Полный текст (1 368 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وقال الآخر:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه عسير
وقال آخر:
إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فليس يقال له من هوه
إذا لم يسد قبل شدِّ الإزار ... فذلك فينا الذي لا هوه
ولي صاحبٌ من بني الشيصبان ... فطوراً أقول وطوراً هوه
وزعموا أن عمرو بن سعيد قال له معاوية - وذلك قبل أن يبلغ ويحتلم - إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: إنَّ أبي أوصى إليَّ ولم يوصِ بي. وقال: فيم أوصاك؟ قال: أوصاني ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه.
стр. 282
ولو لم يعرف ذلك إلا بعبد الله بن العباس وحْده كان ذلك كافياً، وبرهاناً شافياً، فإن الأعجوبة فيه أربتْ على كلِّ عجب، وقطعتْ كلَّ سبب. وقد رأيتم حاجة عُمر إليه، واستشارته إياه، وتقويمه لعثمان ﵄ وتغييره عليه. ولو لم يكن للفضيلة من بين أقرانه مستحقّاً، وبها مخصوصاً، ما خصَّه الرسول ﷺ بالدعوة المستجابة، ولما خصَّه بعلم الكتاب والسُّنَّة وهما أرفع العلم، وأشرف الفكر. ويدُلُّك على تقديمه للغاية، وإيثاره للتعليم والاستبانة، قوله حين قيل له في حداثته وقبل البلوغ في سنّه: ما الذي آتاك هذا العلم وهذا البيان والفهم؟ قال: " قلبٌ عقولٌ، ولسانٌ سؤول ".
وقد عرفتم تحاكم العرب في الجاهلية في النُّفورة، وفي غير ذلك من المخايرة والمشاورة، إلى أبي جهل بن هشام في أيَّام حداثته وفتائه؛ ولذلك أدخلوه دار الندوة، ودفع مع ذوي الأسنان والحنكة من بين جميع الشُّبَّان، ومن بين جميع الفتيان.
ولذلك قال قُطبة بن سيَّار حكيم فزارة حين تنافر إليه عامر بن الطُّفيل وعلقمة بن عُلاثة: عليكم بالحديد الذِّهن، الحديث السِّنّ. يعني أبا جهل.
стр. 283
فهذا كلُّه دليلٌ واضح، وبرهان بيِّن.
ولعل قائلاً أن يقول: إنما الفضل في خشونة الملبس؛ وليس ذلك لمن مدحت، ولا هذه صفة من وصفت.
وهذا بابٌ - أبقاك الله - قد يغلظ فيه العاقل ما لم يكن بارعاً، والفطن ما لم يكن ثاقباً، والأريب ما لم يكن كاملاً. ولو كان الفضل والرِّياسة والقدر والنَّباهة على قدر قشف الجلدة وبذاذة الهيئة، وكثرة الصَّوم، وإيثار الوحْشة والسياحة لكان عثمان بن مظعونٍ متقدِّماً لأبي بكر الصديق رضوان الله عليه، ولكان بلال بن رباحٍ غامراً لعثمان بن عفان ﵄.
وقد قال ابن شهابٍ الزُّهري: ليس الناسك إلا من غلب الحرام صبره، والحلال شكره.
فهذا ما حضرنا من القول، وأمكننا من الاحتجاج. وما أشكُّ أنَّ من خبر أمرك أكثر من اختباري كان عنده أكثر من علمي. وعلى أنَّ منظرك - أسعدك الله - يُغني عن المخبر، والفراسة فيك تكفي مؤونة التجربة لك. وقد تقيَّلت بحمد الله أخلاق شيخك، واحتذيت على مثالهكما احتذى على مثال من كان قبله. ولو لم يتعقَّبوا أمرك، ويتصفَّحوا سيرتك في نفسك ثم في خاصَّتك وعامَّتك، لكان في صدق الفراسة وظهور المحبّة ما تقضي به النفوس، ويستدلُّ به المجرِّب.
وظنُّ العاقل كيقين غيره.
стр. 284
قال عمر بن الخطاب ﵁: إنك لن تنتفع بعقله حتَّى تنتفع بظنِّه.
وقال أوس بن حجر:
الألمعي الذي يظن لك الظَّ ... ن كأنْ قد رأى وقد سمعا
وقال وهو يمدح ابن كلدة بصدق الحسِّ، وصواب الحدْس، وجودة الظن:
أريبٌ أديب أخو مأزقٍ ... نقاباً يخبٍّر بالغائب
وقال آخر يمدح بمثل ذلك عبد الملك بن مروان:
رأيت أبا الوليد غداة جمعٍ ... به شيبٌ وما فقد الشَّبابا
ولكن تحت ذاك الشَّيب حزمٌ ... إذا ما ظنَّ أمرض أو أصابا
وقال الله ﵎: " ولقد صَدَّق عليهم إبليس ظنَّه ". وقال: " إنَّ بعض الظّنَّ إثم ". وفي ذكره البعض دليلٌ على أنَّ سائر ذلك صواب وطاعة.
стр. 285
وكان من أسباب دفْعي إليك هذا الكتاب - أبقاك الله - دون أبي عبد الله أكرمه الله، أنكما قد تجريان في بعض الأمور مجرىً واحداً، ولأنك وإنْ كنت كثير الشُّغل فهو أقلُّ فراغاً منك على كثرة شُغلك، وفرط عنايتك بما استكفاك واسرعاك. وإنْ جعلت لي قسماً من وقت فراغك، ونصيباً من ساعة نشاطك. رجوت أن يصير إلى ما أمَّلناه عندك من الإنعام عليّ، والاسترهان لشكري؛ فإنَّ العرب لم تعظِّم شيئاً قطُّ كتعظيمها موقع الإنعام والشكر والأحدوثة الحسنة، والذكر والتمييز، والاستمداد للنعم، والكفر حائل بين العّوْد والبدْء.
قال عنترة:
نِّبيت بشراً غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثةٌ لنفس المنعم
وقال السِّنديُّ:
فلم أُجز بُالحسنى وعادت مشاربي ... بلاقع يقروها الحمام المُقرقرُ
تبدَّلت بالإحسان سوءاً وربما ... تنكَّر للمعروف من كان يكفر
стр. 286
ويدل على حبِّهم للثناء وجميل الذكر قول الأسديّ:
فإني أحبُّ الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم
وقال:
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بمسعاتنا إنَّ الثناء هو الخلد
وقال الغنويّ:
فإذابلغتم أهلكم فتحدَّثوا ... إنَّ الحديث مهالكٌ وخلود
فجعلوا الذكر بالجميل مثل الخلود في النعيم.
وعلى هذا المعنى قال في درك الثأر:
فقتلاً بتقتيل وعقراً كعقركم ... جزاء العطاس لا يموت من اثّأر
وقال حكيم الفرس حين بلغه موت الإسكندر، وهو قاتل دارا بن دارا: ما ظننت أنَّ قاتل دارا يموت! وهذا القول هو أمدح منه لقاتله. ولم أسمع للعجم كلمةً قطُّ أمدح منها. فأما العرب فقد أصبت لهم من هذا الضرب كلاماً كثيراً.
стр. 287
ومما يدلُّ على قدر عظم الشكر عند الشاكر والمشكور له من العرب، قول أوس بن حجرٍ في حليمة:
سنجزيك أو يجزيك عنَّا مثوِّبٌ ... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي
وقال بعض الشعراء:
فلم أجزه إلا التشكّر جاهداً ... وحسبك منِّي أن أقول فأحمد
وكانوا يرون للذنب مالا يراه غيرهم. وقال امرؤ القيس بن حجر: " وجرح اللسان كجرح اليد ".
стр. 288
وقال جرير: " وللسيف أشوى وقعةً من لسانيا " في أشعار كثيرة.
ولست أمتُّ إليك - أكرمك الله - بعد التوحيد ونفى التشبيه، ونصرتي للدِّين، بأمرٍ أنا به أوثق من رغبتك في شكر الكرام والأحدوثة الحسنة. قال الله : " ورفعنا لك ذكرك " وقال: " وإنَّه لذكرٌ لك ولقومك ". فلو كان حبُّ الذكر خطيئةً لما رغَّبهم فيه، ولا عدَّ في نعمه.
ولعل قائلاً أن يقول: وكيف لم تذكر أمير المؤمنين، والمعتصم برب العالمين، الذي حقق الله به الدِّين وسدّد به الثغور، وردَّ به المظالم، وحسمبه عرق البغي ونواجم الفتنة؛ الذي لم يزل الله يزيده في كلِّ طرفةٍ محبة، ومع كلِّ محبة هيبة، ومع كلِّ نعمةٍ شكراً، ومع كل شكرٍ فضلا. وهو المبتدئ بهذا الأمر والقائم به، والقطب الذي عليه تدور الرحى، وعلى مثاله احتذى من احتذى، وبلسانه نطق، وعن رأيه صدر. وبيمن نقيبته ظهر، وبفضل قوَّته نهض. وهو أول هذا الأمر ووسطه، به يتمَّ إن شاء الله تعالى.
стр. 289
قلنا: إنَّ عقل الرسول يدلُّ على مرسله، واعتدال القناة يدلُّ على حذق المثقف، ومديحك الوزير راجعٌ إلى وزيره والمحتذي على مثاله، بل قد علم الناس أنَّ الحظَّ الأكبر للآمر دون المطيع، وللمعلم دون القائل، ولأن المسبب في عداله وعند النظر والتحصيل، أفضل من المسبب، والمتبوع خير من التابع. ألا ترى أنَّ من مدح الأنصار فهو للنبي ﷺ والمهاجرين أمدح، وإن لم يظهر ذكرهم في الوصف.
قال جرير: " تلكم قريش والأنصار أنصاري " وقال رؤبة: " ومن على المنبر لي والمنبر " وربما كانت الكناية أبلغ في التعظيم، وأدعى إلى التقديم، من الإفصاح والشرح. وربما أتى من السكوت بما يعجز القول عنه وقد بلغ أقصى حاجته وغاية أمنيته بالإيماء ة الإشارة، حتى يكون تكلُّف القول فضلاً، والكلام خطلا.
وما عيى أن أقول فيمن قد قوى عقله بطبيعته، وانتصف عزمه من شهوته، وكان عمله وفق علمه، وعمله غامراً لخصمه.
стр. 290
وقد يجري الملك على عرق صالح ومنشأ سوء، فيقدح ذلك في عرقه وإن لم يستأصله، وقد يكون له عرقٌ صالحٌ ومنشأ صدقٍ، وتكون أداته تامةً ويكون مؤثراً لهواه، فيكون في الاسم وفي ظاهر الحكم كمن فسد عرقه وخبث منشؤه.
وقد جمع الله لأمير المؤمنين مع كرم العروق وصلاح المنشأ، البعد من إيثار الهوى. وهل رأيت أفعالاً أشبه بأخلاقٍ، ولا أخلاقاً أشبه بأعراقٍ، من أفعاله بأخلاقه، وأخلاقه بأعراقه.
فنسأل الله الذي أسندنا بخلافته، أن يمنَّ علينا بطول بقائه، وأن يخصّنا بحسن نظره كما خصَّنا بمعرفة حقِّه، والاحتجاج لملكه، والذبّ عن سلطانه.
ولربما كان اللسان أنفذ من السنان، وأقطع من السيفِ اليمان.
أطال الله بقائك وحفظك، وأتمَّ نعمته عليك، وكرامته لك.
стр. 291
الرسالة السابعة
رسالة إلى عبد الله أحمد بن أبي دواد
يخبره فيها بكتاب الفتيا
стр. 292
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أطال الله بقائك وأعزك، وأصلح على يديك.
كان يقال: السلطان سوق، وإنما يجلب إلى كلِّ سوق ما ينفق فيها.
وأنت أيها العالم معلم الخير وطالبه، والداعي إليه، وحامل الناس عليه من موضع السلطان بأرفع المكان؛ لأن من جعل اللَّه إليه مظالم العباد، ومصالح البلاد، وجعله متصفحاً على القضاة، وعتاداً على الولاة، ثم جعله الله منزع العلماء، ومفزع الضعفاء، ومستراح الحكماء، فقد وضعه بأرفع المنازل، وأسنى المراتب.
وقد قال أهل العلم، وأهل التجربة والفهم: " لما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن ".
وقد كان يقال: شيئان متباينان، إن صلح أحدهما صلح الآخر: السلطان والرعية.
فقد صلح السلطان، وعلى الله تمام النعمة في صلاح الرعية، حتى يحقق الأثر، وتصدق الشهادة في الخبر.
стр. 293
فنسأل الذي منحك حسن الرعاية أن يمنحنا حسن الطاعة.
وقد نظرت في التجارة التي اخترتها، والسوق التي أقمتها، فلم أر فيها شيئاً ينفق إلا العلم والبيان عنه، وإلا العمل الصالح والدعاء إليه، وإلا التعاون على مصلحة العباد، ونفي الفساد عن البلاد.
وأنا - مدَّ الله في عمرك - رجلٌ من أهل النظر، ومن جمال الأثر، ولا أكمل لكل ذلك ولا أفي؛ إلا أني في سبيل أهله وعلى منهاج أصحابه. والمرء مع من أحبَّ، وله ما اكتسب.
وعندي - أبقاك الله - كتابٌ جامعٌ لاختلاف الناس في أصول الفتيا، التي عليها اختلفت الفروع وتضادّت الأحكام، وقد جمعت فيه جميع الدعاوي مع جميع العلل. وليس يكون الكتاب تاماً، ولحاجة الناس إليه جامعاً، حتى تحتجّ لكلِّ قولٍ بما لا يصاب عند صاحبه، ولا يبلغه أهله؛ وحتى لا نرضى بكشف قناع الباطل دون تجريده، ولا بتوهينه دون إبطاله. وقد قال رسول ربِّ العالمين وخاتم النبيّين، محمد ﷺ : " تهادوا تحابوا ".
فحث على الهدية وإن كان كراعاً وشيئاً يسيرا. وإذا دعا إلى اليسير الحقير فهو إلى الثمين الخطير أدعى، وبه أرضى.
ولا أعلم شيئاً أدعى إلى التحابِّ، وأوجب في التهادي، وأعلى منزلةً وأشرف مرتبة، من العلم الذي جعل اللَّه العمل له تبعاً، والجنة له ثواباً.
ولا عذر لمن كتب كتاباً وقد غاب عنه خصمه، وقد تكفل بالإخبار عنه، في ترك الحيطة له، والقيام بكل ما احتمله قوله. كما أنه لا عذر له في التقصير عن فساد كل قول خالف عليه، وضادَّ مذهبه، عند من قرأ كتابه
стр. 294
وتفهَّم أدخاله، لأنَّ أقل ما يُزيل عذره ويزيح علَّته، أنَّ قول خصمه قد استهدف لخصمه، وأصحر للسانه ومكَّنه من نفسه، وسلَّطه على إظهار عورته. فإذا استراح واضع الكتاب من شغب خصمه ومداراة جليسه، فلم يبق إلا أن يقوى على كسر الباطل أو يعجز عنه.
ومن شُكر المعرفة بمغاوي الناس ومراشدهم، ومضارِّهم ومنافعهم، أنْ تحتمل ثقل مؤونتهم في تعريفهم، وأن تتوخَّى إرشادهم، وإن جهلوا فضْل ما يُسدي إليهم.
ولم يُصنِ العلم بمثل بذله، ولم يُسْتبْق بمثل نشره. على أنَّ قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم، إذْ كان مع التلاقي يكثر التَّظالم، وتُفرط النُّصرة، وتشتدُّ الحميَّة. وعند المواجهة يُفرط حبُّ الغلبة، وشهوة المباهاة والرِّياسة، مع الاستحياء من الرجوع، والأنفة من الخضوع. وعن جميع ذلك تحدث الضَّغائن، ويَظْهر التّباين. وإذا كانت القلوب على هذه الصِّفة وهذه الحلْية، امتنعت من المعرفة، وعميت عن الدَّلالة.
стр. 295
وليست في الكتب عِلَّةٌ تمنع من درْك البُغية، وإصابة الحُجّة؛ لأنَّ المتوحِّد بقراءتها، والمتفرِّد بفهم معانيها، لايُباهي نفسه، ولا يغالب عقْله.
والكتاب قد يفضل صاحبه، ويرجح على واضعه بأمور: منها أنَّه يوجد مع كل زمانٍ على تفاوت الأعصار، وبُعد ما بين الأمصار. وذلك أمرٌ يستحيل في واضع الكتاب، والمنازع بالمسألة والجواب. وقد يذهب العالم وتبقى كتبه، ويَفْنى المعقِّب ويبقى أثره. ولولا ما رسمتْ لنا الأوائل في كتبها، وخلَّدت من عجيب حكمها، ودوّنتْ من أنواع سيرها؛ حتَّى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغْلق علينا، فجمعْنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركُه إلاَّ بهم لقد خسَّ حظُّنا في الحكمة، وانقطع سببنا من المعرفة، وقصُرت الهمّة، وضعفت النيَّة، فاعتقم الرّأي وماتت الخواطر، ونبا العقل.
وأكثر من كتبهم نفعاً، وأحسن ما تكلّموا به موقعاً، كتب الله التي فيها الهُدى والرحمة، والإخبار عن كلّ عبرة، وتعريف كلِّ سيِّئة وحسنة.
فينبغي أن يكون سبيلُنا فيمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا. على أنّا قد وجدنا من العبرة أكثر ممَّا وجدوا، كما أنَّ من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا.
فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، والنَّاشر للحقِّ من القيام بما يلزمه.
стр. 296
فقد أمكن القول وصلح الدهر، وخوى نجم التَّقيَّة، وهبَّت ريح العلماء، وكسد الجهل والعيّ وقلعت سوق العلم والبيان.
وهذا الكتاب - أرشك الله - وإن حسن في عيني، وحلا في صدري، فلست آمن أن يعتريني فيه من الغلط ما يعتري الأب في ابنه، والشاعر في قريضه.
والذي دعاني إلى وضعه مع إشفاقي منه، وهيبتي لتصفُّحك له، أنِّي حين علمت أنَّ الغالب على إرادتك، والمستولي على مذهبك، تقريب العالم وإقصاء الجاهل، وأنَّك متى قرأت كتاباً أو سمعت كلاما، كنت من وراء ما فيه من نقصٍ أو فضل، باتِّساع الفهم، وصحة العلم؛ وأنك متى رأيت زللاً غفرته وقوَّمت صاحبه، ولم تُقرِّعْه به، ولم تخْرمه له. ومتى رأيت صواباً أعلنته ورعيته، فدعوت إليه وأثبْت عليه. ولأنِّي حين أمنت عقاب الإساءة، ووثقت بثواب الإحسان، كان ذلك موجباً لنظْمه وموحياً للتقرُّب به. والسَّبب أحقُّ بالتَّفضيل من المسبَّب؛ لأنَّ الفعل محمول على سببه، ومضافٌ إليه، وعيالٌ عليه، ومضمَّن به.
وإحساني - مد الله في عمرك - في كتابي هذا إن كنت محسناً، صغيرٌ
стр. 297
في جنب إحسانك، إذْ كنت المثير له من مراقبه، والباعث له من مراقده. فلذلك صار أوفر النصيبين لك، وأمتن السببين مضافاً إليك. وإنْ كنت قد قصَّرت عن الغاية، فأنا المضيَّع دونك. وإن كنت قد بلغتها ففضلك أظهر وحظُّك أوفر. لأنِّي لم أنشط له إلاَّ بك، ولا اعتمدت فيه إلاَّ عليك.
ولولا سوقك التي لا ينفق فيها إلاَّ إقامة السنّة، وإماتة البدعة، ودفع الظُّلامة، والنظر في صلاح الأمَّة لكانت هذه السِّلعة بائرة، وهذا الجلب مدفوعاً، وهذا العلْق خسيسا.
فالحمد لله الذي عمر الدُّنيا بك، وأخذ لمظلومها على يديك، وأيَّد هذا المُلْك بيمنك، وصدَّق فراسة الإمام فيك.
وأيَّة منزلةٍ أرفع وأيّة حالةٍ أحمد، ممَّن ليس على ظهرها عالمٌ إلاَّ وهو يحنُّ إليه، أو قد صار إلى كنفه وتحت جناحه. وليس على ظهرها ظالمٌ إلاَّ وهو يتَّقيه، ولا مظلوم إلاَّ وهو يستعديه.
ومن يقف على قدر ثواب من هذا قدره، وهذه حاله؟! وعندي - مدَّ الله في عمرك - كتبٌ سوى هذا الكتاب، وليس يمنعني من أن أهديها إليك معاً إلاَّ ما أعرفه من كثرة شُغْلك، وكثرة ما يلزمك من التَّدبير في ليلك ونهارك. والعلم وإن كان حياة العقل، كما أنَّ العقل حياة الروح، والرُّوح حياة البدن، فإنَّ حكمه حكم الماء وجميع الغذاء، الذي إذا فضل عن مقدار الحاجة عاد ذلك ضرراً. وإنَّما يسوغ الشَّراب ويستمرأ الطَّعام الأوّل فالأوّل. فكذلك العلم يجري مجراه، ويذهب مذهبه.
ومن شأن النُّفوس الملالة لما طال عليها، وكثر عندها. فليس لنا أن نكون من الأعوان على ذلك، ومن الجاهلين بما عليه طبائع البشر؛
стр. 298
فإنَّ أقواهم ضعيفٌ، وأنشطهم سؤوم؛ وإن كانت حالاتهم متفاوتةً فإنَّ الضَّعف لهم شامل، وعليهم غالب.
فإذا قُرأ عليك - أيدك الله - هذا الكتاب التمسنا أوقات الجمام وساعات الفراغ، بقدر ما يمكن من ذلك ويتهيَّأ. والله الموفِّق لذلك، والمهيِّأ له. ثمَّ أتبعْنا كلَّ كتاب بما يليه إنْ شاء الله.
وليست بحمد الله من باب الطَّفرة والمداخلة، ولا من باب الجوهر والعرض، بل كلُّها في الكتاب والسُّنَّة، وبجميع الأمة إليها أعظم الحاجة.
ثم نسأل الذي عرَّفنا فضلك، أن يصل حبلنا بحبلك، وأن يجعلنا من صالحي أعوانك، المستمعين منك، والناظرين معك؛ وأن يُحسِّن في عينك ويُزيِّن في سمعك، ما تقرَّبْنا به إليك، والتمسنا الدنوَّ منك، إنَّه قريب مجيب، فعالٌ لما يريد.
أطال الله بقاءك، وأتمَّ نعمته عليك، وكرامته لك في الدُّنيا والآخرة.
стр. 299
الرسالة الثامنة
رسالة إلى أبي الفرج بن نجاح الكاتب
стр. 300
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جُعلت فداك، وأطال الله بقاك، وأعزَّك وأكرمك، وأتمَّ نعمته عليك وأيّدك.
قد نسخت لك - أعزَّك الله - في صدر هذا الكتاب قصيدةً قيلت في أبي الفرج أدام الله عزّه، ذكروا أن قائلها رجلٌ يكنى أبا عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمان هشام بن المغيرة، أم أبو عثمان عفّان بن أبي العاص.
ولا أدري أهو أبو عثمان عنبسة بن أبي سفيان، أم أبو عثمان سعيد بن عثمان، ولا أدري أهو عثمان النَّهدي عبد الرحمن بن مُلّ، أم أبو عثمان ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن.
стр. 301
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان إسحاق بن الأشعث بن قيس.
ولا أدري أهو أبو عثمان المنذر بن الزُّبير بن العوَّام، أم أبو عثمان عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان أبو العاص بن بشر بن عبد دُهْمان، وهو اسمه.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة بن حبيب بن عبد شمس، أمْ أبو عثمان عبد الله بن عامر بن كُريز.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن أسعد بن إمام المسجد الجامع الأعظم، أم أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب.
стр. 302
ولا أدري أهو أبو عثمان فيروز حُصينٍ العنبريّ، أمْ أبو عثمان بن عُمر بن أبي عثمان الشَّمَّريّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان خالد بن الحارث بن سليمان الهُجيْميّ، أم أبو عثمان أبو العاص بن عبد الوهاب الثقفيّ.
стр. 303
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن وهب الشاعر، أم أبو عثمان عمرٌو الأعور الخاركي.
ولا أدري أهو أبو عثمان الحكم بن صخر الثّقفي، أم أبو عثمان عمرو بن بكر المازنيّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان الأعور النحويّ، أم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.
والذي لا أشك فيه أنّه لم يقرضها أبو عثمان عمرو بن حزْرة، ولا أبو عثمان عمرو المخلخل، ولا أبو عثمان إبراهيم بن يزيد المتطبِّب، ولا أبو عثمان سعيد بن حيان البزاز.
وقد بلغني عن أبي عثمان هذا المجهول موضعه، المغمور نسبه، أنه قال: ما راكب الأسد الأسود، والبحر الأخضر، والمصبور على السَّيف الحسام،
стр. 304
بأحق بجهد البلاء وشماتة الأعداء، ممّن تعرَّض للمتصفِّحين، وتحكَّك بالعيّابين، وحكَّم في عرض الحسدة المغتابين.
فإن سلم فبحُسْن النيّة، ولأنه مدح كريماً، ووصف حليماً. والكريم صفوح، والحليم متغافل. وإن ابتلى فبذنبٍ، وما عفا الله عنه أكبر.
وقال: اللهم اجعلْ هذا القول حسناً في عينه، خفيفاً على سمعه، وألْهمْه حُسن الظزِّ به، وبسط العُذْر له، إنك سميع الدعاء، رحيمٌ بالضعفاء.
والقصيدة هي قوله:
أقام بدار الخفض راضٍ بحظِّه ... وذو الحرص يسري حين لا أحدٌ يسري
يظنُّ الرِّضا بالقسْم شيئاً مهوَّناً ... ودون الرضا كأسٌ أمرُّ من الصَّبر
جزعت فلم أعتبْ فلو كنت ذا حجاً ... لقنَّعت نفسي بالقليل من الوفْر
أظنُّ غبيَّ القوم أرغد عيشةً ... وأجذل في حال اليسارة والعُسْر
تمرُّ به الأحداث تُرعد مرّةً ... وتُبرق أخرى بالخطوب وما يدري
سواءٌ على الأيام صاحب حُنْكةٍ ... وآخرُ كابٍ لا يريش ولا يبري
стр. 305
فلو شاء ربيِّ لم أكن ذا حفيظةٍ ... طلوباً لغايات المكارم والفخر
خضعت لبعض القوم أرجو نواله ... وقد كنت لا أعطي الدنيَّة بالقسْرِ
فلما رأيت المرء يبذل بشره ... ويجعل حُسن البشر واقية التِّبْر
ربعت على ظلْعي وراجعت منزلي ... فصرْت حليفاً للدراسة والفكر
وشاورت إخواني فقال حكيمهم عليك الفتى المُرِّيَّ ذا الخلق الغَمْر
فتىً لم يقف في الدهر موقف ظنّةٍ ... فيحتاج فيه للتَّنصُّل والعُذْرِ
أعيذك بالرحمن من قول شامتٍ ... أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو
ولو كان فيه راغباً لرأيته ... كما كان دهراً في الرَّخاء وفي اليُسْرِ
أترضى فدتك اليوم نفسي وأسرتي ... بتأخير أرزاقي وأنت تلي أمري
стр. 306
ألا يا فتى الكتاب والعسكر الذي ... تأزّر بالحسنى وأُيِّد بالنَّصرِ
أخاف عليك العين أو نفس وامقٍ ... وذو الوُدِّ منخوب الفؤاد من الذُّعرِ
وعهدي به والله يُرشد أمره ... ويحفظه في القاطنين وفي السَّفْرِ
مُطلاًّ على التدبير ما يستفزُّه ... مكايد محتالٍ عقاربه تسري
برأيٍ يُزيل الطَّودمن مستقرِّه ... وأوضح عند الخصم من وضح الفجرِ
وعزمٍ كغرب المشرفيّ مصمَّمٍ ... وقلبٍ ربيط الجأش منثلج الصدرِ
فيا ابن نجاحٍ أنجح اللهُ سعيكم ... وأيّدكم بالنَّصر والعدد الدَّثْرِ
قعدت فلم أطلب وجُلت فلم أُصب ... خليلاً يواسيني ويرغب في شكري
وإن أخفقتْ كفِّي وقد علَقتْكمُ ... فقد قال رأيي واستنمت إلى شعري
أعيذك بالرحمن أن تُشمت العدى ... فللفقرُ خيرٌ من شماتة ذي الغمْرِ
فإن ترع وُدَّي بالقبول فأهلُه ... ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر
وحسبك بي إن شئت ودّاً وخُلَّةً ... وحسبك بي يوم النَّزاهة والصَّبر
ألا ربَّ شكر دائر الرسم دارسٍ ... وشكر كنقش الحميريّة في الصَّخر
قال أبو عثمان المجهول: إذا كان الممدوح ظاهر المحاسن كثير المناقب فلم يُجد الشاعر كان ألوم.
стр. 307
ونعوذ بالله أن يكون فيكم ما يستدعي الألفاظ الشريفة والمعاني النفيسة، ويكون التقصير منيّ.
وكيفما تصرَّفت بي الحال فإنِّي لم أخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين. فإن وقعت هذه القصيدة والتي قدّمنا قبلها بالموافقة فالحمد لله. وإن خالفت فنستغفر الله. وإن شيّعتم ضعفها بقوّة كرمكم، وقوّمتم أودها بفضل حلمكم، كان في ذلك بلاغٌ لما أمَّلنا. والله الموّفق.
стр. 308
الرسالة التاسعة
كتاب فصل ما بين العداوة والحسد
стр. 309
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أصحب الله مدّتك السعادة والسلامة، وقرنها بالعافية والسرور، ووصلها بالنعمة التي لا تزول، والكرامة التي لا تحول.
هذا كتابٌ - أطال الله بقاءك - نبيلٌ بارع، فُصل فيه بين الحسد والعداوة، ولم يسبقْني إليه أحد ولا إلى كتاب فضل الوعد الذي تقدَّم هذا الكتاب، ولا إلى كتاب أخلاق الوزراء الذي تقدَّم كتاب فضْل الوعد.
وإنما نُبلتْ هذه الكتبوحسنت وبرعت، وبذَّت غيرها؛ لمشاكلتها شرف الأشراف، بما فيها من الأخبار الأنيقة الغريبة، والآثار الحسنة اللطيفة، والأحاديث الباعثة على الأخلاق المحمودة، والمكارم الباقية المأثورة، مع ما تضمَّنتْه من سير الملوك والخلفاء ووزرائهم وأتباعهم، وما جرت عليه أحوالهم.
فأنا أسألك بساطع كرمك وناصع فضلك، لما امتننت عليَّ بصرف عنايتك إلى قراءتها.
فإنْ لم يمكنك تبحُّرها والتقصِّي لجميعها، للأشغال التي
стр. 310
تعروك، فبحسبك أن تقف على حدودها، وتتعرَّف معاني أبوابها بتصفُّح أوائلها؛ فإن معك قلباً به من اليقظة والذكاء، والتوقد والحفظ، ما يكفي معه النظر الخاطف.
إنه لم يخلُ زمنٌ من الأزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إلا وفيه علماء محِقُّون، قد قرءوا كتب من تقدمهم، ودارسوا أهلها، ومارسوا الموافقين لهم، وعانوا المخالفين عليهم، فمخضوا الحكمة وعجموا عيدانها، ووقفوا على حدود العلوم، فحفظوا الأمهات والأصول، وعرفوا الشرائع والفروع، ففرقوا ما بين الأشباه والنظائر، وصاقبوا بين الأشكال والأجناس، ووصلوا بين المتجاور والمتوازي، واستنبطوا الغامض الباطن بالظاهر البيِّن، واستظهروا على الخفيِّ المشكل بالمكشوف المعروف، وعُرفوا بالفهم الثاقب والعلم الناصع، وقضت لهم المحنة بالذكاء والفطنة، فوضعوا الكتب في ضروب العلوم وفنون الآداب لأهل زمانهم، والأخلاف من بعدهم. يزدلفون بذلك إلى الممتنّ عليهم بفضل المعرفة التي ركَّبها الله فيهم، وأبانهم من غيرهم، وفضَّلهم عليهم، ويباهون به الأمم المخالفة لهم، ويتبارون بذلك فيما بينهم. ولهم حُسادٌ معارضون من أهل زمانهم في تلك العلوم والكتب،
стр. 311
منتحلةٌ يدعون مثل دعاويهم، قد وسموا أنفسهم بسمات الباطل، وتسمَّوْا بأسماء العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزُّور متزخرفين متشبِّعين بما لا محصول له. يحتذون أمثلة المحقِّين في زيِّهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في ألفاظهم وألحاظهم، وحركاتهم وإشاراتهم، لينسبوا إليهم ويُحلُّوا محلهم، فاستمالوا بهذه الحيلة قلوب ضعفاء العامة، وجهلاء الملوك، واتخذهم المعادون للعلماء المحقِّين عُدةً يستظهرون بهم عند العامة. وحمل المدعية للعلم المزور الحسد على بهْت العلماء المحقِّين، وعضْههم والطعن عليهم، وجرّأهم على ذلك ما رأوا من صَغْو ضعفة القلوب وإذلة الناس إليهم، وميل جهلاء الملوك معهم عليهم، وأملوا أن ينالوا بذلك بشاشة العامة، وتستوي لهم الرياسة على طغام الناس ورعاعهم، ويستخولوا رعاتهم وقومهم، فهمروا وهدروا وتوردوا
стр. 312
على أهل العلم بغباوتهم، وكشفوا أغطية الجهل عن أنفسهم، وهتكوا ستراً كان مسدلا عليهم بالصمت. فقد قيل: " الصمت زين العالم، وستر الجاهل "؛ طمعاً في الرياسة وحباً لها. وقد قيل:
حبُّ الرياسة داءٌ لا دواء له ... وقلَّما تجد الراضين بالقسم
ولم يخل زمنٌ من الأزمنة من هذه الطبقة ولا يخلو. وهلاك من هلك من الأمم فيما سلف بحبِّ الرياسة. وكذلك من يهلك إلى انقضاء الدهر فبحبِّ الرياسة.
وقد قيل: هلاك الناس منذ كانوا إلى أن تأتي الساعة بحبِّ الأمر والنَّهي، وحبِّ السَّمع والطاعة.
فأشكل على العامة أمر العالم الحقيقيّ والمدعي المجاري المنتحل للزُّور والباطل؛ ثم ترادف عليهم من هذه العلل التي يعمى لها السبيل الواضح والطريق المنشأ، على الجاهل المستضعف؛ وذي الغباء المسترهف.
ولست آمن - جعلني الله فداك - أن تكون هذه الكتب التي أُعنى بتأليفها، وأتأنق في ترصيفها، يتولى عرضها عليك من قد لبس لباس الزور في انتحال وضع مثلها، ونسب نفسه إلى القوة على نظائرها، والمعرفة بما يقاربها، إن لم يكن أخاها فابن عمِّها، وتشبع بما لم يُطعمْه الله منها.
стр. 313
ولعل بعض من حوله، أو بعض من يهزل به، ويرتع في عقله ويلهو بلبه، ويضعه على طبطابة اللعب، وفي أرجوحة العبث، يوهمه. الحسد له على ما يدَّعي من ذلك، ويتقدم إلى آخرين في إيهامهم إياه ذلك، فيزيده فعلهم ضراوةً بادعاء ما ليس معه وهو منه عارٍ. فإذا رجع إلى الحقائق علم أن مثله كما قد قيل:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبطْ بما في البطن والبطن جائع
وقد قيل: " الذئب يغبط وهو جائع ". فيلتوي في قراءتها، ويقبض لسانه عن بسط ما يحتاج أن ينشره منها، ويقصِّر في تفخيم حروفها ولا يملأ فمه منها.
بل لا آمن أن يتجاوز ذلك إلى الطعن عليها بقولٍ أو إشارة، فيوهم فساد معانيها ويُومي إلى سقوط ألفاظها، من غير أن يُظهر المعاداة لها، والحسد لمؤلفها، والحمل عليها بقولٍ يكون دليلاً على ما يضمر، وهو أبلغ ما يكون من قلب المستمع وأنجعه فيه، فيقع ذلك بخلده. وقد قيل: " من يسمع يخلْ ".
стр. 314
وليس يقابله أحدٌ بردٍ، ولا يوازيه بنزاع، فيزداد نشاطاً عندما يرى من خلاء الأمر. وقد قيل: " كلُّ مُجْرٍ في الخلاء يُسرُّ " وكلُّ مناظر متفردٍ بالنظر مسرور، وإنما يُعرف جري الخيل عند المسابقة، وبراعة النظر عند المخاصمة.
وقال لي بشرٌ المريسي: عُرض كتابي على المأمون في تحليل النبيذ، وبحضرته محمد بن أبي العباس الطوسي، فانبرى للطعن عليه والمعارضة للحجج التي فيه، وأسهب في ذلك وخطب، وأكثر وأطنب، فقلق المأمون واحتدم، وهاج واضطرم؛ لاستحقار الطُّوسي وخلاء المجلس له، وكان
стр. 315
يحب أن يزعه وازعٌ يكفُّه بحجةٍ تسكنه، فلما لم ير أحداً بحضرته يذبُّ عن كتابي قال متمثلاً:
يا لك من قُبّرةٍ بمعمر ... خلا لك الجوُّ فبيضى واصفرى
ونقِّرى ما شئت أن تنقِّري
فما كان إلا ريث فراغه من التمثل بهذه الأبيات حتى استؤذن لي فدخلت عليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في النبيذ؟ فقلت: حلٌّ طلقٌ يا أمير المؤمنين. فقال: فما تقول فيما أسكر كثيره؟ قلت: لعن الله قليله إذا لم يسكر إلا كثيره. ثم قال: إن محمداً يخالفك. فأقبلت على ابن أبي العباس فقلت له: ما تقول فيما قال أمير المؤمنين؟ قال: لا خلاف بيني وبينك. كلاماً يوهم به أهل المجلس، حبّاً للتسلُّم مني والتخلُّص من مناظرتي، لا على حقيقة التحليل له. فاستغنمت ذلك منه وقلت له: فما لي لا أرى أثر قواه في عقلك؟ فضحك المأمون، فلما رأيت ضحكه أطنبت في معاني تحليل النبيذ، وابن أبي العباس ساكتٌ لا ينطق، وكان قبل دخولي ناطقاً لا يسكت. فلما رأى المأمون سكوته عند حضوري مع كثرة كلامه في ثَلْب كتابي وعيبه كان قبل دخولي، قال متمثِّلاً:
ما لك لا تنبح يا كلب الدَّومْ ... قد كنت نباحاً فما لك اليومْ
стр. 316
ثم نظر إليَّ فقال: إنَّ الكتب عقول قومٍ وراءها عندهم حججٌ لها، فما ينبغي أن يُقضى على كتابٍ إلا إذا كان له دافع عنه، وخصمٌ يبين عما فيه؛ فإن أبناء النِّعم وأولاد الأسْد محسودون.
ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، بإزاء كل حاسد راهن.
وقد قيل في مثلٍ من الأمثال: " الحسن محسود ". وفي مثل آخر: " لن تعدم الحسناء ذاماً ". وقال الأحنف بن قيس:
ولن تصادف مرعىً ممرعاً أبداً ... إلا وجدت به آثار مأكول
يقول: يُعاث في كل مرعىً حسنٍ ويؤكل منه، فيعيبه ذلك.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: " ما أحدث الله بعبدٍ نعمةً إلا وجدت له عليها حاسداً. ولو أن امرأً كان أقوم من القدْح لوجدت له غامزاً ".
стр. 317
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: الحاسد لا يملك إلا عنان حسده؛ لآنه مغلوبٌ على نفسه.
وقال الخطاب بن نُمير السعدي: الحاسد مجنون؛ لأنه يحسد الحسن والقبيح.
وقال المهلب بن أبي صفرة: الحسد شهابٌ لا يبالي من أصاب، وعلى من وقع.
والعداوة لها عقل تسوس به نفسها فينجم قرنها، وتُبدى صفحتها في أوقات الهتْر. وإلا فإنها كامنةٌ تنتهز أزمنة الفرص. والحسد مسلوب المعقول بإزاء الضَّمير في كل حينٍ وزمانٍ ووقت.
ومن لؤم الحسد أنه موكل بالأدنى فالأدنى، والأخصِّ فالأخص. والعداوة وإن كانت تقبَّح الحسن فهي دون الحسد؛ لأن العدو المباين قد يحول وليّاً منافقاً، كما يحول المولى المنافق عدوّاً مبايناً.
والحاسد لا يزول عن طريقته إلا بزوال المحسود عليه عنده. والعداوة تحدث لعلةٍ، فإذا زالت العلة زالت معها. والحسد تركيب لعله يحسد عليه فهو لا يزول إلا بزواله. ومن هذا قال معاوية ﵀: يمكنني أن أرضي الناس كلهم إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه منها إلا زوالها.
وأعداء النعمة إذا شوركوا فيها ونالوا منها تزحزحوا عن عداوتها، وكانوا من أهلها المحامين عنها، والدافعين عن حماها.
стр. 318
ومن هذا قال المغيرة بن شعبة: النعمة التي يعاش فيها نعمةٌ محروسة ليس عليها ثائر يغتالها، ولا ذو حسد يحتال في غيرها.
وقال قتيبة بن مسلم: خير الخير وأحصنه خيرٌ عيش فيه. وكلُّ خيرٍ كان يرضخ بذلاً كان من المتالف ممنوعاً، ومن الغير آمناً.
وحسَّاد النعمة إن أعطوا منها وتبحبحوا فيها، ازدادوا عليها غيظاً وبها إغراء.
والعداوة تُخلِقُ وتُمَلُّ، والحسد غضٌّ جديد، حرم أو أعطي، لا يبيد. فكلُّ حاسد عدو بحاسد. وإنما حمل اليهود على الكفر بمحمد ﷺ وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أنه نبيٌّ صادق ورسول محق، يقرءون بعثه في توراتهم، ويتدارسونه في بيت مدْراسهم - الحسد، وحجز بين علمائهم والإيمان به، ثم نتج لهم الحسد عداوته.
ومن الدليل على أن الحسد آلم وآذى وأوجع وأوضع من العداوة، أنه مُغرىً بفعل الله ، والعداوة عارية من ذلك لا تتصل إذا اتصلت إلا بأفعال العباد. ولا يُعادى على فعل الله تباركت أسماؤه. ألا ترى أنك لم تسمع أحداً عادى أحداً لأنه حسن الصورة جميل المحاسن، فصيح
стр. 319
اللسان حسن البيان. وقد رأيت حاسد هذه الطبقة وسمعت به، وهم كثير تعرفهم بالخبر والمشاهدة.
فهذا دليلٌ على أن الحسد لا يكون إلا عن فساد الطبع، واعوجاج التركيب، واضطراب السُّوس.
والحسد أخو الكذب، يجريان في مضمار واحد؛ فهما أليفان لا يفترقان، وضجيعان لا يتباينان. والعداوة قد تخلو من الكذب؛ ألا ترى أن أولياء الله قد عادوا أعداء الله إذ لم يستحلُّوا أن يكذبوا عليهم؟! والحسد لا يبرأ من البُهت، وكيف يبرأ منه وهو عموده الذي عليه يعتمد، وأساسه به البناء يُعقد. وأنشد:
كضرائر الحسْناء قُلن لوجهها ... كذباً وزوراً إنه لدميم
والحسد نارٌ وقوده الرُّوح، لا تبوخ أبداً أو يَفْنى الوقود. والحسد لا يبلى المحسود أو الحاسد. والعداوة جمر يُوقده الغضب، ويطفئه الرِّضا، فهو مؤمَّلالرُّجوع مرجو الإنابة. والحسد جوهرٌ والعداوة اكتساب.
وقال بعضهم: الحسد أنثى، لأنه ذليل؛ والعداوة ذكرٌ فحْل، لأنها عزيزة.
стр. 320
والحسد وإن كان موكلا بالأدنى فالأدنى فإنه لم يعر منه الأبعد فالأبعد. فقد رأينا وشاهدنا من كان يسكن العراق وينتحل العلم والأدب، انتهى إليه خبر مشاركٍ له في الصناعة من أهل خراسان وجنْبة بلْخ من اتساق الرياسة في بلده، وجميل حاله ونبيل محلِّه عند أهل مصره، وطاعة العامة له، وترادف الناس عليه، فطار قلبه فرقاً، وأخذتْه الأرْباء، وتنفس الصعداء وانتفض انتفاض المفلس الممطور، فقال لي رجلٌ من إخواني كان عن يميني، حين رأى ما رأى منه: بحقٍّ قال من قال: " لم يُر ظالم أشبه بمظلوم من حاسد نعمة؛ فإن نفسه متّصل، وكربه دائم، وفكرته لا تنام ".
وهو في أهل العلم أكثر، وعليهم أغلب، وبهم أشدُّ لصوقاً منه بغيرهم من الملوك والسُّوقة. وكأن من ناله التقصير في صناعة العلم عن غايته القصوى قد استشعر حسد كل ما يرد عليه من طريف أدبٍ، أو أنيق كلام، أو بديع معنىً. بل قد وقع بخلده لضعفه، وقرَّ في روعه لخساسته، أنه لا ينال أحدٌ منهم رياسةً في صناعة، ولا يتهيأ له سياسة أهلها، إلا بالطَّعن
следующие страницы →