← Адаб

Адаб · id 10428

الرسائل للجاحظ

الجاحظ

Полный текст (1 368 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

منه، بسحاءة أو طابع، أو لحظة مطلعٍ في الكتاب، أو حرفٍ تبيَّن من ظهره. فاستيقظ عند هذه الأحوال، واستعمل سوء الظَّنّ بجميع الأنام؛ فإنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: " الحزم سوء الظَّنّ ". وقيل لثقيف: بم بلغتم من الشَّرف والسؤدد؟ قالوا: بسوء الظَّنّ. فلا تعتمد على رجل في سرِّك تحمد عقله دون أن تحمد ودَّه ونصحه؛ فإنَّ الأمر في ذلك كما قال الشاعر: وما كلُّ ذي لبٍّ بمؤتيك نُصحَه ... ولا كلُّ مؤتٍ نصحه بلبيبِ ولقد استحسن الناس من بعض رجال العراق أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأوقع بالحجَّاج عنده وسبَّه، فلما خرج من عنده خبَّر بما كان منه لبعض أصحابه، فلامه وأنَّبه وقال: ما يؤمنك أن يخبر أمير المؤمنين عبد الملك الحجاج بما قلت فيه - ومرجعك إلى العراق - فيضغنه عليك؟ قال: كلا، والله إني ما رطلت يدي قط أحداً أرزن منه. هذا والله - أبقاك الله - الغلط البين، والعذر الملفق، وتحسين فارط

стр. 142

الخطأ؛ لأنه ليس كل راجحٍ وعاقلٍ بناصحٍ لصاحب السر، ولو كان أخوه كذلك كان أمره إليه أهمّ، وشأنه أولى. والأعلى من الناس لا يكلف الأدنى هذه المؤونة، وإنما يفعلها الأدنون بالأعلين رغبةً ورهباً، وتحسناً عندهم بحاجتهم إليهم. وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، ومن لهم عليهم اليد والسلطان. فالسر الذي يودعه خليفةٌ في عاملٍ له يلحقه زينه وشينه، أخرى ألا يكتمه. وهذا سبيل كل سرٍ يستودعه الجلة والعظماء، ومن لا تبلغه العقوبة ولا تلحقه اللائمة. وقال سليمان بن داود في حكمته: ليكن أصدقاؤك كثيراً، وصاحب سرك واحداً من ألف. وليس معنى الحديث أن تعد ممن تعرف ألفاً وتقضي إلى واحد بسرك إنْ لم يكن ذلك الواحد موضعاً للأمانة في السر. لكنه قيل: رجلٌ يساوي ألف رجل، ورجلٌ لا يساوي رجلاً. وكقول رسول الله ﷺ : " الناس كإبلٍ مائةٍ لا يوجد فيها راحلةٌ ". فكل ذلك يراد به أنَّ الفضل قليل والنقص قليل لا على نسب ما يتلقاه الاجتماع من هذه الأعداد؛ لأنَّا قد نجد الرجل يوزن بالأمة، ونجد الأمة لا تساوي قلامة ظفر الرجل.

стр. 143

فإذا كان من تقع عليه الشَّريطة معدوماً - سيما من يوثق بحلمه وعقله، وأمانته ونصحه، ومن لا ضرر عليه ولا نفع له في السر الذي يضمر ولا يحرَّم عليه كتمانه، ومن قد وأى على نفسه بالسِّرِّ والحفظ؛ فإنه ليس كلُّ من ضمِّن فلم يضمن ضامناً، ولا من استودع فلم يقبل مستحفظاً، ولا من استخلف فلم يخلف خائناً، وإنما يلحقه الحمد والذم؛ والأجر والإثم إذا ضمن الأمانة ثم خترها - فكأن القوم قالوا: لا تودعن سرك أحداً. وإلا فمتى تجد رجلاً فيه الصفة التي وصف بها مسكينٌ الدارمى نفسه حيث يقول: إني امرؤ منِّي الحياء الذي ترى ... أنوء بأخلاقٍ قليل خداعها أواخى رجالاً لست أُطلِع بعضهم ... على سرِّ بعضٍ غير أنِّي جماعها يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرةٍ أعيا الرجال انصداعها وقيل لرجلٍ: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجعل قلبي له قبراً أدفنه فيه إلى يوم النشور.

стр. 144

وقال الآخر: وأكتم السِّرَّ فيه ضربة العنق. وهذه صفاتٌ موجودةٌ بالأقوال، معدومة بالأفعال. والمغرور من اغتر بما يعده الواعد منها دون أن يبلو الخبر. والذي جربناه ووجدناه: أن من يفضى إليه بالشيء، يبلغ من إذاعته ونشره ما لا يبلغه الرسول المستحفظ المعنيّ بتبليغ الرسالة، المحمود المجازى على أدائها؛ حتى ربما كان يبلغ في الإذاعة لمن أرادها أن يقصد للبلاغة من الرجال، المعروف بالنميمة والتقتيت، فيوهمه أنه قد استحفظه السرَّ، فيشيع على لسانه كما يشيع الضوء في الظلمة. وهذا فعل عمر بن الخطاب ﵁ حين أحبَّ أن يشيع إسلامه فقال: من أنمُّ أهل مكة؟ قيل له: جميل بن النحيت. فأتاه فأخبره بإسلامه وسأله أن يكتمه عليه، فلم يُمسِ وبمكة أحدٌ لم يعلم بإسلام عمر، ﵁.

стр. 145

ثم يكون من أكثر الأعوان على إظهار السرِّ الاستعهاد له، والتحذير من نشره؛ فإن النهي أغرى؛ لأنه تكليف مشقة، والصبر على التكليف شديد، وهو حظرٌ، والنفس طيَّارة متقلِّبة، تعشق الإباحة وتغرم بالإطلاق. ولعل رجلاً لو قيل له: لا تمسح يدك بهذا الجدار - وهو لم يمسحها به قطُّ - غرى بأن يفعل. وكذلك ما حُدَّث به من السر فلم يؤمر بستره، لعله ألا يخطر بباله؛ لأنه موجود في طبائع الناس الولوع بكلِّ ممنوع، والضجر بكل محصول. فنريد أن نعلم: لم صار الإنسان على ما منع - وإن كان لا ينفعه - أحرص منه على ما أبيح من غير علة ولا سبب إلا امتهان ما كثر عليه، واستطراف ما قلَّ عنده؟ ولم أقبل على من ولّى عنه وولَّى عمن أقبل عليه؟ ولم. قالوا: إذا جدَّت المسألة جدَّ المنع؟ وقال الشاعر: الحر يُلحى والعصا للعبد ... وليس للمُلْحِف مثل الرَّدِّ ولم صار يتمنَّى الشيء وينذر فيه النذور، ويتقطع إليه شوقاً، فإذا ظفر به صد عنه وأخلق عنه؟ ولم زهد الملوك فيما في أيديهم ورغبوا فيما في أيدي الناس؟ فنقول: إن الله ﵎ جعل لكل نفسٍ مبلغاً من الوسع لا يمكنها تجاوزه، ولا تتسع لأكثر منه. فكان معها فيما دون الوسع الفقر

стр. 146

وخوف الإخوان، وفيما تجاوزه عز الغنى وأمن العدم. وبهذا وبمثله من ومن البخل والحرص استخفت من احتاج إليها، وأعظمت من استغنى عنها. وجعلها تواقة مشتاقة، متطرفة ملالة، كثيرة النزاع والتقلب، تستحكم عليها الفتنة، ويبلى خيرها من شرها وصبرها من جزعها. ولولا هذه الخلال سقطت المحن، فهي تعظم القليل بالضرورة إليه إن كان من أقواتها، أو لشدة النزاع والشوق إن كان من طرف شهواتها؛ فإن صنوف الشهوات كثيرة، ولكل صنفٍ منها أهل لا يحلفون بما سواه. وتتعجب من الغريب النادر، ويضحكها البديع الطارئ. إلا أنه إذا كثر الغريب صار قريباً، وإذا تجاوز المطلوب مقدار وسعها وحاجاتها فصار ظهرياً وفضلاً استخفت به وقل في أعينها كثيره. وأعظم الأشياء عندها قدراً ما اشتد إليه الفقر والحاجة وإن قل قدره، وأهونها عليها ما استغنى عنه وإن عظم خطره. وجعل لما تتوق إليه وتشتاقه مكاناً من قواها، له. فإذا امتلأ ذلك المكان سروراً، وقضى ذلك الأرب وطراً مما كان طمح إليه، وروى مما كان ظامئاً إليه، انصرف عنه وقلاه، وحال عشقه بغضاً، وشوقه ملالاً. والعلة في ذلك أن الدنيا دار زوالٍ وملال، ليس في كيانها أن تثبت

стр. 147

هي ولا شيءٌ مما فيها على حالٍ واحدة، وإنما الثبوت الدائم لدار القرار. فالسآمة تلحقها في محبوبها، كما يصيب المنتهي من الطعام والشراب والباه، فإنه ليس شيء أبغض إلى من يتناهى فيه إلى غايته، من النظر إلى ناحيته، فضلاً عن ملابسته، إلى وقت عودة السبب الأول. فإذا كانت الطبائع تتشابه، ولكل حاسة قوة، فإذا امتلأت تلك القوة من محسوسها لم تجد لها وراءه طعماً ولا ريحاً، وعاد عليها الضرر. فبعض النظر يعمى، والصوت الشديد يصمّ، والرائحة المنتنة تبطل المشم، والأطعمة الحارة المحرقة تبطل حاسة اللسان. وتتطرف كل واحدةٍ منها؛ فبين الطيب عند من بعد عهده به، والجماع والسماع، وبين من هو مغموسٌ فيه بونٌ بعيدٌ جدا، ً في الحلاوة وحسن الموقع. كل ذلك ما لم يأت المال والعلم؛ فإنه كلما كثر كان أشهى وأعجب؛ لأن قصد الناس له ليس لطلب مقدار الحاجة وسد الخلية كما يريده أهل القناعة والزهادة، وإنما يراد لقمع الحرص، والحرص لا حد له ولا نهاية؛ لأنه سعى لا لحاجة، وإيضاعٌ لا لبغية. وهكذا قال رسول الله ﷺ : " لو أن لابن آدم واديين من ذهبٍ لابتغى إليهما ثالثاً. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ". وقال بعض الحكماء: من كان لا يغنى بما يغنيه ... فكل ما في الأرض لا يغنيه

стр. 148

قال الله : " وتحبون المال حباً جماً ". وقال: " وإنه لحب الخير لشديد ". وقال الشاعر: والناس إن شبعت بطونهم ... فعيونهم في ذاك لا تشبع فأما الحديث الذي جاء: " لا يشبع أربعٌ من أربعة: أرضٌ من مطر، وعين من نظر، وأنثى من ذكر، وعالمٌ من علم ". فإن العين لا تشبع في الجملة كما لا يشبع الخيشوم من الاستنشاق. فأما من صنفٍ مما يراه دون صنفٍ، فإنه يشبع ويروى، ويصدف إلى غيره. وأما العلم فإنه أوسع من أن يحاط به، فمن طلبه لشرفه وفخره فإنه لا حد له ولا نهاية، ولم يزدد له طلناٍ إلا ازداد فيه رغبة. ومن طلب منه مقدار كفايته وحاجته كفاه منه اليسير. على أنه لا يملك من كثر علمه أن يرى فيه الغنى والكبرياء أيضاً. وقد يمل كما يمل كل شيء. وتمل العين أيضاً منه ومن المال. وقيل: اثنان منهومان: طالب علم وطالب دنيا. وهذه القضية تدل على الخروج عن العقل؛ لأن النهم تجاوز القدر.

стр. 149

وأما الحرص على الممنوع الذي لا ينتفع به، والعجب مما يتعجب من مثله، فليس من أخلاق العقلاء. وما لم يكن في أخلاقهم فلا نظر فيه ولا قياس عليه، وإنما ذلك فعل من استوحش من الحجة، وشرد عن علم العلل والأسباب. وإفشاء السر إنما يوكل بالخبر الرائع، والخطب الجليل، والدفين المغمور، والأشنع الأبلق، مثل سر الأديان لغلبة الهوى عليها، وتضاغن أهلها بالاختلاف والتضاد، والولاية والعداوة. ومثل سر الملوك في كيد أعدائهم ومكنون شهواتهم ومستور تدبيراتهم، ثم من يليهم من العظماء والجلة؛ لنفاسة العوام على الملوك، وأنهم سماءٌ مظلة عليهم، أعينهم إليها سامية، وقلوبهم بها معلقة، ورغباتهم ورهباتهم إليها مصروفة. ثم عداوات الإخوان؛ فإنما صارت العداوة بعد المودة أشد لاطلاع الصديق على سر صديقه، وإحصائه معايبه، وربما كان في حال الصداقة يجمع عليه السقطات ويحصي العيوب، ويحتفظ بالرقاع؛ إرصاداً ليوم النبوة، وإعاداً لحال الصريمة. وقد شكا بعض الملوك تنقيب العوام عن أسرار الملوك فقال: ما يريد الناس منا ... ما ينام الناس عنا

стр. 150

لو سكنَّا باطن الأر ... ض لكانوا حيث كنا إنما همهم أن ... ينشروا ما قد دفنا ولم نرى حب الطعن على الملوك، والتجسس على أخبارهم، وعشق نشر المعايب، واستحلال الغيبة، ظاهراً في طباع الناس لا يكاد ينجو منه أحدٌ منهم إلا من رجح حلمه وعظمت مروءته، وظهر سودده، واشتد ورعه، حتى قال بعضهم: " الغيبة فاكهةُ النساك ". ورووا عن بعضهم أنه قال: " الفاسق لا غيبة له ". وقال آخر: " أترعون من ذكر الفاسق؟ اذكروه يعرفه الناس ". ولم نر الله جل ثناؤه رخص في اغتياب مؤمن، بل ضرب المثل فيالغيبةبأكره ما تكرهه النفوس، وما تختار منه الموت على الحياة، فقال: " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ". واغتياب الناس جميعاً خطة جورٍ في الحكم، وسقوطٌ في الهمة، وسخافة في الرأي، ودناءةٌ في القيمة، وكلفة عريضة، وحسد ونفاسة، قد

стр. 151

استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعهم، وتوكدت لسوء العادة عندهم، ولعلو الشر على الخير، وكثرة الدغل والنغل والحسد في القلوب. فلست ترى منها ناجياً. إما ناظرٌ بعين عدلٍ وإنصاف، فهو يرى ما ينكر فيبدو في وجهه ولسانه. وإما ناظرٌ بعين البغضاء والعداوة فهو كثيراً ما يجد من العيوب في عدوه ما يعينه على التخرُّص عليه فيقويها ويزيد فيها. وإن عدم الحق تقول وقبح الحسن، وزاد في قبح القبيح. والحديث كله - إلا ما بال به - ذكر الناس، ولغوٌ وخطل، وهجر وهذاع، وغيبةٌ وهمزٌ ولمزٌ. وقال بعض الحكماء لابنه: يا بنى، إنما الإنسان حديث، فإن استطعت أن تكون حديثاً حسناً فافعل. وكل سرٍّ في الأرض إنما هو خبرٌ عن إنسان، أو طى عن إنسان، فله في الغيبة أكثر الحظ، وجُلُّها كلفةٌ لا ضرورة، يرى صاحبها أنه قد أهمل محاسبة نفسه، وغفر ذنوبها وألغى عيوبها، وقصد قصد غيره، فتشاغل عما يعنيه بما لا يعنيه، فأنكر أقواله وأفعاله، وهجر تدبيره، وتعجب من مقابحه، وجهد نفسه في تفقد أموره. ليس ذلك عن عنايةٍ بصلاحه، ولا محبة لتقويمه وتهذيبه، ولا أنه مسيطرٌ عليه ولا محمودٌ عنده على ما عنى به من شأنه، بل هو عنده عين المذموم. وهذا جُلّ حديث البشر وشغلهم في الليل والنهار.

стр. 152

قال بعض الحكماء: فضول النظر تدعو إلى فضل القول، وفضول الخواطر تبعث على اللهو والخطل. ولو كان الرجل لا يتكلم إلا بما يعنيه، ولا يتكلف ما قد كُفيه، قل كلامه. ولو حكَّم العدل في أموره، وفيما بينه وبين خالقه، وبينه وبين إخوانه ومعامليه، لطاب عيشه وخفت مؤونته والمؤونة عليه؛ فإن الله ﵎ لم يخلق مذاقاً أحلى من العدل، ولا أروح على القلوب من الإنصاف، ولا أمرَّ من الظلم، ولا أبشع من الجور. وقال بعض المتقدمين: " إنما يعرف الظُّلم من حُكم به عليه ". ومن استعمل العدل دله على أن الناس يجدون من طعمه وطعم الظلم إذا فعله بهم مثل الذي يجد إذا ظُلم، فكره لهم ما لنفسه، فأنصف ولم يظلم. ويتظالم الناس فيما بينهم بالشَّره والحرص المركَّب في أخلاقهم، فذلك احتاجوا إلى الحكَّام - وقد أطلق لهم تصريف أخلاقهم وأماناتهم - التي ردت إليهم بالأحكام فيها، ما جنايته عليهم أكثر مما يطالبهم به الخصوم.

стр. 153

وقال بعض الحكماء: إن من أصعب الأعمال إنصافك في نفسك، ومواساتك أخاك في مالك، وذكر الله. أما إني لا أعنى قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله - وإن ذلك لم ذكر الله - ولكن ذكره عند ما يعرض من الأمور، فإن كان طاعةً لله فعلته، وإن كان معصيةً لله اجتنبته. وروي عن بعضهم أنه قال: " ثلاثة في ظل عرش الله يوم لا ظِّل إلا ظله: رجلٌ لم يعب أخاه بعيبٍ فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه؛ فإنه لا يصلحه حتى يهجم عاى آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس. ورجلٌ لم يقدِّم يداً ولا رِجْلاً حتى يعلم: أفي طاعة الله هو أم في معصيته؟ ورجلٌ لم يلتمس من الناس إلا مثل ما يعطيهم من نفسه. أما تحبُّون أن تُنصِفوا ". وقال رسول الله ﷺ : " رحم الله عبداً أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، وشغله عيبه عن عيوب الناس ". وقال عيسى بن مريم: " يا بني إسرائيل أيرى أحدكم القذاة في عين أخيه ويغبى عن الجذع المعترض في عينه ". وقيل لعيسى بن مريم: ما أفضل أعمالك؟ قال: تركي ما لا يعنينى. وقال عمرو بن عبيد: أعيتنى ثلاث خلال: تركي ما لا يعنينى، ودرهمٌ من حِلِّه، وأخ إذا احتجت إلى ما في يديه بذله لي.

стр. 154

وما أحق من أحصيت ألفاظه وليس من قولٍ يبدر منه إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ، ومن أحصيت عليه مثاقيل الذَّرّ واستشهد عليه جلده وجوارحه أن يضبط لسانه. وقد جاء في بعض الآثار: من عدَّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما لا يعنيه. وكل امرئٍ فحسيب نفسه، غير مأخوذ بغيره، وهو الوحيد دون الأهل والولد والقرابة. وقال الله جّل ثناؤه - وقوله الحق - " كل امرئٍ بما كسب رهينٌ ". وقال: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم ". وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا مع السيف والسوط. وقال بعض الحكماء: شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بالآخر: اللسان والسيف. وأنت إذا تأملت أكثر ما يتناجى به المتحدثون وجدت أكثر السائلين يسأل عما لا يعنيه، ويكترث لما لا يكرثه، ويعنى بما لا ينفعه ولا يضره؛ وأكثر المجيبين يجيب ولم يُسأل، ويتكلَّف ما لا يعلم، ولو قال له قائل: من سألك لافتضح، ولو حاجَّه فيما ادعى ووقفه لانقطع. قال الله : " قلْ ما أسألكم عليه من أجرٍ وما أنا من المتكلفين ".

стр. 155

ومر هشام بن عبد الملك ببعض أهل الكُلفة والفضول، وعليه حُلَّة ذيالة يسحبها في التُّراب، فقال له المتكلف: يا هذا، إنك قد أفسدت ثوبك. قال: وما يضرُّك من ذلك؟ قال: ليتك ألقيته في النار. قال: وما ينفعك من ذلك؟ فأفحمه غاية الإفحام. ولو تهيأ للمتكلِّفين في كل وقتٍ مثل صرامة هشام لازدجر من به حياءٌ منهم، ولقلت الفضول والكُلف والغيبة. قالوا: وليس من أحد أذلَّ من مغتاب؛ لأنه يخفي شخصه، ويطامن حسَّه، ويغّض من صوته؛ ولا يزيد بما يناله من ذلك إلا بأن يرفع من قدر خصمه ويعظم من شأنه. قال معاوية: أتدرى من النبيل؟ هو الذي إذا رأيته هبته، وإذا غاب عنك اغتبته. وهي لعمري سبيل العظماء عند العوام، والملوك عند الرعية، والسادة عند العبيد. فلم يأخذ المغتاب ممن اغتابه شيئاً بعضيهته إياه إلا والذي أعطى من الهيبة عند حضوره أكثر منه. ولو كان المغتاب لا يستتر من الغيبة إلا ممن يخاف سطوته، كان أعذر. ولكن اللؤم المتمكن منه يحمله على اغتياب عبده وأمته، فضلاً عن كفئه ونظيره.

стр. 156

ويغتاب الرجل عند عدوّه والمشاحن له، مساعدةً له بالسخف، وتقرباً إليه بالمهانة والضعف، من غير أن يكون له عليه طول، أو يلتمس منه ما تقرَّب به إليه جزاءً أو شكورا. ثم لعله ينكفي إلى الذي اغتابه وقصبه من ساعته ويومه، فيعطيه في عدوه الذي اغتابه عنده أيضاً مثل ذلك وأكثر منه، لا لعلةٍ أيضاً ولا مرفق ولا ربحٍ أكثر من الذِّلَّة التي يجدها في نفسه، والضعف في منَّته، كما يعظِّم الغنيَّ بغير ثمن، ويحتقر الفقير بغير سبب، فمتى كوشف أو عوتب لبسته ذلّةٌ أُخرى من الكظَّة بالمعاذر الكاذبة، والاعتصام بالأيمان الفاجرة. ومن كانت هذه دربته فهو حرى أن يُطَّلع على دخلة أمره، فلا يُقبَل منه عذر، ولا يُصَّق في قولٍ ولا حلف، وقد تسربل الذِّلّة، وتدرع الخضوع. وليس من سوس النفس الكريمة الشهمة، أن تلقى الناس بخلاف ما يتخلَّقون به مل لم تأت ضرورة يحتاج فيها إلى كيد وغيلة، أو مكر وحيلة، ويثار بالغيبة فيها الرأي الأصيل من مكانه، فيفعل ذلك العاقل فيما يحل له ويحسن به، بعد أن تعييه الحيلة في استصلاح ذلك العدو بالرفق والملاينة. وإنما قيل: " قل من اعتذر إلا كذب "، لكثرة النَّطف في الناس،

стр. 157

وضعف أنفسهم على الإقرار بالذنب، فلا ذلَّة الضعف الثاني في الاعتذار نهت عن كلفة الضعف الأول في الاغتياب، ولا كلفة الضعف الأول صانت عن ذلَّة الضعف الثاني. وعلى أن أكثر من يُعتذر إليه ليس بقابلٍ للعذر على حقيقةٍ وإن أظهر القبول، لما جرَّب من سخاء الناس بالأيمان، وبعدهم من الإقرار بالذنب ما لم تأت حجة واضحة، ودليلٌ شاهد عدل. وإذا كانت هذه سبيل المعتذَر إليه فيحق على المعتذِر - إن كانت في نفسه قيمة - أن لا يعتذر إلا إلى من يحبُّ أن يجد له عذراً، ولا يعجل إلى المَيْن وهو لا يجد للحجة مكانا. وأكثر من يُعتذر إليه إنما يُفعل ذلك به خوفاً من سقطته، وإبقاءً لسلطانه. والمتفقِّهون يتأولون في الأيمان السلطانية ما يُلحق بها عند السلطان التهمة، ويلزمهم الظّنّة، سيما في الأمور التي في الإقرار بها إباحة الدم والمال، وهتك الستر. ولا حسم لهذا الداء إلا باطراح الفضول، وسلامة اللسان من أن يلغ في الأعراض، ويستسر بالعضيهة والبهت.

стр. 158

قال رسول الله ﷺ : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ". ومن لم يسلم الناس منه فليس سالماً من نفسه. وقال القائل: احرس أخاك إلا من نفسه. وقالوا: مقتل المرء بين فكَّيه. وكتب على بعض أبواب المدن بالسند: احفظ رأسك. وقال الأول: قد تصل النِّصال إلى الإخوان فتُستخرج، وأمثال النِّصال من القول إذا وصلت إلى القلب لم تُستخرج أبداً. وقال بهرام، وسمع في الليل صوت طائر فتحدَّاه بسهم وهو لا يراه، إلا أنه تتبع الصوت فصرعه، فلما صار بين يديه قال: والطير أيضاً لو سكت كان خيراً له! وقيل: ما شيء أحق بطول سجنٍ من لسان. وقيل: يسأل اللسان الأعضاء في كل يوم فيقول: كيف أنتن؟ فيقلن: بخيرٍ إن تركتنا!

стр. 159

وقال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل: " وهل يكبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ". وقال عيسى ﵇: " أعمال البر ثلاثة: المنطق، والنظر، والصمت. فمن كان منطقه في غير ذكر الله فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبارٍ فقدسها، ومن كان صمته في غير تفكّر فقد لها ". فانظر بأي الأمرين قطعت عمرك؟ أبالحكمة أم باللغو؟ وانظر كيف وصف الله تعالى من أثنى عليه بخير من عباده فقال: " والذين هم عن اللَّغو مُعْرِضون "، وقال: " وإذا سمعوا اللَّغو أعرضوا عنه "، وقال: " وإذا مرُّوا باللغو مَرُّوا كراماً ". وصان عنه أسماع أهل الجَّنة وألسنتهم فقال: " لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً. إلا قيلاً سلاماً سلاما ". وقال رسول الله ﷺ : " العبادة عشرة أجزاء، تسعةٌ منها في الصمت ". وقال علي بن أبي طالب: " أفضل العبادة الصبر وانتظار الفرج ".

стр. 160

وقال بعض الحكماء: لو لم يكن للصامت في صمته إلا الكفاية لأن يتكلَّم بكلام ويُحكى عنه محرَّفا فيُضطرَّ إلى أن يقول: ليس هكذا قلت، إنما قلتُ كذا وكذا. فيكون إنكاره إقراراً، واعترافه بما حُكى عنه شاهداً لمن وشى به، وادعاءً لتحريفٍ غير مقبول منه إلا أن يأتي ببينة له لكان ذلك من أكثر فضائل الصَّمت. وربما ذكر رجلٌ الله ﵎، فكان ذلك الذكر إثماً له، لأنه قد يُدخله في باب تفخيم الذنب الحقير والإغراء والتحريض، فيسفك الدم الحرام، أو يعظِّم الجرح الصغير. بل ربما ضحك وتبسَّم، فأغْرَى وحرَّض، وأثم وأوبق. قال بعض الشعراء: فإن شئت أدلى فيكما غير واحدٍ ... مجاهرةً أو قال عندي في سرِّ فإنْ أنا لم آمُرْ ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلجَّ ويستشرى وقالت العرب: " من كُفِيَ شرَّ لقلقه وذبذبه وقبقبه فقد كُفِيَ الشرّ ". وهذا بابٌ لولا أن نشغل القارئ لهذا الكتاب بغير ما قصدنا إليه وعزمنا عليه لأتينا عليه. وهو كثير موجودٌ لمن طلبه، وجملةٌ واحدة فيها

стр. 161

كفاية؛ فإنما تختلف الألفاظ التي تُجعل كسوةً لتلك المعاني. وإلا فإنّك إذا نظرت إلى جميع شرور الدنيا وجدت أولها كلمة عارت فجنت حرباً عوناً. كحرب بكر وتغلب ابنى وائل، وعبسٍ وذبيان ابنى بغيض، والأوس والخزرج ابنى قَيْلة، والفِجار الأول والثاني، وعامة حروب العرب والعجم. وإذا تأملت أخبار الماضين لم تُحص عدد من قتله لسانه وكان هلاكه في كلمةٍ بدرت منه. وليس العجب ممن أفضى بسرِّه إلى من ليس له بموضعٍ، ممَّن تقدَّمت معرفته وزالت الشكوك عنه في أمره؛ ولكنَّ العجب عين العجب ممن استنام بسرِّه إلى من لم تقدم معرفته ومن أنس إليه عن اللِّقاءة واللِّقاءتين، دون معرفة العين والاسم، والسبب والنسب، فانخدع في أوّل وهلة وغُبِن عقله قبل أن يُغبَن دينه وماله، وتضاعفت عليه البليّة بطول الحسرة؛ فإنَّ البلاء عارضٌ ومكتسب، فكان العارض السَّماوى وما خوَّلته الأقدار سرّاً بعد اجتهاد صاحبه رأيه، وحيلته في طلب الخير. وصواب تدبيره فيه أسهل وأيسر على العاقل المعتاد للصواب، وإن كان كل مكروه مرّاً بشعاً. وإنما الكرب اللازم والداء العياء ما اجتمع على صاحبه مع الفجيعة والحاجة، والنَّقص والذِّلّة، غمُّ النَّدامة والأسف على ما فرط منه؛ إذ كان الجانى على نفسه بيده.

стр. 162

ولهذا الكلام نظرُ نكره التطويل به، والمعنى واحدُ، وإنما نحتاج من هذا ومثله - مما قدمنا ذكره في الكتاب - إلى حفظ السرّ ووزن القول. وإلى هذا أجرينا، وله قصدنا. ولو اقتصرنا في هذا الكتاب على حرفٍ مما فيه، لكان بإذن الله كافياً لمن له لُبٌ وعقل، لكن الاحتجاج أوكد، والإيضاح أبلغ، والحظَّ في هذا القول كله لمن عقله والآخذ به، أوفر منه لمن قاله ولم يعمل بقوله؛ لأنه إنما يجتنى ثمرة الصواب، ويختلف برفقه من صدَّق قوله بفعله؛ فإن الحكمة قول وعمل، وإنما حظُّ القائل ما لم يستعمل علمه وقوله حظُّ الواصفين؛ وحسن الصِّفة يزول بزوالها، وينقطع بانقطاعها؛ ومدتها - إلى أن يملها القائل والسامع - يسيرة. والأفعال المحمودة متصلة النفع والشرف والفضيلة في الحياة وبعد الوفاة، ومذخورٌ للأعقاب، وحديثٌ جميلٌ، ونشرٌ باقٍ على مرِّ الجديدين. وأكثر من ذلك كله توفيق الله وتسديده؛ فإن القلوب في يده، والخيرات مقسوماتٌ من عنده. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 163

تم كتاب كتمان السر من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، بعون الله وتأييده، ومشيئته وتوفيقه. والله الموفق للصواب برحمته. والحمد لله أولاً وآخراً، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.

стр. 164

الرسالة الرابعة كتاب فخر السودان على البيضان

стр. 165

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تولاك الله وحفظك، وأسعدك بطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته. ذكرت - أعاذك الله من الغشِّ - أنك قرأت كتابي في محاجة الصرحاء للهجناء، وردِّ الهجناء، وجواب أخوال الهجناء، وأني لم أذكر فيه شيئاً من مفاخر السودان. فاعلم حفظك الله أني إنما أخرت ذلك متعمداً. وذكرت أنك أحببت أن أكتب لك مفاخر السودان، فقد كتبت لك ما حضرني من مفاخرهم. قال الأصمعى: قال الفرز عبد فزارة وكانت في أذنه خُربة: إن الوئام يتترع في جميع الطَّمْش: لا يقرب العنز الضَّأن ما وجدت

стр. 166

الماعز، وتنفر الشاة من المخلب ولا تأنس بالخف. وأنشد أبو زيد النحوي: " لولا الوئام هلك الإنسان ". وقال شدادٌ الحارثيُّ - وكان خطيباً عالماً -: قلت لأمةٍ سوداء بالبادية: لمن أنت يا سوداء؟ قالت: لسيد الحضر يا أصلع. قال: قلت أو لستِ سوداء؟ قالت: أو لست أصلع؟ قلت: ما أغضبك من الحق. قالت: الحق أغضبك، لا تشتُمْ حتى تُرهب، ولأن تتركه أمثل. وقال شداد: لقد كلَّمتها وأنا أظنُّ أنِّي أفي بأهل نجد، وما نزعت عنِّي إلا وأنا عند نفسي لا أفي بأمَتِي. وقال الأصمعي: قال عيسى بن عمر: قال ذو الرُّمَّة: قاتل الله أمةَ آل فلانٍ السوداء، ما كان أفصحها وأبلغها! سألتها كيف كان المطر عندكم؟ قالت: غٍثْنا ما شئنا.

стр. 167

مناقب السودان أن لقمان الحكيم منهم، وهو الذي يقول: ثلاثة لا تعرفهم إلا عند ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشجاع عند الخوف، والأخ عند حاجتك. وقال لابنه: إذا أردت أن تخالط رجلاً فأغضِبْه ذلك، فإنْ، أنصفك وإلا فاحذره. ولم يرووا ذلك عنه إلا وله أشياء كثيرة. وأكثر من هذا مَدْحُ الله إياه وتسميته الحكيم، وما أوصى به ابنه. ومنهم: سعيد بن جبير، قتله الحجَّاج قبل موته بستة أشهر وهو ابن تسعٍ وأربعين سنة، ومات الحجّاج وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وكان سعيدٌ أورع الخَلْق وأتقاهم، وكان أعظم أصحاب ابن عباس. وأصحاب الحديث يطعنون في الذي يجيء من قبل أصحاب ابن عباس حتى يجيء من سعيد بن جبير. وأبوه مولى بني أسد، وهو مولى بني أميّة، وقُتِل يوم قُتِل والناس يقولون: كلُّنا محتاجٌ إليه. ومنهم: بلالٌ الحبشيُّ ﵁، الذي يقول فيه عمر بن الخطاب

стр. 168

رضي الله عنه: إن أبا بكرٍ سيدنا وأعتق سيدنا، وهو ثلث الإسلام. ومنهم: مهجع، وهو أول قتيلٍ قُتِل بين الصِّفَّين في سبيل الله. ومنهم: المقداد، وهو أول من عدا به فرسه في سبيل الله. ومنهم وحشيٌّ قاتل مُسيلمة الكذاب. وكان يقول: قتلت خير الناس - يعني حمزة بن عبد المطلب ﵁ وقتلت شر الناس - يعني مُسيلمة الكذاب -. ومنهم: مكحولٌ الفقيه. ومنهم: الحَيقُطان الشاعر، الذي كان يَفضُل في رأيه وعقله وهمَّته. وهو الذي يقول في الإخوان: لا تعرفُ الأخ حتَّى ترافقه في الحضر، وتزامله في السفر.

стр. 169

ومنهم: جُليبِيب الذي تحدثت الرواة أن رسول الله ﷺ خرج في غزاةٍ فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً. ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً. ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا في الثالثة: لا. قال: لكني أفقد جُليبيباً، اطلبوه. فطلبوه بين سبعةٍ قد قتلهم ثم قُتِل. فقال النبي ﷺ : " قتل سبعةً ثم قتلوه. هذا منِّي وأنا منه ". قال: ثم حمله على ساعديه حتى حفروا له، ما له سريرٌ غير ساعدَيْ رسول الله ﷺ . قال: ولم يذكروا غُسْلاً. ومنهم: فرجٌ الحجَّام وكان من أهل العدالة، والمقدَّمين في الشَّهادة. أعتقه جعفر بن سليمان؛ وذلك أنه خدمه دهراً يصلح شاربه ولحيته ويهيئه، فلم يره أخطأ في قولٍ ولا عمل، فقال: والله لأمتحنَّنه، فإن كان ما أرى منه عن تدبيرٍ وقصدٍ لأعتقنه ولأزوَّجتَّه ولأغنينَّه. وإن كان على غير ذلك عرفتُ الصنع فيه. فقال له ذات يوم وهو يحجمه: يا غلامُ، أتحتجم؟ قال: نعم. قال: ومتى؟ قال: عند الحاجة. قال: وتعرفُ ذلك؟ قال: أعرفُ أكثره وربما غلِطت. قال: فأيَّ شيء تأكل؟ قال: أمَّا الشتاء

стр. 170

فداكبراه خائرة حلوة. وأما في الصيف فسكباجةٌ حامضة عذبة. فبلغ به جعفر بن سليمان ما قال. وهو الذي يقول فيه أبو فرعون: خلُّوا الطَّريق زوجتي أمامي ... أنا حميمُ فرجِ الحجّام قال: وبلغ من عدالته ونبله في نفسه وتوقِّيه وورعه، أن مواليه من ولد جعفرٍ وكبار أهل المربد، كانوا لا يطعمون أن يُشْهده إلا على أمرٍ صحيح لا اختلاف فيه. وأما الحَيقُطان فقال قصيدةً تحتجُّ بها اليمانية على قُريشٍ ومضر، ويحتجُّ بها العجم والحبشُ على العرب، وكان جريرٌ رآه يوم عيدٍ في قميص أبيض وهو أسود، فقال:

стр. 171

كأنه لما بدا للناس ... أير حمارٍ لُفَّ في قرطاس فلما سمع بذلك الحيقطان وكان باليمامة، دخل إلى منزله فقال هذا الشعر: لئن كنتُ جعد الرَّأسِ والجلدُ فاحمٌ ... فإنَّي لَسَبْطُ الكفِّ والعرضُ أزهر وإنَّ سواد اللَّون ليس بضائِري ... إذا كنتُ يوم الروع بالسَّيف أخطرُ فإن كنت تبغي الفخر في غير كنهه ... فرهُط النَّجاشي منك في الناس أفخر تأبَّى الجُلَنْدَي وابن كسرى وحارثٌ ... وهوذة والقبطي والشيخُ قيصرُ وفاز بها دون الملوك سعادةً ... فدام له الملك المنيع الموفّرُ ولقمان منهم وابنه وابنُ أمِّه ... وأبرهةُ الملك الذي ليس يُنكَرُ غزاكم أبو يكسوم في أمِّ داركم ... وأنتم كقبْصِ الرمل أو هو أكثر

стр. 172

وأنتم كطير الماء لما هوى لها ... ببلقعةٍ، حُجن المخالبِ أكدرُ فلو كان غير الله رامَ دفاعه ... علمت وذو التَّجريب بالناس أخبرُ وما الفجرُ إلا أن تبيتوا إزاءه ... وأنتم قريبٌ ناركم تتسعَّرُ ويدلُف منكم قائد ذو حفيظة ... نُكافحه طوراً وطورا يدبَّرُ فأما التي قُلتم فتلكم نُبوَّة ... وليس بكم صُون الحرام المستَّرُ وقلتم لقاحٌ لا نؤدي إتاوة ... فإعطاء أريانٍ من الفَرِّ أيسر ولو كان فيها رغبةٌ لمتوَّجٍ ... إذاً لأتتها بالمقاول حميرُ وليس بها مشتىً ولا متصيَّف ... ولا كجُؤاثا ماؤها يتفجَّر

стр. 173

ولا مرتعٌ للعين أو متقنَّص ... ولكن تجراً، والتجارة تُحقَر ألست كُليبيّا وأمك نعجةً ... لكم في سمان الضّان عارٌ ومفخر أما قوله: تأبى الجلندى وابن كسرى وحارثٌ ... وهوذة والقبطى والشيخ قيصرُ فإنه يقول: كتب النبيُّ ﷺ إلى بني الجُلندي فلم يُؤمنوا وكذلك كسرى، وكذلك الحارث بن أبي شَمِر، وكذلك هوذة بن علي الحنفي، وكذلك المقوقس عظيم القبطِ صاحبُ الإسكندرية، وكذلك قيصر ملك الرُّوم. على أن بني الجُلندي قد أسموا من بعد ذلك الكتاب، ولكنَّ النَّجاشيَّ أسلم قبل الفتح، فدام له ملكه ونزع الله من هؤلاء النِّعمة. وقيصر إنْ كان قد بقي من ملكه شيءٌ فقد أخرجوه من كلِّ مكانٍ يبلغُه ظِلفٌ أو حافر، وصار لا يتمنَّع إلا بالخليج وبالعقاب والحصون وبالشتاء والثلوج والأمطار. وفخر بلقمان وابنه. وأما قوله: غزاكم أبو يكسوم في أمِّ داركم ... وأنتم كقِبْص الرَّمل أو هو أكثر

стр. 174

فإنه يعنى صاحب الفيل حين أتى ليهدم الكعبة. يقول: كنتم في عدد الرَّمل، فلم فررتمْ منه ولم يلقه أحدٌ منكم حتَّى أفضى إلى مكة، ومكة أمُّ القرى، ودار العرب، هي جزيرة العرب ومكة قريةٌ من قراها، ولكن لما كانت أقدمها قدما، وأعظمها خطراً، جُعلِت لها أمّاً. ولذلك قيل لفتح مكة: فتح الفتوح. وعلى مثل ذلك سميت فاتحة الكتاب: أمَّ الكتاب والعرب قد تجعل الشىء أمَّ ما لم يَلِدْ. من ذلك قولهم: ضربه على أمِّ رأسه، وكذلك أمّ الهاوية. والضَّيف يسمى ربّة منزله أمَّ مثواي. وقال أعرابيٌّ وقد أصابته براغيثُ عند امرأةٍ كان نزل بها: يا أمَّ مثواى عدِمت وجهك ... أنقذنى ربُّ العُلا من مصرك ولذع بُرغوثٍ أراه مُهلكى ... أبيت ليلي دائب التحكّك تحكّك الأجراب عند المبرك وقد أبان الله تعالى مكة والبيت حين قال: " إن أوَّلَ بيتٍ وضع للناس لَلَّذِي بِبَكَّة مُباركاً وهدىً للعالمين ".

стр. 175

يقول: فإذا غُزِيت - وهي أمُّ القرى وفيها البيتُ الحرام الذي هو شرفُكم - فقد غُزِي جميعكم. وأما قوله: وأما التي قُلتم فتلكم نبوّةٌ ... وليس بكم صُون الحرام المستَّرُ وقلتم لقاحٌ لا نؤدّى إتاوةً ... فإعطاء أريانٍ من الفرِّ أيسر فاللقاح: البلد الذي لا يُؤدِّى إلى الملوك الأريان. والأريان: هو الخراج، وهو الإتاوة. وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص: أبوا دِين الملوك فهم لَقاحٌ ... إذا نُدِبوا إلى حربٍ أجابوا قال: فقلتم إنَّا لقاحٌ ولسنا نؤدّي الخراج والأريان. قال: فإعطاء الخراج أهون من الفرار وإسلام الدار وأنتم مثل عدد مَنْ جاءكم المرار الكثيرة. وأما قوله: وليس بها مَشْتىً ولا متصيَّف ... ولا كجُؤاثا ماؤها يتفجَّرُ قال: ليس في الغلبة على مكة رغبة، ولولا ذلك لغزاها أهل اليمن وغيرهم. وليس بها مشتىً ولا متصيَّف؛ لأنهم يتبرَّدون بالطائف ويتدفَّوْن بجدَّة. وجؤاثا: عينٌ بالبحرين. وليس بمكة شيءٌ يدانى ذلك.

стр. 176

وقال: ولا مرتعٌ للعين أو متقنَّص ... ولكنَّ تجراً والتجارة تُحقرُ يقول: ليس بها متنزَّهات، وصيدها حرام، وإنما بها تُجَّار والتُجَّار يُحقرون. يقول: هم عند الناس في حدِّ الضعف ولا يستجيز ملكٌ أخذ الذي به يتعيَّشون، ولا يكون ما يُؤخذ منهم يقوم بنوائب الملوك، وهم قومٌ ليس عندهم امتناعٌ. ولذلك يقول الشاعر معاوية بن أوس، وهو جاهليٌّ: وزِقٍّ سبأتُ لدى مَتجرٍ ... أُسيوِدَ كالرَّجل الأسحم ضربتُ بفيهِ على نحره ... وقائمه كيد الأجذَم إلى التاجر العربي الشحي ... ح أو خمر ذي النَّطف الطمطم أراد بهذا كلِّه قريشاً. يقول: هم تجّار وقد اعتصموا بالبيت، وإذا خرجوا علَّقوا عليهم المُقْل ولحاء الشَّجر حتى يُعرفوا فلا يقتلهم أحد.

стр. 177

وأما قوله: ألست كليبيّاً وأمُّك نعجةٌ ... لكم في سمان الضَّأن عارٌ ومفخرُ فإن بنى كُليبٍ يُرمون بإتيان الضَّأن، وكذلك بنو الأعرج، وسُليم. وأشجع تُرمى بإتيان المَعْز. وقال النَّجاشي: ولو شتمتنى من قريشٍ قبيلةٌ ... سوى ناكة المعزى سُليمٌ وأشجعُ وقال الفرزدق: ولستُ مضحِّياً ما دمت حيّاً ... بشاةٍ من حَلوبةِ أعرجى فما أدري إذا أنفقتُ مالي ... لعلَّ الشاة تُبقر عن صبيِّ وقال الآخر: إذا أحببت أن تغْلى أتاناً ... فدُلَّ الدراميَّ على شراها ويُقبِّل ظهرها ويكاد لولا ... قحول الظَّهر يدنو من قفاها وودَّ الدرامى لو أنَّ فاه ... إذا نال الحمارة نال فاها وقال عبد بن رشيد: قبيلةُ سوءٍ خيرهم مثل شرِّهم ... ترى منهم للضأن فحلاً وراعيا إذا جُليتْ فيهم عروسٌ لبعلها ... ترى النَّعجة البقعاء أبكى البواكيا

стр. 178

ولذلك قال الأخطل: فانعقْ بضأنك يا جرير فإنما ... منَّتك نفسك في الخلاء ضلالا ولذلك قال الحيقطان: ألست كليبيّاً وأمك نعجةٌ ... لها في سمان الضَّأن عارٌ ومفخرُ أما العار فالذي شاع عليهم من ذكر النِّعاج. وأما المفْخر يقول: إذا فخروا فخروا بالشَّاء، ولا يبلغون إلى حدِّ الإبل. ومن مفاخر السُّودان والزِّنج والحبش مع ما ذكرنا من قصيدة الحيقطان، أنَّ جرير بن الخطفى لما هجا بنى تغلب وقال: لا تطلُبَنَّ خؤولةً في تغلبٍ ... فالزِّنج أكرم منهم أخوالا غضب سنيح بن رباح شار، فهجا جريراً، وفخر عليه بالزِّنج فقال: ما بال كلبٍ من كليبٍ سبَّنا ... أن لم يوازن حاجباً وعقالا

стр. 179

إن امأً جعل المراغة وابنها ... مثل الفرزدق جائر قد فالا والزِّنج لو لاقيتهم في صفِّهم ... لاقيت ثمَّ جحاجحاً أبطالا فسل لبن عمرو حين رام رماحهم ... أرأى رماح الزِّنج ثمَّ طوالا فجعوا زياداً بابنه وتنازلوا ... لكما دُعُوا لنزال ثمَّ نزالا ومربِّطين خيولهم بفنائهم ... وربطت حولك شيِّها وسخالا كان ابن ندبة فيكم من نجلنا ... وخفافٌ المحمَّل الأثقالا وابنا زُبيبة: عنترٌ وهراسةٌ ... ما إن نرى فيكم لهم أمثالا سل ابن جيفر حين رام بلادنا ... فرأى بغزوتهم عليه خبالا وسليكٌ اللَّيث الهزبر إذا عدا ... والقرمُ عبّاسٌ علوك فعالا هذا ابن خازمٍ ابن عجلى منهم ... غلب القبائل نجدةً ونوالا أبناء كلِّ نجيبةٍ لنجيبةٍ ... أسدٌ تربِّب عندها الإشبالا فلنحن أنجب من كليب خؤولةً ... ولأنت ألأم منهم أخوالا وبنو الحباب مطاعن ومطاعم ... عند الشِّتاء إذا تهبُّ شمالا

стр. 180

أما ابن عمرٍو الذي ذكر، فهو حفص بن زياد بن عمرٍو العتكى، كان خليفة أبيه على شرطة الحجاج، فغلب رباح شار الزِّنجى على الفرات، فتوجَّه إليه حفص بن زيادٍ فقتله رباحٌ وقتل أصحابه واستباح عسكره. وأما ابن جيفر فهو النعمان بن جيفر بن عباد بن جيفر بن الجلندى. كان غزا بلاد الزِّنج فقتلوه وغنموا عسكره. ثم ذكر أبناء الزِّنجيات حين نزعوا إلى الزِّنج في البسالة والأنفة. فذكر خفاف بن ندبة، وعباس بن مرداس، وابنى شدادٍ: عنترة الفوارس وأخاه هراسة، وسليك بن السُّلكة. فهؤلاء أسد الرجال، وأشدُّهم قلوباً وأشجعهم بأساً، وبهم يضرب المثل. ومنهم: عبد الله بن خازمٍ السُّلمى، وبنو الحباب: عمير بن الحباب وإخواته. وكان أيضاً منهم: الجحَّاف بن حكيم. وهم أيضاً يفخرون برباحٍ أخى بلال وحاله وصلاحه. ويفخرون بعامر بن فهيرة، بدرى استشهد يوم بئر معونة، فرآه الناس قد رفعه الله بين السماء والأرض، فليس له في الأرض قبر.
следующие страницы →