Полный текст (1 368 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وجوارٍ كأنَّهنَّ نجومُ اللَّيْل زُهْرٌ مثْلُ الظِّباءِ الجوازي
واضحاتُ الخدود أُدْمٌ وبيضٌ ... فاتناتٌ ميلٌ من الأعْجازِ
بيْن عوَّادةٍ وأُخرى بصنْجٍ ... في بساتينها وفي الأحْوازِ
ذاك خيْرٌ من التَّردُّدِ في بغْداد تنْزُو بي البغالُ النَّوازي
كُلَّ يومٍ في كُمَّةٍ وقميصٍ ... ورداءٍ من الغُبار طرازي
لمْ يحكْهُ النَّسَّاجُ يوماً لبيعِ ... لا ولا يُشترى من البزَّازِ
أخذت أهلها الشَّياطين بالرَّكْضِ لطول الشَّقاءِ والإعْوازِ
كُلُّ شيْخٍ تخاله حين يبدو ... فوق برذوْنه كشخْصٍ حجازي
وجميل الفُسيْلُ أعنى ابن محْفو ... ظٍ عدُوُّ النَّدى وسلم المخازي
ألفتْ اسْته الفياشل حتَّى ... ما تشكَّى للطَّعْنِ بالعُكَّازِ
يأخذ الأسود الّذي يفرق الحوَّاء منْه كدسْتج المنْحازِ
ليْثُ غابٍ بدبْرهِ حين يَلقى ... وجبانٌ في الحرب يوم البرازِ
стр. 702
بعدتْ داره فلا ردَّهُ اللهُ ولازال نائي الدَّارِ شازي
ذاك شخْصٌ به عليَّ هوانٌ ... كهوان الخُصى على الخبّازِ
الخلق المركب
أمّا ما ذكرنا من أجناس الحيوان المركَّبات، كالبغل والشِّهْري، والمُقْرف، والهجين، وكالبُخْت والبهونيّ، والصَّرصرانيّ، والطير الورْداني، والحمام الراعبيّ، فقد عرفنا كيف تراكيب ذلك، وعرفنا اختلاف الآباء والأُمَّهات. فأمَّا السِّمْع والعسبْار
стр. 703
والدَّيْسم والعُدار والزّرافة، فهذا شيء لم أحُقَّه.
وقد أكثر الناس في هذا وفي اللُّخْم، وفي الكوْسج، وفي الدُّلْفين، وفيما يتراكب بين الثعلب والسِّنَّوْر البرّيّ، فإنّ هذا كله إنما نسمعه في الأشعار، في البيت بعد البيت، ومن أفواه رجالٍ لا يُعرفون بالتحصيل والتثبُّت، وليسوا بأصحاب توقٍ وتوقُف.
وإذا كان إياس بن معاوية القاضي يزعم أن الشَّبُّوطة إنما خُلقت من بين الزَّجر والبُنّيّ، وأنَّ من الدليل على ذلك أن الشبّوطة لا يوجد في جوْفها بيضٌ أبداً، لأنّها كالبغلة، فأنا رأيت في جوفها البيْض مراراً، ولكنّه بيضٌ سوْءٍ لا يؤكل، ليس بالعظيم، ولا يستطيل في البطْن كما يستطيل بيض جميع أناث السمك.
стр. 704
والشَّبُّوط جنس يكون ذُكرانه أكثر، فلا يكاد إنسانٌ يقلّ أكله للشبّوط يرى بيض الشَّبُّوط. فإذا كان إياسٌ يغلظ هذا الغلظ، فما ظنُّك بمن دونه.
زواج الإنس بالجن
وقد يكون هذا الذي نسمعه من اليمانية والقحْطانيّة، ونقرأه في كتب السِّيرة، قصَّ به القصّاص، وسمروا به عند الملوك.
وزعموا أنّ بلقيس بنت ذي مشرح، وهي ملكة سبأ، ذكرها الله في القرآن، فقال: " ولها عرْشٌ عظيمٌ "، زعموا أن أمَّها جنّيّة، وأن أباها إنسيّ، غير أن تلك الجنّيّة ولدت إنسيّةً خالصةً صرْفاً بحتاً، ليس فيها شوْب، ولا نزعها عرْق، ولا جذبها شبه، وأنَّها كانت كإحدى نساء الملوك.
فاحسُبْ أنّ التناكح يكون بين الجنّ والإنس، من أين أوجبوا التلاقح، ونحن نجد الأعرابيّ والشابَّ الشّبق، ينيكان الناقة والبقرة والعنز والنعجة، وأجناساً كثيرة، فيُفْرغون نُطفهم في أفواه أرحامها، ولم نر ولا سمعنا على طول الدهر، وكثرة هذا العمل الذي يكون من السُّفهاء، ألقح منها شيءٌ من هذه الأجناس، والأجناس على حالهم من لحم ودم، ومن النُّطف خُلقوا. وأصل الإنسان من طين، والجانّ خُلق من نار السَّموم، فشبه ما بين الجنّ والإنس، أبعد من شبه ما بين الإنسان والقرْد. وكان ينبغي للقردة أن يلقح من الإنسان.
стр. 705
الصرع والاستهواء
ومن العجب أنَّهم يزعمون أنَّما تُصرع المرأة لأن واحداً من الجنّ عشقها، وأنه لم يأتها إلاّ على شهوة الذّكر للأُنثى، أو شهوة الأُنثى للذّكر.
وقيل لعمرو بن عُبيد: أيكون أن يصرع شيطانٌ إنساناً؟ قال: لو لم يكن لما ضرب الله به المثل لآكل الرِّبا حيث يقول: " الذين يأكلون الرِّبا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخبَّطُهُ الشَّيطان من المس ". فهذا شيء واضح. قال: ثم وقفنا على رجلٍ مصروع، فقلت له: أرأيت هذا الصَّرْع، تزعم أنه من شيطانه؟ قال: أمّا هذا بعينه فلا أدري أمن فساد مرَّة وبلْغمٍ، أم من شيطان؛ وما أُنكر أن يكون خبْط شيطانٍ وصرعه، وكيف لا يجوز ذلك مع ما سمعنا في القرآن؟ قال: وسمعته، وسأله سائلٌ عن رجلٍ هام على وجهه، مثل عمرو بن عديّ
стр. 706
صاحب جذيمة الوضاح، ومثل عمارة بن الوليد، وطالب بن أبي طالب، فقال: قد قال الله: " كالذي استهوته الشياطين في الأرض ".
وأنا أعلم أنَّ في الناس من استهوته الشياطين، ولست أقضي على الجميع بمثل ذلك. وقد قالوا في الغريض المغني، وسعد بن عبادة وغيرهما، وهذا عندنا قولٌ عدل.
стр. 707
رجع إلى زواج الإنس بالجن
وكلّ ما قالوا من أحاديثهم في الخلق المركب، فهو أيسر من قولهم في ولادة بلقيس.
وهم يروون في رواياتهم في تزويج الإنسان من الجن، حتى جعلوا قول الشاعر:
يا قاتل الله بني السعلاة ... عمراً وقابوساً شرار النات
- يريد: الناس - أنه الدليل على أن السعلاة تلد الناس.
هذا سوى ما قالوا في الشق وواق واق ودوال باي، وفي الناس والنسناس.
стр. 708
ولم يرضَ الكميت بهذا حتى قال: " نسناسهم والنسانسا ".
فقسم الأقسام على ثلاثة: على الناس، والنسناس، والنسانس.
وتزعم أعراب بني مرّة أنَّ الجن إنما استهوت سناناً لتستفحله إذ كان منجباً، وسنانٌ إنما هام على وجهه. وقال رجل من العرب: " والله لقد كان سنانٌ أحزم من فرخ العقاب ".
البراذين والخيل
وقال محمد بن سلام الجمحيّ: قلت ليونس بن حبيب: آلبراذين من الخيل؟ فأنشدني:
وإنِّي امرْؤٌ للخيْل عنْدي مزيَّةٌ ... على فارس البرْذوْنِ أو فارس البغلِ
وقالوا: إنما ذهب الشاعر من اسم الخيل إلى العتاق.
وإنما يُوصف الفرس العتيق بصفة الإنسان من بين جميع الحيوان، يقولون: فرس كريم، وفرس جواد، وفرس رائع.
стр. 709
فأما قولهم " كريم " و " عتيق "، فإنَّما يريدون أن يُبْرُوه من الهُجنة والإقراف، وكيف يجعلون البرذون لاحقاً بالعتيق، وإنْ دخل الفرس من أعراق البراذين شيءٌ هجَّنه؟ وفي القرآن: " والخيل والبغال والحمير " حين أراد أن يعدِّد أصناف نعمه؛ أفتراه ذكر نعمه في الحمار والبغل، ويدع نعْمته في البراذين، والبراذين أكثر من البغال، ولعلَّها أكثر من الحمير الأهليّة، التي هي للركوب، لأنّ الله تعالى قال: " والخيل والبغال والحمير لترْكبوها "؟ وحُمر الوحش وإن كانت حميراً فليست بمراكب. وفرسان العجم تختار في الحرب البراذين على العتاق، لأنها أحسن مُواتاة. والفحل والحصان من العتاق ربَّما شمَّ ريح الحجّر في جيش الأعداء، فتقحَّم بفارسه حتَّى يعطب، ولذلك اختاروا البراذين للصَّوالجة والطَّبْطابات والمشاولة، وإنما أرادوا بذلك كلَّه أن يكون دُربةً للحرب وتمريناً وتأسيساً.
فأكثر الحمير والبغال تُتّخذ لغير الركوب، وليس في البراذين طحّانات ولا نقّالات، ولا تُكْسح عليها الأرض إلا في الفرْط. فكيف يدع ذكر ما هو أعظم في المنفعة، وأظهر في النِّعمة، مع الجمال والوطاءة إلى ذكر ما لا يدانيه؟
стр. 710
ركوب البغال واختيارها للحرب
قال: وممّا يهجِّن شأن البغل ويُخبر عن إبطائه عند الحاجة إلى سُرعته، أنّ القائد الشُّجاع، والرئيس المُطاع، إذا أراد أن يُعلم أصحابه أنه لا يفرُّ، حتى يفتح الله عليه أو يقتل، ركب بغلاً. ولذلك قال الشاعر:
إذا ركب الأُسوار بغلاً وبغلةً ... لدى الحرْبِ والهيْجاء قدْ شُبَّ نارها
فذاك دليلٌ لا يُخيل، وعزْمةٌ ... على الصَّبْرِ حتَّى يُسْتبانَ بشارُها
وذو الصَّبر أوْلاهُم بكُلِّ سلامةٍ ... وبالصّبْرِ يبْدو عقبها وعيارُها
وذهب إلى قول أبي بكر، ﵁، لخالد بن الوليد: " احرص على الموت تُوهب لك الحياة ".
يقول: إذا صبرتم ولم تفرّوا، هزمتم العدو، فصار صبركم سبباً لحياتكم.
وحدَّثني نهيك بن أحمد بن نهيك، كاتب عبد الله بن ظاهر، قال: اقتتل أصحاب الأمير عبد الله بن طاهر، وأصحاب نصْر بن شبث يوماً على باب كيسوم، ونصرٌ في آخر القوم جالسٌ على مصلَّى، محتبٍ بحمائل سيفه،
стр. 711
وبين يديه بغل مُسْرج مجلل، والله ما أدري أكان الجُلّ تحت اللِّبْد، أم كان فوق السَّرج، وشدّ عزيز على أصحاب نصر شدَّةً كشفتْهم، حتى جاوزوا مكان نصر، وصار عزيز بحذاء نصر، ونصرٌ جالس؛ فلما رأى ذلك وثب وثبةً فإذا هو على ظهر البغل، وقال: مكانك يا عزيز! أتبلغ إلى موضعي، وتطأ حريمي؟! ثم شدَّ نحوه على بغله، وعزيز على برذونٍ، فعزف - والله - عزيزٌ عنه، وعزيز يومئذ فارس العسكر غير مدافع.
نقد تشبيه البغل بالكلب
وأنشدوا في البغل:
أردْت مديح البغْل يا شيْخ مذْحجٍ ... فجئت بشيْءٍ صيَّر البغل كالكلبِ
وحسبك لُؤماً بالكلاب ودقّةً ... وقدْ ثمَّنُوا شرواه شأْواً من التُّرْبِ
لأن في الحديث: إنَّ دية الكلب زبيلٌ من تراب، حقّ على القاتل أن يفعله، وحقَّ على صاحب الكلب أن يقبله.
تم الكتاب بعون الله تعالى ومنّه.
يتلوه كتاب الحنين إلى الأوطان، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وسلامه.
стр. 712
الرسالة السابعة عشرة
رسالة الحنين إلى الأوطان
стр. 713
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ لكلِّ شيءٍ من العلم، ونوعٍ من الحكمة، وصنفٍ من الأدب، سبباً يدعو إلى تأليف ما كان فيه مشتتاً، ومعنىً يحدو على جمع ما كان منه متفرقاً. ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضمَّ كلِّ جوهرٍ نفيسٍ إلى شكله، وتأليف كلّ نادر من الحكمة إلى مثله بطلت الحكمة وضاع العلم، وأميت الأدب، ودرس مستور كلِّ نادر.
ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، لبطل أول العلم وضاع آخره. ولذلك قيل: " لا يزال الناس بخيرٍ ما بقي الأول يتعلم منه الأخير ".
وإنَّ السبب الذي بعث على جمع نتفٍ من أخبار العرب في حنينها إلى أوطانها، وشوقها إلى تربها وبلدانها، ووصفها في أشعارها توقَّد النار في أكبادها، أني فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار، والنزاع إلى الأوطان، فسمعته يذكر أنه اغترب من بلده إلى آخر أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من جنابه. ولم يزل
стр. 714
عظيم الشأن جليل السلطان، تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانها، ومن شعوب العجم أنجادها وشجعانها، يقود الجيوش ويسوس الحروب، وليس ببابه إلا راغبٌ إليه، أو راهبٌ منه؛ فكان إذا ذكر التُّربة والوطن حنَّ إليه حنين الإبل إلى أعطانها، وكان كما قال الشاعر:
إذا ما ذكرت الثَّغر فاضت مدامعي ... وأضحى فؤادي نُهبةً للهماهمِ
حنيناً إلى أرضٍ بها اخضرَّ شاربي ... وحُلَّت بها عنِّي عقود التمائمِ
وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه ... وأرعاهم للمرء حقَّ التقادمِ
وكما قال الآخر:
يقرُّ بعيني أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاودِ
وأن أرد الماء الذي شربت به ... سليمى وقد ملّ السُّرى كلُّ واخدِ
وألصق أحشائي بيرد ترابها ... وإن كان مخلوطاً بسم الأساودِ
стр. 715
فقلت: لئن قلت ذلك لقد قالت العجم: من علامة الرُّشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها توّاقة.
وقالت الهند: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك؛ لأن غذاءك منهما، وغذاءهما منه.
وقال آخر: احفظ بلداً رشّحك غذاؤه، وارع حمىً أكنّك فناؤه. وأولى البلدان بصبابتك إليه بلدٌ رضعت ماءه، وطعمت غذاءه.
وكان يقال: أرض الرجل ظئره، وداره مهده. والغريب النائي عن بلده، المتنحّي عن أهله، كالثور النادِّ عن وطنه، الذي هو لكلِّ رامٍ قنيصة.
стр. 716
وقال آخر: الكريم يحنُّ إلى جنابه، كما يحنُّ الأسد إلى غابه.
وقال آخر: الجالي عن مسقط رأسه ومحلِّ رضاعه، كالعير الناشط عن بلده، الذي هو لكل سبعٍ قنيصة، ولكل رامٍ دريئة.
وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، كما تغرس الولادة في القلب رقَّةً وحفاوة.
وقال آخر: أحقُّ البلدان بنزاعك إليه بلدٌ أمصَّك حلب رضاعه.
وقال آخر: إذا كان الطائر يحنُّ إلى أوكاره، فالإنسان أحقُّ بالحنين إلى أوطانه.
وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرِّعاية، والرِّعاية من الرَّحمة، والرَّحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرَّشدة، وطهارة الرَّشدة من كرم المحتد.
وقال آخر: ميلك إلى مولدك من كرم محتدك.
وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يُسرك في غربتك.
стр. 717
وأنشد:
لقربُ الدار في الإقتار خيرٌ ... من العيش الموسَّع في اغترابِ
وقال آخر: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه، فقد شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابلٌ لا ينضر.
وقال بعض الفلاسفة: فطرة الرجل معجونةٌ بحبِّ الوطن.
ولذلك قال بُقراط: يُداوى كلُّ عليلٍ بعقاقير أرضه؛ فإنَّ الطبيعة تتطلَّع لهوائها، وتنزع إلى غذائها.
وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها.
وقال جالينُوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه، كما تنبت الحبة ببلِّ القطْر.
والقول في حبِّ الناس الوطن وافتخارهم بالمحالِّ قد سبق، فوجدنا الناس بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم.
стр. 718
ولذلك قال ابن الزُّبير: " لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبدٌ الرِّزق ".
وترى الأعراب تحنُّ إلى البلد الجدْب، والمحلِّ القفر، والحجر الصَّلْد، وتستوخم الرِّيف، حتَّى قال بعضهم:
أتجلين في الجالين أم تتصبَّري ... على ضيق عيشٍ والكريمُ صبورُ
فبالمصر بُرغوثٌ وحُمّى وحصْبةٌ ... ومُوم وطاعونٌ وكلُّ شُرورُ
وبالبيد جوعٌ لا يزالُ كأنَّه ... رُكامٌ بأطراف الإكام يمورُ
وترى الخضريَّ يُولد بأرض وبقاءٍ وموتانٍ وقلَّة خِصْب، فإذا وقع ببلادٍ أريف من بلاده، وجنابٍ أخصب من جنابه، واستفاد غنىً، حنَّ إلى وطنه ومستقرِّه.
ولو جمعنا أخبار العرب وأشعارها في هذا المعنى لطال اقتصاصُه، ولكن توخَّينا تدوين أحسن ما سنح من أخبارهم وأشعاهم، وبالله التوفيق.
ومما يؤكِّد ما قلنا في حبِّ الأوْطان قول الله حين ذكر الدِّيار
стр. 719
يُخْبر عن مواقعها من قلوب عباده فقال: " لو أنّا كتبْنا عليهمْ أن اقْتلوا أنْفُسكُمْ أو اخْرجُوا من دياركم ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم "، فسوَّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم. وقال تعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا ".
وقال عمر ﵁: " عَمَّر الله البُلدان بحبِّ الأوطان ".
وكان يقال: لولا حبُّ الناس الأوطان لخسرت البُلدان.
وقال عبد الحميد الكاتب، وذكر الدُّنيا: " نفتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان ".
وقالت الحكماء: أكرم الخيل أجزعُها من السَّوط، وأكيس الصِّبيان أبغضُهم للكُتَّاب، وأكرم الصَّفايا أشدُّها ولهاً إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدُّها حنيناً إلى أوطانها، وأكرم المهارة أشدُّها ملازمةً لأمِّها، وخير الناس آلفُهم للناس.
وقال آخر: من إمارات العاقل برُّه لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه.
стр. 720
واعتلَّ أعرابيٌّ في أرض غربة، فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: حسْل فلاة، وحسْو قلات.
وسئل آخر فقال: محْضاً رويّاً، وضبّاً مشويّاً.
وسئل آخر فقال: ضبّاً عنيناً أعور.
وقالت العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.
وقيل: الغُربة كُربة، والقلّة ذلة. وقال:
لا ترغبوا اخوتي في غربة أبداً ... إنّ الغريب ذليلٌ حيثما كانا
وقال آخر: لا تنهض من وكرك فتنقُصك الغُربة، وتضيمك الوحدة.
وقال آخر: لا تجفُ أرضاً بها قوا بلك، ولا تشكُ بلداً فيه قبائلك.
стр. 721
وقال أصحاب القيافة في الاسترواح: إذا أحسَّت النفس بمولدها تفتَّحتْ مسامُّها فعرفت النَّسيم.
وقال آخر: يحنُّ اللبيب إلى وطنه، كما يحنُّ النَّجيبُ إلى عطنه.
وقال: كما أنَّ لحاضنتك حقَّ لبنها، كذلك لأرضك حرمة وطنها.
وذكر أعرابيٌّ بلدةً فقال: رملةٌ كنت جنين رُكامها، ورضيع غمامها، فحضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها.
وشبَّهت الحكماء الغريب باليتيم اللَّطيم الذي ثكل أبويه، فلا أُمَّ ترأمه، ولا أبَ يحدب عليه.
وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك فلا تنسَ نصيبك من الذلّ.
وقال الشاعر:
لعمري لرهطُ المرء خيرٌ بقيَّةً ... عليه وإن عالوْا به كلَّ مركبِ
стр. 722
إذا كنت في قومٍ عدىً لست منهم ... فكُلْ ما عُلفت من خبيثٍ وطيِّبِ
وفي المثل: " أوضحُ من مرآة الغريبة ". وذلك أن المرأة إذا كانت هديّاً في غير أهلها، تتفقَّد من وجهها وهيئتها ما لا تتفقَّده وهي في قومها وأقاربها، فتكون مرآتها مجلوَّةً تتعهَّد بها أمر نفسها. وقال ذو الرمّة:
لها أُذنٌ حشْرٌ وذفرى أسيلةٌ ... وخدٌّ كمرآة الغريبة أسجحُ
وكانت العرب إذا غزتْ وسافرتْ حملتْ معها من تُربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه عند نزْلةٍ أو زكام أو صُداع. وأُنشد لبعض بني ضبَّة:
نسير على علمٍ بكُنه مسيرنا ... وعُدّةِ زاد في بقايا المزاودِ
ونحمل في الأسفار ماء قبيصةٍ ... من المنشأ النائي لحبِّ المراودِ
وقال آخر: أرضُ الرَّجل أوضحُ نسبه، وأهله أحضر نشبه.
وقيل لأعرابيٍّ: كيف تصنع في البادية إذا اشتدَّ القيظُ وانتعل كلُّ شيء ظلَّه؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحُدنا ميلاً فيرفضُّ
стр. 723
عرقاً، ثم ينصب عصاه ويلقى عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الرِّيح، فكأنَّه في إيوان كسرى!.
وقيل لأعرابيٍّ: ما أصبركم على البدو؟ قال: كيف لا يصبر من وطاؤه الأرض، وغطاؤه السماء، وطعامه الشَّمس، وشرابه الريح! والله لقد خرجنا في إثر قومٍ قد تقدَّمونا بمراحل ونحن حُفاة، والشَّمس في قُلَّة السماء، حيث انتعل كلُّ شيءٍ ظلَّه، وأنَّهم لأسوأُ حالاً منّا، إنّ مهادهم للعفر، وإنَّ وسادهم للحجر، وإنّ شعارهم للهواء، وإنّ دثارهم للخواء.
وحدّثني التوّزيُّ عن رجلٍ من عُرينة قال حدّثني رجلٌ من بني هاشمٍ قال: قلتُ لأعرابي من بني أسد: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية. قلت: وأين تسكن منها؟ قال: مساقط الحمى حمى ضريّة، بها لعمر الله ما نُريد بدلاً، ولا نبغي عنها حولا، أمّا الفلوات،
стр. 724
فلا يملوْلح ماؤها، ولا يحمى ترابها، ولا يُعمر جنابها، ليس فيها أذىً ولا قذىً، ولا أنينٌ ولا حُمَّى؛ فنحن بأرفه عيشٍ وأرفع نعمْة! قلت: فما طعامكم فيها؟ قال: بخٍ بخ! عيشُنا والله عيشٌ تعلَّل جادبه، وطعامنا أطيب طعامٍ وأهنؤه: الهبيد والضِّباب واليرابيع، والقنافذ والحيَّات، وربَّما والله أكلْنا القدّ، واشتوينا الجلْد، فلا نعلم أحداً أخصب منّا عيشاً، فالحمد لله على ما بسط من السَّعة، ورزق من الدَّعة، أو ما سمعت قول قائلنا وكان والله عالماً بلذيذ العيش:
إذا ما أصبنا كلَّ يومٍ مُذيقةً ... وخمس تُميراتٍ صغارٍ كنائزِ
стр. 725
فنحن ملوك الأرض خصْباً ونعْمةً ... ونحن أسود الغاب عند الهزاهزِ
وكم متمنٍّ عيْشنا لا يناله ... ولو ناله أضحى به حقَّ فائزِ
ولهذا خبر طويلٌ وصف فيه نُوقاً أضلَّها، واقتصرنا منه على ما وصف من قناعته بوطنه.
قال الهاشميّ: فلمَّا فرغ من نعته قلت له: هل لك في الغذاء؟ قال: إنيّ والله غاوي إغباب، لاصقُ القلب بالحجاب، مالي عهدٌ بمضاغٍ إلا شلو يربوع وجد معمعمةً منِّي فانسلت، فأخذت منه بنافقائه وقاصعائه ودامَّائه وراهطائه، ثم تنفَّقتُه فأخرجته، ولا والله ما فرجتُ بشيءٍ فرحى به، فتلقَّاني رُويعٍ ببطن الخرْجاء، يُوقد نُويرةً تخبو طوراً
стр. 726
وتسمو أخرى، فدسسته في إرته فخمدت نُويرتُه، ولا والله ما بلغ نُضجه حتَّى اختلس الرُّويعي منه، فغلبني على رأسه وجوْشه، وصدره وبدنه، وبقي بيدي رجلاه ووركاه، وفقرتان من صُلبه، فكان ذلك ممَّا أنعم الله به عليَّ، فاغتبقتُها على نكْظٍ مُنْكظ، وبوْصٍ بائص عن عراكه إيّاي، غير أنَّ الله أعانني عليه. فلذلك والله عهدي بالطّعام، وإني لذو حاجةٍ إلى غذاء أنوِّه به فؤادي، وأشُدُّ به آدى، فقد والله بلغ مني المجهود، وأدرك منيّ المجلود.
يصف هذا البؤس والجهد، ويتحَّمل هذه الفاقة، ويصبر على الفقر، قناعةً بوطنه، وحبّاً لعطنه، واعتداداً بما وصف من رفاغة عيشه.
стр. 727
وحدَّثنا سليمان بن معبد، أنَّ الوليد بن عبد الملك أراد أن يُرسل خيله، فجاء أعرابيٌّ له بفرسٍ أُنثى، فسأله أن يُدخلها مع خيله، فقال الوليد لقهرمانة أُسيْلم بن الأحنف: كيف تراها يا أسيلم؟ فقال يا أمير المؤمنين، حجازيّة، لو ضمَّها مضمارك ذهبت. قال الأعرابي: أنت والله منقوص الاسم، أعوج اسم الأب! فأمر الوليد بإدخال فرسه، فلمَّا أُجريت الخيلُ سبق الأعرابيُّ على فرسه، فقال الوليد: أواهبُها لي أنت يا أعرابيّ؟ فقال: لا والله، إنّها لقديمةُ الصُّحبة، ولها حقٌّ ولكن أحملك على مُهرٍ لها سبق عاماً أوّل وهو رابضٌ. فضحك الوليدُ وقال: أعرابيٌّ مجنون! فقال: وما يضحككم؟ سبقتْ أمُّه عاماً أوّل وهو في بطنها! فاستظرفه واحتبسه عنده فمرض، فبعث إليه الوليد بالأطباء، فأنشأ يقول:
جاء الأطبَّاء من حمصٍ تخالهم ... من جهلهم أن أُداوى كالمجانينِ
قال الأطبَّاء: ما يشْفيك؟ قلت لهم ... شمُّ الدُّخانِ من التسرير يشفيني
стр. 728
إنِّي أحنُّ إلى أدخان مُحتطبٍ ... من الجُنينة جزلٍ غير موزونِ
فأمر الوليد أن يُحمل إليه من رمثٍ سليخة، فوافوه وقد مات.
فهو عند الخليفة، وببلدٍ ليس في الأقاليم أريفُ منه، ولا أخصبُ جناباً، فحنَّ إلى سليخة رمثٍ، وحبّاً للوطن.
وحكى أبو عبد الله الجعفري عن عبد الله بن إسحاق الجعفريّ قال: أمرتُ بصهريجٍ لي في بستانٍ، عليه نخلٌ مُطلٌّ أن يُملأ، فذهبت بأمِّ الحسام المرّيّة وابنتها - وهي زوجتي - فلمَّا نظرتْ أمُّ الحسام إلى الصِّهريج قعدتْ عليه وأرسلتْ رجليها في الماء، فقلت لها: ألا تطُوفين معنا على هذا النَّخل، لنجني ما طاب من ثمره؟ فقالت: ها هنا أعجبُ إليّ. فدُرنا ساعةً وتركناها، ثم انصرفنا وهي تُخضخض رجليها في الماء وتحرِّك شفتيها، فقلت: يا أمّ الحسام، لا أحسبك إلا وقد قلت شعراً. قالت: أجل. ثم أنشدتني:
أقول لأدنى صاحبيَّ أُسرُّه ... وللعين دمعٌ يحدر الكُحل ساكبُه
стр. 729
لعمري لنهيٌ باللِّوى نازح القذى ... نقيُّ النواحي غير طرْق مشاربُه
بأجرع ممراعٍ كأنَّ رياضه ... سخاب من الكافور والمسك شائبُه
أحبُّ إلينا من صهاريج مُلِّئت ... للعبٍ فلم تملُح لديّ ملاعنُه
فيا حبّذا نجدٌ وطيبُ ترابه ... إذا هضبته بالعشيِّ هواضبُه
وريح صبا نجدٍ إذا ما تنسمَّتْ ... ضحىً أوسرت جُنح الظلام جنائبُه
وأنشد أبو النصر الأسديّ:
أحبُّ الأرض تسكنُها سليمى ... وإن كانت توارثها الجُدوبُ
وما دهري بحبِّ تراب أرضٍ ... ولكن من يحلُّ بها حبيبُ
وأنشدني حمَّاد بن إسحاق الموصلي:
أحبُّ بلاد الله ما بين صارةٍ ... إلى غطفان إذ يصوب سحابُها
стр. 730
بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي ... وأول أرضٍ مسَّ جلدي ترابُها
قال: ولمّا حُملت نائلة بنت الفرافصة الكلبية إلى عثمان بن عفّان ﵁، كرهت فراق أهلها، فقالت لضبّ أخيها:
ألست ترى بالله يا ضبُّ أنّني ... مرافقةٌ نحو المدينة أركُبا
أما كان في أولاد عوف بن عامرٍ ... لك الويل ما يُغني الخباء المطَّنبا
أبي الله إلاّ أن أكون غريبةً ... بيثرب لا أمّاً لديَّ ولا أبا
قال: وزُوِّجت من أبان في كلبٍ امرأةٌ، فنظرتْ ذات يومٍ إلى ناقةٍ قد حنَّت فذكرتْ بلادها وأنشأتْ تقول:
ألا أيُّها البكْرُ الأبانيُّ إننّي ... وإياك في كلبٍ لمغتربانِ
نحنُّ وأبكى ذا الهوى لصبابةٍ ... وإنَّا على البلوى لمصطحبانِ
وإنَّ زماناً أيُّها البكرُ ضمَّني ... وإيّاك في كلبٍ لشرُّ زمانِ
وقال آخر:
ألا يا حبّذا وطني وأهلي ... وصحْبي حين يُدَّكَرُ الصَّحابُ
وما عسلٌ ببارد ماءِ مُزنٍ ... على ظمأٍ لشاربه يُشابُ
بأشهى من لقائكم إلينا ... فكيف لنا به، ومتى الإيابُ
стр. 731
وأنشد الغنويُّ لبعض الهذليين:
وأرى البلاد إذا سكنتِ بغيرها ... جدْباً وإن كانت تُطلُّ وتُجنبُ
وأرى العدوَّ يحبُّكم فأحبُّه ... إن كان يُنسب منك أو يتنسَّبُ
وأرى السَّميَّة باسمكم فيزيدها ... حبّاً إلى ... ... ...
قال: ومن هذا أخذ الطائيُّ قوله:
كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى ... وحنينُه أبداً لأوّل منزلِ
وأنشد أبو عمرٍو البجلي:
تمتَّعْ من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشيّة من عرارِ
стр. 732
ألا يا حبّذا نفحاتُ نجدٍ ... ورياً روضه غبَّ القطارِ
وعيشك إذْ يحُلُّ القومُ نجداً ... وأنت على زمانك غير زارِ
شهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهنَّ ولا سرارِ
فأما ليلهنَّ فخيرُ ليلٍ ... وأقصر ما يكون من النَّهارِ
وقال آخر:
ألا هل إلى شمِّ الخُزامى ونظرةٍ ... إلى قرقري قبل المماتِ سبيلُ
فأشرب من ماء الحجيلاء شربةً ... يُداوي بها قبل المماتِ عليلُ
فيا أثلاثِ القاعِ، قلبي موكَّلٌ ... بكنَّ وجدوى خيركنَّ قليلُ
ويا أثلاث القاع قد ملَّ صُحبتي ... مسيري فهل في ظلِّكنَّ مقيلُ
стр. 733
أُريدُ انحداراً نحوها فيردُّني ... ويمنعني دينٌ، عليَّ ثقيلُ
أحدِّث نفسي عنك إذْ لستُ راجعاً ... إليك، فحزني في الفؤادِ دخيلُ
وأنشد للمجنون:
إلى عامرٍ أصبو، وما أرضُ عامرٍ ... هي الرَّملةُ الوعساء والبلد الرَّحبُ
معاشر بيضٌ لو وردت بلادهم ... وردت بُحوراً ماؤها للنَّدى عذبُ
إذا ما بدا للناطرين خيامُهم ... فثمَّ العتاقُ القُبُّ والأسل القضْبُ
وأنشدنا المازني:
اقرأ على الوشل السَّلام وقل له: ... كلُّ الموارد مُذ هُجرت ذميمُ
جبل يُنيف على الجبال إذا بدا ... بين الغدائر والرِّمال مقيمُ
стр. 734
تسري الصَّبا فتبيتُ في ألواده ... ويبيت فيه من الجنوب نسيمُ
سقياً لظِّلك بالعشيّ وبالضُّحى ... ولبرد مائك والمياه حميمُ
لو كنت أملك برد مائك لم يذقْ ... ما في قلاتك ما حييتُ لئيمُ
وقال امرأةٌ من عقيل:
خليليَّ من سكان ماوان هاجني ... هبوبُ الجُنوبِ مرُّها وابتسامُها
فلا تسألاني ما ورائي فإنَّني ... بمنزلةٍ أعيا الطبيب سقامُها
وقال آخر:
ألا ليت شعري والحوادثُ جمّةٌ ... متى تجمعُ الأيامُ يوماً لنا الشَّملا
وكلُّ غريبٍ سوف يُمسي بذلَّةٍ ... إذا بان عن أوطانه وجفا الأهلا
وقال آخر:
ألا ليت شعري يُجمع الشَّملُ بيننا ... بصحراء من نجران ذات ثرى جعدِ
وهل تنْفُضنَّ الرِّيحُ أفنان لمَّتى ... على لاحق الرِّجلين مضطمرٍ وردِ
стр. 735
وهل أردنَّ الدَّهر حسْي مزاحمٍ ... وقد ضربته نفحةٌ من صبا نجدِ
وقال آخر:
وأنزلني طولُ النَّوى دار غرْبةٍ ... إذا شئتُ لاقيت امرأً لا أشاكلُه
فحامقتُه حتَّى يقالُ سجيّةٌ ... ولو كان ذا عقلٍ لكنتُ أعاقلُه
ولو كنتُ في قومي وجُلِّ عشيرتي ... لألفيت فيهم كلّ خرقٍ أواصلُه
وأنشد لذي الرمة:
إذا هبَّت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهلُ ميٍّ هاج قلبي هبوبُها
هوىً تذرف العينان منه، وإنّما ... هوى كلِّ أرض حيث حلّ حبيبُها
وقال أبو عثمان: رأيت عبداً أسود حبشيّاً لبني أسيد قدم من شقِّ اليمامة فصار ناوراً، وكان وحشيّاً مجنوناً لطول الغربة مع الإبل، وكان لا يلقى
стр. 736
إلاّ الأكرة، فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلمَّا رآني سكن إليَّ، وسمعته يقول: لعن الله أرضاً ليس بها عرب، قاتل الله الشاعر حيث يقول: " حرُّ الثرى مُستعرب التُّراب ".
أبا عثمان، إنَّ هذه العُريب في جميع الناس كمقدار القُرحة في جلد الفرس، فلولا أنَّ الله رقَّ عليهم فجعلهم في حشاةٍ لطمست هذه العجم آثارهم. أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا! والله ما أمر الله نبيَّه ﷺ بقتلهم، إذْ لا يدينون بدينٍ، إلاّ لضنِّه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم إلاّ تنزيهاً لهم.
وقيل لأعرابيٍّ: ما السُّرور؟ فقال: أوبةٌ بغير خيبة، وألفةٌ بعد غيبة.
وقيل لآخر: ما السُّرور؟ قال: غيبةٌ تُفيد غنىً، وأوبةٌ تُعقب مُنىً. وأنشأ يقول:
وكنت فيهم كممطورٍ ببلدته ... يُسرُّ أن جمع الأوطانَ والمطرا
وأحسن ما سمعنا في حبِّ الوطن وفرحة الأوبة قوله:
стр. 737
وياسرتها فاستعجلت عن قناعها ... وقد يستخفُّ الطامعين المُياسرُ
مشمِّرة عن ساق خدلاء حُرَّة ... تُجاري بنيها مرّةً وتُحاضرُ
وخبَّرها الرُّواد أن ليس بينها ... وبين قُرى نجران والدَّربِ صافرُ
فألقت عصاها واستقرَّت بها النوى ... كما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ
وقيل لبعض الأعراب: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان، والجلوس مع الإخوان. قيل: فما الذّلّة؟ قال: التنقُّل في البلدان، والتنحِّي عن الأوطان.
وقال آخر:
طلب المعاشِ مفرِّقٌ ... بين الأحبَّة والوطنْ
ومصيرٌ جلَّد الرجا ... ل إلى الضراعة والوهن
حتى يقاد كما يقا ... د النَّضو في ثني الرَّسنْ
ثم المنيَّة بعده ... فكأنه ما لم يكنْ
ووجدنا من العرب: من قد كان أشرف على نفسه، وأفخر في حسبه؛ ومن العجم: من كان أطيب عنصراً وأنفس جوهراً أشد حنيناً إلى وطنه، ونزاعاً إلى تربته.
стр. 738
وكانت الملوك على قديم الدَّهر لا تؤثر على أوطانها شيئاً.
وحكى المُوبذ أنَّه قرأ في سيرة إسْفنديار بن يستاسف بن لُهْواسف، بالفارسية، أنه لمَّا غزا بلاد الخزر ليستنقذ أخته من الأسر، اعتلَّ بها، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: شمَّةً من تُربة بلخ، وشربةً من ماء واديها.
واعتلَّ سابور ذو الأكتاف بالرُّوم، وكان مأسوراً في القدّ، فقالت له بنت ملك الرُّوم وقد عشقتْه: ما تشتهي مما كان فيه غذاؤك؟ قال: شربةً من ماء دجْلة، وشمَّةً من تربة إصطخر! فغبرت عنه أيّاماً ثم أتته يوماً بماءِ الفرات، وقبضةً من تراب شاطئه، وقالت: هذا من
стр. 739
ماء دجلة، وهذه من تربة أرضك، فشرب واشتمَّ من تلك التُّربة فنقه من مرضه.
وكان الإسكندر الرُّومي جال في البلدان وأخْرب إقليم بابل، وكنز الكنوز وأباد الخْلق، فمرض بحضْرة بابل، فلما أشفى أوصى إلى حكمائه ووزرائه أن تحمل رمَّته في تابوتٍ من ذهبٍ إلى بلده؛ حبّاً للوطن.
ولمَّا افتتح وهرز بن شيرزاذ بن بهرام جور اليمن، وقتل ملك الحبشة المتغلب - كان - على اليمن، أقام بها عاملاً لأنوشروان، فبنى نجران اليمن - وهي من أحصن مدن الثغور - فلما أدركته الوفاة أوصى ابنه شير زاد أن يحمل إلى إصطخر ناوس أبيه، ففعل به ذلك.
فهؤلاء الملوك الجبابرة الذين لم يفتقدوا في اغترابهم نعمة، ولا غادروا في أسفارهم شهوة، حنُّوا إلى أوطانهم، ولم يؤثروا على تُربهم ومساقط رءوسهم شيئاً من الأقاليم المستفادة بالتغازي والمدن المغتصبة من ملوك الأمم.
وهؤلاء الأعراب مع فاقتهم وشدّة فقرهم يحنُّون إلى أوطانهم، ويقنعون بتُربهم ومحالِّهم.
стр. 740
ورأيتُ المتأدِّب من البرامكة المتفلسف منهم، إذا سافر سفراً أخذ معه من تربة مولده في جرابٍ يتداوى به.
ومن أصدق الشواهد في حبِّ الوطن أن يوسف ﵇، لمّا أدركته الوفاة أوصى أن تُحمل رمّته إلى موضع مقابر أبيه وجدِّه يعقوب وإسحاق وإبراهيم ﵈.
وروي لنا أنَّ أهل مصر منعوا أولياء يوسف من حمله، فلمَّا بعث الله موسى ﵇ وأهلك على يديه فرعون وغيره من الأمم، أمره أن يحمل رمَّته إلى تربة يعقوب بالشَّام، وقبره علمٌ بأرض بيت المقدس بقرية تسمَّى حسامي.
وكذلك يعقوب، مات بمصر فحملت رمّته إلى إيلياء، قرية بيت المقدس، وهناك قبر إسحاق بن إبراهيم ﵈.
следующие страницы →