← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 10312

شرح الأثيوبي على ألفية السيوطي في الحديث = إسعاف ذوي الوطر بشرح نظم الدرر في علم الأثر

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (847 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عنهم ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول، لأن الثقة بها أثبت لما يدخل من الوهم على السامع والمسمع، (والأصح) من الأقوال، وهو الذي عليه المحققون أنها (تلي) السماع، بل والقراءة في الرتبة: فهي منحطة عنهما. وهذا قول سفيان الثَّوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، والبويطي، والمزني، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن يَحْيَى، ومالك. وقال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب، واحتج له بقوله ﷺ : " نضر الله امراً سمع مقالتي فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها " (١)، وبقوله ﷺ : " تسمعون ويسمع منكم " (٢) فإنها لم يذكر فيها غير السماع، فدل على أفضليته. (وسبقها) مبتدأ خبره قوله " وضح " أي سبقُ المناولةِ المقرونةِ بالإجازة أي تقدمها في الرتبة (إجازة) أي مجردة من المناولة (وضح)، لأن تلك مختلف فيها دون هذه، لما ذكرنا من الإجماع، وإنما أخرت عنها في الذكر، لأنها جزء لأول نوعيها، أو لكون الإجازة تشمل المروي الكثير بخلافها على الأغلب، أو لقلة استعمال المناولة على الوجه الأكمل الفاضل، أو لاشتمال كل منهما على فاضل ومفضول، إذ أول أنواع الإجازة، أعلى من ثاني نوعي المناولة، فلم ينحصر لذلك التقديم في واحد، وحينئذ فقدمت الإجازة لكثرة استعمالها. ثم إنه بقي من صُوَرِ هذا النوع الذي هو المناولة المقرونة بالإجازة صورتان: الأولى هي المناولة ثم الاسترداد، وإليه أشار إليه بقوله: ٤٠٥ - وَصَحَّ إِنْ نَاوَلَ وَاسْتَرَدَّا ... وَمِنْ مُسَاوِي ذَاكَ الاصْلِ أَدَّى (وصح) التحمل (إن) شرطية (ناول) أي أعطى الشيخ الطالب الكتاب ونحوه، مع الإجازة له بروايته (و) لكنه (استردا) بألف الإطلاق، أي طلب

стр. 422

رد ما أعطاه في الوقت، ولم يمكنه منه بل أمسكه الشيخ عنده. وحاصل المعنى: أنه إن ناول الشيخ مرويه الطالب ثم استرده في الحال، فقد صح هذا الصنيع منه فتجوز الرواية، والعمل به، ولكنه دون ما سبق لعدم اطلاع الطالب على ما يحمله وغيبته عنه. ويحتمل كون أن مصدرية، وهي وصلتها في تأويل المصدر فاعل صح والمعنى عليه وصح مناولة الشيخ مرويه الطالب واسترداده منه أي فتجوز الرواية والعمل به (و) لكن إذا أراد الطالب الرواية لذلك (من مساوي ذاك الأصل) أي من كتاب مساو لما أعطاه الشيخ، والجار والمجرور متعلىّ بقوله: (أدى) أي روي، والجملة مستأنفة، أي عليه أن يؤدي من مساوي ذلك الأصل، أو أدى عطف على ناوله فهو من جملة فعل الشرط أي إن أدى من مساوي ذلك الأصل صح. وحاصل المعنى: أن الطالب المُنَاوَلَ على هذه الكيفية، إذا أراد رواية ما تحمله على هذا الوجه يلزمه أن يؤديه من مساوي ذلك الكتاب المردود، بأن وجد فرعاً مقابلًا به موثوقاً بموافقته ما تناولته الإجازة كما يعتبر ذلك في الإجازة المجردة، ومن باب أولي إن أداه من ذلك الأصل المسترد منه إن ظفر به وغلب على ظنه سلامته من التغيير. ثم إن هذهِ المناولة لا مزية لها على الإجازة المعينة، وإليه أشار بقوله: ٤٠٦ - قِيلَ: وَمَا لِذِي مِنْ امْتِيَازِ ... عَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجَازِ (قيل) أي قال جماعة من أصحاب الفقه والأصول (وما) نافية (لِذِي) أي لهذه المناولة المذكورة خبر مقدم لقوله: (من) زائدة (امتياز) أي تميز، وفضل (عَلَى الَّذِي عُيِّنَ) بالبناء للمفعول (مِنْ مُجَازِ) بضم الميم بيان للموصول أي من كتاب معين مجاز به. وحاصل معنى البيت: أن جماعة من العلماء قالوا: لا مزية لهذه المناولة على الكتاب الذي عين في الإجازة مجرداً عنها، فلا تأثير لها، ولا

стр. 423

فائدة غير أن شيوخ أهل الحديث في القديم والحديث، أو مَنْ حُكِيَ ذلك عنه منهم يرون لذلك مزية معتبرة. أفاده ابن الصلاح. ثم أشار إلى الصورة الثانية وهي إحضار الطالب الكتاب للشيخ واستحازته من غير تصفحه بقوله: ٤٠٧ - وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ ... وَمَا رَأَى: صَحَّ، وَإِلاَّ فَلْيُرَدّ (وإن يكن أحضره) أي الكتاب إلى الشيخ، والجملة خبر مقدم ليكن على اسمها، واسمها قوله: (من يعتمد) بالبناء للمفعول أي الطالب الذي يعتمد عليه لإتقانه وثقته (و) الحال أنه (ما) نافية (رأى) الشيخ في ذلك الكتاب (صح) جواب إن، أي صح صنيعه هذا. وحاصل المعنى: أنه إذا أحضر الطالب الكتاب إلىِ الشيخ، وقال له: هذا روايتك فناولنيه، وأجز لي روايته، فأجابه إليه معتمداً عليه لإتقانه وثقته من غير نظر فيه، ولا تحقق لروايته له صحت المناولة والإجازة، كما يصِح الاعتماد على الطالب في القراءة على الشيخ إذا كان موثوقاً به معرفة وديناً. وأما إذا لم يكن الطالب ممن يعتمد عليه فلا تصح الإجازة فضلاً عن المناولة، كما أشار إليه بقوله: (وإلا) يكن الطالب الذي أحضر الكتاب معتمداً على خَبَرِهِ، ولا يوثق بخِبْرَتِهِ (فليرد) بالبناء للمفعول أي هذا الصنيع إذ لا يصح الاعتماد على غير موثوق به. لكن إن تبين بعد ذلك بخبر من يعتمد عليه أن ذلك من مروياته، فهل يحكم بصحة الإجازة والمناولة السابقتين؟ قال العراقي: لم أرَ من تعرض لذلك، والظاهر نعم، لزوال ما كنا نخشاه من عدم ثقة المخبر اهـ. فلو قال: حَدِّث عني بما فيه إن كان من حديثي صح، بل كان حسناً كما أشار إليه بقوله: ٤٠٨ - فَإِنْ يَقُلْ: " أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا " ... صَحَّ وَيُرْوَى عَنْهُ حَيْثُ بَانَا

стр. 424

(فإن يقل) الشيخ في الصورة المذكورة، سواء كان الطالب معتمداً عليه، أم لا؟ (أجزته) لك (إن كانا) بألف الإطلاق أي الكتاب من حديثي (صح) جواب إن أي صح هذا القول وكان حسناً فتصح الرواية به، يعني أنه إذا قال: حَدِّث بما في هذا الكتاب الذي أحضرتَهُ عني إن كان من حديثي صح التحمل فيروي به. لكن زاد الخطيب كما نقله ابن الصلاح عنه قَوْلَهُ: مع براءتي من الغلط والوهم. قال العراقي: ويدخل فيه الصورتان ما إذا كان من أحضر الكتاب ثقة معتمداً، وما إذا كان غير موثوق به، فإن كان ثقة جازت الرواية بهذه المناولة والإجازة، وإن كان غير ثقة لكن تبين بخبر من يوثق به أن ذلك الذي ناوله الشيخ كان من مروياته جازت روايته كذلك وإليه أشار بقوله: (وَيروِي) ذلك الطالب ما في الكتاب (عنه) أي عن ذلك الشيخ (حيث بانا) أي ظهر واتضح كونه من مروياته، وذلك بكون المحضر ثقة، أو بإخبار ثقة بكونه من مروياته. وممن فعله مالك. ولما أنهى الكلام على الضرب الأول من ضَرْبَي المناولة، وهي المقرونة بالإجارْة شرع يبين الضرب الثاني، وهي المجردة عنها، وهي قسمان: باطلة بالاتفاق، ومختلف فيها، وإلى الأول أشار بقوله: ٤٠٩ - وَإِنْ يُنَاوِلْ لا مَعَ الإِذْنِ وَلا ... " هَذَا سَمَاعِي ": فَوِفَاقًا بَطَلا (وإن يناول) الشيخ الطالب شيئاً من مروياته، ملكاً، أو عارية، ليستنسخ منه، أو أحضر الطالب إليه شيئاً منه فتصفحه وعرف ما فيه، ثم دفعه إليه (لا مع الإذن) في الرواية (ولا) قال له (هذا) الكتاب أو الحديث (سماعي) على الشيخ الفلاني، ولا مما أُجِيزَ لي في روايته (فوفاقاً) بين العلماء (بطلا) هذا التحمل، فلا تجوز الرواية به.

стр. 425

وحاصل معنى البيت: أنه إن ناول الشيخ الطالب الكتاب، أو أحضره هو ولم يأذن له في الرواية، ولا قال له إنه يسماعي، أو مُجَازِي، لم تجز المناولة بالاتفاق، كما قال الزركشي. والقسم الثاني: وهو المختلف فيه أشار إليه بقوله: ٤١٠ - وَإِنْ يَقُلْ: " هَذَا سَمَاعِي " ثُمَّ لَمْ ... يَأْذَنْ: فَفِي صِحَّتِهَا خُلْفٌ يُضَمّ (وإن يقل) الشيخ عند المناولة (هذا) الكتاب أو الحديث (سماعي) على الشيخ الفلاني، أو نحوه (ثم لم يأذن) له في الرواية بل اقتصر على قوله المذكور (ففي صحتها) أي المناولة الخالية عن الإذن، متعلق بيضم (خُلْفٌ) بالضم، أي اختلاف بين العلماء، مبتدأ خبره جملة قوله: (يُضَمّ) بالبناء للمفعول، أي يجمع إلى الخلاف في الأنواع المتقدمة. وحاصل معنى البيت: أنه إذا قال الشيخ هذا الكتاب سماعي أو مَجَازِي، أو نحو ذلك ولم يأذن له في الرواية فقد اختلف فيه العلماء فقيل: تصح وتجوز الرواية بها، حكاه الخطيب عن طائفة من العلماء. وقال ابن الصلاح: إن الرواية بها تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ، لما فيه من المناولة، فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الرواية اهـ. ويدل عليه: حديث أمير السَّرِيَّة الذي تقدم كما قاله الناظم. قال: وعندي أن يقال: إن كانت المناولة جواباً لسؤال كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك، فناوله، ولم يصرح بالإذن صحت، وجاز له أن يروده اهـ. وبالغ بعضهم فقال: إنها قريب من السماع إذا لم يأذن له في الرواية لاشتراكهما في العلم بالمروي، وقيل: يصح العمل بها دون الرواية. والأصح أنها باطلة، لعدم التصريح بالإذن فيها، قاله السخاوي.

стр. 426

قلت: الذى يظهر أنها صحيحة على الوجه الذي قاله الناظم قريباً (١). ثم ذكر صيغ الأداء لمن تحمل بالإجازة والمناولة، فقال: ٤١١ - وَمَنْ يَنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ فَلْيَقُلِ: ... " أَنْبَأَنِي " " نَاوَلَنِي " " أَجَازَ لِي " ٤١٢ - " أَطْلَقَ " أَوْ " أَبَاحَ " أَوْ " سَوَّغَ " أَوْ ... " أَذِنَ " أَوْ مُشْبِهَ هَذِي، وَرَأَوْا ٤١٣ - ثَالِثَها مُصَحَّحًا أَنْ يُورَِدَا ... " حَدَّثَنَا " " أَخْبَرَنَا " مُقَيَِّدَا ٤١٤ - وَقِيلَ: قَيِّدْ فِي مُجَازٍ قَصَرَا ... وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِخَبَّرَا (وَمَنْ) شرطيهْ (يَنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ) بالبناء للمفعول، أي يناول الشيخ مرويه، أَو يجيزه له (فليقل) جواب الشرط، أي عند أدائه (أنبأني) فلان، أو أنبأنا، في المناولة والإجازة، و (ناولني) فلان، أو ناولنا في المناولة، (وأجاز لي)، أو أجازنا في الإجازة المجردة عن المناولة، (أو أطلق) لي روايته عنه (أو أباح) لي، وفي نسخة الشارح " أطلقه، أو باح "، والموأَفق لسائر الكتب ما في نسخة المحقق، وهو ما هنا، (أو سوغ) لي، أي جوز لي روايته (أو أذن) لي في روايته. (أَوْ مُشْبِهَ هَذِي) الألفاظ المذكورة، من كل عبارة مشعرة بالواقع، وفي نسخة الشارح أو شَبَهَ هذي. وحاصل المعنى: أن مَن تحمل الحديث بالمناولة، أو الإجازة، يقول: في الأداء أنبأني، ناولني، أجاز لي، أو أطلق لي روايته، أو ما أشبه ذلك مما يبين الواقع. وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا فالصَّحِيح منعه إلا مقيداَّ، وإليه أشار بقوله: (ورأوا) أي العلماء (ثالثها) بالنصب مفعول أول لرأوا، والضمير راجع إلى الأقوال، وقوله (مصححا) مفعول ثان له، أي رأى العلماءُ ثالث الأقوال محكوماً بصحته (أن) مصدرية (يوردا) بالبناء للفاعل، أو المفعول، والألف للإطلاق، وقوله: (حدثنا أخبرنا) مفعول به، أو نائب فاعل، (مقيدا) بصيغة

стр. 427

اسم الفاعل، أو المفعول، حال من الفاعل، أو المفعول، أي حال كونه مقيداً هذين اللفظين، أو حال كون كل منهما مقيداً بعبارة تبين الواقع في كيفية التحمل. وأن وصلتها في تأويل المصدر بدل من ثالثها أو خبر لمحذوف أي هو إيراد حدثنا إلخ. وحاصل المعنى: أن العلماء رأوا إيراد حدثنا وأخبرنا مقيداً ببيان الواقع صحيحاً، فيقول: حدثنا فلان إجازة أو مناولة، وأخبرنا فلان إجازة أو مناولة، أو نحو ذلك. وحاصل المسألة: أنهم اختلفوا في إيراد حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمناولة، فجوزه بعضهم، وحكى عن ابن جريج وجماعة من المتقدمين، وحكى أنه مذهب مالك، وأهلِ المدينة، قيل: إنه مذهب عامة حفاظ الأندلس، ومنهم ابن عبد البر. والثاني: جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في المناولة، لا في الإجازة المجردة، حُكِيَ ذلك عن الزهري، ومالك، وغيرهما، وهو اللائق بمذهب جميع من سبقت الحكاية عنهم أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة سماعاً، وإلى هذا أشار بقوله: (وقيل) أي قال بعضهم: (قيد) أيها المحدث بعبارةٍ تُبَيِّنُ الواقعَ كما تقدم (في مجاز) بضم الميم مصدر ميمي لأجازَ أي إجازة (قَصَراً) عن المناولة يعني: أنها إجازة مجردة، يقال: قَصَرَ عن الشيء قصوراً من باب قَعَد: عجز عنه، وقَصَر السهم عن الهدف، إذا لم يبلغه وَقَصُرَ الشيءُ بالضم قِصَراً كعِنَبِ ضد طال أفاده الفيومي. وحاصل المعنى: أن بعضهم قال بوجوب التقييد في الإجازة المجردة عن المناولة، فيقول: حدثنا إجازة أو أخبرنا إجازة، وأما الإجازة مع المناولة، فلا يجب تقييدها. قلت: وهذا القول لم يظهر لي وجه ذكره بعد قوله: ثالثها لأنه القول الثاني المطوي تحته فهو مكرر لأن القول الأول هو الجواز مطلقاً، والثاني: جوازه في المناولة المقرونة بالإجازة ووجوب تقييده في الإجازة المجردة

стр. 428

فهذان هما المطويان في قوله ثالثها، وهو التقييد فيهما وهو الذي صححه، فليتأمل. (وبعضهم) أي بعض المحدثين، وهو الإمام أبو عمرو الأوزاعي، مبتدأ خبره قوله: (يخصه) أي المُجَاز القاصرَ بمعنى الإجازة، (بخبرا) بتشديد الباء يعني أن الأوزاعي يخص الإجازة بخبرنا بالتشديد، ويجعل أخبرنا بالهمزة للقراءة. قال العراقي: ولم يخل من النزاع من جهة أن معنى خَبَّرا وأخبر واحد، في اللغة والاصطلاح، بل قيل: إن خَبَّر أبلغ. وكان للأوزاعي أيضاً في الرواية بالمناولة اصطلاح، قال عمرو بن أبي سلمة: قلت له في المناولة أقول فيها: حدثنا، فقال: إن كنت حدثتك فقل حدثنا، فقلت فما أقول قال: قل قال أبو عمرو، أو عن أبي عمرو قاله السخاوي ﵀. ولما استعمل بعضهم لفظاً موهماً في الإجازة كتابة أو شفاهاً حيث يقول: أخبرنا شيخنا كتابة، أو أخبرنا مشافهة، أو نحو ذلك بينه بقوله: ٤١٥ - وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي بِنَحْوِ " لِي كَتَبْ " ... " شَافَهَ " وَهْوَ مُوهِمٌ فَلْيُجْتَنَبْ ٤١٦ - فِي الاقْتِرَاحِ مُطْلَقًا لا يَمْتَنِعْ ... " أَخْبَرَ " إِنْ إِسْنَادَ جُزْءٍ قَدْ سَمِعْ (وبعضهم) أي بعض المحدثين من المتأخرين (يروي) ما أجازه شيخه بالكتابة (بنحوا قوله: (لِي كَتَب) فلان وأخبرني كتابة، أو في كتابة، ويروي في الإجازة باللفظ (شافهني)، وأخبرنا مشافهة، (وهو) أي هذا الاستعمال (موهم) بصيغة اسم الفاعل، أي موقع في الوَهَم أي الغلط (فَلْيُجْتَنَبْ) أي فليتبعد عنه، لما فيه من خطر الإيهام. وحاصل معنى البيت: أن بعض أهل الحديث كالحاكم استعمل لفظاً موهماً تجوزاً فيما تحمله بالإجازة كتابة، أخبرنا فلان كتابة، أو مكاتبة، أو في كتابة، أو كتب لي، أو كتب إِلَيَّ.

стр. 429

وفيما أجازه بلفظه شفاهاً أخبرنا فلان مشافهة، أو شافهني، وحُكِيَ الشق الأول عن أبي نعيم كان يقول في الإجازة حدثني فلان في كتابه، أخبرنا فلان في كتابه ونحو ذلك، وهذا الاستعمال كثير بين المتأخرين من بعد الخمسمائة، وهَلمَّ جَرَّا، قاله السخاوي. وهذا الاستعمال ينبغي اجتنابه حذراً من الإيهام إدْ لا يسلم مَنِ استعملها من الإيهام وطَرَف من التدليس، أما المشافهة فتوهم مشافهة بالتحديث، وأما الكتابة فتوهم أنه كتب إليه بذلك الحديث بعينه، كما كان يفعله المتقدمون قاله العراقي. لكن بعد أن صار اصطلاحاً ارتفع هذا الإيهام بسبب العرف الخاص أفاده الناظم. وقال الإمام الفقيه الحافظ المجتهد تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي، صاحب التصانيف، الشهير بابن دقيق العيد، وُلدَ في شعبان سنة ٦٢٥ ومات في صفر سنة ٧٠٢ هـ (فى) كتابه المسمى بـ (الاقتراح)، في بيان الاصطلاح، ومعنى الافتراح في الأصل: مصدر اقترح الشيء ابتدعه من غير مثال سبق، ومعناه هنا: أن هذا المؤلف مقترح أي لا نظير له في بابه فقوله في الاقتراح متعلق بقال كما قدرناه وجملة لا يمتنع أخبر مقول له (مطلقاً) حال مقدم من أخبر أي حال كونه غير مقيد بشيء مما تقدم (لا يمتنع أخبر) جملة من فعل وفاعل، فأخبر فاعل، محكي لقصد لفظه، أي إطلاق لفظ أخبرنا، أو أخبرني (إن) كان الراوي (إسناد جزء) مفعول مقدم لقوله: (قد سمع) من الشيخ. وحاصل معنى البيت: أن الإمام أبا الفتح ابن دقيق العيد، قال في كتابه الاقتراح: لا يمتنع إطلاق أخبرنا وأخبرني غير مقيد إن سمع من الشيخ الإسناد وناوله الكتاب، لأنه أخبره بالكتاب وإن كان جُمْلِيًّا فلا فرق بينه وبين التفصيل اهـ. ثم إن المتأخرين استحسنوا فيما إذا شك في سماع شيخه من شيخه مع تحقق إجازته استعمال عن وأن وكذا في الإجازة وإليه أشار بقوله:

стр. 430

٤١٧ - وَ " عَنْ " وَ " أَنَّ " جَوَّدُوا فِيمَا يَشُكّ ... سَمَاعَهُ، وَفِي الْمُجَازِ مُشْتَرَكْ (وَعَنْ وَأَنَّ) أي استعمالهما، مبتدأ خبره جملة قوله: (جَوَّدُوا) أي جعله المتأخرون جيداً حسناً (فيما) أي في أداء الحديث الذي (يشك) بالبناء للفاعل، أي يرتاب فيه الرواي، أو للمفعول وقوله: (سماعه) مفعول به على الأول، ونائب فاعل على الثاني، أي سماع شيخه من شيخه. وحاصل المعنى: أنه إذا شك الراوي في سماع شيخه من شيخه مع تحقق إجازته له فقد استحسن المتأخرون استعمال عن وأن (و) جودوا أيضاً (في) أداء (المجاز) بالضم اسم مفعول من أجاز أي الحديث المجاز به. يعني: أنهم استحسنوا أيضاً استعمال عن وأن في أداء ما سمعه من شيخه الراوي ذلك الشيخ عن شيخه بالإجازة فيقول فيمن سمع شيخاً بإجازته عن شيخ: قرأت على فلان عن فلان وقوله: (مشترك) بصيغة اسم المفعول، خبر لمحذوف أي ما ذكر مِنْ عَنْ وأن مشترك بين السماع والإجازة صادق عليهما. فوائد: الأولى: مسألة استعمال عن وأن قد تقدم في المعنعن وتقدم هناك أن استعمالهما في الإجازة للمشارقة، وأما المغاربة فيستعملونهما معاً، فَما هُناك بيان لاصطلاح المشارقة، وما هنا بيان لاصطلاح المغاربة. وأيضاً ما تقدم لبيان أنه لا يخرج عن حكم الاتصال، وإعادته هنا لما فيه من الزيادة، وليكون منضماً لما يشبهه من الاصطلاح الخاص. الثائية: قال ابن مالك ومعنى " عن " في رويت عن فلان أنباتك عن فلان المجاوزة لأن المروي والمنبأ به مجاوز لمن أخذ عنه أهـ. الثالثة: أن المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا في الإجازة والمناولة لا يزول بإباحة المجيز ذلك، كما اعتاده قوم من المشايخ في إِجازتهم لمن

стр. 431

يجيزون إن شاء قال: حدثنا وإن شاء قال: أخبرنا لأن إباحة الشيخ لا يُغَيَّرُ بها الممنوع في المصطلح. ثم ذكر النوع الخامس من أنواع التحمل، وهو الكتابة. فقال: ٤١٨ - خَامِسُهَا: كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ ... يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ ٤١٩ - يَكْتُبَ عَنْهُ، فَمَتَى أَجَازَا ... فَهِيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا ٤٢٠ - أَوْ لا، فَقِيلَ لا تَصِحُّ وَالأَصَحّ ... صِحَّتُهَا، بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ (خامسها) أي خامس وجوه التحمل مبتدأ خبره قوله: (كتابة الشيخ) بشيء من مرويه، حديثاً فأكثر، أو من تصنيفه، أو نظمه، ويرسله إلى الطالب مع ثقة، مؤتمن، بعد تحريره بنفسه، أو بثقة معتمد، وشَدِّه، وختمه، احتياطاً، ليحصل الأمن من توهم تغيير، وذلك شرط إن لم يكن الحامل مؤتمناً، أفاده السخاوي. (لمن يغيب) أي لشخص يغيب عن مجلس الشيخ (أو يحضر) مجلسه، سواء كانت الكتابة بنفسه، وهو أعلى (أو) غيره بأن (يأذن) له (أن يكتب عنه) بالبناء للمفعول أي يكتب عن الشيخ. يعني: أنه أمر من يكتب عنه لشخص غائب أو حاضر سواء كان لضرورة أم لا؟ وسواء سئل في ذلك أم لا؟. ويبدأ في الكتابة بنفسه اقتداء بالنبي ﷺ ، فيقول: بعد البسملة من فلان ابن فلان، إلى فلان ابن فلان، فإن بدأ باسم المكتوب إليه فقد كرهه غير واحد من السلف، وكان أحمد بن حنبل ﵀ يستحب إذا كتب الصغير إلى الكبير أن يقدم اسم المكتوب إليه، وأما هو فكان يبتدئ باسم من يكاتبه كبيراً كان أو صغيراً تواضعاً، قاله السخاوي. ثم أشار إلى أنها على نوعين الأول ما اقترن بالإجازة، كما قال: (فمتى أجازا) بألف الإطلاق أي الشيخ بخطه، أو بإذنه بقوله: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك، أو نحو ذلك من العبارة، فقوله: " متى "

стр. 432

شرطية جوابها. قوله: (فهي كمن ناول) أي الكتابة المقرونة بالإجازة منزلة منزلة من نَاوَلَ كتابَهُ للطالب مع الاقتران بالإجازة كما أشار إليه بقوله: (حيث امتازا) بألف الإطلاق أي تميز هذا الفعل بسبب اقترانه بالإجازة. وحاصل المعنى: أنه إذا اقترنت الكتابة بالإجازة فهي في القوة والصحة كالمناولة المقرونة بالإجازة، وعلى هذا مشى البخاري في صحيحه، إذ سوى بين المناولة والمكاتبة، فقال: " باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان ". ورجح قوم، منهم الخطيب المناولة عليها، لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة، وهذا وإن كان مرجحاً، فالمكاتبة تترجح أيضاً بكون الكتابة لأجل الطالب. ثم أشار إلى النوع الثاني وهو مجرد الكتابة بقوله: (أولا) أي لم يجز الشيخ بأن جرد الكتابة عن الإجازة (فـ) ـفيه اختلاف بين العلماء على قولين: (قيل) إنها (لا تصح) كالمناولة المجردة، وهو قول أبي الحسن الماوردي، صاحب الحاوي، والسيف الآمدي، وأبي الحسن بن القطان، ولكن هذا القول غلط (والأصح) من القوليين المشهورُ بين أهل الحديث المتقدمين والمتأخرين، مبتدأ خبره قوله: (صحتها) أي الكتابة المجردة عن الإجازة. وحاصل المعنى: أن الكتابة المجردة اختلف فيها فمنع الرواية بها قوم كما ذكرنا. وأجاز كثيرون منهم أيوب السختياني، ومنصور بن المُعْتَمِر، والليث بن سعد، وابن أبي سَبْرَةَ، وغيرهم، وهو الأصح، قال القاضي عياض ﵀: لأن في نفس كتابه إليه بخطه، أو إجابته إلى ما طلبه عنه من ذلك، أقوى إذن، متى صح عنده أنه خطه وكتابه. وقد استمر عمل السلف فمن بعدهم من الشيوخ بالحديث بقولهم: كتب إلى فلان قال: حدثنا فلان، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا الحديث وَعَدِّهِ في المسند بغير خلاف في ذلك.

стр. 433

قال البيهقي: وكُتُبُ النبيِّ ﷺ ، إلى عمَّالِه بالأحكام شاهدةٌ لقولهم. وبعضهم جعلها أقوى من الإجازة، كما أشار إليه بقوله: (بل وإجازة) بالنصب مفعول (رجح) أي زاد قوة، يقال: رجح الشيء رجوحاً من باب تعد: إذا زاد وزنه، ويستعمل متعدياً أيضاً أفاده في المصباح. قلت: والمناسب هنا الثاني لتعديه إلى إجازة، يعني: أن الكتابة المجردة عن الإجازة تكون أقوى من الإجازة بغير كتابة عند بعضهم، وهو أبو المظفر السمعاني. قال السخاوى: وإلى ذلك صار جماعة من الأصوليين منهم إمام الحرمين، وكأنه لِمَا فيها من التشخيص والمشاهدة للمروي من أول وهلة، وإن توقف بعض المتأخرين في ذلك لاستلزامه تقديم الكتابة على التصريح. ثم إنه لا تشترط البينة على أنه كتابه، بل يكفي معرفة المكتوب إليه أنه خطه، كما أشار إليه بقوله: ٤٢١ - وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطّ ... كَاتِبِهِ، وَشَاهِدًا بَعْضٌ شَرَطْ (ويكتفي المكتوب) إليه في الرواية بالكتابة (أن يعرف) بنفسه قال السخاوي: وكذا فيما يظهر بإخبار ثقة معتمد (خط كاتبه) بالنصب على المفعولية، (أن) وصلتها منصوب بنزع الخافض قياساً، أي يكتفي المكتوب إليه بمعرفة خط الكاتب وإن لم تقم بينة على ذلك، وهذا هو القول الراجح، واشترط بعضهم ذلك كما قال (وشاهداً) مفعول مقدم لشرط أي قيام بينة تشهد على ذلك الخط بالرؤية أو الإقرار (بعض) من العلماء مبتدأ خبره قوله (شرط) يعني أن بعض العلماء شرط وجود بينة على ذلك الخط، لأن الخط يشبه الخط بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، ومنهم الغزالي. قال ابن الصلاح: إنه غير مرضي لندرة ذلك اللبس، فإن الظاهر أن

стр. 434

خط الإنسان لا يشتبه بغيره، والحكم للأغلب، وحاصله: أنه إن حصل الظن بأنه فلان جاز العمل، وإن شك فلا. اهـ مع اختصار. وقد ثبت أنه ﷺ كان يبعث كتبه إلى عماله فيعملون بها اعتماداً على معرفتها. ثم ذكر صيغ الأداء في هذا النوع فقال: ٤٢٢ - ثُمَّ لِيَقُلْ " حَدَّثَنِي، أَخْبَرَنِي ... كِتَابَةً " وَالْمُطْلِقِينَ وَهِّنِ (ثم) إذاً صححنا التحمل بالكتابة، وأراد المتحمل الأداء بها، فلا بد من تقييدها (فليقل) المكتوب إليه عند الأداء (حدثني) فلان أو (أخبرني) فلان (كتابة) أو مكاتبة، أو كتب إلى فلان قال: حدثنا فلان بكذا (والمطلقين) أي المستعملين لحدثني وأخبرني على سبيل الإطلاق من دون تقييد بالكتابة مفعول مقدم لقوله (وَهِّن) أمر من التوهين، أي احكم بضعف عملهم هذا. وحاصل المعنى: أنهم اختلفوا في تقييد حدثني وأخبرني على أقوال: الأول: للجمهور وهو وجوب التقييد، وهو اللائق بمذهب أهل التحري في الرواية، والورع، والنزاهة. قال الحاكم. الذي أخْتارُهُ وعَهِدت عليه أكثر مشايخي، وأئمة عصري أن يقولوا فيما كتب إليه المحدث من حديثه، ولم يشافهه بالإجازة كتب إليَّ فلان، وكذا قال الخطيب: كان جماعة من أئمة السلف يفعلونه. الثاني: جواز الإطلاق، وهو مذهب الليث بن سعد، ومنصور بن المعتمر، وغير واحد من العلماء. الثالث: جواز إطلاق أخبرنا دون حدثنا، وهو مذهب أبي سليمان الجُوزَقَاني، كما ذكره البيهقي في المدخل.

стр. 435

ثم ذكر القسم السادس من أنواع التحمل، وهو الإعلام فقال: ٤٢٣ - السَّادِسُ: الإِعْلامُ، نَحْوُ " هَذَا ... رِوَايَتِي " مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ حَاذَا ٤٢٤ - فَصَحَّحُوا إِلْغَاءَهُ، وَقِيلَ: لا، ... وَأَنَّهُ يَرْوِي وَلَوْ قَدْ حَظَلا (السادس الإعلام) مبتدأ وخبر. يعني: أن سادس أنواع التحمل هو النوع المسمى بالإعلام، وإنما أُخِّر مع كونه صريحاً عن الكتابة التي هي الإعلام كناية، لما فيها من التصريح بالإذن في أحد نوعيها، ثم عرفه بالمثال، فقال: وذلك (نحو) قوله (هذا) الحديث (روايتي) عن فلان حال كونه (من غير إذن) للطالب، وجملة قوله (حاذا) أي قارن صفة لإذن، يقال: حاذيته محاذاة، وحِذَاءً، إذ وازَيْتَهُ، أي من غير إذن مقارن للإعلام. وحاصل المعنى: أن سادس وجوه التحمل الإعلام، وهو أن يُعلِمَ الشيخُ الطالب بشيء من مرويه، نحو قوله: هذا الحديث أرويه من فلان، ولكن ما قارنَ إِعلامَهُ الإذن في روايته، فلم يقل: اروه عني، أو نحو ذلك. ثم ذكر اختلاف العلماء في حكمه، فقال: (فصححوا) أي طائفة من المحدثين وغيرهم (إلغاءه) أي إبطال الإعلام المذكور. يعني: أن بعض العلماء صححوا بطلان الإعلام المجرد، فلا تجوز الرواية به، وبه قطع الغزالي، لأنه قد لا يُجَوِّزُ روايتَهُ مع كونه سمعه، لخلل يعرفه فيه. (وقيل لا) أي قال كثيرون، منهم ابن جريجٍ، وعبيد الله العمري، وأصحابه المدنيون، وطوائف من المحدثين والفقهاء والأصوليين، والظاهريين، لا يُلْغَى بل تجوز الرواية بها والحجةُ فيه القياس على الشهادة فيما إذا سمع المقرَّ بشيء وإن لم يأذن له، وقال عياض: اعترافه له به، وتصحيحه أنه من روايته، كتحديثه له بلفظه، أو قراءته عليه، وإن لم يجزه. وزاد بعضهم على هذا، فقال: لو منعه من الرواية لا يضره ذلك،

стр. 436

وإليه أشار بقوله: (وإنه) بكسر إِنَّ، أي الطالب الذي وقع له الإعلام المجرد (يروي) ذلك الحديث (ولو قد حظلا) بالبناء للفاعل، أي منعه الشيخ من الرواية، أو المفعول، والألف إطلاقية فيهما، أي منع منها يعني: أنه يجوز له أن يروي بهذا الإعلام من دون إجازة، بل ولو منعه. قال القاضي عياض: هذا صحيح لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه لا لعلة ولا ريبة في الحديث لا يؤثر، لأنه قد حدثه فهو شيء لا يرجع فيه. ثم ذكر السابع، والثامن من أنواع وجوه التحمل، وهما الوصية، والوجادة، فقال: ٤٢٥ - وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي وَصِيَّةٍ وَفِي ... وِجَادَةٍ، وَالْمَنْعُ فِيهِمَا قُفِي ٤٢٦ - وَفِي الثَّلاثَةِ إِذَا صَحَّ الْسَّنَدْ: ... نَرَى وُجُوبَ عَمَلٍ فِي الْمُعْتَمَدْ (والخلف) أي الاختلاف المذكور في الإعلام المجرد عن الإذن، فأل للعهد الذكريِّ وهو مبتدأ، خبره جملة (يجري) أي يوجد، ويأتي (في وصية) أي وصية الشيخ عند موته، أو سفره لشخص بكتاب يرويه ذلك الشيخ مقتصراً عليها دون إجازة. يعني: أن العلماء اختلفوا في هذه الوصية المجردة عن الإجازة، فجَوَّز الروايةَ بها كثير من المتقدمين، وعَلَّلَها القاضي عياض بأن في دفعها له نوعاً من الإذن، وشبهاً من العرض والمناولة. وذهب النووي وابن الصلاح: إلى عدم جواز الرواية بها، وتخطئة مَن قال بالجواز، وقال السخاوي: البطلان هو الحق المتعين، لأن الوصية لَيسَت بتحديث لا إجمالاً ولا تفصيلاً، ولا تتضمن الإعلام، لا صريحاً، ولا كناية. (و) يجري الخلاف أيضاً (في وِجَادَةٍ) بالكسر: مصدرٌ مُوَلَّد لوَجَدَ يَجِدُ. قال المُعَافَى بنُ زَكَرِياء النَّهْرواني: إنهم فَرَّعوا قولَهم وجادة، فيما

стр. 437

أُخِذَ من العلم من صحيفة من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة من تفريق العرب بين مصادر وجد للتمييز بين المعاني المختلفة اهـ. وقد بيّن ابن الصلاح والعراقي المصادرَ المختلفةَ هنا، ونقلته بتمامه في الشرح الكبير. والوجادة أن يقف الشخص على أحاديث بخطِّ راويها غيرِ المعاصر له، أو المعاصر ولم يسمع منه، أو سمع منه، ولكن لا يروى تلك عنه بسماع ولا إجازة. واختلف فيها أيضاً إلا أن الخلاف فيها ضعيف جداً (والمنع) أي منع الرواية، مبتدأ خبره جملة " قفي " (فيهما) أي الوصية والوجادة، متعلق بقوله (قفي) بالبناء للمفعول أي اتُّبعَ لأنه الأصح. هذا في الرواية، وأما العمل بها فقد أشار إليه بقوله (وفي) هذه الأنواع (الثلاثة)، أي الإعلام، والوصية، والوجادة، متعلق بنَرَى (إذا صح السَّند) في كل منها (نرى) بالنون، أي نعتقد أيها المحدثون (وجوب عمل) مفعول به لنرى، يعني أنه يجب العمل بها وإن لم تجز روايتها بطريقتها، وهذا (في) القول (المعتمد) عليه، لأن العمل يكفي فيه صحته في نفسه. وحاصل المعنى: أنه إذا صح السَّند في هذه الثلاثة وجب العمل بها على القول الراجح، أما العمل بالإعلام فقد ادعى عياض الاتفاق عليه، قاله في التدريب. وأما العمل بالوصية فقال ابن أبي الدم: الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف وهي معمول بها عند الشافعي وغيره فهذا أولى. وأما العمل بالوجادة فرُوِيَ عن الشافعي، ونُظَّار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بها، قال النووي: وهو الصَّحِيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره اهـ. وخالف في ذلك بعضهم، ونقل عن معظم المحدثين، والفقهاء المالكيين، وغيرهم، فقالوا: لا يجوز العمل بها. وقد استَدَلَّ للعمل بالوجادة الحافظُ ابن كثير بحديث: " أيُّ الخلق

стр. 438

أعجب إليكم إيماناً؟ " الحديث (١)، وفيه، قال: " قوم يأتون بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بها " قال البلقيني: وهو استنباط حسن. ثم ذكر كيفيَّة الأداء في الوجادة فقال: ٤٢٧ - يُقَالُ فِي وِجَادَةٍ: " وَجَدْتُّ ... بِخَطِّهِ " وِإِنْ تَخَِلْ: " ظَنَنْتُ " ٤٢٨ - فِي غَيْرِ خَطٍّ: " قَالَ " مَا لَمْ تَرْتَبِ ... فِي نُسْخَةٍ تَحَرَّ فِيهِ تُصَبِ ٤٢٩ - وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ وَمَنْ أَتَى ... بِـ " عَنْ " يُدَلِّسْ أَوْبِـ " أَخْبَرْ " رُدَّتَا (يقال في) أداء ما استفاده بـ (وجادة) بالكسر (وجدت)، أو قرأت (بخطه) أي فلان، أو كتابِهِ بخطه، حدثنا فلان، ويسوق الإسناد، والمتن، أو قرأت بخط فلان عن فلان، قال النووي: هذا الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً، قال الناظم: وفي مسند أحمد كثير من ذلك من رواية ابنه عنه بالوجادة. هذا إذا وَثِقَ بأنه خطه، وإلا فأشار إليه بقوله: (وإن تَخِل) بفتح الخاء وكسرها، أي تظن، يقال: خال الرجل الشيءَ يَخَاله، من باب نال، إذا ظنه، وخاله يَخِيله، من باب باع: لغة، وفي المضارع للمتكلم إخال بكسر الهمزة على غير قياس، وهو أكثر استعمالًا، وبنو أسد يفتحون على القياس، أفاده الفيومي. أي إذا شككت في كونه خطه فقل: (ظننت) أنه خطه. يعني: أنه إذا لم يثق بكونه خطه فلا يجزم بل يقول: ظننت أنه خطه أو وجدت بخطٍّ قيل: إنه خط فلان، أو قال لي فلان إنه خط فلان، أو ذكر كاتبه أنه فلان ابن فلان ونحو ذلك من العبارات المفصحة بالْمُسَتَنَدِ في كونه خطه. هذا كله في الخط، وأما غيره: فأشار إليه بقوله: (في غير خط) خبر مقدم لقوله: (قال) لقصد لفظه، أي لفظ قال: مستعمل في غير الخط، أو

стр. 439

الجار متعلق بقل محذوفاً، وقال: مقول القول، أي قل: قال فلان فى غير الخط. وحاصل المعنى: أنك إذا وجدت حديثاً في مصنف لبعضِ مَنْ عاصرتَهُ، أو لا، فقل: قال فلان كذا، ونحوَه من ألفاظ الجزم، إذا جزمت بصحة النسخة، بأن قابلها المصنف، أو ثقة غيره بالأصل، أو بفرع مقابل به، كما يأتي في محله، إن شاء الله تعالى، وأما إذا لم تثق به فلا تجزم، كما أشار إليها بقوله: (ما) مصدرية ظرفية (لم ترتب) أي تشك (في نسخة) لذلك الكتاب، فقوله: " ما لم ترتب " خبر لمحذوف، أي محل ما ذكر ما لم ترتب إلخ. فأما إذا آرتبت فيها فـ (تحرفيه) أي اطلب الأحْرَى، أي الصواب في أداء ما ارتبت فيه. يقال: تحريت في الأمرين إذا طلبت أحراهما، أي أوْلاهما كما أفاده الفيومي. وذلك بأن تقول: بلغني عن فلان أنه ذكر كذا، أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني وما أشبهها من العبارات التي لا تقتضي الجزم. قال ابن الصلاح: فإن كان المطالع عالماً فطناً بحيث لا يخفي عليه في الغالب مواضع الإسقاط، والسقط، أو ما أحيل عن جهته من غيرها، رَجَوْنا بأن يجوز له إطلاق اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك، قال: وإلى هذا فيما أحسب استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب النَّاس، مع تسامح كثيرين في هذه الأزمان بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تحر، ولا تثبت، فيطالع أحدهم كتاباً منسوباً إلى مصنف معين، وينقل عنه من غير أن يثق بصحة النسخة، قائلاً: قال فلان كذا، ونحو ذلك والصواب ما تقدم اهـ. وقال السخاوي: ويلتحق بذلك ما يوجد بحواشي الكتب من الفوائد، والتقييدات، ونحو ذلك، فإن كانت بخط معروف فلا بأس بنقلها، وعزوها إلى من هي له، وإلا فلا يجوز اعتمادها، إلا لعالم متقن، وربما تكون

стр. 440

تلك الحواشي بخط شخص وليست له، أو بعضها له، وبعضها لغيره، فَيَشْتَبِهُ ذلك على ناقله بحيث يعزو الكل لواحد اهـ. ثم إِنَّ المروي بالوجادة المجردة منقطع سواء، وثقت بكونه خطه، أم لا؟ وإليه أشار بقوله: (وكله منقطع) مبتدأ وخبر، أي كل ما روي بالوجادة، سواء وثق بكونه خطه أم لا من باب المنقطع والمرسل، قال بعضهم: عَدُّه من التعليق أولى من المنقطع والمرسل اهـ. لكن الأول، أعني الذي وثق بأنه خطه فيه شوب اتصال لزيادة القوة بالوثوق بالخط. ولما تساهَلَ جماعةٌ في إيراد ذلك بعن ونحوها، أشار إليه بقوله: (ومن) شرطية (أتى) في ذلك متساهلًا (بـ) ـصيغة (عن) أو نحوها، كقال، مكان وجدتُّ، وقوله: (يدلس) جوابُ مَنْ، مجزوم وإن كان الأحسن رفعَهُ لكون فعل الشرط ماضياً، يعني: أن من أدى ما وجده بخط شخص بصيغة عن، ونحوها فهو مدلس تدليساً قبيحاً، إذا كان بحيث يوهم سماعه منه، (أو) أتى مجازفاً (بأخبر) بسكون الراء للإدغام الكبير في راء ردتا، أي بقوله: أخبرنا فلان، لِمَا وجده بخطه، ومثله حدثنا، وقوله: (رُدَّتَا) بالبناء للمفعول، وتاء التأنيث المتحركة لِلرَّوِيّ، والألف للإطلاق، أي ترد روايته، وقال المحقق ابن شاكرٍ: " تا " اسم إشارة، وعليه، فقوله: رُدَّ فعل أمر، واسم الإشارة مفعوله، والأول أوضح، وقوله: أو بأخبر عطف على قوله: بعن، وقوله: ردت: عطف على يدلس، وفيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور. وحاصل المعنى: أنه تساهل قوم فأتوا بلفظة قال، ونحوها مكان الوجادة، وهو تدليس قبيح إذا كان يوهم سماعه بأن تعاصرا. وذكر السخاوي من هذا النوع بهز بن حكيم، والحسن البصري، والحكم، وأبا سفيان طلحة بن نافع، وغيرهم، وجازف قوم فقالوا: أخبرنا فلان، وحدثنا فلان في الوجادة أيضاً، فردت روايتهم.

стр. 441

قال القاضي عياض: لا أعلم من يقتدي به أجاز النقل فيه بذلك ولا من عَدَّهُ مَعَدَّ المسند اهـ. ثم إن بعض العلماء اعترض على مسلم صاحب الصَّحِيح، حيث وُجِدَ في كتابه بعض الأحاديث بالوجادة، فأشار الناظم إليه والجوابِ عنه فقال: ٤٣٠ - فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ فِيهِ تُرَى ... وِجَادَةً، فَقُلْ: أَتَى مَنْ آخَرَا (فإن يقل) بالبناء للمفعول، أي قال معترض: (فَمُسْلِمٌ) الإمام صاحب الصَّحِيح، مبتدأ على حذف مضاف أي صحيح مسلم، خبره قوله: (فيه ترى) بالبناء للمفعول، وقوله: (وِجَادَةً) نائب فاعله، ويحتمل أن يكون ترى بالبناء للفاعل أي ترى أيها المخاطب، ووجادة بالنصب مفعوله، (فقل) أيها المحدث مجيباً عن هذا الاعتراض (أتى) ذلك الحديث الذي قال فيه: وجدتُّ (من) طريق (آخَرَا) بألف الإطلاق، أي رُوي موصولاً إلي من نسب أنه وجد روايته في كتابه. وحاصل معنى البيت: أنه انتُقِدَ على صحيح مسلم بعضُ الأحاديث التي رويت بالوجادة لأن حكم الوجادة منقطع لأنها ليست من الرواية، فأجاب الناظم تبعاً للرشيد العطار: بأن مسلماً رواها من طرق أخرى، موصولة إلى من ذكر أنه وجد روايتهم فزال الإشكال، وأجاب الناظم أيضاً بجواب آخر، وهو أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه، لا في كتاب نفسه عن شيخه. وارتضى المحقق ابن شاكرٍ هذا الثاني، قال: لأن الراوي إذا وجد في كتاب نفسه حديثاً عن شيخه، كان على ثقة من أنه أخذه عنه، وقد تخونه ذاكرته، فينسى أنه سمعه منه، فيحتاط تورعاً، ويذكر أنه وجده فى كتابه، كما فعل أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ اهـ. (تَتِمَّة): زيادات الناظم في هذا الباب: قوله: " لنا ذكر "، وقوله:

стр. 442

" وبعضهم " قال: سمعت إلخ، وقوله: " أو أسرع القارئ "، وقوله: " وعليه العمل "، وقوله: " وقيل: أفضل من السماع والتساوي نقلاً "، وقوله: " وأنها دون السماع " إلخ، وقوله: " ونحو ذا "، وقوله: " فيهمله " إلى آخر البيت الذي بعده، وقوله: " وآخرون فضلوها "، وقوله: " وإِن يناول " البيت، وقوله: " في الاقتراح " البيت، وقوله: " فإن يقل فمسلم " البيت. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب إليك. تَمَّ الجزء الأول من كتاب " إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفية الأثر " ويليه الجزء الثاني، وأوله " كتاب الحديث وضبطه ".

стр. 443

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابةُ الحديثِ وضبْطُهُ أي هذا مبحثُ كتابة الحديث وضبطه بالشكل، ونحوه، وما أُلحقَ بذلك من الخط الدقيق، والرمز، والدَّارَة، وغير ذلك. وهو النوع التاسع والثلاثون من أنواع علوم الحديث، والمناسبة بينه وبين الباب السابق واضحة، لأن من تحمل الحديث بنوع من الأنواع السابقة يحتاج إلى كتابته، وضبطه، فيناسب ذكره بعده. ٤٣١ - كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا ... ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى ٤٣٢ - مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمِ: ... " لا تَكْتُبُوا عَنِّيَ " فَالْخُلْفُ نُمِي ٤٣٣ - فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ ... وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ ٤٣٤ - مِنِ اخْتِلاطٍ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ ... لأَمْنِهِ، وَقِيلَ: ذَا لِمَنْ نَسَخْ ٤٣٥ - الكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ، وَقِيلَ: بَلْ ... لآمِنٍ نِسْيَانَهُ، لا ذِي خَلَلْ (كتابة الحديث) مبتدأ خبره جملة قوله (فيه اختلفا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق، والمعنى: أن كتابة الحديث والعلم اختلف فيه العلماء من السلف: الصحابة، والتابعين، عَمَلاً وتركاً. فكرهها للتحريم غير واحد، فمن الصحابة: ابن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابث، وأبو موسى الأشعري، وأبو سعيد الخدري، ومن التابعين: الشعبي، والنخعي، بل أمروا بحفظه عنهم كما حفظوه حفظاً.

стр. 444

وأجازها بالقول، أو بالفعل غير واحد من الفريقين، فمن الصحابة: عمر، وعلي، وابنه الحسن، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر، وابن عباس، وكذا ابن عمر أيضاً في قول، ومن التابعين: قتادة، وعمر بن عبد العزيز بل حكاه عياض عن أكثر الفريقين. وقال غير واحد منهما كما صح: " قيدوا العلم بالكتاب " بل روى رفعه، ولا يصح. وقال أنس: كَتْبُ العلمِ فريضة. قاله السخاوي. وقال البلقيني: وفي المسألة مذهب ثالث، وهو الكتابة والمَحْوُ بعد الحفظ اهـ. (ثم) بعد هذا الخلاف كُلّهِ (الجوازُ) للكتابة (بعد) أي بعد الخلاف المذكور بين الصحابة والتابعين (إجماعاً) حال من الجواز، أي حال كونه مجمعاً عليه، وقوله: (وفي) فعل ماض، أي تَمَّ، يقال: وَفَى الشيءُ يفي: إذا تم، فهو وَافٍ فقوله: الجواز مبتدأ، خبره جملة وَفَى. والظرف متعلق بوفى. وحاصل المعنى: أن الخلاف المذكور زال، فصار في المتأخرين جواز الكتابة أمراً مجمعاً عليه. قال ابن الصلاح: ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة. ثم ذكر مستندَ المانِعِين بقوله (مستند المنع) أي الدليلُ الذي اعتمد عليه المانعون من كتابة الحديث، مبتدأ خبره قوله (حديث مسلم) أي الحديث الذي أخرجه مسلم بسنده في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تكتبوا عني) بفتح الياء للوزن، وإن كان لغة في النثر أيضاً، إلا أن الغالب السكون، وتمام الحديث " شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه " وفي رواية " أنه استأذن النبي ﷺ في كَتْبِ الحديث فلم يأذن له ".

стр. 445

وأما مستند الإباحة فكثير. منه: قوله ﷺ : " اكتبوا لأبي شاهٍ " متفق عليه، يعني به خطبة حجة الوداع. ومنه: حديث: " ايتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً " الحديث رواه البخاري. ومنه: ما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: " كنت أكتب كل شيء سمعته من رسول الله ﷺ " وذكر الحديث، وفيه: أنه ذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال له: " اكتب " وفي لفظه: قلت: يا رسول الله ﷺ أكتب ما أسمعه منك في الغضب والرضا؟ فقال: " نعم، فإني لا أقول إلا حقاً " وكانت تسمى صحيفتة تلك الصادقةَ، رواه ابن سعد وغيره، كما ذكره الصنعاني وغير ذلك من الدلائل الواضحة الكثيرة. ولما كان بين حديث مسلم والأحاديث الدالة على الإباحة تعارض احتاج العلماء إلى التوفيق بينهما، فاختلفوا فيه، كما أشار إلى ذلك بقوله (فالخلف) بالضم، أي الاختلاف بين العلماء في هذا الحديث لمعارضته الأحاديثَ الدالةَ على الجواز كالأحاديث المذكورة، فالخلف مبتدأ خبره جملة قوله (نمى) بالبناء للمفعول، أي نسب إليهم. يعني أنهم اختلفوا في التوفيق: (فبعضهم) أي بعض المختلفين (أعلَّه) أي حديثَ مسلم الدال على المنع (بالوقف) أي بأنه موقوف على أبي سعيد، يعني: أن بعض العلماء حكموا بأن لحديث أبي سعيد علةً، وهي كونه موقوفاً على أبي سعيد، وبه جزم البخاري وغيره. (وآخرون) من المختلفين أيضاً (عللوا بالخوف) أي جعلوا علة النهي عن الكتابة في حديث أبىِ سعيد الخوفَ (من اختلاط بالقران) بتخفيف الهمزة بنقل حركتها إلى ما قبلها، وهو جائز في النثر وبه قرئ في السبعة، يعني أنهم جعلوا علة النهي لأجل خوف اختلاط الحديث بالقرآن، وهذا يدل على أن النهي كان في حين نزول القرآن، فلما انقطع نزوله نسخ.

стр. 446

كما قال (فانتسخ) أي صار النهي منسوخاً (لأمنه) أي أمن الاختلاط المذكور. وحاصل المعنى: أن سبب النهي كان خوفَ اختلاط القرآن بغيره، فلما زالت العلة بسبب انقطاع نزول القرآن صار منسوخاً، لزوال الموجب (وقيل ذا) أي نهي الكتابة (لمن نسخ الكل) بالنصب على المفعولية أي كتب القرآن والحديث معاً (في صحيفة) واحدة، فإنهم كانوا يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معها فنهوا عن ذلك لخوف الاشتباه. قال الحافظ: ولعل من ذلك: ما قُرِئ شاذًّا في قوله: " ما لبثوا " حولًا " في العذاب المهين " اهـ. وحاصل المعنى أن النهي المذكور مختص بمن جمع القرآن وغيره في صحيفة واحدة، وأما غيره فلا للأحاديث الدالة على وجود الكتابة منه ﷺ ومن الصحابة بأمره. (وقيل بل) النهي عن الكتابة كائن (لآمن نسيانه) بالنصب على المفعولية لآمن، أي لشخص يَأمَنْ النسيانَ، (لا) (لذي خلل) أي صاحب نقص في حفظه. وحاصل المعنى: أن النهي لمن أمِنَ من النسيان بعد الحفظ، ووثق بحفظه، وخيف اتكاله عَلى الخط، إذا كتب، والإذنَ لمن خيف نسيانه، فيكون النهي مخصوصاً. والحاصل: أن الذي استقر عليه الإجماع بعدَ الاختلافِ هو الاستحباب، وقال الحافظ: لا يبعد وجوبه على من خَشِي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم. وقال الذهبي: إنه يتعين في المائة الثالثة، وهلم جَرًّا ويتحتم. اهـ. ولكن لا ينبغي الاقتصارعليه حتى لا يصير له تصور، ولا يَحفَظُ شيئًا، فقد قال الخليل من الرجز: لَيْسَ بِعِلْم مَا حَوَى الْقِمَطْرُ ... مَا الْعِلْمُ إِلَّا مَا حَوَاهُ الصَّدْرُ

стр. 447

وقال آخر من البسيط: اسْتَوْدَعَ الْعِلْمَ قِرْطَاساً فَضَيعَهُ .. وَبِئْسَ مُسْتَوْدَعُ الْعِلْمِ الْقَرَاطِيسُ ثم ذكر مسألة العناية بكتابة الحديث، فقال: ٤٣٦ - ثُمَّ عَلَى كَاتِبِهِ صَرْفُ الْهِمَمْ ... لِلضَّبْطِ بِالنَّقْطِ وَشَكْلِ مَا عَجَمْ ٤٣٧ - وَقِيلَ: شَكْلُ كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَا ... وَفِي سُمًى مَحَلِّ لَبْسٍ أُكِّدَا (ثم) بعد أن عرفنا رفع الخلاف السابق. واستقرارَ الإجماع اللاحق، على جواز الكتابة يتأكد (على كاتبه) أي الحديث (صرف) أي رد (الهمم)، جمع هِمَّة بالكسر: أولُ العزم. وقد تطلق على العزم القوي، فيقال: له همة عالية. أفاده الفيومي. قلت: والمعنى الثاني هو المقصود هنا. يعني: أنه يتأكد على كاتب الحديث رد همته القوية. ثم ظاهر عبارته يفيد الوجوب، وهو الذي تفيده عبارة ابن خَلَّاد وعياض، وصرح به الماوردي، لكن في حق من يحفظ العلم بالخط، ويحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب المتأكد، أفاده السخاوي. (للضبط) متعلق بصرف، أي ضبطِ ما يُحَصِّلُهُ بخطه، أو بخط غيره من مرويه وغيره من كتب العلوم النافعة، ضبطاً يُؤمَن معه اللبس (بالنقط) متعلق بالضبط، يعني أن ذلك الضبط يكون بنقط الحروف، وهو مصدر نَقَطْتُ الكتاب من باب قتل، والنُّقْطة بالضم اسم للفعل، والجمع نقَطُ مثل غرفة وغُرَف، والنقطة بالفتح المرة أفاده الفيومي. وفي " ق " وشرحه نَقَطَ الحرف وَنَقَّطَهُ تنقيطاً، أي بالتخفيف، والتشديد: أعجمه، والاسم النُّقطة بالضم، وهو رأس الخط. والمعنى: أنه يضبط الحرف الذي يستعجم، أي يستبهم بإغفاله بحيث يصير فيه عجمة، فيزيل ذلك بإعجامه، فيميز الخاء المعجمة عن الحاء المهملة، والذال المعجمة عن الدال المهملة، كحديث: " عليكم بمثل حصى الخذف " فيعجم كلا من الخاء والذال بالنقط، وكالنقيع بالنون،

стр. 448

والبقيع بالباء، وما أشبه ذلك، وإن لم يتقيد بذلك كثير من المتقدمين اتكالًا على حفظهم. فعن الثَّوري: الخطوطُ المعجمة كالبرود المعْلَمَة. وقال بعض الأدباء: رُبَّ علم لم تُعجَم فصوله، استعجم محصوله. وعن الأوزاعي، عن ثابت بن معبد: نورُ الكتاب الِإعْجَامُ. (و) يضبطه أيضاً بـ (ـشكل) أي وضع حركات (ما) أي الحرف الذي (عَجَمَ) أي استبهم، يقال: شكلت الكتاب شكلاً، من باب قتل: أعلمته بعلامات الإعراب. يعني: الفتحةَ والضمةَ والكسرةَ والسكون، وأشكلته بالألف لغة، أفاده الفيومي. قال ابن الصلاح: إعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله. قال: وكثيراً ما يعتمد الواثق على ذهنه وذلك وخيم العاقبة فإن الإنسان معرض للنسيان، وأول ناس أول النَّاس اهـ. ثم إن ما ذكر من الشكل للمشكل فقط، فقد نُقِلَ أن أهل العلم يكرهون الإعجام والإعراب إلا في الملتبس إذ لا يحتاج إليهما في غيره، وقيل: ينبغي شكل الكل للمبتدئ، وإليه أشار بقوله: (وقيل شكل كله) مبتدأ خبره قوله: (لذي ابتدا) أي شكل المشكل وغيرِهِ مستحسن للمبتدئ، وفي نسخة الشارح يُشْكَلْ بصيغة المضارع فتسكن لامه للوزن. وحاصل المعنى: أنه يستحسن شكل الكل للمبتدئ، غير المتبحر في العلم، قال القاضي عياض: وهو الصواب لأنه لا يميز ما يشكل مما لا يشكل، ولا صوابَ وجه إعراب الكلمة من خطئه اهـ. وقال العراقي: وربما ظن أن الشيء غير مشكل لوضوحه وهو في الحقيقة محل نظر يحتاج إلى الضبط، وقد وقع بين العلماء خلاف في مسائل مرتبةٍ على إعراب الحديث كحديث: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " فاستدل به الجمهور على أنه لا تجب ذكاة الجنين بناء على رفع ذكاة أمه، ورجح

стр. 449

الحنفية النصب على التشبيه أي يذكي مثل ذكاة أمه اهـ. كما نقله في التدريب. (وفي سمى) متعلق بأُكِّدا، وهو لغة في الاسم، لأن فيها ثماني عشرة لغة جمعها ابن مالك في بيت بقوله: سِمٌ سُمَة وَاسمٌ سُمَاةُ كَذَا سُمى ... سُمَاءٌ بِتَثْلِيثٍ لِأوَّلِ كُلِّهَا (محل لبس) بالجر صفة لسمى، أي موضع التباس على قارئه (أُكِّدا) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق، أي أكد شكل ما يلتبس من الأسماء. وحاصل المعنى: أن العلماء من المحدثين وغيرهم أكدوا في ضبط ما يلتبس من الأسماء، لا سيما الأسماء الأعجمية، والقبائل الغريبة، لقلة التمييز فيها، بخلاف الإعراب، ولذا قال بعضهم: إنها أوْلَى الأشياء بالضبط، لأنها لا يدخلها قياس، ولا قبلها، ولا بعدها شيء يدل عليها، ثم ذكر محل الضبط فقال: ٤٣٨ - وَاضْبِطْهُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْحَوَاشِي ... مُقَطِّعًا حُرُوفَهُ لِلنَّاشِي (واضبطه) أي المشكل من الأسماء، والألفاظ، (في الأصل) أي نفس الكتاب (و) اكتبه أيضاً (في الحواشي) أي هامشِ الكتاب قُبَالَتَه، حسبما جرى عليه رسم جماعة من أهل الضبط، لأن جمعهما أبلغ في الإبانة، والبعد من الالتباس، بخلاف الاقتصار على أولهما فإنه ربما داخله لفظ، أو شكل لغيره مما فوقه، أو تحته، فيحصل الالتباس، لا سيما عند دقة الخط، وضيق الأسطر، قاله ابن الصلاح، تبعاً لعياض. (مقطعاً) اسم فاعل، أو مفعول حال من الفاعل، أو المفعول، (حروفه) مفعول به لمقطعاً، أو نائب فاعله، أي حال كونه مقطعاً حروف ذلك المشكل، أو حال كون حروف ذلك المشكل مقطعة، (للناشي) أي للمبتدئ الذي لا يميز الحروف، أي لأجل أن تظهر وتتضح له، قال في القاموس: الناشئ الغلام والجارية، جاوزا حَدَّ الصغر. اهـ.

стр. 450

وإنما خص المبتدئ، لأنه أشد حاجة إلى البيان من غيره. وحاصل معنى البيت: اضبط أيها المحدث المشكلَ في نفس الكتاب واكتبه أيضاً في الحاشية قبَالته مع تقطيع الحروف، فإن هذا أنفع، وذلك لأنه يظهر شَكلُ الحرف بكتابته مفرداً في بعض الحروف، كالنون، والياء التحتانية، بخلاف ما إذا كتبت مجتمعة، والحرف المذكور في أولها، أو وسطها، أفاده السخاوي. ثم ذكر ما ينبغي أن يتنبه له الكاتب في كتابه وهو تحقيق الخط، فقال: ٤٣٩ - وَالْخَطَّ حَقِّقْ لا تُعَلِّقْ تَمْشُقِ ... وَلا ـ بِلا مَعْذِرَةٍ ـ تُدَقِّقِ (والخط) مفعول مقدم لقوله (حقق) أمر من التحقيق، يقال: حققت العقدة، إذا أحكمت شدها، أفاده في التاج. والمعنى: أحْكِم خطك أيها المحدث بتبيين حروفه، فلا تخلط ما لا يستحق الخلط، ولا تفرق ما لا يستحق التفريق، كما بينه (١) بقوله: (لا تعلق) نهي من التعليق، وهو فيما قيل: خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها، وإِذْهابُ أسنان ما ينبغي إقامة أسنانه، وطمس ما ينبغي إظهار بياضه، قاله السخاوي ولا (تمشق) نهي من المشق، يقال: مشقت الكتاب مشقاً من باب قتل: أسرعت في فعله، قاله في المصباح. وقال السخاوي: المشق بفتح أوله وإسكان ثانية، وهو خفة اليد وإرسالُها، مع بعثرة الحروف، وعدم إقامة الأسنان، فأفاد أن بين التعليق والمشق عموماً وخصوصاً وجهياً، يجتمعان في عدم إقامة الأسنان، ويختص التعليق بخلط الحروف وضمها، والمشق ببعثرتها وإيضاحها بدون القانون المألوف.

стр. 451

(ولا بلا معذرة) أي دون عذر متعلق بـ (ـتدقق) أي لا ترقق خطك من غير عذر. وصرح النووي وغيره: بأنه مكروه، أي كراهة تنزيه لأنه لا يَنْتَفِعُ به مَنْ في نظره ضعف، بل ربما يعيش الكاتب نفسه حتى يضعف بصره. وقد قال الإمام أحمدُ لابن عمه حنبل بن إسحاق بن حنبل، وقد رآه يكتب خطاً دقيقاً: لا تفعل، فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه، رواه الخطيب في جامعه. وعن أبي حكيمة، قال: كنا نكتب المصاحف بالكوفة، فيمر علينا علي بن أبي طالب فيقوم علينا، فيقول: " أجِلَّ قَلَمَك " قال: فقططت منه، ثم كتبت فقال: " هكذا نوروا ما نور الله " رواه الخطيب أيضاً. واحترز بقوله: بلا معذرة عما إذا كان لعذر كأن لا يكون في الورق سعة، أو كان الكاتب رَحَّالاً يحتاج إلى تدقيق الخط، ليخف عليه حمل كتابه، أو لفقره بأن لا يجد الثمن، أو يجده ولا يجد الورق. ولما بين ضبط الحروف المعجمة، شرع يبين ضبط المهملة فقال: ٤٤٠ - وَيَنْبَغِي ضَبْطُ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَهْ ... بِنَقْطِهَا أَوْ كَتْبِ حَرْفٍ أَسْفَلَهْ ٤٤١ - أَوْ هَمْزَةٍ أَوْ فَوْقَهَا قُلامَهْ ... أَوْ فَتْحَةٍ أَوْ هَمْزَةٍ عَلامَهْ (وينبغي) أي يندب ندباً مؤكداً، لا يحسن تركه، وهي من الأفعال التي لا تتصرف فلا يقال: انبغى، خلافاً لبعضهم، وحكى عن الكسائي أنه سمعه من العرب، أفاده الفيومي. (ضبط الحروف المهملة) كالدال، والراء، والصاد، والطاء، والعين، ونحوها، إلا الحاء، ولم يستثنها كما استثناها العراقي لوضوحها، لأنها لو جعلت تحتها نقطة لالتبست بالجيم، فترك العلامة لها علامة. ثم اختلِفَ في كيفية ضبطها على ستة أقوال: أشار إلى الأول بقوله:

стр. 452

(بنقطها) بما فوق الحروف المعجم المشاكل لها، فيجعل تحت الدال، والراء، والسين، والصاد، والعين: النًّقَطُ التي فوق نظائرها هذا قول بعضهم. وأشار إلى الثاني بقوله (أو) لتنويع الخلاف، أي قال بعضهم: يميزها بـ (كتب حرف) بفتح الكاف وسكون التاء بمعنى كتابة حرف (أسفله) أي تحت الحرف المهمل، بأن يُجعلَ تحته حرفٌ صغير مثله، قال في التدريب: ويتعين ذلك في الحاء المهملة. قال القاضي: وعليه عمل أهل المشرق والأندلس. وأشار إلى الثالث بقوله: (أو) لتنويع الخلاف أيضاً أي قال بعضهم: يميزها بكتابة (همزة) بالجر عطفاً على حرف، أي بكتب همزة أسفله. وأشار إلى الرابع بقوله: (أو) للتنويع أيضاً، أي قال بعضهم: يميزها (فوقها) أي الحروف المهملة المذكورة (قلامة) بالجرٍ عطفاً على المجرور قبله، أي بكتب قلامة، وهو بالضم: ما سقط من الظّفْر كما في المختار، أي بكتابة علامةٍ كقلامةِ الظفر، مثل الهلال مضطجعة على قفاها، لتكون فَرجتها إلى فوق، ولأجل ذلك فقط مُثِّلَت بالقلامة، إذ المُشاهَد في خط كثيرين لا يشابهها من كل وجه، بل هي منجمعة من أسفلها هكذا (٧) قاله السخاوي. وأشار إلى الخامس بقوله: (أو) للتنويع أيضاً أي قال بعضهم: يميزها بكتب (فتحة) فوقها، أي خطٍّ صغيرٍ يشبه فتحة، وليس بفتحة حقيقة، ولا يفطن له كثيرون، لكونه خفياً غير شائع، ولذا اشتبه على بعضهم حيث توهمه فتحةً لذلك الحرف، فقرأ رِضوان بفتح الراء، وليست الفتحة إلا علامة الإهمال، وذلك موجود في كثير من الكتب القديمة، قاله ابن الصلاح. وأشار إلى السادس بقوله: (أو همزةٍ) أي قال بعضهم: يميزها بكتب همزة فوقها.

стр. 453

وحاصل معنى البيتين: أنه ينبغي الاعتناء بتمييز الحروف المهملة عن المعجمة بعلاماتٍ ذَكَرَ منها ستة: قيل: بنقطها تحتها بالنقط الذي فوق نظائرها، وقيل: بكتابة حرف صغير مثلها تحتها، وقيل: بكتابة علامة كقلامة الظفر فوقها، وقيل: بكتابة همزة فوقها، وقيل: بكتابة خط صغير كفتحة فوقها، وقيل: كهمزة فوقها. وبقي سابع: وهو أن يكتب ما يدل على الضبط بألفاظ كاملة دالة عليه، كما نقِلَ عن بعضهم أنه كتب في حديث أبي الحَوْرَاءِ تحته حور عِين، خوفاً من أن يُصَحَّفَ بأبي الجَوْزاء بالجيم والزاي، أفاده السخاوي. ولما اختلف في نقط السين من تحتُ ذكره بقوله: ٤٤٢ - وَالنَّقْطُ تَحْتَ السِّينِ قِيلَ: صَفَّا ... وَقِيلَ كَالشِّينِ: أَثَافِي تُلْفَى (والنقط) الكائن (تحت السين) المهملة (قيل صفًّا) أي يجعل مبسوطاً صفاً واحداً، فالنقط مبتدأ خبره جملة، قيل: صفًّا، (وقيل) يجعل (كالشين) أي مثل نقطها (أثافي) جمع أثفية بضم الهمزة وتكسر، وسكون الثاء المثلثة، وكسر الفاء وتشديد الياء، وهو ما يوضع عليه القِدْر، والياء في الأثافيّ مشددة، وتُخَفَّفُ، أفاده في المختار. وقوله: " كالشين " متعلق بقوله: (تلفى) بالبناء للمفعول أي توجد، أو حال من النقط، وقوله: " أثافي " مفعول ثان مقدم عليه. وحاصل المعنى: أن النقط التي تميز بها السين المهملة اختلف في كيفية كتابتها، فقيل: تجعل صفاً واحداً مبسوطة، لئلا يلزم ازدحام النقطة أو النقطتين مع ما يحاذيها من السطر الذي يليها، فيظلمَ بل ربما يحصل به لبس، وقيل: كصورة النقط التي فوق الشين مثل الأثافي، قال السخاوي: لكن الأنسب والأبعد عن اللبس قَلْبُها فتكون النقطتان المحاذيتان للمعجمة من فوق محاذيتين للمهملة من أسفل اهـ. ولما لم يتعرض أحد من أهل هذا الفن للكاف واللام مع أن

стр. 454

أصحاب التصانيف في الخط ذكروهما أراد أن يبين ذلك الناظم تتميماً للفائدة فقال: ٤٤٣ - وَالْكَافُ لَمْ تُبْسَطْ فَكَافٌ كُتِبَا ... فِي بَطْنِهَا، وَاللامُ لامًا صَحِبَا (والكاف) مبتدأ خبره جملةُ " فكاف كتبا " (لم تبسط) حال من الكاف على رأي، أي حال كونها غير مبسوطة (فكاف) مبتدأ، والفاء زائدة (كتبا) بالبناء للمفعول وألف الإطلاق (في بطنها) متعلق بكتب، أي كتب في بطن الكاف كاف صغيرة، والمعنى: أن الكاف إذا لم تكتب مبسوطة تكتب في بطنها كاف صغيرة، لئلا تشتبه باللام. وذلك لأن الكاف تكتب برسمين: أحدهما، هكذا (كـ)، وهذه لا تحتاج إلى مميز، لوضوحها، والثاني: شِبْهُ اللام فهذه تحتاج إلى مميز، فتكتب فيها كاف صغيرة، أو هي همزة، هكذا (ك). (واللام) مبتدأ خبره جملة قوله: (لاما) مفعول مقدم لقوله: (صحبا) بالبناء للفاعل والألفُ للإطلاق، أي تصحب اللام لاماً في بطنها أي كلمة " لام " في وسطها، يعني: هذه الكلمة بحروفها الثلاثة لا صورة (ل) ويوجد ذلك كثيراً في خط الأدباء هكذا (لـ). ولم يتكلم على الهاء آخر الكلمة، والهمزة المكسورة، وبَيَّنَهمَا في التدريب، فقال: والهاء آخر الكلمة يكتب عليها هاء مشقوقة تميزها من هاء التأنيث التي في الصفات ونحوها، والهمزة المكسورة هل تكتب فوق الألف والكسرة أسفلها، أو كلاهما أسفل اصطلاحات للكتَّابِ والثاني أوضح اهـ. ثم تكلم على ما يصطلح عليه الشخص لنفسه من الرموز فقال: ٤٤٤ - وَالرَّمْزَ بَيِّنْ وَسِوَاهُ أَفْضَلُ ... ....................... (والرمز) مفعول مقدم لقوله: (بيّن) فعل أمر من التبيين، أي وضح

стр. 455

الرمز الذي تجعله لنفسك اصطلاحاً في أول الكتاب أو آخره، لئلا يقع غيرك في حَيْرَةِ فهمِ مرادك. والحاصل: أنه لا بأس أن يصطلح الإنسان إذا كثر اختلاف الروايات في أحاديثه، أو كثرت الكتب التي ينقل منها في كتابه على رموزٍ اختصاراً، لكن عليه أن يبين ذلك في كتابه لِئَلاَّ يصعب على غيره فهم مراده، ومع كونه لا بأس به، فعدم الرمز أولى، كما قال: (وسواه) أي غيره وهو عدم الرمز، مبتدأ خبره قوله: (أفضل) أي أولى، فيكتب عند كل راو، أو كتاب اسمه بكماله مختصراً بدون زائد على التعريف به، فلا يقول في الفربري مثلاً أبو عبد الله محمد بن يوسف، بل يختصر على الفربري، أو نحوه. ثم بين الدَّارَةَ التي تجعل للفصل بين الحديثين فقال: ................. ... وَبَيْنَ كُلِّ أَثَرَيْنِ يَُفْصَِلُ ٤٤٥ - بِدَارَةٍ، وَعِنْدَ عَرْضٍ تُعْجَمُ ... ................ (وبين كل أثرين) أي حديثين متعلق بـ (يفصل) بالبناء للمفعول، أو للفاعل، أي يميز استحباباً (بـ) ـوضع (دارة) أي حَلْقَةِ منفرجة، أو مطبقة، والدارة: هي الدائرة، وهي ما أحاط بالشيء كما تفيده عبارة " ق ". والحاصل: أنه يميز بين الأحاديث بوضع الدائرة، لئلا يحصل التداخل بأن يدخل عجز الأول في صدر الثاني، أو العكس، إذا تجردت المتون عن الأسانيد، وعن صحابيها، كأحاديث الشهاب والنجم وغيرها. وكذلك يفصل بين الحديث، وبين ما يكتبه بآخره من إيضاح لغريب، وشرح معنى ونحوه. وكذا يفعل في التراجم ورؤوس المسائل. (وعند) تمام (عرض) للكتاب على الشيخ (تُعجَمُ) أي تنقط تلك الدارة بنقطة في وسطها.

стр. 456

وحاصل المعنى: أنه يُغْفِلُ تلك الدارة عن العلامة حتى يَعرِضَ الكتاب، ويقابلَه بالأصل، أو نحوه، فإذا عارضه يُنَقِّط في الدارة التي تلي الحديث المقابَلَ نقطةً، أو يخط وسطها خطاً حتى لا يكون بَعْدُ في شك، هل عارضه أو سَهَا فتجاوزه لا سيما حين يُخَالَفُ فيه. ثم بين حكم المضاف والمضاف إليه في الكتابة فقال: ................ ... وَكَرِهُوا فَصْلَ مُضَافٍ يُوهِمُ (وكرهوا) أي أهل الحديث في الكتابة (فصل مضاف) عن المضاف إليه، وقوله (يوهم) صفة لفصل، أي يوقع الوَهمَ في معنى غير لائق. وحاصل المعنى: أن العلماء كرهوا فصل المضاف عن المضاف إليه في الخط بكتابة الأول في سطر، ثم الثاني في سطر آخر، إذا كان يوهم معنى غير لائق، مثل عبد الله، وعبد الرحمن ابن فلان، فلا يكتب عبد آخر السطر، واسم الله مع ابن فلان أول السطر الآخر، احترازاً عن قبح الصورة، وإن كان غير مقصود، وكرسول من رسول الله فلا يكتب رسول في آخر سطر، واسم الله مع الصلاة في أول سطر آخر. وكذا غير المضاف والمضاف إليه مما يُسْتَبْشَعُ كقوله: الله ربي لا أشرك به شيئاً، فلا يكتب " لا " في سطر، وأشرك به في سطر آخر، وهذا كله كراهة تنزيه، وأوجبه بعضهم. ولا شك في تأكده إذا كان التعبيد آخر الصفحة اليسرى، والاسم الكريم وما بعده في أول الصفحة اليمنى، فإن الناظر إذا رآه كذلك، ربما لم يقلب الورقة، ويبتدئ بقراءته كذلك بدون تأمل. وإنما قيد بقوله: يوهم، لأنه إذا لم يوهم معنى غير لائق فلا بأس به، بأن لم يكن بعد اسم الله مثلاً ما ينافيه، بأن يكون آخر الكتاب، أو الحديث، أو يكون بعده شيء ملائم له غير مناف، كقول البخاري في آخر

стр. 457

الجامع: سبحان الله العظيم، ومع هذا فجمعهما في سطر واحد أولى. ثم ذكر ما يُستَحسَنُ عند الكتابة، وهو الثناء على الله سبحانه، والصلاةُ والسلامُ على النبي ﷺ حيث كَتَبَ اسمهما، وكذا الترضي عن الصحابة، فقال: ٤٤٦ - وَاكْتُبْ ثَنَاءَ اللهِ وَالتَّسْلِيمَا ... مَعَ الصَّلاةِ وَالرِّضَى تَعْظِيمًا (واكتب) أيها الكاتب للحديث، وغيره على وجه الاستحباب المتأكد (ثناء الله) سبحانه كلما مر ذكره، كعزَّ وجلَّ، أو ﵎، أو نحوهما إجلالًا له سبحانه، لأنه يحب الحمد. ففي حديث الأسود بن سُرَيْع ﵁ كما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأحمد وغيرهما أنه أتَى النبيَّ ﷺ فقال: قد مدحت ربي بمحامد ومدحٍ، وإياكَ فقال: " أما إن ربك يحب الحمد " وفي لفظ: " المدح " (١) الحديث قاله السخاوي. (و) كذا اكتب (التسليما مع الصلاة) على النبي ﷺ كلما مر ذكره، تعظيماً وتنويهاً بشأنه الشريف، وأداء لبعض حقه، لأنه الواسطة في نيل الدرجات عند الله سبحانه بما أتى به من عند الله من نعمة دين الإسلام، فوجب مكافأته بقدر المستطاع، وهو الدعاء له فقد أخرج أحمد وغيره بسندهم عن ابن عمر مرفوعاً: " من صنع إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا الله حتى تروا أنكم قد كافأتموه ". قال النووي: حديث صحيح. وقد صَرَّحَ بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه جمعٌ من العلماء وأوجبها بعضهم في الصلاة. وأخرج الترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه عن ابن مسعود ﵁: أنه ﷺ قال: " إن أولى النَّاس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة ".

стр. 458

قال ابن حبان: في هذا الخبر بيان صحيح على أن أولى الناس برسول الله ﷺ يوم القيامة أصحابُ الحديث إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثرُ صلاةً عليه منهم. وقال أبو نعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها، لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله ﷺ أكثر مما يعرف لهؤلاء نسخاً وذكراً. وأما ما رُوِيَ في ثواب كتابة الصلاة عليه فليس بثابت مرفوعاً، فلا نشتغل به. (والرضى) أي اكتب الترضي على الصحابة ﵃، ومثله التَرحمُ على العلماء، وقوله: (تعظيماً) مفعول لأجله أي اكتب كل ما ذكر لأجل تعظيمهم، أو حال مما ذكر، أي حال كونك معظماً لهم. وقال النووي ﵀: ولا يستعمل: ، ونحوَه في النبي ﷺ ، وإن كان عزيزاً، جليلاً، ولا الصلاة والسلام في الصحابة استقلالاً، ويجوز تبعاً اهـ. ثم إن كتابة ما ذكر يكون بالتمام، ولا ينبغي الاختصار بالرمز، وإليه أشار بقوله: ٤٤٧ - وَلا تَكُنْ تَرْمُِزُهَا أَوْ تُفْرِدِ ... ..................... (ولا تكن) أيها المحدث (ترمزها) من باب قتل، وضرب، وأصله: الإشارة والإيماء بالشفتين، والحاجب، كما في المختار، لكن المراد هنا الاختصار في الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ونحوِها في الخط على حرف أو حرفين وأكثر، فتكون منقوصة صورة، كما يفعله الكسائي، والجهلة من أبناء العجم غالباً، وعوام الطلبة، فيكتبون بدلًا عن ﷺ " ص " أو " صم " أو " صلم " أو " صلعم " فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلافُ الأولى.

стр. 459

وصرح ابن الصلاح والنووي بالكراهة. قلت: ولا أرى له دليلاً، وكذا يكره إفراد أحدهما عن الآخر، كما أشار إليه بقوله: (أو تفرد) عطف على تكن مجزوم، وكسرت داله لِلروِيّ، وأو بمعنى الواو، أي ولا تفرد أحدهما عن الآخر، فإنه مكروه، صرح به النووي ﵀ متمسكاً بورود الأمر بها في الآية معاً، وخص ابن الجزري الكراهية بما وقع في كتب رواهُ الخلف عن السلف، لأن الاقتصار على بعضه خلاف الرواية، قال: فإن ذكر رجل النبي ﷺ فقال: اللهم صل عليه مثلاً، فلا أحسب أنهم أرادوا أن ذلك يكره اهـ. وقال الحافظ: إن كان فاعل أحدهما يقتصر على الصلاة دائماً فيكره من جهة الإخلال بالأمر بالإكثار منهما، والترغيب فيهما، وإن كان يصلي تارة ويسَلِّم أخرى من غير إخلال بواحدة منهما فلم أقف على دليل يقتضي كراهته، ولكنه خلاف الأولى إذِ الجمع بينهما مستحب اهـ. ثم إن كتابة ما ذكر لا يتقيد بوجوده في الكتاب المنقول منه، لأنه ثناء ودعاء، وإليه أشار بقوله: ..................... ... وَلَوْ خَلا الأَصْلُ، خِلافَ أَحْمَدِ (ولو خلا الأصل) المنقول منه، لعدم التقيد به في ذلك، فإنه ثناء ودعاء تثبته أنت، لا كلام ترويه عن غيرك (خلاف أحمد) الإمامِ، حال (١) من فاعل اكتب أي اكتب ذلك كله مخالفاً لأحمد، أو من محذوف أي قلت: هذا مخالفاً له، فإنه ﵀ يكتب كثيراً اسم النبي ﷺ بدون ذلك، ذكره الخطيب، ولعله كما قال ابن الصلاح: يرى التقيد في ذلك بالرواية، لالتزامه اقتفاءَهَا، فحيث لم يجدها في أصل شيخه، وعز عليه

стр. 460

اتصالها في جميع من فوقه من الرواة، لا يكتبها تورعاً من الزيادة، كمنعه إبدال النبي بالرسول، وإن لم يختلف المعنى. قال الخطيب: بلغني أنه كان يصلي نطقاً. ثم ذكر مسألة مقابلة الكتاب فقال: ٤٤٨ - ثُمَّ عَلَيْهِ حَتْمًا الْمُقَابَلَهْ ... بِأَصْلِهِ أَوْ فَرْعِ أَصْلٍ قَابَلَهْ (ثم) بعد أن يكتب ويتم المقصود (عليه) أي الكاتب نفسه، أو نائبه (حتما) أي وجوباً، كما صرح به الخطيب، وكذا عياض، وقال ابن الصلاح: لا غنى لمجلس الإملاء عن العرض، والجار والمجرور خبر مقدم لقوله: (المقابلة) أي مقابلة كتابه، تقول: قابلت الكتاب قِبَالاً وَمُقَابَلَةً، أي جعلته قُبَالته، وصيرت في أحدهما كل ما في الآخر، ويقال: لها أيضاً المُعارضة، يقال: عارضت بالكتاب الكتاب أي جعلت ما في أحدهما مثل ما في الآخر، مأخوذ من عارضت بالثوب إذا أعطيته، وأخذت ثوباً غيره، أفاده السخاوي. (بأصله) متعلق بالمقابلة، أي بالكتاب الذي أخذه عن شيخه بسائر وجوه الأخذ الصَّحِيحة، وكذا بأصل أصل الشيخ الذي أخذ الطالب عنه المُقابَلِ به أصلُهُ (أو) المقابلة بـ (فرع أصل) أي كتاب منقول من أصل الشيخ (قابله) صاحبه بأصل الشيخ، والجملة صفة لفرع، أو حال منه، يعني أنه تكفي المقابلة بفرع مُقابَلٍ على أصل الشيخ مقابلةً معتبرةً موثوقاً بها، أو بفرع مُقَابَلٍ كذلك على فرع ولو كثر العدد بينهما، إذ الغرض المطلوب أن يكون كتابُ الطالب مطابِقاً لأصل مرويه وهو كتاب شيخه فسواء حصل بواسطة فأكثر، أو بدونها. ثم إن التقييد في أصل الأصل بكونه قد قُوبِل الأصل عليه لا بدّ منه، وإلاَّ فلو كان لشيخ شيخه عدة أصول قوبل أصل شيخه بأحدها لا تكفي المقابلة بغيره لاحتمال أن يكون فيه زيادة، أو نقص، فيكون قد أتى بما لم
следующие страницы →