← Адаб

Адаб · id 10428

الرسائل للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (1 368 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[رسائل الجاحظ]ـ المؤلف: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: ٢٥٥هـ) تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة عام النشر: ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م عدد الأجزاء: ٤ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الجزء الأول الرسالة الأولى مناقب الترك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلح على يديك، وجعلنا وإياك ممن يقول بالحق ويعمل به، ويؤثره ويحتمل ما فيه مما قد يصده عنه، ولا يكون حظه منه الوصف له والمعرفة به، دون الحث عليه والانقطاع إليه وكشف القناع فيه وإيصاله إلى أهله، والصبر على المحافظة في ألا يصل إلى غيرهم، والتثبت في تحقيقه لديهم، فإن الله تعالى لم يعلم الناس ليكونوا عالمين دون أن يكونوا عاملين، بل علمهم ليعملوا، وبين لهم ليتقوا التورط في وسط الخوف، والوقوع في المضار، والتوسط في المهالك. فذلك طلب الناس التبيّن، ولحب السلامة من الهلكة، والرغبة في المنفعة، احتملوا ثقل العلم، وتعجلوا مكروه المعاناة. ولقلة العاملين وكثرة الواصفين قال الأولون: العارفون أكثر من الواصفين، والواصفون أكثر من العاملين. وإنما كثرت الصفات وقلت المواصفات، لأن ثواب العمل مؤجل، واحتمال ما فيه معجل.

стр. 3

وقد أعجبني ما رأيت من شغفك بطاعة إمامك، والمحاماة لتدبير خليفتك، وإشفاقك من كل خلل وخلة دخل على ملكه وإن دق، ونال سلطانه وإن صغر، ومن كل أمر خالفه وإن خفي مكانه، وجانب رضاه وإن قل ضرره؛ ومن تخوفك أن يجد المتأوِّل إليه طريقاً والعدو عليه متعلقاً؛ فإن السلطان لا يخلوا من متأول ناقم، ومن محكوم عليه ساخط، ومن معدول عن الحكم زارٍ، ومن متعطل متصفح، ومن معجبٍ برأيه ذي خطلٍ في بيانه، مولع بتهجين الصواب، وبالاعتراض على التدبير، حتى كأنه رائدٌ لجميع الأمة، ووكيل لسكان جميع المملكة؛ يضع نفسه في موضع الرقباء، وفي موضع التصفح على الخلفاء والوزراء؛ لا يعذر وإن كان مجاز العذر واضحاً، ولا يقف فيما يكون الشك محتملاً، ولا يصدق بأن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وأنه لا يعرف مصادر الرأي من لم يشهد موارده، ومستدبره من لم يعرف مستقبله. ومن محروم قد أضغنه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان. ومن مستبطئٍٍ قد أخذ أضعاف حقه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذراعه وقلة شكره، يظن أن الذي بقي له أكثر، وأن حقه أوجب. ومن مستزيدٍ

стр. 4

لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده، ونعمه السالفة عليه، لكان لذلك أهلاً، وله مستحقاً. قد غره الإملاء، وأبطره دوام الكفاية، وأفسده طول الفراغ. ومن صاحب فتنةٍ خاملٍ في الجماعة، رئيس في الفرقة، نعاق في الهرج، قد أقصاه السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب، وأذله الحكم بالحق، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع، ولا يتشفى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلا إلى الأماني، ولا يأنس إلا بكل مرجفٍ كذاب، ومفتون مرتاب، وخارصٍ لا خير فيه، وخالفٍ لا غناء عنده، يريد أن يسوَّى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة، لأمرٍ ما سلف له، ولإحسانٍ كان من غيره، وليس ممن يرب قديماً بحديث، ولا يحفل بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين. وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية، من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله.

стр. 5

ثم أعلمتني بذلك أنك بنفسك بدأت في تعظيم إمامك، والحفظ لمناقب أنصار خليفتك، وإياها حطت بحياطتك لأشياعه، واحتجاجك لأوليائه. ونعم العون أنت إن شاء الله على ملازمة الطاعة، والمؤازرة على الخير، والمكانفة لأهل الحق. وقد استدللت بذلك بالذي أرى من شدة عنايتك، وفرط اكتراثك، وتفقدك لأخابير الأعداء وبحثك عن مناقب الأولياء، على أن ما ظهر من نصحك أممُ، في جنب ما بطن من إخلاصك. فأمتع الله بك خليفته، ومنحنا وإياك محبته، وأعاذنا وإياك من قول الزور، والتقرب بالباطل، إنه حميد مجيد، فعالٌ لما يريد. وذكرتَ أبقاك الله أنك جالست أخلاطاً من جند الخليفة، وجماعةً من أبناء الدعوة، وشيوخاً من جلة الشيعة، وكهولاً من أبناء رجال الدولة، والمنسوبين إلى الطاعة والمناصحة، والمحبة الدينية، دون محبة الرغبة والرهبة، وأن رجلاً من عرض تلك الجماعة، ومن حاشية تلك الجلة، ارتجل

стр. 6

الكلام ارتجال مستبدٍ، وتفرد به تفرد معجبٍ، وأنه لم يستأمر زعمائهم، ولم يراقب خطباءهم، وأنه تعسف المعاني وتهجم على الألفاظ، وزعم أن جند الخلافة اليوم على خمسة أقسام: خرا ساني، وتركي، ومولًى، وعربي، وبنوي. وأنه أكثر من حمد الله وشكره على إحسانه ومننه، وعلى جميع أياديه وسابغ نعمه، وعلى شمول عافيته وعلى جزيل مواهبه، حين ألَّف على الطاعة هذه القلوب المختلفة، والأجناس المتباينة، والأهواء المتفرقة،. وأنك اعترضت على هذا المتكلم المستبدّ، وعلى هذا القائل المتكلِّف، الذي قسَّم هذه الأقسام، وخالف بين هذه الأركان، وفصَّل بين أنسابهم، وفرق بين أجناسهم، وباعد بين أسبابهم. وأنك أنكرت ذلك عليه أشد الإنكار، وقذعته أشد القذع، وزعمت أنهم لم يخرجوا من الاتفاق أو من شيء يقرب من الاتفاق. وأنك أنكرت التباعد في النسب، والتباين في السبب. وقلت: بل أزعُم أن الخراساني والتركي أخوان، وأن الحيِّز واحد، وأن حكم ذلك الشرق، والقضية على ذلك الصُّقع متفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت. وأن الأعراق في الأصل إن لا تكن كانت راسخة فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد المشتملة عليهم إن

стр. 7

لا تكن متساوية فإنها متناسبة، وكلهم خرا ساني في الجملة وإن تميزوا ببعض الخصائص، فافترقوا ببعض الوجوه. وزعمت أن اختلاف التركي والخراساني ليس كالاختلاف بين العجمي والعربي، ولا كالاختلاف بين الرومي والصقلي والزغبي والحبشي، فضلاً عما هو أبعد جوهراً وأشد خلافاً. بل كاختلاف ما بين المكي والمدني، والبدوي والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، وكما يقال: أن هذيلاً أكراد العرب، وكاختلاف ما بين من نزل الحزون، وبين نزل البطون، وبين نزل النجود وبين نزل الأغوار. وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضاً في بعض الصور، فقد تخالفت عُليا تميمٍ، وسفلي قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في اللغة، وهي أكثرها على خلاف لغة حِمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الصورة والشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص، غير مشوب ولا معلهج ولا مذرَّع ولا مزلج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما طبع الله

стр. 8

عليه تلك البرية من خصائص الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من الشكل والصورة ومن الأخلاق واللغة. فإن قلت: فكيف كان أولادهما جميعاً عرباً مع اختلاف الأبوة. قلنا: إن العرب لما كانت واحدةً فاستووا في التربة وفي اللغة، والشمائل والهمة، وفي الأنف والحمية، وفي الأخلاق والسجية، فسكبوا سبكاً واحداً، وأفرغوا إفراغاً واحداً، وكان القالب واحداً، تشابهت الأجزاء وتناسبت الأخلاط، وحين صار ذلك أشد تشابهاً في باب الأعم والأخص وفي باب الوفاق والمباينة من بعض ذوي الأرحام، جرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب، وصارت هذه الأسباب ولادةً أخرى حتى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها، وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة بنى إسحاق وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في جميع الدهر لبنى قحطان - وهو ابن عابر - ففي إجماع الفريقين على التناكح والمصاهرة، ومنعهما من ذلك جميع الأمم: كسرى فمن دونه، دليل على أن النسب عندهم متفق، وأن هذه المعاني قد قامت عندهم مقام الولادة والأرحام الماسة.

стр. 9

وزعمت أنه أراد الفرقة التخريب، وأنك أردت الألفة والتقريب. وزعمت أيضاً أن البنوىَّ خراساني، وأن نسب الأبناء: نسب آبائهم، وأن حسن صنيع الآباء، وقديم فعال الأجداد هو حس الأبناء. وأن الموالي بالعرب أشبه، وإليهم أقرب، وبهم أمسٌّ؛ لأن السنة جعلتهم منهم. فقلت: إن الموالي أقرب إلى العرب في كثير من المعاني؛ لأنهم عربٌ في المدعى، وفي العاقلة، وفي الوراثة. وهذا تأويل قوله مولى القوم منهم ومولى القوم من أنفسهم، " والولاء لحمةٌ كلحمة النسب " وعلى شبيه ذلك صار حليف القوم منهم، وحكمه حكمهم، فصار الأخنس بن شريق وهو رجلٌ من ثقيف، وكذلك يعلى بن منية وهو رجل من بلعودية، وكذلك خالد بن عرفطة وهو رجل من عذرة

стр. 10

من قريش. وبذلك النسب حرمت الصدقة على موالي بني هاشم؛ فإن النبي ﷺ أجراهم في باب التنزيه والتطهير مجرى مواليهم. وبذلك السبب قدم النبي ﷺ بني عبد المطلب على بني عبد شمس، وقرابتهم سواءٌ ونسبهم واحد، للعقد المتقدم، وللأيدي المتفقة. وقال ﷺ : " منا خير فارسٍ في العرب: عكاشة بن محصن "، فقال ضرار بن الأزور الأسدي: ذاك رجلٌ منا يا رسول الله. قال: " بل هو منا بالحلف ". فجعل حليف القوم منهم، كما جعل بن أخت القوم منهم. ثم زعمت أن الأتراك قد شاركوا هؤلاء القوم في هذا النسب، وصاروا من العرب بهذا السبب، مع الذي بانوا به من الخلال، وحبوا به من شرف الخصال. على أن ولاء الأتراك للباب قريش، ولمصاص عبد مناف، وهم في سر بني هاشم وهاشم موضع العذار من خد الفرس، والعقد من لبَّة الكاعب، والجوهر المكنون، والذهب المصفى، وموضع المحَّة من البيضة، والعين في الرأس، والروح من البدن؛ وهم الأنف المقدَّم، والسنام الأكبر، والدرة الزهراء، والروضة الخضراء، والذهب الأحمر. فقد شاركوا العرب في أنسابهم، والموالي في أسبابهم، وفضلوهم

стр. 11

بهذا الفضل الذي لا يبلغه فضلٌ وإن برع، بل لا يعشره شرفٌ وإن عظم، ولا مجدٌ وإن قدم. فزعمت أن أنساب الجميع متقاربة غير متباعدة، وعلى حسب ذلك التقارب تكون المؤازرة والمكاتفة، والطاعة والمناصحة، والمحبة للخلفاء الأئمة. وذكرت أنه ذكر جملاً من مفاخرة الأجناس، وجمهرةً من مناقب هذه الأصناف، وأنه جمع ذلك وفصله وفسره، وأنه ألغى ذكر الأتراك فلم يعرض لهم، وأضرب عنهم صفحا، يخبر عنهم كما أخبر عن حجة كل جيل، وعن برهان كل صنف؛ وذكر أن الخراساني يقول: نحن النقباء وأبناء النقباء، ونحن النجباء وأبناء النجباء، ومنا الدعاة، قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف نجابة، وقبل المبالغة والمباراة، وقبل كشف القناع وزوال التَّقيَّة وزوال ملك أعدائنا عن مستقره، وثبات ملك أوليائنا في نصابه. وبين ذلك ما قتلنا وشردنا، ونهكنا ضرباً وبضعنا بالسيوف الحداد، وعذبنا بألوان العذاب. وبنا شفى الله الصدور، وأدرك الثأر. ومنا الإثنا عشر النقباء، والسبعون النجباء. ونحن الخندقية، ونحن الكَّفيَّة وأبناء الكَّفيَّة،

стр. 12

ومنا المستجيبة ومن يهرج التيمية ومنا نيم خزان وأصحاب الجوربين ومنا الزغندية والآزاذمردية. ونحن فتحنا البلاد وقتلنا العباد، وأبدنا العدو بكل وادٍ. ونحن أهل هذه الدولة، وأصحاب هذه الدعوة، ومنبت هذه الشجرة. ومن عندنا هبت هذه الريح. والأنصار أنصاران: الأوس والخزرج نصرو النبي ﷺ في أول الزمان، وأهل خراسان نصروا ورثته في آخر الزمان. غذانا بذلك آباؤنا وغذونا به أبناءنا، وصار لنا نسباً لا نعرف إلا به، وديناً لا نوالي إلا عليه. ثم نحن على وتيرةٍ واحدة، ومنهاج غير مشترك؛ نعرف بالشيعة، وندين بالطاعة، ونقتل فيها ونموت عليها. سيمانا موصوفٌ، ولباسنا معروفٌ. ونحن أصحاب الرايات السود، والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، والذين يهدمون مدن الجبابرة، وينزعون الملك من أيدي الظلمة. وفينا

стр. 13

تقدم الخبر، وصح الأثر. وجاء في الحديث صفة الذين يفتحون عمورية ويظهرون عليها، ويقتلون مقاتليها ويسبون ذراريها، حيث قالوا في نعتهم: شعورهم شعور النساء، وثيابهم ثياب الرهبان. فصدق الفعل القول، وحقق الخبر العيان. ونحن الذين ذكرنا وذكر بلاءنا أمام الأئمة، وأبو الخلائق العشرة: محمد بن علي، حين أراد توجيه الدعاة إلى الآفاق، وتفريق شيعته في البلاد، أن قال: أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان وصنائع عثمان، فليس بها من شيعتنا إلا القليل. وأما الشام فشيعة بني مروان وآل أبي سفيان. وأما الجزيرة فحرورية شارية، وخارجة مارقة، ولكن عليهم بهذا الشرق؛ فإن هناك صدوراً سليمة وقلوباً باسلة، لم تفسدها الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم تعتقبها البدع، وهم مغيظون موتورون. وهناك العدد والعدة، والعتاد والنجدة.

стр. 14

ثم قال: وأنا أتفاءل إلى حيث يطلع منه النهار. فكنا خير جندٍ لخير إمام؛ فصدقنا ظنه، وثبتنا رأيه، وصوبنا فراسته. وقال مرةً أخرى: أمرنا هذا شرقيٌ لا غربي، ومقبل لا مدبر، يطلع كطلوع الشمس، ويمتد على الآفاق امتداد النهار، حتى يبلغ حيث تبلغه الأخفاف، وتناله الحوافر. قالوا: ونحن قتلنا الصحصحية، والدالقية، والذكوانية، والراشدية. ونحن أيضاً أصحاب الخنادق أيام نصر بن سيار، وابن جديع الكرماني، وشيبان بن سلمة الخارجي. ونحن أصحاب نباتة بن حنظلة، وعامر بن ضبارة، وأصحاب ابن هبيرة. فلنا قديم هذا الأمر وحديثه، وأوله وآخره

стр. 15

ومنا قاتل مروان. ونحن قومٌ لنا أجسامٌ وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وقصر غلاظ، وسواعد طوال. ونحن أولد للذكورة، وأنسل بعولة، وأقل ضوَّي وضؤولة، وأقل إتآماً وأنتق أرحاماً، وأشد عصبا وأتم عظاما، وأبداننا أحمل للسلاح، وتجفافنا أملأ للعيون. ونحن أكثر مادةً، وأكثر عددا وعدة. ولو أن يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء النهر منا لظهروا عليهم بالعدد. فأما الأيد وشدة الأسر، فليس لأحدٍ بعد عادٍ وثمود والعمالقة والكنعانيين مثل أيدينا وأسرنا.

стр. 16

ولو أن خيول الأرض وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة، لكنا أكثر في العيون، وأهول في الصدور. ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا، وبنودنا التي لا يحملها غيرنا، علمت أننا لم نخلق إلا لقلب الدول، وطاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. ولو أن أهل التبت ورجال الزَّابج، وفرسان الهند، وحلبة الروم، هجم عليهم هاشم بن أشتاخنج لما امتنعوا من طرح السلاح والهرب في البلاد. ونحن أصحاب اللحى وأرباب النهي، وأهل الحلم والحجا، وأهل الثخانة في الرأي، والبعد من الطيش. ولسنا كجند الشام المتعرضين للحرم، والمنتهكين لكل محرم. ونحن ناس لنا أمانة وفينا عفة. ونحن نجمع بين النزاهة والقناعة والصبر على الخدمة، والتجمير عند بعد الشقة. ولنا الطبول المهولة العظام والبنود، ونحن أصحاب التجافيف والأجراس، والبازيكند واللبود الطوال، والأغماد

стр. 17

المعقفة والشوارب المعقربة، والقلانس الشاشية، والخيول الشهرية، والكافر كوبات والطبرزينات في الأكف، والخناجر في الأوساط. ولنا حسن الجلسة على ظهور الخيل. ولنا الأصوات التي تسقط منها الحبالى. وليس في الأرض صناعة غريبة من أدب وحكمة، وحساب وهندسة، وإيقاع وصنعة، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا وبرعت فيها الرؤساء، وبزت فيها العلماء. ولنا صنعة السلاح من لبد وركاب ودرع. ولنا مما جعلناه رياضة وتمريناً، وإرهاصاً للحرب، وتثقيفاً ودربةً للمجاولة والمشاولة، وللكر

стр. 18

بعد الكر: مثل الدَّبُّوق، والنَّزو على الخيل صغاراً، ومثل الطبطاب والصوالجة الكبار، ثم رمى المجثمة، والبرجاس والطائر الخطاف. فنحن أحق بالأثرة، وأولى بشرف المنزلة. ثم قلت: وزعم أن القربة تستحق بالأسباب الثابتة، وبالأرحام الشابكة، وبالقدمة، والطاعة للآباء والعشيرة، وبالشكر النافع، والمديح الكافي بالشعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وينشد ما أهل بالحج، وما هبت الصبا، وما كان للزيت عاصر، وبالكلام المنثور والقول المأثور. أو بصفة مخرج الدولة والاحتجاج للدعوة، وتقييد المآثر، إذ لم يكن ذلك من عادة العجم، ولا كان يحفظ ذلك معروفاً لسوى العرب. ونحن نرتبطها بالشعر المقفى، ونصلها بحفظ الأميين. الذين

стр. 19

لا يتكلون على الكتب المدونة، والخطوط المطرَّسة. ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف، والتحاكم إلى كل حكم مقنع وكاهن سجاع. ولنا التعاير بالمثالب، والتفاخر بالمناقب. ونحن أحفظ لأنسابنا، وأرعى لحقوقنا وتقييدها أيضاً بالمنثور المرسل، بعد الموزون المعدل، بلسان أمضى من السنان، وأرهف من السيف الحسام، حتى نذكرهم ما قد درس رسمه، وعفا أثره. وبين القتال من جهة الرغبة والرهبة فرق، وليس المعرق في الحفاظ كمن هذا فيه حادث. وهذا باب يتقدم فيه التالد القديم الطارف الحديث. وطلاب الطوائل رجلان: سجستاني وأعرابي. وهل أكثر النقباء إلا من صميم العرب، ومن صليبة النسب، كأبي عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائي، وأبي محمد سليمان بن كثير الخزاعي، وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، وأبي داود خالد بن إبراهيم الذهلي، وكأبي عمرو لاهز بن قريظ المرئي، وأبي عتيبة موسى بن كعب المرئي، وأبي سهل القاسم بن مجاشع المرئي، ومن كان يجري مجرى النقباء ولم يدخل فيهم، مثل مالك بن الطواف المزني. وبعد فمن هذا الذي باشر قتل مروان، ومن هزم ابن هبيرة، ومن

стр. 20

قتل ابن ضبارة، ومن قتل نباتة بن حنظلة، إلا عرب الدعوة، والصميم من أهل الدولة؟! ومنفتح السند إلا موسى بن كعب، ومن فتح إفريقيا إلا محمد بن الأشعث؟!. وقلت: وقال: وتقول الموالى: لنا النصيحة الخالصة، والمحبة الراسخة، ونحن موضع الثقة عند الشدة. وعلل المولى من تحت موجبة لمحبة المولى من فوق، لأن شرف مولاه راجعٌ إليه، وكرمه زائد في كرمه، وخموله مسقط لقدره. وبوده أن خصال الكرام كلها اجتمعت فيه؛ لأنه كلما كان مولاه أكبر وأشرف وأظهر، كان هو بها أشرف وأنبل. ومولاك أسلم لك صدراً، وأرد ضميراً، وأقل حسداً. وبعد فالولاء لحمة كلحمة النسب، فقد صار لنا النسب الذي يصوبه العربي، ولنا الأصل الذي يفتخر به العجمي. قال: والصبر ضروب، فأكرمها كلها الصبر على إفشاء السر. وللمولى في هذه المكرمة ما ليس لأحد. ونحن أخص مدخلاً، وألطف في الخدمة مسلكاً. ولنا مع الطاعة والخدمة والإخلاص وحسن النية، خدمة الأبناء للآباء، والآباء للأجداء، وهم بمواليهم آنس، وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسر. وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصون مواليهم بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم

стр. 21

لدمامته، ولا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ويجعلون لكثير من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة وبني الأعمام والأخوة. ويتذاكرون إكرام رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة مولاه، حين عقد له يوم مؤتة على جلَّة بني هاشم، وجعله أمير كل بلدة يطؤها. ويتذاكرون حبه لأسامة بن زيد، وهو الحبُّ ابن الحبِّ. وعقد له على عظماء المهاجرين وأكابر الأنصار. ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه، كأبي أنسة، وشُقران، وفلان وفلان. قالوا: ولنا من رؤوس النقباء أبو منصور مولى خزاعة، وأبو احكم عيسى بن أعين مولى خزاعى، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى آل

стр. 22

أبي معيط. فلنا مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالى في هذه الدعوة، ونحن منهم وإليهم، ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم ولا ينكره مؤمن، خدمناهم كباراً وحملناهم على عواتقنا صغاراً. هذا مع حق الرضاع والخؤولة، والنشوء في الكتاب، والتقلب في تلك العراص التي لم يبلغها إلا كل سعيد الجد، وجيهٍ في الملوك. فقد شاركنا العربي في فخره، والخراساني في مجده، والبنوي في فضله، ثم تفردنا بما لم يشاركونا فيه، ولا سبقونا إليه. قالوا: ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهماء؛ وهم بنا آنس وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحن؛ ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحق بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه. وقلت وذكرت أن البنوي قال: أنا أصلي خراسان، وهي مخرج الدولة ومطلع الدعوة؛ ومنها نجم هذا القرن، وصبأ هذا الناب، وتفجر هذا الينبوع، واستفاض هذا البحر، حتى ضرب الحق بجرانه، وطبق الآفاق بضيائه، فأبرأ من السقم القديم، وشفى من الداء العضال، وأغنى من العيلة، وبصر من العمى.

стр. 23

قال: وفرعى بغداد، وهي مستقر الخلافة، والقرار بعد الحولة، وفيها بقية رجال الدعوة، وأبناء الشيعة، وهي خراسان العراق، وبيت الخلافة، وموضع المادة. قال: وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر ترداداً فيه من جدي، وأحق في هذا الفضل من المولى والعربي. ولنا بعد في أنفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ظلال السيوف القصار والرماح الطوال. ولنا معانقة الأبطال عند تحطم القنا وانقطاع الصفائح. ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقى الخناجر بالعيون، ونحن حماة المستلحم، وأبناء المضايق. ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند الحيرة، وأصحاب المشهرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن يمشى في الرمح، ويختال بين الصفين. ونحن أصحاب الفتك والإقدام، ولنا بعد التسلق، ونقب المدن، والتقحم على ظبات السيوف وأطراف الرماح، ورضخ الجندل، وهشم العمد، والصبر على الجراح وعلى جر السلاح إذا طار قلب الأعرابي، وساء ظن الخراساني. ثم الصبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المساءلة، واجتماع العقل، وصحة

стр. 24

الطرف، وثبات القدمين، وقلة التكفي بحبل العقابين، والبعد من الإقرار، وقلة الخضوع للدهر والخضوع عند جفوة الزوار وجفاء الأقارب والإخوان. ولنا القتال عند أبواب الخنادق، ورؤوس القناطر. ونحن الموت الأحمر عند أبواب النقب. ولنا المواجأة في الأزقة، والصبر على قتال السجون. فسل عن ذلك الخليدية، والكتفية، والبلالية، والخريبية. ونحن أصحاب المكابدات وأرباب البيات، وقتل الناس جهاراً في الأسواق والطرقات. ونحن نجمع بين السلة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطوال ما كنا رجالة، والمطارد القصار ما كنا فرسانا. فإن صرنا كمناً فالحتف

стр. 25

القاضي، والسم الذعاف. وإن كنا طلائع فكلنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل بالليل كما نقاتل بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل على الأرض، ونقاتل في القرية كما نقاتل في المحلة. ونحن أفتك وأخشب، ونحن أقطع للطريق وأذكر في الثغور، مع حسن القدود وجودة الخرط ومقادير اللحى، وحسن العمة، والنفس المرة. وأصحاب الباطل والفتوة، ثم الخط والكتابة، والفقه والرواية. ولنا بغداد بأسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا. والدنيا كلها معلقةٌ بها، وصائرةٌ إلى معناها. فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدنيا تبعٌ لها. وكذلك أهلها لأهلها، وفتاكها لفتاكها، وخلاعها لخلاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، وصلحاؤها لصلحائها. ونحن بعد تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا، فأخذنا بآثارهم، واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ولا نعرف بغيرهم، ولا يطمع فينا أحد قط من خطاب ملكهم، وممن يترشح للاعتراض عليهم. فمن أحق بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممن هذه الخصال فيه، وهذه الخلال له.

стр. 26

بسم الله الرحمن الرحيم إن ذهبنا حفظك الله بعقب هذه الاحتجاجات، وعند مقطع هذه الاستدلالات، نستعمل هذه المعارضة بمناقب الأتراك، والموازنة بين خصالهم وخصال كل صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم. وكتابنا هذا إنما تكلفناه لنؤلف بين قلوبهم التي كانت مختلفة، ولنزيد الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم، ولتسلم صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب، وكم مقدار الخلاف في الحسب، فلا يغير بعضهم مغير، ولا يفسده عدو بأباطيل مموهة وشبهات مزورة؛ فإن المنافق العليم، والعدو ذا الكيد العظيم، قد يصور لهم الباطل في صورة الحق، ويلبس الإضاعة ثياب الحزم. إلا أنا على حال سنذكر جملاً من أحاديث رويناها ووعيناها، وأمور رأيناها وشاهدناها، وفضائل تلقفناها من أفواه الرجال وسمعناها. وسنذكر جميع ما في هذه الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيهم لها أشد استعمالاً، وبها أشد استقلالاً، ومن أثقب كيسا وأفتح عيناً

стр. 27

وأذكى يقيناً، وأبعد غوراً وأجمع أمراً، وأعم خواطر وأكثر غرائب، وأبدع طريقاً، وأدوم نفعاً في الحروب، وأضرى وأدرب دربةً، وأغمض مكيدةً، وأشد احتراساً وألطف احتيالاً؛ حتى يكون الخيار في يد الناظر المتصفح لمعانيه، والمقلّب لوجوهه، والمفكّر في أبوابه، والمقابل بين أوله وآخره، فلا نكون نحن انتحلنا شيئاً دون شيء، وتقلدنا تفضيل بعضٍ على بعض، بل لعلّنا أن لا نخبر عن خاصة ما عندنا بحرف واحد. فإذا دبرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعه على هذه الصفة، كان أبعد له من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى. وقد ظنّ ناسٌ أنّ أسماء أصناف الأجناس كما اختلفت في الصورة والخط والهجاء، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على حسب ما توهمه؛ ألا ترى أنّ اسم الشاكرية وإن خالف في الصورة والهجاء اسم الجند، فإن المعنى فيهما ليس ببعيدٍ؛ لأنهم يرجعون إلى معنىً واحد وعمل واحد. والذي إليه يرجعون طاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. وإذا كان المولى منقولاً إلى العرب في أكثر المعاني، ومجعولاً منهم في عامة

стр. 28

الأسباب، لم يكن ذلك بأعجب ممن جعل الخال والداً، والحليف من الصميم، وابن الأخت من القوم. وقد جعل ابن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوباً إلى أمه. وقد جعلوا إسماعيل وهو ابن عجميين عربياً؛ لأن الله تعالى فتق لهاته بالعربية المبينة على غير التلقين والترتيب، ثم فطره على الفصاحة العجيبة على غير النشوِّ والتقدير، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك الأجزاء، وركبه اختراعاً على ذلك التركيب، وسوَّاه تلك التسوية، وصاغه تلك الصياغة، ثم حباه من طبائعهم، ومنحه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم وأنفتهم وهمهم على أكرمها وأمكنها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهاناً على رسالته، ودليلاً على نبوته؛ فكان أحق بذلك النسب، وأولى بشرف ذلك الحسب. وكما جُعل إبراهيم أباً لمن لم يلده، فالبنوي خراساني من جهة الولادة، والمولى عربيٌ من جهة المدعى والعاقلة. وإن أحاط علمنا بأن زيداً لم يخلق من نجل عمرو إلا عهاراً لنفيناه عنه، وإن وثقنا أنه لم يخلق من صلبه.

стр. 29

وكما جعل النبي ﷺ أزواجه أمهات المؤمنين وهن لم يلدنهم ولا أرضعنهم، وفي بعض القراءات: " وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم "، على قوله: " ملة أبيكم إبراهيم ". وجعل المرأة من جهة الرضاع أماً، وجعل امرأة البعل أم ولد البعل من غيرها، وجعل الراب والداً، وجعل العم أباً في كتاب الله. وهم عبيده لا يتقلبون إلا فيما قَّلبهم فيه. وله أن يجعل من عباده من شاء عربياً ومن شاء عجمياً، ومن شاء قرشيَّاً، ومن شاء زنجياً؛ كما له أن يجعل من شاء ذكراً ومن شاء أنثى، ومن شاء خنثى، ومن شاء أفرده من ذلك فجعله لا ذكراً ولا أنثى ولا خنثى. وكذلك خلق الملائكة وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. وخلق أدم فلم يجعل له أباً ولا أماً، وخلقه من طينٍ ونسبه إليه، وخلق حواء من ضلع آدم وجعلها له زوجاً وسكنا. وخلق عيسى من غير ذكرٍ ونسبه إلى أمه التي خلقه منها. وخلق الجان من نار السموم، وآدم من طين، وعيسى من غير نطفة. وخلق السماء من دخان، والأرض من الماء، وخلق إسحاق من عاقرٍ. وأنطق عيسى في المهد، وأنطق يحيى بالحكمة وهو صغير، وعلم سليمان منطق الطير، وكلام النمل، وعلم الحفظة من الملائكة جميع الألسنة حتى كتبوا بكل خط، ونطقوا بكل لسان. وأنطق ذئب أهبان بن أوس.

стр. 30

والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنة، وكذلك أطفالهم والمجانين منهم، يتكلمون ساعة يدخلون الجنة بلسان أهل الجنة على غير الترتيب والتنزيل، والتعليم على طول الأيام والترقيم والتلقين. فكيف يتعجب الجاهلون من إنطاق إسماعيل بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟!. وهذه المسألة ربما سأل عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي على القحطاني أشد. فأما جواب العدناني فسلس النظام سهل المخرج، قريب المعنى؛ لأن بني قحطان لا يدعون لقحطان نبوة فيعطيه الله مثل هذه الأعجوبة. وما الذي قسم الله - عز اسمه - بين الناس من ذلك، إلا كما صنع في طينة الأرض، فجعل بعضها حجرا، وبعض الحجر ياقوتاً، وبعضه ذهباً، وبعضه نحاساً، وبعضه رصاصاً، وبعضه حديداً، وبعضه تراباً، وبعضه فخاراً. وكذلك الزاج، والمغرة، والزرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار،

стр. 31

والتوتيا، والنوشادر، والمرقشيثا، والمغناطيس. ومن يحصي عدد أجزاء الأرض، وأصناف الفلز؟!. وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني. وإذا كان الخراساني مولى، والمولى عربيٌّ فقد صار الخراساني والبنوي والمولى والعربي واحداً. وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامراً ما معهم من خصال الخلاف، بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. والأتراك خراسانية وموالي الخلفاء قصيرة، فقد صار التركي إلى الجميع راجعاً، وصار شرفه إلى شرفهم زائداً. وإذا عرف سائر ذلك سامحت النفوس، وذهب التعقيد، ومات الضغن، وانقطع سبب الاستثقال؛ فلم يبقى إلا التحاسد والتنافس الذي لا يزال يكون بين المتقاربين في القرابة وفي المجاورة. على أن التوازر والتسالم في القرابات وفي بني الأعمام والعشائر، أفشى وأعم من البعداء.

стр. 32

ولخوف التخاذل ولحب التناصر، والحاجة إلى التعاون انضم بعض القبائل في البوادي إلى بعضٍ، ينزلون معاً ويظعنون معاً. ومن فارق أصحابه أقل، ومن نصر ابن عمه أكثر. ومن اغتبط بنعمته وتمنى بقاءها والزيادة فيها أكثر ممن بغاها الغوائل، وطلب انقطاعها وزوالها. ولا بد في أضعاف ذلك من بعض التنافس والتخاذل، إلا أن ذلك قليل من كثيرٌ. وليس يجوز أن تصفو الدنيا وتنقى من الفساد والمكروه حتى يموت جميع الخلائق، وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل.

стр. 33

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كنت كتبته أيام المعتصم بالله، ﵁، فلم يصل إليه، لأسبابٍ يطول شرحها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها. وأحببت أن يكون كتاباً قصداً، ومذهباً عدلاً، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في هجاء آخرين. وإن كان الكتاب كذلك شابه الكذب، وخالطه التزيد، وبنى أساسه على التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتغليق. وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثراً وأحسنها ذكراً: أن يكون المديح صدقا، وللظاهر من حال الممدوح موافقا، وبه لائقا، حتى لا يكون من المعبر عنه والواصف له إلا الإشارة إليه، والتنبيه عليه. وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذلك في مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب عن هذا الكتاب

стр. 34

أحزم، وذكر الكثير من هذه الأصناف بالجميل، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، لأن ذكر الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع، وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوع. ولكل نصيب من النقض، ومقدار من الذنوب؛ وإنما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلة المساوى. فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع المساوئ دقيقها وجليلها، وظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف. وقد قال النابغة: ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه ... على شعثٍ، أيُّ الرجال المهذب وقال حر يش السعدي: أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلوَّن ألواناً على خطوبها إذا عبت منه خلة فتركته ... دعتني إليه خلة لا أعيبها وقال بشار: إذا كنت في كلِّ الأمور معاتباً ... خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه

стр. 35

فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنبٍ مرةً ومجانبه إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظميت وأيُّ الناس تصفو مشاربه وقال مطيع بن إياسٍ الَّليثيّ: ولئن كنت لا تصاحب إلا ... صاحباً لا تزل، ما عاش، نعله لم تجده ولو جهدت وأنَّى ... بالذي لا يكون يوجد مثله إنما صاحبي الذي يغفر الذَّن ... ب ويكفيه من أخيه أقله وقال محمد بن سعيد، وهو رجلٌ من الجند: سأشكر عمراً إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلتِ فتىً غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مُظهر الشكوى إذا النعل زلتِ رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت

стр. 36

فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس، وأصحاب المعايش من دهماء الجماعة، يرون ذلك واجباً وتدبيراً في التعامل، على ما هم فيه من مشاركة الخطأ للصواب، وامتزاج الضعف بالقوة، فلسنا نشك أن الإمام الأكبر والرئيس الأعظم، مع الأعراق الكريمة والأخلاق الرفيعة، والتمام في الحلم والعلم، والكمال في الحزم والعزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرِّياسة والسيادة، والخصائص التي معه من التوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة، أن الله جل اسمه لم يكن ليجلله باسم الخلافة، ويحبوَه بتاج الإمامة، وبأعظم نعمة وأسبغها، وأفضل كرامةٍ وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، إلا ومعه من الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتغافل في موضع التغافل، ما لا يبلغه فضل ذي فضلٍ، ولا حلم ذي حلمٍ. ونحن قائلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيما انتهى إلينا في أمر الأتراك: زعم محمد بن الجهم، وثمامة بن الأشرس، والقاسم بن سيار، في جماعة ممن يغشى دار الخلافة، وهي دار العامة، قالوا جميعاً: بيننا حميد بن عبد الحميد جالساً ومعه يخشاد الصُّغدي، وأبو شجاع

стр. 37

شبيب بن بخاراخداي البلخي، ويحيى بن معاذ، ورجال من المعدودين المتقدمين في العلم بالحرب من أصحاب التجارب والمراس، وطول المعالجة والمعاناة في صناعات الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: نقول لكم متفرقين ومجتمعين: ليكتب كل رجلٍ منكم دعواه وحجته، وليقل أيما أحب إلى كل قائد منكم إذا كان في عدته من صحبه وثقاته: أن يلقى مائة تركي أو مائة خارجي؟ فقال القوم جميعاً: لأن نلقى مائة تركي أحب إلينا من أن نلقى مائة خارجي! وحميد ساكت. فلما فرغ القوم جميعاً من حججهم، قال الرسول: قد قال القوم فقل

стр. 38

واكتب قولك، وليكن حجة لك أو عليك. قال: بل ألقى مائة خارجي أحب إلي؛ لأنني وجدت الخصال التي يفضل بها الخارجي جميع المقاتلة غير تامةٍ في الخارجي، ووجدتها تامة في التركي. ففضل التركي على الخارجي بقدر فضل الخارجي على سائر المقاتلة، ثم بان التركي عن الخارجي بأمورٍ ليس فيها للخارجي دعوى ولا متعلق. على أن هذه الأمور التي بان بها التركي عن الخارجي، أعظم خطراً وأكثر نفعا، مما شاركه الخارجي في بعضها. ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجي على سائر الناس صدق الشدة عن أول وهلة، وهي الدفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون الذي أملوا. والثانية: الصبر على الخبب وعلى طول السُّرى، حتى يصبح القوم الذين مرقوا بهم غارين فيهجموا عليهم وهم بسوء، ولحمٌ على وضم، يتعجَّلونهم عن الروية، وعن رد النفس عن النزوة والجولة، لا يظنون أن أحداً يقطع في ذلك المقدار من الزمان ذلك المقدار من البلاد.

стр. 39

والثالثة: أن الخارجي موصوف عند الناس بأنه إن طَلب أدرك، وإن طُلب فات. والرابعة: خفة الأزواد وقلة الأمتعة، وأنها تجنب الخيل وتركب البغال، وإن احتاجت أمست بأرضٍ وأصبحت بأخرى، وأنهم قوم حين خرجوا لم يخلفوا الأموال الكثيرة، والجنان الملتفة، والدور المشيدة، ولا ضياعاً ولا مستغلات، ولا جواري مطهمات، وأنهم لا سلب لهم ولا مال معهم فيرغب الجند في لقائهم، وإنما هم كالطير لا تدخر ولا تهتم لغدٍ، ولها في كل أرض من المياه والأقوات ما تتبَّلغ به، وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرب لها البعيد، وتسهل لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والمطعم، وإن تمنع عليهم ففي بنات شحَّاجٍ وبنات صهَّال، وخفة الأثقال على طول الخبب، ما يسهل أقواتها، ويكثر من أرزاقها.

стр. 40

والخامسة: أن الملوك إن أرسلوا إليهم أعدادهم ليكونوا في خفة أوزارهم وأثقالهم، وليقووا على التنقل كقوتهم، لم يقووا عليهم؛ لأن مائة من الجند لا يقومون لمائة من الخوارج؛ وإن كثفوا الجيش بالجيش، وضاعفوا العدد بالعدد ثقلوا عن طلبهم، وعن الفوت إن طلبهم عدوهم. ومتى شاء الخارجي أن يقرب منهم ليتطرَّفهم أو ليصيب الغرة منهم، أو ليسلبهم، فعل ذلك ثقة بأنه يغنم عند الفرصة ورؤية العورة، ويمكنه الهرب عند الخوف. وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، أو ليقتطع القطعة منهم. قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي لها كره القواد لقاءهم. قال قاسم بن سيار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وخلعتها، ونقضت العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوام، من ضرب المثل بالخوارج، كقول الشاعر: إذا ما البخيل والمحاذر للقرى ... رأى الضيف مثل الأزرقيِّ المجفَّف
следующие страницы →