Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
الكريم، أوسعه الله رحماه، وجعل الجنة مأواه، فاها لله وإنا إليه راجعون؛ على الرزية فيه، ليتني بالنفس أفديه؛ فأما القلب فمنحل ومنسلب، وأما الدمع فمنهل ومنسكب، سقى الله جدثه سبل القطر، ونفعه بحسن المذهب وجلالة القدر، وجزاه المحسنين، وأنزله دار المقامة في عليين، وهناك الله ميراثه من الرياسة، ومكانه العلي من النفاسة، ومنحك العمر الطويل، وأمتعك العز الظليل، وساعفك بكل ما تهواه الزمان، ولا زال بك يتجمل ويزدان.
وله من أخرى: كتبت وقد وافاني كتابك بما أطال ليلي وأسهر عيني، وحال بين التماسك وبيني، للنازلة الفاجئة، والحادثة الفاجعة، في المتوفاة - نصر الله وجهها وقدس روحها - فلقد رمتني الأيام بثكلها فأصابت مني صميما، وسلبتني علقا كريما، وأنسا عظيما، وأبقت بقلبي ندبا، وتركتني على العزاء مغلوبا، فانا لله وإنا إليه راجعون، تسليما له فيما قضى، وقولا يوجب عنده الزلفى والرضى؛ وهو الحمام، والموت الزؤام، جعلنا [١٩أ] الله منه على حذر، ووفقنا منه لخير عمل ونظر.
وله من أخرى: وتوفي فلان - عفا الله عنه - وكان البقية التي
стр. 1857
يؤنس لبقائها، ويعشى إلى أضوائها، فاختلسته المنية، وفجعت به الدنيا الدنية، فمن شأنها أن تذهب بالأفاضل، وتخيم على الأماثل؛ نقله الله إلى رضوانه، وحفه بغفرانه، وأحسن العزاء عنه، وان عز العوض منه.
وأما عهدنا فقد درس منه العهد، بخطوب يتمنى معها الفقد: بلاد لحقها التغيير، واستولى عليها التدمير، وأكلت الجوعة بنيها، وتعطل الشرع والدين فيها؛ فلا صلاة تجمع، ولا منبر يرفع، والكل ناهل، وفي حوض الردى ناهل، فلينح على الإسلام نائح، وليجبه صدى من جانب القبر صائح.
وهذا محلول من شعر لتوبة بن الحمير، ويتعلق بذيله خبر رواه أبو عبيدة قال: إن ليلى الأخيلية مرت مع زوجها في بعض نجعهم بالموضع الذي فيه قبر توبة، فقال لها زوجها: لا بد أ، أعرج بك إلى قبره كي تسلمي عليه، وأرى هل يجيبك صداه كما زعم حيث يقول:
ولو أن ليلى الأخليلية سلمت علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح
فقالت له: وما تريد من رمة وأحجار - قال: لا بد من ذلك، فعدل بها عن الطريق، فلما دنت راحتها من القبر ورفعت صوتها بالسلام
стр. 1858
عليه، إذا بطائر قد استظل بحجارة القبر من فيح الهاجرة وطار فنفر راحتها فوقصت بها فماتت. وهذا اتفاق غريب، وحديث في هذه الهامة عجيب، وهي ما زعم الأعراب طائر يخرج في القبر من رأس القتيل فلا يزال يقول: اسقوني، اسقوني، حتى يؤخذ بثاره، وفي ذلك يقول الآخر:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وهذا الخبر في شعوهم أشهر من أن يذكر.
وله من أخرى: الدنيا - صرف الله عنك صرفها - على الفجائع مبنية، [وقصاراها كدر أو منية] ، وان الحازم من وطن لأحداثها، وأيقن بانتكاثها، فأوسعها رحيبا، وقلبا صليبا؛ وكتبت والدموع محدور، وقد حم قضاء ونفذ مقدور، بوفاة الولد الطيب المبارك أبي عبد الله ابننا، وقرة أعيننا، كان - نضر الله وجهه ولقاه رحمته ومغفرته، ورفع في دار المقام منزلته - فناهيك بأسفي عليه وتوجعى، وما أوقد [١٩ب] نار الأسى بين أضلعي، فانه كان مرجوا في الأبناء، معدودا في النجباء، للسيادة مرشحا، وبالفضائل موشحا، ينهل الخير من أعطافه، ويعجب الدهر من أوصافه، أكرم به من سليل، كان على أحسن خليقة وأهدى [طريقة وأقوم] سبيل، ولكن يأبى الله إلا ما
стр. 1859
يريد، فأسعد بجواره ونعم السعيد.
ومن أخرى: كتبت مجملا ومختصرا، ومنتحبا مستعبرا، وأعزز علي بأن أعزي مخاطبا، ولا أكون مشاهدا ومواظبا، وان المقدم لحرمته، لفائز من الله بأتم نعمته، فسلموا - أعزكما الله - عن الحادث سلو، ودعاء إلى الخالق مرجوا، في أن يكشف عنكما الغماء، وينير بكما الظلماء، وأبشروا على الصبر الجميل، بالأجر الجزيل، وما حط ما أصبتما به قدر، وإنما حط من وزر.
وله من أخرى:
*عيد بأية حال عدت يا عيد *
عاد والله بفيض الدموع، وفض الضلوع، ومفارقة الأعزة الجلة، ومحالفة الأسى والذلة، فتوهم - أجارك الله من نوبه - ما بقلبي من تلهبه، للحال التي أنتم عليها، وكيف مقامي، وانتحابي واحتدامي، ولكني ضارع إلى الله أن يغفر الذنوب، ويكشف الكروب، وإنا لله وإنا إليه راجعون على هذا المنظر، في هذا اليوم الأكبر، وقد عهدناه أغر وضاحا، يعيد الليل فجرا وصباحا، وهو المرجو لتلافينا، والإقالة من عثراتنا ومهاوينا.
стр. 1860
ناقص
стр. 1861
شاهدا كما انتحبت غائبا، وأؤدي من مفترضات أياديك واجبا.
وله من أخرى: موهوب الدنيا - أيدك الله - إلى استلاب، ومعمورها إلى خراب، ومطمعها كالآل والسراب، تغافص ذا العزة، وتقطع در الدرة، وتخون ذا الثقة المبرة.
وفي فصل منها: فرع [والله] من الفضل ذوى، ونجم في الرياسة خوى، أظلمت بعده الآفاق، وأدرك تمامها المحاق، وإلى الله الشكوى، فهو أضحك وأبكى، والحمد لله على نافذ أقضيته، ومحتوم قدرته، وهو المنهل، لا يعل منه الذي ينهل، فالتماسك عند هجومه ألزم، ووفور الأجر عند ذوي النهى أحزم.
وفي فصل من أخرى: أسرع اليك يا معتمدي الفطام، وأقصدتك للحوادث سهام، وحملت ثقلا لا يطاق، وتغيرت له الآفاق، فقبحا لدنيا عفت بيدها جمالها، وحدت لارتحال بهجتها جمالها.
ومن أخرى: كتابي عند ورود الخبر الصحيح بالتغلب على دانية وتثقيف قصبتها، وتملك معز الدولة -] استنقذه الله]- وهجوم المنية على إقبال الدولة -[﵀]- فاعجب يا سيدي من انقاض الحال بغتة على الفور، وذهاب دولة السؤدد والسرو، على بعد مرامها
стр. 1862
وشدة أركانها، وعزة سلطانها، أعاذنا الله من سوء القضاء، وجعلنا في حيز الاحتماء. ولما ورد هذا الخبر الذي يورد المنون، ويسهر العيون، طيرت به إليك على شرط ما بيننا في الأمور، في القليل والكثير، [والله يقي جانبك ويكفيه، ويذب عن قطرك ويحميه، بقدرته] .
وفي فصل: يجب أن تعذرني - أعزك الله - إذا كتبت، فالذهن كليل، والقلب عليل، والقول قليل؛ وبلغني ما أصمتك به الأيام في الصميم، والظل الكريم، بوفاة الوالدة الطاهرة، والجنة الساترة، ألحفها الله رحمته، وألحقها جنته، ومثلك في رجحانه، لم توه المصائب من أركانه، بل سلم لله في حكمه، واسترجع للخطب على عظمه، فغنم الثواب، [وعلم المآب] .
وله من أخرى يعزي بموت المقتدر: أي خطب - أيدك الله - طلعت به النوائب، واسودت له المشارق والمغارب، لقد ترك شمل الإسلام صديعا، وصير عبرة الشؤون نجيعا، بمن كنا نلوذ به: قريع الزمان، ومبير العدا ومولي الإحسان، مولاي المقتدر بالله - نقع الله صداه، وكرم مثواه - فلو درى الحمام بمن فجع، لارعوى أو توجع، ولكن هكذا تزول الجبال، وتنصرم الآمال، وينهال السناء [٢٠ب] وينهدم البناء.
وفي فصل [منها] : وما أعلمت يدا إلا والدمع منسجم، والشجو
стр. 1863
محتدم، وقليل أن تطيش الألباب، وقد حل هذا المصاب، وفي مولاي الرجاء والعزاء، وإليه الانتماء والاعتزاء، لا زال يستقبل دهرا جديدا، وعمرا مديدا، حتى يخلد ذكرا مشيدا، وفخرا تليدا.
وله من أخرى: مالي أرى المجد - أعزك الله - قد سدت معالمه، وانهدت دعائمه، بفقد من كان يغرق البحر فيض نواله، ويكاثر نجوم السماء بعض خلاله، واحد الدنيا، وجامع العليا، ومن كان يطرق الحلم لأناته، ويحار الفهم من آياته، ويعز الدين بمكانه، ويذل الشرك لسلطانه، مولاي المقتدر بالله - قدس الله روحه، ونور ضريحه -.
وفي فصل: وإني لأعلم نيل الخطب منك، وصدر الرزء عنك، وحيث انتهى [بك] البكاء والعويل، وغناء لعمري لدى المصاب قليل، وما أعزيك وأترك نفسي، وقد شردتما سكني وأنسي، ولكن أعرض عليك مكان السلو وقد لاح لي بدره، بالرئيس الشهم المعظم قدره، الحاجب مولاي المؤتمن، فذ العصر، ومقتاد كل كريمة، [ووراد كل كريهة] من يحمي الحمى، ويسدي النعمى، ويزاحم الأفلاك، ويبهر الأملاك.
стр. 1864
وله من أخرى: أنى يستطاع الكلام - أيد الله مولاي - وقد اغبرت الدنيا وأظلمت الآفاق، ونعي الإسلام، وعني به الحمام، وقامت نوادبه، وأوحشت مغانيه وجوانبه، ولكني أقول عن صعدائها، وللعين غصص بمائها، وللنفس تنفس من برحائها: لقد مات منقطع القرين، وكاليء هذا الدين، من كان - والله - ينير إذا دجت الخطوب، ويثير إذا عن الهبوب، ومن يملأ الأفواه طيب ثنائه، ويملك القلوب بشر لقائه، ومن كان يرهب الشرك صولته، ويخاف العدو وطأته، فبرد الله ثراه، وسقاه الحيا ورواه، فلو يعلم الترب ما ضم من كرم ونائل، وحلم إذا خفت الحلوم غير زائل، لطاول السماء، واعتنق الجوزاء، ولقد قلت لما غالتني فيه الغوائل:
فما كان ما بيني لو أني لقيته وبين الغنى إلا ليال قلائل
وله من أخرى: الدنيا - أعزك الله - ليست بدار قرار، والمرء منها على شفا جرف هار، وإنما هي جسر على الطريق، وعدو في ثياب صديق
стр. 1865
ولما بلغني وفاة فلان -[﵀] نضر وجهه وبرد ثراه - علمت أنك الجبل الذي لا يرتقي الجزع ذراه، وإن كان سهم المنايا أصاب حميما، واستلب كريما، فقد أبقى الله بك الصدع مرؤوبا، والجزع مغلوبا.
ومن أخرى: كتبت والدمع واكف، والحزن عاكف، للرزية الشاملة، والقاصمة النازلة، في فلان، فيا عظم ما [٢١أ] دهمت به الأيام، وفجع فيه الإسلام، فانا لله وإنا اليه راجعون، تسليما لنافذ القضاء، ومقدر الفناء؛ ولقد نالني من الكرب لهذا الخطب ما لو شهدته لراعتك المنظر، ولجعلت نفسك الكريمة تفطر؛ وخاطبت الحاجب - أيد الله صبره، وجبر صدعه - مقيما للرسم في تعزيته، ولو استطعت لنهضت بنفسي لقضاء الحق وتوفيته، فنب بفضلك عني منايا [كريما] ، وأعلمه - أيده الله - تفجعي وتوجعي، وتأسفي وتشيعي، وفي بقائه ما يسد الخلل، ويمد الرجاء والأمل.
فصول اقتضبتها من كلامه في وصف ثغور البلاد
والاستنفار للجهاد
فصل له من رقعة: استوضحت جميع تلك الأحوال التي وصفتها، والأحداث التي قصصتها، فأكبرت وقوعها، ثم عرفت للأيام صروفها
стр. 1866
وصدوعها، وتألمت لما يجري على المسلمين من نكد فاضح، وتلف فادح، فليت شعري أين البصائر، وحتام تدور هذه الدوائر، على رمق الجزيرة وقد أشفى - أما آن للنصر أن يقع [وللداء] أن يشفى - نظر الله للكل، وأراهم مواضع الرشد، من العقد والحل، بمنه.
وفي فصل: كتابي بعد أن وقفت على كتاب فلان الذي أودعه ما ودع من حيات، ولم يدع مكانا لمسلاة، فانه للقلوب مؤذ، وللعيون مقذ، وللظهور قاصم، ولعرى الحزم فاصم، فليندب الإسلام نادب، وليبك له شاهد وغائب، فقد طغى مصباحه، ووطئ ساحه، وقص جناحه، وهيض عضده، وغيض ثمده، إلى الله نفزع، وإليه نضرع، في طارق الخطب ومنتابه، فلا حول ولا قوة إلا به، فهو كاشف الكروب، وناصر المحروب.
وفي فصل: واتصل بنا أنه أباد الديار، في جميع تلك الأمصار، والمسلمون بينهم سوام ترتع، وأموالهم نهب يوزع، والقتل يأخذ
стр. 1867
منهم فوق ما يدع فأطل الفكرة في هذا الخرم الداخل، والبلاء الشامل، والله المرجو لكشف الغمة، وتلافي الأمة.
وفي فصل من أخرى: ورد كتابك بالخطب الأبقع، والحادث الأشنع، الجاري على المسلمين - نصر الله مقانبهم، وجمع على الائتلاف مذاهبهم - في مدينة بربشتر، وكانت صدرا في القلاع المنيفة، وعينا من عيون المدائن الموصوفة، إلى ما سبق قبل في القلعة القلهرية وغيرها من مهمات القلاع: الدروب والمعاقل، وخطيرات الحصون والمنازل، فأطار الألباب، وطأطأ الرقاب، [وصرم الآمال والهمم، وأسلبهم من الذلة والقلة إلى ما قصم] وانك رأيت الحال في معرض جلاها للنواظر [عيانا] ، ووصل [٢١ب] بينها وبين الخواطر أسبابا وأشطانا، فما شئت من دمع مسفوح مراق، ونفس مترددة بين لهاة وتراق، وأسى قد قرع حصيات القلوب فرضها، وعدل عن المضاجع بالجنوب فأقضها، ومآل تستك من سماعة الأسماع، وتضيق عن إيراد حقيقته الرقاع، فالله [يدرأ] في نحر ما فدح من الخطوب الكبار ويدفع، وإليه نلجأ فيما ألظ من عقيم الدواهي ونفزع، فمنه الغوث والانتصار، وعادة الإقالة إذا جد العثار.
وفي فصل من أخرى: وإن الملأ الكريم - تكفل الله به - ورد وقد امتطى العزم ظهرا، واستشعر النصيحة سرا وجهرا، ووسع نطاق البيان
стр. 1868
وندب إلى ما فيه ثبات الإيمان، وأعرب عما رأيته ورآه، من في طاعتك من جموع المسلمين - وفقهم الله - من الاستنفار لأمر هذا العدو الذي قد سحب في الجزيرة أذياله، وفوق للاستيلاء على حدودها نصاله، لما تحقق له أن العزائم عن مقارعته ناكلة، والبلاد من أعداد تقاومه عاطلة، فبانت أصالتك وتفرد جدك، وتجدد الحفاظ والانقاذ لملة الإسلام بجهدك، وقد تعين البدار على كل رئيس ومرءوس، ولزم الجهاد كل شريف ومشروف، وقبيح على المسلم أن يحل إزارا، ويسوغ من الكرى غرارا، وإخوته المسلمون بين مشدود بالإسار، أو جزر النيوب والأظفار، تالله ما في النصفة أن تسكن الظلال، وأطراق حملة القرآن الأغلال، [والله تعالى يصير الأيدي في الدفاع يدا، ويعيد العدو المستأسد مهتضما مضطهدا] .
ومن أخرى: كتبت - أيد الله أمير المسلمين - وقد وافى الخبر المبهج بأن الجزيرة المهتضمة - حماها الله - حلها إمامها العادل، وسيفها العامل، وليثها الخادر، وقرمها المبادر، فكان عندي كالماء للظمآن، والنجم للحيران، فقلت: خبر والله جلى الشك من اليقين، وشفى صدور قوم مؤمنين، فالحمد لله رب العالمين، إذ يقيم الله به للحق مناره، ويحمي من الإسلام ذماره، فأنف الكبر أجدع راغم، ووجه الظلم أسفع قاتم.
стр. 1869
ووددت أن أسعد بلقائه، وأستظل بلوائه، وألم بجوانبه، وأسير في كتائبه، فأنال حظا جسيما (يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) (النساء: ٧٢) . ولولا أن العدو - قصمه الله - بهذه الأقطار، يجوس خلال الديار، فلا تمكن المسالك، ولا تتورد المهالك، لكنت أول وارد مع الوارد، ولقضيت فرض الجهاد، وملأت عيني ممن ملأ البسيطة عدلا، وزاد الفضيلة فضلا، وإن العين لتفيض من الدمع، لما جدت بي الأيام [٢٢أ] في القطع، وعسى الله أن يفسح المهل، ويرفع الوجل، ويبرئ العلل، ويبلغ الأمل.
وفي فصل من أخرى: وفيما ذكرت قرع الظنابيب، وشرع الأنابيب، وهرج يشمل البعيد والقريب، ومحض ودي، وصحيح عقدي، وما لا يشك فيه عندي، يحملني لك على الانتصاح، شحا مني ورغبة في الصلاح، وحسما لأسباب الفتنة، التي تعظم معها المحنة، فإن وافق قولي قبولا، وكان على أحسن التأويل محمولا، فذلك الذي إليه عرضت وله تعرضت، وإذا كان ما سواه، فهي أمور يريدها الله،
وله من رقعة إلى ابن جحاف أيام ثورة ابن عمه ببلنسية: قد ألبستني - أعزك الله - من برك ما لا أخلعه، وحملتني من ثنائك ما لا أضيعه، فأنا أستريح اليك استراحة المستنيم، وأصرف الذنب على
стр. 1870
الزمن المستليم، وإن ابن عمك - مد الله بسطته - لما ثار ثورته التي ظن أنه بلغ بها السماك، وبذ معها الأملاك، نظر إلي متخازرا [متشاوسا] ، وتخيلني محاسدا أو منافسا، ولعن الله من حسده جمالها:
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
ثم تورم علي أنف غرته، فرماني بضروب محنته، وفي كل ذا أتجرعه على مضضه، وأتغافل لغرضه، وأطويه على بلله، وما أنتصر بشيء سوى عمله، إلى أن رأى اليوم [سوء رأيه] ، ان يزيد في تعسفه وبغيه، فاستقبلت من الأمر غريبا ما كنت أحسبه، ولا بان إلي سببه؛ ولما جاءه رسولي مستفهما، عبس وبسر، وتاه واستكبر، فأمسكت محافظة للجانب، وعملا على الواجب، لا أن هيبة أبي أحمد قبضتني، ولا أن مبرته عندي اعترضتني. وأقسم بالله حلفه بر: لو الأيام قذفت بكم إلي وأنا بمكاني، لأوردتكم العذب من مناهلي، ولجعلت جميعكم على عاتقي وكاهلي، ولكن الله يعمر بكم أوطانكم، ويحمي من النوب
стр. 1871
مكانكم، ويحوط هذه السيادة الطالعة فيكم، النابتة بمعاليكم، فلا يسرك مفظعه، وليسؤك مصرعه، فما مثله يمطل، ولا يلبث حينا ولا يمهل.
قال أبو الحسن: ومد لأبي عبد الرحمن بن طاهر هذا في البقاء، حتى تجاوز [مصارع] الجماعة الرؤساء، وشهد محنة المسلمين ببلنسية على يدي الطاغية الكنبيطور - قصمه الله - وحصل بذلك الثغر، في قبضة الأسر، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ومنها كتب رقعة إلى بعض إخوانه يقول فيها: كتبت منتصف صفر، وقد حصلنا في قبضة الأسر، بخطوب لم تجر في سالف الدهر، فلو رأيت قطر بلنسية - نظر الله [٢٢ب] إليه، وعاد بنوره عليه - وما صنع الزمان به وبأهليه، لكنت تندبه وتبكيه، فلقد عبث البلى برسومه، وعفى على أقماره ونجومه، فلا تسأل عما في نفسي، وعن نكدي ويأسي، وضممت الآن إلى الافتداء، بعد مكابدة أهوال ذهبت بالذماء، وما أرجو غير صنع الله الذي عود، وفضله الذي عهد؛ وساهمتك مساهمة الصفي، لما أعلم من وفائك وتهممك الحفي، مستمطرا من تلقائك دعوة إخلاص، عسى أن تكون سريعة
стр. 1872
إلى فرج وخلاص، بإذن الله، فهو - عز وجهه - يقبل الدعاء من داعيه، وما زال مكانك منه ترى البركة فيه.
قال أبو الحسن: وإذ قد انتهى بنا القول إلى ذكر بلنسية فلا بد من الإعلان بمحنتها، والإتيان بنبذ من أخبار فتنتها، التي غرب شأوها في الإسلام، وتجاوز عفوها جهد الكروب العظام، وذكر الأسباب التي جرت جرائرها، وأدارت على المسلمين دوائرها، والإشارة باسم من سلك في طريقها ونهج، ودخل أبواب عقوقها وخرج.
ذكر الخبر عن تغلب العدو عليها وعودة المسلمين إليها
قال أبو الحسن: ونذكر إن شاء الله في القسم الرابع، نكتا وجوامع، تؤدي إلى كيفية تغلب أذفونش طاغية طاغوت الجلالقة - قصمها الله - على مدينة طليلة، واسطة السلك، وأشمخ ذرى الملك، بهذه الجزيرة، ونشرح الأسباب التي ملكته قيادها، ووطأته مهادها، حتى اقتعد صهوتها، وتبحبح ذروتها، وأن يحيى بن ذي النون، المتلقب من الألقاب السلطانية بالقادر بالله، كان الذي هيج أولا نارها، وأجج أوارها
стр. 1873
وكان عندما خلى [بين] أذفونش وطليطلة - جدد الله رسمها، وأعاد إلى ديوان المسلمين اسمها - قد عاهده على أن يعيد له صعب بلنسية ذلولا، وأن يمتعه بنضرتها وتملك حضرتها ولو قليلا، علما منه أنه أسير لديه، وعيال عليه. فصار تهره المعاقل، وتبرأ منه المراحل [بعد المراحل] ، حتى استقر بقصبة قونكة، عند أشياعه بني الفرج - حسبما نشرحه في القسم الرابع إن شاء الله تعالى - وهم كانوا ولاة أمره، وواعية عرفه ونكره، بهم أولا صدع، وإليهم آخرا نزع، وطفق يداخل ابن عبد العزيز بمعاذير يلفقها، وأساطير ينفقها، وأعجاز من الباطل وصدور يجمعها ويفرقها، وابن عبد العزيز يومئذ يضحك قليلا [٢٣أ] ويبكي كثيرا، ويظهر أمرا ويخفي أمورا، والفلك يدور، وأمر الله ينجد ويغور. وورد الخبر بموت ابن عبد العزيز أثناء ذلك، واختلاف ابنيه بعده هنالك، فانسل ابن ذي النون إلى بلنسية انسلال القطا إلى الماء، وطلع عليها طلوع الرقيب على خلوات الأحباء، وانتهجت السبيل بين ملوك أفقا وبين أمير المسلمين [وناصر الدين] ﵀ على ما قدمن ذكره - سنة تسع وسبعين، وصدم أذفونش الطاغية - قصمه الله - تلك الصدمة - المتقدمة الذكر - يوم الجمعة، فرجع - لعنه الله - وقد هيض جناحه، وركدت رياحه، وتنفس خناق يحيى بن ذي النون هذا، فتنسم روح
стр. 1874
البقاء، وتبلغ بما كان بقي له من ذماء، ودخل من معاقدة أمير المسلمين فيما دخل فيه معشر الرؤساء؛ ولم يزل إدبارهم - على ما ذكرنا - يستشري وعقارب بعضهم إلى بعض تدب وتسري، حتى أذن الله لأمير المسلمين [﵀] في إفساد سعيهم، وحسم أدواء بغيهم، والانتصار لكواف المسلمين من فعلهم الذميم ورأيهم، فشرع في ذلك - على ما قدمته - سنة ثلاث وثمانين، فجعلت البلاد عليه تنثال، والمنابر باسمه تزدهي وتختال؛ واستمر ينثر نجومهم، ويطمس رسومهم، باقي سنة ثلاث وسنة أربع بعدها، وفي ذلك يقول الأديب أبو تمام ابن رباح:
كأن بلادهم كانت نساء تطالبها الضرائر بالطلاق
وفي ذلك أيضا يقول أبو الحسين ابن الجد، وأراه عرض بصاحب ميورقة بعد خلع بني عباد:
ألا قل للذي يرجو مناما بعيد بين جنبك والفراش
أبو يعقوب من حدثت عنه فرش سهم العداوة أو فراش
إذا نفش القضاء جبال رضوى فكيف تراه يصنع بالفراش
ولما أحس أحمد بن يوسف بن هود، المنتزي إلى وقتنا هذا على ثغر
стр. 1875
سرقسطة، بعساكر أمير المسلمين تقبل من كل حدب، وتطلع على أطرافه من كل مرقب، أسد كلبا من أكلب الجلالقة يسمى برذريق ويدعى بالكنبيطور، وكان عقالا، وداء عضالا، له في الجزيرة وقائع، وعلى طوائفها بضروب المكروه اطلاعات ومطالع، وكان بنو هود قديما هم الذين أخرجوه من الخمول، مستظهرين بع على بغيهم الطويل، وسعيهم المذموم المخذول، وسلطوه على أقطار الجزيرة يضع قدمه على صفحات أنجادها، ويركز علمه في أفلاذ [٢٣ب] أكبادها، حتى غلظ أمره، وعم أقاصيها وأدانيها شره، ورأى هذا منهم حين خاف وهي ملكه، وأحس بانتثار سلكه، أن يضعه بينه وبين سرعان عساكر أمير المسلمين، فوطأ له أكناف بلنسية وجبى إليه المال، وأوطأ عقبه الرجال، فنزل بساحتها وقد اضطرب حبلها، وتسرب أهلها، وذلك أن الفقيه أبا أحمد بن جحاف متولي القضاء بها يومئذ لما رأى عساكر المرابطين -[أيدها الله]- تترى، وأحس بهذا الطاغية - لعنه الله - من جهة أخرى، امتطى صهوة العقوق، وتمثل: " من فرص اللص ضجة السوق "، وطمع في الرياسة بخدع الفريقين، وذهل عن قصة
стр. 1876
الثعلب بين الوعلين، فاستجاش لأول تلك الوهلة لمة يسيرة من دعاة أمير المسلمين فهجم بهم على ساحة ابن ذي النون الجاء على حين غفلته، وانفضاض من جملته، واستشراء من علته، حيث لم يكن له ناصر إلا الشكوى، ولا هاد صدر العصا، فقتله - زعموا - بيد رجل من بني الحديدي طلبا بذخل عما كان هو قد قتل من سلفه، وهدم من بيوت شرفه - في خبر سيأتي ذكره، ويشرح بمشيئة الله في موضع من هذا الكتاب أمره - وفي قتله لابن ذي النون القادر، يقول أبو عبد الرحمن بن طاهر:
أيها الأخيف مهلا فلقد جئت عويصا
إ
ذ قتلت الملك يحيى وتقمصت القميصا
رب يوم فيه تجزى لم تجد عنه محيصا
ولما تم لأبي أحمد شانه، واستقر به - على زعمه - سلطانه
стр. 1877
وقع في هراش، وتفرقت الظباء على خراش، ودفع إلى النظر في أمور سلطانية لم يتقدم قبل في غوامض حقائقها، وإلى ركوب أساليب سياسية لم يكن له عهد باقتحام مضايقها، ولا بالدخول في ضنك وآزقها، ولم يعلم أن تدبير الأقاليم غير تلقين الخصوم، وان عقد ألوية البنود، غير الترجيح بين العقود، وانتحال الشهود، وشغل بما كان احتجن من بقية ذخائر ابن ذي النون وشيعته عن استجلاب الرجال، والنظر في شيء من الأعمال، وانفضت عنه تلك الجملة اليسيرة [من الخيل] المرابطية التي كان تعلق بسببها، وموه على الناس بها، لضيق المذاهب، وغلظة ذلك العدو المصاقب، وقوي طمع رذريق في ملك بلنسية فلزمها ملازمة الغريم، وتلذذ بها [تلذذ] العشاق بالرسوم، ينتسف أقواتها، ويقتل حماتها، ويسبق إليها كل أمنية، ويطلع عليها من كل ثنية، فرب ذروة [٢٤أ] عز قد طالما تلددت الأماني والنفوس دونها، ويئست الأقمار والشموس من أن تكونها، قد ورد ذلك الطاغية يومئذ معينها، وأذال مصونها؛ ورب وجه كانت تدميه الذر، وتحسده الشمس والبدر، ويتغاير عليه المرجان والدر، قد أصبح درية لزجاجه، ونعلا لأقدام أراذل أعلاجه، وبلغ الجهد بأهلها والامتحان، أن أحلوا محرم الحيوان، وأبو أحمد المذكور في أنشوطة ما سهل وسنى شرقا بعقبى ما جر على نفسه وجنى، يستصرخ أمير المسلمين على بعد
стр. 1878
داره، وتراخي مزاره، فتارة يسمعه ويحركه، وتارة ينقطع دونه ولا يدركه، وقد كان من أمير المسلمين بموضع، ومن رأيه الجميل بمرأى ومسمع، ولكن أبطأ به عن نصره تنائي الدار، ونفوذ المقدار، وإذا قدر الله أمرا فتح أبوابه، ويسر أسبابه، فتم للطاغية رذريق -[قصمه الله]- مراده الذميم من دخول بلنسية سنة ثمان وثمانين على وجه من وجوه غدره، وبعد إذعان من القاضي [ابن جحاف] المذكور ألجأه بسطوة كفره، ودخوله طائعا في أمره، على وسائل اتخذها، وعهود ومواثيق - بزعمه - أخذها، لم يمتد لها أمد، ولا كثر لأيامها عدد، وبقي معه مديدة يضجر من صحبته، ويلتمس السبيل إلى نكبته، حتى أمكنته - زعموا - بسبب ذخيرة نفيسة من ذخائر ابن ذي النون، كان رذريق لأول دخوله قد سأله عنها، واستحلفه بمحضر جماعة من أهل الملتين على البراءة منها، فأقسم بالله جهد أيمانه، غافلا عما في الغيب من بلائه وامتحانه، وجعل رذريق بينه وبين القاضي المذكور عهدا أحضره الطائفتين، وأشهد عليه أعلام الملتين، إن هو انتهى [بعد] إليها، وعثر [عنده] عليها، ليستحلن إخفار ذممه، وسفك دمه، فلم ينشب رذريق أن ظهر على الذخيرة المذكورة لديه، لما كان قد قدر الله من إجراء محنته على يديه، ولعلها كانت منه حيلة أدارها
стр. 1879
وداهية من دواهيه سداها وأنارها، فأنحى على أمواله بالنهاب، وعليه وعلى أهله وولده بالعذاب، حتى بلغ جهده، ويئس مما عنده، فأضرم له نارا أتلفت ذماءه، وحرقت أشلاءه.
حدثني من رآه في ذلك المقام، وقد حفر له حفير إلى رفغيه، وأضرمت النار حواليه، وهو يضم ما بعد من الحطب بيديه، ليكون أسرع لذهابه، وأقصر لمدة عذابه، كتبها الله له في صحيفة حسناته، ومحا عنه بها سالف سيئاته، وكفانا بعد أليم نقماته، ويسرنا [٢٤ب] إلى ما يزلف إلى مرضاته.
وهم [الطاغية] يومئذ - لعنه الله - بتحريق زوجه وبناته، فكلمه فيهن بعض طغاته، فبعد لأي ما لفته عن رائه، وتخلصهن من يدي نكرائه، وأضرم هذا المصاب الجليل يومئذ أقطار الجزيرة نارا، وجلل سائر طبقاتها خزيا وعارا؛ وغلظ أمر ذلك الطاغية حتى فدح التهائم والنجود، وأخاف القريب والبعيد. حدثني من سمعه يقول، وقد قوي طمعه، ولج به جشعه: على رذريق فتحت هذه الجزيرة، ورذريق يستنقذها - كلمة ملأت الصدور، وخيلت وقوع المخوف والمحذور.
وكان هذا البائقة وقته في درب شهامته، واجتماع حزامته، وتناهي
стр. 1880
صرامته، آية من آيات ربه، إلى أن رماه [الله] سريعا بحتفه، وأماته ببلنسية حتف أنفه؛ وكان - لعنه الله - منصور العلم، مظفرا على طوائف العجم، لقي زعماءهم مرارا كغرسية المنبوز بالفم المعوج، ورأس الافرنج، وابن رذمير، ففل حد جنودهم، وقتل بعدده اليسير كثير عديدهم، وكان - زعموا - تدرس بين يديه الكتب، وتقرأ عليه سير العرب، فإذا انتهى إلى أخبار المهلب استخفه الطرب، وطفق يعجب منها ويتعجب.
وفي بلنسية [يومئذ] يقول أبو اسحاق ابن خفاجة:
عاثت بساحتك العدا يا دار ومحا محاسنك البلى والنار
فإذا تردد في جنابك ناظر طال اعتبار فيك واستعبار
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها وتمخضت بخرابها الأقدار
كتبت يد الحدثان في عرصاتها " لا أنت أنت ولا الديار ديار "
وتجرد أمير المسلمين ﵀ لما بلغه هذا النبأ الفظيع، واتصل به هذا الرزء الشنيع، فكانت قذى أجفانه، وجماع شانه، وشغل يده ولسانه، يسرب إليها الرجال والأموال، وينصب عليها الحبائل والحبال، والحرب هنالك سجال، والحال بين العدو وبين عساكر أمير
стр. 1881
المسلمين في ذلك إدبار وإقبال، حتى رخص عارها، وغسل شنارها، وكان آخر أمراء أجناده، المجهزين إليها في جماهير أعداده، الأمير أبو محمد مزدلي، ظبة حسامه، وسلك نظامه، ففتحها الله عليه، وأذن في تخلصها على يديه، في شهر رمضان سنة خمس وتسعين، كتب الله في عليين، وجزاه عن جده [٢٥أ] وجهاده أفضل جزاء المحسنين.
وفي ذلك كتب أبو عبد الرحمن بن طاهر إلى الوزير أبي عبد الملك ابن عبد العزيز [رقعة] يقول فيها: كتبت منتصف الشهر المبارك، وقد وافى بدخول بلنسية - جبرها الله - الفتح، بعد ما خامرها القبح، فأضرم أكثرها نارا، وتركها آية للسائلين واعتبارا، وتغشاها سوادا، كما لبست عليه حدادا، فهي تنظر من طرف خفي، وتتنفس عن قلب يقلب على جمر ذكي، غير أنه بقي لها جسمها الأنعم، وتربها الأكرم، الذي هو المسك الأذفر، والذهب الأحمر، وحدائقها الغلب، ونهرها العذب، وبسعد أمير المسلمين [وناصر الدين] وإقباله عليها ينجلي
стр. 1882
عنها ظلامها، ويعود عليها حليها ونظامها، وتروح في الحلل، وتبرز كالشمس في بيت الحمل. فالحمد لله مالك الملك، مطهرها من الشرك، وفي عودتها إلى الإسلام عز وعزاء، عما نفذ به قدر وقضاء.
وكتب أيضا إثر ذلك إلى الوزير الفقيه ابن جحاف يعزيه بابن عمه أبي أحمد المحرق المتقدم الذكر: مثلك - وقاك الله المحاذير - في وفور الدين، وصحة اليقين، وسلامة الضمير، وعدم النظير، وقوة الرجحان، ومعرفة الزمان، أعطى الحوادث صبرا، وردها على أعقابها صغرا، فلم يخضع لصولتها، ولم يحفل بسورتها، ودرى أنها الأيام والغير، والحمام والقدر.
ودارت الخطوب - عصمك الله من إلمامها، وحماك من اخترامها - بمصرع الفقيه القاضي أبي أحمد، [ابن] عمك، عفا الله عنه، ومهلكه، وانحطاطه من فلكه، فانقضت لعمري نجوم المجد بانقضاضه، وبكت سماء الفضل على تداعيه وانفضاضه، فانه كان من جمال المذاهب، والغوث عند النوائب، بحيث يكون الغيث في قنط المحل، والحلب عند انقطاع الرسل، بعيدا عن القسوة، صفوحا عن الهفوة، عطوفا على الجيران، عزيزا على الإخوان، يستهوي القلوب ببشره، ويتملك الأحرار ببره، وإن الدنيا بعده لفي حداد، لما قصدته به من داهية نآد، قائما بأعبائها، مبيرا لأعدائها، فهي تبكيه بأربعة سجام، وتندبه في
стр. 1883
كل مقام، فما أسرع ما سلبته المنون، وقد قرت به منكم العيون، وطوقكم طوق الفخار، وأناف بقدركم على الأقدار؛ فانا لله وإنا إليه راجعون، على أليم المصاب، وعند [٢٥ب] الله نحتسب كريم الأصل والنصاب، وطودا منيعا، وقرما رفيعا، وقد تساوينا في الرزية، فلنعدل إلى التسلية، فذلك أوفر ذخرا، وأعظم أجرا.
قال أبو الحسن: وأبو عبد الرحمن اكثر إحسانا، وأوضح خبرا وعيانا، من أن يحاط بأخباره، أو يعير عن جلاله مقداره، وقد استوفيت معظم كلامه في كتاب مفرد ترجمته ب " سلك الجواهر في ترسيل ابن طاهر " وهو اليوم ببلنسية سالم ينطق، وحي يرزق، وقد نيف على الثمانين، وما أحوجت سمعه إلى ترجمان، بل هو حتى الآن يهب الطروس من ألفاظه ما يفضح العقود الدرية، وتعسعس معه الليالي البدرية، وفيما أوردناه كفاية، ومن الذي يمكنه النهاية -.
ذو الوزارتين أبو عامر ابن الفرج
من بيته رياسة، وعترة نفاسة، ما منهم إلا من تحدى بالإمارة، وتردى بالوزارة، فأومض في آفاق الدول، ونهض بين الخيل والخول؛ وأبو
стр. 1884
عامر هذا أحد أنجادهم، ومتقلد مجادهم، فاقهم أدبا ونبلا، وباراهم كرما [تخاله] وبلا، إلا أنه بقي وذهبوا، ولقي من الأيام ما رهبوا، فعاين تنكرها، وشرب عكرها، وجال في الآفاق، واستدر أخلاف الأرزاق، وأجال للرجاء قداحا متواليا الاخفاق، فانخمل قدره، وتوالى عليه جور الزمان وغدره، فاندفنت أخباره، وعفت آثاره، وقد أثبت له بعض ما قاله وحاله قد أدبرت، والخطوب إليه قد انبرت، فمن ذلك:
الشمس أنت وقد أظل طلوعها ... فاطلع وبين يديك فجر صادق وكان له ابن مكبود قد أعيا علاجه، وتهيأ للفساد بذلك مزاجه، فدل على خمر قديمة فلم يعلم بها إلا عند فتى وسيم، فكتب إليه:
أرسل بها مثل ودك ... أرق من ماء خدك
شقيقة النفس فانضح ... بها جوى ابني وعبدك وكتب معتذرا عن تخلفه عمن جاءه منذرا:
ما تخلفت عنك إلا لعذر ... ودليلي في ذاك حرصي عليكا
هبك أن الفراق عن غير عذر ... أتراه يكون إلا إليكا [٢٦أ] فصل في ذكر ذي الوزارتين القائد أبي عيسى ابن لبون
أحد وزراء ابن ذي النون المعتزين في دولته، المعدين لباسه وصولته، ولكنه ثار، وخاض الهول المثار، وخلص من الهلك، واقتنص نافر الملك، وكان
стр. 1885
شهم الفؤاد، معدودا في الأجواد، مفضلا في الوزراء والقواد، حصل بمربيطر واقتطعتها، وحل بها سلك الرياسة ومطلعها، وما خلع اسم الوزارة، ولا تسوغ سواها من أمه وزاره، فغدت به منزع الوافد، وكانت عنده مشاهد، تزف للمنى أبكارها نواهد، يراق بها نجيع الراح، ويساق إليها ترجيع الأقداح، والدنيا تسعده، وتنجز له ما تعده، إلى أن لعب عليه ابن رزين وخدعه، ولم يف له بما أعطاه منها عوضا وأقطعه، فبقي ضاحيا، وغدا جوه من تلك العدة صاحيا.
وله نظم نظم فيه من المحاسن جملا، وأعاد سامعها ثملا، وقد أثبت له ما يدل على نفاسة سبكه، وجودة حبكه، فمن ذلك ما قاله متوجعا لخليط ظعن، وأوغل في شعاب البعد وأمعن:
سقى أرضا ثووها كل مزن وسايرهم سرور وارتياح
فما ألوى بهم ملل ولكن صروف الدهر والقدر المتاح
سأبكي بعدهم حزنا عليهم بدمع في أعنته جماح
وكان بقصر مربيطر في المجلس المشرف منها، والبطحاء قد لبست زخرفها، ودبج الغمام مطرفها، وفيها حدائق ترنو على مقل من جنسها، وتبث طيب نفسها، والجلنار قد لبس أردية الدماء، وراع أفئدة الندماء، فقال:
قم يا نديم أدر علي القرقفا أو ما ترى [زهر] الرياض مفوفا
والجلنار دماء قتلى معرك والياسمين حباب ماء قد طفا
وله:
لحا الله قلبي كم يحن إليكم وقد بعتم حظي وضاع لديكم
стр. 1886
إذا نحن أنصفناكم من نفوسنا ولم تنصفونا فالسلام عليكم
وله وقد كتب إليه راشد بن سليمان بالتمويل، وكان عهد اليه ألا يخاطبه إلا بالتسويد:
ثقلت روحي أيما تثقيل فيما قصدت له من التمويل [٢٦ب]
هذا على أني عهدتك خفة كرسول برء حل عند عليل
فراجعه:
لا والذي ولاك ألوية الندى وحباك من خطط العلا بجزيل
ما حدث عن سنن الكتابة عامدا ولو اعتمدت فعلت فعل نبيل
لكن بناني أنكرت ما عودت فتبرعت بكتابة التمويل
ولرب سر كامن عند امرئ أبداه بعض مقاله المفعول
لله رقعتك التي ضمنتها معنى النهى من لفظك المعسول
نظم وعيشك او غدا نثرا لما قدرته إلا من التنزيل
وافى به لو أمنت صدوده عني غمرت يديه بالتقبيل
وله يرثي ذا الوزارتين أبا محمد أخاه:
قل لصرف الزمان كم ذا التناهي في تلقيك لي بهذي الدواهي
كان في عامر وأرقم ما يكفي فهلا أبقيت عبد الإله
فيه قد كنت بعد استدفع الخطب وأسطو على العدا وأباهي
أي شمس وافى عليها أفول فل غربي عزائمي ونواهي
وكتب إلى ابن اليسع:
لو كنت تشهد يا هذا عشيتنا والمزن يسكب أحيانا وينحدر
والأرض مصفرة بالمزن أبصرت تبرا عليه الدر ينتثر
стр. 1887
وله:
يارب ليل شربنا فيه صافية حمراء في لونها تنفي التباريحا
ترى الفراش على الأكواس طائفة كأنها أبصرت منها مصابيحا
وله بعد زواله عن ملكه، وأخذ سلطانه من سلكه، يحن إلى لياليه السالفة، وظلال أنسه الوارفة:
يا ليت شعري وهل في ليت من أرب هيهات لا تقتضى من ليت آراب
أين الشموس التي كانت تطالعنا والجو من فوقه لليل جلباب
وأين تلك الليالي إذ تلم بنا فيها وقد نام حراس وحجاب
تبدي إلينا لجينا حشوة ذهب أنامل العاج والأطراف عناب [٢٧أ]
وله وقد بات له الأسى ملء الجوانح، وعوض بالبارح من السانح:
خليلي عوجا بي على مسقط الحمى لعل رسوم الدار لم تتغيرا
فاسأل عن ليل تولى بأنسنا وأندب أياما خلت ثم أعصرا
ليال إذ كان الزمان مسالما وإذا كان غصن العيش مياس أخضرا
وإذا كنت أسقى الراح من كف أغيد يناولنيها رائحا أو مبكرا
أعانق منه الغصن يهتز ناعما وألثم منه البدر يطلع مقمرا
وقد ضربت أيدي الأمان قبابها علينا وكف الدهر عنا وأقصرا
فما شئت من لهو وما شئت من دد ومن مبسم يجنيك عذبا مؤشرا
وما شئت من عود يغنيك مفصحا " سما لك شوق بعدما كان أقصرا "
стр. 1888
ولكنها الدنيا تخادع أهلها تغر بصفو وهي تطوي تكدرا
لقد أوردتني بعد ذلك كله موارد ما ألفيت عنهن مصدرا
وكم كابدت نفسي لها من ملمة وكم بات طرفي من أساها مسهرا
خليلي ما بالي على صدق نيتي أرى من زماني ونية [وتعذرا]
والله ما أدري لأي جريمة تجنى ولا عن أي ذنب تغيرا
ولم أكفي كسب المكارم عاجزا ولا كنت في نيل أنيل مقصرا
لئن ساء تمزيق الزمان لدولتي لقد رد عن جهل كثير وبصرا
وأيقظ من نوم الغرارة نائما وكسب علما بالزمان وبالورى
وله يأنف من المقام على ما رتب له من الإجراء، ويكلف بالإدلاج والإسرار:
ذروني أجب شرق البلاد وغربها لأشفي نفسي أو أموت بدائي
فلست ككلب السوء يرضيه مربض وعظم ولكني عقاب سماء
وكنت إذا [ما] بلدة لي تنكرت شددت إلى أخرى مطي إبائي
وسرت ولا ألوي على متعذر وسممت لا أصغي إلى النصحاء
كشمس تبدت للعيون بمشرق صباحا وفي غرب أصيل مساء [٢٧ب]
وله في ذم الدنيا:
نفضت كفي عن الدنيا وقلت لها إليك عني فما في الحق أغتبن
من كسر بيتي لي روض ومن كتبي جليس صدق على الأسرار مؤتمن
أدري به ما جرى في الدهر من خبر فعنده الحق مسطور ومختزن
وما مصابي سوى موتي ويدفعني قوم وما لهم علم بمن دفنوا
стр. 1889
فصل في ذكر ذي الرياستين أبي مروان عبد الملك بن رزين المتقلب من الألقاب السلطانية بحسام الدولة؛ والإعلان بأولية أمره، وإثبات قطعة من متخير شعره.
قال أبو الحسن: كان [جد] ابن رزين الأول من كبار الجند، وأعلام الوفد، ومشهور أهل الحل والعقد؛ انطوى عني كيف كان نجومهم، وخفي علي من أين نشأت غيومهم، ولم أظفر من ذلك إلا بما حكاه أبو مروان ابن حيان من خبر جده هذيل بن رزين، وقد أثبته بنصه، وأتيت من حديثهم بفصه:
قال ابن حيان: وأما أبو محمد هذيل بن خلف بن لب بن رزين المعروف بابن الأصلع صاحب السهلة - موسطة ما بين الثغر الأعلى والأدنى بقرطبة - فإنه كان من أكابر برابر الثغر، ورث ذلك عن سلفه، ثم سما لأول الفتنة إلى اقتطاع عمله، والامارة لجماعته، والتقيل لجاره إسماعيل ابن ذي النون في الشرود عن سلطان قرطبة، فاستوى له من ذلك ما أراد هو وغيره من جميع من انتزى في الأطراف، غربا وشرقا وقبلة
стр. 1890
وجوفا، إلا أن هذيلا هذا مع تعززه على المخلوع هشام لم يخرج عن طاعته، ولا وافق الحاجب منذرا ولا جماعة المتمالئين على هشام في شيء من شأن سليمان عدوه، إلى أن ظفر بهشام، فسلك هذيل مسلكهم، فرضي منه سليمان بذلك [وعقد له ما في يده هنالك، لعجزه عنه، فزاده ذلك بعادا منه] وتمرس به الحاجب منذر بن يحيى مدرجا له في طي من استتبعه واشتمل عليه من أصاغر أمراء الثغر النازلين في ضبنه، فأبت له نفسه البخوع له والانضمام إليه، فرد مره وحاده، وصار ضده، وأجاره منعه معقلة وشجاعة رجاله، وظاهر أعداء منذر حتى حالف الموالي العامريين، واستمر معهم على دعوة هشام المخلوع وقطع دعوة سليمان، وكانت واقعية [٢٨أ] الله عليه كونه بسطة الثغر، فصار ذلك أرد الأشياء للبرابر [عنه] ، فسلم من معرة الفتنة أكثر وقته، وتخطته الحوادث لقوة سعده، فتبنك النعمة وصفا عيشه، واقتصر مع ذلك على ضبط بلده الموسوم بولاية والده، وترك التجاوز لحده والامتداد إلى شيء من أعمال غيره، فاستقام أمره، وعمر بلده، وأنظر بعد جمهور الثوار بالأندلس شأوا بحياة. وليس في بلد
стр. 1891
الثغر أخصب بقعة من سهلته هذه المنسوبة إلى بني رزين، سلفه، في اتصال عمارتها، فكثر ماله إذ ناغى جاره وشبهه في جميع المال إسماعيل ابن ذي النون، ونافسه من خلال البخل وفرط القسوة فبذه، وكان مع ذلك شابا جميل الوجه حمي الأنف غليظ العقاب جبارا مستكبرا [صار] إليه أمر والده منبعث الفتنة، وهو فتى كما اجمع وجهه، تبع العشرين من سنه، فأنجده الصبا على الجهالة، وقواه الشباب على المعصية، فبعد في الشرود شأوه، فلم يحالف أحدا من الأمراء على أداة إتاوة، ولا حظي أمراء الفتنة منه بسوى إقامة الدعوة فقط، دون بذل درهم معونة، أو إمداد بفارس نصرة، أو مشاركة للجماعة في حلوة أو مرة، على كثرة ما طرق الحضرة من خطوب دهم استخفت البطاء، وقربت البعداء فضلا عن الأولياء، إلا ما كان من هذه الحية الصماء، فانه لم يزل على تصاممه عن كل نداء، إلى أن مضى بسبيله والذم حبيس عليه، والأخبار شائعة عن جهله وفظاظته، حتى زعموا أنه سطا بوالدته لتهمه لحقتها عنده، فتولى قتلها [زعموا] بيده، وكان أشنع ما كان من كبائره.
قال أبو مروان: وكان هذيل هذا بارع الجمال، حسن الخلق، جميل العشرة، ظاهر المروءة، لم ير في الأمراء أبهى منه منظرا مع طلاقة
стр. 1892
لسانه، وحسن توصله إلى حاجته دون معرفة. وكان مع ذلك أرفع الملوك همة في اكتساب الآلات والكسوة، وهو أول من بالغ الثمن بالأندلس في شراء القيتات، اشترى جارية أبي عبد الله المتطبب ابن الكتاني، بعد أن احجمت الملوك عنها لغلاء سومها، فأعطاه غيها ثلاثة آلاف دينار فملكها، وكانت واحدة القيان في وقتها، لا نظير لها في معناها، لم ير أخف منها روحا، ولا أملح [٢٨ب] حركة، ولا ألين إشارة، ولا أطيب غناء، ولا أجود كتابة، ولا أملح خطأ، ولا أبرع أدبا، ولا أحضر شاهدا على سائر ما تحسنه وتدعيه، مع السلامة من اللحن فيما تكتبه وتغنيه، إلى الشروع في علم صالح من الطب ينبسط بها القول في المدخل إلى علم الطبيعة وهيئة تشريح الأعضاء الباطنة وغير ذلك مما يقصر عنه كثير من منحلي الصناعة، إلى حركة بديعة في معالجة صناعة الثقاف والمجاولة بالحجفة واللعب بالسيوف والأسنة والخناجر المرهفة، وغير ذلك من أنواع اللعب المطربة، لم يسمع لها بنظير ولا مثيل ولا عديل. وابتاع إليها كثيرا من المحسنات المشهورات بالتجويد، طلبهن بكل جهة، فكانت ستارته في ذاك أرفع ستائر الملوك بالأندلس. وحدثت عنه أنه اجتمع عنده مائة وخمسون حظية، ومن الصقلب المجابيب ستون وصيفا لم تجمع عند أحد من نظرائه؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وأما ذو الرياستين فكان له طبع يدعوه فيجيبه، ويرمي ثغره الصواب عن قوسه فيصيبه، على ازدراء كان منه بالأمة، وقلة استخذاء لمن عسى ان يأخذ عنه من الأئمة، وربما خالسهم الكلمة بين
стр. 1893
مغالطة وأنفة، وعول في أكثر ما يقرأ على تعاليقه وصحفه، وكثيرا ما رأيت في شعره وشعر غيره ممن سلك هذا المسلك، بيداء مضلة لا تسلك، وأغاليط لا تستدرك. وبالجملة فلو جرى ذو الرياستين على عفوه، وعرف منتهى شأوه، لكان شاعرا مجيدا، وناثرا معدودا؛ وقد أخرجت من نظمه ونثره ما هو الشاهد على أديت من ذكره.
نسخة رقعة له خاطب بها ابن طاهر المذكور قال فيها: من عرف - أعزك الله - الأيام وصروفها، وخلقها وصنوفها،، وخبرها على مناقلها، في وجوه تداولها، وحل محلك من التمييز، والسبق والتبريز، لم تزده شدتها إلا معتبرا، وشكرا لله وتدبرا، وما زلت - أعزك الله - القاك بالود على البعد، فأراك بتقدمك في الأعيان، وإن لم أرك بالعيان، واستخبر الأخبار فأسمع ما يقرع صفاة الكبد منك بانحاء الزمان عليك، وتنكره لك، إلى أن ورد علي فلان صادرا عن ذلك الأفق، فما قدمت على الاستفهام عن ذلك، والاستعلام بحالك، فذكر ما أزعج وكدر ارتماضا لمثلك أن يعوزه مرام، أو ينبو [٢٩أ] به مقام، فجردت عن ساعد الشفاعة عند فلان في صرف ما يمكن من أملاكك، فوقع
стр. 1894
الاعتذار بأنه أمر محظور، تقدم فيه من أمير المسلمين أمر محذور، وأشار إلى إجراء ما يلم بالاكتفاء.
وفي فصل منها: وأنا أعرض عليك - أعزك الله - ما هو الأوفق لي، والأحق بي، عن عزيمة مكينة، ورغبة وكيدة، من التنقل إلى جهتي، والاختلاط بي وبلحمتي، فأستوفي الحظ من مؤانستك، واستنفد الوسع في تكرمتك، وأقاسمك خاص ضياعي، ومعلوم أملاكي [ورباعي] ، وإن شق عليك الكون بجهتي - جهتك - لبرد هوائها، وبعد أحائها، فهذه شنتمرية أقف طاعتها عليك، وأصرف أمرها إليك الفضل في مراجعتي بما يستقر عليه رأيك، ويأتي به إيجابك، مكرما مواصلا، إن شاء الله.
فراجعه ابن طاهر برقعة قد كتبناها في رسالته [وبالله التوفيق] .
ومن شعر ذي الرياستين مما نقله من خط ابنه، قال:
أدرها مداما كالغزالة مزة تلين لرائيها وتأبى على اللمس
وتبدو إلى الأبصار دون تجسم على أنها تخفى على الذهن والحس
إذا شعشعت في الكاس خلت حبابها لآلى قد رفعن في لبة الشمس
موكلة بالهم تهزم جيشه بجيش الأماني والمسرة والأنس
فإن شئت قل فيها أرق من الهوا وإن شئت قل فيها أرق من النفس
قال أبو الحسن: البيتان الأولان من هذه القطعة صبح بلا صبوح
стр. 1895
وجسد بلا روح، استأذن بهما على قول الحسن فما وصل، ودندن حول ذلك المقطع المستحسن فما تحصل له ولا حصل، ومنحى الحسن الذي انتحاه، وميدانه الذي رامه بزعمه وتعاطاه، قوله:
أكل الدهر ما تجسم منها وتبقى لبابها المكنونا
فإذا ما لمستها فهباء تمنع الكف ما تبيح العيونا
ولبعضهم في قريب منه:
وخمارة من بنات الملوك ترى الزق في بيتها شائلا [٢٩ب]
مددنا لها ذهبا جامدا فكانت لنا ذهبا سائلا
وبلغني أنه غني المعتمد بن عباد بهما فزاد فيهما هذا البيت:
وقلنا خذي جوهرا ثابتا فقالت: خذوا عرضا زائلا
وقال ابن المعتز:
لك يبق منها البلى [شيئا] سوى شبح بقية الشك بين الصدق والكذب
ولبعض أهل العصر في قريب من هذا الوصف، وإن كان في ذكر السيف:
تدب المنايا الحمر من جنباته على جامد في الكف، في العين ذائب
وقال ابن رزين:
следующие страницы →