← Адаб

Адаб · id 1034

أمثال العرب ت إحسان عباس

المفضل الضبي

Полный текст (183 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كما قال سعد إذ يقود به ابنه ... كبرت فجنبني الأرنب صعصعا (١) وأكثر في ذلك شعراء بني عامر وبني تميم - فولدت له هبيرة بن سعد، وكان سعد قد كبر حتى لم يكن يطيق ركوب الجمل، إلا أنه يقاد به ولم يملك رأسه، فقال سعد وصعصعة يوماً يقود به جمله: قد لا يقاد بي الجمل (٢) أي قد كنت لا يقاد بي الجمل، فذهب مثلاً. وكان سعد كثير المال والولد، فزعموا أنه قال لابنه يوماً هبيرة بن سعد: اسرح في معزاك فارعها، قال: والله لا أرعاها سن الحسل، وهو ولد الضب ولم يوجد دابة قط أطول عمراً منه، وسن كل دابة يسقط إلا سن الحسل، قال: يا صعصعة اسرح في غنمك، قال: لا والله لا أسرح فيها ألوة الفتى هبيرة ابن سعد - ألوة وألوة وألية بمعنى - فغضب سعد وسكت على ما نفسه، حتى إذا أصبح بالمعزى بسوق عكاظ والناس مجتمعون بها فقال: ألا إن هذي معزاي فلا يحل لرجل أن يدع أن يأخذ منها شاة، ولا يحل لرجل أن يجمع منها شاتين، فانتهبها الناس وتفرقت فيقال: حتى يجتمع معزى الفزر (٣) فذهبت مثلاً. وقال شبيب ابن البرصاء (٤) : ومرة ليسوا نافعيك ولن ترى ... لهم مجمعاً حتى ترى غنم الفزر وقال حبيب بن عيسى: كان من حديث الفزر مع امرأته الناقمية أنه قال لصعصعة في يوم الناقمية فيه مراغمة له: اخرج يا صعصعة في معزاك، فقالت

стр. 72

أمه: لا يخرج صعصعة ويقعد كعب، اخرج يا هبيرة، قال: لا والذي يحج إليه على الركاب، قال: فاخرج أنت يا كعب، قال: وألية الفتى هبيرة لا أفعل، فألح على صعصعة فقالت أمه: ليس لك من شيخك إلا كده، فاخرج والله ما تصلح لغيرها، قال: إذاً والله أحسن رعايتها اليوم، فخرج حتى اضطرها إلى أصل علم، ووافق ذلك نفور الناس من عكاظ، فجعل لا يمر به جمع إلا حبسهم حتى إذا توافى بشر كثير أمرهم فانتهبوا غنمه، وسخطت الناقمية ما صنع ففارقته، فذلك قوله (١) : أجد فراق الناقمية فانتوت ... أم البين يحلولي لمن هو مولع لقد كنت أهوى الناقمية حقبة ... وقد جعلت أقران (٢) بين تقطع فلولا بنياها: هبيرة إنه ... بني الذي يشفي سقامي وصعصع لكان فراق الناقمية غبطة ... وهان علينا وصلها حين تقطع وزعموا أن سعد بن زيد مناة بن تميم كان تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، وكانت من أجمل الناس، فولدت له مالك ابن سعد وعوفاً، وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن: يا عفلاء فقالت لها أمها: ساببنك فابدئيهن بعفال (٣) فسابتها بعد ذلك امرأة من ضرائرها، فقالت: يا عفلاء، فقالت ضرتها رمتني بدائها وانسلت (٤) فأرسلتها مثلاً.

стр. 73

وبنو مالك بن سعد رهط العجاج، وكانوا يقال لهم بنو العفيل (١) ، فقال اللعين المنقري (٢) وهو يعرض بهم (٣) : ما في الدوائر من رجلي من عقل ... (٤) عند الرهان وما أكوى من العفل - ٢٤ - وزعموا أن عمرو بن جدير (٥) بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة كانت عنده امرأة معجبة له جميلة، وكان ابن عمه يزيد بن المنذر ابن سلمى بن جندل بها معجبا، وان عمرا دخل ذات يوم بيته فرأى منه ومنها شيئاً كرهه حتى خرج من البيت، فأعرض عنه، ثم طلق المرأة من الحياء منه، فمكث ابن جدير ما شاء الله لا يقدر يزيد بن المنذر على أن ينظر في وجهه من الحياء منه ولا يجالسه، ثم أن الحي أغير عليه، وكان فيمن ركب عمرو بن جدير، فلما لحق بالخيل ابتدره فوارس فطعنوه وصرعوه ثم تنازلوا عليه، ورآه يزيد بن المنذر فحمل عليهم فصرع بعضهم، وأخذ فرسه واستنفذه، ثم قال له: اركب وانج فلما ركب قال له يزيد: تلك بتلك فهل جزيتك (٦) فذهبت مثلاً. - ٢٥ - وزعموا أن عمرو بن الأحوص بن جعفر بن كلاب كان أحب الناس إلى أبيه، فغزا

стр. 74

بني حنظلة في يوم ذي نجب، فقتله خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل ابن نهشل، فزعموا أن أباه الأحوص بن جعفر - وهو يومئذ سيد بني عامر - قال: إن أتاكم الحماران طفيل بن مالك وعوف بن الأحوص يتحدثان ثم مضيا إلى البيوت فقد ظفر أصحابكم، وان جاء يتسايران حتى إذا كانا عند أدنى البيوت تفرقا فقد فضح أصحابكم وهزموا، فاقبلا حتى إذا كانا عند أدنى البيوت تفرقاً، فقال الاحوص: الفضيحة والله، ثم أرسل إليهما فأخبراه الخبر، فكان مما زعموا أن الأحوص إذا سمع باكية قال: وأهل عمرو قد أضلوه (١) فأرسلها مثلاً؛ فيزعمون إن الأحوص مات من الوجد على عمرو ولم يلبث بعده إلا قليلاً، فقال لبيد بن ربيعة في ذلك وفي عروة بن عتبة وقد قتله البراض (٢) : ولا الأحوصين في ليال تتابعا ... ولا صاحب البراض غير المغمر (٣) - ٢٦ - وزعموا أن عبشمس بن سعد بن زيد مناة وكان يلقب مقروعا، عشق الهيجمانة بنت العنبر بن عمرو بن تميم، فطرد عنها وقوتل، فجاء الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة ليدفع عن عمه فضرب على رجله فقطعت وشلت، فسمي الأعرج، فسار إليه عبشمس بن سعد في بني سعد فأناخ إلى العنبر بن عمرو ابن تميم ومازن بن مالك بن عمرو بن تميم وغيلان بن مالك بن عمرو بن تميم يسألونهم إن يعطوهم بحقهم من رجل الأعرج، فضرب بنو عمرو بن تميم عليهم قبة، فقال لهم عبشمس: إن يرح إليكم مازن مترجلا وقد لبس ثيابه وتزين لكم فظنوا به شراً، وان جاءكم شعث الرأس خبيث النفس فاني أرجو أن يعطوكم بحقكم. فلما كان بالعشي وراح إليهم مازن مترجلاً قد لبس ثيابه وتزين لهم، فارتابوا

стр. 75

به، فتحدث عندهم، فلما راح النعم دس عبشمس بعض أصحابه إلى الرعاء ليسمع ما يقولون، فسمع رجلاً من الرعاء يقول: لا نعقل الرجل ولا نديها ... حتى نرى داهية تنسيها أو يسف في أعينها سافيها ... وكان غيلان بن مالك قد قال هذين البيتين قبل ذلك، فقال عبشمس حين خبره رسوله بما سمع وجن عليهم الليل: برزوا رحالكم، وكانوا ناحية، ففعلوا وتركوا قبتهم، فنادى مازن وأقبل إلى القبة: ألا حي بالقرى، فإذا الرجال قد جاؤوا عليهم السلاح حتى اكتنفوا القبة، فإذا هي خالية وليس فيها أحد منهم، وهرب بنو سعد على ناحيتهم. ثم إن عبشمس جمع لبني عمرو وغذاهم، فلما كان بعقوتهم ليلاً نزل في ليلة ذات ظلمة ورعد وبرق، فأقام بمنزلة حتى يصبحهم صباحاً، فقام يحوطهم من الليل، وكانت بنت عمرو معجبة به، وكان معجباً بها، قد عرف ذلك منهما، وكانت عاركاً - وكانت العارك في ذلك الزمان تكون في بيت على حدة ولا تخالط أهلها - فأضاء لها البرق فرأت ساقي مقروع، فأتت إياها تحت الليل فقالت: إني لقيت ساقي عبشمس في البرق فعرفته، فأرسل العنبر إلى بني عمرو فجمعهم، فلما أتوه خبرهم الخبر فقال مازن: حنت ولا تهنت وأنى لك مقروع (١) فأرسلها مثلاً، وقد كانوا يعرفون إعجاب كل واحد منهما لصاحبه. ثم قال مازن للعنبر: ما كنت حقيقاً أن تجمعنا لعشق جارية. ثم تفرقوا فقال لها العنبر: لا رأي لمكذوب (٢) فأرسلها مثلاً، فأخبريني واصدقيني، قالت: يا أبتاه ثكلتك أمك إن لم أكن رأيت مقروعاً فانج ولا أظنك ناجياً (٣) فأرسلتها مثلاً، فنجا العنبر من تحت

стр. 76

الليل وصبحتهم بنو سعد وقتلوا منهم ناسا فيهم غيلان بن مالك وهو الذي قال: لا نعقل الرجل ولا نديها، فجعلت بنو سعد تحثو في عينه التراب وهو قتيل ويقولون: تحلل غيل (١) فذهب قولهم مثلاً. يقول تحلل من يمينك، وغيل غيلان، فرخم. ثم إن عبشمس اتبع العنبر حتى أدركه وهو على فرسه وعليه اداته وهو يسوق ابله فقال له عبشمس: دع أهلك فان لنا وإن لك، فقال العنبر: لا ولكن من تقدم منعته ومن تأخر عقرته، فجعل إذا تأخر شيء عقره، فدنا منه عبشمس فلما رأته الهيجمانة نزعت خمارها وكشفت عن وجهها وقالت: يا عبشمس نشدتك الرحم لما وهبته لي، فقال: لقد خفتك على هذه منذ الليلة، فوهبه لها. وقال ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم لأبيه كعب بن عمرو في تلك الحرب، وكان ذؤيب صاحب راية عمرو في حروبها: يا كعب إن أخاك منحمق ... فاشدد إزار أخيك يا كعب أتجود بالدم ذي المضنة في ال ... جلى وتلوي الناب والسقب تلوي: تتبع، الناب: المسنة من النوق، والسقب: ولد الناقة. تنبو المناطق عن جنوبهم ... وأسنة الخطي لا تنبو إني حلفت فلست كاذبه ... حلف الملبد شفه النحب ينفك عندي الدهر ذو خصل ... نهد الجزارة منهب غرب الجزارة: القوائم، ويقال فرس بحر وفرس سكب إذا كان كثير الجري. يشتد حين يريد فارسه ... شد الجداية غمها الكرب

стр. 77

الجداية: الظبية، وهي من الظباء مثل العناق من المعز. الآن إذ أخذت مآخذها ... وتباعد الانساع والقرب أي بعد أن وقعت العداوة يسعى في الصلح، أي ليس هذا من أوانة فحارب الآن ولا تبال. أقبلت تعطي خطة غبناً ... وتركتها ومسدها رأب جانيك من يجني عليك وقد ... تعدى الصحاح فتجرب الجرب والحرب قد تضطر جانيها ... إلى المضيق ودونه الرحب يروي غير ابن الأعرابي تعدي الصحاح مبارك الجرب، وأراد مباركاً فترك الألف لأن اللفظة لا تجرى. - ٢٧ - وكان من أمر داحس (١) وما قيل فيه من الأشعار والأمثال إن أمه كانت فرسا لقرواش بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، يقال لها جلوى، وأن أباه ذا العقال كان لحوط بن أبي جابر بن أوس ابن حميري بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك، وإنما سمي داحساً إن بني يربوع احملوا ذات يوم سائرين في نجعة، وكان ذو العقال مع ابنتي حوط ابن أبي جابر تجنبانه، فمرت به جلوى فرس قرواش، فلما رآها الفرس ودى - أي انعظ - فضحك شباب من الحي رأوه، فاستحيت الفتاتان فأرسلتاه، فنزا على جلوى، فوافق قبولها فأقصت (٢) ثم أخذه لهما بعض الحي فلحق بهم حوط، وكان رجلاً

стр. 78

شريراً سيء الخلق، فلما نظر الى عين فرسه قال: والله لقد نزا فرسي فأخبراني ما شأنه، فأخبرتاه فقال: والله لا أرضى أبداً حتى آخذ (١) ماء فرسي، قال له بنو ثعلبة: والله ما استكرهنا فرسك إنما كان منفلتاً، فلم يزل الشر بينهم حتى عظم، فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: دونكم ماء فرسكم، فسطا عليها حوط فجعل يده في تراب وماء ثم أدخلها في رحمها حتى ظن أنه أخرج الماء؛ واشتملت الرحم على ما فيها فنتجها قرواش مهراً فسمي داحساً بذلك، وخرج كأنه ذو العقال أبوه، وهو الذي قال ابن الخطفى فيه (٢) : إن الجياد يبتن حول فنائنا ... من آل أعوج او لذي العقال فلما تحرك المهر شيئاً مر (٣) مع أمه وهو فلو يتبعها، وبنو ثعلبة منتجعون (٤) فرآه حوط فأخذه، فقالت بنو ثعلبة: يا بني رياح ألم تفعلوا فيه ما فعلتم أو مرة ثم هذا الآن، فقالوا: هو فرسان ولن نترككم أو تدفعوه الينا (٥) فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: إذا لا نقاتلكم عليه، أنتم أعز علينا منه، هو فداؤكم، فدفعوه اليهم. فلما رأى ذلك بنو رياح قالوا: والله لقد ظلمنا إخوتنا مرتين وحلموا عنا وكرموا فأرسلوا به إليهم معه لقوحان، فمكث عند قرواش ما شاء الله، وخرج من أجود خيول العرب. ثم إن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي اغار على بني يربوع، فلم يصب غير ابنتي قرواش بن عوف ومائة لقرواش أصاب الحي وهم

стр. 79

خلوف لم يشهد من رجالهم غير غلامين من بني أزنم (١) بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فجالا في متن الفرس مرتدفيه وهو مقيد، فأعجلهما القوم عن حل قيده، واتبعهما القوم، فضبر بالغلامين (٢) ضبراً حتى نجوا به، ونادتهما إحدى الجاريتين أن مفتاح القيد مدفون في مذود الفرس بمكان الفرس بمكان كذا وكذا، فسبقا اليه حتى اطلقا حيث يرودونه (٣) فلما رأى ذلك قيس بن زهير رغب في الفرس فقال: لكما حكمكما وادفعا إلي الفرس، قالا: أو فاعل أنت هذا؟ قال: نعم، واستوثقا منه أن يرد ما أصاب من قليل أو كثير ثم يرجع عوده على بدئه ويطلق الفتاتين ويخلي عن الابل وينصرف عنهم راجعاً، ففعل ذلك قيس، ودفعا اليه الفرس. فلما رأى ذلك أصحاب قيس قالوا: لا والله لا نصالحك أبداً، أصبنا مائة من الابل وامرأتين فعمدت الى غنيمتنا فجعلتها في فرس لك تذهب به دوننا، فعظم في ذلك الشر حتى اشترى منهم غنيمتهم بمائة من الابل. فلما جاء قرواش قال للغلامين: أين فرسي؟ فاخبراه الخبر فآبى إن يرضى إلا أن يدفع إليه فرسه، فعظم في ذلك الشر حتى تنافروا فيه، فقضي بينهم أن ترد الفتاتان والابل إلى قيس بن زهير ويرد عليه الفرس، فلما رأى ذلك قرواش رضي بعد شر، وانصرف قيس معه داحس، فمكث ما شاء الله. فزعم بعضهم أن الرهان إنما هاجه بين قيس وبين حذيفة بن بدر أن قيساً دخل على بعض الملوك وعنده قينة لحذيفة بن بدر تغنيه بشعر امرىء القيس (٤) : دار لهر والرباب وفرتنا ... ولميس قبل حوادث الأيام

стр. 80

وهن فيما يذكر نسوة من بني عبس، فغضب قيس بن زهير فشتمها وشق رداءها، فغضب حذيفة، فبلغ ذلك قيساً فأتاه ليسترضيه، فوقف عليه فجعل يكلمه وهو لا يعرفه من الغضب، وعنده أفراس له، فعابه قيس وقال (١) : ما يرتبط مثلك مثل هذه يا ابا مسهر، فقال حذيفة: أتعيبها؟ قال: نعم، فتجاريا حتى تراهنا. ويزعم بعضهم أن ما هاج الرهان أن رجلاً من بني عبد الله بن غطفان ثم احد بني جوشن - وهم أهل بيت شؤم - أتى حذيفة زائراً فعرض عليه حذيفة خيله فقال: ما رأى فيها جواداً مبراً (٢) ، قال حذيفة: ويلك فعند من الجواد المبر؟ قال: عند قيس بن زهير قال: هل لك أن تراهنني عنه؟ قال: نعم قد فعلت، فراهنه على ذكرٍ من خيله وانثى، ثم إن العبدي أتى قيساً فقال: اني قد راهنت على فرسين من خيلك ذكر وانثى وأوجبت الرهان، فقال قيس: ما أبالي من راهنت غير حذيفة، قال: فاني راهنت حذيفة (٣) قال له قيس: إنك ما علمت لأنكد، قال: فأتى قيس حذيفة قال: ما غدا بك؟ قال: غدوت لأواضعك الرهان، قال: بل غدوت لتغلقه، قال: ما أردت ذاك، فأبى حذيفة إلا الرهان، قال قيس: أخيرك ثلاث خلال، إن بدأت فاخترت فلي خصلتان (٤) ولك الأولى، وان بدأت فاخترت فلي الأولى ولك خصلتان، قال حذيفة: فابدأ قال قيس: الغاية من مائة غلوة، قال حذيفة: المضمار أربعون ليلة - اي يضمرون الخيل - والمجرى من ذات الإصاد، ففعلا ووضعا السبق على يدي غلاق ابن غلاق أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان. فزعموا أن حذيفة أجرى الخطار فرسه والحنقاء، وزعم بعض بني فزارة انه أجرى قرزلاً والحنفاء، وأجرى قيس داحساً والغبراء.

стр. 81

وزعم بعضهم انه هاج الرهان رجل من بني النعتم (١) بن قطيعة بن عبس يقال له سراقة راهن شباباً من بني بدر، وقيس غائب، على أربع جزائر من خمسين غلوة - الغلوة ما بين ثلاثمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع - فلما جاء قيس كره ذلك وقال: إنه لم ينته رهان قط إلا إلى شر. ثم أتى بني بدر فسألهم المواضعة فقالوا: لا حتى تعرف (٢) لنا سبقنا، فان أخذنا فحقنا وان تركنا فحقنا، فغضب قيس ومحك (٣) ، وقال: أما إذ فعلتم فأعظموا الخطر وأبعدوا الغاية، قالوا: فذاك لك، فجعل الغاية من واردات إلى ذات الإصاد، وتلك مائة غلوة، والثنية فيما بينهما، وجعلوا القصبة في يدي رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له حصين ويدي (٤) رجل من بني العشراء (٥) ، من بني فزارة وهو ابن أخت لبني عبس، وملأوا البركة ماء، وجعلوا السابق أول الخيل يكرع فيها. ثم إن حذيفة وقيس بن زهير أتيا المدى الذي أرسلن منه (٦) ينظران إلى الخيل كيف خروجها منه فلما أرسلت عارضاها فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، قال قيس: ترك الخداع من أجرى من مائة غلوة (٧) ، فأرسلها مثلا. ثم ركضا ساعة فجعلت خيل حذيفة تنزق خيل قيس فقال حذيفة: سبقت يا قيس، فقال قيس جري المذكيات غلاب (٨) ، فأرسلها مثلاً. ثم ركضا ساعة فقال حذيفة: انك لا

стр. 82

تركض مركضاً فأرسلها مثلاً، ثم قال سبقت خيلك يا قيس، فقال قيس: رويداً يعلون الجدد (١) - الجدد: الأرض الغليظة، فأرسلها مثلاً، لأن الذكور في الوعوث أبقى وأصبر من الاناث، والاناث في الجدد أصبر وأسبق. وقد جعل بنو فزارة كميناً بالثنية فاستقبلوا داحساً فعرفوه فأمسكوه، وهو السابق، ولم يعرفوا الغبراء وهي خلفه مصلية، حتى مضت الخيل وأسهلت من الثنية، ثم أرسلوه فتمطر (٢) في آثارها فجعل يندرها (٣) فرساً فرساً حتى انتهى (٤) إلى الغاية مصلياً وقد طرح الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية لسبقها، فاستقبلها بنو فزارة فلطموها ثم حلأوها (٥) عن البركة، ثم لطموا داحساً وقد جاءا متواليين، وكان الذي لطمه عمير بن نضلة فجفت يده فسمي جاسئا، فجاء قيس وحذيفة في أخرى الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم ولطموا فرسيهم، ولو تطيقهم بنو عبس لقاتلوهم، وانما كان (٦) من شهد ذلك من بني عبس ابياتا (٧) وقال قيس إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شراً من الظلم فأعطونا حقنا، فأبى بنو فزارة أن يعطوهم شيئاً، وكان الخطر عشرين من الابل، فقالت بنو عبس: فأعطوا (٨) بعض سبقنا، فأبوا، قالوا: فأعطونا جزوراً ننحرها ونطعمها أهل الماء فانا نكره القالة في العرب، فقال رجل من بني فزارة: مائة جزور وجزرو واحد سواء، والله ما كنا لنقر

стр. 83

لك في السبق ولم تسبق (١) فقام رجل من بني مازن بن فزارة فقال: يا قوم إن قيساً قد كان كارهاً لأول هذا الرهان، وقد أحسن في آخره، وإن الظلم لا ينتهي إلا إلى شر، فأعطوه جزوراً من نعمكم، فأبوا فقام رجل من بني فزارة إلى جزور من إبلة فعقلها ليعطيها قيساً ويرضينة فقام ابنه فقال: انك لكثير الخطأ تريد أنة تخالف قومك وتلحق بهم ما ليس عليهم (٢) ، فأطلق الغلام عقالها فلحقت بالنعم، فلما رأى ذلك قيس بن زهير احتمل هو عنهم ومن كان معه من بني عبس، فأتى على ذلك ما شاء الله. ثم إن قيساً أغار فلقي عوف بن بدر فقتله وأخذ إبله، فبلغ ذلك بني فزارة وهموا بالقتال وغضبوا، فحمل الربيع بن زياد أخو بني عوذ (٣) بن غالب بن قطيعة ابن عبس دية عوف بن بدر مائة عشراء (٤) متلية - أي تلاها أولادها (٥) - وأم عوف وأم حذيفة واخوته الخمسة هي سودة بنت نضلة بن عمير بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة، فاصطلح القوم (٦) فمكثوا ما شاء الله، - ونضلة كان يسمى جابرا. ثم إن مالك بن زهير أتى امرأة له يقال لها مليكة بنت حارثة من بني غراب بن ظالم بن فزارة فابتنى باللقاطة قريباً من الحاجر (٧) ، فبلغ ذلك حذيفة فدس له فرساناً على افراس من مسان خيلهم فقال: لا تنظروا إن وجدتم مالكا أن تقتلوه،

стр. 84

وربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسي مجاور حذيفة بن بدر وكانت تحت الربيع بن زياد معاذة بنت بدر، فانطلق القوم فالقوا مالكاً فقتلوه ثم انصرفوا عنه، فجاءوا عشية وقد اجهدوا أفراسهم، فوقفوا أفراسهم (١) على حذيفة ومعه الربيع بن زياد، فقال حذيفة: أقدرتم على حماركم؟ قالوا: نعم وعقرناه، قال الربيع: ما رأيت كاليوم قط، أهلكت أفراسك من أجل حمار، قال حذيفة لما اكثر الربيع عليه من اللائمة (٢) وهو يحسب أن الذي أصابوا حماراً: إنا لم نقتل حماراً، ولكنا قتلنا مالك بن زهير بعوف بن بدر قال الربيع: بئس لعمر الله القتيل قتلت، أما والله إني لأظنه سيبلغ ما تكره (٣) ، فتراجعا شيئاً ثم تفرقا، فقام الربيع يطأ الأرض وطأ شديدأ، وأخذ حمل بن بدر ذا النون سيف مالك بن زهير. فزعموا أن حذيفة لما قام الربيع أرسل أمة مولدة فقال: اذهبي إلى معاذة بنت بدر امرأة الربيع فانظري ما ترين الربيع يصنع، فانطلقت الجارية حتى دخلت البيت فاندست بين الكفاء والنضد، فجاء الربيع فنفذ البيت حتى أتى فرسه، فقبض معرفته ومسح متنيه حتى قبض بعكوة ذنبه، ثم رجع إلى البيت ورمحه مركوز بفنائه فهزه هزاً شديداً ثم ركزه كما كان، ثم قال لامرأته: اطرحي لي شيئاً، فطرحت له شيئاً فاضطجع عليه، وكانت قد طهرت تلك الليلة فدنت منه: إليك، قد حدث أمر، ثم تغنى (٤) : نام الخلي وما أغمض حار ... من سيء النبأ الجليل الساري من مثله تمسي النساء حواسراً ... وتقوم معولة مع الأسحار

стр. 85

من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه (١) نهار معناه أنه إذا نظر إلى النساء وما يصنعن لمقتل مالك علم أن رهطه لا يقرون لذلك حتى يدركوا بثأرهم: يجد النساء حواسراً يندبنه ... (٢) يضربن أوجههن بالأسحار قد كن يخبأن الوجوه تستراً ... فالآن حين بدون للنظار يخمشن حرات الوجوه على امرىء ... سهل الخليقة طيب الأخبار أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار ما إن أرى في قتله لذوي النهى ... إلا المطي تشد بالأكوار ومجنبات ما يذقن عذوفاً ... (٣) يقذفن بالمهرات والأمهار ومساعراً صداً الحديد عليهم ... فكأنما تطلى (٤) الوجوه بقار يا رب مسرور بمقتل مالك ... (٥) ولسوف يصرفه بشر محار قال: فرجعت الأمة فأخبرت حذيفة فقال: هذا حين استجمع (٦) أمر أخيكم، ووقعت الحرب. وقال الربيع لحذيفة - وهو يومئذ جار له - سيرني فإني جاركم، فسيره ثلاث ليال (٧) ووجه معه قوماً وقال لهم: إن مع الربيع فضلة من خمر فان وجدتموه قد

стр. 86

هراقها فهو جاد، وقد مضى فانصرفوا، وإن لم تجدوه هراقها فاتبعوه فإنكم تجدونه قد مال لأدنى روضة (١) فرتع وشرب فاقتلوه، فتبعه القوم فوجدوه قد شق الزق ومضى فانصرفوا. فلما أتى الربيع قومه وقد كان بينه وبين قيس بن زهير شحناء، وذلك أن الربيع ساوم قيس بن زهير بدرع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب وضعها بين يديه ثم ركض بها فلم يرددها على قيس، فعرض قيس بن زهير لفاطمة بنت الخرشب الانمارية من بني أنمار بن بغيض (٢) - وهي أم الربيع بن زياد - وهي تسير في ظغائن من بني عبس، فاقتاد جملها يريد أن يرتهنها بالدرع حتى ترد عليه، فقالت: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل، أين يضل حلمك؟ أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد وقد أخذت أمهم فذهبت بها يميناً وشمالاً فقال الناس في ذلك ما شاءوا أن يقولوا، وحسبك من شر سماعه (٣) ، فأرسلتها مثلاً، فعرف قيس ما قالت له فخلى سبيلها وطرد ابلاً لبني زياد حتى قدم بها مكة فباعها من عند عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، فقال قيس في ذلك (٤) : ألم (٥) يبلغك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد ومحبسها لدى القرشي تشرى ... بأدراع وأسياف حداد كما لاقيت من حمل بن بدر ... وأخوته على ذات الإصاد هم فخروا علي بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادي

стр. 87

وكنت إذا منيت بخصم سوء ... دلفت له بداهية نآد بداهية تدق الصلب منه ... فتقصم أو تجوب (١) عن الفؤاد وكنت إذا أتاني الدهر (٢) ربق ... بداهية شددت له نجادي قال العدوي: ربق وربيق الداهية، وأم الربيق الداهية، والنجاد حمائل السيف. ألم يعلم بنو الميقاب أني ... كريم غير معتلث الزناد (٣) أي ليس بفاسد الأصل. الوقب: الأحمق والميقاب مثله، وقالوا الميقاب: التي تلد الحمقى؛ ومعتلث لا خير فيه. أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي دواد جار قيس بن زهير: ربيعة الخير بن قرط بن غيلان بن أبي بكر بن كلاب، ويقال جار أبي دواد الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، وكان أبو دواد في جواره فخرج صبيان الحي يلعبون في غدير فغمسوا بني أبي دواد فمات، فخرج الحارث فقال: لا يبقى في الحي صبي إلا غرقته في الغدير، فودي ابن أبي دواد لذلك عدة ديات. إليك ربيعة الخير بن قرط ... وهوباً للطريف وللتلاد كفاني ما أخاف أبو هلال ... ربيعة فانتهت عني الأعادي تظل جياده يجمزن حولي ... بذات الرمث كالحدأ الغوادي كأني إذ أنخت إلى ابن قرط ... عقلت إلى يمامة أو نضاد

стр. 88

ويروى: إلى يلملم أو نضاد وهما جبلان. وقال قيس بن زهير: إن تك حرب فلم أجنها ... جنتها صبارتهم (١) أو هم صبارتهم: خلفاؤهم. حذار الردى إذ رأوا خيلنا ... مقدمها سابح أدهم السابح: الكثير الجري. عليه كمي وسرباله ... مضاعفة نسجها محكم وإن شمرت لك عن ساقها ... فويهاً ربيع فلا تسأموا زجرت ربيعاً فلم ينزجر ... كما انزجر الحارث الأجذم (٢) إذا نصب ربيع أراد الترخيم يا ربيعة، فلما حذف الهاء للترخيم ترك العين مفتوحة، ومن رفع ذهب به مذهب الاسم التام المفرد وإن كان مرخماً، كقول ذي الرمة: فيامي ما يدريك.... ... وكانت تلك الشحناء بين بني زياد وبين بني زهير، فكان قيس يخاف خذلانهم إياه، فزعموا أن قيساً دس غلاماً له مولداً فقال: انطلق كأنك تطلب إبلا فإنهم سيسألونك، فاذكر مقتل مالك ثم احفظ ما يقولون فأتاهم العبد فسمع الربيع يتغنى بقوله: أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار

стр. 89

فلما رجع العبد إلى قيس أخبره بما سمع من الربيع بن زياد، فعرف قيس أنه قد غضب له، فاجتمعت بنو عبس على قتال بني فزارة، فأرسلوا إليهم أن ردوا إبلنا التي ودينا بها عوف بن بدر أخا حذيفة لأمه، قال: لا أعطيهم دية ابن أمي وإنما قتل صاحبكم حمل بن بدر وهو ابن الأسدية، فانتم وهو أعلم. ويزعم بعض الناس انهم كانوا ودوا عوف بن بدر مائة متلية - والمتالي التي في بطونها أولادها وقد تم حملها فانما ينتظر نتاجها - وأنه أتى على تلك الابل أربع سنين وقد توالدت، وأن حذيفة بن بدر أراد أن يردها بأعيانها فقال له سنان بن أبي حارثة: اتريد أن تلحق بنا خزاية فتعطيهم أكثر مما أعطونا فتسبنا العرب بذلك؟ فأمسكها حذيفة، وأبى بنو عبس أن يقبلوا إلا إبلهم بأعيانها، فمكث القوم ما شاء الله أن يمكثوا. ثم إن مالك بن بدر خرج يطلب إبلاً له فمر على جنيدب أخي بني رواحة فرماه بسهم فقتله يوم المعنقة فقالت ابنة مالك بن بدر (١) : لله عينا من أرى مثل مالك ... عقيرة قوم أن جرى فرسان فليتهما لم يشربا قط (٢) شربة ... وليتهما لم يرسلا لرهان أحل به جنيدب أمس نذره ... فأي قتيل كان في غطفان إذا سجعت بالرقمتين حمامة ... أو الرس فابكي فارس الكتفان (٣) ثم إن الأسلع بن عبد الله بن ناشب بن زيد بن هدم بن لدم (٤) بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض مشى في الصلح ورهن بني ذيبان ثلاثة من بنيه وأربعة من بني أخيه حتى يصطلحوا، وجعلهم على يدي سبيع بن عمرو من بني

стр. 90

ثعلبة بن بن ذبيان، فمات سبيع وهم على يديه (١) فأخذهم حذيفة من بنيه فقتلهم (٢) . ثم إن بني فزازة تجمعوا هم وبنو ثعلبة وبنو مرة فالتقوا هم وبنو عبس بالخاثرة (٣) فهزمتهم بنو عبس وقتلوا منهم مالك بن سبيع بن عمرو الثعلبي - قتله الحكم بن مروان بن زنباع العبسي - وعبد العزى بد حذار الثعلبي والحارث بن بدر الفزاري، وقتلوا هرم بن ضمضم المري - قتله ورد بن حابس العبسي - ولم يشهد ذلك اليوم حذيفة بن بدر، فقالت نائحة (٤) هرم بن ضمضم - هو من بكر بن ضمضم -: يا لهف نفسي لهفة المفجوع ... (٥) ألا أرى هرماً على مودوع من أجل سيدنا ومصرع جنبه ... علق الفؤاد بحنظل مصدوع أي من أجله محترق فؤادها وكأنما أكل حنظلاً. ثم إن حذيفة جمع وتهيأ واجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض، فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال قيس بن زهير: أطيعوني فو الله لئن لم تفعلوا لا تكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقالوا: نطيعك، فأمرهم فسرحوا السوام والضعفاء بليل وهم يريدون إن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا في الصبح فأصبحوا على ظهر دوابهم (٦) ، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم، فلما أصبحوا طلعت الخيل عليهم من الثنايا، فقال: خذوا غير طريق المال فإنه لا حاجة للقوم

стр. 91

إن يقعوا في شوكتكم ولا يريدون بكم في أنفسكم (١) شراً من ذهاب أموالكم، فأخذوا غير طريق المال. فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال: أبعدهم الله، وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم؟؟؟؟؟؟ فاتبع المال، وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال، فلما أدركوه ردوا أوله على آخره، ولم يفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الابل فيذهب بها، وتفرقوا واشتد الحر، فقال قيس بن زهير: يا بني عبس إن القوم قد فرق بينهم المغنم، فاعطفوا الخيل في آثارهم، ففعلوا فلم يشعر بنو ذبيان إلا بالخيل دواس (٢) - يعني متتابعة - فلم يقاتلهم كثير (٣) احد، وجعل بنو ذبيان إنما همة الرجل منهم في غنيمته أن يحوزها وينجو بها، فوضع بنو عبس السلاح فيهم حتى ناشدهم بنو زياد البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة فأرسلوا مجنبتين يقتفون أثره، وأرسلوا خيلاً مقدمة تنفض الناس وتسألهم حتى سقط على أثر حذيفة من الجانب الأيسر أبو عنترة شداد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس وعمرو بن الاسلع وقرواش بن هني والحارث بن زهير وجنيدب بن زيد، وكان حذيفة استرخى حزام فرسه، فنزل عنه فوضع رجله على حجر مخافة أن يقتص أثره، ثم شد الحزام فوضع صدر قدمه على الأرض فعرفوه بحنف (٤) فرسه فاتبعوه، ومضى حذيفة حتى استغاث بجفر الهباءة - الجفر: ما لم يطو من الآبار - وقد اشتد عليه الحر فرمى بنفسه فيه، ومعه حمل بن بدر وحنش بن عمرو وورقاء ابن بلال وأخوه، وهما من بني عدي بن فزارة، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم ووقعوا في الماء فتمعكت دوابهم، وبعثوا ربيئة فجعل يطلع وينظر فاذا لم ير شيئاً رجع فنظر نظرة فقال: اني قد رأيت شخصاً كالنعامة أو كالطير فوق القتادة

стр. 92

من قبل مجيئنا، فقال حذيفة (١) هذا شداد على جروة، فحال بينهم وبين الخيل، ثم جاء عمرو بن الاسلع ثم جاء قرواش حتى تناموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم فاطردها وحمل عمرو بت الاسلع وشداد عليهم في الجفر فقال حذيفة: يا بني عبس فأين العقل (٢) واين الاحلام؟ فضرب حمل بين كتفيه وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم (٣) فأرسلها مثلاً، وقتل قرواش بن هني حذيفة بن بدر وقتل الحارث بن زهير حملاً وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل بن بدر أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث بن زهير: تركت على الهباءة غير فخر ... (٤) حذيفة حوله قصد العوالي سيخبر قومه حنش بن عمرو ... اذا لاقاهم وابنا بلال ويخبرهم مكان النون مني ... وما أعطيته عرق الخلال من المخالة، اي ما اعطيته عن صداقة وصفاء ود. فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض: سيخبرك الحديث بكم خبير ... (٥) يجاهدك العداوة غير آل بداءتها لقراوش وعمرو ... وانت تجول جوبك في الشمال أي فعل قرواش هذا الفعل. العرق: العطية، والخلال: المخالة، يقول: لم تعطوني السيف عن مودة ولكني قتلته وأخذته، وقوله وأنت تجول جوبك في

стр. 93

الشمال، الجوب: الترس، يريد إن قرواشاً وعمرو بن الأسلع اقتحما الجفر وقتلا من قتلا وأنت ترسك في يدك لم تغن شيئاً، ويقال لك البداءة ولفلان العوادة. وقال قيس بن زهير في ذلك (١) : تعلم أن خير الناس ميت ... على جفر الهباءة لا يريم ولولا ظلمة ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوج علي ومستقيم وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي: من يك سائلاً عني فاني ... وجروة لا تباع (٢) ولا تعار مقربة الشتاء ولا تراها ... أمام الحي يتبعها المهار ويروى أمام الخيل، يريد أنها فرس حرب لا يطلب نسلها. لها بالصيف آصرة وجل ... وست من كرائمها غزار (٣) كرائم من الابل تشرب هذه الفرس البانها. ألا أبلغ بني العشراء عني ... علانية وما يغني السرار قتلت سراتكم وحسلت منكم ... حسيلاً مثل ما حسل الوبار (٤) الحسيل: الرديء، يقول: أنفيت شراركم، وقتلت خياركم وأبقيت رذالكم.

стр. 94

ولم اقتلكم سراً ولكن ... علانية وقد سطع الغبار (١) وكان ذلك اليوم يوم ذي حسى - وحسى وادٍ فيه ماء. ويزعم بعض بني فزارة إن حذيفة كان أصاب فيما أصاب من بني عبس تماضر بنت الشريد السلمية ام قيس بن زهير فقتلها، وكانت في المال. ثم إن بني عبس ظعنوا فحلوا إلى كلب بعراعر، وقد اجتمع عليهم بنو ذبيان فخالفوا، فقاتلتهم كلب فهزمتهم بنو عبس وقتلوا مسعود بن مصاد الكلبي ثم أحد بني عليم بن جناب، فقال في ذلك عنترة (٢) : ألا هل أتاها أن يوم عراعر ... (٣) شفى سقماً لو كانت النفس تشتفي أتونا على عمياء ما جمعوا لنا ... (٤) بأرعن لا خل ولا متكشف تماروا بنا إذا يمدرون حياضهم ... على ظهر مقضي من الأمر محصف (٥) علالتنا في كل يوم كريهةٍ ... (٦) بأسيافنا والقرح لم يتقرف وما نذروا حتى غشينا بيوتهم ... (٧) بغبية موت مسبل الودق مذعف اي تشككوا في رجوليتنا حتى استعملوا الحياض، علالتنا: اي بقيتنا. فأجلتهم الحرب فلحقوا بهجر فامتاروا منها، ثم حلوا على بني سعد بالفروق وقد آمنهم بنو سعد ثلاث ليال فأقاموها، ثم شخصوا عنهم، فاتبعهم ناس من بني سعد فقاتلهم العبسيون فامتنعوا حتى رجع بنو سعد وقد خابوا منهم ولم

стр. 95

يظفروا بشيء، فقال في ذلك عنترة بن شداد بن معاوية (١) : ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا القصيدة كلها (٢) . ثم سئل قيس بن زهير: كم كنتم يوم الفروق؟ قال: مائة فارس كالذهب لم نكثر فنفشل ولم نقل فنضعف. ثم سار بنو عبس حتى وقعوا باليمامة، فقال قيس بن زهير: إن بني حنيفة قوم لهم عز وحصون فخالفوهم، فخرج قيس حتى أتى قتادة بن مسلمة الحنفي (٣) وهو يومئذ سيدهم، فعرض عليهم قيس نفسه وقومه، فقال: ما يرد مثلكم، ولكن لي في قومي أمراء لا بد من مشاورتهم، وما ننكر حسبك ولا نكايتك؛ فلما خرج قيس من عنده قيل له: ما تصنع، أتعمد إلى أفتك العرب وأحزمهم (٤) فتدخله أرضك ليعلم وجوه أرضك وعورة قومك ومن أين يؤتون؟! فقال: كيف أصنع وقد وعدت له على نفسي (٥) ، وانا استحي من رجوعي؟ فقال له السمين الحنفي: انا أكفيك قيسا، وهو رجل حازم متوثق لا يقبل إلا الوثيقة، فلما اصبح قيس غدا عليه، ولقيه السمين فقال: انك على خير وليست عليك عجلة، فلما رأى ذلك قي ومر على جمجمة بالية فضربها برجله ثم قال: رب خسف قد أقرت به هذه الجمجمة مخافة مثل هذا اليوم، وما أراها وألت منه (٦) وان مثلاي لا يرضى

стр. 96

إلا القوي من الأمر، فلما لم ير ما يحب احتمل فلحق ببني عامر بن صعصعة، فنزل هو وقومه على بني شكل، وهم بنو اختهم، وبنو شكل هم من بني الحريش ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكانت أمهم عبسية، فجاوروهم، فكانوا يرون عليهم (١) أثرة وسوء جوار وأشياء تريبهم، ويستخفون بهم، فقال نابغة بني ذبيان (٢) : لحا الله عبساً عبس آل (٣) بغيض ... كلحي الكلاب العاويات وقد فعل فأصبحتم والله يفعل ذاكم ... يعزكم مولى مواليكم شكل إذا شاء منهم ناشىء دربخت له ... لطيفة طي البطن رابية الكفل دربخت المرأة: أي جبت له وخضعت وقامت على أربع حتى يأتيها. فمكثوا مع بني عامر، يتجنون عليهم ويرون منهم ما يكرهون، حتى غزتهم بنو أسد ومن تبعهم من بني حنظلة يوم جبلة، فأصابوا يومئذ زبان بن بدر (٤) فكانوا معهم ما شاء لله. ثم إن رجلاً من الضباب أسرته بنو عبد الله بن غطفان والضبابي هو اخو الحنبص فدفعه الذي أسره إلى رجل من أهل تيماء يهودي، فاتهمه اليهودي بامرأته فخصاه، فقال الحنبص الضبابي لقيس بن زهير: أد إلينا ديته، فإن مواليك بني عبد الله بن غطفان أصابوا صاحبنا، وهم حلفاء بني عبس، فقال: ما كنا لنفعل، فقال: والله لو أصابه (٥) مر الريح لوديتموه، فقال قيس بن زهير في ذلك: لحا الله قوما أرشوا الحرب بيننا ... سقونا بها مراً من الشرب آجنا

стр. 97

وحرملة الناهيهم عن قتالنا ... وما دهره ألا يكون مطاعنا أكلف ذا الخصيين إن كان ظالماً ... وإن كان مظلوماً وإن كان شاطنا خصاه امرؤ من أهل تيماء طابن ... (١) ولا يعدم الإنسى والجن طابنا فهلا بني ذبيان وسط بيوتهم ... رهنت بمر الريح إن كنت راهنا وخالستهم حقي خلال بيوتهم ... وإن كنت ألقى من رجال ضغائنا إذا قلت قد أفلت من شر حنبص ... لقيت بأخرى حنبصاً متباطناً فقد جعلت أكبادنا تجتويهم ... كما يجتوي سوق العضاه الكرازنا العضاة: كل شجر له شوك، والكرازن: المعاول، الواحد كرزين. تدروننا بالمنكرات كأنما ... تدرون ولدانا ترمي الرهادنا (٢) تدروننا: تختلوننا، والرهادن: جمع رهدن وهو شبيه بالعصفور. فقال النابغة الذبياني جواباً لقيس (٣) : ابك بكاء النساء (٤) إنك لن ... تهبط أرضاً تحبها أبدا نحن وهبناك للحريش وقد ... جاوزت في الحي جعفرا عددا وأغار قرواش بن هني العبسي - وبنو عبس يومئذ في بني عامر - على بني فزارة، فأخذه أحد بني العشراء - الأخرم بن سيار أو قطبة بن سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن سمي بن مازن بن فزارة - أخذه تحت الليل، فقالوا له: من أنت؟ فقال: رجل من بني البكاء، فعرفت كلامه فتاة من بني مازن، وكانت ناكحاً في بني عبس، فقالت: أبا شريح أما والله لنعم مأوى الأضياف وفارس

стр. 98

الخيل أنت، فقالوا له: ومن أنت؟ قال: قرواش بن هني، فدفعوه إلى بني بدر فقتلوه، وكان قتل حذيفة، ويزعم بعض الناس أنهم دفعوه إلى بني سبيع فقتلوه بمالك بن سبيع، وكان قتل مالك بن سبيع الحكم بن مروان بن زنباغ فقال نهيكة ابن الحارث من بني مازن بن فزارة: صبرأ بغيض بن ريث إنها رحم ... قطعتموها أناختكم بجعجاع فما أشطت سمي أن هم قتلوا ... بني أسيد بقتلى آل زنباع لقد جزتكم بنو ذبيان ضاحية ... بما فعلتم ككيل الصاع بالصاع قتلاً بقتل وتعقيراً بعقركم ... مهلاً حميض فلا يسعى بها الساعي وقال في ذلك عنترة (١) : هديكم خير أباً من أبيكم ... (٢) أعف وأوفى بالجوار وأحمدُ وأحمى لدى الهيجا (٣) إذا الخيل صدها ... غداة الصياح السمهري المقصد فهلا وفي الفوغاء عمرو بن جابر ... (٤) بذمته وابن اللقيطة عصيد سيأتيكم مني وإن كنت نائياً ... (٥) دخان العلندى حول بيتي مذود قصائد من بز امرىء يجتديكم ... (٦) وانتم بجسم فارتدوا وتقلدوا أي يطلب منكم الثأر. وقال قيس بن زهير (٧) :

стр. 99

مالي أرى إبلي تحن كأنها ... نوح تجاوب موهناً أعشارا (١) نوح: نساء ينحن، والأعشار: جمع عشر وهو إن يرد الماء في اليوم التاسع، وهذا مثل، والموهن: بعد صدر من الليل. لن تهبطي أبداً جنوب مويسل ... وقنا قراقرتين فالأمرارا أجهلت من قوم هرقت دماؤهم ... بيدي ولم أدهم بجنب تعارا إن الهوادة لا هوادة بيننا ... إلا التجاهد فاجهدن فزارا إلا التزاور فوق كل مقلص ... يهدي الجياد إذا الخميس أغارا فلا هبطن الخيل حر بلادكم ... لحق الأياطل تنبذ الأمهارا حتى تزور بلادكم وتروا بها ... منكم ملاحم تخشع الأبصارا وقال قيس بن زهير في مالك بن زهير بن بدر: أخي والله خير من أخيكم ... إذا ما لم يجد بطل مقاما أخي والله خير من أخيكم ... إذا ما لم يجد راع مساما أخي والله خير من أخيكم ... إذا الخفرات أبدين الخداما قتلت به أخاك وخير سعد ... فان حربا حذيف وإن سلاما ترد الحرب ثعلبة بن سعد ... بحمد الله يرعون البهاما وكيف تقول صبر بني حجان ... إذا غرضوا ولم يجدوا مقاما (٢) وتغني مرة الأثرين عنا ... عروج الشاء تتركهم قياما ولولا آل مرة قد رأيتم ... نواصيهن ينضون القتاما وقال نابغة بني ذبيان (٣) :

стр. 100

أبلغ بني ذبيان أن لا أخا لهم ... (١) بعبس إذا حلوا الدماخ فأظلما بجمع كلون الأعبل الجون لونه ... ترى في نواحيه زهيراً وحذيما (٢) هم يردون الموت عند لقائه ... إذا كان ورد الموت لا بد أكرما ثم إن بني عبس ارتحلوا عن بني عامر، فساروا يريدون بني تغلب، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا وفداً فأرسلت إليهم بنو تغلب بستة عشر راكباً منهم ابن الخمس التغلبي قاتل الحارث بن ظالم، وفرح بهم بنو تغلب وأعجبهم ذلك. فلما أتى الوفد بني عبس قال قيس: انتسبوا نعرفكم، فانتسبوا، حتى مر بابن الخمس، فقال قيس: أن زماناً أمنتنا فيه لزمان سوء، قال ابن الخمس: وما أخاف منك، فو الله لأنت اذل من قراد بمنسم ناقتي (٣) فقتله قيس، وإنما يقتله بالحارث بن ظالم، لأن الحارث كان قتل بزهير بن جذيمة خالد بن جعفر بن كلاب، فلما رأى ذلك قيس قال: يا بني عبس ارجعوا إلى قومكم فهم خير أناس لكم فصالحوهم، فأما أنا فلا أجاور بيتاً غطفانياً أبداً، فلحق بعمان فهلك بها. ورجع الربيع وبنو عبس، فقال الربيع بن زياد في ذلك (٤) : حرق قيس علي البلاد ... حتى إذا استعرت أجذما أجذم: ذهب، ويقال أنه لمجذام الركض إذا أسرع. جنية حرب جناها فما ... تفرج عنه وما أسلما عشية يردف آل الرباب ... يعجل بالركض أن يلجما في نسخة غداة بآل الرباب، والرباب امرأة يعشقها قيس بن زهير.

стр. 101

ونحن فوارس يوم الهرير ... (١) إذ تسلم الشفتان الفما عطفنا وراءك أفراسنا ... وقد مال سرجك فاستقدما إذا نفرت (٢) من بياض السيوف ... قلنا لها أقدمي مقدما ولما انصرف الربيع - وكان يسمى الكامل - أتى بني ذبيان ومعه ناس من بني عبس، فأتى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، فوقفوا عليه فقالوا له: هل أحسست لنا الحارث بن عوف - وهو يعالج نحياً له - فقال: هو في أهله، ثم رجعوا وقد لبس ثيابه، فقالوا: ما رأينا كاليوم قط مركوباً إليه قال: ومن أنتم، قالوا: بنو عبس ركبان الموت، قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، مرحباً بكم، لا تنزلوا حتى لا تأتوا حصن بن حذيفة، قالوا: أنأتي غلاماً حديث السن قد قتلنا أباه وأعمامه ولم نره قط؟! قال الحارث: نعم إن الفتى حليم وأنه لا صلح حتى يرضى، فأتوه عند طعامه ولم يكن رآهم، فلما رآهم عرفهم، قال: هؤلاء بنو عبس، فلما أتوه حيوه فقال: من انتم قالوا: ركبان الموت، فحياهم وقال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، إن تكونوا احتجتم إلى قومكم فقد احتاج قومكم إليكم، هل أتيتم سيدنا الحارث بن عوف، قالوا: لم ناته، وكتموه اتيانهم إياه، فقال: فأتوه، فقالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا، فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله حتى أتوه، فلما اتوه حلف عليه حصن: هل أتوك قبلي، قال: نعم، قال: فقم بين عشيرتك فإني معينك بما أحببت، قال الحارث: أفأدعو معي خارجة بن سنان؟ قال نعم، فلما اجتمعنا قلا لحصن: اتجيرنا من خصلتين: من الغدر بهم والخذلان لنا؟ قال: نعم، فقاما بينهما فباءوا بين القتلى، وأخرجا لبني ثعلبة بن سعد الف ناقة أعانهما فيها حصن بخمسمائة ناقة. وزعموا أنه لما اصطلح الناس، وكان حصين بن ضمضم المري قد حلف

стр. 102

لا يمس غسلاً حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم الذي قتله ورد بن حابس العبسي، فأقبل رجل من بني عبس يقال له ربيعة بن وهب الحارث بن عدي بن بجاد، وأمه امرأة من بني فزارة، يريد أخواله، فلقي حصين بن ضمضم فقتله بأخيه، فقال حيان بن حصن (١) أحد بني مخزوم بن مالك بن قطيعة بن عبس: سالم الله من تبرأ من غي؟ ... ظٍ وولى أثامها يربوعا قتلونا بعد المواثيق بالسح؟ ... (٢) م تراهن في الدماء كروعا إن تعيدوا حرب القليب علينا ... تجدوا أمرنا أحذ جميعا فلما بلغ فزارة قتل حصين بن ضمضم ربيعة بن وهب غضبوا، وغضب حصن في قتل ابن اختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس، وغضبت بنو عبس فأرسل اليهم الحارث بابنه فقال: اللبن أحب إليكم أم انفسكم - يعني ابنه - يقول: إن شئتم فاقتلوه وان شئتم فالدية، قالوا: بل اللبن، فأرسل اليهم بمائة من الابل دية ربيعة بن وهب فقبلوا الدية وتموا على الصلح، فقال في ذلك شييم بن خويلد الفزاري (٣) : حلت أمامة بطن التين فالرقما ... (٤) واحتل أهلك أرضاً تنبت الرتما من ذات شك إلى الأعراج (٥) من إضمٍ ... وما تذكره من عاشق أمما هم بعيد وشأو غير مؤتلف ... (٦) إلا بمزؤودة لا تشتكي السأما أنضيتها من ضحاها أو عشيتها ... في مستتب يشق البيد والاكما

стр. 103

سمعت أصوات كدري الفراخ به ... (١) مثل الأعاجم تغشي المهرق القلما يا قومنا لا تعرونا بمظلمة ... (٢) يا قومنا واذكروا الآلاء والذمما في جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... شنعاء شيبت الأصداغ واللمما عي المسود بها والسائدون ... ولم يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما كنا بها بعدما طيخت عروضهم ... كالهبرقية ينفي ليطها الدسما أي ينقطر منها الدم، طيخت: دنست، والطيخ الفساد، والهبرقية السيوف والهبرقي: الحداد، أراد كالسيوف التي تشن الدم، والليط: اللون، ليط الإنسان: جلده ولونه. إني وحصناً كذي الأنف المقول له ... ما منك أنفك إن أعضضته الجلما أي لا أستغني أنا عن حصن كما لا يستغنى عن الأنف. أإن أجار عليكم لا أبا لكم ... حصن تقطر آفاق السماء دما أدوا ذمامة حصن أو خذوا بيد ... حرباً تحش الوقود الجزل والضرما الضرم: صغار الحطب، أي أعطوا الرضى بدية او غيرها او ائذنوا بحرب. وقال في ذلك عبد قيس بن بجرة (٣) أخو بني شمخ بن فزارة، وهو ابن عنقاء، يعتذر عن حصين بن ضمضم المري: إن تأت عبس وتنصرها عشيرتها ... فليس جار ابن يربوع بمخذول كلا الفريقين أغنى قتل صاحبه ... هذا القتيل بميت أمس (٤) مطلول باءت عرار بكحل والرفاق معاً ... (٥) فلا تمنوا أماني الأضاليل

стр. 104

وعرار: مثل حذام وقطام، أي اتفقوا واصطلحوا، وعرار وكحل، ثور وبقرة كانا في سبطين من بني اسرائيل، فقعر كحل فقعرت به عرار، فوقع الشر بينهم حتى كادوا أن يتفانوا - فضربت العرب بهما مثلاً. وقال زهير بن أبي سلمى يذكر الحارث بن عوف وخارجة بن سنان وحملهما ما حملا من دماء بني عبس وبني ذبيان (١) : لعمري لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم إلى آخر القصيدة. وزعموا أن بني مرة وبني فزارة لما اصطلحوا وباءوا بين القتلى أقبلوا يسيرون حتى نزلوا على ماء يقال له قلهى، وعليه بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فقالت بنو مرة وبنو فزارة لبني ثعلبة: اعرضوا عن بني عبس فقد باءونا بعض القتلى ببعض، فقالت بنو ثعلبة: كيف تباؤون بعبد العزى بن حذار ومالك بن سبيع؟ أتهدرونهما وهما سيدا قيس؟ فو الله لا نسم هذا بأنوفنا، فمنعوهم الماء حتى كادوا يموتون عطشاً. فلما رأوا ذلك أعطوهم الدية، ويزعمون إنها كانت أول الحمالة. فقال في ذلك معقل بن عوف بن سبيع الثعلبي: لنعم الحي ثعلبة بن سعد ... إذا ما القوم عضهم الحديد هم ردوا القبائل من بغيضٍ ... بغيظهم وقد حمي الوقود تطل دماؤهم والفضل فينا ... على قلهى ونحكم ما نريد وقال الربيع بن زياد في حرب داحس (٢) : إن تك حربكم أمست عواناً ... فإني لم أكن ممن جناها ولكن ولد سودة أرثوها ... وحشوا نارها لمن اصطلاها

стр. 105

فإني لست خاذلكم ولكن ... سأشفي الآن إذ بلغت إناها ولد سودة: حذيفة وإخوته الخمسة، أمهم سودة بنت نضلة بن عمير بن جرية. وقال عنترة بن شداد بن معاوية (١) : سائل عميرة حين اجلب جمعها ... (٢) عند الحروب باي حي تلحق أبحي قيس ام بعذرة بعدما ... رفع اللواء لها وبئس المحلق وأسأل حذيفة حين أرش بيننا ... (٣) حرباً ذوأبها بموت تخفق فلتعلمن اذا التقت فرساننا ... بلوى النجيرة (٤) أن ظنك أحمق فهذا ما كان من حديث داحس. وبلغنا إن الحرب التي كانت فيه أربعون سنة، وصار داحس مثلا ويقال: أشأم من داحس (٥) . وقال بشير بن أبي العبسي: إن الرباط النكد من آل داحسٍ ... (٦) جرين فلم يفلحن يوم رهان فسببن بعد الله مقتل مالكٍ ... وغربن قيساً من وراء عمان ويمنع منك السبق إن كنت سابقاً ... وتلطم إن زلت بك القدمان لطمن على ذات الإصاد وجمعهم ... يرون الأذى من ذلة وهوان تم حديث داحس والحمد لله رب العالمين.

стр. 106

- ٢٨ - وكان من حديث بيهس أنه كان رجلاً من بني غراب بن فزارة بن ذبيان بن بغيض وكان من سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم ناس من أشجع وبينهم حرب، وهم في إبلهم، فقتلوا ستةً وبقي بيهس، وكان يحمق، وكان أصغرهم، فأرادوا قتله ثم قالوا: ما تريدون من قتل هذا يحسب عليكم برجل ولا خير فيه، فتركوه فقال: دعوني أتوصل معكم إلى أهلي فانكم إن تركتموني وحدي أكلتني السباع وقتلني العطش، ففعلوا فاقبل معهم، فلما كان في الغد نزلوا فنحروا جزوراً في يوم شديد الحر فقالوا: اظلوا لحم جزوركم لا يفسد، فقال بيهس: لكن بالأثلات لحماً لا يظلل (١) فقالوا: إنه لمنكر وهموا إن يقتلوه، ثم تركوه (٢) ففارقهم حتى انشعب له طريق أهله فأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت: ما جاءني بك من بين إخوتك؟ فقال لو خيرك القوم لاخترت (٣) ، فأرسلها مثلاً. ثم إن أمه عطفت عليه ورقت فقال الناس: احبت ام بيهس بيهساً ورقت له، فقال بيهس: ثكل أرأمها ولداً (٤) فأرسلها

стр. 107

مثلاً. ثم جعلت تعطيه ثياب إخوته ومتاعهم يلبسها فقال يا حبذا التراث لولا الذلة (١) ، فأرسلها مثلاً. وقال حبيب بن عيسى لما اراد بيهس أن يمضي عنهم قال بضهم: كيف يأتي هذا الشقي أهله بغير خفير؟ فقال لهم بيهس: دعوني فكفى بالليل خفيراً فأرسلها مثلاً. ثم أتى على ذلك ما شاء الله، ثم إنه مر على نسوة من قومه يصلحن امرأة منهن يردن أن يهدينها لبعض القوم الذين قتلوا إخوته فكشف ثوبه عن استه وغطى به راسه، فقلن: ويحك اي شيء تصنع؟ فقال: (٢) البس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها (٣) فأرسلها مثلاً، فلما أتى على ذلك ما شاء الله جعل يتتبع قتلة إخوته فيقتلهم ويتقصاهم حتى قتل منهم ناساً فقال بيهس (٤) : يا لها من مهجة يا لها ... أني لها الطعم والسلامه قد قتل القوم إخوانها ... في كل وادً زقاء هامه لأطرقنهم وهم نيام ... فأبركن بركة النعمامه قابض رجل وباسط أخرى ... والسيف أقدمه امامه نعامة: هو بيهس، لقب بنعامة لقوله: فأبركن بركة النعامة. ثم أخبر أن ناساً من أشجع في غار يشربون فيه، فانطلق بخالٍ له يكنى أبا

стр. 108

حشر (١) فقال له: هل لك في غار فيه ظباء لعلنا نصيب منهن؟ قال: نعم، فانطلق بيهس باي حشر حتى إذا قام على باب الغار دفع خاله في الغار فقال: ضرباً أبا حشر، فقال بعضهم: إن أبا حشر لبطل، فقال أبو حشر: مكره أخوك لا بطل (٢) فأرسلها مثلاً، فكان بيهس مثلاً في العرب، قال المتلمس (٣) : ومن حذر الأيام ما حز انفه ... قصير ورام الموت بالسيف بيهس (٤) نعامة لما صرع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس وأول هذه الأبيات (٥) : وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا ... وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا فلا تقبلن ضيماً مخافة ميتة ... وموتن بها حراً وجلدك أملس ومن حذر الأيام ... الخ. ... وقال بعض الشعراء من بني تغلب وهو أبو اللحام: لقمان منتصراً وقس ناطقاً ... ولأنت أجرأ صولةً من بيهس

стр. 109

يريد بها الأسد ههنا وهذا البيت غلط من المفضل (١) لان بيهساً هو الأسد وليس ببيهس الذي يلقب بنعامة، ويدلك على ذلك البيت الذي بعده وهو لأبي اللحام التغلبي يمدح عباد بن عمرو بن كلثوم: يقص السباع كأن فحلاً فوقه ... ضخم مذمره شديد الافحس كان قس بن ساعدة (٢) من إياد مفوها ناطقاً فوقف بسوق عكاظ على جمل له أحمر فقال: أيها الناس اجتمعوا ثم اسمعوا وعوا، كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لمعتبرا، نجوم تمور، وبحار لا تبور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، ما للناس يذهبون ثم لا يرجعون، أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا، يحلف بالله قس بن ساعدة إن الله لديناً احب اليه مما نحن فيه. - ٢٩ - زعموا أن رجلاً من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم يقال له عياض ابن ديهث أورد إبله على ماء، فصادف عليه رعاء الحارث بن ظالم المري - مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان - فأدلى عياض بن ديهث دلوه ليسقي ماشيته، فقصر رشاؤه واستعار بعض أرشية رعاء الحارث بن ظالم فأعاروه حتى سقى إبله، ثم أصدرها، فلقيه بعض حشم النعمان فأخذ أهله وماله، فنادى يا حار يا حاراه، فركب الحارث حتى أتى النعمان، وقد كان لقي عياضاً قبل ذلك، فقال له: ويلك ومتى أجرتك؟ قال: فاني

стр. 110

عقدت رشائي برشاء رعائك فسقيت إبلي، وأخذت ذلك الماء في بطونها، فقال له الحارث: إن في هذا لجواراً (١) ثم اتى النعمان فقال: أبيت اللعن، إنك أخذت إبل جاري وأهله وولده، فقال النعمان: أفلا تشدما وهي من أديمك أول - يعني قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر وهو جار للأسود بن المنذر (٢) بن ماء السماء أخي النعمان. ثم إن النعمان أوعد الحارث وعيداً شديداً فقال له الحارث: هل تعدون الحيلة الى نفسي (٣) ، فأرسلها مثلاً، أي هل تريد بحيلتك أن تقتلني، هذا غايتك، يريد هل يكون شيء بعد الموت. ثم انصرف تدبر النعمان كلمته فندم على تركه، ثم طلبه فلم يجده. وكانت سلمى (٤) بنت ظالم أخت الحارث تحت سنان بن أبي حارثة بن نشبة بن غيظ بن مرة، وكان النعمان قد دفع الى سنان ابن أبي حارثة ابناً له يكون عنده، فجاء الحارث إلى أخنه فقال: إن سناناً يقول لك: زيني ابن النعمان حتى آتي به أباه لعله يصنع إلينا خيراً، ففعلت، فانطلق به الحارث فضرب عنقه، ثم هرب فلحق بمكة، وكان رد على ابن ديهث بعض ما أخذ منه، فقال الحارث بن ظالم: قفا فاسمعا اخبركما إذ سألتما ... محارب مولاه وثكلان نادم مولاه: ابن عمه، أي إنا نحارب ابن عمي سنان بن أبي حارثة الذي كان عنده ابن النعمان.
следующие страницы →