← Джавами‘

Джавами‘ · id 1038

رسائل ابن حزم

ابن حزم

Полный текст (1 333 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فلبثن صدراً من النهار ثم تنقلن إلى قصبة كانت في دارنا مشرفة على بستان الدار ويطلع منها على جميع قرطبة وفحوصها، مفتحة الأبواب؛ فصرن ينظرن من خلال الشراجيب (١) وأنا بينهن، فإني لأذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه أنساً بقربها متعرضاً للدنو منها، فما هو إلا أن تراني في جوارها فتترك ذلك الباب وتقصد غيره في لطف الحركة، فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره؛ وكانت قد علمت كلفي بها ولم يشعر سائر النسوان بما نحن فيه، لأنهن كن عدداً كثيراً، وإذا كلهن ينتقلن من باب إلى باب لسبب الاطلاع من بعض الأبواب على جهات لا يطلع من غيرها عليها، واعلم أن قيافة النساء فيمن يميل إليهن أنفذ من قيافة مدلج (٢) في الآثار، ثم نزلن إلى البستان فرغب عجائزنا وكرائمنا إلى سيدتها في سماع غنائها، فأمرتها فأخذت العود وسوته بخفر وخجل لا عهد لي بمثله، وإن الشيء يتضاعف حسنه في عين مستحسنه، ثم اندفعت تغني بأبيات العباس بن الأحنف، حيث يقول (٣) : [من البسيط] إني طربت إلى شمس إذا غربت ... كانت مغاربها (٤) جوف المقاصير شمس ممثلة في خلق جارية ... كأن أعطافها (٥) طي الطوامير ليست من الإنس إلا في مناسبة ... ولا من الجن إلا في التصاوير

стр. 247

فالوجه جوهرة، والجسم عبهرة ... (١) والريح عنبرة، والكل من نور كأنها حين تخطو في مجاسدها ... تخطو على البيض أو حد (٢) القوارير فلعمري لكأن المضراب إنما يقع على قلبي، وما نسيت ذلك اليوم ولا أنساه إلى يوم مفارقتي الدنيا، وهذا أكثر ما وصلت إليه من التمكن من رؤيتها وسماع كلامها؛ وفي ذلك أقول: [من الحفيف] لا تلمها على النفار ومنع ال ... وصل ما ذاكم لها بنكير هل يكون الهلال غير بعيد ... أو يكون الغزال غير نفور وأقول: [من الوافر] منعت جمال وجهك مقلتيا ... ولفظك قد ضننت به عليا أراك نذرت للرحمن صوماً ... فلست تكلمين اليوم حيا وقد غنيت للعباس شعراً ... هنيئاً ذا لعباس هنيا فلو يلقاك عباس لأضحى ... لفوز قاليا وبكم شجيا ثم انتقل أبي ﵀ من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربض الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة. وانتقلت أنا بانتقاله، وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلثمائة، ولم تنتقل هي بانتقالنا لأمور أوجبت ذلك. ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين هشام المؤيد بالنكبات وباعتداء أرباب دولته، وامتحنا بالاعتقال والترقيب والإغرام الفادح والاستتار، وأرزمت الفتنة وألقت باعها وعمت الناس وخصتنا، إلى أن توفي أبي الوزير

стр. 248

رحمه الله ونحن في هذه الأحوال بعد العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنتين وأربعمائة، واتصلت بنا تلك الحال بعده إلى أن كانت عندنا جنازة لبعض أهلنا فرأيتها - وقد ارتفعت الواعية (١) - قائمة في المأتم وسط النساء في جملة البواكي والنوادب، فلقد أثارت وجداً دفيناً وحركت ساكناً، وذكرتني عهداً قديماً، وحباً تليداً، ودهراً ماضياً، وزمناً عافياً، وشهوراً خوالي، وأخباراً توالي، ودهوراً فواني، وأياماً قد ذهبت، وآثاراً قد دثرت، وجددت أحزاني، وهيجت بلابلي، على أني كنت في ذلك النهار مرزءاً مصاباً من وجوه، وما كنت نسيت، ولكن زاد الشجى وتوقدت اللوعة وتأكد الحزن وتضاعف الأسف، واستجلب الوجد ما كان منه كامناً فلباه مجيباً، فقلت قطعة منها: [من الطويل] يبكي لميت مات وهو مكرم ... وللحي أولى بالدموع الذوارف فيا عجباً من آسف لامرئ ثوى ... وما هو للمقتول ظلماً بآسف ثم ضرب الدهر ضربانه وأجلينا عن منازلنا، وتغلب علينا جند البربر، فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة، وغابت عن بصري بعد تلك الرؤية الواحدة ستة أعوام وأكثر، ثم دخلت قرطبة في شوال سنة تسع وأربعمائة، فنزلت على بعض نسائنا فرأيتها هنالك، وما كدت أن أميزها حتى قيل لي هذه فلانة - وقد تغير أكثر محاسنها وذهبت نضارتها، وفنيت تلك البهجة وغاض ذلك الماء الذي كان يرى كالسيف الصقيل والمرآة الهندية، وذبل ذلك النوار الذي كان البصر يقصد نحوه منبهراً ويرتاد فيه متخيراً وينصرف عنه متحيراً، فلم يبق إلا البعض المنبئ عن الكل، والخبر المخبر عن الجميع، وذلك لقلة اهتبالها بنفسها وعدمها الصيانة التي كانت غذيت بها أيام دولتنا وامتداد ظلنا ولتبذلها في الخروج فيما لابد لها منه مما كانت تصان

стр. 249

وترفع عنه قبل ذلك؛ وإنما النساء رياحين متى لم تتعاهد نقصت، وبنية متى لم يهتبل بها استهدمت؛ ولذلك قال من قال: إن حسن الرجال أصدق صدقاً وأثبت أصلاً وأعتق جودة لصبره على ما لو لقي بعضه وجوه النساء لتغيرت أشد التغيير، مثل الهجير والسموم والرياح واختلاف الهواء وعدم الكن - وإني لو نلت منها أقل وصل وأنست لي بعض الأنس لخولطت طرباً أو لمت فرحاً، ولكن هذا النفار الذي صبرني وأسلاني. وهذا الوجه من أسباب السلو صاحبه في كلا الوجهين معذور وغير ملوم؛ إذ لم يقع تثبت يوجب الوفاء، ولا عهد يقتضي المحافظة، ولا سلف ذمام، ولا فرط تصادق يلام على تضييعه ونسيانه. ٦ - ومنها جفاء يكون من المحبوب، فإذا أفرط فيه وأسرف وصادف من المحب نفساً لها بعض الألفة والعزة تسلى، وإذا كان الجفاء يسيراً منقطعاً أو دائماً أو كبيراً منقطعاً احتمل وأغضي عليه، حتى إذا كثر ودام فلا وفاء عليه (١) ، ولا يلام الناسي لمن يحب في مثل هذا. ٧ - ومنها الغدر، وهو الذي لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم (٢) ، وهو المسلاة حقاً ولا يلام السالي عنه على أي وجه كان، ناسياً أو متصبراً، بل اللائمة لاحقة لمن صبر عليه. ولولا ان القلوب بيد مقلبها لا إله إلا هو ولا يكلف المرء صرف قلبه ولا إحالة استحسناه - لولا ذاك - لقلت ان المتصبر في سلوه مع الغدر يكاد ان يستحق الملامة والتعنيف؛ ولا أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذي

стр. 250

الحفيظة والسري السجايا، من الغدر، فما يصبر عليه إلا دنئ المروءة خسيس الهمة ساقط الأنفة، وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر] . هواك فلست أقربه غرور ... وأنت لكل من يأتي سرير وما إن تصبرين على حبيب ... فحولك منهم عدد كثير فلو كنت الأمير لما تعاطى ... لقاءك خوف جمعهم الأمير رأيتك كالأماني ما على من ... يلم بها ولو كثروا غرور ولا عنها لمن يأتي دفاع ... ولو حشد الأنام لهم (١) نفير ٨ - ثم سبب ثامن: وهو لا من المحب ولا من المحبوب ولكنه من الله تعالى وهو اليأس، وفروعه ثلاثة، إما موت وإما بين لا يرجى معه أوبة، وإما عارض يدخل على المتحابين بعلة الحب التي من أجلها وثق المحبوب فيغيرها؛ وكل هذه الوجوه من أسباب السلو والتصبر. وعلى المحب الناسي في هذا الوجه المنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة من الغضاضة والذم واستحقاق اسم اللوم والغدر غير قليل، وإن لليأس لعملاً في النفوس عجيباً، وثلجاً لحر الأكباد كبيراً؛ وكل هذه الوجوه المذكورة أولاً وآخراً فالتأني فيها واجب، والتربص على أهلها حسن، فيما يمكن فيه التأني ويصح لديه التربص، فإذا انقطعت الأطماع وانحسمت الآمال فحينئذ يقوم العذر. وللشعراء فن من الشعر يذمون فيه الباكي على الدمن، ويثنون على المثابر على اللذات، وهذا يدخل في باب السلو؛ ولقد أكثر الحسن بن هانئ في هذا الباب وافتخر به، وهو كثيراً ما يصف نفسه بالغدر الصريح في أشعاره، تحكماً بلسانه واقتداراً على القول، وفي مثل هذا أقول شعراً منه: [من الخفيف]

стр. 251

خل هذا وبادر الدهر وارحل ... في رياض الربى مطي العقار واحدها بالبديع من نغمات ال ... عود كيما تحث بالمزمار إن خيراً من الوقوف على الدا ... ر وقوف البنان بالأوتار وبدا النرجس البديع كصب ... حائر الطرف مائلا كالمدار لونه لون عاشق مستهام ... وهو لا شك هائم بالبهار ومعاذ الله أن يكون نسيان ما درس لنا طبعاً، ومعصية الله بشرب الراح لنا خلقاً، وكساد الهمة لنا صفة، ولكن حسبنا قول الله تعالى، ومن أصدق من الله قيلاً في الشعراء: ﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وانهم يقولون ما لا يفعلون﴾ . (الشعراء: ٢٢٤) . فهذه شهادة الله العزيز الجبار لهم، ولكن شذوذ القائل للشعر عن مرتبة الشعر خطأ. وكان سبب هذه الأبيات أن " ضنى " العامريه، إحدى كرائم المظفر عبد الملك ابن أبي عامر، كلفتني صنعتها فأجبتها، وكنت أجلها؛ ولها فيها صنعة في طريقة النشيد والبسيط (١) رائقة جداً، ولقد أنشدتها بعض إخواني من أهل الأدب فقال سروراً بها: يجب أن توضع هذه في جملة عجائب الدنيا. فجميع فصول هذا الباب كما ترى ثمانية: منها ثلاثة هي من المحب، اثنان منها يذم إلسالي فيهما على كل وجه، وهما الملل والاستبدال، وواحد منها يذم السالي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الحياء كما قدمنا. وأربعة من المحبوب، منها واحد يذم الناسي فيه ولا يذم المتصبر، وهو الهجر الدائم، وثلاثة لا يذم السالي فيها على أي وجه كان ناسياً أو متصبراً، وهي النفار والجفاء والغدر، ووجه ثامن وهو من

стр. 252

قبل الله ، وهو اليأس إما بموت أو بين أو آفة تزمن، والمتصبر في هذه معذور. وعني أخبرك أني جبلت على طبيعتين لا يهنأني معهما عيش أبداً، وغني لأبرم بحياتي باجتماعهما وأود التغيب (١) من نفسي أحياناً لأفقد ما أنا بسببه من النكد من أجلهما وهما: وفاء لا يشوبه تلون قد استوت فيه الحضرة والمغيب، والباطن والظاهر، تولده الألفة التي لم تعزف (٢) بها نفسي عما دربته، ولا تتطلع إلى عدم من صحبته، وعزة نفس لا تقر على الضيم، مهتمة لأقل ما يرد عليها من تغير المعارف، مؤثرة للموت عليه؛ فكل واحدة من هاتين السجيتين تدعو إلى نفسها وإني لأجفى فأحتمل، واستعمل الأناة الطويلة، والتلوم الذي لا يكاد يطيقه أحد، فإذا أفرط الأمر وحميت نفسي تصبرت، وفي القلب ما فيه، وفي ذلك أقول قطعة منها: [من البسيط] لي خلتان أذاقاني الأسى جرعاً ... ونغصا عيشتي واستهلكا جلدي كلتاهما تطبيني نحو جبلتها ... كالصيد ينشب بين الذئب والأسد وفاء صدق فما فارقت ذا مقة ... فزال حزني عليه آخر الأبد وعزة لا يحل الضيم ساحتها ... صرافة (٣) فيه بالأموال والولد ومما يشبه ما نحن فيه، وإن كان ليس منه، ان رجلا من إخواني كنت أحللته من نفسي محلها، وأسقطت المؤونة بيني وبينه، وأعددته ذخراً وكنزاً، وكان كثير السمع من كل قائل، فدب ذوو النميمة بيني وبينه، فحاكوا له وأنجح سعيهم عنده، فانقبض عما كنت أعهده. فتربصت عليه مدة في مثلها أوب الغائب ورضى العاتب، فلم يزدد إلا انقباضاً فتركته وحاله.

стр. 253

- ٢٨ - باب الموت ربما تزايد الأمر ورق الطبع وعظم الإشفاق فكان سبباً للموت ومفارقة الدنيا، وقد جاء في الآثار: " من عشق فعف فمات فهو شهيد " (١) . وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر] فإن أهلك هوى اهلك شهيداً ... (٢) وإن تمنن بقيت قرير عين روى هذا لنا قوم ثقات ... نأوا بالصدق عن جرح ومين ولقد حدثن أبو السري عمار بن زياد صاحبنا عمن يثق به: أن الكاتب ابن قزمان (٣) امتحن بمحبة أسلم [بن أحمد بن سعيد بن قاضي

стр. 254

الجماعة أسلم] بن عبد العزيز (١) أخي الحاجب هاشم بن عبد العزيز (٢) . وكان أسلم غاية في الجمال، حتى أضجره لما به وأوقعه في أسباب المنية. وكان أسلم كثير الإلمام به والزيارة له ولا علم له بأنه أصل دائه إلى أن توفي أسفاً ودنفاً (٣) . قال المخبر: فأخبرت أسلم بعد وفاته بسبب علته وموته فتأسف وقال: هلا أعلمتني فقلت: ولم قال: كنت والله أزيد في صلته وما أكاد أفارقه، فما علي في ذلك ضرر. وكان أسلم هذا من أهل الأدب البارع والتفنن، مع حظ من الفقه وافر، وذا بصارة في الشعر، وله شعر جيد، وله معرفة بالأغاني وتصرفها، وهو صاحب تأليف في طرائق غناء زرياب وأخباره،

стр. 255

وهو ديوان عجيب جداً، وكان أحسن الناس خلقاً وخلقاً، وهو والد أبي الجعد الذي كان ساكناً بالجانب الغربي من قرطبة. وأنا اعلم جارية كانت لبعض الرؤساء فعزف عنها لشيء بلغه في جهتها لم يكن يوجب السخط، فباعها، فجزعت لذلك جزعاً شديداً وما فارقها النحول والأسف، ولا بان عن عينها الدمع إلى ان سلت، وكان ذلك سبب موتها؛ ولم تعش بعد خروجها عنه إلا أشهراً ليست بالكثيرة. ولقد أخبرتني عنها امرأة أثق بها أنها لقيتها وهي قد صارت كالخيال نحولاً ورقة فقالت لها: أحسب هذا الذي بك من محبتك لفلان، فتنفست الصعداء وقالت: والله لا نسيته أبداً، وإن كان جفاني بلا سبب. وما عاشت بعد هذا القول إلا يسيراً. وأنا أخبرك عن أبي بكر أخي ﵀، وكان متزوجاً بعاتكة بنت قند (١) ، صاحب الثغر الأعلى أيام المنصور أبي عامر محمد ابن عامر، وكانت التي لا مرمى وراءها في جمالها وكريم خلالها، ولا تأتي الدنيا بمثلها في فضائلها، وكانا في حد الصبا وتمكن سلطانه تغضب كل واحد منهما الكلمة التي لا قدر لها، فكانا لم يزالا في تغاضب وتعاتب مدة ثمانية أعوام، وكانت قد شفها حبه وأضناها الوجد فيه وأنحلها شدة كلفها به، حتى صارت كالخيال المتوهم (٢) دنفاً، لا يلهيها من الدنيا شيء، ولا تسر من أموالها - على عرضها وتكاثرها - بقليل ولا كثير إذ فاتها اتفاقه معها وسلامته لها، إلى ان توفي أخي ﵀ في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة، وهو ابن اثنين وعشرين سنة، فما انفكت منذ

стр. 256

بان عنها من السقم الدخيل والمرض والذبول إلى أن ماتت بعده بعام في اليوم الذي أكمل هو فيه تحت الأرض عاماً؛ ولقد أخبرتني عنها أمها وجميع جواريها أنها كانت تقول بعده: ما يقوي صبري ويمسك رمقي في الدنيا ساعة واحدة بعد وفاته إلا سروري وتيقني أنه لا يضمه وامرأة مضجع أبداً، فقد أمنت هذا الذي ما كنت أتخوف غيره، وأعظم آمالي اليوم اللحاق به. ولم يكن قبلها ولا معها امرأة غيرها، وهي كذلك لم يكن لها غيره، فكان كما قدرت، غفر الله لها ورضي عنها. وأما خبر صاحبنا أبي عبد الله محمد بن يحيى [بن محمد] ابن الحسين التميمي، المعروف بابن الطبني (١) : فإنه كان ﵀ كأنه قد خلق الحسن على مثاله او خلق من نفس كل من رآه، لم أشهد له مثلاً حسناً وجمالاً وخلقاً وعفة وتصاوناً وأدباً وفهماً وحلماً ووفاء وسؤدداً وطهارة وكرما ودماثة وحلاوة ولباقة وصبراً وإغضاء وعقلا ومروءة وديناً ودراية وحفظاً للقرآن والحديث والنحو واللغة، و [كان] شاعراً مفلقاً حسن الخط وبليغاً مفنناً، مع حظ صالح من الكلام والجدل، وكان من غلمان أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي (٢) أستاذي في هذا الشأن، وكان بينه وبين أبيه اثنا عشر عاما في السن، وكنت أنا وهو متقاربين في الأسنان، وكنا أليفين لا نفترق، وخدنين لا يجري الماء بيننا إلا صفاء، إلى أن ألقت الفتنة جرانها وأرخت عزاليها، ووقع انتهاب جند البربر منازلنا في الجانب الغربي

стр. 257

بقرطبة ونزولهم فيها، وكان مسكن أبي عبد الله في الجانب الشرقي ببلاط مغيث، وتقلبت بي الأمور إلى الخروج عن قرطبة وسكنى مدينة المرية، فكنا نتهادى النظم والنثر كثيراً، وآخر ما خاطبني به رسالة في درجها هذه الأبيات (١) : [من الخفيف] ليت شعري عن حبل ودك هل يم ... سي جديداً لدي غير رثيث وأراني أرى محياك يوماً ... وأناجيك في بلاط مغيث فلو آن الديار ينهضها الشو ... (٢) ق أتاك البلاط كالمستغيث ولو آن القلوب تستطيع سيراً ... سار قلبي إليك سير الحثيث كن كما شئت لي فإني محب ... ليس لي غير ذكركم من حديث لك عندي وإن تناسيت عهد ... في صميم الفؤاد غير نكيث فكنا على ذلك إلى ان انقطعت دولة بني مروان وقتل سليمان الظافر أمير المؤمنين، وطهرت دولة الطالبية (٣) وبويع علي بن حمود الحسني المسمى بالناصر (٤) بالخلافة، وتغلب على قرطبة وتملكها واستمد في قتاله إياها بجيوش المتغلبين والثوار في أقطار الأندلس. وفي إثر ذلك نكبي خيران صاحب المرية، إذ نقل إليه من لم يتق الله من الباغين، وقد انتقم الله منهم، عني وعن محمد ابن إسحاق صاحبي أنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية، فاعتقلنا عند نفسه أشهراً ثم أخرجنا على جهة التغريب فصرنا إلى حصن القصر (٥) ، ولقينا صاحبه أبو القاسم عبد الله بن هذيل التجيبي،

стр. 258

المعروف بان المقفل، فأقمنا عنده شهوراً في خير دار إقامة، وبين خير أهل وجيران، وعند أجل الناس همة وأكملهم معروفاً وأتمهم سيادة. ثم ركبنا البحر قاصدين بلنسية عند ظهور أمير المؤمنين المرتضى عبد الرحمن بن محمد، وساكناه بها، فوجدت ببلنسية أبا شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب القبري (١) صديقنا، فنعى إلى أبا عبد الله بن الطبني وأخبرني بموته ﵀، ثم أخبرني بعد ذلك بمديدة القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله المرادي (٢) وأبو عمرو أحمد لن محرز أن أبا بكر المصعب بن عبد الله الأزدي المعروف بابن الفرضي (٣) حدثهما - وكان والد المصعب هذا قاضي بلنسية أيام أمير المؤمنين المهدي (٤) وكان المصعب لنا صديقاً وأخاً وأليفاً أيام طلبنا الحديث على والده وسائر شيوخ المحدثين بقرطبة - قالا، قال لنا المصعب: سألت أبا عبد الله بن الطبني عن سبب علته، وهو قد نحل وخفيت محاسن وجهه بالضنى فلم يبق إلا عين جوهرها المخبر عن صفاتها السالفة، وصار يكاد أن يطيره النفس، وقرب من الانحناء، والشجا باد على وجهه، ونحن منفردان. فقال لي: نعم، أخبرك أني كنت في باب داري بغدير ابن الشماس (٥) في حين دخول علي بن

стр. 259

حمود قرطبة (١) ، والجيوش واردة عليها في الجهات تتسارب، فرأيت في جملتهم فتى لم أقدر أن للحسن صورة قائمة حتى رأيته، فغلب علي عقلي وهام به لبي، فسألت عنه فقيل لي: هذا فلان ابن فلان، من سكان جهة كذا، ناحية قاصية عن قرطبة بعيدة المأخذ، فيئست من رؤيته بعد ذلك. ولعمري يا أبا بكر لا فارقني حبه أو يوردني رمسي، فكان ذلك. وأنا اعرف ذلك الفتى وأدريه، وقد رأيته لكني أضربت عن اسمه لأنه قد مات، والتقى كلاهما عند الله ، عفا الله عن الجميع. هذا على أن عبد الله، أكرم الله نزله، ممن لم يكن له وله قط، ولا فارق الطريقة المثلى، ولا وطئ حراماً قط، ولا قارف منكراً، ولا أتى منهياً عنه يخل بدينه ومروءته؛ ولا قارض من جفا عليه، وما كان في طبقتنا مثله. ثم دخلت أنا قرطبة في خلافة القاسم بن محمود المأمون (٢) فلم أقدم شيئاً على قصد أبي عمر القاسم بن يحيى التميمي أخي [أبي] عبد الله ﵀، فسألته عن حاله وعزيته عن أخيه، وما كان أولى بالتعزية عنه مني، ثم سألته عن أشعاره ورسائله إذ كان الذي عندي منه قد ذهب بالنهب في السبب الذي ذكرته في صدر هذه الحكاية، فأخبرني عنه أنه لما قربت وفاته وأيقن بحضور المنية ولم يشك في الموت دعا بجميع شعره وبكتبي التي كنت خاطبته أنا بها، فقطعها كلها ثم أمر بدفنها. قال أبو عمر، فقلت له: يا أخي دعها تبقى.

стр. 260

فقال: إني أقطعها وأنا أدري أني أقطع فيها أدباً كثيراً، ولكن لو كان أبو محمد - يعنيني - حاضراً لدفعتها إليه تكون عنده تذكرة لمودتي، ولكني لا أعلم أي البلاد اضمرته ولا أحي هو أم ميت؛ وكانت نكبتي اتصلت به ولم يعلم مستقري ولا إلى ما آل إليه أمري؛ فمن مراثي له قصيدة منها: [من المتقارب] . لئن سترتك بطون اللحود ... فوجدي بعدك لا يستتر قصدت ديارك قصد المشوق ... وللدهر فينا كرور ومر فألفيتها منك قفراً خلاء ... فأسكبت عيني عليك العبر وحدثني أبو القاسم الهمذاني (١) ﵀ قال: كان معنا ببغداد أخ لعبد الله بن يحيى بن أحمد بن دحون الفقيه (٢) ، الذي عليه مدار الفتيا بقرطبة، وكان أعلم من أخيه وأجل مقداراً، ما كان في أصحابنا ببغداد مثله، وأنه اجتاز يوماً بدرب قطنة (٣) ، في زقاق لا ينفذ، فدخل فيه فرأى في أقصاه جارية واقفة مكشوفة الوجه، فقالت له: يا هذا إن الدرب لا ينفذ، قال: فنظر إليها فهام بها. قال: وانصرف إلينا فتزايد

стр. 261

عليه أمرها، وخشي الفتنة فخرج إلى البصرة فمات عشقاً ﵀، وكان فيما ذكر من الصالحين. حكاية لم أزل أسمعها عن بعض ملوك البرابر: أن رجلاً أندلسياً باع جارية كان يجد بها وجداً شديداً، لفاقة أصابته، من رجل من أهل ذلك البلد، ولم يظن بائعها أن نفسه تتبعها ذلك التتبع؛ فلما حصلت عند المشتري كادت نفس الأندلسي تخرج، فأتى إلى الذي ابتاعها منه وحكمه في ماله أجم وفي نفسه، فأبى عليه، فتحمل عليه بأهل البلد فلم يسعف منهم أحد، فكاد عقله ان يذهب، ورأى أن يتصدى إلى الملك، فتعرض له وصاح، فسمعه فأمر بإدخاله، والملك قاعد في علية له مشرفة عالية، فوصل إليه، فلما مثل بين يديه أخبره بقصته واسترحمه وتضرع إليه، فرق له الملك، فأمر بإحضار الرجل المبتاع فحضر، فقال له: هذا رجل غريب وهو كما تراه، وأنا شغفه إليك، فأبى المبتاع وقال: أنا أشد حباً لها منه، وأخشى إن صرفتها إليه أن أستغيث بك غداً وأنا في أسوأ من حالته، فأذم (١) له الملك ومن حواليه من أموالهم، فأبى ولج واعتذر بمحبته لها، فلما طال المجلس ولم يروا منه البتة جنوحاً إلى الاسعاف قال للأندلسي: يا هذا، مالك بيدي أكثر مما ترى، وقد جهدت لك بأبلغ سعي، وهو [ذا] تراه يعتذر بأنه فيها أحب منك وأنه يخشى على نفسه شراً أنت فيه، فاصبر لما قضى الله عليك. فقال الأندلسي: فما لي بيدك حيلة قال له: وهل هاهنا غير الرغبة والبذل ما أستطيع لك أكثر. فلما يئس الأندلسي منها جمع يديه ورجليه وانصب من أعلى العلية إلى الأرض، فارتاع الملك وصرخ، فابتدر الغلمان من أسفل، فقضي انه لم يتأذ في ذلك الوقوع كبير أذى، فصعد به إلى الملك، فقال: ماذا أردت بهذا فقال: أيها الملك، لا سبيل إلى الحياة بعدها، ثم هم أن يرمي نفسه ثانية،

стр. 262

فمنع، فقال الملك: الله أكبر، قد ظهر وجه الحكم في هذه المسألة، ثم التفت إلى المشتري فقال: يا هذا، إنك ذكرت أنك أود لها منه وتخاف أن تصير في مثل حاله، فقال: نعم، قال: فإن صاحبك هذا أبدى عنوان محبته وقذف بنفسه يريد الموت لولا ان الله وقاه، فأنت قم فصحح حبك، وترام من أعلى هذه القصبة كما فعل صاحبك، فإن مت فبأجلك وإن عشت كنت أولى بالجارية، إذ هي في يدك ويمضي صاحبك عنك وإن أبيت نزعت الجارية منك رغماً ودفعتها إليه، فتمنع ثم قال: أتراني، فلما قرب من الباب ونظر إلى الهوى تحته رجع القهقري، فقال له الملك: هو والله ما قلت، فهم ثم نكل، فلما لم يقدم قال له الملك: لا تتلاعب بنا، يا غلمان، خذوا بيديه وارموا به إلى الأرض، فلما رأى العزيمة قال: أيها الملك، قد طابت نفسي بالجارية، فقال له: جزاك الله خيراً؛ فاشتراها منه ودفعها إلى بائعها، وانصرفا.

стр. 263

- ٢٩ - باب قبح المعصية قال المصنف رحمه الله تعالى: وكثير من الناس يطيعون أنفسهم ويعصون عقولهم، ويتبعون أهواءهم، ويرفضون اديانهم، ويتجنبون ما حض الله تعالى عليه ورتبه في الألباب السليمة من العفة وترك المعاصي ومقارعة (١) الهوى، ويخالفون الله ربهم ويوافقون إبليس فيما يحبه من الشهوة المعطبة، فيواقعون المعصية في حبهم. وقد علمنا ان الله ركب في الإنسان طبيعتين متضادتين: إحداهما لا تشير إلا بخير ولا تحض إلا على حسن، ولا يتصور فيها إلا كل أمر مرضي، وهي العقل، وقائده العدل؛ والثانية ضد لها، لا تشير إلا إلى الشهوات، ولا تقود إلا إلى الردى، وهي النفس، وقائدها الشهوة، والله تعالى يقول: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (يوسف: ٥٣) وكنى بالقلب عن العقل فقال: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (ق: ٣٧) . وقال تعالى: ﴿وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم﴾ (الحجرات: ٧) . وخاطب أولي الألباب. فهاتان الطبيعتان قطبان في الإنسان، وهما قوتان من قوى الجسد الفعال بهما، ومطرحان من مطارح شعاعات هذين الجوهرين العجيبين

стр. 264

الرفيعين العلويين (١) ، ففي كل جسد منهما حظه على قدر مقابلته لهما في تقدير الواحد الصمد، تقدست أسماؤه، حين خلقه وهيأه؛ فهما يتقابلان أبداً ويتنازعان دأباً، فإذا غلب العقل النفس ارتدع الانسان وقمع عوارضه المدخولة واستضاء بنور الله وابتع العدل، وإذا غلبت النفس العقل عميت البصيرة، ولم يضح الفرق بين الحسن والقبيح، وعظم الالتباس وتردى في هوة الردى ومهواة الهلكة، وبهذا حسن الأمر والنهي، ووجب الامتثال (٢) ، وصح الثواب والعقاب، واستحق الجزاء. والروح واصل بين هاتين الطبيعتين، وموصل ما بينهما، ومحل (٣) الالتقاء بهما، وإن الوقوف عند حد الطاعة لمعدوم إلا بطول الرياضة وصحة المعرفة ونفاذ التمييز، ومع ذلك اجتناب التعرض للفتن ومداخلة الناس جملة والجلوس في البيوت، وبالحرى أن تقع السلامة المضمونة أو يكون الرجل حصوراً لا أرب له في النساء ولا جارحة له تعينه عليهن. وقديماً ورد: " من وقي شر لقلقه وقبقبه وذبذبه فقد وقي شر الدنيا بحذافيرها " (٤) ؛ واللقلق: السان، والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج. ولقد أخبرني أبو حفص الكاتب (٥) ، وهو من ولد روح بن زنباع الجذامي (٦) ، انه سمع بعض المتسمين باسم الفقه من أهل الرواية المشاهير، وقد سئل عن هذا الحديث فقال: القبقب: البطيخ.

стр. 265

وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد (١) ثنا وهب بن مسرة (٢) ومحمد ابن أبي دليم (٣) عن محمد بن وضاح (٤) عن يحيى بن يحيى (٥) عن مالك ابن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، أن رسول الله ﷺ قال في حديث طويل: " من وقاه الله شر اثنتين دخل الجنة " فسئل عن ذلك فقال: " ما بين لحييه وما بين رجليه " (٦) . وإني لأسمع كثيراً ممن يقول: الوفاء في قمع الشهوات في الرجال دون النساء، فأطيل العجب من ذلك، وإن لي قولاً لا احول عنه: الرجال والنساء في الجنوح إلى هذين الشيئين سواء، وما رجل عرضت له امرأة جميلة بالحب وطال ذلك، ولم يكن ثم من مانع، إلا وقع في شرك الشيطان، واستهوته المعاصي، واستفزه الحرص وتغوله الطمع، وما امرأة دعاها رجل بمثل هذه الحالة إلا وأمكنته، حتماً مقضياً وحكماً نافذاً لا محيد عنه البتة (٧) .

стр. 266

ولقد أخبرني ثقة صدق من إخواني من أهل التمام في الفقه والكلام والمعرفة وذو صلابة في دينه، أنه احب جارية نبيلة أديبة ذات جمال بارع، قال: فعرضت لها فنفرت، ثم عرضت فأبت، فلم يزل الأمر يطول وحبها يزيد، وهي لا تطيع البتة، إلى ان حملني فرط حبي لها مع عمى الصبا على أن نذرت أني متى نلت منها مرادي أتوب إلى الله توبة صادقة؛ قال: فما مرت الأيام والليالي حتى أذعنت بعد شماس ونفار؛ فقلت له: أبا فلان، وفيت بعهدك فقال: أي والله، فضحكت. وذكرت بهذه الفعلة ما لم يزل يتداول في أسماعنا من ان في بلاد البربر التي تجاوز أندلسنا يتعهد (١) الفاسق على انه إذا قضى وطره ممن أراد أن يتوب إلى الله، فلا يمنع من ذلك، وينكرون على من تعرض له بكلمة ويقولون له: أتحرم رجلاً مسلماً التوبة. قال: ولعهدي بها تبكي وتقول: والله لقد بلغتني مبلغاً ما خطر قط لي ببال، ولا قدرت ان أجيب إليه أحداً. ولست أبعد أن يكون الصلاح في الرجال والنساء موجوداً، وأعوذ بالله أن أظن غير هذا، وإني رأيت الناس يغلطون في معنى هذه الكلمة، أعني " الصلاح " غلطاً بعيداً. والصحيح في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت، وإذا قطعت عنها الذرائع أمسكت، والفاسدة هي التي إذا ضبطت لم تنضبط، وإذا حيل بينها وبين الأسباب التي تسهل الفواحش تحيلت في أن تتوصل إليها بضروب من الحيل؛ والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق ولا يتعرض إلى المناظر الجالبة للأهواء، ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب؛ والفاسق من يعاشر أهل النقص وينشر بصره إلى

стр. 267

الوجوه البديعة الصنعة، ويتصدى للمشاهد المؤذية، ويحب الخلوات المهلكات (١) ؛ والصالحان من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها إلا بأن تحرك، والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء. وأما امرأة مهملة ورجل متعرض فقد هلكا وتلفا؛ ولهذا حرم على المسلم الالتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية، وقد جعلت النظرة الأولى لك والأخرى عليك، وقد قال رسول الله ﷺ : " من تأمل امرأة وهو صائم حتى يرى حجم عظامها فقد أفطر " (٢) . وإن فيما ورد من النهي عن الهوى بنص التنزيل لشيئاً مقنعا؛ وفي إيقاع هذه الكلمة، أعني " الهوى " اسماً على معان، وفي اشتقاقها عند العرب دليل على ميل النفوس وهويها إلى هذه المقامات. وإن المتمسك عنها مقارع لنفسه محارب لها. وشيء أصفه لك تراه عياناً: وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكان تحس أن رجلاً يراها أو يسمع حسها إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت بمعزل، واتت بكلام زائد كانت عنه في غنية، مخالفين لكلامها وحركتها قبل ذلك؛ ورأيت التهمم لمخارج لفظها وهيئة تقلبها لائحاً فيها ظاهراً عليها لا خفاء به؛ والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء. وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند خطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان. والله يقول: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ وقال تقدست أسماؤه: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ (النور: ٣٠ - ٣١) . فلولا علم الله بدقة (٣) إغماضهن في

стр. 268

السعي لإيصال حبهن إلى القلوب، ولطف كيدهن في التحيل لاستجلاب الهوى، لما كشف الله عن هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى، وهذا حد التعرض فكيف بما دونه. ولقد اطلعت من سر معتقد الرجال والنساء في هذا على أمر عظيم، وأصل ذلك أني لم أحسن قط بأحد ظناً في هذا الشأن، مع غيرة شديدة ركبت في. وحدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، ثنا احمد، ثنا محمد ابن عيسى بن رفاعة، حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا أبو عبيد القاسم ابن سلام عن شيوخه: أن رسول الله ﷺ قال: " الغيرة من الإيمان " (١) فلم أزل باحثاً عن أخبارهن كاشفاً عن أسرارهن، وكن قد أنسن مني بكتمان، فكن يطلعنني على غوامض أمورهن. ولولا أن أكون منبهاً على عوارت يستعاذ بالله منها لأوردت من تنبههن في الشر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب. وإني لأعرف هذا وأتيقنه، ومع هذا يعلم الله - وكفى به عليماً - أني بريء الساحة، سليم الأديم، صحيح البشرة، نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجل الأقسام أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلت إلى يومي هذا، والله المحمود على ذلك، والمشكور فيما مضى، والمستعصم فيما بقي. حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن ابن جحاف المعافري (٢) - وإنه لأفضل قاض رايته - عن محمد

стр. 269

ابن إبراهيم الطليطلي (١) ، عن القاضي بمصر بكر بن العلاء (٢) ، في قول الله : ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ (الضحى: ١١) أن لبعض المتقدمين فيه قولاً، وهو أن المسلم يكون مخبراً عن نفسه بما أنعم الله تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم، ولاسيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه. وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن غرارة الفتوة مقصوراً محظراً علي بين رقباء ورقائب؛ فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي (٣) شيخنا وأستاذي ﵁، وكان أبو علي المذكور عاقلاً عاملاً، ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح وفي الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة، وأحسبه كان حصوراً لأنه لم تكن له امرأة قط، وما رأيت مثله جملة علماً وعملاً وديناً وورعاً، فنفعني الله به كثيراً وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي. ومات أبو علي ﵀ في طريق الحج. ولقد ضمني المبيت ليلة في بعض الأزمان عند امرأة من بعض معارفي مشهورة بالصلاح والخير والحزم، ومعها جارية من بعض قراباتها من اللاتي قد ضمتها معي النشأة في الصبا، ثم غبت عنها أعواماً كثيرة، وكنت تركتها حين أعصرت ووجدتها قد جرى على وجهها ماء الشباب ففاض وانساب، وتفجرت عليها ينابيع الملاحة فترددت وتحيرت، وطلعت في سماء وجهها نجوم الحسن فأشرقت

стр. 270

وتوقدت، وانبعث في خديها أزاهير الجمال فتمت واعتمت، فأتت كما أقول: [من البسيط] خريدة صاغها الرحمن من نور ... جلت ملاحتها عن كل تقدير لو جاءني عملي في حسن صورتها ... يوم الحساب ويوم النفخ في الصور لكنت أحظى عباد الله كلهم ... بالجنتين وقرب الخرد الحور وكانت من أهل بيت صباحة، وقد ظهرت منها (١) صورة تعجز الوصاف، وقد طبق وصف شبابها قرطبة، فبت عندها ثلاث ليال متوالية، ولم تحجب عني على جاري العادة في التربية؛ فلعمري لقد كاد قلبي أن يصبو ويثوب إليه مرفوض الهوى، ويعاوده منسي الغزل. ولقد امتنعت بعد ذلك من دخول تلك الدار خوفاً على لبي أن يزدهيه الاستحسان؛ ولقد كانت هي وجميع أهلها ممن لا تتعدى الأطماع إليهن، ولكن الشيطان غير مأمون الغوائل، وفي ذلك أقول: [من الكامل المجزوء] لا تتبع النفس الهوى ... ودع التعرض للمحن إبليس حي لم يمت ... والعين باب للفتن وأقول: [من المجتث] وقائل لي: هذا ... ظن يزيدك غيا فقلت: دع عنك لومي ... أليس إبليس حيا وما أورد الله تعالى علينا من قصة يوسف بن يعقوب وداود بن يشي (٢) رسل الله ﵈ إلا ليعلمنا نقصاننا وفاقتنا إلى

стр. 271

عصمته، وان بنيتنا مدخولة ضعيفة، فإذا كانا صلى الله عليهما وهما نبيان رسولان ابنا أنبياء رسل ومن أهل بيت نبوة ورسالة، مكرمين (١) في الحفظ، مغموسين في الولاية، محفوفين بالكلاءة، مؤيدين بالعصمة، لا يجعل للشيطان عليهما سبيل، ولا فتح لوسواسه نحوهما طريق، وبلغا حيث نص الله علينا في قرآنه المنزل بالجملة المؤصلة، والطبع البشري والخلقة الأصيلة، لا بتعمد الخطيئة ولا القصد إليها - إذ النبيون مبرؤون من كل ما خالف طاعة الله ، لكنه استحسان طبيعي في النفس للصور - فمن ذا الذي يصف نفسه بملكها ويتعاطى ضبطها إلا بحول الله وقوته! وأول دم سفك في الأرض فدم أحد ابني آدم على سبب المنافسة في النساء (٢) ؛ ورسول الله ﷺ يقول: " باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء " (٣) وهذه امرأة من العرب تقول، وقد حبلت من ذي قرابة لها، حين سئلت: ما ببطنك يا هند فقالت: قرب الوساد وطول السواد (٤) ؛ وفي ذلك أقول شعراً منه: [من الرمل] لا تلم من عرض النفس لما ... ليس يرضي غيره عند المحن لا تقرب عرفجاً من لهب ... ومتى قربته قامت دخن لا تصرف ثقة في أحد ... فسد الناس جميعاً والزمن خلق النسوان للفحل كما ... خلق الفحل بلا شك لهن كل شكل يتشهى شكله ... لا تكن عن أحد تنفي الظنن

стр. 272

صفة الصالح من إن صنته ... عن قبيح أظهر الطوع الحسن وسواه من ذا ثقفته ... أعمل الحيلة في خلع الرسن وإني لأعلم فتى من أهل الصيانة قد أولع بهوى له، فاجتاز بعض إخوانه فوجده قاعداً مع من كان يحب، فاستجلبه إلى منزله، فأجابه إلى منزله بامتثال المسير بعده، فمضى داعيه إلى منزله وانتظره حتى طال عليه التربص فلم يأته، فلما كان بعد ذلك اجتمع به داعيه فعدد عليه وأطال لومه على إخلافه موعده، فاعتذر وورى، فقلت أنا للذي دعاه: أنا أكشف عذره صحيحاً من كتاب الله إذ يقول: ﴿ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم﴾ (طه: ٨٧) فضحك من حضر، وكلفت أن أقول في ذلك شيئاً فقلت: [من الطويل] . وجرحك لي جرح جبار فلا تلم ... ولكن جرح الحب غير جبار وقد صارت الخيلان وسط بياضه ... كنيلوفر حفته روض بهار وكم قال لي من مت وجداً بحبه ... مقالة محلول المقالة زاري وقد كثرت مني إليه مطالب ... ألح عليه تارة وأداري: أما في التداني ما يبرد غلة ... ويذهب شوقاً في ضلوعك ساري فقلت له: لو كان ذلك لم تكن ... عداوة جار في الأنام لجار وقد يتراءى العسكران لدى الوغى ... وبينهما للموت سبل بوار ولي كلمتان قلتهما معرضاً - بل مصرحاً - برجل من أصحابنا كنا نعرفه من أهل الطلب والعناية والورع وقيام الليل واقتفاء آثار النساك وسلوك مذاهب المتصوفين القدماء، باحثاً مجتهداً، وقد كنا نتجنب المزاح بحضرته، فلم يمض الزمن حتى مكن الشيطان من نفسه، وفتك بعد لباس النساك، وملك إبليس من خطامه فسول له الغرور، وزين له الويل والثبور، وأجره رسنه بعد إباء، وأعطاه ناصيته بعد

стр. 273

شماس، فخب في طاعته وأوضع، واشتهر بعد ما ذكرته في بعض المعاصي القبيحة الوضرة. ولقد أطلت ملامة وتشددت في عذله إذ أعلن بالمعصية بعد استتار، إلى ان أفسد ذلك ضميره علي، وخبثت نيته لي، وتربص بي دوائر السوء، وكان بعض أصحابنا يساعده بالكلام استجراراً إليه، فيأنس به ويظهر له عداوتي، إلى أن أظهر لله سريرته، فعلمها البادي والحاضر، وسقط من عيون الناس كلهم بعد أن كان مقصداً للعلماء ومنتاباً للفضلاء، ورذل عند إخوانه جملة، أعاذنا الله من البلاء، وسترنا في كفايته، ولا سبلنا ما بنا من نعمته. فيا سوءتاه لمن بدأ بالاستقامة ولم يعلم أن الخذلان يحل به، وأن العصمة ستفارقه!! لا إله إلا الله، ما أشنع هذا وأفظعه!! لقد دهمته إحدى بنات الحرس، وألقت عصاها به أم طبق (١) من كان الله أولاً ثم صار للشيطان آخراً، ومن إحدى الكلمتين: [من البسيط] . أما الغلام فقد حانت فضيحته ... وانه كان مستوراً وقد هتكا ما زال يضحك من أهل الهوى عجباً ... فالآن كل جهول منه قد ضحكا إليك لا تلح صبا هائماً كلفاً ... يرى التهتك في دين الهوى نسكا قد كان دهراً يعاني النسك مجتهداً ... (٣) يعد (٢) في نسكه كل امرئ مسكا ذو محبر وكتاب لا يفارقه ... نحو المحدث يسعى حيث ما سلكا فاعتاض من سمر أقلام بنان فتى ... كأنه من لجين صيغ أو سبكا يا لائمي سفهاً في ذاك قل فلم ... تشهد حبيبين يوم الملتقى اشتبكا دعني ووردي في الآبار اطلبه ... (٤) إليك عني كذا لا أبتغي البركا

стр. 274

إذا تعففت عف الحب عنك وغن ... تركت يوماً فإن الحب قد تركا ولا تحل من الهجران منعقداً ... إلا اذا ما حللت الأزر والتككا ولا تصحح للسلطان مملكة ... أو تدخل البرد عن إنفاذه السككا ولا بغير كثير المسح يذهب ما ... يعلو الحديد من الأصداء ان سبكا وكان هذا المذكور من أصحابنا قد احكم القراءات إحكاماً جيداً، واختصر كتاب الأنباري في الوقف والابتداء (١) اختصاراً حسناً أعجب به من رآه من المقرئين، وكان دائباً على طلب الحديث وتقييده، والمتولي لقراءة ما يسمعه على الشيوخ المحدثين، مثابراً على النسخ مجتهداً به، فلما امتحن بهذه البلية مع بعض الغلمان رفض ما كان معتنياً به وباع أكثر كتبه واستحال كلية، نعوذ بالله من الخذلان. وقلت فيه كلمة وهي التالية للكلمة التي ذكرت منها في أول خبره ثم تركتها. وقد ذكر أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي (٢) في كتاب " اللفظ والإصلاح " أن إبراهيم بن سيار النظام رأس المعتزلة، مع علو طبقته في الكلام وتمكنه وتحكمه في المعرفة، تسبب إلى ما حرم الله عليه من فتى نصراني عشقه بان وضع له كتاباً في تفضيل

стр. 275

التثليث على التوحيد؛ فيا غوثاه!!! عياذك يا رب من تولج الشيطان ووقوع الخذلان. وقد يعظم البلاء وتكلب الشهوة، ويهون القبيح، ويرق الدين حتى يرضى الإنسان في جنب وصوله إلى مراده بالقبائح والفضائح، كمثل ما دهم عبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن الجزيري (١) ، فإنه رضي بإهمال داره وإباحة حريمه والتعريض بأهله طمعاً في الحصول على بغيته من فتى كان علقه - نعوذ بالله من الضلال ونسأله الحياطة وتحسين آثارنا وإطابة أخبارنا - حتى لقد صار المسكين حديثاً تعمر به المحافل، وتصاغ فيه الأشعار، وهو الذي تسميه العرب الديوث - وهو مشتق من التدييث، وهو التسهيل، وما بعد تسهيل من تسمح نفسه بهذا الشأن تسهيل، ومنه بعير مديث، أي مذلل. ولعمري إن الغيرة لتوجد في الحيوان بالخلقة (٢) ، فكيف وقد أكدتها عندنا الشريعة، وما بعد هذا مصاب. ولقد كنت اعرف هذا المذكور مستوراً إلى أن استهواه الشيطان، ونعوذ بالله من الخذلان، وفيه يقول عيسى بن محمد بن مجمل (٣) الخولاني: [من الكامل] يا جاعلاً إخراج حر نسائه ... شركاً لصيد جآذر الغزلان إني أرى شركاً يمزق ثم لا ... تحظى بغير مذلة الحرمان

стр. 276

وأقول أنا أيضاً: [من الطويل] . أباح أبو مروان حر نسائه ... ليبلغ ما يهوى من الرشأ الفرد فعاتبته الديوث في قبح فعله ... (١) فأنشدني إنشاد مستبصر جلد " لقد كنت أدركت المنى غير أنني ... (٢) يعيرني قومي بإدراكها وحدي " وأقول أيضاً: [من المتقارب] . رأيت الجزيري فيما يعاني ... قليل الرشاد كثير السفاه يبيع ويبتاع عرضاً بعرض ... أمور وجدك ذات اشتباه ويأخذ ميما بإعطاء (٣) هاء ... ألا هكذا فليكن ذو النواهي ويبدل أرضاً تغذي النبات ... بأرض تحف بشوك العضاه لقد خاب في تجره ذو ابتياع ... مهب الرياح بمجرى المياه ولقد سمعته في المسجد يستعيذ بالله من العصمة كما يستعاذ به من الخذلان. ومما يشبه هذا أني أذكر أني كنت في مجلس فيه إخوان لنا عند بعض مياسير أهل بلدنا، فرأيت بين بعض من حضر وبين من كان بالحضرة أيضاً من أهل صاحب المجلس أمراً أنكرته وغمزاً استبشعته، وخلوات الحين بعد الحين، وصاحب المجلس كالغائب أو النائم، فنبهته بالتعويض فلم ينتبه، وحركته بالتصريح فلم يتحرك، فجعلت أكرر عليه بيتين قديمين لعله يفطن، وهما هذان: [من الخفيف] . إن إخوانه المقيمين بالأم ... س أتوا للزناء لا للغناء قطعوا أمرهم وأنت حمار ... موقر من بلادة وغباء

стр. 277

وأكثرت من إنشادهما حتى قال لي صاحب المجلس: قد أمللتنا من سماعهما فتفضل بتركهما أو إنشاد غيرهما، فأمسكت وأنا لا أدري أغافل هو أم متغافل؛ وما أذكر أني عدت إلى ذلك المجلس بعدها، فقلت فيه قطعة منها: [من الخفيف] . أنت لا شك أحسن الناس ظنا ... (١) ويقيناً ونية وضميراً فانتبه إن بعض من كان بالأم ... س جليساً لنا يعاني كبيرا ليس كل الركوع فاعلم صلاة ... لا ولا كل ذي لحاظ بصيرا وحدثني ثعلب بن موسى الكلاذاني (٢) قال، حدثني سليمان بن أحمد الشاعر قال، حدثتني امرأة اسمها هند كنت رأيتها في المشرق، وكانت قد حجت خمس حجات، وهي من المتعبدات المجتهدات، قال سليمان: فقالت لي: يا ابن أخي، لا تحسن الظن بامرأة قط فإني أخبرك عن نفسي بما يعلمه الله : ركبت البحر منصرفة من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة خمس نسوة، كلهن قد حججن من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة خمس نسوة، كلهن قد حججن، وصرنا في مركب في بحر القلزم (٣) ، وفي بعض ملاحي السفينة رجل مضمر الخلق مديد القامة واسع الأكتاف حسن التركيب، فرأيته أول ليلة قد أتى إلى إحدى صواحبي فوضع إحليله في يدها، وكان ضخماً جداً، فأمكنته في الوقت من نفسها، ثم مر عليهن كلهن في ليال متواليات، فلم يبق له غيرها، تعني نفسها، قال: فقلت في نفسي: لأنتقمن منك؛ فأخذت موسى وأمسكتها بيدي، فأتى في الليل على جاري عادته، فلما فعل كفعله في سائر الليالي سقطت الموسى عليه فارتاع وقام لينهض، قال: فأشفقت عليه وقلت له وقد أمسكته:

стр. 278

لا زلت أو آخذ نصيبي منك، قالت العجوز: فقضى وطره وأستغفر الله. وإن للشعراء من لطف التعريض عن الكتابة لعجباً؛ ومن بعض ذلك قولي حيث أقول: [من الطويل] . أتاني وماء المزن في الجو يسفك ... كمحض لجين إذ يمد ويسبك هلال الدياجي انحط من جو أفقه ... فقل في محب نال ما ليس يدرك وكان الذي إن كنت لي عنه سائلا ... فمالي جواب غير أني أضحك لفرط سروري خلتني عنه نائماً ... فيا عجبا من موقن يتشكك وأقول أيضاً قطعة منها: [من البسيط] . أتيتني وهلال الجو مطلع ... قبيل قرع النصارى للنواقيس كحاجب الشيخ عم الشيب أكثره ... واخمص الرجل في لطف وتقويس ولاح في الأفق قوس الله مكتسياً ... (١) من كل لون كأذناب الطواويس وإن فيما يبدو إلينا من تعادي المتواصلين في غير ذات الله تعالى بعد الألفة، وتدابرهم بعد الوصال، وتقاطعهم بعد المودة، وتباغضهم بعد المحبة، واستحكام الضغائن، وتأكد (٢) السخائم في صدورهم، لكاشفاً ناهياً لو صادف عقولاً سليمة، وآراء نافذة وعزائم صحيحة. فكيف بما أعد الله لمن عصاه من النكال الشديد يوم الحساب وفي دار الجزاء، ومن الكشف على رؤوس الخلائق ﴿يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ (الحج: ٢) جعلنا الله ممن يفوز

стр. 279

فعهدتها أصفى من الماء (١) ، وألطف من الهواء (٢) ، وأثبت من الجبال، وأقوى من الحديد (٣) وأشد امتزاجاً من اللون في الملون، وأنفذ استحكاماً من الأعراض في الأجسام، وأضوأ من الشمس، وأصح من العيان، وأثقب من النجم، وأصدق من كدر القطا (٤) ، واعجب من الدهر، واحسن من البر، وأجمل من وجه أبي عامر، وألذ من العافية، وأحلى من المنى، وأدنى من النفس، وأقرب من النسب، وأرسخ من النقش في الحجر، ثم لم ألبث أن رأيت تلك المودة قد استحالت عداوة أفظع من الموت، وأنفذ من السهم (٥) ، وأمر من السقم، وأوحش من زوال النعم، وأقبح من حلول النقم، وأمضى من عقم الرياح (٦) ، وأضر من الحمق، وأدهى من غلبة العدو، وأشد من الأسر، وأقسى من الصخر (٧) ، وأبغض من كشف الأستار، وانأى من الجوزاء (٨) ، وأصعب من معاناة السماء، وأكبر من رؤية المصاب، وأشنع من خرق العادات، وأقطع من فجأ البلاء، وأبشع من السم الزعاف (٩) ، وما لا يتولد مثله عن الذحول والتراث وقتل الآباء وسبي الأمهات. وتلك عادة الله في أهل الفسق القاصدين سواه، الآمين غيره؛ وذلك قوله ﴿يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ

стр. 280

جاءني﴾ (الفرقان: ٢٨) . فيجب على اللبيب الاستجارة بالله مما يورط فيه الهوى: فهذا خلف مولى يوسف بن قمقام القائد المشهور كان أحد القائمين مع هشام بن سليمان بن الناصر (١) ، فلما أسر هشام وقتل وهرب الذين وازروه، فر خلف في جملتهم ونجا، فلما أتى القسطلات (٢) لم يطق الصبر عن جارية كانت له بقرطبة فكر راجعاً، فظفر به أمير المؤمنين المهدي، فأمر بصلبه، فلعهدي به مصلوباً في المرح على النهر الأعظم وكأنه القنفذ من النبل. ولقد اخبرني أبو بكر محمد بن الوزير عبد الرحمن بن الليث ﵀ أن سبب هروبه إلى محلة البرابر أيام تحولهم مع سليمان الظافر إنما كان لجارية يكلف بها تصيرت عند بعض من كان في تلك الناحية، ولقد كاد أن يتلف في تلك السفرة. وهذان الفصلان وإن لم يكونا من جنس الباب فإنهما شاهدان على ما يقود إليه الهوى من الهلاك الحاضر الظاهر، الذي يستوي في فهمه العالم والجاهل، فكيف من العصمة التي لا يفهمها من ضعفت بصيرته. ولا يقولن امرؤ: خلوت، فهو وغن انفرد فبمرأى ومسمع من علام الغيوب. ﴿الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ ، (غافر: ١٩) ﴿ويعلم السر وأخفى﴾ (طه: ٧) و ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما

стр. 281

كانوا﴾ (المجادلة: ٧) / و ﴿هو عليم بذات الصدور﴾ وهو ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ و ﴿ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم﴾ (النساء: ١٠٨) وقال: ﴿لقد خلقنا الآنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقى الملتقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ (ق: ١٦ - ١٨) . وليعلم المستخف بالمعاصي، المتكل على التسويف، المعرض عن طاعة ربه ان إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد وعذاب الخلد، وصير شيطاناً رجيماً، وأبعد عن رفيع المقام، وهذا آدم ﷺ بذنب واحد أخرج من الجنة إلى شقاء الدنيا ونكدها؛ ولولا انه تلقى من ربه كلمات وتاب عليه لكان من الهالكين (١) . افترى هذا المغتر بالله ربه وبإملائه ليزداد إثماً يظن أنه أكرم على خالقه من أبيه آدم الذي خلقه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته (٢) الذين هم أفضل خلقه عنده أو عقابه اعز عليه من عقوبته إياه كلا، ولكن استعذاب التمني، واستيطاء مركب العجز، وسخف الرأي، قائدة أصحابها إلى الوبال والخزي. ولو لم يكن عند ركوب المعصية زاجر من نهي الله تعالى ولا حام من غليظ عقابه لكان في قبيح الأحدوثة عن صاحبه وعظيم الظلم الواقع في نفس فاعله اعظم مانع وأشد رادع لمن نظر بعين الحقيقة، واتبع سبيل الرشد، فكيف والله يقول: ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً﴾ (الفرقان: ٦٨ - ٦٩) .

стр. 282

حدثنا الهمذاني (١) في مسجد العمري (٢) بالجانب الغربي من قرطبة سنة إحدى وأربعمائة، حدثنا ابن شبويه وأبو إسحاق البلخي بخراسان سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، قالا ثنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل (٣) ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله وهو ابن مسعود، قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله قال: ان تدعو لله نداً وهو خلقك، قال: ثم أي قال: أن تقتل ولدك أن يطعم معك. قال: ثم أي قال: أن تزاني حليلة جارك. فانزل الله تصديقها: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ (الفرقان: ٦٨) (٤) وقال : ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله﴾ (النور: ٢) . حدثنا الهمذاني عن أبي إسحاق البلخي وابن شبويه عن محمد ابن يوسف عن محمد بن اسماعيل عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن

стр. 283

المسيب المخزوميين وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أن رسول الله ﷺ قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (١) . وبالسند المذكور إلى محمد بن إسماعيل عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: " أتى رجل إلى رسول الله ﷺ وهو في المسجد فقال يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، ثم رد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: أبك جنون قال: لا، قال: فهل أحصنت قال: نعم، فقال النبي ﷺ اذهبوا به فارجموه " (٢) . قال ابن شهاب: فاخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه. حدثنا أبو سعيد مولى الحاجب جعفر في المسجد الجامع عن أبي بكر المقرئ عن أبي جعفر بن النحاس عن سعيد بن بشر عن عمرو بن رافع عن منصور عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ أنه قال: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (٣) . فيا لشنعة ذنب أنزل الله وحيه مبيناً بالتشهير بصاحبه، والعنف بفاعله، والتشديد لمقترفه، وتشدد في عقوبة رجمه الا يرجم إلا بحضرة أوليائه. وقد أجمع المسلمون إجماعاً لا ينقضه إلا ملحد أن الزاني المحصن عليه الرجم حتى يموت. فيا لها قتلة

стр. 284

ما أهولها، وعقوبة ما أفظعها، وأشد عذابها وأبعدها من الإراحة وسرعة الموت. وطوائف من أهل العلم منهم الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه وداود (١) وأصحابه يرون عليه مع الرجم جلد مائة، ويحتجون عليه بنص القرآن وثابت السنة عن رسول الله ﷺ وفعل علي ﵁ بأنه رجم امرأة محصنة في الزنا بعد أن جلدها مائة. وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله (٢) ؛ والقول بذلك لازم لأصحاب الشافعي، لأن زيادة العدل في الحديث مقبولة. وقد صح في إجماع الأمة المنقول بالكافة الذي يصحبه العمل عند كل فرقة وفي أهل كل نحلة من نحل أهل القبلة - حاشا طائفة يسيرة من الخوارج لا يعتد به - أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بكفر بعد إيمان، أو نفس بنفس، أو بمحاربة لله ورسوله يشهر فيها سيفه ويسعى في الأرض فسادا مقبلاً غير مدبر، وبالزنا بعد الإحصان (٣) فإن حد ما جعل الله مع الكفر بالله ومحاربته وقطع حجته في الأرض ومنابذته دينه لجرم كبير ومعصية شنعاء. والله تعالى يقول: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ (النساء: ٣١) ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. إن ربك واسع المغفرة﴾ (النجم: ٣٢) وإن كان أهل العلم اختلفوا في تسميتها فكلهم مجمع - مهما اختلفوا فيه منها - أن الزنا يقدم فيها، لا اختلاف بينهم في ذلك، ولم يوعد الله في كتابه بالنار بعد

стр. 285

الشرك الا في سبع ذنوب، وهي الكبائر: الزنا أحدها، وقذف المحصنات أيضاً منها، منصوصاً ذلك كله في كتاب الله . وقد ذكرنا أنه لا يحب القتل على أحد من ولد آدم إلا في الذنوب الأربعة التي تقدم ذكرها: فأما الكفر منها فإن عاد صاحبه إلى الاسلام أو بالذمة إن لم يكن مرتداً قبل منه ودرى عنه الموت، وأما القتل فان قبل الولي الدية في قول بعض الفقهاء أو عفا في قول جميعهم سقط عن القاتل القتل بالقصاص، وأما الفساد في الأرض فإن ناب صاحبه قبل أن يقدر عليه هدر عنه القتل، ولا سبيل في قول أحد مؤالف أو مخالف في ترك رجم المحصن ولا وجه لرفع الموت عنه البتة. ومما يدل على شنعة الزنا ما حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن (١) : ثنا القاضي أبو عيسى (٢) عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن الليث عن الزهري عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عبيد بن عمير: ان عمر بن الخطاب ﵁ أصاب في زمانه ناساً من هذيل، فخرجت جارية منهم فاتبعها رجل يريدها عن نفسها فرمته بحجر فقضت كبده. فقال عمر: هذا قتيل الله والله لا يودى أبداً. وما جعل الله فيه أربعة شهود، وفي كل حكم شاهدين، إلا حياطة منه ألا تشيع الفاحشة في عباده، لعظمها وشنعتها
следующие страницы →