم عليه ابن عامر، فصالحه أهلها على ستّمائة ألف درهم، وبثّ سراياه ففتحت البلاد، وفتح بهق، وبشت، (وهى بالشّين المعجمة) ، وليست بست المعروفة، ثم فتح نيسابور بعد أن استولى على أعمالها، وبعد أن حاصرها أشهرا.
وكان لكلّ ربع منها مرزبان من القرى يحفظه، فطلب أحدهم الأمان والصّلح على جميع نيسابور، فصالحه على ألف ألف درهم،
стр. 6968
وولّى نيسابور قيس بن الهيثم السّلمىّ، وسيّر جيشا إلى نسا، وبيورد ففتحوهما صلحا، وسيّر سريّة أخرى إلى سرخس، فقاتل أهلها، ثم طلبوا الأمان والصّلح على مائة رجل، فصالح مرزبانها على ذلك، فأحبيب إلى ذلك، وسمّى مائة رجل، ولم يذكر نفسه، فقتله، ودخل سرخس عتوة، وأتى مرزبان طوس إلى عبد الله، فصالحه على ستّمائة ألف درهم.
وبعث جيشا إلى هراة عليهم عبد الله بن خازم، وقيل غيره، فسار مرزبانها إلى ابن عامر وصالحه على هراة، وباذغيس وبوشنج على ألفى ألف درهم، ومائتى ألف درهم.
وكانت مرو كلّها صلحا إلا قرية السّنج، (وهى بكسر السين المهملة) ، فإنّها فتحت عنوة.
ووجّه الأحنف بن قيس إلى طخارستان، فمرّ برستاق يعرف برستاق الأحنف، فصالحوه على ثلاثمائة ألف درهم، ومضى إلى مرو الرّوذ، فقاتله أهلها، فهزمهم، ثم صالحهم مرزبانها على ستّمائة ألف درهم.
فاجتمع أهل طخارستان والجوزجان والطّالقان، والفارياب ومن حولهم، فلقوه فى خلق كثير، فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم قتلا ذريعا، وعاد إلى مرو الرّوذ، ولحق بعض العدوّ بالجوزجان، فوجّه إليهم الأحنف بن قيس الأقرع بن حابس التّميمىّ فى جيش، وقال: يا بنى تميم، تحابّوا وتباذلوا تعتدل أموركم،
стр. 6969
وابدءوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلّوا فيسلم لكم جهادكم.
فسار الأقرع فلقى العدوّ بالجوزجان، فكانت بالمسلمين جولة، ثم عادوا فهزموا المشركين وفتحوا الجوزجان عنوة، وفتح الأحنف الطالقان صلحا، وفتح الفارياب، وقيل: بل فتحها أمير بن أحمر.
ثم سار الأحنف إلى بلخ، وهى مدينة طخارستان، فصالحه أهلها على أربعين ألف. وقيل: سبعمائة ألف.
فاستعمل على بلخ أسيد بن المتشمّس، ثم سار إلى خوارزم، وهى على نهر جيحون، فلم يقدر عليها، فعاد إلى بلخ.
ولمّا تمّ هذا الفتح لعبد الله بن عامر، قال النّاس: ما فتح لأحد ما فتح عليك فارس، وكرمان، وسجستان، وخراسان، فقال: لأجعلنّ شكرى لله على ذلك؛ أن أخرج محرما من موقفى هذا. فأحرم بعمرة من نيسابور وقدم على عثمان، واستخلف على خراسان قيس بن الهيثم، فسار قيس فى أرض طخارستان، فلم يأت بلدا منها إلا صالحه أهلها، وأذعنوا له، إلا سمنجان، فإنّه فتحها عنوة. والله أعلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 6970
ذكر فتح كرمان
قال [١] : لمّا سار عبد الله إلى خراسان استعمل مجاشع بن مسعود السّلمىّ على كرمان كما ذكرتا، وأمره أن يفتتحها، وكان أهلها قد نكثوا وغدروا، ففتح هميد عنوة، واستبقى أهلها وأمّنهم، وبنى بها قصرا يعرف بقصر مجاشع، وأتى السّيرجان، وهى مدينة كرمان فأقام عليها أيّاما يسرة، وقد تحصّن أهلها فقاتلهم وفتحها عنوة، فجلا كثير من أهلها.
وفتح جيرفت عنوة، وسار فى كرمان فدوّخ أهلها، وأتى القفص وقد تجمّع له خلق كثير من الأعاجم الذين جلوا، فقاتلهم، فظفر بهم وظهر عليهم، وهرب كثير من أهل كرمان، فركبوا البحر ولحق بعضهم بمكران، وبعضهم بسجستان، فأقطعت العرب منازلهم وأراضيهم، واحتفروا لها القنىّ فى مواضع منها، وأدّوا العشر منها.
والله تعالى أعلم، وصلّى الله على سيّدنا محمد وصحبه وسلّم.