← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فرق ما بين الخطأ والصواب وأن يعتقد الصحيح باليقين؛ وأما المحبة فخلقة، وإنما يملك الإنسان حركات جوارحه المكتسبة؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] . يلوم رجال فيك لم يعرفوا الهوى ... وسيان عندي فيك لاح وساكت يقولون جانبت التصاون جملة ... وأنت عليم (١) بالشريعة قانت فقلت لهم هذا الرياء بعينه ... صراحاً وزيي للمرائين ماقت متى جاء تحريم الهوى عن محمد ... وهل منعه في محكم الذكر ثابت إذا لم أواقع محركاً اتقي به ... مجيئي يوم البعث والوجه باهت فلست أبالي في الهوى قول لائم ... سواء لعمري جاهر أو مخافت وهل يلزم الإنسان إلا اختياره ... وهل بخبايا اللفظ يؤخذ صامت خبر: وإني لأعرف بعض من امتحن بشيء من هذا فسكن الوجد بين جوانحه، فرام جحده إلى أن غلظ الأمر، وعرف ذلك في شمائله من تعرض للمعرفة ومن لم يتعرض. وكان من عرض له بشيء نجهه (٢) وقبحه، إلى ان كان من أراد الحظوة لديه من إخوانه يوهمه تصديقه في إنكاره وتكذيب من ظن به غير ذلك، فسر بهذا. ولعهدي به يوماً قاعداً ومعه بعض من كان يعرض له بما في ضميره، وهو ينتفي غاية الانتفاء، إذ اجتاز بهما الشخص الذي كان يتهم بعلاقته، فما هو إلا أن وقعت عينه على محبوبه حتى اضطرب وفارق هيئته الأولى، واصفر لونه، وتفاوتت معاني كلامه بعد حسن تثقيف، فقطع كلامه المتكلم معه قلقاً واسترعى (٣) ما كان فيه من ذكره. فقيل له: ما عدا عما بدا فقال: هو ما تظنون، عذر من عذر، وعذل من عذل؛ ففي ذلك أقول شعراً منه: [من البسيط] .

стр. 142

ما عاش إلا لأن الموت يرحمه ... (١) مما يرى تباريح الضنى فيه وأنا أقول: [من الهزج] . دموع الصب تنسفك ... وستر الصب ينهتك كان القلب إذ يبدو ... (٢) قطاة ضمها شرك فيا أصحابنا قولوا ... فغن الرأي مشترك إلى كم ذا أكاتمه ... ومالي عنه مترك وهذا إنما يعرض عند مقاومة طبع الكتمان والتصاون، لطبع المحب وغلبته (٣) ، فيكون صاحبه متحيزاً بين نارين محرقتين، وربما كان سبب الكتمان إبقاء المحب على محبوبه، وإن هذا لمن دلائل الوفاء وكرم الطبع؛ وفي ذلك أقول: [من المتقارب] . درى الناس أني فتى عاشق ... كئيب معنى ولكن بمن إذا عاينوا حالتي أيقنوا ... وإن فتشوا رجموا (٤) في الظنن كخط يرى رسمه ظاهراً ... وإن طلبوا شرحه لم يبن كصوت حمام على أيكة ... يرجع بالصوت في كل فن تلذ (٥) بنجواه أسماعنا ... ومعناه مستعجم لم يبن يقولون بالله سم الذي ... نفى حبه عنك طيب الوسن

стр. 143

وهيهات دون الذي حاولوا ... ذهاب العقول وخوض الفتن فهم أبداً في اختلاج الشكوك ... بظن كقطع وقطع كظن وفي كتمان السر أقول قطعة منها: [من البسيط] . للسر عندي مكان لو يحل به ... حي إذاً لا اهتدى ريب المنون له أميته وحياة السر ميتته ... كما سرور المعنى في الهوى الوله وربما كان سبب الكتمان توقي المحب على نفسه من إظهار سره، لجلالة قدر المحبوب. خبر: ولقد قال بعض الشعراء بقرطبة تغزل فيه بصبح (١) أم المؤيد ﵀، فغنت به جارية أدخلت على المنصور بن أبي عامر ليبتاعها، فأمر بقتلها. خبر: وعلى مثال هذا قتل أحمد بن مغيث، واستئصال آل مغيث (٢) والتسجيل عليهم ألا يستخدم بواحد منهم أبداً حتى كان سبباً لهلاكهم وانقراض بيتهم فلم يبق منهم إلا الشريد الضال. وكان سبب ذلك تغزله بإحدى بنات الخلفاء، ومثل هذا كثير (٣) .

стр. 144

ويحكى عن الحسن بن هانئ (١) أنه كان مغرماً بحب محمد بن هارون المعروف بابن زبيدة، وأحس منه ببعض ذلك فانتهزه على إدامة النظر إليه، فذكر عنه أنه كان لا يقدر ان يديم النظر إليه إلا مع غلبة السكر على محمد. وربما كان سبب الكتمان ألا ينفر (٢) المحبوب أو ينفر به. فإني أدري من كان محبوبه له سكناً وجليساً، لو باح بأقل سبب من أنه يهواه لكان منه " مناط الثريا قد تعلت نجومها "؛ وهذا ضرب من السياسة. ولقد كان يبلغ من انبساط هذا المذكور مع محبوبه إلى فوق الغاية وأبعد النهاية، فما هو إلا ان أباح إليه بما يجد فصار لا يصل إلى التافه اليسير مع التيه ودالة الحب وتمنع الثقة بملك الفؤاد، وذهب ذلك الانبساط ووقع التصنع والتجني، فكان أخاً فصار عبداً، ونظيراً فعاد أسيراً، ولو زاد في بوحه شيئاً إلى أن يعلم خاصة المحبوب ذلك لما رآه إلا في الطيف، ولا نقطع القليل والكثير، ولعاد ذلك عليه بالضرر. وربما كان من أسباب الكتمان الحياء الغالب على الإنسان. وربما كان من أسباب الكتمان ان يرى المحب من محبوبه انحرافاً وصداً، ويكون ذا نفس أبية، فيستتر بما يجد لئلا يشمت به عدو، أو ليريهم ومن يجب هوان ذلك عليه.

стр. 145

- ١٣ - باب الإذاعة وقد تعرض في الحب الإذاعة، وهو من منكر ما يحدث من أعراضه، ولها أسباب: منها أن يريد صاحب هذا الفعل ان يتزيا بزي المحبين ويدخل في عدادهم، وهذه خلابة لا ترضى، وتجليح بغيض (١) ، ودعوى في الحب زائفة. وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب وتسور الجهر على الحياء، فلا يملك الإنسان حينئذ لنفسه صرفاً ولا عدلاً. وهذا من أبعد غايات العشق وأقوى تحكمه على العقل، حتى يمثل الحسن في تمثال القبيح، والقبيح في هيئة الحسن. وهنالك يرى الخير شراً، والشر خيراً. وكم مصون الستر مسبل القناع مسدول الغطاء قد كشف الحب ستره مثلاً، وأحب شيء إليه الفضيحة فيما لو مثل له قبل اليوم لاعتراه النافض (٢) عند ذكره، ولطالت استعاذته منه، فسهل ما كان وعراً، وهان ما كان عزيزاً، ولان ما كان شديداً. ولعهدي بفتى من سروات الرجال وعلية إخواني قد دهي بمحبة

стр. 146

جارية مقصورة فلم (١) بها وقطعه حبها عن كثير من مصالحه، وظهرت آيات هواه لكل ذي بصر، إلى أن كانت هي تعذله على ما ظهر منه مما يقوده إليه هواه (٢) . خبر: وحدثني موسى بن عاصم بن عمرو قال: كنت بين يدي أبي الفتح والدي ﵀ وقد أمرني بكتاب أكتبه، إذ لمحت عيني جارية كنت أكلف بها، فلم أملك نفسي ورميت الكتاب عن يدي وبادرت نحوها. وبهت أبي وظن انه عرض لي عارض؛ ثم راجعني عقلي فمسحت وجهي ثم عدت واعتذرت بأنه غلبني الرعاف. واعلم أن هذا داعية نفار المحبوب وفساد في التدبير، وضعف في السياسة؛ وما شيء من الأشياء إلا وللمأخذ فيه سنة وطريقة متى تعداها الطالب أو خرق في سلوكها انعكس عمله عليه، وكان كده عناء، وتعبه هباء، وبحثه وباء (٣) . وكلما زاد عن وجه السيرة انحرافاً وفي تجنبها إغراقاً وفي غير الطريق إيغالاً ازداد عن بلوغ مراده بعداً؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] . ولا تسع في الأمر الجسيم تهازؤاً ... ولا تسع جهراً في اليسير تريده وقابل أفانين الزمان متى يرد ... عليك فإن الدهر جم وروده بأشكالها (٤) من حسن سعيك يكفك ال ... (٥) يسير يسير والشديد شديده ألم تبصر المصباح أول وقده ... وإشعاله، بالنفخ يطفا وقوده

стр. 147

وإن يتضرم لفحه ولهيبه ... فنفحك يذكيه وتبدو مدوده خبر: وإني لأعرف من أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة من اسمه أحمد بن فتح، كنت أعهده كثير التصاون، من بغاة العلم وطلاب الأدب، يبذ أصحابه في الانقباض، ويفوقهم في الرعة (١) ، لا ينظر (٢) إلا في حلقة فضل، ولا يرى إلا في محفل مرضي، محمود المذاهب، جميل الطريقة، بائناً بنفسه، ذاهباً بها، ثم أبعدت الأقدار داري من داره، فأول خبر طرأ علي بعد نزولي (٣) شاطبة أنه خلع عذاره في حب فتى من أبناء الفتانين (٤) يسمى ابراهيم بن أحمد، اعرفه، لا تستأهل صفاته محبة من (٥) بيته خير وخدم (٦) وأموال عريضة ووفر تالد. وصح عندي أنه كسف رأسه وأبدى وجهه ورمى رسنه وحسر محياه وشمر عن ذراعيه وصمد الشهوة. فصار حديثاً للسمار، متراجعاً (٧) بين نقلة الأخبار، وتهودي ذكره في الأقطار، وجرت نقلته في الأرض راحلة بالتعجب، ولم يحصل من ذلك إلا على كشف الغطاء، وإذاعة السر، وشنعة الحديث، وقبح الأحدوثة، وشرود محبوبه عنه جملة، والتحظير عليه من رؤيته البتة، وكان غنياً عن ذلك وبمندوحة واسعة ومعزل رحب عنه، ولو طوى مكنون سره، وأخفى بنيات (٨)

стр. 148

ضميره، لاستدام لباس العافية، ولم ينهج برد الصيانة، ولكان له في لقاء من بلي به ومحادثته ومجالسته أمل من الآمال وتعلل كاف؛ وإن حبل العذر ليقطع به، والحجة عليه قائمة؛ إلا أن يكون مختلطاً في تمييزه، أو مصاباً في عقله بجليل ما فدحه، فربما آل ذلك لعذر صحيح، وأما إن كانت له بقية [من عقل] أو ثبتت مسكة فهو ظالم في تعرضه ما يعلم أن محبوبه يكرهه ويتأذى به. هذا غير صفة أهل الحب، وسيأتي هذا مفسراً في باب الطاعة، إن شاء الله تعالى. ومن أسباب الشف وجه ثالث، وهو عند أهل العقول وجه مرذول وفعل ساقط؛ وذلك أن يرى المحب من محبوبه غدراً أو مللاً أو كراهة؛ فلا يجد طريق الانتصاف منه إلا بما ضرره عليه أعود منه على المقصود من الكشف والاشتهار، وهذا أشد العار وأقبح الشنار وأقوى شواهد عدم العقل ووجود السخف. وربما كان الكشف من حديث ينتشر وأقاويل تفشو، توافق قلة مبالاة من المحب بذلك، ورضى بظهور سره، إما لإعجاب أو لاستظهار على بعض ما يؤمله؛ وقد رأيت هذا الفعل لبعض إخواني من أبناء القواد. وقرأت في بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن، ولا أدري ما معنى هذا، على انه يذكر عنهن العفاف، وأي عفاف مع امرأة أقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا المعنى!

стр. 149

- ١٤ - باب الطاعة ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه، وصرفه طباعه قسراً إلى طباع من يحبه، وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القيادة، ماضي العزيمة، حمي الأنف، أبي الخسف، فما هو إلا ان يتنسم نسيم الحب، ويتورط غمره، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة لياناً، والصعوبة سهالة والمضاء كلالة، والحمية استسلاماً؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من المتقارب] فهل للوصال إلينا معاد ... وهل لتصاريف ذا الدهر حد فقد أصبح السيف عبد القضيب ... وأضحى الغزال الأسير أسد وأقول شعراً منه: [من الطويل] وإني وإن تعتب لأهون هالك ... كزائف نقد ذل في يدي جهبذ (١) على أن قتلي في هواك لذاذة ... فيا عجباً من هالك متلذذ ومنها: ولو أبصرت أنوار وجهك فارس ... (٢) لأغناهم عن هرمزان وموبذ

стр. 150

وربما كان المحبوب كارهاً لإظهار الشكوى متبرماً بسماع الوجد، فترى المحب حينئذ يكتم حزنه ويكظم أسفه وينطوي على علته، وإن الحبيب متجن، فعندها يقع الاعتذار عن كل ذنب والإقرار بالجريمة، والمرء منها بريء، تسليماً لقوله وتركاً لمخالفته. وإني لأعرف من دهي بمثل هذا فما كان ينفك من توجيه الذنوب نحوه ولا ذنب له، وإيقاع العتاب عليه والسخط وهو نقي الجلد. وأقول شعراً إلى بعض إخواني، ويقرب مما نحن فيه، وإن لم يكن منه: [من الطويل] وقد كنت تلقاني بوجه لقربه ... تراض وللهجران عن قربه سخط وما تكره العتب اليسير سجيتي ... على أنه قد عيب في الشعر الوخط فقد يتعب الإنسان في الفكر نفسه ... وقد يحسن الخيلان في الوجه والنقط تزين إذا قلت ويفحش أمرها ... إذا أفرطت يوماً وهل يحمد الفرط ومنه: أعنه فقد أضحى لفرط همومه ... يبكي له القرطاس والحبر والخط ولا يقولن قائل إن صبر المحب على ذلة المحبوب دناءة في النفس فهذا خطأ، وقد علمنا أن المحبوب ليس كفؤاً ولا نظيراً فيقارض بأذاه، وليس سبه وجفاه مما يعير به الإنسان ويبقى ذكره على الأحقاب، ولا يقع ذلك في مجالس الخلفاء ولا في مقاعد الرؤساء، فيكون الصبر مستجراً (١) للمذلة، والضراعة قائدة للاستهانة؛ فقد ترى الإنسان يكلف (٢) بأمته التي يملك رقها، ولا يحول حائل بينه وبين التعدي عليها، فكيف الانتصاف منها. وسبل الامتعاض من السب غير هذه، إنما ذلك بين علية الرجال الذين تحصى أنفاسهم وتتبع معاني

стр. 151

كلامهم فتوجه لها الوجوه البعيدة، لأنهم لا يوقعونها سدى ولا يلقونها هملاً، وأما المحبوب فصعدة ثابتة وقضيب مناد (١) ، يجفو ويرضى متى شاء لا لمعنى؛ وفي ذلك أقول: [من الكامل] ليس التذلل في الهوى يستنكر ... فالحب فيه يخضع المستكبر لا تعجبوا من ذلتي في حالة ... (٢) قد ذل فيها قبلي المستنصر ليس الحبيب مماثلا ومكافياً ... فيكون صبرك ذلة إذ تصبر تفاحة وقعت فآلم وقعها ... هل قطعها منك انتصاراً يذكر خبر: وحدثني أبو دلف الوراق عن مسلمة بن أحمد الفيلسوف المعروف بالمجريطي (٣) أنه قال في المسجد الذي بشرقي مقبرة قريش بقرطبة الموازي لدار الوزير أبي عمر أحمد بن محمد بن حدير (٤) ﵀:

стр. 152

في هذا المسجد كان مربض (١) مقدم الأصفر أيام حداثته لعشق بعجيب فتلا الوزير أبي عمر المذكور، وكان يترك الصلاة في مسجد مسرور وبها كان (٢) سكناه، ويقصد في الليل والنهار إلى هذا المسجد بسبب عجيب، حتى أخذه الحرس غير ما مرة في الليل في حين انصرافه عن صلاة العشاء الآخرة، وكان يقعد وينظر منه إلى أن كان الفتى يغضب ويضجر ويقوم إليه فيوجعه ضرباً ويلطم خديه وعينيه، فيسر بذلك ويقول: هذا والله أقصى أمنيتي قرت عيني، وكان على هذا زماناً يماشيه. قال أبو دلف: ولقد حدثنا مسلمة بهذا الحديث غير مرة بحضرة عجيب عندما كان يرى (٣) من وجاهة مقدم بن الأصفر وعرض جاهه وعافيته، فكانت حال مقدم بن الأصفر هذا قد جلت جداً واختص بالمظفر بن أبي عامر اختصاصاً شديداً واتصل والدته وأهله، وجرى على يديه من بنيان المساجد والسقايات وتسبيل (٤) وجوه الخير غير قليل، مع تصرفه في كل ما يتصرف فيه أصحاب السلطان من العناية بالناس وغير ذلك. خبر: وأشنع من هذا أنه كانت لسعيد بن منذر بن سعيد (٥) صاحب

стр. 153

الصلاة في جامع قرطبة أيام حكم المستنصر بالله ﵀ جارية يحبها حباً شديداً، فعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها، فقالت له ساخرة به؛ وكان عظيم اللحية: إن لحيتك أستبشع عظمها، فإن حذفت منها كان ما ترغبه. فأعمل الجلمين (١) فيها حتى لطفت، ثم دعا بجماعة شهود وأشهدهم على عتقها، ثم خطبها إلى نفسه فلم ترض به، وكان في جملة من حضر أخوه حكم بن منذر فقال لمن حضر: اعرض عليها أني أخطبها أنا، ففعل فأجابت إليه، فتزوجها في ذلك المجلس بعينه ورضي بهذا العار الفادح على ورعه ونسكه واجتهاده. فأنا أدركت سعيداً هذا وقد قتله البربر يوم دخولهم قرطبة عنوة وانتهابهم إياها، وحكم المذكور أخوه هو رأس المعتزلة بالأندلس وكبيرهم وأستاذهم ومتكلمهم وناسكهم، وهو مع ذلك شاعر طيب وفقيه. وكان أخوه عبد الملك بن منذر متهماً بهذا المذهب أيضاً، ولي خطة الرد أيام الحكم ﵁، وهو الذي صلبه المنصور ابن أبي عامر إذ اتهمه هو وجماعة من الفقهاء والقضاة بقرطبة أنهم يبايعون سراً لعبد الرحمن بن عبيد الله ابن أمير المؤمنين الناصر ﵃، فقتل عبد الرحمن وصلب عبد الملك بن منذر وبدد شمل من اتهم. وكان أبوهم قاضي القضاة منذر بن سعيد متهماً بمذهب الاعتزال أيضاً، وكان أخطب الناس وعلمهم بكل فن وأورعهم وأكثرهم هزلاً ودعابة. وحكم المذكور في الحياة في حين كتابتي إليك بهذه الرسالة قد كف بصره وأسن جداً.

стр. 154

خبر: ومن عجيب طاعة المحب لمحبوبه أني أعرف من كان سهر الليالي الكثيرة ولقي الجهد الجاهد فقطعت قلبه ضروب الوجد ظفر بمن يحب وليس به امتناع ولا عنده دفع، فحين رأى منه بعض الكراهة لما نواه تركه وانصرف عنه، لا تعففاً ولا تخوفاً لكن توقفاً عند موافقته رضاه، ولم يجد من نفسه معيناً على إتيان ما لم ير له إليه نشاطاً وهو يجد ما يجد. وإني لأعرف من فعل هذا الفعل ثم تندم لعذر (١) ظهر من المحبوب؛ فقلت في ذلك: [من الرمل] غافص الفرصة واعلم أنها ... كمضي البرق تمضي الفرص كم أمور أمكنت (٢) أهملها ... هي عندي إذ تولت غصص بادر الكنز الذي ألفيته ... وانتهز صيداً (٣) كباز يقنص ولقد عرض مثل هذا بعينه لأبي المطرف (٤) عبد الرحمن بن أحمد بن محمود (٥) صديقنا وأنشدته أبياتاً لي فطار بها كل مطار، وأخذها مني فكانت هجيراه. خبر: ولقد سألني يوماً أبو عبد الله محمد بن كليب من أهل القيروان أيام كوني بالمدينة، وكان طويل اللسان جداً مثقفاً للسؤال في كل فن فقال لي، وقد جرى بعض ذكر الحب ومعانيه (٦) : إذا كره من أحب لقائي وتجنب قربي فما أصنع قلت: أرى أن تسعى في إدخال الروح

стр. 155

على نفسك بلقائه وإن كره. فقال: لكني لا أرى ذلك بل أوثر هواه على هواي ومراده على مرادي، وأصبر ولو كان في ذلك الحتف. فقلت له: إني إنما أحببته لنفسي ولالتذاذها بصورته فأنا أتبع قياسي وأقود أصلي وأقفو طريقتي في الرغبة في سرورها، فقال لي: هذا ظلم من القياس، أشد من الموت ما تمني له الموت، وأعز من النفس ما بذلت له النفس. فقلت له: إن بذلك نفسك وإدخالك الحتف عليها. فقال لي: أنت رجل جدلي ولا جدل في الحب يلتفت إليه، فقلت له: إذا كان صاحبه مؤوفاً، فقال: وأي آفة أعظم من الحب!.

стр. 156

- ١٥ - باب المخالفة وربما اتبع المحب شهوته وركب رأسه فبلغ شفاءه من محبوبه، وتعمد مسرته منه على كل الوجوه، سخط أو رضي. ومن ساعده الوقت على هذا وثبت جنانه وأتيحت له الأقدار استوفى لذته جميعها، وذهب غمه، وانقطع همه، ورأى أمله، وبلغ مرغوبه. وقد رأيت من هذه صفته؛ وفي ذلك أقول أبياتاً منها: [من السريع] إذا أنا (١) بلغت نفسي المنى من رشأ ما زال لي ممرضا فما أبالي الكره من طاعة ... ولا أبالي سخطاً من رضى إذا وجدت الماء لابد أن ... أطفي به مشعل جمر الغضا

стр. 157

- ١٦ - باب العاذل وللحب آفات، فأولها العاذل، والعذل أقسام: ١ - فأولهم صديق قد أسقطت مؤنة التحفظ بينك وبينه، فعذله أفضل من كثير المساعدات، وهو من الحض والنهي، وفي ذلك زاجر للنفس عجيب، وتقوية لطبيعة بها حرض وغمل، ودواء تستد عليه الشهوة (١) ، ولا سيما إن كان رفيقاً في قوله، حسن التوصل إلى ما يورد (٢) من المعاني بلفظه، عالماً بالأوقات التي يؤكد فيها النهي، وبالأحيان التي يزيد فيها الأمر، والساعات التي يكون فيها واقفاً (٣) بين هذين، على قدر ما يرى من تسهل العاشق وتوعره، وقبوله وعصيانه. ٢ - ثم عاذل زاجر لا يفيق أبداً من الملامة، وذلك خطب شديد وعبء ثقيل. ووقع لي مثل هذا، وإن لم يكن من جنس الكتاب ولكنه يشبهه، وذلك أن أبا السري عمار بن زياد صديقنا أكثر

стр. 158

من عذلي على نحو نحوته، وأعان علي بعض من لامني في ذلك الوجه أيضاً، وكنت أظن أنه سيكون معي، مخطئاً كنت أو مصيباً، لوكيد صداقتي وصحيح اخوتي به. ولقد رأيت من اشتد وجده وعظم كلفه حتى كل العذل أحب شيء إليه، ليري العاذل عصيانه ويستلذ مخالفته، ويحصل مقاومته للأئمه (١) وغلبته إياه، كالملك الهازم لعدوه، والمجادل الماهر الغالب لخصمه، ويسر بما يقع منه في ذلك وربما كان هو المستجلب لعذل العاذل بأشياء يوردها توجب ابتداء العذل، وفي ذلك أقول أبياتاً منها: [من البسيط] أحب شيء إلي اللوم والعذل ... كي أسمع اسم الذي ذكراه لي أمل كأنني شارب بالعذل صافية ... (٢) وباسم مولاي بعد الشرب انتقل

стр. 159

- ١٧ - باب المساعد من الاخوان ومن الأسباب المتمناة في الحب ان يهب الله للإنسان صديقاً مخلصاً، لطيف القول، بسيط الطول، حسن المأخذ، دقيق المنفذ، متمكن البيان، مرهف اللسان، جليل الحلم، واسع العلم، قليل المخالفة، عظيم المساعفة، شديد الاحتمال، صابراً على الإدلال، جم الموافقة، جميل المخالفة، مستوي المطابقة، محمود الخلائق، مكفوف البوائق، محتوم المساعدة، كارهاً للمباعدة، نبيل المداخل (١) ، مصروف الغوائل، غامض المعاني، عارفاً بالأماني، طيب الأخلاق، سري الأعراق، مكتوم السر، كثير البر، صحيح الأمانة، مأمون الخيانة، كريم النفس، صحيح الحدس، مضمون العون، كامل الصون، مشهور الوفاء، ظاهر الغناء، ثابت القريحة، مبذول النصيحة، مستيقن الوداد، سهل الانقياد، حسن الاعتقاد، صادق اللهجة، خفيف المهجة، عفيف الطباع، رحب الذراع، واسع الصدر، متخلقاً بالصبر، يألف الإمحاض، ولا يعرف الإعراض، يستريح إليه ببلابله، ويشاركه في خلوة فكره (٢) ، ويفاوضه في مكتوماته، وإن فيه للمحب لأعظم الراحات، وأين هذا! فغن ظفرت به يداك فشدهما عليه شد الضنين، وأمسك بهما إمساك

стр. 160

البخيل، وصنه بطارفك وتالدك، فمعه يكمل الانس، وتنجلي الأحزان ويقصر الزمان، وتطيب الأحوال. ولن يفقد الانسان من صاحب هذه الصفة عوناً جميلاً، ورأياً حسناً، ولذلك اتخذ الملوك الوزراء والدخلاء كي يخففوا عنهم بعض ما حملوه من شديد الأمور وطوقوه من باهظ الأحمال، ولكي يستغنوا بآرائهم، ويستمدوا بكفايتهم، وإلا فليس في قوة الطبيعة أن تقاوم كل ما يرد عليها دون استعانة بما يشاكلها وهو من جنسها. ولقد كان بعض المحبين - لعدمه هذه الصفة من الإخوان، وقلة ثقته منهم لما جربه من الناس وانه لم يعدم ممن باح إليه بشيء من سره أحد وجهين: إما إزراء على رأيه وإما إذاعة لسره - أقام الوحدة مقام الأنس، وكان ينفرد في المكان النازح عن الأنيس، ويناجي الهواء، ويكلم الأرض، ويجد في ذلك راحة كما يجد المريض في التأوه، والمحزون في الزفير؛ فغن الهموم إذا ترادفت في القلب ضاق بها، فإن لم ينص منها شيء (١) باللسان، ولم يسترح إلى الشكوى لم يلبث ان يهلك غماً ويموت أسفاً. وما رأيت الإسعاد (٢) أكثر منه في النساء، فعندهن من المحافظة على هذا الشان والتواصي بكتمانه والتواطؤ على طيه إذا اطلعن عليه ما ليس عند الرجال، وما رأيت امرأة كشفت سر متحابين إلا وهي عند النساء ممقوتة مستثقلة مرمية عن قوس واحدة. وإنه ليوجد عند العجائز في هذا الشان ما لا يوجد عند الفتيات، لان الفتيات منهن ربما كشفن ما علمن على سبيل التغير، وهذا لا يكون إلا في الندرة، وأما العجائز فقد يئسن من أنفسهن فانصرف الإشفاق محضاً إلى غيرهن.

стр. 161

خبر: وإني لأعلم امرأة موسرة ذات جوار وخدم، فشاع على إحدى جواريها أنها تعشق فتى من أهلها ويعشقها، وأن بينهما معاني مكروهة، وقيل لها: إن جاريتك فلانة تعرف ذلك وعندها جلية أمرها، فأخذتها وكانت غليظة العقوبة فأذاقتها من أنواع الضرب والإيذاء ما لا يصبر على مثله جلداء الرجال، رجاء ان تبوح لها بشيء مما ذكر لها، فلم تفعل البتة (١) . خبر: وإني لأعلم امرأة جليلة حافظة لكتاب الله ناسكة مقبلة على الخير، وقد ظفرت بكتاب لفتى إلى جارية كان يكلف بها، وكانت في غير ملكها، فعرفته الأمر فرام الإنكار فلم يتهيأ له ذلك، فقال له: مالك ومن ذا عصم فلا تبال بهذا، فوالله لا أطلعت على سركما أحداً أبداً، ولو أمكنني ان أبتاعها لك من مالي ولو أحاط به كله لجعلتها لك في مكان تصل إليها فيه ولا يشعر بذلك أحد. وإنك لترى المرأة الصالحة المسنة المنقطعة الرجاء من الرجال، وأحب أعمالها إليها وأرجاها للقبول عندها سعيها في تزويج يتيمة، وإعارة ثيابها وحليها لعروس مقلة. وما أعلم علة تمكن هذا الطبع من النساء إلا أنهت متفرغات البال من كل شيء إلا من الجماع ودواعيه، والغزل وأسبابه، والتآلف ووجوهه، لا شغل لهن غيره، ولا خلقن لسواه؛ والرجال مقتسمون في كسب المال وصحبة السلطان وطلب العلم وحياطة العيال ومكابدة الأسفار والصيد وضروب الصناعات ومباشرة الحروب وملاقاة الفتن وتحمل المخاوف وعمارة الأرض، وهذا كله متحيف للفراغ، صارف عن طريق البطل.

стр. 162

وقرأت في سير ملوك السودان أن الملك منهم يوكل ثقة له بنسائه يلقي عليهن ضريبة من غزل الصوف يشغلن بها أبد الدهر، لأنهم يقولون: إن المرأة إذا بقيت بغير شغل إنما تتشوف (١) إلى الرجال، وتحن إلى النكاح. ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تبقل (٢) وجهي؛ وهن علمتني القرآن وروينني كثيراً من الأشعار ودربنني في الخط، ولم يكن وكدي وإعمال ذهني مذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جداً إلا تعرف أسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك. وأنا لا أنسى شيئاً مما أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديدة طبعت عليها، وسوء ظن في جهتهن فطرت به، فأشرفت من أسبابهن على غير قليل، وسيأتي ذلك مفسراً في أبوابه، إن شاء الله تعالى.

стр. 163

- ١٨ - باب الرقيب ومن آفات الحب الرقيب، وإنه لحمى باطنة، وبرسام ملح، وفكر مكب. والرقباء أقسام: ١ - فأولهم مثقل بالجلوس، غير متعمد، في مكان اجتمع فيه المرء مع محبوبه، وعزما على إظهار شيء من سرهما والبوح بوجدهما والانفراد بالحديث. ولقد يعرض للمحب من القلق بهذه الصفة ما لا يعرض له مما هو أشد منها، وهذا وإن كان يزول سريعاً فهو عائق حال دون المراد وقطع متون (١) الرجاء. ولقد شاهدت يوماً محبين في مكان قد ظناً انهما انفردا فيه وتأهبا للشكوى، فاستحليا ما هما فيه من الخلوة، ولم يكن الموضع حمى، فلم يلبثا أن طلع عليهما من كانا يستثقلانه، فرآني فعدل إلي وأطال الجلوس معي، فلو رأيت الفتى المحب وقد تمازح الأسف البادي على وجهه مع الغضب لرأيت عجباً، وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] . يطيل جلوساً وهو أثقل جالس ... ويبدي حديثاً لست أرضي فنونه شمام ورضوى واللكام ويذبل ... ولبنان والصمان والحزن دونه ٢ - ثم رقيب قد أحس من أمرهما بطرف، وتوجس من مذهبهما شيئاً، فهو يريد أن يستقري (٢) حقيقة ذلك، فيدمن الجلوس، ويطيل القعود، ويتقفى (٣) الحركات، ويرمق الوجوه، ويحصي (٤) الأنفاس، وهذا أعدى من الجرب. وإني لأعرف من هم أن يباطش

стр. 164

رقيباً هذه صفته؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من مخلع البسيط] مواصل لا يغب قصداً ... اعظم بهذا الوصال غما صار وصرنا لفرط ما لا ... يزول كالإسم والمسمى ٣ - ثم رقيب على المحبوب، فذلك لا حيلة فيه إلا بترضيه. وإذا أرضي فذلك غاية اللذة، وهذا الرقيب هو الذي ذكرته الشعراء في أشعارها. ولقد شاهدت من تلطف في استرضاء رقيب حتى صار الرقيب عليه رقيباً له، ومتغافلاً في وقت التغافل، ودافعاً عنه وساعياً له؛ ففي ذلك أقول: [من الطويل] ورب رقيب أرقبوه فلم يزل ... على سيدي عمداً ليبعدني عنه فما زالت الألطاف تحكم أمره ... إلى ان غدا خوفي له أمناً منه وكان حساماً سل حتى (١) يهذني ... فعاد محباً ما لنعمته كنه وأقول قطعة، منها: [من المنسرح] صار حياة وكان سهم ردى ... وكان سماً فصار درياقا وإني لأعرف من رقب على بعض من كان يشفق عليه رقيباً وثق به عند نفسه، فكان اعظم الآفة عليه وأصل البلاء فيه. واما إذا لم يكن في الرقيب حيلة ولا وجد إلى ترضيه سبيل، فلا طمع إلا بالإشارة بالعين همساً وبالحاجب أحياناً، والتعريض اللطيف بالقول، وفي ذلك متعة وبلاغ إلى حين، يقنع به المشتاق؛ وفي ذلك أقول شعراً أوله: [من الطويل] على سيدي مني رقيب محافظ ... وفي لمن والاه ليس بناكث ومنه: ويقطع أسباب اللبانة في الهوى ... ويفعل فيها فعل بعض الحوادث

стр. 165

كان له في قلبه ريبة (١) ترى ... وفي كل عين مخبر بالأحادث ومنه: (٢) على كل من حولي رقيبان رقبا ... وقد خصني ذو العرش منهم بثالث وأشنع ما يكون الرقيب إذا كان ممن امتحن بالعشق قديماً ودهي به وطالت مدته فيه، ثم عري عنه بعد إحكامه لمعانيه، فكان راغباً في صيانة من رقب عليه، فتبارك الله أي رقبة تأتي منه، وأي بلاء مصبوب يحل على أهل الهوى من جهته؛ وفي ذلك أقول: [من الوافر] . رقيب طالما عرف الغراما ... وقاسى الوجد وامتنع المناما ولاقى في الهوى ألماً أليماً ... وكاد الحب يورده الحماما وأتقن حيلة الصب المعنى ... ولم يضع الإشارة والكلاما وأعقبه التسلي بعد هذا ... وصار يرى الهوى عاراً وذاما وصير دون من أهوى رقيباً ... ليبعد عنه صباً مستهاما فأي بلية صبت علينا ... وأي مصيبة حلت لماما ومن طريف معاني الرقباء أني أعرف محبين مذهبهما واحد في حب محبوب واحد بعينه، فلعهدي بهما كل واحد منهما رقيب على صاحبه. وفي ذلك أقول: [من السريع] . صبان هيمانان في واحد ... كلاهما عن خدنه منحرف كالكلب في الآري لا يعتلف ... (٣) ولا يخلي الغير أن يعتلف

стр. 166

- ١٩ - باب الواشي ومن آفات الحب الواشي، وهو على ضربين: أحدهما واش يريد القطع بين المتحابين فقط، وإن هذا لأفترهما سوءة، على انه السم الذعاف والصاب الممقر (١) والحتف القاصد والبلاء الوارد. وربما لم ينجع ترقيشه. وأكثر ما يكون الواشي فإلى المحبوب، وأما المحب فهيهات، حال الجريض دون القريض (٢) ، ومنع الحرب من الطرب، شغله بما هو مانع له من استماع الواشي. وقد علم الوشاة ذلك، وإنما يقصدون إلى الخلي البال، الصائل بحوزة الملك، المتغيب عند أقل سبب. وإن للوشاة ضرورياً من التنقيل، فمنها أن يذكر للمحبوب عمن يحب أنه غير كاتم للسر، وهذا مكان صعب المعاناة، بطئ البرء إلا أن يوافق معارضاً (٣) للمحب في محبته، وهذا أمر يوجب النفار، فلا فرج للمحبوب إلا بأن تساعده الأقدار بالاطلاع على بعض أسرار من

стр. 167

يحب، بعد أن يكون المحبوب ذا عقل، وله حظ من تمييز، ثم يدعه والمطاولة (١) . فإذا تكذب عنده نقل الواشي مع ما اظهر من التحفظ والجفاء، ولم يسمع لسره إذاعة علم أنه إنما زور له الباطل، واضمحل ما قام في نفسه. ولقد شاهدت هذا بعينه لبعض المحبين مع بعض من كان يحب، وكان المحبوب شديد المراقبة عظيم الكتمان، وكثر الوشاة بينهما وحدث في حب لم يكن، حتى ظهرت اعلام ذلك في وجهه، وركبته وجمة (٢) ، وأظلته فكرة، ودهمته حيرة، إلى أن ضاق صدره وباح بما نقل إليه؛ فلو شاهدت مقام المحب في اعتذاره لعلمت أن الهوى سلطان مطاع، ناء مشدود الأواخي، وسنان نافذ، وكان اعتذاره بين الاستسلام والاعتراف والإنكار والتوبة والرمي بالمقاليد، فبعد لأي ما صلح الأمر بينهما. وربما ذكر الواشي أن ما يظهر المحب من المحبة ليس بصحيح (٣) ، وان مذهبه في ذلك شفاء نفسه وبلوغ وطره؛ وهذا فصل من النقل وإن كان شديداً فهو أيسر معاناة مما قبله. فحالة المحب غير حالة المتلذذ. وشواهد الوجد متفاوتة بينهما. وقد وقع من هذا نبذ كافية في باب الطاعة. وربما نقل الواشي أن هوى العاشق مشترك، وهذه النار المحرقة والوجع الفاشي في الأعضاء. وإذا وافق الناقل لهذه المقالة ان يكون المحب فتى حسن الوجه حلو الحركات، مرغوباً فيه مائلاً إلى اللذات، دنياوي الطبع، والمحبوب امرأة جليلة القدر سرية المنصب، فأقرب الأشياء سعيها في إهلاكه وتصديها لحتفه، وهذه كانت ميتة مروان بن احمد بن حدير، والد أحمد المتنسك، وموسى وعبد

стр. 168

الرحمن المعروفين بابني لبنى (١) ، من قبل قطر الندى جارته، وفي ذلك أقول محذراً لبعض إخواني قطعة منها: [من الطويل] وهل يأمن النسوان غير مغفل ... جهول لأسباب الردى متعرض (٢) وكم وارد حوضاً من الموت أسوداً ترشفه من طيب الطعم أبيض والثاني واش يسعى للقطع بين المحبين لينفرد بالمحبوب ويستأثر به، وهذا أشد شيء وأفظعه (٣) وأجزم (٤) لاجتهاد الواشي واستفادته بجهده (٥) . ومن الوشاة جنس ثالث، وهو واش يسعى بهما جميعاً ويكشف سرهما، وهذا لا يلتفت إليه إذا كان المحب مساعداً؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] عجبت لواش ظل يكشف أمرنا ... وما بسوى أخبارنا يتنفس وماذا عليه من عنائي ولوعتي ... أنا آكل الرمان والولد تضرس (٦) ولابد أن أورد ما يشبه ما نحن فيه، وإن كان خارجاً منه، وهو شيء في بيان التنقيل والنمائم. فالكلام يدعو بعضه بعضاً كما شرطنا في أول الرسالة:

стр. 169

وما في جميع الناس شر من الوشاة، وهم النمامون، وإن النميمة (١) لطبع يدل على نتن الأصل، ورداءة الفرع، وفساد الطبع، وخبث النشأة، ولابد لصاحبه من الكذب؛ والنميمة فرع من فروع الكذب ونوع من أنواعه، وكل نمام كذاب، وما أحببت كذاباً قط، وإني لأسامح في إخاء كل ذي عيب وإن كان عظيماً، واكل أمره إلى خالقه ، وآخذ ما ظهر من أخلاقه حاشا من أعلمه يكذب، فهو عندي ماح لكل محاسنه، وذلك لان كل ذنب فهو يتوب عنه صاحبه وكل ذام فقد يمكن الاستتار به والتوبة منه، حاشا الكذب فلا سبيل إلى الرجعة عنه ولا إلى كتمانه حيث كان. وما رأيت قط ولا أخبرني من رأى كذاباً ترك الكذب ولم يعد إليه، ولا بدأت قط بقطيعة ذي معرفة إلا أن أطلع له على الكذب، فحينئذ أكون أنا القاصد إلى مجانبته والمتعرض لمتاركته، وهي سمة ما رأيتها قط في أحد إلا وهو مزنون إليه بشر في نفسه، مغموز عليه لعاهة سوء في ذاته، نعود بالله من الخذلان. وقد قال بعض الحكماء: آخ من شئت واجتنب ثلاثة: الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، والملوك فإنه أوثق ما تكون به لطول الصحبة وتأكدها بخذلك، والكذاب فإنه يجني عليك آمن ما كنت فيه من حيث لا تشعر. وحديث عن الرسول الله ﷺ : " حسن العهد من الإيمان " (٢) ؛ وعنه ﵇: " لا يؤمن الرجل بالإيمان كله حتى يدع الكذب في المزاح " (٣) . حدثنا

стр. 170

بهذا أبو عمر أحمد بن محمد (١) عن محمد بن عيسى بن رفاعة (٢) عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام عن شيوخه، والآخر منهما مسند إلى عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄. والله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون﴾ (الصف ٣ - ٤) . وعن رسول الله ﷺ أنه سئل هل يكون المؤمن بخيلاً فقال: نعم. قيل: فهل يكون المؤمن جباناً فقال: نعم. قيل: فهل يكون المؤمن كذاباً فقال: لا. حدثناه أحمد بن محمد ابن احمد عن أحمد بن سعيد (٣) عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه عن مالك بن أنس عن صفوان بن سليم. وبهذا الإسناد، أن رسول الله ﷺ قال: " لا خير في الكذب " في حديث سئل فيه. وبهذا الإسناد عن مالك أنه بلغه عن ابن مسعود أنه كان يقول: " لا يزال العبد يكذب وينكت في قلبه نكته سوداء حتى يسود القلب فيكتب عند الله من الكذابين " وبهذا الإسناد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: " عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر والبر

стр. 171

يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار " (١) . وروي أنه أتاه ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، إني أستهتر بثلاث: الخمر والزنا والكذب. فمرني أيها أترك، قال: اترك الكذب، فذهب عنه. ثم أراد الزنا ففكر فقال: آتي رسول الله ﷺ فيسألني: أزينت فإن قلت: نعم، حدني، وإن قلت: لا، نقضت العهد، فتركه. ثم كذلك في الخمر. فعاد إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني تركت الجميع. فالكذب أصل كل فاحشة، وجامع كل سوء، وجالب لمقت الله . وعن ابي بكر الصديق ﵁ قال: كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: " ثلاث من كن فيه كان منافقاً: من إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان " (٢) . وهل الكفر إلا كذب على الله (٣) ، والله الحق وهو يحب الحق، وبالحق قامت السموات والأرض. وما رأيت أخزى من كذاب، وما هلكت الدول، ولا هلكت الممالك، ولا سفكت الدماء ظلماً، ولا

стр. 172

ظلماً الأستار بغير النمائم والكذب، ولا أكدت البغضاء والإحن المردية إلا بنمائم لا يحظى صاحبها إلا بالمقت والخزي والذل، وأن ينظر منه الذي ينقل إليه فضلاً عن غيره بالعين التي ينظر بها من الكلب. والله يقول: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ (الهمزة: ١) ويقول جل من قائل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (الحجرات: ٦) فسمى النقل باسم الفسوق، ويقول: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم﴾ (القلم: ١٠ - ١٣) . والرسول ﵇ يقول: " لا يدخل الجنة قتات " (١) ويقول: " واياكم وقاتل الثلاثة " يعني المنقل والمنقول إليه والمنقول عنه (٢) . والأحنف يقول: " الثقة لا يبلغ (٣) وحق لذي الوجهين ألا يكون عند الله وجيها؛ وهو ما يجعله من أخس الطبائع وأرذلها. ولي إلى أبي اسحاق إبراهيم بن عيسى الثقفي الشاعر ﵀، وقد نقل إليه رجل من إخواني عني كذباً على جهة الهزل، وكان هذا الشاعر كثير الوهم فأغضبه (٤) وصدقه، وكلاهما كان لي صديقاً،

стр. 173

وما كان الناقل إليه من أهل هذه الصفة ولكنه كان كثير المزاح جم الدعابة، فكتبت إلى أبي إسحاق، وكان يقول بالخبر (١) ، شعراً منه: [من الطويل] ولا (٢) تتبدل قالة قد سمعتها ... تقال ولا تدري الصحيح بما تدري كمن قد أرق الماء للآل أن بدا ... فلاقى الردى في الأفيح المهمه القفر وكتبت إلى الذي نقل عني شعراً منه: [من الطويل] ولا تدغمن (٣) في الجد مزحاً كمولج ... فساد علاج النفس طي صلاحها ومن كان نقل الزور أمضى سلاحه ... (٤) كمثل الحبارى تتقي بسلاحها وكان لي صديق مرة وكثر التدخيل (٥) بيني وبينه حتى كدح ذلك

стр. 174

فيه واستبان في وجهه وفي لحظه، وطبعت على التأني والتربص والمسالمة ما امكنت، ووجدت بالانخفاض سبيلاً إلى معاودة المودة، فكتبت إليه شعراً، منه: [من الطويل] ولي في الذي أبدي مرام لو أنها ... بدت ما ادعى حسن الرماية وهرز (١) وأقول مخاطباً لعبيد الله بن يحيى الجزيري الذي يحفظ لعمه الرسائل البليغة (٢) ، وكان طبع الكذب قد استولى عليه، واستحوذ على عقله، وألفه ألفة النفس الأمل، ويؤكد نقله وكذبه بالأيمان المؤكدة المغلظة مجاهراً بها، أكذب من السراب، مستهتراً بالكذب مشغوفاً به، لا يزال يحدث من قد صح عنده أنه لا يصدقه، فلا يزجره ذلك عن أن يحدث بالكذب: [من الطويل] بدا كل ما كتمته بين مخبر ... وحال أرتني قبح عقدك بينا وكم حالة صارت بياناً بحالة ... كما تثبت الأحكام بالحبل الزنا وفيه أقول قطعة منها: [من الطويل] أنم من المرآة في كل ما درى ... وأقطع بين الناس من قضب الهند أظن المنايا والزمان تعلما ... تحيله بالقطع بين ذوي الود وفيه أيضاً أقول من قصيدة طويلة: [من الطويل] وأكذب من حسن الظنون حديثه ... وأقبح من دين وفقر ملازم

стр. 175

أوامر رب العرش أضيع عنده ... وأهون من شكوى إلى غير راحم تجمع فيه كل خزي وفضحة ... فلم يبق شتماً في المقال لشاتم وأثقل من عذل على غير قابل ... (١) وأبرد برداً من مدينة سالم وأبغض من بين وهجر ورقبة ... جمعن على حران حيران هائم وليس من نبه غافلاً، أو نصح صديقاً، أو حفظ مسلماً، أو حكى عن فاسق أو حدث عن عدو - ما لم يكن يكذب ولا يكذب، ولا تعمد الضغائن - منقلاً (٢) . وهل هلك الضعفاء وسقط من لا عقل له إلا في قلة المعرفة بالناصح من النمام، وهما صفتان متقاربتان في الظاهر متفاوتتان في الباطن، إحداهما داء والأخرى دواء. والثاقب القريحة لا يخفى عليه أمرهما، لكن الناقل من كان تنقيله غير مرضي في الديانة، ونوى به التشتيت بين الأولياء، والتضريب بين الإخوان، والتحريش والتوبيش (٣) والرقيش. فمن خاف إن سلك طريق النصيحة ان يقع في طريق النميمة، ولم يثق لنفاذ تمييزه ومضاء تقديره فيما يرده من أمور دنياه ومعاملة أهل زمانه، فليجعل دينه دليلاً وسراجاً يستضيء به، فحيثما سلك به سلك وحيثما أوقفه وقف، وكفيلاً له بالنظر وزعيماً بالإصابة وضماناً للفلج والخلاص (٤) . فشارع الشريعة وباعث الرسول ﵇ ومرتب الأوامر والنواهي أعلم بطريق الحق وأدرى بعواقب السلامة ومغبات النجاة من كل ناظر لنفسه بزعمه، وباحث بقياسه في ظنه.

стр. 176

- ٢٠ - باب الوصل ومن وجوه العشق الوصل، وهو حظ رفيع، ومرتبة سرية، ودرجة عالية، وسعد طالع، بل هو الحياة المجددة، والعيش السني، والسرور الدائم، ورحمة من الله عظيمة. ولولا أن الدنيا ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره، لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيهن والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه، وكمال الأماني، ومنتهى الأراجي. ولقد جربت اللذات على تصرفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا للمال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن من بعد الخوف، ولا التروح على المال، (١) من الموقع في النفس ما للوصل، ولا سيما بعد طول الامتناع، وحلول الهجر (٢) ، حتى يتأجج عليه الجوى، ويتوقد لهيب الشوق، وتتضرم نار الرجاء. وما إصناف (٣) النبات بعد غب القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع

стр. 177

السحاب الساريات في الزمان السجسج، ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تأنق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض (١) الخضر، بأحسن من وصل حبيب قد رضيت أخلاقه، وحمدت غرائزه، وتقابلت في الحسن أوصافه، وأنه لمعجز ألسنة البلغاء، ومقصر فيه بيان الفصحاء، وعنده تطيش الألباب، وتعزب الأفهام؛ وفي ذلك أقول: [من البسيط] . وسائل لي عما لي من العمر ... وقد رأى الشيب في الفو دين والعذر أجبته ساعة لا شيء أحسبه ... عمراً سواها بحكم العقل والنظر فقال لي: كيف ذا بينة لي فلقد ... أخبرتني أشنع الأنباء والخبر فقلت إن التي قلبي بها علق ... قبلتها قبلة يوماً على خطر فما أعد ولو طالت سني سوى ... تلك السويعة بالتحقيق من عمري ومن لذيذ معاني الوصل المواعيد، وإن للوعد المنتظر مكاناً لطيفاً من شغاف القلب؛ وهو ينقسم قسمين: أحدهما الوعد بزيارة المحب لمحبوبه، وفيه أقول قطعة منها: [من البسيط] . أسامير البدر لما أبطأت وأرى ... في نوره من سنا إشراقها عرضا (٢) فبت مشترطاً والود مختلطاً ... والوصل منبسطاً والجهر منقبضا والثاني: انتظار الوعد من المحب أن يزور محبوبه. وإن لمبادئ الوصل وأوائل الإسعاف لتولجاً (٣) على الفؤاد ليس لشيء من الأشياء. وإني لأعرف من كان ممتحناً بهوى في بعض المنازل المصاقبة فكان

стр. 178

يصل متى شاء بلا مانع، ولا سبيل إلى غير النظر والمحادثة زماناً طويلاً، ليلاً متى أحب ونهاراً، إلى أن ساعدته الأقدار بإجابة، ومكنته بإسعاد، بعد يأسه، لطول المدة، ولعهدي به قد كاد أن يختلط عقله فرحاً، وما كاد يتلاحق كلامه سروراً، فقلت في ذلك: [من البسيط] . برغبة (١) لو إلى ربي دعوت بها ... لكان ذنبي عند الله مغفورا ولو دعوت بها أسد الفلا لغدا ... إضرارها عن جميع الناس مقصورا فجاد باللثم لي من بعد منعته ... فاهتاج من لوعتي ما كان مغمورا كشارب الماء كي يطفي الغليل به ... فغص فانصاع في الأجداث مقبورا وقلت: [من المتقارب] . جرى الحب مني مجرى النفس ... وأعطيت عيني عنان الفرس ولي سيد لم يزل نافراً ... وربتما جاد لي في الخلس فقبلته طالباً راحة ... فزاد أليلاً بقلبي اليبس وكان فؤادي كنبت هشيم ... يبيس رمى فيه رام قبس ومنها: ويا جوهر الصين سحقاً فقد ... (٢) غنيت بياقوتة الأندلس خبر: وإني لأعرف جارية اشتد وجدها بفتى من أبناء الرؤساء، وهو

стр. 179

لا اعلم عنده، وكثر غمها به (١) وطال أسفها إلى أن ضنيت بحيه، وهو بغرارة الصبا لا يشعر؛ ويمنعها من إبداء أمرها إليه الحياء منه لأنها كانت بكراً بخاتمها، مع الإجلال له عن الهجوم عليه بما لا تدري لعله لا يوافقه، فلما تمادى الأمر - وكانا إلفين (٢) في النشأة - شكت ذلك إلى امراة جزلة الرأي كانت تثق بها لتوليها تربيتها، فقالت لها: عرضي له بالشعر، ففعلت المرة بعد المرة وهو لا يأبه في كل هذا. ولقد كان لقناً ذكياً ولكنه لم يظن ذلك فيميل إلى تفتيش الكلام بوهمه، إلى ان عيل صبرها وضاق صدرها ولم تمسك نفسها في قعدة كانت لها معه في بعض الليالي منفردين، ولقد كان - يعلم الله - عفيفاً متصاوناً بعيداً عن المعاصي، فلما حان قيامها عنه بدرت إليه فقبلته في فمه ثم ولت في ذلك الحين ولم تكلمه بكلمة، وهي تتهادى في مشيها، كما أقول في أبيات لي: [من البسيط] . كأنها حين تخطو في تأودها ... قضيب نرجسة في الروض مياس كأنما (٣) خطوها في قلب عاشقها ... ففيه من وقعها خطر ووسواس كأنما مشيها مشي الحمامة لا ... كد يعاب ولا بطء به باس فبهت وسقط في يده وفت في عضده ووجد في كبده وعلته وجمة، فما هو إلا أن غابت عن عينه ووقع في شرك الردى، واشتعلت في قلبه النار، وتصعدت أنفاسه، وتردفت أوجاله، وكثر قلقه، وطال أرقه، فما غمض تلك الليلة عيناً، وكان هذا بدء الحب بينهما دهراً، إلى أن جذت جملتها (٤) يد النوى؛ وإن هذا لمن مصايد إبليس ودواعي الهوى التي لا يقف لها أحد إلا من عصمه الله .

стр. 180

ومن الناس من يقول: إن دوام الوصل يودي بالحب، وهذا هجين من القول، إنما ذلك لأهل الملل، بل كلما زاد وصلاً زاد اتصالاً. وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظلماً، وهذا حكم من تداوى بدائه وإن رفه عنه شيئاً ما (١) . ولقد بلغت من التمكن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى فما وجدتني إلا مستزيداً، ولقد طال بي ذلك فما أحسست بسآمة ولا رهقتني فترة. وقد ضمني مجلس مع بعض من كنت أحب فلم أجل خاطري في فن من فنون الوصل إلا وجدته مقصراً عن مرادي، وغير شاف وجدي ولا قاض أقل لبانة من لباناتي، ووجدتني كلما ازددت دنواً ازددت ولوعاً، وقدحت زناد الشوق نار الوجد بين ضلوعي، فقلت في ذلك المجلس: [من الطويل] . وددت بان القلب شق بمدية ... وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري فأصبحت فيه لا تحلين غيره ... إلى مقتضى يوم القيامة والحشر تعيسين فيه ما حييت فإن أمت ... سكنت شغاف القلب في ظلم القبر وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا عدما الرقباء وأمنا الوشاة، وسلما من البين ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل وفقدا العذال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة، وأتاح الله لهما رزقاً داراً، وعيشاً قاراً، وزماناً هادياً، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحلال (٢) ، وطالت صحبتهما واتصلت إلى وقت حلول الحمام الذي
следующие страницы →