← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1039

الأحكام الفقهية المتعلقة بالأجزاء الزائدة والمنفصلة والمبتورة من جسم الإنسان

عبد الكريم العميريني

Полный текст (51 стр.). Показаны 36–51 · переход к 41.

стр. 36

وجه الدلالة: أن تعليق يد السارق في عنقه حكم شرعي، يعتبر من تمام العقوبة والحد، والحدود شرعت من أجل الزجر، والردع، والنكال للجاني ولغيره، وإبقاء للمراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة والعظة، وقطع دابر الجريمة، وبهذا تتم مراعاة مقاصد الشريعة، وإعادتها توجب تفويت ذلك فلا يجوز فعلها. ويناقش: أن من مقاصد العقوبة العبرة للغير، وكفى في قطع الطرف من الجاني نكالا ومثلية لما عمله، وقصاصاً لذلك، ولا دليل على العبرة المؤبدة، وما أكثر العبر التي مرت لحظة، ثم بقي خبرها عبر التأريخ (١). الدليل الرابع: أن العضو المقطوع صار نجساً بالانفصال، فلم تجز إعادته لئلا يؤدي إلى بطلان العبادة. ويناقش: أن ما أبين من حي فهو كميتته، وميتة الآدمي طاهرة، فوجب أن يكون ذلك العضو الذي أبين طاهراً، وقد سبق معنا في المطلب الثالث أن القول الراجح هو طهارة الأعضاء المنفصلة من جسم الإنسان (٢). قال ابن العربي رداً على قول من احتج بالنجاسة: [وهذا غلط، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها، لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفةً للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها] (٣). الترجيح: الذي يترجح - والله أعلم - هو القول الثاني، وهو عدم جواز إعادة العضو الذي أبين في حد، أو قصاص (٤) وذلك لما يأتي:

стр. 37

أولاً: لصحة وقوة الأدلة النقلية والعقلية للقائلين بعدم الجواز. ثانيا: ما ورد على أكثر أدلة القائلين بالجواز من مناقشة. ثالثا: أن في إعادتها عدم العدل والإنصاف للمجني عليه، وهي من المعاني المقصودة للشارع. رابعا: أن المقصود من مشروعية القصاص الزجر، والردع، لا الإيلام فقط، وإبقاء المراد من العقوبة بدوام أثرها للعبرة، والعظة، وقطع دابر الجريمة، وفي إعلان هذه العقوبات ببقائها يتحقق أثرها في الجاني وغيره ممّن شاهد الحد، أو عَلِم به (١). المطلب السابع: قطع الزوائد من جسم الإنسان وفيه مسألتان (٢). المسألة الأولى: قطع وإزالة الزوائد من باب الضرورة، والحاجة. المسألة الثانية: قطع وإزالة الزوائد من باب التجميل. جاءت الشريعة بالأمر بالمحافظة على الإنسان وأعضائه، وبينت أن المراد بالتغيير المحرَّم ما كان باقياً على الجسم كالوشم (٣) والتفليج (٤) ونحوهما، أما ما لا يبقى كالكحل والحناء، والأشياء التي أمر المسلم بإزالتها، أو حلقها كخصال الفطرة، فإن النهي لا يتناولها، ولكن قد يولد الإنسان وفيه شيء من الزوائد سواء في اليد، أو القدم، أو الأسنان، ونحوها والمتأمل في هذه المسألة يجد أنه لابد من التفصيل فيها،

стр. 38

فقد تكون إزالة هذه الزوائد من باب الضرورة، وقد تكون إزالتها من باب التحسين، والتجميل، والتفصيل في هذه المسألة على ما يلي: المسألة الأولى: قطع وإزالة الزوائد من باب الضرورة، والحاجة، ويحسن التفريق بين الضرورة والحاجة. فالضرورة: هي الشدة، والعنت في أقصى غاياتها، بحيث يبلغ حدًا يخشى فيه على نفسه الهلاك، أو مقاربة الهلاك، بضياع مصالحه الضروريّة، والضرورة تُسْقِط الإثم، وتفرض الضمان إذ الاضطرار لا يُبطلُ حقّ الغير (١). أما الحاجة: مرتبة أقل من الضرورة، فلا يستباح بها ما يستباح بالضرورة، إلا أنها تنزّل منزلة الضرورة في حق الشخص الواحد إذا كانت عامّة، والحاجة لا تبرّر أخذ مال الغير، فلو أخذه أحد لكان آثماً، وضامناً (٢). وعلى ذلك فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣)، أنه لا حرج في إزالة مثل هذه الزوائد التي قد تؤذي الإنسان، وقد تسبب في إعاقته عن أداء وظيفته، أو كمال قيامه بها، أو تسبب له الحرج في المجتمع، ولم أقف على رأي مخالف، وهو اختيار ابن جرير الطبري (٤)، ومحمد بن إبراهيم، وابن باز، وابن عثيمين، ومحمد عثمان شبير، والشنقيطي (٥)، وعليه الفتوى في اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية (٦).

стр. 39

قال في منح الجليل (١) [إلا أن يكون هذا الزائد يؤذيه ويؤلمه من إصبع، أو ضرس، فلا بأس بنزعه على كل حال]. وقال في المغني: (لأن هذه الزوائد لا جمال فيها، إنما هي شين في الخلقة، وعيب يُرَدُّ به المبيع وتنقص به القيمة] (٢)، واستدلوا على الجواز بما يلي: الدليل الأول: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُتَوَشِّمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ (٣)، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» (٤). قال النووي ﵀ (٥): [وأما قوله: (الْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ) فمعناه يفعلن ذلك طلبًا للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج، أو عيب في السن ونحوه فلا بأس]. وقال الشوكاني: [ظاهره أن التحريم المذكور، إنما هو إذا كان القصد التحسين، لا لداء، ولا علة فإنه ليس بمحرم] (٦). الدليل الثاني: حديث عبد الرحمن بن طرفة ﵁ أن جده عرفجة بن أسعد «أُصِيبَ أَنْفَهُ يَوْمَ الْكلَابِ (٧) فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» (٨).

стр. 40

وجه الدلالة: أمر ﷺ لعرفجة بن أسعد بإزالة العيب، وتركيب الأنف تجميلا، فدلَّ بمفهومه على جواز إزالة ما فيه تشويه، أو ضرر، جسديا، أو اجتماعيا. الدليل الثالث: عموم الأحاديث التي تدل على التداوي والأمر بذلك ومنها: الحديث الأول: حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ » (١). الحديث الثاني: حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (٢). الدليل الرابع: إعمال القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية مثل قاعدة: (الضرر يزال) (٣)، والقواعد المندرجة تحتها مثل (الضرورات تبيح المحظورات)، وقاعدة: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة، أو خاصة)، والشريعة جاءت بجلب المصالح، ودرء المفاسد. واشترطوا للجواز شروطا منها (٤): أولا: أن يغلب على الظن نجاح العملية، وأن يؤمن الخطر على الشخص المستأصل منه. ثانيا: أن يكون ذلك بأدوية مباحة مشروعة. ثالثا: أن يقصد بالجراحة التجميلية إزالة العيب؛ والتجميل جاء تبعًا. رابعا: أن يكون في بقائها ضرر أكبر من إزالتها، كالمرض النفسي على صاحبها.

стр. 41

خامسا: أن يتعين على الإنسان إجراء العملية الجراحية، بحيث لا توجد وسيلة أخرى تقوم مقام تلك العملية في سد الحاجة، أو دفع الضرورة. المسألة الثانية: قطع وإزالة الزوائد من باب التجميل والتحسين. عرفت الجراحة التجميلية بأنها: [إجراء طبي جراحي يستهدف تحسين مظهر، أو وظيفة أعضاء الجسم الظاهرة] (١) والمراد منها تحسين المظهر، وتحقيق الصورة الأجمل، دون وجود دوافع ضرورية، أو حاجية تستلزم فعل الجراحة، كتفليج الأسنان، أو وشرها، أو النمص، أو إزالة آثار الشيخوخة. ولقد خلق الله الإنسان فأحسن خلقه، وصوره فأحسن صورته، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٢)، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (٣). لذا اختلف الفقهاء في إزالة الأعضاء الزائدة من باب التحسين، والتجميل على قولين: القول الأول: بالمنع والتحريم، وهذا قول عامة الفقهاء من المذاهب، وهو اختيار ابن جرير الطبري، وابن حجر، والشوكاني، وابن عثيمين (٤). قال الطبري ما ملخصه (٥): [لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة، أو نقص، لالتماس الحسن لا للزوج، ولا لغيره كمن تكون لها

стр. 42

سن زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، ومن يكون شعرها قصيرا، أو حقيرا فتطوله، أو تغزره بشعر غيرها فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله … ]. ونقل القرطبي عن عياض (١): أن من خُلِق بإصبع زائدة، أو عضو زائد لا يجوز له قطعه، ولا نزعه؛ لأنه من تغيير خلق الله (٢). قال النووي ﵀ (٣): وأما قوله: [المتفلجات للحسن) فمعناه يفعلن ذلك طلبًا للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن … ]. قال ابن حجر في الفتح (٤): [يفهم منه أن المذمومة من فعلت ذلك لأجل الحسن]. وقال الشوكاني (٥): [ظاهره أن التحريم المذكور إنما هو إذا كان القصد التحسين … ]. وقال ابن عثيمين بعد أن ذكر جواز القطع إذا كان من باب إزالة العيب (٦): ( … ولو كان من باب التجميل لكان حراما، ولهذا لعن النبي ﷺ : (النامصة والمتنمصة) (٧) اهـ. واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (٨)

стр. 43

وجه الدلالة: أن إزالة الزوائد التي ليس فيها ضرر، أو تشويه على صاحبها من تغيير خلق الله، ومن فعل وتزيين الشيطان وهو محرم. الدليل الثاني: عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُتَوَشِّمَاتِ (١)، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» (٢). وجه الدلالة: أن الحديث رتب الطرد والإبعاد عن رحمة الله من غيرت خلق الله بإزالة الشعر وغيره، أو الوشر، أو التفليج، ونص في الحديث أن يقصد بذلك الحسن والجمال. الدليل الثالث: أنه قد تؤدي الإزالة والاستئصال نزيفا في الدم فيؤدي للهلاك. ويناقش: أن ذلك غير متوقع مع تطور الطب الحديث. الدليل الرابع: أن فيها نوعا من الغش والتدليس، خاصة فيما يتعلق بأمور الزواج. نقل ابن حجر في الفتح عن الإمام الخطابي قوله: [إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع، ولو رُخص في شيء منها، لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش، ولما فيها من تغيير الخلقة] (٣). القول الثاني: بجواز قطع الزوائد من الجسم، قال به بعض فقهاء المذاهب (٤)، بناء على أن الزائد لا منفعة فيه، ولا يساوى العضو الزائد بالأصلي، وقال به من المعاصرين محمد عثمان شبير (٥).

стр. 44

قال في الجوهرة النيرة: (وفي الأصبع الزائدة حكومة عدل تشريفا للآدمي؛ لأنها جزء من يده، لكن لا منفعة فيها، ولا زينة] (١). وقال المرداوي (٢): [ولا تؤخذ أصلية بزائدة، ولا زائدة بأصلية، بلا نزاع]. وذلك لعدم التساوي في المكان والمنفعة؛ إذ الأصلي مخلوق في مكانه لمنفعة فيه، بخلاف الزائد (٣). قال محمد عثمان شبير: [يلاحظ من النصوص السابقة أن الاعتداء على الزوائد لا يوجب دية على المعتدي، لأنه لم يذهب منفعة ولا جمالا، وإنما وجبت عليه الحكومة لقطعها من دون إذن صاحبها، ولو قطعها بإذنه، أو إذن وليه لا شيء عليه] (٤). واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: أن بقاء هذه الزوائد فيه عيب وشين للخلقة، والله يأمر الإنسان بالجمال. ويناقش: بأن الخلاف في الزوائد التي لا تأثير عليها في التشويه ولا إعاقة العمل، وما كان فيه شيء من ذلك فقد سبق في المسألة الأولى جواز القطع. الدليل الثاني: أن الفقهاء قرروا في الأصبع الزائدة حكومة (٥) ولم يعتبروا فيها القصاص. وجه الدلالة: أنها لو كانت معتبرة لوجب فيها القصاص، ولما كانت زائدة قدرت فيها الحكومة. ويناقش: بأن في اعتبار الحكومة لها إثباتا لحرمتها، ولو لم يكن لها حرمة لتم إسقاط حقها بالكلية. والراجح _ والله أعلم _ القول الأول بالمنع وذلك لما يلي: أن بقاءها ليس فيه ضرر، لا جسدي، ولا معنوي، ولا إيلام، ولا تشويه.

стр. 45

أن جراحة التجميل من التغيير المنهي عنه. أن جراحة التجميل قد تغير الحقائق والواقع، فتدخل بالتحريم من باب التزوير، والتدليس. المطلب الثامن: حكم بيع أجزاء الإنسان (١). تحرير محل النزاع: أعضاء جسد الإنسان تختلف أهميتها باختلاف وظائفها، كما أن بعضها يترتب على استئصاله فقدان الحياة كالقلب، وبعض الأعضاء قد يعيش الإنسان بوجود عضو واحد منه كالكلية، فما يترتب عليه فقدان الحياة لا يجوز بيعه، ولا يجوز التبرع به، أما ما قد يعيش الإنسان بوجود عضو منه فإن الخلاف قائم بين العلماء، وسبب الخلاف يرجع للأسباب التالية: أولا: عدم وجود النص الصحيح الصريح في حرمة بيع الأعضاء. ثانيا: اختلاف الفتوى باختلاف الزمان، فكان في الزمن السابق لا توجد الأجهزة الطبية الحديثة والمتطورة بهذا الشكل الموجود، حيث أصبح في الوقت الراهن نسبة الخطر بالنسبة للمأخوذ منه العضو قليلة، أو قد لا توجد، ونسبة نجاح العملية في جانب المزروع فيه عالية جدا (٢). القول الأول: بعدم الجواز وبه قال الأحناف، والشافعية (٣)، وممن اختار هذا القول الشنقيطي، وعلي القره داغي، وابن عثيمين، والدكتور يوسف الأحمد (٤)،

стр. 46

وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي، وقرار المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، وقرار منظمة الصحة العالمية التابعة لهيئة الأمم المتحدة (١). قال في المبسوط (٢): [ … ثم لأجزاء الآدمي من الحُكم ما لعينه، ألا ترى أن شعر الآدمي لا ينتفع به إكراما للآدمي، بخلاف سائر الحيوانات]. وقال القرافي في الفروق (٣): [وحرم الله القتل والجرح، صوناً لمهجته، وأعضائه، ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك، لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه]. قال النووي (٤): [وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئا، ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف، صرح به إمام الحرمين، والأصحاب]. واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٥)، وجه الدلالة: أن بيع الأعضاء مخالف للتكريم الذي جاءت به الشريعة، وفيه امتهان وابتذال. قال في بدائع الصنائع (٦): [وأما عظم الآدمي وشعره، فلا يجوز بيعه لا لنجاسته؛ لأنه طاهر في الصحيح من الرواية لكن احتراما له والابتذال بالبيع يشعر بالإهانة].

стр. 47

ويناقش: بأن بيع الأعضاء يكون فيه الامتهان إذا كان بقصد التجارة والتكسب، وأما إذا كان لغرض إنقاذ إنسان فهو لا يتعارض مع التكريم للإنسان. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله خلق الإنسان في أحسن صورة وجعل لكل عضو وظيفة في جسم الإنسان، وبيعها تعطيل لهذه الوظيفة. ويناقش: بعدم التسليم لتعطيل وظيفة العضو، فإن من إحسان خلق الله وقدرته أن جعل الإنسان يستطيع الحياة بعضو واحد من الأعضاء المتكررة في الجسم مثل العين، أو الكلية. الدليل الثالث: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قَالَ اللَّهُ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» (٢). وجه الدلالة: الحديث فيه دلالة على تحريم بيع الحر، وإذا حرم بيع الكل حرم بيع الجزء. الدليل الرابع: أن أعضاء الجسم ليست مالا، وليست ملكا للإنسان، فلا يصح تصرفه فيها، ومن شروط صحة البيع أن يكون البائع مالكا للمبيع وتحت تصرفه (٣)، وقد نقل ابن حزم اتفاق الفقهاء على ذلك فقال: [واتفقوا أن بيع المرء مالا يملك، ولم يجزه مالكه ولم يكن البائع حاكما ولا متنصفا من حق له، أو لغيره، أو مجتهدا في مال قد يئس من ربه، فانه باطل] (٤).

стр. 48

وكما قال القرافي: (أن ما هو حق لله تعالى صِرف لا يتمكن العباد من إسقاطه والإبراء منه، بل ذلك يرجع إلى صاحب الشرع) (١). الدليل الخامس: أن القول بالجواز يترتب عليه آثار سلبية، ومفاسد متنوعة، من الاتجار بالأعضاء من قبل الفقراء، أو قد يؤدي إلى هلاك ووفاة البائع لأحد أعضائه، فقد يتعطل العضو الباقي بعد فترة، وقد لا تنجح عملية الزرع وغيرها من الآثار المحتملة، والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) (٢)، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح وهي قاعدة فقهية شرعية (٣). القول الثاني: بالجواز وممن قال به الدكتور مختار المهدي (٤)، والدكتور: محمد نعيم ياسين (٥)، وبعض المراكز الطبية (٦)، واستدلوا بما يلي: الدليل الأول: أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد نص صريح على حرمة البيع فيبقى على الأصل. ويناقش: أن الأدلة ثابتة، كما في الأدلة السابقة في أدلة القول الأول. الدليل الثاني: القاعدة الفقهية (الضرورات تبيح المحرمات). وجه الدلالة: أنه يجوز للإنسان أن يتصرف ببيع أحد أعضائه، عند الحاجة للمال. ويناقش: بالقاعدة الفقهية (الضرر لا يزال بالضرر) وهي ضابطة للقاعدة التي استدللتم بها، والتصرف يكون في حدود ما أحل الله، ولا يتعداه إلى غيره (٧).

стр. 49

الدليل الثالث: القياس من عدة وجوه منها: الوجه الأول: القياس على جواز بيع لبن، وحليب الأدميات، وقد نص فقهاء الشافعية، والحنابلة على ذلك (١). قال في الحاوي الكبير (٢): [ولبن الآدميات عندنا طاهر، وشربه حلال، وبيعه جائز]. وجه الدلالة: أنه إذا جاز بيع اللبن، وهو جزء من الآدمي، فيجوز بيع غيره من الأعضاء. ويناقش: بأن هذا قياس غير معتبر لوجود الفارق، فإن اللبن والحليب متجدد، وبقاؤه فيه ضرر على جسم المرأة وصحتها، بخلاف العضو، وقد ذكر الشوكاني أن هذا من الأمور المقطوع بها فقال: [تحريم هذا (أي بيع الحر) من قطعيات الشريعة، وإجماع أهل الإسلام على التحريم معلوم، ولا يحتاج إلى الاستدلال على مثله] (٣). الوجه الثاني: القياس على جواز بيع الأمة، والعبد فإذا جاز بيع الكل، جاز بيع البعض من باب أولى. ويناقش: بأن الإسلام يتشوف للحرية والإعتاق، لذا جاءت الشريعة بإكرام الرقيق، وعدم تكليفه مالا يطيق، ورتب على إعتاقه العتق من النار كما قال ﷺ : (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» (٤). الوجه الثالث: القياس على جواز بيع المصحف، وليست أعضاء الإنسان بأعظم حرمة منه.

стр. 50

الوجه الرابع: القياس على الجواز بالتبرع، فإذا جاز التبرع وهو نوع تصرف بالعضو جاز البيع. الدليل الثالث: أن الإسلام جاء بحفظ النفس البشرية من الهلاك، فيتطلب القول بالجواز، خاصة إذا لم يوجد من يتبرع بالعضو، والقواعد الشرعية الفقهية تؤيد ذلك كما في قاعدة المشقة تجلب التيسير، وقاعدة ارتكاب أخف الضررين، وقاعدة الضرورة تقدر بقدرها، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات (١). الترجيح: الراجح _ والله تعالى أعلم _ القول بعدم الجواز للأسباب التالية: قوة أدلة القائلين بالمنع، مع ما ورد على أدلة القائلين من مناقشة. تمشي القول بالمنع مع روح الشريعة ومقاصدها من حفظ النفس البشرية، وكرامة الإنسان، وعدم ابتذاله. أن القول بالجواز قد يسبب زعزعة الأمن، وعدم الاستقرار من جراء الاعتداء على الأنفس، وبيع أعضائها.

стр. 51

(الخاتمة وفيها أهم نتائج البحث) تم بحمد الله وتيسيره هذا البحث المختصر، ولقد استفدت من كلام الفقهاء، وأهل الاختصاص في الجانب الطبي الشيء الكثير وتوصلت إلى بعض النتائج لعل من أهمها ما يلي: (١) تكريم الله لبني آدم عموما، وكرامة المؤمن عند الله تعالى على وجه الخصوص. (٢) أجزاء وأعضاء الإنسان المنفصلة عموما طاهرة على القول الراجح. (٣) لا يصلى على العضو المبتور إن كان صاحبه حيا. (٤) لا يصلى على العضو المبتور إن كان صاحبه قد صلي عليه، ولكن يغسل، ويدفن. (٥) يصلى على الجزء المنقطع إن لم يصل على ذات الشخص لفقده، أو تمزقه. (٦) لا يجوز زراعة عضو مقطوع في حد، أو قصاص على القول الراجح. (٧) جواز زراعة عضو مقطوع في غير حد، أو قصاص على القول الراجح. (٨) جواز بتر، وقطع الأعضاء الزائدة من باب الضرورة، والحاجة. (٩) لا يجوز بتر وقطع الأعضاء الزائدة من باب التحسين، والتجميل. (١٠) عدم جواز بيع الأعضاء على القول الراجح. (١١) الشريعة جاءت بفعل الأسباب، ومن ذلك التداوي. (١٢) اشتمال القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية على أغلب مسائل البحث مثل: المشقة تجلب التيسير، وقاعدة ارتكاب أخف الضررين، وقاعدة الضرورة تقدر بقدرها، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. التوصيات: (١) اعداد مراكز متخصصة في الأجزاء المنفصلة من جسم الأنسان في المستشفيات والمراكز الصحية، للمحافظة عليها، وبيان الحكم الشرعي المتعلق بها.