٣٢١ - مِنْ حِفْظِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ كَبُرْ ... وَمَنْ يُعَرَّفْ وَهْمَهُ ثُمَّ أَصَرّ
٣٢٢ - يُرَدُّ كُلُّ مَا رَوَى وَقَيِّدَا ... بِأَنْ يُبِينَ عَالِمٌ وَعَانَدَا
(من) شرطية مبتدأ (يتساهل) أي يتسامح (في السماع) أي في حال سماعه للحديث من شيخه (والأدا) الواو بمعنى أو، وفي نسخة في سماع أو أدا أي أدائه إلى من يروي عنه ثم مثل التساهل بقوله (كنوم) أي كتساهله بسبب نوم في مجلس سماعه أو إسماعه لعدم مبالاته بذلك، والمراد بالنوم الكثير فلا يضر النعاس الخفيف الذي لا يختل معه فهم الكلام لا سيما من الفطن قاله السخاوي. (أو كـ) تساهله بـ (ترك أصله) أي كتابه الذي فيه سماعه المقابَلِ بأصل صحيح، أو أصل شيخه.
وقوله: (ارددا) فعل أمر، والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة، والجملة جواب الشرط بتقدير رابط، أي فارددن أيها المحدث روايته.
وحاصل المعنى: أن من كان معروفاً بالتساهل في حال سماعه الحديث أو أدائه فإنه لا تقبل روايته.
(و) ارددن أيضاً (قابل التلقين) أي الشخص الذي يقبل التلقين، وهو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه فلا يقبل لدلالته على مجازفته وعدم تثبته وسقوطِ الوثوق بالمتصف به.
(و) ارددن أيضاً رواية الشخص (الذي كثر) أي غلب (شذوذه) أي تفرده برواية شاذ أو منكر.
يعني: أن الذي تكثر في روايته المناكير والشواذ ترد روايته لأنه يَخْرِمُ الثقة بالراوي وضبطه، قال شعبة: لا يجيئك الحديث الشَّاذ إلا من الرجُلِ الشَّاذ.
(أو) كثر (سهوه حيث أثر) من باب قتل، أي حدث (من حفظه) لا من كتابه بأن لم يحدث من أصل صحيح.
يعني: أن الذي يكثر سهوه إذا حدث من حفظه ترد روايته، لما
стр. 352
تقدم، وقُيِّدَ بما إذا حدث من حفظه لأنه إن حدث من أصل صحيح لا يرد إذ لا عبرة بكثرة سهوه حينئذ لأن الاعتماد على الأصل لا على حفظه.
ثم ذكر حكم من غلط فَبُيِّنَ له ذلك فَأصَرَّ بقوله: (قال جماعة) من العلماء (كَبُرْ) بضم ففتح جمع كبرى صفة لجماعة، كالإمام أحمد وابن المبارك والحميدي في آخرين، ومقول القول قوله: (ومن) شرطية (يعرف) بالبناء للمفعول من التعريف (وهمه) بسكون الهاء وفتحها لكن الأول هنا متعين للوزن، أي غلطه، وهو المفعول الثاني ليعرف والأول ضميرُ مَن (ثم) بعد أن يُبَيَّنَ له (أصر) أي ثبت على غلطه، يقال: أصر على فعله بالألف داومه ولازمه وأصر عليه عزم قاله الفيومي، (يرد) بالبناء للمفعول جواب الشرط، ورفعه مع كون فعل الشرط مضارعاً قليل قال ابن مالك:
وَبَعْدَ ماض رفعك الجزا حَسَنْ ... ورفعُهُ بعدَ مُضَارعٍ وَهَنْ
وليس خاصاً بالضرورة، لقراءة طلحة بن سليمان (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) ثم هو على حذف الفاء، وقيل غير ذلك.
وحاصل المعنى: أن من بين له غلطه في حديث ولو مرة واحدة فأصر على روايته ولم يرجع سقطت رواياته كلها، ولم يكتب عنه، لكن هذا إذا كان إصراره عناداً أو نحوه، كما أشار إليه بقوله (وَقُيِّدَا) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق أي قَيَّدَ ما قاله هؤلاء الأئمة بعضُ المتأخرين كما قال العراقي.
(بأن يبين) من الإبانة وهو الإظهار، أي يظهر له وهمه (عالم) بالفن عند ذلك الواهم، فلم يَقبَل بل صَمَّم (وعاندا) بألف الإطلاق، أىِ خالف، يقال عاند من باب قاتل إذا ركب الخلاف والعصيانَ، وعانده معاندة عارضه، وَفَعَلَ مثل فعله، قال الأزهري: المعانِدُ المعارض بالخلاف لا بالوفاق، وقد يكون مباراة من غير خلاف أفاده الفيومي.
قلت: والمناسب هنا المعنى الأول.
стр. 353
وحاصل المعنى: أنه إنما يرد بالمعاندة إذا بيّن له عالم بالفن عنده فلم يرجع، وأما إذا لم يثبت عنده أهلية الراد فلا، لأن المعاند كالمستخف بالحديث بترويج قوله بالباطل.
ثم إن هذه التشديدات المتقدمة كان في الأزمان المتقدمة، وأما المتأخرون فَجُل مقصودهم إبقاء السلسلة التي اختصت بها الأمة المحمدية، فلا يحتاجون إلى هذا كله بل إلى ما يحقق بقاء سلسلة الإسناد، وإليه أشار بقوله:
٣٢٣ - وَأَعَرَضُوا فِي هَذْهِ الأَزمَانِ ... عَنْ اعْتَبارِ هَذَهِ الْمَعَانِي
٣٢٤ - لِعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمُرَادِ ... صَارَ بَقَا سَلْسَلَةِ الإِسْنَادِ
٣٢٥ - فَلْيُعْتَبَرْ تَكْلِيفُهُ وَالسَّتَرْ ... وَمَا رَوَى أَثْبَتَ ثَبْتٌ بَرُّ
٣٢٦ - وَلْيَرْوِ مِنْ مُوَافِقٍ لأَصْلِ ... شُيُوخِهِ فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ
(وأعرضوا) أي تركوا يقال: أعرضت عن الشيء إذا أضربت، ووليت عنه، والهمزة فيه للصيرورة أي أخذت عرضاً أي جانباً غير الجانب الذي هو فيه أفاده الفيومي.
يعني: أن العلماء المحدثين وغيرهم تركوا (في هذه الأزمان) المتأخرة وهي ما بعد ثلاثمائة كما قاله الذهبي في الميزان، (عن اعتبار هذه المعاني) أي اجتماع هذه الأوصاف المتقدمة في الراوي، والجارَّان يتعلقان بالفعل.
يعني: أنهم لم يتقيدوا بوجودها في الراوي بل تسامحوا فيه، وإنما أعرضوا عنها (لعسرها) أي مشقة وجودها في الراوي وافيةً (مع) بسكون العين لغة في فتحها (كون ذا المراد) أي المقصود الآن من طلب الحديث (صار بقا) بالقصر للوزن (سلسلة الإسناد) أي اتصال بعضه ببعض.
قال في القاموس وشرحه السَّلْسَلَة: يعني: بفتح السين، وسكونٍ اللام الأولى، وفتح الثانية: اتصال الشيء بالشيء، وشيء مُسَلْسَلٌ متصل
стр. 354
بعضه ببعض، قال وبالكسر دائرة من حديد ونحوه. اهـ باختصار. قلت: ويجوز (١) الوجهان هنا.
يعني: أن المقصود الآن صار بقاء سلسلة السَّند بحدثنا أو أخبرنا لتبقى هذه الكرامة التي اختصت بها هذه الأمة شرفاً لنبيها ﷺ فلا يحتاج إلى مراعاة جميع ما تقدم لتعذر وفائه في رَاوٍ، بل يكفي وجود بعضه، كما أشار إليه بقوله:
(فليعتبر) أي فإذا كان المقصود ذلك فليعتبر من الشروط ما يليق بالمراد المذكور ولْيُكتَفَ ببعضها وهو (تكليفه) أي كون الراوي مكلفاً أي بالغاً عاقلاً (والستر) أي كونه مستور الحال، وهو أن لا يكون متظاهراً بالفسق، أو السخف الذي يخل بالمروءة لتتحقق عدالته، هذا من حيث العدالة، وأما من حيث الضبط، فأشار إليه بقوله: (وما) مبتدأ أي الحديث الذي (روى) أي نقله وحفظه (أثبتـ) ـهُ (ثبت) بسكون الباء أي ثقة متثبت في روايته (بر) صفة لثبت، وهو بفتح الباء من بَرَّ الرجلُ يَبَرُّ وِزَانَ عَلِمَ يَعْلَم فهو بَرّ بالفتح، وبار أي صادق، أو تقي، والجملة خبر المبتدإ، وجملة المبتدإ والخبر حال من الضمير المجرور، يعني: أن ما رواه يكون ثَابِتاً بخط ثقة غير متهم سواء الشيخ، أو القارئ أوبعض السامعين وسواء كُتِبَ على الأصل أم في ثبت بيده إذا كان الكاتب ثقة من أهل الخِبْرَة بهذا الشأن، بحيث لا يكون الاعتماد في رواية هذا الراوي عليه بل على الثقة المفيد لذلك، أفاده القاضي زكريا. (وليروِ) حين يحدث (من) أصل صحيح (موافق لأصل شيوخه فذاك) أي ما ذكرناه مبتدأ، وخبره قوله: (ضبط الأهل) أي الضبط المعتبر لأهل الحديث في الأعصار المتأخرة بخلاف الضبط في المتقدمين.
وحاصل معنى الأبيات الأربعة: أن المحدثين أعرضوا في هذه
стр. 355
الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط التي مضت في الراوي وضبطه فلم يتقيدوا بها في عملهم، لعسرها وتعذر الوفاء بها، بل استقر عندهم العمل على اعتبار بعضها فيكفي في أهلية الراوي كونه مسلماً بالغاً عاقلاً غير متظاهر بالفسق وما يَخْرِمُ المروءة ظاهراً، بمعنى: أنه مستور الحال ثبت سماعه بخط ثقة غير متهم، ورَوَى من أصل موافق لأصل شيخه.
قال السخاوي: والحاصل أنه لما كان الغرضُ أولاً معرفةَ التعديل والتجريح وتفاوت المقامات في الحفظ والإتقان ليتوصل بذلك إلى التصحيح والتحسين والتضعيف حصل التشديد بمجموع تلك الصفات، ولما كان الغَرَضُ آخراً الاختصارَ في التحصيل على مجرد وجود السلسلة السَّندية اكتَفَوا بما ترى، لكن ذاك بالنظر إلى الغالب في الموضعين وإلا فقد يوجد في كل منهما من نمط الآخر، وإن كان التساهل إلى هذا الحدّ في المتقدمين قليلًا اهـ.
(تَتِمَّة): الزيادات على العراقي في هذا الباب قوله: ما لم يوثق إلى قوله: قد رُكِنْ في البيت بعده، وقوله: فإن فصله إلى قوله: من زكاه في البيت التالي، وقوله: ولو خص بذا، وقوله: من لا أتهم، وقوله: في الأصح من قوله: وما اقتضى إلخ، وقوله: كعكسه إلى قوله: في إفاقة معاً، وقوله: ثالثها إن كان من عنه انفرد إلى قوله: والثالث من البيت الرابع، وقوله: ومن عرفنا عينه إلى لا تقبل في البيت الثالث، وقوله: ثالثها إن كذبا قد حللا، وقوله: الرافضي، وقوله: لا إن رووا وفاقاً البيت، وقوله: والنووي إلى قوله: موضح، وقوله: في الأصح، وقوله: بأن يبين عالم.
ولما كان قبولُ الحديث ورده منوطاً على العدالة والجرح ناسب أن يذكر مراتب التعديل والتجريح بعد باب من تقبل روايته ومن ترد فقال:
стр. 356
(مراتب التعديل والتجريح)
أي هذا مبحثهما وجمَعَهُمَا في باب لتقابلهما، وقدم التعديل لشرفه، وليوازي الباب الذي قبله لأنهما من تتماته، ولذا جعله غيره من تتمة النوع الماضي لا نوعاً مستقلًا، والتعديل: مصدر عدلت الشاهدَ إذا نسبته إلى العدالة، ووصفته بها، والتجريح مِثلُه إلا أن ثلاثيه يتعدى يقال: فلان جرح فلاناً إذا نسبه إلى العيب.
واعلم أن ألفاظ كل من التعديل والتجريح على مراتِبَ جعلها ابن أبي حاتم وتبعه ابن الصلاح والنووي أربعاً، وجعلها الذهبي والعراقي خمساً، وجعلها الحافظ ستاً، وتبعه الناظم هنا فساقها بالتدلي من الأعلى إلى الأدنى بقوله:
٣٢٧ - وَأَرْفَعُ الأَلْفَاظِ فِي التَّعْدِيلِ ... مَا جَاءَ فِيهِ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ
٣٢٨ - كَـ " أوْثَقِ النَّاسِ " وَمَا أَشْبَهَهَا ... أَوْ نَحْوُهُ نَحْوُ " إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى "
(وأرفع الألفاظ) أي أعْلَى الصيغ، مبتدأ (في التعديل) أي نسبة الراوي إلى العدالة، وإنما قدم الكلام عليه لكون المقصود بالذات هو إثبات الحديث حتى يُعمَلَ به (ما) موصولة خبر المبتدإ (جاء فيه أفعل التفضيل) لدلالته على المبالغة في التعديل، ثم مثل له بقوله (كأوثق الناس) أي كقولهم فلان أوثق النَّاس أي أفضلهم في الاعتماد عليه، (وما أشبهها) أي ما أشبه أوثق الناس أنثه باعتبار المذكورة كأثبت النَّاس أي حفظاً وعدالة، وأصدقهم، لما
стр. 357
تدل عليه الصيغة من الزيادة. (أو نحوه) بالرفع عطفاً على أفعلُ، أي نحو أفعل التفضيل مما يفيد الزيادة والمبالغة في الوصف وذلك: (نحو) قولهم فلان (إليه المنتهى) في التثبت أي التيقظ والاحتياط في الديانة والرواية.
قال الناظم: ومنه لا أحد أثبت منه، ومَنْ مِثلُ فلان؟ وفلان لا يسأل عنه، ولم أر من ذكرها، وهي في ألفاظهم.
وقال السخاوي: إن من نظر في كتب الرجال ككتاب ابن أبي حاتم، والكامل لابن عدي، والتهذيب، وغيرها، ظفر بألفاظ كثيرة، ولو اعتنى بارع بتتبعها ووضع كل لفظة بالمرتبة المشابهة لها مع شرح معانيها لغة واصطلاحاً، لكان حسناً، والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم، لما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال وبقرائن ترشد إليه اهـ.
وهذه هي المرتبة التي زادها الحافظ على غيره بالتتبع، ثم ذكر المرتبة الثانية، وهي: الأولى عند الذهبي في ميزانه، وتبعه العراقي فقال:
٣٢٩ - ثُمَّ الَّذِي كُرِّرَ مِمَّا يُفْرَدُ ... بَعْدُ بِلَفْظٍ أَوْ بِمَعْنًى يُورَدُ
(ثم) اللفظ (الذي كرر) بالبناء للمفعول مرتين فأكثر (مما يفرد بعد) بالبناء للمفعول أيضاً أي من اللفظ الذي يذكر مفرداً، فقوله: الذي كرر مبتدأ خبره محذوف تقديره يَلِي ما تقدم، وقوله بعد بالبناء على الضم متعلق بيفرد أي يُذكَرُ مفرداً بعد هذه المرتبة، وهي الثالثة يعني أن ما يأتي في المرتبة التالية مفرداً إذا كرر يكون لِلْمَرْتبة الثانية.
وقوله (بلفظ) متعلق بكرر أي سواء كان كرر بلفظه، كثبت ثبت وثقة ثقة وحجة حجة (أو) كرر (بمعنى) كثقة ثبت وحافظ حجة وضابط متقن وقوله: (يورد) بالبناء للمفعول صفة لمعنى حذف نظيره للفظ أي يؤتى به بعد الأول للتأكيد.
وحاصل معنى البيت: أنه يلي المرتبة الأولى: ما كرر من الألفاظ التي تذكر في المرتبة التي بعد هذه مفردة سواء كررت بلفظها أو بمعناها
стр. 358
لأن التأكيد الحاصل بالتكرار فيه زيادة على الكلام الخالي منه، وعلى هذا فما زاد على مرتين مثلاً يكون أعلى منها، كقول ابن سعد في شعبة: ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث.
قال السخاوي: وأكثر ما وقفنا عليه من ذلك قول ابن عينية حدثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة تسع مرات وكأنه سكت لانقطاع نفسه اهـ.
ثم ذكر المرتبة الثالثة: وهي الأولى عند ابن أبي حاتم وتبعه ابن الصلاح، والثانية عند العراقي فقال:
٣٣٠ - يَلِيهِ ثَبْتٌ مُتْقِنٌ أو ثِقَةٌ ... أَوْ حَافِظٌ أَوْ ضَابِطٌ أَوْ حُجَّةٌ
(يليه) أي ما ذكر من المرتبة الثانية، وهو المكرر ما أفرد كقولهم فلان (ثبت) بسكون الباء الموحدة الثابت القلبِ، واللسانِ، والكتاب،
والحجةِ، وأما بالفتح فما يُثْبِتُ فيه المحدث مسموعه مع أسماء المشاركَين له فيه، لأنه كالحجة عند الشخص لسماعه وسماع غيره قاله السخاوي رحمه الله تعالى.
وفي المصباح: رجل ثَبتْ ساكن الباء متثبت في أموره، وثَبْت الجنان، أي ثابت القلب ورجل ثَبَت بفتحتين إذا كان عدلًا ضابطا، والجمع أثبات مثل سبب وأسباب، ويقال للحجة ثبت أيضاً يعني بفتحتين. اهـ بتغيير، فأفاد أن يقال هنا بفتحتين أيضاً إلا أن السكون هنا متعين للوزن.
وفلان (متقن) اسم فاعل من الإتقان، وهو الإحكام. وفي التوضيح: هو الضابط الجيد الضبط اهـ.
(أو) فلان (ثقة) من الوثوق وهو الاعتماد، أي معتمد عليه، يقال: وثقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقاً آئتمنته.
ويقال: هو وهي وهم وهن ثقة لأنه مصدر، وقد يجمع في الذكور والإناث، فيقال ثقات، أفاده الفيومي، (أو) فلان (حافظ) من الحفظ وهو
стр. 359
المنع من الضياع يقال حفظت المال وغيره حفظاً بالكسر إذا منعته من الضياع والتلف، وحفظته صنته عن الابتذال، ورجل حافظ لدينه وأمانته ويمينه، وحفيظ أيضاً، والجمع حفَظَة وحُفَّاظ مثل كافر في جمعيه أفاده الفيومي.
(أو) فلان (ضابط) من الضبط وهو الحفظ البليغ يقال ضبطه ضبطاً من باب ضرب حفظه حفظاً بليغاً، ومنه قيل ضبطت البلاد وغيرها إذا قمت بأمرها قياماً ليس فيه نقص قاله الفيومي.
(أو) فلان (حجة) فهذه كلها في مرتبة واحدة، وهي الثالثة: قال ابن أبي حاتم إذا قيل للرجل إنه ثقة أو متقن فهو ممن يحتج بحديثه اهـ.
قلت وظاهر النظم أن حافظا وضابطا من ألفاظ التعديل مطلقاً، وقيده ابن الصلاح ﵀ بأن يكون الإطلاق على عدل، قال السخاوي: إذ مجرد الوصف بكل منهما غير كاف في التوثيق بل بين العدالة وبينهما عموم وخصوص من وجه، لأنه توجد العدالة بدونهما ويوجدان بدونها وتوجد الثلاثة اهـ.
ثم ذكر المرتبة الرابعة، وهي الثالثة عند العراقي، والثانية عند ابن أبي حاتم وتبعه ابن الصلاح فقال:
٣٣١ - ثُمَّ " صَدُوقٌ " أَوْفَـ " مَأْمُونٌ " وَ " لا ... بَأْسَ بِهِ " كَذَا " خِيَارٌ " ............
(ثم) يلي ما تقدم قولهم فلان (صدوق) بفتح الصاد وصف له بالصدق على سبيل المبالغة، وليسا " محله الصدق " من هذه المرتبة وإن أدرجه ابن أبي حاتم ثم ابن الصلاح هنا، بل في المرتبة التالية كما يأتي تبعاً للذهبي، (أو) فلان (فمَأمُون) الفاء زائدة (و) فلان (لا بأس به) أو ليس به بأس قال الصنعاني: فإن قيل إنه ينبغي أن يكون لا بأس به أبلغ من ليس به بأس لعَرَاقَة لا في النفي أجيب بأن في العبارة الأخرى قوة من حيث وقوع النكرة في سياق النفي فساوت الأولى في الجملة. اهـ.
стр. 360
(وكذا) قوله فلان (خيار) من الخَيْرِ ضدَّ الشر، بكسر ففتح اسم من الاختيار، ونُضَارُ المال، أفاده في " ق ".
وأفاد الفيومي أنه جمع خَيْر كالخُيور مثل بَحْر وبُحُور وبحار، فعلى الأول وصف به مبالغة كزيد عدل، وعلى الثاني يحتاج إلى تقدير مِنْ، أي من خيار الناس.
فهذه الألفاظ كلها في مرتبة واحدة.
وجعل ابن أبي حاتم وتبعه ابن الصلاح في هذه المرتبة صدوق، ومحله الصدق، ولا بأس به، قال ابن أبي حاتم مَنْ قيل فيه ذلك هو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، قال ابن الصلاح وهو كما قال، لأن هذه العبارة لا تشعر بالضبط فيعتبر حديثه بموافقة الضابطين اهـ.
ثم ذكر المرتبة الخامسة وهي الرابعة عند الذهبي والعراقي، والثالثة عند ابن أبي حاتم، وابنِ الصلاح فقال:
..................... ... ..................... وَتَلا
٣٣٢ - " مَحَلُّهُ الصِّدْقَ " " رَوَوْا عَنْهُ " " وَسَطْ " ... شَيْخٌ مُكَرَّرَيْنِ أَوْ فَرْدًا فَقَطْ
٣٣٣ - وَ " جَيِّدُ الْحَدِيثِ " أَوْ " يُقَارِبُهْ " ... " حَسَنُهُ " " صَالِحُهُ " " مُقَارِبُهْ "
(وتلا) أي تبع ما تقدم في المرتبة من قيل فيه (محله الصدق) أي مرتبته مطلق الصدق وإنما أخر عن صدوق لأنه مبالغة في الصدق كما تقدم بخلاف هذا فإنه دل على أن صاحبه محله ومرتبته مطلق الصدق.
أو قيل فيه فلان (رووا عنه) أو روى النَّاس عنه، أو يُروَى عنه، أو فلان (وسط) بفتحتين ومعناه في اللغة: المعتدل، يقال شيء وسط، أي بين الجيد والردىء أفاده الفيومي.
وفلان (شيخ مكررين) حال من وسط وشيخ، أي حال كونهما مذكورين معاً بأن يقال شيخ وسط، (أو فرداً) عطف على مكررين، أي مفردين بأن ذكر كل منهما منفرداً (فقط) أي فحسب مثل فلان وسط وفلان
стр. 361
شيخ، (و) فلان (جيد الحديث) من الجَودة أي الحسن، أي حَسَن الحديث، (أو) فلان (مقاربه) بكسر الراء من القرب ضد البعد أي حديثه يقارب حديث غيره، بمعنى أن حديثه ليس شاذًّا ولا منكراً، وفي نسخة المحقق ابن شاكر: يقاربه بصيغة المضارع وليس في كتب المصطلح إلا بصيغة اسم الفاعل أو المفعول كالآتي فلعلها من تصحيفات الطابعين، (و) فلان (حسنهُ) أي الحديث (و) فلان (صالحهُ) أي الحديث (و) فلان (مقاربه) بفتح الراء بصيغة اسم مفعول أي يقاربه حديث غيره.
(تنبيه): قال العراقي قولهم مقارب الحديث ضبط في الأصول الصَّحِيحة بكسر الراء، وقيل إن ابن سِيدَهْ (١) حكى فيه الفتح والكسر، وأن الكسر من ألفاظ التعديل والفتح من ألفاظ التجريح، قال: وليس ذلك بصحيح بل الفتح والكسر معروفان حكاهما ابن العربي في شرح الترمذي، وهما على كل حال من ألفاظ التعديل، وممن ذكر ذلك الذهبي، قال: وكأن قائل ذلك فهم من فتح الراء أن الشيء المقارَبَ هو الردىء وهذا من كلام العوام، وليس معروفا في اللغة وإنما هو على الوجهين من قوله ﷺ " سددوا وقاربوا " فمن كسر قال: إن معناه حديثه مقارب لحديث غيره، ومن فتح قال: معناه إن حديثه يقاربه حديث غيره، ومادة فاعل تقتضي المشاركة انتهى.
وممن جزم بأن الفتح تجريح: البلقيني في محاسن الاصطلاح، وقال: حكى ثعلب تِبْر مقارَبٌ أي رديء انتهى. قاله في التدريب.
وقال السخاوي: فهو على المعتمد بالكسر والفتح وسط لا ينتهي إلى درجة السقوط، ولا الجلالة، وهو نوع مدح اهـ.
٣٣٤ - وَمِنْهُ " مَنْ يُرْمَى بِبِدْعٍ " أَوْ يُضَمّ ... إِلَى " صَدُوقٍ " " سُوءُ حِفْظٍ أَوْ وَهَمْ "
(ومنه) أي مما تلا المرتبة الرابعة من الموصوفين بالألفاظ المذكورة من قوله: محله الصدق إلخ كما قال الحافظ ابن حجرٍ فقوله: منه خبر مقدم لقوله: (من يرمى) بالبناء للمفعول أي الشخص الذي يقذف (بِبِدْعٍ)
стр. 362
بكسر الباء وفتح الدال إلا أنه سكنها هنا للضرووة جمع بدعة: الشيء المحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﷺ من الأهواء والأعمال كما في " ق ".
وإنما قلت سكنها للضرورة لأن البدع بوزن الحمل بالكسر هو أول من فعل الشيء فهو بمعنى مبتدع كالبديع قال الله تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) الآية. ولا يناسب هنا.
والمعنى: أن مِنْ هذه المرتبة مَن يرمى بتلبسه بِبِدْعَةِ ضلالة كالتشيع والقدر (١) والنصب (٢) والإرجاء (٣) والتجهم (٤) (أو) من (يضم إلى) وصفه (بصدوق سوء حفظ) بالرفع نائب فاعل يضم، أي الوصف بسوء الحفظ، بأن يقال فلان صدوق سيء الحفظ (أو) يضم إلى صدوق أيضاً (وهم) بفتحتين، أي غلط أي الوصف بالوهم، بأن يقال فلان صدوق يهم، أو صدوق له أوهام، أو صدوق تغير في أخَرَة، بوزن درجة، أي في آخر أمره، أو بصيغة اسم الفاعل وإضافته إلى الضمير.
فكل هذ الألفاظ في مرتَبَةِ محله الصدق، وهي الخامسة.
(تنبيه): زاد العراقي في هذه المرتبة مع قولهم محله الصدق إلى الصدقِ مَا هوَ.
قال الناظم: معناه قريب من الصدق فحرف الجر يتعلق بقريب مقدراً، وما زائدة في الكلام كما قال عياض والنووي في حديث الجساسة
стр. 363
عند مسلم: " من قبل المشرق ما هو " المراد إثبات أنه في جهة المشرق اهـ.
وقال بعض من كتب على التدريب ما نصه: يجوز أن تكون ما نافية، أو استفهامية، أو زائدة، أو موصولة، ولذا اختلف العلماء في معنى هذه الجملة فعلى أنها نافية قيل: المعني أنه غير مدفوع عن الصدق، وقيل إنها للتردد في أمره، وقيل بل تأكيد لما قبلها.
والمعنى ما هو ببعيد، وعلى أنها استفهامية يرجع الأمر فيها إلى الشك، وكأنه قيل هو قريب إلى الصدق، ثم سأل عن مقدار القرب ما هو؟ قليل أو كثير؟ وعلى أنها زائدة تكون نظير ما ورد في حديث الجساسة، وعلى أنها موصولة فهو خبر أي الذي هو فيه إلى الصدق، يعنى أنه قريب منه. اهـ باختصار وزيادة يسيرة.
وقال البقاعي معناه عند أهل الفن: أنه غير مدفوع عن الصدق، وتحقيق معناها في اللغة أن حرف الجر يتعلق بما يصلح التعلق به وهو هنا قريب، فالمعنى فلان قريب إلى الصدق، ويحتمل أن تكون ما نافية، وحينئذ يجوز أن يكون المعني ما هو قريب منه فيكون نفياً لما أثبتته الجملة الأولى، فتفيد مجموع العبارة التردد فيه قال الصنعاني: قلت بل المعنى على هَذَا: فلان قريب إلى الصدق، وهو الجملة الأولى، ما هو قريب، وهو الثانية، فتفيد تناقض الجملتين، لا التردد، فلا ينبغي حمل كلامهم على هذا الاحتمال.
قال البقاعي: ويحتمل ما هو بعيد فيكون تأكيداً للجملة الأولى.
قال الصنعاني: هذا متعين، وقال البقاعي أيضاً: ويحتمل أن تكون استفهامية فكأنه قيل هو قريب إلى الصدق ثم سأل عن مقدار القرب فقال ما هو؟ قليل أو كثير؟.
قال الصنعاني: هذا يبعده السياق، لأن القائل إلى الصدق ما هو، هو الذي عَدَّل من وصف، فكيف يسأل غيره عنه، فأولى التوجيهات هو الأول.
ومعنى ما هو أن تكون " ما " نافية " وهو " اسمها وخبرها محذوف أي ما هو
стр. 364
بَعِيداً عن الصدق، والجملة تأكيد لما قبلها أفاده في التوضيح.
ثم ذكر المرتبة السادسة وهي الخامسة للذهبي، والعراقي، والرابعة لابن أبي حاتم، وابن الصلاح، فقال:
٣٣٥ - يَلِيهِ مَعْ مَشِيئَةٍ " أَرْجُو بِأَنْ ... لا بَأْسَ بِهْ " صُوَيْلِحٌ " " مَقْبُولُ عَنّ "
(يليه) أي ما ذكر من المرتبة الخامسة المرتبة السادسة التي فيها قولهم (مع) بسكون العين لغة في الفتح (مشيئة) أي مع ضم لفظ إن شاء الله فلان (أرجو بأن لا بأس به) بسكون الهاء للوزن، فقوله أرجو بأن لا بأس به إلخ فاعل يلي محكى لقصد لفظه، ومع متعلق بما قبله، وكذا صدوق إن شاء الله، وقولهم فلان (صويلح) إن شاء الله تصغير صالح وفلان (مقبول) إن شاء الله بلا تنوين للوزن، وفي نسخة المحقق المقبول بالتعريف فصويلح عليه بلا تنوين، ثم إن ظاهر النظم أن لفظ المشيئة يأتي مع أرجو، وما بعده، والذي في شروح الألفية العراقية أنه يأتي مع صدوق، وعبارة التدريب: وزاد العراقي فيها صدوق إن شاء الله أرجو أن لا بأس به صويلح، وزاد شيخ الإسلام يعني ابن حجرٍ مقبول فتنبه. وقوله (عن) بتشديد النون خففت هنا للوزن أي ظهر عَدُّ هذه الألفاظ في المرتبة السادسة.
(تنبيه): اعلم أن الحكم في هذه المراتب الاحتجاج بالأربعة الأوَلِ منها، وأما التي بعدها فإنه لا يحتج بأحد من أهلها لكون ألفاظها لا تشعر بشريطة الضبط بل يكتب حديثهم ويختبر.
وأما السادسة: فالحكم في أهلها دون أهل التي قبلها، وفي بعضهم من يكتب حديثهم للاعتبار دون اختبار ضبطهم لوضوح أمره فيه قاله السخاوي ﵀.
ثم ذكر ألفاظ التجريح مع بيان المراتب المستعملة فيها مُرتِّباً لها بالتدلي من الأعلى إلى الأدنى تبعاً للعراقي وغيره مع أن العكس كان أنسب
стр. 365
لتكون مراتب القسمين كلها منخرطة في سلك واحد بحيث يكون أولها الأعلى من التعديل وآخرها الأعلى من التجريح كما قاله السخاوي فقال:
٣٣٦ - وَأَسْوَأُ التَّجْرِيحِ مَا قَدْ وُصِفَا ... " بِكَذِبٍ " وَ " الْوَضْعِ " كَيْفَ صُرِّفَا
٣٣٧ - ثُمَّ بِذَيْنِ " اتَّهَمُوا " " فِيهِ نَظَرْ " ... وَ " سَاقِطٌ " وَ " هَالِكٌ " " لا يُعْتَبَرْ "
٣٣٨ - وَ " ذَاهِبٌ " وَ " سَكَتُوا عَنْهُ " تُرِكْ ... وَ " لَيْسَ بِالثِّقَةِ " .......
(وأسوأ) أوصاف (التجريح) مبتدأ خبره جملة قوله: (ما) مصدرية (قد وصفا) بالبناء للمفعول، يعني أن أقبح أوصاف الجرح هو الوصف (بكذب والوضع) أو بأحدهما (كيف صرفا) بالبناء للمفعول، والألف ضمير يعود إلى كذب والوضع، والجملة حال من كذب والوضع، أي حال كونهما مصرفين على أي كيفية، من صيغة التفضيل، أو اسم الفاعل، أو فعلاً ماضياً، أو مضارعاً إلى غير ذلك.
والمعنى: أن أشد أنواع الجرح هو الجرح بالكذب والوضع بأي عبارة كان بأفعل تفضيل، أو اسم فاعل، أو غيرهما.
لكن قال السخاوي نقلاً عن الحافظ: المرتبة الأولى ما دلت على المبالغة فيه، وأصرح ذلك التعبير بأفعل كأكذب النَّاس، وكذا قولهم إليه المنتهى في الوضع، وهو ركن الكذب ونحو ذلك اهـ.
ثم تلي المرتبة الثانية: وألفاظها كذاب، أو وضاع، أو دجال، أو يضع الحديث أو يكذب أو وضع حديثاً وهذه أسهلها، (ثم) تلى المرتبة الثالثة وهي الثانية في النظم وألفاظها فلان (بذين) أي الكذب والوضع متعلق بـ (اتهموا) أي ظنوه بهما، يقال: اتهمته بكذا ظننته به فهو تهيم كظنين وزنا ومعنى، واتهمته في قوله شككت في صدقه، والاسم التُّهَمَة وزان رُطَبَة، والسكون لغة حكاها الفارابي، وأصل التاء واو أفاده الفيومي.
وفلان (فيه نظر) فقد أطلقه البخاري فيمن تركوا حديثه، (و) فلان (ساقط و) فلان (هالك) وفلان (لا يعتبر) به عند المحدثين أو لا يعتبر
стр. 366
بحديثه (و) فلان (ذاهب) أو ذاهب الحديث، (و) فلان (سكتوا عنه) فقد أطلقه البخاري فيمن تركوا حديثه.
قال السخاوي: وكثيراً ما يعبر البخاري بهاتين العبارتين، يعني فيه نظر، وسكتوا عنه فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها، قلت لأنه لوَرَعِه قَلَّ أن يقول كذاب أو وضاع، نعم ربما يقول كذَّبه فلان ورماه فلان بالكذب، فعلى هذا فإدخالهما في هذه المرتبة بالنسبة للبخاري خاصة مع تجوز فيه، وإلا فموضعهما المرتبة التي قبلها اهـ كلام السخاوي.
(و) فلان (ترك) بالبِنَاء للمفعول، أي حديثه، أو متروك الحديث أو تركوه.
قال ابن مهدي: سئل شعبة مَنِ الذي يترك حديثه؟ قال من يتهم بالكذب، ومن يكثر الغلط، ومن يخطئ في حديث يُجمَعُ عليه فلا يَتَّهِمُ نفسه، ويقيم على غلطه، ورجل روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، وقال أحمد بن صالح: لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه.
(و) فلان (ليس بالثقة) أو ليس بثقة، أو غير ثقة، ولا مَأمُون، ونحو ذلك.
وزاد السخاوي في هذه المرتبة: فلان يسرق الحديث قال: فإنهما كما قال الذهبي: أهون من وضعه واختلاقِهِ في الإثم، إذ سرقة الحديث أن يكون محدث ينفرد بحديث فيجيء السارق ويَدَّعي أنه سمعه أيضاً من شيخ ذلك المحدث، أو يكون الحديث عرف براو فيضيفه لراو غيره ممن يشاركه في طبقته.
قال الذهبي: وليس كذلك من يسرق الأجزاء والكتب فإنها أنحس بكثير من سرقة الرواة، ثم أشار إلى المرتبة الرابعة وهي الثالثة باعتبار ما في النظم بقوله:
..................... ... ............. بَعْدَهُ سُلِكْ
٣٣٩ - " أَلْقَوْا حَدِيثَهُ " " ضَعِيفٌ جِدَّا " ... " إِرْمِ بِهِ " " وَاهٍ بِمَرَّهْ " " رُدَّا "
стр. 367
٣٤٠ - " لَيْسَ بِشَيءٍ " ................ ... .....................
(بعده) أي بعد ما تقدم من الألفاظ في المراتب السابقة (سلك) بالبناء للمفعول، والنائبُ عن الفاعل جملة قوله (ألقوا حديثه) يعني أن قولهم فلان ألقوا حديثه وما بعده من الألفاظ مستعمل في هذه المرتبة الرابعة، ومعنى ألقوا حديثه أي طرحوه، وكذا فلان مطروح، أو مطروح الحديث وفلان (ضعيف جِدًّا) أي بلغ الغاية في الضعف، وفلان (ارم به) أمر من الرمي، أوِ ارم بحديثه وفلان (واه بمره) أي قولا واحداً لا تردد فيه.
قال السخاوي: وكأن الباء زيدت تأكيداً، وكذا فلان تَالِف، وفلان (ردا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق، أو ردوا حديثه، أو مردود الحديث وفلان (ليس بشيء) أو لا يساوي شيئاً، أو لا شيء، أو لا يساوي فلساً، ونحو ذلك، قال السخاوي ﵀: ما أدرج في هذه المرتبة مِنْ ليس بشيء هو المعتمد، وإن قال ابن القطان إن ابن معين إذا قال في الرواي ليس بشيء إنما يريد أنه لم يرو حديثاً كثيراً، هذا مع أن ابن أبي حاتم قد حكى أن عثمان الدارمي سأله عن أبي دراس (١) فقال: إنما يروي حديثاً واحداً ليس به بأس، على أنا قد روينا عن المُزنَي قال: سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول فلانٌ كذابٌ فقال لي: يا إبراهيم اكس ألفاظك أحسنها، لا تقل فلان كذاب، ولكن قل حديثه ليس بشيء. وهذا يقتضي أنها حيث وجدت في كلام الشافعي تكون في المرتبة الأولى اهـ.
ثم أشار إلى المرتبة الخامسة وهي الرابعة في النظم بقوله:
.................. ثَمَّ " لا يُحْتَجَّ بِهْ " ... كَـ " مُنْكِرِ الْحَدِيثِ " أَوْ " مُضْطَرِ بِهْ "
٣٤١ - " وَاهٍ " " ضَعِيفٌ " " ضَعَّفُوا " ........... ... .....................
стр. 368
(ثم) بعد هذه المرتبة تلي المرتبة الخامسة والألفاظ المستعملة فيها قولهم فلان (لا يحتج به) وفلان مجهول (كمنكر الحديث) أي كإطلاقهم على الراوي أنه منكر الحديث، أو حديثه منكر، أو له مناكير، أو له ما ينكر (أو مضطربه) بالجر عطفاً على منكر الحديث أي مضطرب الحديث، وذكر جماعة أن البخاري أطلق منكر الحديث على من لا تحل الرواية عنه، وفلان (واه) أي ضعيف، وفلان ضعيف من غير تقييدهما بمرة ولا بجدًّا، وفلان (ضعفوا) روايته فهذه كلها في مرتبة واحدة.
ثم ذكر المرتبة السادسة وهي الخامسة في النظم بقوله:
............... يَلِيهِ ... " ضُعِّفَ " أَوْ " ضُعْفٌ " " مَقَالٌ فِيهِ "
٣٤٢ - " يُنْكِر وَيُعْرِفْ " " فِيهِ خُلْفٌ " " طَعَنُوا " ... تَكَلَّمُوا سَيءُ حِفْظٍ " لَيِّنُ "
٣٤٣ - " لَيْسَ بِحُجَّةٍ " أَوْ " الْقَّوِيِّ " ... " بِعُمْدَةٍ " " بِذَاكَ " " بِالْمَرْضِيِّ "
(يليه) أي ما تقدم من الألفاظ في المرتبة الخامسة قولهم فلان (ضعف) بالبناء للمفعول أي ضعفه أهل الحديث (أو) فيه (ضعف) بضم الضاد وفتحها، أو في حديثه ضعف وفلان (مقال فيه) أو فيه أدنى مقال، وفلان (ينكر ويعرف) بضم الياء فيهما والبناء للفاعل، أي يأتي مرة بالمناكير، ومرة بالمشاهير أفاده في التدريب، وفي نسخة المحقق تُنكر وتَعرف بالتاء فيهما الأول رباعي من الإنكار فتضم تاؤه، والثاني ثلاثي من المعرفة فتفتح، ومعناه تنكر أيها المحدث ما يأتي به مرة، وتعرف منه أخرى، لكونه يأتي بالمناكير والمشاهير، وفلان (فيه خلف) بضم فسكون أي خلاف بين الحفاظ في حديثه وفلان اختلف فيه.
وفلان (طعنوا) فيه أو مطعون فيه.
وفلان (تكلموا) فيه.
وكذا سكتوا عنه، أو فيه نظر من غير البخاري، وأما عنده فقد تقدم، وفلان: (سيء حفظ) وفلان (لين) بفتح اللام وتشديد الياء.
стр. 369
قال ابن أبي الحاتم: إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارا.
قيل للدارقطني إذا قلت: فلان لين أيْش (١) تريد به قال: لا يكون ساقطاً متروك الحديث، ولكن مجروحاً بشيء لا يسقطه عن العدالة.
وفلان (ليس بحجة أو) ليس بـ (القوي) أو المتين، أو المَأمُون، وفلان ليس (بعمدة) أي لا يعتمد عليه، وفلان ليس (بذاك) وربما قيل ليس بذاك القوي (أو) فلان ليس (بالمرضي) أو ليس يحمدونه، أو ليس بالحافظ، أو غيرُه أوثق منه، أو في حديثه شيء، أو فلان مجهول، أو فيه جهالة، أو لا أدري ما هو، أو للضعف ما هو؟ ومعناه أنه ليس ببعيد عن الضعف.
فهذه الألفاظ كلها في المرتبة السادسة.
ثم إن الحكم في المراتب الأربع الأوَل أنه لا يحتج بواحد من أهلها، ولا يستشهد به، ولا يعتبر به، وما عداها يخرج حديثه للاعتبار به لإشعار هذه الصيغ بصلاحية المتصف بها لذلك، وعدم منافاتها لها، لكن قال البخاري: كل من قلت فيه منكر الحديث لا يحتج به، وفي لفظ لا تحل الرواية عنه.
وعلى هذا فهو من المرتبة الرابعة كما تقدم في ذاهب، وسكتوا عنه أنهما من الثانية عنده.
(تنبيه): كثيراً ما يطلقون على الراوي منكر الحديث لكونه روى حديثاً واحداً.
стр. 370
وقال الذهبي: قولهم منكر الحديث لا يعنون به أن كل ما رواه منكر، بل إذا روى الرجل جملة وبعض ذلك مناكير فهو منكر الحديث.
وقال السخاوي: وقد يطلق ذلك على الثقة إذا روى المناكير عن الضعفاء.
وقال ابن دقيق العيد: قولهم روى مناكير لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه منكر الحديث، لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه، والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومية، كيف وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي يروي أحاديث منكرة، وهو ممن اتفق عليه الشيخان، وإليه المرجع في حديث " إنما الأعمال بالنيات ".
(تنبيه آخر): ينبغي أن يتأمل في أقوال المزكين ومخارجها، فقد يقولون فلان ثقة أو ضعيف ولا يريدون به أنه ممن يحتج بحديثه، ولا ممن يرد، وإنما ذلك بالنسبة لمن قرن معه على وقف ما وُجِّهَ إلى القائل من السؤال، كأن يسأل عن الفاضل المتوسط في حديثه ويقرن بالضعفاء فيقال: ما تقول في فلان وفلان وفلان فيقول: فلان ثقة يريد أنه ليس من نمط من قرن به فإذا سئل بمفرده بين حاله في المتوسط.
مثل ما قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه فقال: ليس به بأس، قلت: هو أحب اليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف يعني أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري لا مطلقاً، وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل ممن وَثَّقَ رجلًا في وقت وجرحه في آخر.
وقد يكون الاختلاف لتغير اجتهاده، يعني أنه يجتهد فيعدله، ثم يتغير اجتهاده فيجرحه، أو بالعكس، أفاده الحافظ السخاوي ﵀.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله فى البيت الأول ما جاء إلى آخر البيت الثاني، وقوله: ومنه من يُرْمَى إلى آخر البيت.
стр. 371
ولما أنهى الكلام على مراتب التعديل والتجريح، وهي من مكملات باب من تقبل روايته ومن ترد ناسب ذكر باب التحمل عقبه، لأن من تحمل الحديث وهو غير متأهل للأداء إما أن يؤديه بعد التأهل فيقبل، أو قبله فيرد، ولذا قال:
стр. 372
(تحمل الحديث)
أي هذا مبحثه وهو النوع الثامن والثلاثون من أنواع علوم الحديث.
٣٤٤ - وَمَنْ بِكُفْرٍ أَوْ صِباً قَدْ حَمَلا ... أَوْ فِسْقِهِ ثُمَّ رَوَى إِذْ كَمَُِلا
٣٤٥ - يَقْبَلْهُ الْجُمْهُورُ وَالْمُشْتَهِرُ ... لا سِنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ
٣٤٦ - تَمْيِيزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَا ... قَدْ ضَبَطُوا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا
٣٤٧ - وَمَا رَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلِ ... وَنَجْلِ هَارُونَ عَلَى ذَا نَزِّلِ
٣٤٨ - وَغَالِبًا يَحْصُلُ إِنْ خَمْسٌ غَبَرْ ... فَحَدُّهُ الْجُلُّ بِهَا ثُمَّ اسْتَقَرْ
٣٤٩ - وَكَتْبُهُ وَضَبْطُهُ حَيْثُ اسْتَعَدّ ... وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهَ أَسَدّ
(وَمَنْ) موصولة أو شرطية مبتدأ (بِكُفْرٍ) متعلق بحمل، والباء بمعنى في، أو بمعنى مع أي في حالة كفره، أو مع كفره، (أو صبا) بكسر ففتح مقصوراً الصغر، أي في حالة صغره، (قد حملا) بالبناء للفاعل والألف للإطلاق، أي نقل الحديث (أو) حمل في حال (فسقه ثم روى) ما حمله (إذ كملا) أي وقت كماله بالإسلام، والبلوغ والتوبة، وميم كمل مثلثة والألف إطلاقية وجملة قوله (يقبله الجمهور) خبر مَنْ، أو جوابه، أي يَقْبَلُ روايته أكثرُ أهل الحديث.
والجُمْهُور بالضم الخَلْقُ العظيم جمعه جماهير، سموا به لكثرتهم، وأصله الرَّمْلَة المشرفة على ما حولها سميت به لعلوها وكثرتها.
стр. 373
وحاصل المعنى أن من تحمل الحديث في حال كفره، أو صغره، أو فسقه ثم أداه بعد كمال الأهلية قَبِلَهُ الجمهور.
أما الكافر فقبول روايته اتفاق كما قاله السخاوي، خلافاً لما أفاده في النظم من أنه قول الجمهور، لأن كَماَلَ الأهلية لا يشترط حين التحمل عندهم، واحتجوا بأن جبير بن مطعم ﵁ قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر قبل أن يسلم فسمعه حينئذ يقرأ في المغرب بالطور، قال جبير: وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي، وفي لفظ فأخذني من قراءته الكَرْب، وفي آخر فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن، وكان ذلك سبباً لإسلامه، ثم أدى هذه السنة بعد إسلامه، وحملت عنه.
وأما الفاسق فإنه إذا تحمل في حال فسقه ثم زال فسقه وأدى فإنه يقبل عندهم من باب أوْلَى.
وأما الصبي: فإن الجمهور على قبوله إذا أدى بعد البلوغ، وشذ قوم فلم يقبلوه لأن الصبا مظنة عدم الضبط، ورد بالإجماع على قبول حديث جماعة من الصحابة مما تحملوه في الصغر، كالسبطين الحسن والحسين، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابن الزبير، وابن عباس، وغيرهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده، وكذلك كان أهل العلم من المحدثين سلفاً وخلفاً يُحضِرُون الصبيان مجالس العلم، ثم يقبلون رواياتهم بعد البلوغ.
ولما اختُلِفَ في وقت طلب الحديث للصبي ذكره بقوله:
(والمشتهر) من أقوال العلماء الذي صوبه المحققون مبتدأ خبره جملة قوله: (لا سن للحمل) أي عدم اعتبار سن معين في تحمل الحديث، والرابط كون الخبر في المعنى نفس المبتدإ (بل المعتبر) في ذلك مبتدأ خبره قوله: (تمييزه) أي كون الصبي مميزاً، وإن كان دون خمس، وإلا لم يصح، وإن كان ابن خمسين، ثم فسر التمييز، فقال: (أن) مصدرية (يفهم) الصبي (الخطابا) بألف الإطلاق، أي مخاطبة النَّاس له وأن وصلتها في تأويل المصدر بدل من تمييز، أو خبر لمحذوف، أي هو فهمه الخطاب وقوله: (قد ضبطوا)
стр. 374
جملة معترضة بين المتعاطفين أي ضبط العلماء وقت التحمل بفهم الخطاب، ورده الجواب، وقوله (ورده الجوابا) عطف على أن وصلتها والألف إطلاقية، أي رده جواباً لمن خاطبه.
وحاصل معنى البيت: أن المشهور من أقوال العلماء الذي صححه المحققون كابن الصلاح والنووي وغيرهما في وقت التحمل هو اعتبار التمييز فإذا فهم الخطاب ورد الجواب كان صحيح السماع وإلا فلا.
ومقابلهُ قول من قال حده عشرون سنة، وهو الذي عليه أهل الكوفة، قالوا لأنها مجتمع العقل، وقال أبو بكر الخطيب: قَلَّ مَن كان يكتب الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريباً منه إلا من جاوز حد البلوغ وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسؤالهم.
وقول من قال: إنه عشر سنين، وهو العادة لأهل البصرة، وقول من قال: إنه ثلاثون سنة وعليه أهل الشام، ومن قال إنه خمس سنين وعليه الجمهور كما يأتي.
وبقيت أقوال تركتها للطول.
(وما) موصولة مفعول مقدم لنَزِّلِ (رووا) أي نقل العلماء (عن) الإمام أبي عبد الله (أحمد) بن محمد (ابن حنبل) الشيباني وهو أنه سئل متى يسمع الصبي الحديث فقال: إذا عقل وضبط، فذكِرَ له عن ابن معين أنه قال: لا يجوز سماعه قبل خمسة عشر سنة لأن رسول الله ﷺ رد البراء وابن عمر ﵃ يوم بدر لصغرهم عن هذا السن، فأنكر قوله هذا، وقال: بئس القول فكيف يصنع بسفيان ووكيع ونحوهما ممن سمع قبل هذا السن؟ قال وإنما ذاك في القتال.
قال السخاوي على أن قول ابن معين هذا يوجه بحمله على إرادة تحديد ابتدإ الطلب بنفسه، أما من سمع اتفاقاً، أو اعتُنيَ به فسمع وهو صغير فلا، لا سيما، وقد نقل ابن عبد البر وغيره الاتفاق عَلى قبوله اهـ.
(و) كذا ما روى عن الحافظ أبي عمران بن المحدث أبي موسى، موسى
стр. 375
(نجل) أي ابن (هارون) بن عبد الله بن مروان الحمال البغدادي البزار محدث العراق ثقة حافظ قال عبد الغني بن سعيد: أحسن النَّاس كلاماً على الحديث ابن المديني في زمانه، وموسى بن هارون في زمانه، والدارقطني في وقته ولد سنة (٢١٤) ومات في شعبان سنة (٢٩٤).
والمنقول عنه هو أنه سئل متى يسمع الصبي فقال: إذا فرق بين البقرة والحمار، وفي لفظ بين الدابة والبقرة، (على ذا) أي المذكور من أن المعتبر هو التمييز دون التحديد بسن مخصوص متعلق بقوله: (نزل) فعل أمر من التنزيل بمعنى الحمل.
والمعنى: احمل أيها المحدث ما روي عن الإمام أحمد وموسى بن هارون على أنهما أرادا التمييز والفهم.
ثم إن الذي استقر عليه عمل المتأخرين هو التحديد بخمس سنين لأنه يحصل فيه التمييز غالباً وإليه أشار بقوله:
(وغالباً) أي في غالب الأحوال، أو غالب النَّاس (يحصل) ما ذكر من التمييز (إن) شرطية (خمس) من السنين (غبر) أي مضى وهو من الأفعال المستعملة للأضداد يقال غبر: غبوراً من باب قعد: بقي، أو مضى.
وقيل عَبَرَ بالمهملة للماضي وبالمعجمة للباقي أفاده الفيومي، والمراد هنا معنى الماضي.
(فحده) أي من أجل أن حصول التمييز غالباً في الخمس حده أي وَقَّتَ السماعَ (الجُلّ) بالضم أي معظم أهل الحديث (بها) أي الخمس فقد نقل القاضي عياض أن أهل الصنعة حددوا أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين.
(ثم استقر) عليه عمل المتأخرين من أهل الحديث فيكتبون لابن خمس فصاعداً سمع، ولمن لم يبلغها حَضَرَ، أو أُحضِرَ، واحتجوا على ذلك بما رواه البخاري من حديث الزُّبَيدِيّ، عن الزهري، عن محمود بن الربيع قال:
стр. 376
" عقلت من النبي ﷺ مَجَّة مَجّها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين "، وعليه بوب البخاري: " باب متى يصح سماع الصغير ".
وقال ابن رُشَيد: والظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مَظِنَّة لذلك لا أن بلوغها شرط لا بد من تحقيقه، ونحْوهُ قول غيره اعتبر الجمهور المَظِنَّة وهي الخمس فأقاموها مقام المَئِنَّة، وهي التمييز والإدراك والأولى أن تعتبر المَئِنَّة (١).
وقال القاضي عياض: ولعل تحديد أهل الصنعة بالخمس إنما أرادوا أن هذا السن أقل ما يحصل به الضبط، وعَقْلُ ما يسمع وحفظه، وإلا فمرجوع ذلك العادة، ورُبَّ بليد الطبع غبي الفطرة لا يضبط شيئاً فوق هذا السن، ونبيل الجِبِلَّةِ ذَكِيّ القريحة يعقل دون هذا السن قاله السخاوي ﵀.
ولما بين أن وقت التحمل هو التمييز وأنه يحصل غالباً في الخمس شرع يبين وقت كتابته للحديث فقال:
(وكتبه) بفتح فسكون مصدر كتب مبتدأ خبره جملة " استعد "، أي كتابة الصبي الحديث (وضبطه) أي تحقيق الحديث (حيث استعد) أي عند كون الصبي مستعداً، ومتأهلًا لذلك، فلا يتعين بوقت مخصوص، والحاصل أن اشتغال الصبي بكتابة الحديث وتحصيلِهِ وضبطه وتقييده فمن حين يتأهل لذلك، ويستعد له، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وليس ينحصر في زمن مخصوص.
(وإن يقدم) الطالب (قبله) أي قبل اشتغاله بالحديث (الفقه) أي طلبه (أسد) أي أصوب خبر لمحذوف والجملة جواب " إن " بتقدير الفاء أي فهو أسد أي أكثر سَدَاداً بالفتح وهو الصواب.
وحاصل المعنى: أن تقديم طالب الحديث الاشتغال بالفقه أحسن من تقديم طلب الحديث، لأن الْفِقْهَ مع كونه ثمرة الحديث يوجد فيه من المسائل الاجتهادية التي لا يتيسر لكل أحد استخراجها من النصوص، وإن لم تخرج
стр. 377
منها، فإذا اشتغل الإنسان في أول أمره بالفقه يسهل عليه فهم ما يجب عليه من صنوف العبادات، وأيضاً يتمرن كيف يستنبط المسائل من النصوص، لكن هنا دقيقة ينبغي أن يتنبه لها وهي أن لا يتعمق في الغوص على رأي بعض النَّاس بحيث يجعله أساساً يبني عليه غيره، فيجعل المذهب ميزاناً يزن به ما ورد من النصوص لأن ذلك يؤديه إلى التعصب ورد النصوص الصَّحِيحة، بل ينبغي أن يجعل النصوص ميزاناً لأراء العلماء يقبل منها ما وافق، ويرد منها ما خالف أيا كان القائل؟.
وبالجملة فهذا الأمر مَهْوَاة بعيدة، ومغلطة شديدة، وقع فيها كثير من أهل العلم فضلاً عن العوام، ولا سيما المتأخرون إلا من عصم الله نسأل الله السلامة والعافية، وينبغي له أن يتبحر مع ذلك في اللغة والصرف، وسائر علوم الأدب، فإنها تفتح له باب فهم النصوص.
وعلومُ الأدب، وتسمى علومُ العربية اثنا عشر علماً: النحو، والصرف، واللغة، والاشتقاق، والمعاني، والبيان (١)، والخط، والعروض، والقافية، وقرض الشعر (٢)، وإنشاء الخطب والرسائل، والتاريخ (٣)، ونظمت ذلك بقولي:
نَحْوٌ وَصَرْفٌ والاشْتِقَاقُ وَالُّلغَةُ ... ثُمَّ اْلمَعَانِي كَذَا الْبَيَانُ قاَفِيَةُ
ثُمَّ الْعَرُوضُ وَقَرْضُ الشِّعْر خَطُّهُمُ ... تَاريخُهُمْ بَعْدَهُ الِإنْشَاءُ خَاتِمَةُ
فَتِلْكَ عَشْرٌ مَعَ اثْنَتَيْنِ بِاْلأدَبِ ... قَدْ سُمِّيَتْ فَاَحْوِهَا فَإِنَهَا رَايَةُ
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله: " أو فسقه "، وقوله " نَزِّلْ "، وقوله " وإن يقدم " إلخ.
ولما أنهى الكلام على تحمل الحديث شرع يتكلم على وجوه التحمل متمماً للفوائد المتعلقة بالباب المتقدم فقال:
стр. 378
(أقسام التحمل)
أي هذا مبحث أنواع تحملِ أي نقلِ الحديث عن الشيوخ، وهذا الباب مكمل للباب السابق وليس باباً مستقلاً بنفسه، ومجاميع هذه الأقسام ثمانية تأتي مفصلة مع الألفاظ التي يُؤَدِّي بها ما تحمله في كل قسم، فالقسم الأول ما ذكره بقوله:
٣٥٠ - أَعْلَى وُجُوهِ مَنْ يُرِيدُ حَمْلا ... سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ أَمْلَى أَمْ لا
٣٥١ - مِنْ حِفْظٍ اوْ مِنْ كُتُبٍ وَلَوْ وَرَا ... سِتْرٍ إِذَا عَرَفْتَهُ أَوْ أَخْبَرَا
٣٥٢ - مُعْتَمَدٌ، وَرَدَّ هَذَا شُعْبَهْ ... ثُمَّ " سَمِعْتُ " فِي الأَدَاءِ أَشْبَهْ
٣٥٣ - وَبَعْدَهُ التَّحْدِيثُ فَالإِخْبَارُ ثُمّ ... " أَنْبَأَنَا " " نَبَّأَنَا " وَبَعْدُ ضُمّ
٣٥٤ - " قَالَ لَنَا " وَدُونَهُ " لَنَا ذَكَرْ " ... وَفِي الْمُذَاكَرَاتِ هَذِهِ أَبَرّ
٣٥٥ - وَبَعْضُهُمْ قَالَ: " سَمِعْتُ " أَخِّرَا ... وَقِيلَ: إِنْ عَلَى الْعُمُومِ أَخْبَرَا
(أعلى) أي أرفع (وجوه) أي طرق (من يريد حملا) أي أخْذاً للحديث عن الشيوخ عند جمهور المحدثين وغيرهم، فقوله أعلى مبتدأ خبره قوله (سماع لفظ الشيخ) ويجوز العكس أي سماع الطالب تلفظ الشيخ بالحديث، وقوله (أملى) فعل ماض من الإملاء، لغة في أملل، يقال أمللت الكتاب على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه، وأمليته عليه إملاء بمعناه، والأولَى: لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، وقيس، وجاء
стр. 379
الكتاب العزيز بهما، (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أفاده الفيومي.
وفي نسخة الشارح ضبط إملا بصيغة المصدر والقصر للوزن فيكون مفعولاً مطلقاً لفعل محذوف، أي أملى الشيخ إملاء.
(أم لا) أي أم لم يُمْلِ، هي أم المعادلة لهمزة التسوية المقدرة كما قال ابن مالك:
وَرُبَّمَا أُسقِطَتِ الهمزةُ إِن ... كان خَفَا المعنى بحذفها أمِنْ
(من حفظ أو من كتب) أي سواء كان تحديثه له من حفظه أو من كتبه.
وحاصل المعنى: أن أعلى وجوه تحمل الحديث أن يسمع الطالب لفظ شيخه سواء حدثه من حفظه أو من كتبه بإملاء، أو بغير إملاء.
فقوله: من حفظ، أو من كتب يتعلق بكل من الإملاء وعدمه، فقد يكون الإملاء من الحفظ أو الكتاب، وكذا غير الإملاء تارة يكون من الحفظ، وتارة من الكتاب كما تفيده عبارة التدريب وفتح المغيث.
قال السخاوي: لكنه في الإملاء أعلى لما يلزم فيه من تحرير الشيخ والطالب إذا الشيخ مشتغل بالتحديث والطالب بالكتابة عنه فهما لذلك أبعد عن الغفلة وأقرب إلى التحقيق، وتبيين الألفاظ مع جريان العادة بالمقابلة بعده، وإن حصل اشتراكه مع غيره من أنواع التحديث اهـ.
وإنما كان هذا النوع أرفع من الأنواع الآتية لأنه الغالب من النبي ﷺ لأنه أخبر النَّاس ابتداء وأسمعهم ما جاء به، وأما سؤال الصحابة ﵃ له، وكذا تقريره لما جرى في حضرته فمرتبة ثانية، ثم إنه لا تشترط رؤية الشيخ متى تحققه بوجه ما وإليه أشار إليه بقوله (ولو) كان الشيخ المُسمِعُ (ورا) بالقصر للوزن (ستر) بكسر فسكون أي حجابِ (إذا عرفته) بصوته (أو أخبرا) بألف الإطلاق أي أخبرك بأنه الشيخ الفلاني رجل
стр. 380
(معتمد) بصيغة اسم المفعول، أي ثقة من أهل الخِبْرَة بذلك الشيخ.
وحاصل المعنى: أنه إذا سمعت الشيخ يحدث وهو وراء الحجاب صح أن تروي عنه بشرط معرفتك له إما بصوته أو بإخبار ثقة به.
وهذا مذهب الجمهور من المحدثين وهو بخلاف الشهادة (ورَدَّ هذا)
أي السماع من وراء الستر (شعبة) ابن الحجاج بن الورد أبو بسطام العتكي الواسطي نزيل البصرة، فإنه شرط رؤية الشيخ لاحتمال أنه شيطان تصور بصورة ذلك الشيخ يقول حدثنا وأخبرنا.
وهذا خلاف الصواب إذ تمثل الشيطان بصورة لا يختص في حالة الاحتجاب بل يجوز في العيان والمشاهدة أيضاً.
ولأن الصحابة والتابعين كانوا يسمعون من أزواج النبي ﷺ من وراء حجاب ويروون عنهن، وبأن النبي ﷺ أمر باعتماد الصوت مع غيبة شخصه، فقال: " إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ".
وقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه شهادة الأعمى، وأمره، ونكاحه، وإنكاحه، ومبايعته، وقبوله في التأذين وغيره، وما يعرف من الأصوات، وأورد لذلك دلائل كثيرة فارجع إليه.
على أن بعضهم تأول قول شعبة هذا بأنه محمول على احتجاب الراوي من غير عذر مبالغة في كراهة احتجابه.
قال السخاوي: وأما النساء فلا خلاف في جواز الرواية عنهن مع وجوب احتجابهن اهـ. ثم ذكر صيغ الأداء المستعملة في هذا القسم فقال:
(ثم سمعت) أي هذا اللفظ مبتدأ لقصد لفظه (في الأداء) أي رواية ما تحمله بسماع لفظ الشيخ متعلق بقوله (أشبه) أي أولى بالتقديم مما يأتي بَعْدُ، وهو خبر المبتدإ.
стр. 381
وحاصل المعنى: أن قول من تحمل بسماع لفظ الشيخ سمعت في الأداء أولى مما يأتي، لأنه لا يكاد أحد يقول سمعت في الإجازة، والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه بخلاف حدثنا فقد استعملها في الإجازة فِطْرُ بن خليفةَ وغيره.
ورُوِي أن الحسن البصري كان يقول حدثنا أبو هريرة ويتأول أنه حدث أهل المدينة والحسن بها.
كما كان يقول خطبنا ابن عباس بالبصرة وبريد خطب أهل البصرة، كما كان ثابت يقول قدم علينا عمران بن حصين.
والجمهور على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئاً.
(وبعده) أي بعد سمعت، خبر مقدم لقوله (التحديث) أي اللفظ المشتق منه، وهو لفظ حدثني، وحدثنا، يعني: أن لفظ حدثني وحدثنا يلي سمعت لكونه يطلق في الإجازة بخلاف سمعت، (فـ) ـيلي (الإخبار) بكسر الهمزة أي ما اشتق منه كأخبرني، وأخبرنا، وهو كثير الاستعمال، حتى إن جماعة لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ الشيخ غيره، (ثم) بعد الإخبار لفظ (أنبأنا ونبأنا) بتشديد الباء وهما قليلا الاستعمال فيما سمع من لفظ الشيخ وهذا قبل اشتهار استعمال " أنبأنا " في الإجازة، وأما بعده فقال العراقي: إن إطلاق أنبأنا بعد اشتهار استعمالها في الإجازة يؤدي أن نظن بما أداه بها أنه إجازة فيسقطه من لا يحتج بها، فينبغي أن لا يستعمل في السماع لِمَا حَدَثَ من الاصطلاح اهـ. (وبعدُ) بالبناء على الضم أي بعد أنبأنا ونبأنا (ضم) بالبناء للمفعول فعل ماض مغير الصيغة أو بصيغة الأمر.
وقوله (قال لنا) نائب فاعل على الأول ومفعول به على الثاني لقصد لفظه.
أي ضُمَّ قولَ القائل: قال لنا فلان، أو قال لي فلان إلى ما تقدم، أو ضمَّ أيها المحدث إلى ما تقدم قوله قال لنا إلخ (ودونه) أي دون ما تقدم
стр. 382
من أنبأنا ونبأنا، وليس المراد أنه دون قال لنا لأنهما في مرتبة واحدة، ولو قال: ومِثلهُ لكان أولى (لنا ذكر) أي هذا اللفظ فهو مبتدأ محكي لقصد لفظه خبره الظرف قبله.
يعني: أن قول الراوي ذكر لنا فلان، أو ذكر لي فلان دون قوله أنبأنا، فهي مثل حدثنا في كونه متصلًا لكنهم كثيراً ما يستعملون هذا فيما سمعوه في حال المذاكرات كما أشار إليه بقوله: (وفي المذاكرات) أي في حال المذاكرات مع الشيخ والمناظرة له متعلق بأبر (هذه) أي ذَكَرَ لنا، ولو قال: هذان إشارة إلى قال لنا، وذكر لنا لكان أولى، فقوله: هذه مبتدأ خبره قوله (أبر) أي أحسن.
وحاصل المعنى أن استعمال ذكر لنا وما أشبهه في أداء ما سمعه مذاكرة أحسن من حدثنا (وبعضهم) أي بعض العلماء، وهو ابن الصلاح مبتدأ خبره قوله (قال سمعت) أي استعمالها (أَخِّرَا) بالبناء للمفعول، والألف إطلاقية، يعني أن سمعت مؤخرة عن حدثنا، ونحوها، ويحتمل كونه فعل أمر والألف بدل من نون التوكيد، أي أخِّرَنْ أيها المحدث سمعت من حدثنا ونحوها، فقوله سمعت على الأول مبتدأ محكي خبره أَخِّرَا، وعلى الثاني مفعول مقدم لأَخِّرَا.
وحاصل المعنى: أن بعضهم قال إنّ سمعت مؤخرة عن نحو حدثنا لأنها لا تدل على أن الشيخ خاطبه بالحديث بخلاف حدثنا ونحوها كأنها تدل عليه، وقد سأل الخطيب شيخه الحافظ أبا بكر البرقاني عن السر في كونه يقول لهم فيما رواه عن أبي القاسم الأنبدوني سمعت، ولا يقول حدثنا، ولا أخبرنا، فذكر له أن أبا القاسم كان مع ثقته وصلاحه عَسِراً في الرواية، فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل، فلذلك يقول سمعت، ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا، لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده، قاله في التدريب.
стр. 383
(وقيل) أي قال بعضهم وهو الزركشي، والقطب القسطلاني، إنما تؤخر سمعت عن نحو حدثنا (إن) كان المحدث (على) وجه (العموم أخبرا) بألف الإطلاق أي أخبر النَّاس عموماً. يعني أنه إذا أخبر النَّاس على جهة العموم تكون حدثنا ونحوها أرفع من سمعت، وإلا فلا.
ولما أنهى الكلام على القسم الأول والصيغ المستعملة فيه شرع يذكر القسم الثاني، وهو القراءة فقال:
٣٥٦ - وَبَعْدَ ذَا قِرَاءَةٌ " عَرْضًا " دَعَوْا ... قِرَأتَهَا مِنْ حِفْظٍ اوْ كِتَابٍ أَوْ
٣٥٧ - سَمِعَتَ مِنْ قَارٍ لَهُ وَالْمُسْمَِعُ ... يَحْفَظُهُ، أَوْ ثِقَةٌ مُسْتَمِعُ
٣٥٨ - أَو ْأَمْسَكَ الْمُسْمَِعُ أَصْلاً أَوْجَرَى ... عَلَى الصَّحِيحِ ثِقَةٌ أَوْ مَنْ قَرَا
(وبعد ذا) أي بعد القسم الأول وهو السماع من لفظ الشيخ في الرتبة، فالظرف خبر مقدم لقوله (قراءة) على الشيخ يعني: أن قراءة الطالب على الشيخ يلي في المرتبة السماع من لفظه وقوله (عرضا) بفتح فسكون مفعول لـ (دعوا) أي سموه عرضا يعني أن العلماء وهم أكثر المحدثين من الشرق وخراسان سموا القراءة عرضا بمعنى أن القارئ يَعْرِضُ الحديث على الشيخ كما يَعْرِض القرآن على المُقْرِئ، وكان أصله وضع شيء على عُرْض (١) شيء آخر لينظر في استوائهما وعدمه.
لكن قال الحافظ في شرح البخاري: بين القراءة والعرض عموم وخصوص لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلا بالقراءة لأن العرض عبارة عما يعرض به الطالب أصل شيخه معه، أو مع غيره بحضرته فهو أخص من القراءة اهـ.
ثم إن القراءة تشمل القراءة بنفسه، أو بغيره، وهو يسمع من حفظه، أو كتابه وإليه أشار بقوله (قرأتها) أي الأحاديث بنفسك على الشيخ (من
стр. 384
حفظ) أي من ظهر قلبك (أو كتاب) لك أو للشيخ أو لغيره يعني أن قراءتك الأحاديث من حفظ أو من كتاب لا فرق بينهما.
(أو سمعت) القراءة (من قار) أصله قارئ فخففت الهمزة بالقلب، ثم أعل كإعلال قاض. (له) أي للحديث (و) الحال أن (المسمع) بصيغة اسم المفعول، أي الشيخ الذي يُسمِعُهُ الطالبُ قراءته، أو بصيغة اسم الفاعل، أي الشيخ الذي تصدى لإسماع النَّاس الحديث، والأول أولى، لأنه في هذه الصورة يسمعه القارئ قراءته، وإن كان في الأصل هو الذي يسمع الطالب حديثه في الغالب، فتأمل. وهو مبتدأ خبره قوله (يحفظه) أي الحديث المقروء عليه (أو ثقة) بالرفع عطفاً على فاعل يحفظ لفصله بالضمير المنصوب أي أو يحفظه (ثقة مستمع) لتلك القراءة غير غافل، ومسألة حفظ الثقة زادها العراقي على ابن الصلاح قال: لا فرق بين إمساك الثقة لأصل الشيخ وبين حفظ الثقة لما يقرأ.
(أو أمسك) الشيخ (المسمع) بالضبط المتقدم للحديث (أصلًا) أي أصله الذي سمعه من شيخه (أو جرى) في إمساك الأصل (على الصَّحِيح ثقة) فاعل جرى (أو من قرا) عطف عليه أي أو جرى في أمساك الأصل القارئ الذي قرأ الحديث، يعني أنه لا يشترط حفظ ذلك الحديث الذي يقرؤه الطالب بل إذا أمسك الشيخ أصله أو أمسك ثقة أو القارئ نفسه جاز في صحة العرض بل هذا هو الأولى، ولذا قال الحافظ ﵀: ينبغي ترجيح الإمساك في الصُّوَرِ كلها على الحفظ لأنه خَوَّان.
وَشَرَطَ أحمدُ في القارئ أن يكون ممن يعرف ويفهم، وشرط إمام الحرمين في الشيخ أن يكون بحيث لو فُرِضَ من القارئ تحريف أو تصحيف لَرَدَّه وإلا فلا يصح التحمل بها قاله في التدريب.
ثم ذكر اختلاف العلماء في حكم هذا القسم فقال:
٣٥٩ - وَالأَكْثَرُونَ حَكَوْا الإِجْمَاعَا ... أَخْذًا بِهَا وَأَلْغَوْا النِّزَاعَا
٣٦٠ - وَكَوْنُهَا أَرْجَحَ مِمَّا قَبْلُ أَوْ ... سَاوَتْهُ أَوْ تَأَخَّرَتْ: خُلْفٌ حَكَوْا
стр. 385
(والأكثرون) من المحدثين والفقهاء مبتدأ خبر قوله (حكوا الإجماعا) أي رووا إجماع العلماء وفي نسخة " قد حكوا إِجماعاً " (أخذا) منصوب بنزع الخافض أي على الأخذ (بها) أي بالقراءة.
وحاصل المعنى أن أكثر العلماء نقلوا إجماع السلف والخلف على صحة الرواية بالقراءة (وألغوا النزاعا) أي ردوا الخلاف المحكي في ذلك لكونه غير معتبر.
وهو ما حكي عن أبي عاصم النبيل، وعبد الرحمن بن سَلَّام الجمحي، ووكيع، ومحمد بن سلام، وغيرهم ممن كان يشدد من أهل العراق.
وممن قال بصحتها من الصحابة أنس وابن عباس وأبو هريرة ومن التابعين ابن المسيب، وأبو سلمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وابن هرمز، وعطاء، ونافع، وعروة، والشعبي، والزهري، ومكحول، والحسن، ومنصور، وأيوب.
ومن الأئمة ابن جريح، والثَّوري، وابن أبي ذئب، وشعبة والأئمة الأربعة، وابن مهدي، وشريك، والليث، وأبو عبيد، والبخاري، في خلق لا يحصون كثرة.
وعن إبراهيم بن سعد أنه قال: ألا تَدَعُون تَنَطُّعَكُم يا أهل العراق؟ العرضُ مثل السماع.
واستدل له أبو سعيد الحَدَّاد كما أخرجه البيهقي في المعرفة من طريق ابن خزيمة سمعت البخاري يقول: قال أبو سعيد الحداد عندي خبر عن النبي ﷺ في القراءة على العالم فقيل له؟ فقال: قصة ضمام بن ثعلبة قال: آلله أمرك بهذا قال نعم، ورجع ضمام إلى قومه، فقال لهم: إن الله بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً، وقد جئتكم من عنده مما أمركم به ونهاكم عنه، فأسلموا عن آخرهم.
стр. 386
قال البخاري: فهذا قول ضمام آلله أمرك قراءة على النبي ﷺ ، وأخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه أي قبلوه منه قاله السخاوي.
ثم إنهم اختلفوا هل هي أرجح من السماع أم مساوية له أو دونه، وإليه أشار بقوله: (وكونها) أي القراءة مبتدأ (أرجح مما قبل) أي من السماع من لفظ الشيخ (أو ساوته) أي صارت مساوية له في الرتبة (أو تأخرت) عنه (خلف) بضم فسكون خبر المبتدإ أي في هذه الوجوه اختلاف للعلماء (حكوا) صفة لخلف، أي محكى نقله العلماء عن المحدثين وغيرهم.
وحاصل معنى البيت أن العلماء في القراءة هل هي أرجح منه أو مساوية أو دونه اختلفوا على أقوال:
الأول: أنها أرجح، وهو محكي عن أبي حنيفة، وابن أبي ذئب، وغيرهما، ورواية عن مالك، والليث، وشعبة وابن لهيعة، ويحيى بن سعيد، وَيَحْيَى بن عبد الله بن بكير، وغيرهم.
وعللوه بأن الشيخ لو غلط لم يتهيأ للطالب الرَّدُّ عليه إما لجهله، أو لهيبة الشيخ، أو لظنه فيما يكون فيه المحل قابلًا للاختلاف أن ذلك مذهبه.
الثاني: هو المساواة محكى عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة، ومعظم أهل الحجاز، والكوفة، والبخاري، وغيرهم، وروي عن علي وابن عباس.
قال الناظم وعندي أن هؤلاء إنما ذكروا المساواة في صحة الأخذ بها رَدًّا على من أنكرها لا في اتحاد المرتبة اهـ.
والثالث: هو ترجيح السماع عليها محكي عن جمهور أهل المشرق وخراسان وهو الصَّحِيح.
стр. 387
قال السخاوي: لكن محله ما لم يَعْرِضْ عارض يُصَيِّرُ العرض أولى بأن يكون الطالب أعلم أو أضبط ونحو ذلك فالحق أن كل ما كان فيه الأمن من الغلط والخطأ أكثر كان أعلى مرتبة. وأعلاها فيما يظهر أن يقرأ الشيخ من أصله وأحدُ السامعين يقابلُ بأصل آخر ليجتمع فيه اللفظ والعرض اهـ.
ثم ذكر الصيغ المستعملة لأداء ما تحمله بالعرض فقال:
٣٦١ - وَفِي الأَدَا قِيلَ " قَرَأْتُ " أَوْ " قُرِي " ... ثُمَّ الَّذِي فِي أَوَّلٍ إِنْ تَذْكُرِ
٣٦٢ - مُقَيَّدًا قِرَاءَةً لا مُطْلَقًا ... وَلا " سَمِعْتُ " أَبَدًا فِي الْمُنْتَقَى
(وفي الأدا) بالقصر للضرورة أي أداء ما تحمله بالقراءة متعلق بـ (قيل) أي قال الراوي، ولو عبر بقال لكان أنسب (قرأت) على فلان، إن قرأ بنفسه (أو) قال (قري) بالبناء للمفعول وتخفيف الهمزة على فلان، إن قرأ، لكن يُصَرَح الحال بقوله وأنا أسمع فأقر به للأمن من التدليس.
قال ابن الصلاح: وهذا سائغ من غير إشكال (ثم) يلي (الذي) تقدم (في أول) أي القسم الأول وهو السماع من التحديث والإخبار والإنباء وغيرها (إن) شرطية (تذكر) بكسر الراء للروي أيها المحدث (مقيداً) بصيغة اسم الفاعل، أو المفعول، حال من الفاعل، أو المفعول. (قراءة) منصوب بنزع الخافض أي بقراءة (لا مطلقا) كضبط مقيداً، وإعرابه.
وحاصل المعني: أنه يلي قَرات وقُرِئ ما تقدم من صيغ الأداء في القسم الأول لكن بشرط أن يكون مقيداً بالقراءة نحو حدثنا فلان بقراءتي عليه، أو قراءة عليه وأنا أسمع، أو أخبرنا فلان بقراءتي، أو قراءة عليه، أو أنبأنا، أو نبأنا فلان بقراءتي، أو قراءة عليه، أو قال لنا فلان بقراءتي، أو قراءة عليه أو نحو ذلك.
وتقول في الشعر أنشدنا قراءة عليه.
ولا يطلقه كحدثني فلان، أو حدثنا، أو أخبرني، أو أنبأني. إلخ.
стр. 388
وأما سمعت فلا يجوز ذكرها مطلقاً كما ذكره بقوله (ولا) تقل (سمعت) فلاناً يقول كذا (أبداً) أي مطلقاً يعني سواء قيدته بقراءة أو لا (في المنتقى) أي في القول المختار الذي صححه القاضي أبو بكر الباقلاني، واستبعد ابن أبي الدم الخلاف، وقال ينبغي الجزم بعدم الجواز لأن سمعت صريحة في السماع لفظاً.
وصرح أحمد بن صالح المصري بعدم جوازها أيضاً، ومثله عن غيره، ومقابل الأصح ما حكي عن مالك والسفيانين من تجويزهم سمعت أيضاً.
ثم ذكر الخلاف في حدثنا وأخبرنا فقال:
٣٦٣ - وَالْمُرْتَضَى الثَّالِثُ فِي الإِخْبَارِ ... يُطْلَقُ لا التَّحْدِيثُ فِي الأَعْصَارِ
(و) القول (المرتضى) عند العلماء المحقيقين مبتدأ (الثالث) من الأقوال صفة للمرتضى، أو بدل منه (في الإخبار) بكسر الهمزة متعلق بالمرتضى، أو بالثالث، أو حال من أحدهما وجملة (يطلق) خبر المبتدإ أي يجوز إطلاقه.
وحاصل المعنى: أن القول المختار في أخبرنا من الأقوال الثلاثة جواز إطلاقه فيما تحمله بالعرض (لا التحديث) نائب فاعل لمحذوف أي لا يطلق التحديث أي ما تصرف منه، ولا يعطف على الضمير في يطلق لعدم الفصل، وقيل يجوز في الشعر، يعني أنه لا يجوز إطلاق حدثنا ونحوها في أداء ما تحمله بالعرض (في الأعصار) جمع عصر أي في جميع أعْصَارِ، أي زمان المحدثين حيث شاع بينهم، واصطلحوا عليه فجعلوا أخبرنا قائماً مقام قوله أنا قرأته، لا أنه لفظ لي به، والجار متعلق بيطلق.
وحاصل معنى البيت: أنهم اختلفوا في إطلاق حدثنا وأخبرنا في القراءة على ثلاثة مذاهب.
الأول: جواز إطلاقهما مقيدا قراءة وهو الذي تقدم في قوله الذي في أول إن تذكر مقيداً إلخ.
стр. 389
وهو مذهب ابن المبارك وَيَحْيَى بن يَحْيَى التميمي وأحمد بن حنبل والنسائي وغيرهم قال الخطيب: وهو مذهب خلق كثير من أصحاب الحديث، والثاني: الجواز مطلقاً وهو المطوي في قوله الثالث: وهو مذهب الزهري وأبي حنيفة وصاحبيه ومالك والثَّوري وابن عيينة وَيَحْيَى القطان، والبخاري، وجماعة من المحدثين، ومعظم الحجازيين، والنضر بن شميل ويزيد بن هارون، وأبي عاصم النبيل، ووهب بن جرير، وثعلب، والطحاوي، وغيرهم.
الثالث: المنع في حدثنا والجواز في أخبرنا وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق، وقيل إنه مذهب أكثر المحدثين، عزاه لهم محمد بن الحسن التميمي الجوهري في كتاب الإنصاف، قال: فإن أخبرنا عَلَم يقوم مقام قائله أنا قرأته عليه، لا أنه لفظ به لي. وروي عن ابن جريح والأوزاعي وابن وهب وروي عن النسائي أيضاً.
وقال ابن الصلاح: وصار الفرق بينهما هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والاحتجاج له من حيث اللغة فيه عناء وتكلف، وخير ما يقال فيه أنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين، ثم خصص النوع الأول بحدثنا لقوة إِشعاره بالنطق والمشافهة اهـ.
وقال السخاوي: واستشهد له بعض الأئمة بأنه لو حلف أن من أخبره بكذا فهو حر ولا نية له فأخبره بذلك بعض أقاربه بكتاب أو رسول أو كلام عتق بخلاف ما لو قال من حدثني بكذا فإنه لا يعتق إلا إن شافهه زاد بعضهم والإشارة مثل الخبر.
وقال ابن دقيق العيد: حدثنا يعني في العرض بعيد من الوضع اللغوي بخلاف أنبأنا فهو صالح لما حدث به الشيخ، ولما قرئ عليه فأقر به فلفظ الإخبار أعم من التحديث فكل تحديث إخبار ولا ينعكس.
(فائدة): قول الراوي أخبرنا سماعاً أو قراءةً هو من باب قولهم أتيته سعياً وكلمته مشافهة وللنحاة فيه مذاهب:
стр. 390
أحدهما: وهو رأي سيبويه أنها مصادر وقعت موقع فاعل حالاً كما وقع المصدر موقعه نعتاً في زيد عدل وأنه لا يستعمل منها إلا ما سمع ولا يقاس، فعلى هذا استعمال الصيغة المذكورة في الرواية ممنوع لعدم نطق العرب بذلك.
الثاني: وهو للمبرد أنها ليست أحوالاً بل مفعولات لفِعْل مضمر من لفظها وذلك المضمر هو الحال، وأنه يقاس في كل ما دل عليه الفعل المتقدم، وعلى هذا تُخَرَّجُ الصيغة المذكورة، بل كلام أبي حيان في تذكرته يقتضي أن أخبرنا سماعاً مسموع، وأخبرنا قراءة لم يسمع، وأنه يقاس على الأول على هذا القول.
الثالث: وهو للزجاج قال بقول سيبويه فلا يضمر لكنه مقيس.
الرابع: وهو للسيرافي قال: هو من باب جلست قعودا منصوب بالظاهر مصدر معنوياً. اهـ تدريب.
ثم ذكر كيفية الأداء من حيث الإفراد والجمع فقال:
٣٦٤ - وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ " حَدَّثَنِي " ... وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ " أَخْبَرَنِي "
٣٦٥ - وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً " حَدَّثَنَا " ... وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا " أَخْبَرَنَا "
٣٦٦ - وَحَيْثُ شُكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ ... أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدّ
(واستحسنوا) أي كافة العلماء كما عزاه الخطيب إليهم (لِمُفْرد) أي لمن سمع من شيخه وهو منفرد أن يقول في الأداء " حدثني " مفعول به لاستحسنوا محكي، يعني أنهم استحسنوا لمن سمع وحده أن يقول في الأداء حدثني فلان بالإفراد واستحسنوا لـ (قارئ بنفسه) على الشيخ وليس معه غيره أن يقول في الأداء (أخبرني) فلان بالإفراد، وفيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور.
يعني أن العلماء استحسنوا للقارئ بنفسه منفرداً أن يقول أخبرني فلان بالإفراد (وإن) شرطية (يحدث) الشيخ (جملة) أي جماعة من الطلبة