← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 10424

الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين دراسة على ألفية بن مالك

إبراهيم بن صالح الحندود

Полный текст (179 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال المرادي: "وفي عبارته هنا قصور حيث قال: "فاتحاً"، بل الصواب: على ما ينصب به ... ، ولو قال وركب المفرد كالنصب لأجاد"١. والقصور الذي أشار إليه المرادي حاصل من عدم شمول عبارة الناظم المثنى وجمع المذكر السالم، لأنهما يُبنيان على الياء، وكذا جمع المؤنث السالم لبنائه على الكسر. كذلك لم أُعْن بما يحتمل وجهين أحدهما ضرورة، فإذا حُمل على الآخر لم يعد كذلك، كقوله في باب "الابتداء": وبعد " لولا " غالباً حذفُ الخبرْ ... حتمٌ، وفي نصِّ يمينٍ ذا استقرْ٢ فقوله: "استقر" في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله: "ذا"، وإظهار "استقرَّ" هنا للضرورة ٣، كما في قول الشاعر٤: لكَ العِزُّ إنْ مولاك عزَّ وإن يَهُنْ ... فأنت لدى بحبوحةِ الهونِ كائنُ ٥

стр. 37

أعرب المكودي قوله: "اعتقد" معطوفاً على "يجب"، وجاز عطف الفعل "اعتقد" - مع كونه طلباً - على الفعل "يجب" مع كونه خبراً، لأن يجب في معنى أوجب١. وألزمه الأزهري حذف الجواب مع كون الشرط مضارعاً، ووقوع ما هو بمعنى الطلب خبراً، والأول ممتنع إلا في الضرورة، والآخر خلاف الأكثر. قال: ولو جعل "يجب" جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ لسلم من هذا. وعطفُ الإنشاء على الأخبار أجازه الصفار٢ (٦٣هـ) وجماعة٣، ومنعه ابن مالك في شرح التسهيل٤ تبعاً للبيانيين٥. وقال في باب "جمع التكسير": وزائدَ العادي الرباعي احذفْهُ ما ... لم يكُ ليناً إثرَهُ اللَّذ خَتَما٦ فقوله: "اللَّذْ" لغة في "الذي" وهو مبتدأ مؤخر، وجملة "ختما" إمّا أن يكون الفعل فيها مبنياً للمفعول فتكون الجملة صلة المصول، والعائد محذوف مجرور بالباء - وإن لم تتوافر شروط الحذف - للضرورة، والتقدير: خُتم به٧.

стр. 38

وإما أن يكون الفعل مبنياً للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر راجع إلى الحرف الذي ختم الكلمة وعلى هذا لا إشكال ولا ضرورة. قال المكودي - معرباً على البناء للفاعل -: "ومفعول "ختَم" محذوف، والتقدير: ما لم يكن الزائد ليناً الذي ختم الكلمة بعده"١. أما التجاوزات الإعرابية فهي محل التطبيق في هذا البحث. ولست أزعم أني استقصيت جميع الضرائر التي لجأ إليها الناظم في منظومته ولكن حسبي أني اجتهدت في حصرها أو حصر معظمها على أقل تقدير. وحاولت قدر الإمكان تقديم هذه الضرائر مراعياً باب المسألة النحوية محل الدراسة، دون النظر إلى ترتيب البيت في الألفية، إذ لو راعيتُ ذلك لترتب عليه فصلٌ بين الضرائر المتشابهة، من قبل أن الضرورة الواحدة قد ترد في أكثر من موضع من الألفية. ثم إن مراعاة ترتيب أبيات الألفية لا ينبني عليه كبير فائدة. وبعد: فدونك هذه الضرائر أو التجاوزات التي وقعت للناظم في ألفيته:

стр. 39

الضرورات الشعرية في ألفية ابن مالك مدخل ... لكونه كوناً مطلقاً. ويمكن حمل بيت الألفية على وجه آخرَ هو أن يراد بالاستقرار الثبوت، وكذا يحمل الكون في قول الشاعر على الثبوت وعدم التزلزل والانفكاك فيصير كوناً خاصاً ويخرج من بيت الضرورة، لأنه حينئذٍ يجوز ذكره، وحذفه. ونظير هذا ما قاله أبو البقاء العكبري١ وغيره٢ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ ٣: إن الاستقرار في الآية معناه الثبوت، وعدم التحرك، لا مطلق الوجود والحصول، فهو كون خاص٤. وقال في باب "لا النافية للجنس": ومفرداً نعتاً لمبنيٍّ يلي ... فافتح أوِ انصبَنْ أو ارفع تَعْدِلِِ٥ فإن قوله: "ومفرداً نعتاً" مفعول مقدم لقوله: "افتح أو انصب أو ارفع" من باب التنازع مع تأخر العوامل. وقد قدَّم "مفرداً" على "نعتاً" وحقه التأخير، لأنه وصف له لأجل الضرورة. ويجوز نصبه - أعني "مفرداً" - على الحالية، لأنه وصفٌ لنكرة تقدم عليها٦. وعليه فلا ضرورة في البيت. وقال في باب "المفعول معه": والنصبُ إنْ لم يجزِ العطفُ يجب ... أو اعتقد إضمارَ عاملٍ تُصِبْ٧

стр. 40

خبر "كان" إذا كان ضميراً بين الاتصال، والانفصال: إذا كان خبر "كان" ضميراً فإنه يجوز اتصاله، وانفصاله عند عامة النحويين، ولكن اختُلف في المختار منهما، حيث اختار سيبويه الانفصال نحو: كان زيد إياك وكنتُ إياك١.

стр. 41

قال عمر بن أبي ربيعة: لئن كان إياهُ لقد حال بعدنا ... عن العهد والإنسانُ قد يتغيَّرُ١ كما اختاره - أيضاً - ابنُ يعيش٢ (٦٤٣هـ) وابن عصفور٣: وإنما كان المختار الانفصال، لأنه في الأصل خبر المبتدأ، فكما أن خبر المبتدأ منفصل من المبتدأ فكذلك هو في هذا الباب٤. وذهب الرماني (٣٨٤هـ) وأبو الحسين بن الطراوة (٥٢٨هـ) إلى أن الاتصال هو الأفصح والمختار٥. ووافقهما ابن مالك وابنه بدر الدين٦ (٦٨٦هـ) . قال ابن مالك: وصِل أو افصل هاءَ سلنيهِ وما ... أشبهه، في كنتُه الخلفُ انتمى كذاك خلتنيه، واتصالا ... أختارُ. غيري اختار الانفصالا ٧ وجاء موجبُ هذا الاختيار عند ابن مالك مُوضَّحاً في شرح الكافية الشافية حيث قال في نحو: "الصديق كنته":

стр. 42

"حقُّ هذا أن يمتنع انفصاله لشبهه بهاء "ضربته" ولكنه نُقل فقُبل، وبقي الاتصال راجحاً لوجهين: أحدهما: الشبه بما يجب اتصاله، وإذا لم يساوه في الوجوب فلا أقل من الترجيح. الثاني: أن الانفصال لم يرد إلاَّ في الشعر، والاتصال وارد في أفصح النثر كقول النبي ﷺ لعمر ﵁ في ابن صياد: "إن يكنه فلن تسلط عليه، وإلاَّ يكنه فلا خير لك في قتله" ١، وكقول بعض فصحاء العرب٢: "عليه رجلاً ليسني"٣. ومع اختيار الناظم للاتصال -كما سبق- فقد عدل عنه لضرورة الشعر إلى الانفصال. قال في باب "الابتداء" - وهو يتحدث عن الجملة الواقعة خبراً عن المبتدأ إذا كانت هي المبتدأ في المعنى -: وإنْ تكنْ إياه معنًى اكتفى ... بها كنطقي الله حسبي وكفى ٤

стр. 43

الإظهار في موضع الإضمار: قال ابن مالك في باب "إنَّ" وأخواتها: وإنْ تُخَفَّفْ أنَّ فاسمها استكنْ ... والخبرَ اجعل جملةً من بعدِ أنْ ١

стр. 44

ففي البيت الثاني إظهارٌ في موضع الإضمار للضرورة. والقياس: من بعدها١. فإن بعض النحويين يرى أن الاسم إذا احتيج إلى ذكره ثانيةً في جملة واحدة كان الاختيار أن يذكر ضميره كقولك: "زيدٌ أكرمته"، فلو أعدت لفظه بعينه موضع ضميره فقلت: "زيدٌ أكرمتُ زيداً" كان ضعيفاً ووجه الكلام على خلافه. وإنما كان اختيار الضمير دون الاسم الظاهر، لأنه أخف، وأبعد عن الشبهة واللبس. فإذا أعيد ذكر الاسم الظاهر في جملة أخرى جاز وحسن نحو: مررتُ بزيدٍ وزيدٌ رجلٌ فاضلٌ٢. قال سيبويه: " وتقول: "ما زيدٌ ذاهباً ولا محسنٌ زيدٌ" الرفع أجود وإن كنت تريد الأول، لأنك لو قلت: ما زيدٌ منطلقاً زيدٌ لم يكن حدَّ الكلام، وكان هاهنا ضعيفاً، ولم يكن كقولك: ما زيدٌ منطلقاً هو، لأنك قد استغنيت عن إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تضمره، ألا ترى أنك لو قلت: ما زيدٌ منطلقاً أبو زيد لم يكن كقولك: ما زيد منطلقاً أبوه، لأنك قد استغنيت عن الإظهار. فلما كان كذلك أجرى مجرى الأجنبي، واستؤنف على حاله حيث كان هذا ضعيفاً، وقد يجوز أن تنصب. قال الشاعر، وهو سوادة بن عدي٣:

стр. 45

لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ ... نغَّصَ الموتُ ذا الغنى والفقيرا ١ فأعاد الإظهار"٢. وكان الوجه أن يقول: لا أرى الموت يسبقه شيء، ولكنه أظهر الضمير. فسيبويه يختار - عند إعادة الاسم الظاهر – الرفعَ، لأن العرب لا تعيد لفظ الظاهر إلاّ أن تكون الجملة الأولى غير الثانية، فتكون الثانية ابتدائيةً كقولك: زيدٌ أكرمته وزيدٌ أحببته، إذ إنه بالإمكان الوقف على الجملة الأولى ثم الابتداء بالأخرى بعد ذكر رجل غير زيد. فلو قيل: زيد أكرمته وهو أحببته لجاز أن يُتوهم الضميرُ لغير زيد. فإذا أُعيد باسمه الظاهر انتفى التوهم. أما مع إعادته مضمراً في الجملة الواحدة نحو: زيد أكرمته فإنه لا يتوهم عود الضمير لغيره، إذ لا تقول، زيدٌ أكرمت عمراً٣. ونصَّ بعضهم كأبي عبد الله القيرواني صاحب ضرائر الشعر٤، ومكي ابن أبي طالب٥ (٤٣٧هـ) ، والأعلم٦ على أنه لا يجوز الإظهار في موضع الإضمار إلا في الشعر، كقول الفرزدق: لعمرك ما معنٌ بتاركِ حقِّهِ ... ولا منسىءٌ معنٌ ولا متيسِّرُ٧

стр. 46

فـ "معن" الثاني هو "معن" الأول. وكان القياس أن يأتي بضميره فيقول: ولا منسىء ولا متيسر. ويرى قوم أنه يجوز ي الشعر وغيره. قال مكي: وفيه نظر١. ويرىآخرون أنه لا يجوز مطلقاً لا في ضرورة ولا في اختيار. واستثنوا من ذلك ما إذا كان اسماً للجنس، أو أريد به تفخيم الأمر وتعظيمه فإن في ذلك فائدة كقوله : ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ ٢، و ﴿القارِعَةُ ما القارِعَةُ﴾ ٣، فلولا ما أُريد به من معنى التعظيم والتفخيم لقيل - والله أعلم-: الحاقةُ ما هي، والقارعةُ ما هي٤. وكقوله سبحانه: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها وأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَها﴾ ٥ فأعاد الظاهر ولم يضمره. ومنه قول الشاعر: لا أرى الموتَ يسبقَُ الموتَ شيىءٌ لأن الموت اسم جنس بمنزلة الأرض، فإذا أُعيد مظهراً لم يُتوهم أنه اسم لشيء آخر كما يتوهم في زيد ونحوه من الأسماء المشتركة٦.

стр. 47

والراجح أن الإظهار في موضع الإضمار لا يجوز إذا كان ذلك في جملة واحدة نحو: زيدٌ أكرمت زيداً، إلا في الضرورة، لكون الإضمار أخفَّ وأبعد عن الشبهة واللبس. فإذا أعيد في جملة أخرى، أو قصد به التفخيم، والتعظيم حَسُن.

стр. 48

حذف العائد المجرور مع اختلاف متعلق الجارين: من المعلوم أنه يجوز حذف العائد المجرور بحرف جرٍّ إنْ جَرَّ الموصولَ حرف مثله مع اتفاق متعلقي الحرفين لفظاً ومعنى، أو المضاف إلى الموصول، أو الموصوف بالموصول نحو: مررت بالذي مررت به، أو بغلام الذي مررت به، أو بالرجل الذي مررت به، فيجوز حذف "به" هاهنا١. قال ابن مالك: كذا الذي جُرَّ بما الموصولَ جَرّْ ... كمُرَّ بالذي مررتُ فهو بَرّْ٢ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا هَذا إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُم يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ ٣. فالموصول وهو "ما" مجرور بـ"مِنْ" التبعيضية، وهي متعلقة بقوله: "يشرب" قبلها، والعائد المحذوف مجرور بـ"مِنْ" التبعيضية وهي متعلقة بقوله "تشربون"، والتقدير: ويشرب من الذي تشربون منه. فاتفق الحرفان لفظاً ومعنى ومتعلقاً٤.

стр. 49

فالعائد المجرور يجوز حذفه عند الجمهور بشروط ثلاثة: الأول: أن ينجرّ الموصول بمثل الحرف الجار للعائد لفظاً، فإذا اختلفا لفظاً لم يجز الحذف نحو: حللت في الذي حللت به. الثاني: أن يتفق الحرفان معنى، فإذا اختلفا لم يجز الحذف نحو: مررت بالذي مررت به، مريداً بإحدى البائين السببية، والأخرى الإلصاق. الثالث: أن يتفقا متعلقاً، فلو اختلف المتعلق لم يجز الحذف نحو: سررت بالذي مررت به١. قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: "وإن جُرَّ العائد بحرف وجُرَّ الموصول بمثله لفظاً ومعنىً جاز حذف العائد نحو: مررتُ بالذي مررت. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تّشْرَبُونَ﴾ ٢ أي: مما تشربون منه ... وكذلك يجوز حذف العائد المجرور بحرفٍ جُرَّ بمثله موصوف بالموصول أو عائد عليه بعد الصلة٣. فإذا خلا العائد المجرور مما شُرط لم يجز حذفه عند الجمهور إلا ضرورة أو شذوذاً. كقول الشاعر٤: وإنَّ لساني شُهدةٌ يُشتفى بها ... وهُوَّ على من صبَّه الله علقمُ٥

стр. 50

أراد: من صبه الله عليه، فحذف العائد المجرور بـ"على" مع اختلاف المتعلق. والمتعلقان هما: "صَبَّ" و"علقم". فـ"على" المحذوفة متعلقة بـ"صبَّه" والمذكورة متعلقة بـ"علقم" لتأوله بصعب أو شاق أو شديد، فاختلف متعلقا جارِّ الموصول وجارِّ العائد١. وابن مالك لا يتفق مع الجمهور في عدِّ مثل هذا ضرورةً أو نادراً، بل يعدُّه قليلا٢. ولعله لما كان عنده كذلك - أي قليل وليس شاذاً أو ضرورةً كما يقول الجمهور - وقع له شئ من ذلك في الألفية، حيث قال في باب "الندبة": ويُندبُ الموصولُ بالذي اشتَهَرْ ... كـ"بئرَ زمزمٍ" يلي وامَنْ حَفَرْ٣ فقوله: "اشتهر" صلة "الذي" والعائد ضمير محذوف مجرور بحرف جُرَّ الموصولُ بمثله غير أن متعلقي الجارين مختلفان، والتقدير: ويُندب الموصول بالوصف الذي اشتهر به٤.

стр. 51

وقال في باب "تثنية المقصور والممدود وجمعهما جمعاً تصحيحاً": والسالمَ العينِ الثلاثي اسماً أنِلْ ... إتباعَ عينٍ فاءه بما شُكلْ١ فجملة "شُكل" لا محل لها صلة الموصول المجرور محلاً بالباء، والعائد ضمير محذوف مجرور بباء أخرى. ومتى اختلف متعلق الجارين: "الذي جَرَّ الموصول والذي جر العائد فالحذف شاذ أو ضرورة عند الجمهور٢. وجائز بقلة عند ابن مالك كما تقدم. وما ذهب إليه ابن مالك هو الراجح عندي. فهو قليل لا ممتنع. وقد أورد ابن مالك جملة من الشواهد على ذلك غير البيت المستشهد به هاهنا تدل على أن المسألة ليست شاذة أو ضرورة، بل ليست نادرة٣.

стр. 52

تقديم معمول الصلة على الموصول: قال ابن مالك في باب "إن" وأخواتها: ولا يلي ذي اللامَ ما قد نُفيا ... ولا من الأفعال ما كرضيا ١ قال الأزهري: "كرضيا: في موضع صلة "ما" الثانية، والألف للإطلاق، وتقدير البيت: ولا يلي الخبر الذي قد نفي ولا الخبرُ الذي كرضي حال كونه

стр. 53

من الأفعال هذه اللامَ. ففيه تقديم معمول الصلة على الموصول وذلك جائز في الشعر"١. قلت: اختلف النحاة في تقديم معمول الصلة على الموصول. فجمهور البصريين على منع تقديم شئ من الصلة على الموصول مطلقاً، سواء كان الموصول اسماً أو حرفاً. فإن جاء ما ظاهره كذلك أوَّلوه٢. وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك مطلقاً٣. وأجاز بعض البصريين تقدم المتعلق بالصلة على الموصول إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً مطلقاً٤ وجعله متعلقاً بالصلة نفسها، لأن العرب تتسع في الظروف والمجرورات ما لا تتسع في غيرها من الفضلات، لكثرة دورانهما في الكلام٥. وذهب ابن الحاجب (٦٤٦هـ) إلى جواز تقديم معمول الصلة على الموصول مع "أل" خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدينَ﴾ ٦، ومنعه فيما عدا ذلك٧. وهو قريبٌ من رأي ابن مالك في شرح التسهيل إلاَّ أنَّ ابن مالك جعل التقدم مع "أل" مطرداً إذا كانت مجرورة بـ"مِنْ" التبعيضية كالآية السابقة، ومَنَعَ التقدم في غير "أل" مطلقاً، ومعها إذا لم تجرَّ بـ"من"٨. ١ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب ٣٥، ٣٦. ٢ انظر: الأصول ٢/٢٢٣، ٢٢٤، المسائل البغداديات ٥٥٨، اللامات ٥٨، البحر المحيط ١/٣٩٥، الهمع ١/٣٠٤، ٣٠٥، أمالي ابن الحاجب ١/١٥٢، ١٥٣. ٣ انظر: الارتشاف ١/٥٥٣، الدر المصون ٥/٢٧٩. ٤ انظر: الدر المصون ٥/٢٧٩. ٥ انظر: شرح الجمل ١/٥٥٥، الارتشاف ١/٥٥٣، الدر المصون ٥/٢٧٩. ٦ من الآية ٢٠ من سورة يوسف. ٧ انظر: الأمالي النحوية ١/١٥٢. ٨ انظر: شرح التسهيل ١/٢٣٧، ٢٣٨.

стр. 54

أما في شرح الكافية الشافية فقد قال: "لا تتقدم الصلة ولا شئ يتعلق بها ... فإن كان الموصولُ الألفَ واللام أو حرفاً مصدرياً لم يجز تقديم المعمول، لأن امتزاج الألف واللام والحرف المصدري بالعامل آكد من امتزاج غيرهما به"١ فلم يستثنِ ما إذا كانت "أل" مجرورة بـ"مِن" أو لا. وعلى هذا فإن قوله: ولا من الأفعال ما كرضيا جائز عند بعض البصريين لكون المعمول جاراً ومجروراً، وجائز عند الكوفيين دون النظر إلى هيئة المعمول. أما عند جمهور البصريين وابن الحاجب وابن مالك فلا يجوز إلا في الضرورة.

стр. 55

تقديم معمول خبر "ليس" عليها: اختلف في خبر "ليس": أيجوز تقدمه عليها أم لا؟ فذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز، لأن "ليس" فعل جامد فلا يجري مجرى المتصرف كما أجريت "كان" مجراه، لأنها متصرفة١. ولأنها في معنى "ما" في نفي الحال، وكما أن "ما" لا تتصرف ولا يتقدم معمولها عليها فكذلك "ليس"٢. وممن منع تقديم الخبر أبو سعيد السيرافي٣، والأنباري٤ (٥٧٧هـ) ، كما نُسب المنع إلى أبي العباس المبرد٥.

стр. 56

وذهب جمهور البصريين إلى جواز تقدمه. وكذا من المتأخرين أبو علي الفارسي١ (٣٧٧هـ) وابن جني٢، وابن بَرْهان٣ (٤٥٦هـ) وعبد القاهر الجرجاني٤ (٤٧١هـ) والزمحشري٥، وأبو البقاء العكبري٦ (٦١٦هـ) وابن عصفور٧. ومما احتج به أصحابُ هذا الرأي قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْروفاً عَنْهُمْ﴾ ٨، فقالوا: إن "يوم" معمول "مصروفاً" وتقديم المعمول يؤذن بتقدم العامل٩. أما ابن مالك فرأيه رأي الفريق الأول القائل بمنع تقديم خبر "ليس" عليها ١٠، وقال: لنا في الآية ثلاثة أجوبة: أحدها: أن "يوم" مرفوع بالابتداء، وإنما بني على الفتح لإضافته إلى الجملة وذلك سائغ مع المضارع كسوغه مع الماضي. الثاني: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل نحو: أمَّا زيداً فاضرب، فإنه لا يلزم من تقديم معمول الفعل بعد "أمَّا" تقديم الفعل.

стр. 57

الثالث: أن يكون "يوم" منصوباً بفعل مضمر، لأن قبله: ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ ، فـ ﴿يَوْمَ يَأْتيهمْ﴾ جواب، كأنه قيل: يعرفون يوم يأتيهم و ﴿لَيْسَ مَصْرُوفاً﴾ جملة حالية مؤكدة أوِّ مستأنفة١. إذاً: فإن ابن مالك يرى أنه لا يجوز تقديم خبر "ليس" عليها ولا معمول الخبر كما هو ظاهر كلامه وتخريجه للآية. ومع هذا فقد جاء في ألفيته ما يخالف هذا، حيث قال في باب "الوقف": والنقلُ إنْ يُعدم نظيرٌ ممتنعْ-وذاك في المهموز ليس يمتنعْ٢ فإن "ذاك" مبتدأ و"في المهموز" جار ومجرور متعلق بقوله: "يمتنع"، و"ليس" فعل ماض واسمها ضمير مستتر فيها، وجملة "يمتنع" خبرها. والجملة من "ليس" واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو اسم الإشارة "ذاك"، والتقدير: وذاك النقل ليس يمتنع في المهموز، فقدم معمول خبر "ليس" عليها وهو ممتنع عند الجمهور٣. - ومنهم ابن مالك - كما تقدم - وهذا ضرورة. قال الأزهري (٩٠٥هـ) : "إلا أن يقال بجوازه في الظروف على حَدِّ قوله تعالى: ﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ ٤"٥.

стр. 58

الفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي ... ومثل ذلك - بل أقبح منه - قول الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملكاً-أبو أمه حيٌّ أبوه يقاربه١ فحق الكلام وما ينبغي أن يكون عليه اللفظ: "وما مثله في الناس حيٌّ يقاربه إلاَّ أبو أمه أبوه". ففرَّق بين المبتدأ وخبره بما ليس منه، من قبل أن قوله: "أبو أمه أبوه" مبتدأ في موضع نعت المملك، ففرَّق بينهما بقوله: "حيٌّ" و"حيٌّ" خبر "ما"٢. وعليه فإن بيت ابن مالك السالف الذكر يُحمل على الضرورة التي ألجأته إلى ذلك كما ألجأته في غير هذا الموضع من الألفية.

стр. 59

تقديم معمول الفعل المؤكد بالنون: قال ابن مالك في باب "المعرب والمبني": والرفعَ والنصبَ اجعلَنْ إعرابا-لاسمٍ وفعلٍ نحو: لن أهابا١ أعرب بعضهم كلمة "الرفع" مفعولاً به مقدماً للفعل "اجعلن"٢.

стр. 60

وهو معترض بأن الفعل المؤكد بالنون لا يتقدم معموله عليه. وقد مشى الناظم على ذلك في عدة مواضع من الألفية، كقوله في باب "اسم الإشارة": وبهنا أو ههنا أشر إلى ... داني المكانِ وبِهِ الكافَ صلا ١ وقوله في "باب التمييز": والفاعلَ المعنى انصبن بأفعلا ... مفضِّلاً كأنت أعلى منزلا٢ -وقوله في باب "النائب عن الفاعل": وثالثَ الذي بهمز الوصلِ ... كالأول اجعلنَّه كاستُحلي٣ وقد حاول بعض المعربين التماس بعض التأويلات والتقديرات لتصحيح هذه المخالفة، كإعرابهم المعمول مفعولاً به لفعل محذوف يفسره الآتي المؤكد بالنون وهو "اجعلنْ" و "صلا" و "انصبن" و "اجعلنَّ" في الأبيات السابقة مع أن الفعل المؤكد بالنون لا يصلح أن يفسر عاملاً محذوفاً قبله، ولما في ذلك من تهافت بلاغي أيضاً٤. وقيل: إذا كان المعمول ظرفاً أو جاراً ومجروراً جاز تقديمه على عامله المؤكد بالنون دون غيرهما من المعمولات كقول ابن مالك: كالأول اجعلنَّه كاستُحلي بناءً على أنه يتوسع في شبه الجملة ما لا يتوسع في غيرها٥.

стр. 61

وهو غير بعيد لديَّ، غير أني أميل إلى عدم التعسف والتكلف، ويكفي القول بأن ضرورة النظم هي التي ألجأته إلى ارتكاب المخالفة كغيرها من الضرائر التي ارتكبها في الألفية والتي عرضت جزءاً منها، وسيأتي أمثلة لها أيضاً.

стр. 62

تقديم النائب عن الفاعل على الفعل: قال ابن مالك في باب "أفعل التفضيل": وما بِهِ إلى تعجبٍ وُصِلْ ... لمانعٍ به إلى التفضيل صِلْ١ أعرب المكودي (٨٠٧هـ) "ما" مبتدأ أو مفعولاً بفعل محذوف يفسره "صل " وهي موصولة، وصلتها: وصل به، و"به" متعلق بـ"وُصل"٢. فقوله: "و"به" الأول متعلق بـ"وُصل" فيه تقديم النائب عن الفاعل على مذهب الكوفيين. والبصريون يمنعونه. ويمكن تخريجه على مذهب البصريين على أنه من الحذف والإيصال بأن يكون في "وُصِل" ضمير مستتر كان مجروراً بالباء، والأصل: وما به وصل به، ثم حذفت الباء واستتر الضمير"٣. قلت: هذه المسألة مبنيَّةٌ على مسألة الخلاف في تقديم الفاعل على الفعل وهي المثبتة في كتب النحو من قبل أن أحكام نائب الفاعل هي أحكام الفاعل التي منها وجوب تأخره عن المسند على مذهب البصريين.

стр. 63

وذهب بعض الكوفيين إلى جواز تقديم الفاعل مع بقاء فاعليته في سعة الكلام نحو: زيدٌ قام، تقديره: قام زيدٌ. وكذلك محمد قعد، وما أشبه ذلك١. ومما استدلوا به قول الزبَّاء٢: ما للجمالِ مشيُها وئيدا ... أجندلاً يحملنَ أم حديدا٣ قالوا: معناه وئيداً مشيها. ووجه الاستدلال أن "مشيها" روي مرفوعاً. ولا يجوز أن يكون مبتدأ، إذ لا خبر له في اللفظ إلا "وئيدا" وهو منصوب على الحال، فوجب أن يكون فاعلاً بوئيدا مقدماً عليه٤.

стр. 64

وهو عند البصريين ضرورة، والضرورة تبيح تقديم الفاعل على الفعل١. كما خرَّجه كثير من النحويين على أن "مشيُها" مبتدأ، والخبر محذوف، كأنه قال: ما للجمال مشيها ظهر وئيداً، أو ثبت وئيداً. ويكون حذف الخبر هنا والاكتفاء بالحال نظيرَ قولهم: "حكمك مسمَّطا"٢" فـ"حكمك" مبتدأ حذف خبره لسدّ الحال مسدَّه، أي: حكمك لك مثبتاً٣. كما خُرِّج على أن "مشيُها" بدل من الضمير في "للجمال" لأنه في موضع خبر المبتدأ الذي هو "ما"٤. والصحيح ما ذهب إليه جمهور النحويين - ومنهم ابن مالك - من أنه لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، لأننا إذا قلنا: زيدٌ ذهب فإن في "ذهب" ضميراً يُعرب فاعلاً، والفعل لا يرفع فاعلين في غير العطف نحو: ذهب زيدٌ وعمرو. ونحن إذا ما أظهرنا هذا الضمير بأن جعلنا في موضعه غيره تبيَّن ذلك كما في قولنا: زيدٌ ذهب أخوه. كما نقول: رأيت زيداً ذهب، فيدخل على الابتداء ما يزيله ويبقى الضمير على حاله٥. ولست أميل إلى أن قول الزباء من باب تقديم الفاعل على الفعل ضرورة، وذلك لتمكنها من النصب على المصدرية أو الجر على البدلية، كما يقول الأزهري٦.

стр. 65

وأقرب تأويل إلى نفسي أن يكون "مشيها" مبتدأ قد حذف خبره على نحو: "حكمك مسمطاً" كما تقدم١.

стр. 66

قلبُ المعنى: قال ابن مالك في باب "الابتداء": كذا إذا ما الفعلُ كان الخبرا ... أو قُصد استعمالُه منحصرا١ -قال الأزهري: "في هذا التركيب قلب ... ، لأن المحدث عنه الخبر، فكان حقه أن يقول: كذا إذا ما الخبرُ كان الفعلا وهو خاص بالشعر، وأصل التركيب: كذا إذا ما كان الخبر الفعل المسند إلى ضمير المبتدأ المفرد فامنع تقديمه على المبتدأ"٢. فإنه من المعلوم أن العرب بعامة مجمعون على رفع الفاعل ونصب المفعول إذا ذكر الفاعل، غير أنه قد ورد في الشعر شيء على جهة القلب، فصُيِّر المفعول فاعلاً والفاعل مفعولاً على التأويل٣. كقول الأخطل: مثل القنافذ هَّداجونَ قد بلغت ... نجرانَ أو بلغت سوءاتِهم هجرُ٤

стр. 67

أراد: بلغت نجرانَ سوءاتُهم أو هجرَ، وذلك وجه الكلام، لأن السوءات تنتقل من مكان فتبلغ مكاناً آخر، إلاَّ أنه قلب الفاعل فصار مفعولاً فجعل "هجر" كأنها هي البالغة وإنما هي المبلوغة في المعنى، لأن البلدان لا ينتقلن وإنما يُبلغنَ ولا يَبلغن ١. وأكثر ما يكون ذلك فيما لا يشكل معناه من الكلام ولم يدخله لبس كالبيت السابق٢. وقد اختلف العلماء في قلب الإعراب، فمنهم من أجازه في الضرورة مطلقاً، على تأويلٍ هو أن يضمَّن العامل معنًى يصح به. ومنهم من أجازه في الشعر وفي الكلام اتساعاً واتكالاً على فهم المعنى٣. وقد حكى أبو زيدِ الأنصاري (٢١٥هـ) : إذا طلعت الجوزاء انتصب العودُ في الحِرباء٤. يريد: انتصب الحرباء في العود٥.

стр. 68

وحكى أبو الحسن: عرضتُ الناقةَ على الحوضِ، وعرضتها على الماء. يراد: عرضتُ الماءَ والحوض عليها١. ومن كلامهم: إنَّ فلانةَ لتنوءُ بها عجيزتُها. يراد: لتنوءُ هي بعجيزتها٢ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَينْاهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولي القُوَّة﴾ ٣ فقد احتمله قوم على مثل هذا، وقالوا: إن المفاتيح لا تنوء بالعصبة، بل العصبة تنوء بها وتحملها في ثقل. وقيل: ليس الأمر كذلك بل الصواب أن الباء للنقل بمعنى الهمزة، فيكون معنى لتنوء بالعصبة: لتنوء العصبةُ. كما تقول: ذهب بزيدٍ وأذهبه، وكذلك: ناءَ به وأناءه. ومثله قولهم: لتنوء بها عجيزتها٤. وذهب ابن عصفور إلى أن القلب لا يجوز إلاَّ في الشعر، وأن ما جاء منه في الكلام قليلٌ لا يقاس عليه٥. وأورد ابن السراج القلبَ فيما جاء كالشاذ الذي لا يقاس عليه٦. والراجح لديَّ أنه يجوز في الشعر وفي سعة الكلام. لكنما المسألة تعود إلى القلة والكثرة، فيكثر القلب في الشعر ويقل في الكلام كما تقدم من الأمثلة التي حكاها أبوزيد وغيره، ولكن على شرط أن لا يشكل معناه. وعليه فالذي يظهر لي أن قول ابن مالك: كذا إذا ما الفعل كان الخبرا

стр. 69

لا بأس به، لكونه مما لا يلبس، ولوقوعه في الشعر الذي نصَّ العلماء على أن القلب فيه جائز.

стр. 70

تقديم المفعول له على عامله: الأصل في المفعول له أنه يجوز تقديمه على عامله نحو: مخافةَ شره جئته، لأن العامل متصرف في نفسه فيتصرف في معموله١. هذا إن لم يكن هناك مانع يمنع من ذلك. فإن كان هكذا امتنع تقديم المفعول له إلا على جهة الضرورة الشعرية. وممَّن نصّ على جواز تقديمه أبو حيان٢، والمرادي٣، والسيوطي٤، سواء كان المفعول له منصوباً أو مجروراً. وذهبت طائفة منها ثعلب إلى منع تقديم المفعول له على عامله٥. والسماع يرد عليهم، قال الشاعر: فما جَزَعاً وربِّ الناس أبكي-ولا حرصاً على الدنيا اعتراني ٦ فإن "جزعاً" مفعول له مقدم على عامله وهو "أبكي". وقد اضطر ابن مالك إلى تقديم المفعول له مع وجود المانع حين قال: فاجرره باللام وليس يمتنعْ مع الشروطِ كلزُهْدٍ ذا قَنِعْ٧.

стр. 71

فإن "ذا" اسم إشارة في محل رفع على الابتداء، وجملة "قَنِع" خبره. قال الأزهري: "وفيه تقديم المفعول له على عامله وما أظن أحداً يجيز مثل ذلك نثراً، لأن الخبر الفعلي لا يجوز تقديمه على المبتدأ فمعموله أولى. وقول بعض الشراح إن فيه إشعاراً بجواز تقديم المعمول له على عامله صحيح لكنه مشروطٌ بعدم المانع....والمانع هنا موجود كما ترى، وإنما يجوز ذلك أن لو قال: ذا لزهدٍ قنع. ولم أرَ أحداً تنبه لما قلناه في هذا المثال، بل حكموا فيه بالجواز مطلقاً، والظاهر وقفه على الضرورة"١. قيل: وقد وقف على كلام الأزهري غير واحد وسلَّمه٢.

стр. 72

خروج "سوى" عن الظرفية: ذهب سيبويه، وجمهور البصريين إلى أن "سوى" ظرف مكان ملازم للنصب على الظرفية لا يخرج عن ذلك إلاَّ في الشعر١. ومما احتج به هؤلاء الاستقراءُ، فإن العرب لم تستعمل "سوى" في اختيار الكلام إلا ظرفاً، وتُتأول في الموضع الذي وقعت فيه غير ظرف٢. واحتج سيبويه لهذا بعدم تصرفها، وعدم التصرف إنما يوجد في الظرف، وفي المصادر، وفي الأسماء المبهمة٣. كما احتج البصريون لملازمة "سوى" النصب على الظرفيةِ بأنها صفة ظرف في الأصل، والأولى في صفات الظروف إذا حذفت موصوفاتها النصب٤.

стр. 73

وذهب الكوفيون إلى أن "سوى" ترد بالوجهين، فتكون اسماً كـ"غير" وتكون ظرفاً، فليس خروجها عن الظرفية، مقصوراً على الضرورة الشعرية١. وذهب الزجاجي٢ (٣٤٠هـ) وابن مالك إلى أن "سوى" كـ"غير" تصرفاً ومعنى، فيقال: "جاءني سواك" بالرفع على الفاعلية، و"رأيت سواك" بالنصب على المفعولية، و" ما جاءني أحد سواك" بالنصب والرفع. كما ذهب إلى هذا أيضاً ابن الناظم٣ ورجحه ابن هشام٤. وأورد ابن مالك في شرح التسهيل، وشرح الكافية الشافية طائفةً من الشواهد النثرية، والشعرية الدالة على تصرفها٥. وذهب الرماني٦ والعكبري٧ إلى أن "سوى" تستعمل ظرفاً غالباً وكـ"غير" قليلاً، وإلى هذا ذهب المرادي٨ وابن هشام٩، ورجحه الأشموني ١٠ (٩٠٠هـ) . وقد استعملها ابن مالك غير ظرف في باب "العلم" حيث قال: واسماً أتى وكنيةً ولقبا ... وأخرن ذا إن سواه صحبا ١١

стр. 74

فـ"سواه" مفعول به مقدم لـ"صحب". كما استعملها غير ظرف في باب "اسم الإشارة" إذ قال: وذانِ تانِ للمثنى المرتفع ... وفي سواه ذَيْنِ تَيْنِ اذكر تَطع١ حيث جرّ "سوى"، لأنها عنده متصرفة٢.

стр. 75

مجيء الحال من المبتدأ: قال ابن مالك في باب " عطف النسق ": فالعطفُ مطلقاً بواوٍ ثم -حتى أم أو كفيك صدقٌ ووفا١ فقوله: "العطف" مبتدأ وخبره "بواو" وما بعده. و"مطلقاً" حال من العطف. قاله المكودي٢. فقوله: "ومطلقاً حال من العطف" فيه إتيان الحال من المبتدأ وهو ضعيف. وقيل: حال من الضمير المستتر في الخبر. وجاء تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه؛ لأن ذلك مغتفر في النظم. على أن الأخفش، والناظم أجازاه قياساً٣. قلت: ستأتي قريباً مسألة تقديم الحال على عاملها الظرفي. وسأناقش - هاهنا - مسألة إتيان الحال من المبتدأ. فأقول:
следующие страницы →