هذا الكتاب
تعد أمثال الضبي أقدم مجموعة وصلتنا من الأمثال، وهي لذلك أقدم صورة لدينا من المثل الجاهلي المقترن بالحكاية، ومن ثم كانت قيمة هذا الكتاب كبيرة، لأنه أصبح مصدراً لأكثر الكتب التي ألفت بعده في هذا الموضوع. وقد اتسع نطاق الأمثال بعد المفضل، فشملت ضروباً أخرى مثل الحديث والحكمة والشعر، وتعددت المؤلفات فيها، وازداد عددها على مر الزمن، وتفرعت في ثلاثة أقسام على الأقل: الأمثال القديمة، وأمثال المولدين، وأمثال العامة، وعلى مر الزمن أيضاً كثرت فيها الخرافات على ألسنة الحيوانات.
وكان كتاب أمثال المفضل قد طبع بمطبعة الجوائب (١٣٠٠هـ؟) ثم طبع مرة أخرى بمصر ١٩٠٩. فلما وجدت أن كثيراً من كتب الأمثال قد أخرج على نحو محقق مفهرس، بعناية علماء محققين، رأيت أنه لا يصح أن يبقى هذا الكتاب - وهو أصل معظم المؤلفات في الأمثال - دون تحقيق، فقرأته على المصادر، وقارنت ما فيه من مادة بما ورد في كتب الأمثال، وزودته بالتعليقات الضرورية، والفهارس الهامة، دون أن أطلع على أصل مخطوط له، وقد كنت حقيقاً أن أفعل، لو تيسر لي ذلك.
وتدل بعض النقول في المصادر على أن المفضل جمع أمثالاً كثيرة، ثم اختار منها هذا العدد الذي رواه عنه ابن الأعرابي، فلدى أبي عبيد القاسم بن سلام نقول كثيرة عن المفضل لم ترد في هذا الكتاب (١) ، وأورد حمزة في الدرة الفاخرة المثل " أفقر من العريان " نقلاً عن المفضل (٢) ، وهو غير موجود في هذا
стр. 2
الكتاب، كما أورد الواحدي في الوسيط مثلاً آخر هو " بق نعليك وابذل قدميك " (١) عن المفضل أيضاً ولا وجود له كذلك في كتابةهذا.
ورغم ذلك فيبدو لي أن مطبوعة الجوائب قد استوفت الكتاب الأصلي، وهي جيدة وليس فيها أخطاء كثيرة، وهي تستحق العناية التي بذلت لإخراجها في شكل جديد مصححة - قدر المستطاع - مزودة بالحواشي التي تتضمن بعض الشروح والكثير من التخريجات، مرفقة بفهارس مختلفة، وقد جعلت للكتاب ذيلاً جمعت فيه بعض الفوائد والاستدراكات الضرورية، التي لم أر وجهاً لإثقال الحواشي بها.
إحسان عباس
بيروت في ٣٠ مايو (أيار) ١٩٨٠.
стр. 3
مقدمة في المؤلف والكتاب
стр. 4
فراغ
стр. 5
مقدمة في المؤلف والكتاب
١ - المفضل الضبي
يبدو أن أخبار المفضل مع الخلفاء والشعراء وغيرهم كانت من الكثرة بحيث تستحق أن تفرد بالتصنيف، وهذا ما يفهم من قول القفطي: " وإن أخر الله في الأجل استقصيت أخباره في مصنف مفرد أسميه: المفصل في أخبار المفضل " (١) ، غير أن القفطي لم يحقق هذه الأمنية في الأرجح، وبقي على الدارس أن يتتبع ما تناثر من أخباره في المصادر؛ وقد وردت ترجمته وبعض أخباره في مصادر غير قليلة - تكشف عنها حواشي هذه الدراسة - ولكن معظم ما ورد متناقل مكرور.
وأكمل صورة لنسبه ترد على النحو الآتي: المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر بن سالم بن أبي سلمى بن ربيعة بن زيان بن عامر بن ثعلبة بن ذؤيب بن السيد مالك بن بكر بن سعد بن ضبة (٢) . ويقف بعض المصادر دون استكمال هذا النسب، إيجازاً، لا إخلالاً متعمداً (٣) .
وترد له في المصادر كنيتان: أبو العباس وأبو عبد الرحمن (٤) ، وشذ ابن الجزري فكناه بأبي محمد (٥) - ولعل ذلك خطأ طباعي أو سهو (٦) .
стр. 6
ولا تتحدث المصادر بشيء محدد مباشر عن أبيه محمد، ولكن بعضها التفت إلى جده يعلى، فذكر أنه كان من موظفي الدولة الأموية، وأن نيله لوظيفته تم على أثر رؤيا رآها؛ فقد رأى في منامه كأن على بابه حبشية عوراء يلوح عليها سواد، فصحا مفزعاً، وفي مساء اليوم نفسه استدعاه الحجاج فولاه خراج الري وهمذان والماهين (١) . ولست أدري وجه دلالة ((الحبشية العوراء التي يلوح عليها سواد)) لدى عابري الرؤى، ولكن من السهل أن نتصور - بناءً على قاعدة التضاد بين الحلم والواقع - أن الفزع في الصباح تحول إلى سرور في المساء.
ولا ريب في أن المفضل كوفي: ولد في الكوفة ونشأ بها، وفيها نال ثقافته الأولى، وخلف زياداً الأعرابي على زوجته بعد وفاة زوجها، وكفل ابنها محمداً - الذي أصبح من بعد عالماً يعرف بابن الأعرابي - ورباه وتعهد تثقيفه (٢) .
وكان من شيوخه الكوفيين (٣) المقرئ المشهور عاصم بن أبي النجود (٤) ؛ فقد أخذ عنه القراءات والحديث (٥) ، ويقول في تصوير علاقته بهذا الشيخ: كنت آتي عاصماً فأقرأ عليه، وإذا لم آته أتاني في بيتي (٦) ؛ زفي قراءته إذا خالف عاصماً
стр. 7
شذوذ، ومن أجل ذلك - فيما أعتقد - ذكر أبو حاتم متروك القراءة إلى جانب تضعيفه في الحديث (١) . ومن شيوخه أيضاً سماك بن حرب أبو المغيرة الكوفي، وكان فصيحاً عالماً بالعشر وأيام الناس، وقد تردد المحدثون بين توثيقه وتضعيفه، وكانت وفاته سنة ١٢٣هـ؟ (٢) . ومنهم سليمان بن مهران المعروف بالأعمش (- ١٤٥) (٣) وإبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي المحدث (٤) ، ومغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الفقيه المحدث (بين ١٣٢ - ١٣٦) (٥) ، وأوب إسحاق السبيعي الكوفي عمرو بن عبد الله الذي لا يختلف العلماء على أنه كان ثقة في الحديث (بين ١٢٦ - ١٢٩) (٦) .
وقد ذكر أنه أخذ عن أبي رجاء العطاردي عمران بن ملحان؛ وهو محدث بصري، ولكن هذا مستبعد لأمرين: أولهما أن العطاردي توفي على أعلى تقدير سنة ١٠٩هـ؟؛ وثانيهما أن المفضل لم يترك الكوفة إلى البصرة إلا بعد سن كبيرة نسبياً. ولهذا أرى الصواب في قول من قال إن المفضل لم يدرك أبا رجاء (٧) ، كما سأبين بعد قليل.
مما تقدم يمكن للدارس أن يتوقف عند عدد من الحقائق منها:
أن أساتذة المفضل كانوا في الجملة كوفيين، يتفانون في ولائهم فبعضهم عثماني مثل عاصم وبعضهم يتشيع مثل الأعمش، وأنهم تميزوا - في الغالب - بالقراءة والحديث على تفاوت واسع فيما بينهم.
стр. 8
وإذن كان جل ما أفاده المفضل من أولئك الأساتذة الكوفيين هو علمي القراءات والحديث، وهذا يلفتنا إلى ظاهرة هامة، وهي عدم تميزه بين معاصريه ومن جاء بعدهم في هذين العلمين، وقد يقال إنه في القراءة أخملته شهرة عاصم - من بعد - حتى أصبح ظلاً له، وأنه لم يكتسب توثيقاً في الحديث لميول مذهبية - ستتضح فيما يلي؛ ولكن الأهم من ذلك أنه برز في الشعر والأخبار دون أن يكون في أساتذته من هو متميز في هذين الفنين، اللهم إلا إذا استثنينا أستاذه سماك بن حرب، والأمر الجدير بالنظر هو كيف حدث هذا التحول في حياته وتحت أي تأثير. وللجواب على هذا التساؤل شقان: أولهما يتعلق بالنشأة والثاني يتصل بتحول هذين الفنين - الشعر والأخبار - مصدر رزق للمفضل عند اتصاله بالخلفاء، والحديث عن الشق الثاني سيجيء في موضعه؛ أما عن الشق الأول فلابد من أن يرتبط التوجه إلى الشعر والأخبار - منذ الصغر - بمؤثرات قوية، منها الميل الطبيعي، ومنها قوة الأستاذ الموجه ومنها أثر البيئة البيتية: وقد عبر الميل الطبيعي عن نفسه تلقائياً حين التقت الموهبة مع الحاجة المادية؛ وأما قوة الأستاذ الموجه فلعلها أن تلفتنا إلى أثر سماك بن حرب فيه، دون سائر أساتذته، فقد كان الرجل عالماً بالشعر وأيام الناس - وإن لم نجد في الروايات ما يؤيد ذلك الأثر - وأما أثر البيئة البيتية فربما أشار إلى أثر والده فيه. وقد قلت - فيما تقدم - إن المصادر لا تتحدث بشيء محدد مباشر عن والده، ولكنها رغم ذلك تقول الشيء الكثير استنتاجاً، ومن تصفح تاريخ الطبري عرف هذه الحقيقة (١) ، فالمفضل يروي عن أبيه محمد بن يعلى أخباراً تمتد من عام ٣٢هـ؟ إلى نهاية الدولة الأموية، أي أخبار قرن كامل، ولكن ما بقي من تلك الأخبار لا يتناول جميع الأحداث، وإنما يقتصر - حسب منقولات الطبري - على إشارات حول معركة الجمل، وهي التي شارك فيها
стр. 9
بنو ضبة بقوة إلى جانب العثمانية، ثم تتركز سائر الأخبار المروية على الأحداث المتصلة بخراسان، وهذا قد يعيد إلينا صورة الجد الذي تولى الخراج في منطقة مقاربة، ولا يستبعد أن يكون محمد والد المفضل ممن اتصل بالحياة في خراسان عن كثب، إما جندياً وإما موظفاً. وهذه الأخبار التي تلقاها المفضل عن أبيه انتقلت إلى تلميذه المدائني الذي لقيه فيما أقدر - في الفترة البغدادية.
وإذا راجعنا أسماء أساتذة المفضل في المرحلة الكوفية، وجدنا أن عاصماً من أقدمهم وفاة (سنة ١٢٧ أو ١٢٨) وهذه حقيقة يجب ألا تفوتنا الإفادة منها، على نحو استقرائي، بربطها مع حقيقة أخرى: وهي حاجتنا إلى الجزم بأن المفضل لم يدرك أبا رجاء العطاردي (الذي توفي سنة ١٠٩) ، وقد يصبح القطع بذلك ممكناً بعد أن نقرأ في تاريخ الطبري (١) ((حدثنا؟ عن المفضل بن محمد عن عدي بن أبي عدي عن أبي رجاء العطاردي قال؟)) فالمفضل إذم لا يروي عن أبي رجاء مباشرة، ولو أدركه لفعل ذلك، وإذن فمن اللاحق باليقين أنه لم يدركه لأحد سببين: إما لأنه لم يكن قد ولد بعد، وإما لأنه كان صغير السن. فإذا قلنا أنه ولد في العاسم الذي توفي فيه أبو رجاء كانت سنه عند وفاة عاصم لا تزيد عن تسعة عشر عاماً، وهي سن لا تسمح لعاصم الشيخ الجليل أن يذهب لزيارة المفضل في بيته إن لم يسارع المفضل إلى القراءة عليه؛ فإذا قدرنا مستوى مرضياً من العمر لهذا الاحترام المتبادل بين الأستاذ وتلميذه وجدنا أن عمر المفضل حين توفي عاصم لم يكن يقل عن خمسة وعشرين عاماً إلى ثلاثين، ويكون تاريخ ميلاده على حسب هذا التقدير بين سنتي ٩٨ - ١٠٣هـ؟.
في تلك المرحلة الكوفية من حياة المفضل كان جل همه منصرفاً إلى طلب العلم؛ غير أنه بعد أن أحكم العلوم التي طلبها جلس للتدريس والقراء، فأخذ عنه عدد كبير من الطلاب في مقدمتهم ربيبه ابن الأعرابي، وعلي بن حمزة الكسائي،
стр. 10
ويقص علينا حبيب بن بسطام الوراق الأزدي البصري كيف كان يتشوف إلى طلب العلم على المفضل، فغادر البصرة إلى الكوفة وهو يتخوف أن يصده المفضل لأنه بصري ولأنه أزدي، فروى عن هاتين الحقيقتين بأن قال له حين سأله عن منبته: ((من أرض الهند)) لأن البصرة كانت تعرف يومئذ بذلك، ولما سأله عن ولائه أجاب: لرسول الله ﷺ ؛ ونرى المفضل وتلميذه الأزدي يرتادان سوق الكوفة، ويدخلان دكان رجل يبيع الخبط والنوى (١) .
ولا ندري الحافز الذي دفعه للانتقال إلى البصرة، رغبة في استيطانها لا على وجه الزيارة العابرة، فقد كان حين رحل إليها قد أتقن المعارف التي شهر بها، وخاصة رواية الشعر والأخبار (٢) ، ولابد من أن تكون رحلته إليها قد تمت قبل سنة ١٤٢هـ؟، وهي السنة التي توفي فيها سليمان بن علي الهاشمي، إذ تذكر الأخبار له صلة بذلك الأمير (٣) . وعلى ما كان لدى علماء البصرة حينئذ من استخفاف بعلماء الكوفة إلى درجة امتناعهم من الأخذ عنهم، فإن المفضل كان استثناء في ميدانه الذي كان يحسنه، فقد وثقوه، وتقلبوا روايته وأخذوا عنه، وقال ابن سلام فيه: ((وأعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة المفضل بن محمد الضبي الكوفي)) (٤) - يعني العلم بالشعر - كما اعترف له جهم بن خلف المازني - رغم هجائه له (٥) -
стр. 11
بالعلم في عدة فنون (١) ؛ وشهد له أبو حاتم السجستاني نزيل البصرة - من بعد فقال: ((كان أوثق من بالكوفة في الشعر)) (٢) وهذه شهادة بتفوق بسبي، وخاصة حين كان البصريون يقارنون بين المفضل وأفادوا من علمه، وقيدوا بعض رواياته وآرائه، واعترفوا بمدى الخلف بين روايتهم وروايته: فقد كانوا مثلاً يعتقدون أن القصيدة الحائية التي يوصف فيها السحاب والمطر ((دان مسف فويق الأرض هيدبه..)) إنما هي لعبيد، على ذلك كانوا مجمعين فلما قدم عليهم المفضل صرفها إلى أوس بن حجر (٣) ؛ وتذاكروا معه شعر الأسود بن يعفر فأخبرهم أن للأسود ثلاثين ومائة قصيدة، وهم لا يعرفون له ذلك ولا قريباً منه (٤) ، فحملوا ذلك - رغم تقديرهم له - على تجوز الكوفيين في قبول ما يحترز البصريون من قبوله.
لمثل هذه الأخبار وغيرها يمكن أن نقف على مبالغة واضحة في قول من قال: ((لم يأخذ أحد من علماء البصريين عن الكوفيين إلا أبا زيد (٥)) ) - يعني أبا زيد الأنصاري سعيد بن أوس (٢١٤) ، بل إن الشواهد تدل على أن علماء آخرين أخذوا عن المفضل، وإن كان أبو زيد نفسه أكثرهم أخذاً عنه - إما في المرحلة البصرية وإما في المرحلة البغدادية اللاحقة - وكان أكثر ما أخذه عنه هو الشعر، إذ قرأ عليه دواوين كثيرة (٦) ؛ وقد صرح أبو زيد في كتاب النوادر بأن ما كان في هذا الكتاب من شعر القصيد فهو سماعه من المفضل (٧) بل افتتح كتابه بقوله:
стр. 12
" أنشدني المفضل لضمرة بن ضمرة النهشلي وهو جاهلي:
بكرت تلومك قبل وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي " (١) ولكن المفضل - على ما ناله من منزلة لدى البصريين - لم يسلم من نقدهم له، ولنا أن نحمل بعض ذلك النقد على المنافسة بين البلدين وعلمائهما، وعلى اختلاف المنهج في الرواية، وعلى المماحكات الآنية بين المتعاصرين، ولكن لا ريب في أن بعض ما أخذوه عليه كان حقاً، فقد وجدوا لديه تخليطاً كثيراً في شعر عدي (٢) ، أي أنه لم يستطع تمييز المنحول فيه من الأصيل، (ولكن هذا نفسه هو ما أصاب خلفاً الأحمر الذي شهد له رواة عصره ونقاده بأنه كان أفرس الناس ببيت شعر) ؛ وخالفوه في بعض الصيغ اللغوية إذ وجدوه مثلاً يقول: العناصي جمع عنصية، بينما ذهب الأصمعي إلى أنها جمع عنصوة (٣) ، وسألوه عن معاني بعض الألفاظ فوجدوه لا يعرفها، مثل لفظة الكرادي (٤) ؛ بل اتهمه أبو عبيدة بالوضع؛ فقد أنشد المفضل هذا الرجز:
أي قلوص راكب تاها ... طاروا عليهن فشل علاها
وأشدد بمنتي حقب حقواها ... ناجية وناجياً أباها قال أبو حاتم: سألت عن هذه الأبيات أبا عبيدة فقال: انقط عليه، هذا صنعه المفضل (٥) ؛ ولا يبعد أن يكون هذا من ظنون أبي عبيدة الذي كان سريعاً إلى الذم.
стр. 13
وأخذت مجالس البصرة تشهد المناظرات والمحاورات بين المفضل وعلماء تلك المدينة، من ذك أن سليمان بن علي الهاشمي جمع بين المفضل والأصمعي، وأنشد المفضل في ما أنشد قول أوس بن حجر ((تصمت بالماء تولباً جذعاً)) - فرواه بالذال المعجمة - والجذع هو الفتي الصغير السن من الإبل وغيرها؛ ففطن الأصمعي لخطأه وقال له: أخطأت إنما هو ((تولباً جدعاً)) (١) بالدال المهملة - والجدع السيئ الغذاء، فقال المفضل: ((جذعاً جذعاً)) ورفع صوته، فقال الأصمعي: لو نفخت في الشبور ما نفعك، تكلم كلام النمل وأصب. فلما تمسك كل منهما برأيه وحفظه احتكما إلى غلام حافظ للشعر من بني أسد فصوب رأي الأصمعي (٢) ؛ ومع أن قراءة المفضل ذات حظ غير يسير الصواب، فإن العلماء أخذوا بقول الأصمعي الذي أخذت عليه أيضاً تصحيفات كثيرة، مثله في ذلك كثير من العلماء والرواة، إذ لم يكن المفضل بدعاً في هذا الصدد، وله تصحيفات سنأتي على ذكرها من بعد.
وكان المفضل ما يزال في البصرة حين قام محمد النفس الزكية بثورته في المدينة وأرسل أخاه إبراهيم إلى البصرة يدعو الناس لمشايعته. ويبدو أن ثورة النفس الزكية وأخيه إبراهيم قد استطاعت أن تجذب إليها كثيراً من الفقهاء والمحدثين وأهل العلم، وأن اشتراك المفضل فيها تم فعلاً: إذ تصرح الروايات المتعاطفة مع تلك الثورة أن المفضل كان زيدياً (٣) ، وأنه مثل كثير من الزيدية رأى الانخراط في صفوف الثورة، وأنه كان من أشدهم تحمساً لها، وأنه كان موضع ثقة إبراهيم، إذ لجأ هذا إلى دار المفضل مستتراً من عيون العباسيين، وكان إذا عقد
стр. 14
لأصحابه اجتماعاً دعاهم إلى تلك الدار نفسها (١) ، وكان المفضل نفسه يخرج ليتسقط الأخبار لإبراهيم، أو ليتعهد بالزيارة ضيعة له كانت على مقربة من تلك المدينة، وكانت حماسته للثورة تدفعه إلى دعوة الناس - بشتى الوجوه والحيل - للانضمام إليها (٢) .
ولما قرر إبراهيم الخروج كان المفضل في صحبته، وهو يقص علينا خبر ذلك الخروج بقوله: ((فلما خرج خرجت معه، فلما صار بالمربد - مربد سليمان ابن علي - وقف عليهم وأمنهم واستسقى ماء فأتي به فشرب، فأخرج إليه صبيان من صبيانهم فضمهم إليه وقال: هؤلاء والله منا ونحن منهم، لحمنا ودمنا، ولكن آباءهم انتزوا على أمرنا، وابتزوا حقوقنا وسفكوا دمائنا)) (٣) وتمثل إبراهيم بأبيات شعرية استحسنها المفضل فسأله عن قائلها، فعلم منه أنها لضرار بن الخطاب الفهري تمثل بها علي بن الحسين ثم زيد ثم يحيى بن زيد، فتطير المفضل له من تمثله بأبيات لم يتمثل بها أحد إلا قتل.
وتحرك إبراهيم مع جماعته إلى باخمري وهناك أتاه نعي أخيه محمد، فأجهش في البكاء، فأخذ المفضل يعزيه ويلومه على ما يظهره من الجزع، وفي كل موقف كان إبراهيم يتمثل بشعر، حتى إذا التحمت الحرب واشتدت قال للمفضل: حركني بشيء، فجاء دور المفضل - وهو الدور الطبيعي للرواية - لينشده شعراً، فأنشده أبياتاً لعويف القوافي، وأعادها عليه مرتين، ((فتمطى في ركابيه فقطعهما وحمل فغاب عني، وأتاه سهم عائر فقتله، وكان آخر عهدي به)) (٤) .
стр. 15
ذلك هو موجز القصة عن اشتراك المفضل في ثورة إبراهيم، وليس ثمة ما يجعلنا نتشكك فيها وإن جاءت من بعض الطرق بصيغة التمريض ((ويقال إن المفضل بن محمد خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن)) (١) ، وقد تعارض القصة بعفو المنصور عنه، فيقال: كيف يعفو عنه وقد كان له دور هام في الأشهر القليلة من عمر تلك الثورة؟ والجواب على ذلك أن المنصور لم يحاول أن يستقصي بعد إذ قضى على رأسي الثورة، إذ كان يعلم أن الاستقصاء سينال كثيراً من ((المثقفين)) في عصره، ولهذا اكتفى بالنصر الحربي، وشمل كثيرين بالعفو، ومنهم المفضل، الذي لم ينل عفواً وحسب بل أصبح - بعد هدأة النفوس - مؤدباً للمهدي، ومنذ هذه اللحظة تم تحول في حياته، فانتقل إلى بغداد، مع كثيرين غيره من علماء الكوفة والبصرة، وكانت هذه المرحلة البغدادية أخصب فترة من العطاء في حياته، وفيها تقرر اتجاهه نحو الشعر والأخبار، وفيها - فيما أقدر - كثر من حوله طلاب العلم والآخذون عنه مثل: الفراء والكسائي والمدائني وأحمد بن مالك القشيري وأبي كامل الجحدري ومحمد بن عمر القصبي (٢) وأبي عمرو الشيباني وعمر بن شبة.
وتستوقفنا هنا رواية تقول: ((قدم بغداد في أيام الرشيد)) (٣) ، وهي تتعارض مع تعيينه مؤدباً للمهدي منذ أيام المنصور، ولهذا التعارض يمكن أن نحملها على الوهم أو الخطأ، إلا أن تعني أنه غادر بغداد مدة بعد وفاة الهادي ثم قدمها من جديد أيام الرشيد.
ومهما يكن من شيء فقد عاصر المفضل خلافة المنصور والمهدي والهادي
стр. 16
وجانباً من خلافة الرشيد، وكان له مع كل واحد من هؤلاء الخلفاء علاقة، فمن المقطوع به أن المنصور هو الذي ندبه ليعلم ابنه المهدي، فكان يراه أثناء تردده إلى القصر، وكان يجالسه ويسأله عن أشياء تتصل باللغة والشعر. قال له مرة: صف لي الجواد من الخيل، فقال: يا أمير المؤمنين إذا كان الفرس طويل ثلاث قصير ثلاث رحب ثلاث صافي ثلاث، فذلك الجواد الذي لا يجارى، ثم فسر هذا القول المبهم بقوله: أما الثلاث الطوال فالأذنان والهادي والفخذ وأما القصار فالظهر والعسيب والساق، وأما الرحاب فاللبان والمنخر والجبهة، والصافية: الأديم والعين والحافر (١) .
ومر به المنصور ذات يوم والمهدي بين يديه ينشد قصيدة للمسيب بن علس مطلعها:
أرحلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع ((فلم يزل واقفاً من حيث لا يشعر به حتى استوفا سماعها، ثم صار إلى مجلس له وأمر بإحضارهما فحدث المفضل بوقوفه واستماعه لقصيدة المسيب واستحسانه إياها، وقال له: لو عمدت إلى إشعار الشعراء المقلين واخترت لفتالك لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صواباً، ففعل المفضل)) (٢) .
تريد هذه الرواية أن تفسر اختيار المفضل لقصائد أصبحت في مجموعها تعرف اقتراح الاختيار إلى المنصور، وأنه استثير إليه عرضاً، وحدد مجال الاختيار بأن يكون من شعر الشعراء المقلين، وإن يكون ما يختار ممثلاً لأجود ما روي لهم؛ ولكن هذا ((الفضل العباسي)) في جمع تلك القصائد يعارضه ((فضل علوي)) ، إذ تذهب رواية أخرى إلى أن إبراهيم بن عبد الله ابن حسن حين كان مستتراً عند المفضل - وكان المفضل يتركه وحيداً في البيت -
стр. 17
طلب إلى المفضل أن يزوده بكتب يتسلى بها ويطرد ما يعتريه من ضيق صدر أثناء وحدته، فأتاه المفضل بشيء من أشعار العرب، فاختار منها قصائد - عددها سبعون - وكتبها مفردة في كتاب، فأخذها المفصل وصدر بها اختياره وزاد عليها قصائد أخرى (١) . وتحاول هذه الرواية أن تجد ما يؤيدها عن طريقين أولهما: إبراز دور إبراهيم في حفظ الجيد من الشعر والتمثل به - كما أشرت من قبل - حتى أنه نال إعجاب المفضل نفسه، وثانيهما أنها منقولة عن أبي عكرمة الضبي) ؛ بل إن إقرار المفضل بدور إبراهيم يأخذ سياقاً أشد حين يتأدى على النحو الآتي: ((قال العباس بن بكار الضبي، قلت للمفضل الضبي: ما أحسن اختيارك للأشعار، فلو زدتنا من اختيارك، فقال: والله ما هذا الاختيار لي، ولكن إبراهيم بن عبد الله بن حسن استتر عندي فكنت أطوف وأ " ود إليه بالأخبار فيأمرني ويحدثني، ثم حدث لي خروج إلى ضيعتي أياماً فقال لي: اجعل كتبك عندي لأستريح إلى النظر فيها، فجعلت عنده قمطرين فيهما أشعار وأخبار، فلما عدت وجدته قد علم على هذه الأشعار، وكان أحفظ الناس للشعر وأعلمهم به، فجمعته وأخرجته فقال الناس: اختيار المفضل)) (٢) .
وليس من العسير أن نجعل الروايتين متكاملتين، ونقول أن لإبراهيم الفضل في ((التأشير)) على تلك القصائد، وأن المفضل وجد الفرصة سانحة حين كان يؤدب المهدي ليلقيها عليه، وأن أبا جعفر المنصور كان يجهل القصة، فلما سمع قصيدة المسيب واستحسنها اقترح القيام باختيار قصائد جياد يحفظها ابنه، فطابق ذلك ما كان لدى الفضل، ولا تصادم بين الروايتين إلا في إشارة المنصور إلى اعتماد شعر المقلين، إذ كيف طابق هذا ما كان إبراهيم نفسه قد فعله؟ إن مثل هذا التطابق يبدو مستغرباً. فإذا حذفنا هذه الإشارة التي تفسر طبيعة المفضليات - كما عرفت من بعد - تسنى للروايتين تكامل تام.
стр. 18
وفي أيام المهدي ظل المفضل مقرباً ممن تلميذه بالأمس، فهو يدخل على المهدي فيستنشده الشعر؛ دخل عليه ذات مرة وعنده عبد الله بن مالك الخزاعي، فقال المهدي: أنشدني أربعة أبيات عليهن قبل أن تجلس، فأنشده (١) :
وأشعث قد قدّ السفار قميصه ... يجر شواء بالعصا غير منضج (٢)
دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلج (٣)
فتى يملأ الشيزي ويروي سنانه ... ويضرب رأس الكمي المدجج (٤)
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشةٍ ... ولا في بيوت القوم بالمتولج فقال المهدي: هذا، وأشار إلى عبد الله بن مالك (٥) . وقد نال من المهدي أيضاً توثيقاً عاماً، وقصة ذلك أن عدداً من العلماء كانوا مجتمعين في دار المهدي بعيساباذ فخرج الحاجب إليهم واستدعى المفضل من بينهم للمثول بين يدي الخليفة فغاب عنهم بعض الوقت ثم خرج في صحبة الحاجب، ومعهما حماد الراوية، وعلى قسمات المفضل إمارات السرور والنشاط، وفي وجه حماد إنكسار وغم، ثم خرج حسين الخادم فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حماداً الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، (وكان المهدي قد استحلفه بالإيمان المغلظة عن أبيات نسبها إلى زهير بن أبي سلمى فأقرّ بأنه وضعها) ووصل المفضل بخمسين ألفاً لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعراً جيداً محدثاً
стр. 19
فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل (١) .
ويستدل من أسفه على الهادي وتمثله ببيتين من الشعر عند وفاته، بأنه كان على علاقة طيبة به (٢) .
وتتوثق علاقته بالرشيد، فنراه يذهب إلى مكة في صحبته، وعند منصرفهما سنح ذئب، فسأله الرشيد، ما أحسن ما قيل في الذئي فأنشده قول الراجز:
أطلاس يخفي شخصه غباره ... في فمه شفرته وناره فقال الرشيد: أحسن الشاعر، ولكني أحفظ ما هو أحسن من هذا فإن جئت به فذلك خاتمي، فقال المفضل: لعل أمير المؤمنين يريد:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ال؟ ... منايا بأخرى فهو يقظان هاجع (٣) فقال الخليفة: ما طرح هذا لسانك إلا لذهاب خاتمي، ورمى به إليه (٤) .
وتجيء هذه الرواية على نحو آخر، فلا يرد شيء عن سنوح الذئي، ولا ينشد المفضل قول الراجز، ومكان اللقاء مجلس للرشيد، لعله في بغداد، يحضره جحظة البرمكي، وتضيف الرواية تقدير قيمة الخاتم وأنها ألف وستمائة دينار، وتضيف عنصراً هاماً إلى القصة: وذلك أن أم جعفر زوج الرشيد سمعت بما جرى للخاتم فاشترته من المفضل بالقيمة نفسها، وأعادته إلى الرشيد قائلة: ((قد كنت
стр. 20
أراك تعجب به)) ولكن الرشيد أعاده إلى الضبي وقال: خذه، وخذ الدنانير فما كنا نهب شيئاً فنرجع فيه (١) .
ويبدو بعض أسئلة الرشيد له نوعاً من الأحاجي، فقد استدعاه يوم خميس بكراً، فلما عليه وجد الأمين عن يمينه والمأمون عن يساره والكسائي بين يديه باركاً يطارحهما معاني القرآن، وبعد أن سلم أمره بالجلوس وقال له: كم اسم في ((سيكفيكهم الله)) فقال: ثلاثة، اسم الله ﵎، واسم النبي ﷺ ، واسم الكفرة، فالياء والكاف والفاء والكاف المتصلات بالسين لله والكاف المتصلة بالهاء للنبي والهاء والميم للكفرة، فوافق ما قاله قول الكسائي أيضاً (٢) .
وامتد به هذا المجلس نفسه فسأله عن معنى قول الفرزدق:
نقل هاماً لم تنله سيوفنا ... بأسيافنا هام الملوك القماقم ثم عن معنى قول الفرزدق أيضاً:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع فكان من توجيه المفضل لمعنى القمرين أنهما حقاً الشمس والقمر كما قال الكسائي، ولكن الشمس ترمز إلى إبراهيم الخليل والقمر إلى النبي ﷺ ، فأما النجوم الطوالع فهي أمير المؤمنين وآباؤه من الخفاء المهديين، فسر الرشيد وأجازه بعشرة آلاف درهم، ثم وضع له مريساً وللكسائي كرسياً، وأخذا يستمعان معه إلى الشعراء الذين دخلوا عليه في ذلك اليوم ومنهم العماني الراجز ومنصور النمري وغيرهما (٣) .
стр. 21
ويستدعيه الرشيد ذات يوم أيضاً رجاء الحصول لديه على شيء من ((الرياضة الذهنية)) ويسأله أن يلقي عليه بيتاً يحتاج إلى مقارعة الفكر في استخراج خبيئه، فيقول له المفضل: ((أتعرف بيتاً أوله أعرابي في شملته، هاب من نومته، كأنما صدر عن ركب جرى في أجفانهم الوسن فركد، يستفزهم بعنجهية البدو وتعجرف الشدو، وآخره مدني رقيق قد غذي بماء العقيق؟)) فقال الرشيد: لا أعرفه، فقال المفضل: هو بيت جميل:
ألا أيها الركب النيام ألا هبوا ... (ثم أدركته رقة المشوق فقال)
أسائلكم هل يقتل الرجل الحب. ... واتخذ الرشيد عندئذ دور السائل في هذه المباراة، وقال المفضل: هل تعرف أنت الآن بيتاً أوله أكثم بن صيفي في أصالة الرأي ونبل العظة، وآخره ابقراط في معرفته بالداء والدواء؟ فقال المفضل: قد هولت عليّ، فليت شعري بأي مهر تفترع عروس هذا الخدر؟ قال: بإصغائك وإنصافك، وهو قول الحسن ابن هانئ:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء (١) فإذا قبلنا بالروايات التي تصور علاقته بكل من الهادي والرشيد، صح لدينا أن تاريخ وفاته ب؟ ((١٦٨)) (٢) خطأ واضح، لأن الهادي نفسه بويع سنة ١٦٩ وتولى الرشيد الخلافة في السنة التالية. وأقرب إلى الصواب قول من قال إنه توفي سنة ١٧١هـ؟ (٣) . وجاء في الطبري: ((ذكر الضبي أن شيخاً من النوفليين قال: دخلنا
стр. 22
على عيسى بن جعفر؟)) (ثم قص قصة خروج يحيى بن عبد الله، وكان ذلك سنة ١٧٥ والخبر أورده الطبري في أحداث سنة ١٧٦) (١) فإن كان الضبي هو المفضل، فإنه قد أدرك ثورة يحيى أو لعله تجاوز بداياتها بقليل.
كان المفضل طويلاً جميلاً - كذلك وصفه أبو الجواب الأعرابي حين رآه (٢) - وكان أقرب إلى الوقار قليل المزح، وإذا حاوله لم يعدم أن يتورط (٣) ، صدوق اللهجة، ولا يتزيد في الرواية ويكره الانتحال ويزيد كرهاً له ابتعاداً عنه ما كان من حماد الراوية نفسه، فالمفضل يشهد أنه قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده، لأنه كان عالماً بلغات العرب وأسعارها ومذاهب الشعراء فكان يقول الشعر يشبه مذهب الرجل ويدخله في شعره (٤) ولذلك أستبعد اتهام أبي عبيدة للمفضل بالوضع. وإذا كان بعض المحدثين قد جرحه في القراءة والحديث، فذلك موقف قلما سلم منه أحد من شيوخه الكوفيين فأحرى ألا يسلم هو، ولعل لاعتناقه المذهب الزيدي دخلاً في ذلك؛ فإذا كان الميدان هو الشعر والخبر فهو موثق في روايته (٥) . ومع طول باعه في الرواية فهو لا يقول الشعر ولا يزعم لنفسه القدرة على ذلك، ولما سئل عن ذلك قال: علمي به يمنعني من قوله (٦) ، وقد أدركه الحرج في أواخر أيامه من روايته لشعر الهجاء وكتبه، فأقبل يكتب المصاحف ويقفها في المساجد تكفيراً عن ذلك (٧) ؛ ويبدو أنه كان يكرر الذهاب إلى الحج،
стр. 23
وأنه كان يقوم بذلك في دور مبكر من حياته، وكان إذا حج نزل عند الأعراب، وأغلب الظن أنه اتخذ هذا طريقه لإتقان اللغة وجمع الألفاظ والاستكثار من الأخبار والروايات، وهو يحدثنا أنه في إحدى المرات نزل على خرقاء صاحبة ذي الرمة، فوجدها امرأة طويلة حسّانةً بها فوه، فتحدث إليها، ولما سألته هل حججت أجاب ((غير مرة)) فداعبته لأنه يحج ولا يزورها مع إنها منسك من مناسك الحج، كما يقول ذو الرمة:
تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام (١) ولعل عطايا الخلفاء مكنته من أن يعيش فوق مستوى الكفاف، وأن يقتني ضيعة، وربما صح أن يقال إنه كان سخياً راعياً لحقوق الجوار، فنراه يهدي بعض جيرانه أضحية، فلا يتلقى من ذلك الجار عليها سوى التعريض اللاذع (٢) .
وقد جعلته الحياة القائمة على الرواية طلعة كثير التسآل، لا في شؤون الشعر والأخبار بل في أمور الحياة عامة (٣) ، ويدل حواره مع راوية الكميت (محمد ابن سهل) على أنه لم يكن يرضى بقبول شيء دون محاكمة؛ فقد وصف الكميت الرخمة بالكياسة مخالفاً كل من وصفها بالحمق (٤) ، فيعلل محمد بن سهل ذلك بأن كيسها يظهر في حفظ فراخها واختيارها المساكن التي لا تبلغها سباع الطير، فيقول المفضل: نحن لا نعرف طائراً ألأم لؤماً ولا أقذر طعمة ولا أظهر موقاً منها، فيرد عليه ابن سهل منكراً حمقها، لأنها تحضن بيضها وتحمي فراخها وتحب ولدها وتقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع (٥) . ولا ينتهي هذا الجدل - فيما يبدو - إلى اتفاق.
стр. 24
وتتفاوت المصادر المبكرة والمتأخرة في تصوير مدى ما كان يحسنه من علوم: فهو عند أبي الطيب اللغوي مختص بالشعر ولم يكن أعلم أهل بلده في اللغة والنحو (ولكن هذا لا ينفي أن له حظاً منهماً) بل إنه أقر - وهذا مستغرب - بأنه لا يحسن شيئاً من الغريب ولا من المعاني ولا تفسير الشعر وإنما يروي شعراً مجرداً (١) ، وهو قول تنقضه شواهد متعددة في المصادر كما ينقضه الأزهري بقوله: ((الغالب عليه رواية الشعر وحفظ الغريب (٢)) ) وهو عند الزبيدي لا يحسن معنى بيت ولا يضبطه (٣) . ونتقدم في الزمن فنجد الخطيب - وعنه ينقل السمعاني والقفطي - يعده ((علامة رواية للآداب والأخبار وأيام العرب)) (٤) وقريب من ذلك قول ياقوت ((عالم بالأخبار والشعر والعربية)) (٥) - ثم يصبح في المصادر التي جاءت بعد القرن السابع: إماماً في اللغة والنحو، مقرئاً نحوياً موثقاً، علامة في النسب (٦) ، وهكذا ينعدم التمييز بين ما كان فيه مجلياً وما كان فيه مصلياً وما كان فيه سكيت رهان، وتستوي له ((الإمامة)) في الجميع، ومن الملاحظ أن المصادر المتأخرة (ما عدا كتب رجال الحديث والقراءات) لم تعد تشير إلى دوره في الحديث، سلباً وإيجاباً.
ومن الصعب أن يصدق المرء كيف يمكن لإنسان أن يروي الشعر دون أن يعرف معانيه أو تفسيره (والغريب جزء من ذلك) ثم يتفق له أن يختار ما يمكن أن يعد مجموعة جميلة من القصائد، بل يذهب في تفسيره أحياناً إلى عمق باطني رمزي، كما فعل عندما سئل عن معنى ((القمرين)) في بيت الفرزدق. بل إننا لو
стр. 25
حاولنا جمع الشواهد المروية عنه لوجدنا له موقفاً متميزاً في فهم معاني الشعر، فهو يقرأ ((حرج)) بكسر الحاء وسكون الراء، ويقرأ غيره حرج في قول الشاعر:
يتبعن قلة رأسه وكأنه ... حرج على نعش لهن مخيم لأنه يرى أن معنى الحرج: ((الخيال)) (١) .
ويفسر ((العير)) بمعنى ((الوتد)) في قول الحارث بن حلزة في معلقته:
زعموا أن كل من ضرب العي؟ ... ر موالٍ لنا وأنا الولاء بينما يرى غيره أن العير قد ينطلق إلى كليب أو قد يعني الحمار (٢) . وإذا مر به بيت عمرو بن كلثوم ((وسيد معشر قد توجوه)) قال: إنما سمي سيداً لأنه كان يسودهم في العطاء ويهشم الثريد (٣) . ويمر بلفظة ((قيل)) فيقول: هو الملك وجمعه أقيال أو قوال (٤) ؛ ويوجه دلالة ((معد)) في قول عمرو بن كلثوم ((وقد علم القبائل من معدّ)) بأنه معد بن بكر (٥) ؛ وإذا تذكرنا أن المفضل يروي عن الأعراب أمثال أبي العدرج وأبي الغول (٦) لم نصدق أنه كان يأخذ الشعر دون أن يسألهم عن معانيه. قال تلميذه أبو زيد: كنا يوماً عند المفضل وعنده الأعراب فقلت لهم، قل لهم: يحقرونها فقالوا: شييرة (٧) ؛ وللمفضل وقفات لغوية واضحة، تدل على اطلاع واسع ومعرفة دقيقة، فهو يقول إن ورى الزند ووري لغتان (٨) ، وإن الناموس هو الذي يتعرف الأخبار وينقر عنها (٩) ،
стр. 26
ويتحدث عن مراحل عمر الإنسان على النحو الآتي: العرب تقول للغلام إذا بلغ عشر سنين: رمى، أي قويت يده، فإذا بلغ عشرين قالوا: لوى، أي لوى يد غيره، فإذا بلغ ثلاثين قالوا عوى، وعوى أشد من لوى قليلاً، فإذا بلغ أربعين قالوا: استوى، فإذا بلغ الخمسين قالوا: حري أن ينال الخير كله (١) .
ثم إن امرءاً يؤلف كتاباً في معاني الشعر لا يمكن أن يقال فيه ((لا يحسن معنى بيت ولا يضبطه)) ، إلا أن يغلب الخطأ على ذلك الكتاب (٢) .
وأتجاوز هذه القضية التي لا تتطلب نقاشاً طويلاً (٣) لأقول: إن المفضل يمكن أن يعد ناقداً للشعر - من طبقة النقاد الرواة - فهو بحكم مختاراته ناقد ذو ذوق أصيل، وهو في تفضيله لشاعر على آخر يفيء إلى حسه النقدي كذلك؛ قال ابن الأعرابي: سألت المفضل عن الراعي وذي الرمة أيهما أشعر فزبرني وقال لي: مثلك يسأل عن هذا؟! يريد أن الراعي أشعر (٤) ، وهو إذا ذكر شعراء العصر الأموي قدم الفرزدق تقدمة شديدة (٥) وعلل ذلك بأن الفرزدق قال بيتاً هجا في قبيلتين (٦) ويرى أن أحسن ما قيل في القسم - دون أن يحاول تعليل ذلك - قول الاشتر النخعي:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشن على ابن هند غارة ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس (٧) وذلك قسم فيه من الأغراب الشعري والجدة ما فيه، مما يدل على حس نقدي أصيل.
стр. 27
ولديه مفهوم واضح عن البلاغة، فعندما سأله تلميذه وربيبه ابن الأعرابي عن الإيجاز قال: هو حذف الفضول وتقريب البعيد (١) ، ومع ذلك فإنه كان دائم التسآل عن مفهوم البلاغة لدى الآخرين وخاصة الأعراب (٢) .
وهو - كأقرانه من العلماء الرواة - يستطيع أن يميز المنحول من الأصيل، فإذا مر به هذا البيت المدرج في قصيدة عمرو بن كلثوم:
ليستلبن أبداناً وبيضاً ... وأسرى في الحديد مقيدينا قال: ليس هو من هذه القصيدة (٣) ؛ فإذا غمض عليه المنحول من الصحيح في شعر عدي بن زيد، فذلك ليس غريباً، لا سيما وهو مخلص ((لمدرسة الكوفية)) التي لم تكن تتشدد في قبول الاتساع في رواية الشعر.
ومع هذا الاطلاع الواسع على التراث الشعري، والنظرة الناقدة، فإنه - شأن غيره من الرواة - لم يبرأ من التصحيف؟ والتصحيف في حقيقته يدل على اجتهاد في القراءة والتأويل معاً، وإذا كان مرجوجاً في هذين الأمرين - أعني القراءة والتأويل - فهو لا يدل على جهل الراوي إطلاقاً. وقد أشرت إلى نموذج من تصحيفاته فيما تقدم، أما سائر ما أخذ عليه فيمكن تلخيصه فيما يلي (٤) .
١ - قرأ بيت الأعشى:
ساعة أكبر النهار كما ... شد محيل لبونه إعتاما وصوابه ((مخيل)) - بالخاء المعجمة - أي رأى خالاً من السحاب فخشي على بهمه أن تفرق للمطر أو يضر بها فشدها، وأكبر النهار ضحى النهار.
стр. 28
٢ - قرأ بيت المخبل السعدي:
واذا ألم خيالها طرقت ... عيني فماء دموعها سجم وهو ((طرفت)) بالفاء.
٣ - قرأ بيت أمرئ القيس:
نمس بأعراف الجياد أكفنا؟ ... صوابه ((نمش)) والمش: مسح اليد بشيء خشن.
٤ - قرأ: ((حلى وأحمس)) ، وصوابه ((جلي وأحمس)) وهما قبيلتان من بني ضبيعة بن ربيعة.
٥ - قرأ قول الشاعر:
بين الأراك وبين النخل تشدخهم زرق الأسنة في أطرافها شبم فصوبه الأصمعي وقال أنه ((تسدحهم)) أي تصرعهم.
٦ - وأنشد في صفة البرق: ((ويموت فواقاً ويسري فواقا)) فصوبه الأصمعي ((ويشرى)) (١) ، وقال آخر أن الرواية كلها خطأ وأن الصحيح ((يموت فواقاً ويحيا فواقا)) .
٧ - وقرأ قول الشاعر:
أفاطم أني هالك فتبيني ... ولا تجزعي كل النساء يتيم وهو مذهب في ألفهم مجازي بمعنى إذا مات زوج المرأة فقد يتمت، وإنما الصواب ((تئيم)) أي تصبح أيماً، وقراءة المفضل مما روي عن الخليل.
٨ - وروى بيت أوس ن حجر:
ليث عليه من البردي هبرية ... كالمزبراني عيارعيار بأوصال
стр. 29
وإنما هو كالرزباني
٩ - وأخذ عليه الأصمعي روايته لبيت آخر لأوس:
تركت الخبيث لم أشارك ولم أذق ... ولكن أعف الله كسبي ومطمعي وإنما هو ((أدق)) بالدال المهملة، من ودق يدق بمعنى لم أدن منه.
١٠ - وقرأ قول الحطيئة:
لقد شوشت أمر بنيك حتى ... تركتهم أدق من الطحين فتعقبه الأصمعي وقال إنما هو ((سوست)) أي ملكت.
١١ - ومن شعر الأعشى: ((جونة جارية ذات روح)) قال الأصمعي: وإنما هو ((جارنة)) أي جرنت ومرنت لكثرة ما ينبذ فيها.
١٢ - وروى قول حاتم الطائي: ((يرى الخمس تعذيباً)) وإنما، صوابه ((يرى الخمص)) (١) .
ومن تأمل هذه الأمثلة بعين الناقد البصير درى أن لكل قراءة أوردها المفضل وجهاً مقبولاً، وإذا عرفنا أن أكبر متعقبين لقراءته هما خلف الأحمر وأبو عبيدة، أدركنا أن هناك اتجاهاً بصرياً - في أغلب الأحيان - يقف متحدياً للرواية الكوفية.
فإذا تجاوزنا الشعر وتفسيره وتقييمه وجدنا للمفضل مشاركة هامة في معارف أخرى، فكتابه الأمثال - موضع هذا الاهتمام - بمثل صورة دقيقة لمعرفته بالأيام، والأساطير الجاهلية (٢) والحكايات (٣) ورواية المدائني في الطبري معرض لمعرفته بأخبار التاريخ الإسلامي، وخاصة لمنطقة خراسان (٤) ، كما أن لديه معلومات هامة
стр. 30
عن الشعراء الإسلاميين والمحدثين (١) ؛ فأما معرفته بالقراءات، فقد تواترت، وفي هذا يقول ابن الجزري: ((تلوث القرآن بروايته من كتابي المستنير لابن سوار والكفاية لأبي العز وغيرهما، مع شذوذ فيها)) (٢) فأما معرفته بالنسب والنحو فلم أجد - فيما بين يدي من مصادر - ما يوثق القول بها؛ وكذلك الأمر في الحديث، إلا حديثاً واحداً أشرت إليه فيما تقدم.
وهاهنا مشكلة تعد من قبيل التنبيه الضروري وهي أن صاحب جمهرة أشعار العرب قد روى في صدر كتابه حكاية عن المفضل الضبي بعبارة: ((فمن ذلك ما حدثنا به المفضل بن محمد الضبي)) (٣) مما يشير إلى أن مؤلف الجمهرة معاصر للمفضل، وهو أمر ربما لم يثبت للنقد الدقيق، وبعد صفحات نجد مفضلاً آخر هو المفضل بن عبد الله المحبري (٤) ثم توالى النقل بعد ذلك عن رجل اسمه المفضل له رأي في عدد المعلقات (٥) وله رأي في أشعر الناس (٦) وله آراء أخرى وروايات (٧) ؛ ولكن الأمر غبي على المؤلفين المتأخرين، عند النقل، فالرأي في عدد المعلقات، وفي أشعر الناس ينسب إلى المفضل - المحبري دون لبس (٨) . وإنما أورد هذا ليحذر الباحث الحديث من الخلط بين المفضلين.
وثمة أمر آخر يستدعي التنبه وهو مدى عصبية المفضل لبني ضبة، نعم نحن
стр. 31
نعرف من قراءة كتاب الأمثال أنه افتتحه بأحاديث وأمثال تتصل بضبة وأبنائه (١) ، وأنه يروي أشعاراً لبني ضبة (٢) ، ولكن لا نستطيع أن نحمل ذلك على محمل العصبية، وإن اتهمه أحدهم - وكان أزدياً بصرياً - بأنه إن علم أنه من أهل البصرة شنئه، وإن عرف أنه أزردي كان اشد بغضاً (٣) فمثل هذا الاتهام لا تؤيده سعة روايته للشعر والأخبار، مما يستغرق معظم القبائل.
ولقد ألف المفضل ف الموضوعات التي كان يحسنها، وذلك خبر شاهد على ما كان يحسن، وهذه هي مؤلفاته التي لم يصلنا منها سوى كتابين:
١ - كتاب في العروض (٤) .
٢ - كتاب في معاني الشعر (٥) .
٣ - كتاب في الألفاظ (٦) .
٤ - الاختيارات، وتسمى المفضليات (٧) ؛ وقد أوردت فيما سبق أخباراً عن صلتها بكل من المفضل وأبي جعفر وإبراهيم بن عبد الله، وإن نواتها كانت سبعين قصيدة أفردها إبراهيم بالكتابة أو علم عليها، ثم أضاف إليها المفضل ما أضاف، وأزيد هنا: أن أبا عكرمة الضبي ذكر أن ما أخرجه المفضل منها ثمانون قصيدة، ألفاها على المهدي، ثم قرئت هذه القصائد على الأصمعي فبلغت مائة
стр. 32
وعشرين، قرأها عليه تلامذته وهم أبو العالية الانطاكي والسدري وعافية بن شبيب - وكلهم بصريون - وأنهم استقرأوا الشعر، فأخذوا من كل شاعر خيار شعره وضموه إلى المفضليات حتى بلغت ذلك العدد، وسألوه عما فيها من معاني الشعر وغريبه فكثرت جداً (احتى بلغت مائة وعشرين) (١) وهي في العدد النهائي لها قد بلغت ١٢٨ قصيدة - تزيد وتنقص، وتتحمل التقديم والتأخير، وأن أصحها رواية ابن الأعرابي عن أستاذه المفضل (٢) ، وأنها حسب ما أوردها ابن الأنباري تنقص قصيدتين (٣) ، وفيها مختارات لسبعة وستين شاعراً منهم ٤٧ جاهليون وأربعة عشر من المخضرمين، وستة من الإسلاميين (٤) .
٥ - كتاب الأمثال (٥) ، وهو ما سأتحدث عنه في الفقرة التالية.
٢ - كتاب الأمثال
لا مماراة في أن المفضل كتب كتاباً في الأمثال (٦) ، بذلك تشهد النقول التي جاءت من بعد عن ذلك الكتاب مثل كتاب الفاخر للمفضل بن سلمة وكتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام والدرة الفاخرة لحمزة والزاهر لابن الأنباري وجمهرة الأمثال للعسكري والوسيط للواحدي وشرح الأمثال لأبي عبيد البكري ومجمع الأمثال للميداني والمستقصي في الأمثال للزخشري (٧) . وهذه النقول تشير - رغم ما قد يعتري من حذف أو تصرف - إلى مصدر معتمد يحمل اسم
стр. 33
المفضل الضبي. وقد قرأه عليه تلامذته، وخاصة ابن الأعرابي، الذي وصلت روايته للكتاب إلى الأندلس على النحو الآتي (١) :
المفضل
ابن الأعرابي
الطوسي
أبو العباس الأحول
أبو العباس ثعلب
نفطويه
أبو بكر بن شاذان
أبو ذر الهروي
أبو سعيد الوراق
ابن السيد
أبو الحسين بن هشام
أبو بكر خير
وقد سبق المفضل إلى التأليف في الأمثال عدد من الرواة والعلماء منهم عبيد بن شرية الجرهمي (٢) وعلاقة بن كرشم (كريم) الكلابي (٣) ، وصحار بن عياش العبدي (٤) ونقل البكري عن هؤلاء الثلاثة في كتابه ((فصل المقال)) ولدى المقارنة تتضح لنا الأمور الآتية:
١ - لا ناقتي في هذا ولا جملي (٣٨٨) روى له صحار بن عياش قصةً مختلة تماماً عما أورده المفضل الضبي.
стр. 34
٢ - سبق السيف العذل (٦٩) رواه عبيد بن شرية وقرنه بقصة مختلفة.
٣ - لا فتى إلا عمرو، وقصة لقمان وعمرو بن تقن (١٠٣) اتفق فيه عبيد والمفضل.
٤ - وابأبي وجوه اليتامي وخبر سعد القرقرة (٢١٠) اتفق فيه عبيد والمفضل.
٥ - التجريد لغير نكاح مثلة (٤١٥) اتفق فيه علاقة والمفضل.
٦ - عرفتني نسأها الله (٧٩) اتفق فيه عبيد وعلاقة المفضل.
٧ - أمثال أوردها عبيد ولم يوردها المفضل: عند جفينة الخبر اليقين (٢٩٥) من يشتري سيفي وهذا أثره (٣١٩) ؛ أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك (٣٢٠) .
٨ - أمثال أوردها علاقة ولم يوردها المفضل: القول ما قالت حذام (٤٢) كلاهما وتمرا (١١٠) ؛ خلا لك الجو فبيضي واصفري (٣٦٤) ؛ لا مخبأ لعطر بعد عروس (٤٢٦) .
من ذلك كله يتبين لنا أن تطابق بين الربعة، فهناك أمثال رواها كل من علاقة وعبيد ولا وجود لها عند المفضل، وقد يقال العكس لو وصلنا كتابا عبيد وعلاقة أيضاً؛ ونحن نعلم أن علاثقة كتاب عبيد (أو روايته) وينقل عنه (١) ، وأن عبيد بن شرية يروي عمن يسميه مالك بن جبير العامري (٢) ، ولكنا لا نعلم على من اعتمد المفضل في هذا المجموع الذي وصلنا برواية الطوسي عن ابن الأعرابي. والطوسي هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن سنان التميمي، عالم راوية للقبائل وأشعار الفحول، لقي مشايخ البصريين والكوفيين، وكان أكثر أخذه عن ابن الأعرابي (٣) ؛ ولابن الأعرابي نفسه كتاب ((تنسيق الأمثال)) (وفي قراءة: تفسير
стр. 35
الأمثال) (١) ، ولا يبعد أن يكون هذا الكتاب تنسيقاً لأمثال المفضل أو تفسيراً لها. على أن أثر كل من ابن الأعرابي والطوسي في هذا المجموع واضح، فهناك تعليقات وشروح لغوية في صفحات متعددة من الكتاب تدل على تدخل من هذين الرجلين، وفي تعليق على المثل ((تسمع بالمعيدي)) نجد اسم الكسائي أيضاً: (قال الكسائي: الطوسي يشدد الدال ويقول: المعدي) ، ومن الواضح أن هؤلاء الثلاثة متأخرون في الزمن عن المؤلف، وأن النص الذي وضعه الممفضل، لم يبق على نقائه الأول، بل فيه تصويب لبعض ما وهم فيه مثل قوله أن البسوس اسم للناقة، مع أن اسم ناقتها ((سراب)) (٢) .
وقد يوهم النص لدى المفضل أنه يروي عمن أسمه أبو النجم حبيب بن عيسى (٣) ، ورغم أني لم أعثر على تعريف بهذا الرجل فإني أميل إلى الاعتقاد بأن رواية حبيب بن عيسى مضافة إلى الكتاب الأصلي، لأنها حيثما وردت تمثل تعديلاً لرواية المفضل أو معارضة لها أو زيادة عليها؛ ومثل هذا العمل يبدو مبنياً على مقارنة روايتين منفصلتين، ولابد - إذا صح ذلك - أن يكون من عمل أحد المعلقين. وفي إحدى الأحوال ربما قدرنا أن بعض الأمثال لم يكن يعرفها المفضل، ففي أمثال بيهس زاد حبيب بن عيسى: ((دعوني فكفي بالليل خفيرا)) (٤) ، ومن ذلك أنه بعد أن أورد المثل ((لعلني مضلل كعامر)) قال: ومما زاده في هذا الحديث/ المثل ما قاله المستوغر ((إن المعافى غير مخدوع)) (٥) ، فهذا الثاني زيادة لا ندري من أضافها، وإن أصبحت في كتب الأمثال من بعد هي
стр. 36
المعتمدة (١) ، وتوارى المثل الأول ((لعلني مضلل كعامر)) أو انقطعت صلته بأخيه المثل السابق.
إن هذين المثلين قد يدلان على أن النقل عن المفضل الضبي لدى كل من الميداني والعسكري لم يكن يتم بالاطلاع المباشر على كتابه بل بالواسطة، أو قد يدلان على عدم اتفاق النسخ التي احتفظت بأمثال الضبي، فالميداني أورد للمثل ((إن المعافى..)) قصة لا علاقة لها بالقصة التي أوردها المفضل، ثم أورد ((لعلني مضلل كعامر)) (٢) ، فاختصر القصة التي أوردها المفضل. وأما العسكري فإنه لا يعرف شيئاً عن المثل الأول؛ وإنما أورد الثاني في حرف الحاء ((حسبتني مضللاً كعامر)) ثم قال: ولا نعرف عامراً هذا (٣) ؛ ومثل هذين الفرضين قد يفسران اختفاء أمثال - أوردها المفضل - من المجاميع كان يهدف إلى الاستقصاء في الجمع والتبويب.
ومما يستوقف النظر الأمثال التي وردت على وزن ((أفعل)) ولعلها لا تتجاوز ثمانية، وفي معظمها يمكن القول بأنها إضافات متأخرة؛ كذلك لا نجد لدى الضبي من أمثال على ألسنة الحيوانات إلا مثل الحية ((ذات الصفا)) ولولا تواتر الرواية بنقل قصة هذا المثل عن المفضل لرجحت أنه مما زيد على أصل الكتاب، خصوصاً وأنه قد جاء آخر شيء فيه.
ويقابل هذا الحضور الضعيف في أمثال أفعل والأمثال على ألسنة الحيوانات، شهود واضح لما يمكن أن يسمى ((الأمثال العنقودية)) ، وأعني بذلك تفرع عدة أمثال عن قصة واحدة، أو ربط قصة واحدة بسلسلة من الأمثال، ويرى الدكتور عبد المجيد عابدين أن طائفة كبيرة من هذه الأمثال كانت هي الأصل ثم
стр. 37
لفقت لها القصص بعد ذلك لشرحها وتفسيرها)) (١) ، وقد يصدق هذا على المثل المفرد الذي تروى حوله أحياناً عدة قصص، ولكن الأمثال العنقودية تحتاج خيالاً في الربط السردي لتطور الحوادث أولاً، فهذا الخيال هو الذي يقوم بعملية ((الحكاية)) المسترسلة، أما ما يصبح فيها أمثالاً فليس سوى الذرى الشاهقة في الحكاية أو نقاط التحول أو سطوع الحكمة في الحوار؛ وحين تصبح تلك الحكايات مجالاً للسمر والتسلية، يقف القاص فيها عند تلك النقاط الحية ويوردها في نغمة خاصة، فتصبح على كل لسان، وتجتزأ من الحكاية كما يجتزأ البيت السائر من القصيدة.
وتتمثل هذه الأمثال العنقودية في الأحداث الكبرى مثل حرب داحس وحرب البسوس، وقصة ابنة الزبا (٢) ، وفي الدوران حول بعض الشخصيات الكبرى أو الغربية مثل لقمان والحارث بن ظالم، وانعمان بن المنذر والسليك بن السلكة وبيهس (الأحمق الحكيم) وبين هذين الموضوعين فرق واضح، فإن الأمثال حول الأحداث يضبطها سياق متسلسل، بينا تجيء الأمثال حول ((الأبطال)) في صورة ((عناقيد مفرقة)) ليس فيها وحدة متسلسل، ولهذا تجد الحكايات عن لقمان مما أورده المفضل ومما لم يورده أو عن الحارث بن ظالم، مفرقة في عدة مواطن، لا تربطها وحدة كبرى، كما أن شيئاً من الافتعال واضح في محاولة ربط بعض العناقيد أحياناً بالبعض الآخر؛ ومما يدل على أن سياق الحكاية هو الأهم في قصص الأحداث الكبري، أن الأمثال قد تنتهي، ولكن المفضل يعمد إلى إيراد القصة مكتملة ولو خلت من أمثال.
وتتناول أمثال الضبي - باستثنائات يسيرة - العصر الجاهلي، وتبدو فيها
стр. 38
صورة قبيلة تميم واضحة، فإذا أضفنا إلى تلك الصورة الأمثال عن بكر وتغلب وأياد والحيرة، اتضح لنا أنها في معظمها قد نبتت في شرق الجزيرة العربي. ومما يلفت النظر حقاً دوران كثير منها حول العلاقات العاطفية - وفي الغالب الجنسية - بين المرأة والرجل، وهي كثيراً ما ترد للحكم على نفسية المرأة وركونها إلى الشهوات، وقد يستنتج منها أن الرواة في العصر الإسلامي كانوا يبيحون لأنفسهم إطلاق العنان للأخيلة حول ما يمكن أن يسمى ((تحللا)) في العلاقات الجاهلية، دون أن يشعروا بحرج في ذلك، ومن دون أن يحسوا إزاء ذلك الماضي ((بغيرة قومية)) ؛ ولهذا ربما لم تكن صالحة لدراسة طبيعة المجتمع الذي نسبت إليه، وينبهنا الدكتور زلهايم بحث إلى أن المرء يجب أن يحذر من الاعتماد عليها في التاريخ الحضاري لأنها لم تسلم من التأثير الأجنبي (١) ؛ فإذا لم ترتفع إلى هذا المستوى ظلت أقاصيص أسطورية تؤخذ للتسلية، لأنها أيضاً لا تصلح أن تكون مادة تاريخية وقائعية، ذلك هو حال الحكايات المقترنة بالأمثال، فأما الأمثال نفسها فتظل ذات قيمة لغوية أدبية.
وقد كان الأقدمون يلحظون أحياناً عدم صلاحيتها في تصوير شخص ما تصويراً منسجماً متساوقاً (لأنها - فيما ظن - انطلقت من جهات متعددة وفي أزمان متباعدة ثم جمعت معاً) ، فهذه دغة مضرب المثل في الحمق، بحيث لا يرجى لحمقها برؤ تنسب إليها أمثال تدل على حظ كبير من الكياسة والذكاء، ولذلك يضطر الراوي أن يقول إن هذا الضرب الثاني من الأمثال إنما صدر عنها وقد بلغت درجة عالية ((من الشرف والعقل)) (٢) ، وذلك يشير إلى إحساس الراوي التفاوت بين فئتين من الأمثال كل منهما ينسب لدغة، وليس كذلك الحال مع بيهس، لأن شخصية بيهس - التي كانت ممحوة المعالم أمام شخصيات أخوته - وجدت التعبير
стр. 39
عن ذاتها حين فقد أولئك الأخوة، فالأمثال الصادرة عنه تثبت خطأ تربوياً في معاملة الأبناء، ولهذا كان من أول ما جهر به بيهس لأمه حين قالت له ((ما جاءني بك من بين إخوتك)) ؟ أن قال لها: ((لو خيرك القوم لاخترت)) ، لقد كان محروماً من عطف الأم ولذلك قال الناس: ((ثكل أرامها ولدا)) فبيهس هو ضحية تلك التفرقة، وحمقه ليس إلا تعبيراً عن نقمته، فهو من ثم يخفي عقلاً وحكمة، لابد أن تظهرهما الأيام، وقد فعلت، ولكن بثمن غالٍ.
إن هذا التفاوت هو الذي يجعل شخصاً مثل الحارث بن ظالم مضرب المثل في الغدر ومرب المثل في الوفاء. كذلك لو أن أمرءاً حاول أن يستخرج صورة منسجمة العناصر للقمان لأعياه ذلك: والأمر المحوري في قصص لقمان أنه كان صاحب نم، ولكن هذا لم يمنعه من أن يصبح صاحب إبل أو أن يحاول ذلك، رغم أنه نحر إبل أهل زوجته انتقاماً لأنها أطعمته لحم جزور؛ وتتخذ المنافسة بينه وبين ابنه لقيم من أخته بعداً جديداً يضع لقمان في الظل، مع أنه في قصص أخرى رجل جبار يفرض الأتاوات، ويجيز المتاجر، وتبلغ قوته في شيخوخته حداً عجيباً فهو قائف يعرف اثر الذرة الأنثى من الذرة الذكر في الصفا الأملس في ليلة ظلمة ومطر، ويبلغ من حدة بصره في شيخوخته أنه يعرف الشعرة البيضاء بين صريح اللبن والرغوة، وفي قدرته على الأكل يتغذى جزوراً ويتعشى آخر ويأكل بين ذلك جذعة من الأبل - كل ذلك بعد أن أدركه الهرم - فكيف كان في شبابه؟ إن هذا الرجل العملاق تصوره إحدى القصص عاجزاً - في شبابه - عن رفع دلو من بئر. هذا هو لقمان في قصص المفضل، ولو درسنا القصص الأخرى التي لم يوردها المفضل لزاد التناقض والاضطراب في عناصر تلك الشخصية، ولوجدنا مثلاً أن ذلك الرجل الذي يتمتع بطاقة جنسية فائقة، يجد زوجه تخونه مع رجل آخر؛ وهذا وإن كان يراد به المغالاة في تصوير نفسية المرآة، فإنه لا يمنح لقمان التفوق الذي تريد أن ترسمه الأمثال التي تصور جبروته وتفرده. وهكذا يشعر دارس أمثال لقمان
стр. 40
أنه إزاء عدة أشخاص كل منهم أسمه لقمان (وليس من بينهم لقمان الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، أو حتى صاحب النسور) .
تلك نماذج وحسب من النظر إلى الأمثال، ولكنها ما تزال تتطلب دراسة من عدة جوانب، فلعل الدارسين أن يولوها ما تستحق من عناية على أسس منهجية صحيحة.
إحسان عباس