← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1043

الروض المعطار في خبر الأقطار

الحميري، ابن عبد المنعم

Полный текст (639 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ورد ذكر الروض المعطار في طبعة فلوجل من كشف الظنون مرتين (١) : مرة على أن مؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الحميري المتوفى سنة ٩٠٠ ومرة أخرى على أن المؤلف هو المؤلف هو أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم الحميري (دون ذكر لسنة الوفاة) ، وقد كان هذا محيراً للأستاذ ليفي بروفنسال حين أقدم على نشر القسم المتعلق بالأندلس من الروض، وتعبر مقدمته التي كتبها للترجمة الفرنسية (La Peninsule Iberique au Moyen - Age) عن هذه الحيرة من ناحيتين: أولاهما لماذا هذا الاختلاف في اسم المؤلف، والثانية: إذا كان قد توفي سنة ٩٠٠ - كما يقول حاجي خليفة - فهذه قضية تقف في وجهها حقيقتان بارزتان: ١ - كيف يمكن أن تتأخر وفاة مؤلف الروض المعطار إلى هذا التاريخ، ونحن نجد أن القلقشندي صاحب صبح الأعشى المتوفى سنة ٨٢١ والذي انتهى من تأليف كتابه سنة ٨١٤ يعتمد الروض المعطار واحداً من مصادره الجغرافية؟ ٢ - هنالك كتاب بعنوان " جني الأزهار من الروض المعطار " يوحي بأنه ملخص من كتاب الروض، وهو منسوب للمقريزي المتوفى سنة ٨٤٥. وإلى جانب هاتين الحقيقتين تقف حقيقة ثالثة، فقد وجد بروفنسال في ختاك إحدى النسخ التي اعتمد عليها من نسخ الروض هذه العبارة: " هذا آخر الجزء الثاني من الروض المعطار في خبر الأقطار للشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي محمد عبد الله بن عبد المنعم ابن [عبد المنعم الحمير] ي رحمة الله عليه، وتتمامه جميع الكتاب في صبح يوم الجمعة السابع عشر من شهر صفر الخير أحد شهور سنة ست وستين وثمان مائة بساحل جدة المعمور؟ ".

стр. 2

وقد فهم بروفنسال من هذه العبارة أن المؤلف قد انتهى من تأليف كتابه سنة ٨٦٦، وهذا يقوي القول بأن يكون تاريخ وفاته سنة ٩٠٠ صحيحاً. وهذه الحقائق مجتمعة دفعت بروفنسال إلى افتراض مؤلفين كل منهما ينتسب إلى حمير قام أولهما بكتابة صورة أولى من " الروض المعطار " وقام الثاني بانتحال عمل الأول، وربما أضاف إليه شيئاً، دون أن يذكر ما للمؤلف الأول من فضل عليه. وعند مناقشة الحقائق التي واجهت بروفنسال لا تبقى هناك حاجة إلى هذا الفرض الذي وضعه: ١ - أما أن صاحب صبح الأعشى ينقل عن الروض المعطار، فتلك حقيقة لا نستطيع إنكارها، وهي وحدها تثبت أن المؤلف لا يمكن أن يكون قد عاش حتى سنة ٩٠٠، وأنه على هذا لابد من أن يكون من أبناء القرن الثامن. ٢ - وأما أن المقريزي لخص الروض المعطار في كتاب سمّاه " جني الأزهار من الروض المعطار " فتلك مسألة ما كان لبروفنسال أن يتمسك بها، فقد أثبت فولرز (Vollers) سنة ١٨٨٩ ثم بلوشيه (Blochet) سنة ١٩٢٥ أن هذا الكتاب المسمى " جني الأزهار " إنما هو تلخيص لنزهة المشتاق (١) . وعندما كنت في برلين سنة ١٩٧٠ صورت النسخة البرلينية من " جني الأزهار " (٢) لأستعين بها في تحقيق الروض المعطار، ولدى عودتي قمت بدراستها - قبل أن أطلع على ما كتبه فولرز وبلوشيه - ولم يخامرني أدنى شك في أنها تلخيص لنزهة المشتاق، أما لماذا سميت " جني الأزهار من الروض المعطار " فربما كان هذا يتطلب إيجاد " روض معطار " آخر غير الموجود في أيدينا. ٣ - إن بروفنسال قد سمح لتصحيف الناسخ بأن يسيطر على وهمه، فالنص الذي قرأه في آخر النسخة المشار إليها، يجب أن يقرأ على النحو الآتي " هذا آخر الجزء الثاني من الروض المعطار؟ وبتمامه [تم] جميع الكتاب في صبح يوم الجمعة السابع عشر من شهر صفر الخير أحد شهور سنة ست وستين وثمان مائة " - وهذا التاريخ هو تاريخ النسخة التي نقل عنها الناسخ الثاني، وكان نقله سنة ١٠٤٩؛ فنحن إزاء تاريخين لنسختين، ولا يعد الأول منهما تاريخياً للتأليف بأية حال؛ وقد تنبه الأستاذ رتزيتانو إلى ناحية جديرة بالتوقف حين قال: " وحتى إننا لو افترضنا جدلاً أن السنة المذكورة تعتبر تاريخياً لانتهاء المؤلف من وضع الروض المعطار، فليس من المعقول أن يصف نفسه بعبارات التفخيم والمديح على الصورة الواردة في هذا النص (يريد قوله: الشيخ الفقيه

стр. 3

العدل.. ") . وحسناً فعل الأستاذ رتزيتانو لو أنه استشهد هنا بما جاء في هذه العبارة من قوله " رحمة الله عليه "، فإنها تشير إلى عمل الناسخ لا إلى عمل المؤلف. أين نقف بعد ذلك من هذا كله؟ ١ - لدينا كتاب اسمه " الروض المعطار في خبر الأقطار " وتتفق النسخ المتباعدة - مكاناً وزماناً - على أن مؤلفه هو " أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي عبد الله محمد بن أبي محمد عبد الله بن عبد المنعم بن عبد النور الحميري "، وعلى هذا الكتاب يعتمد القلقشندي، فلابد أن يكون مؤلف هذا الكتاب ممن عاش قبل مطلع القرن التاسع (في أقل تقدير) . ٢ - إن ذكر حاجي خليفة له مرتين يعني اطلع على نسختين: إحداهما ذكرت اسمه كاملاً والأخرى اسمه مؤخراً، ولما كان حاجي خليفة - وهو منسق ببليوغرافي - غير مسؤول عن تحقيق الفرق بين الاسمين، فإثباته ما أثبته أمانة دقيقة منه في عمله. ٣ - ذكر حاجي خليفة سنة ٩٠٠ تاريخاً لوفاة المؤلف، وقد حاول غودفري - ديمومبين أن يقول إن هذا خطأ شائع في المخطوطات العربية بين " تسعمائة " و " سبعمائة " ووافقه على ذلك الأستاذ رتزيتانو (١) ؛ ولكن الحقيقة أن عام " سبعمائة " لا يصلح لتقرير سنة وفاة المؤلف، " إذن " فإن الراجح أن حاجي خليفة اطلع على نسخة من الروض كتبت سنة ٩٠٠، ثم اضطرب عليه الأمر فظنها سنة وفاة المؤلف، وهذا غير عجيب عند حاجي خليفة، فقد قال عند ذكر الإمتاع والمؤانسة إن التوحيدي توفي سنة ٣٨٠ وقال حين ذكر المقابسات " المتوفى بعد سنة أربعمائة تقريباً "، فأيهما نصدق؟ إذن فإن الأخذ الحرفي بما يقوله حاجي خليفة أمر مضلل، دون ريب. مؤلف الروض المعطار من هو مؤلف الروض المعطار إذن؟ كل الدلائل ترجح أنه هو الذي وجد بروفنسال نفسه ترجمته في " الإحاطة " - ووجدها رتزيناتو في الدرة الكامنة لابن حجر، وهو ينقل عن الإحاطة - وهذا ما يقوله لسان الدين ابن الخطيب عنه (٢) : ١ - ترجمة المؤلف " محمد بن عبد المنعم الصنهاجي الحميري، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن عبد المنعم، من أهل سبتة الأستاذ الحافظ.

стр. 4

حاله من عائد الصلة (١) : كان ﵀ رجل صدق (٢) ، طيب اللهجة سليم الصدر تام الرجولة، صالحاً عابداً، كثير القرب والأوراد في آخر حاله، صادق اللسان. قرأ كبيراً وسنه تنيف على سبع وعشرين، فشأى (٣) أهل الدءوب (٤) والسابقة، وكان من صدور الحفاظ (٥) ، لم يستظهر أحد من زمانه من اللغة (٦) ما استظهره، فكان (٧) يستظهر كتاب التاج للجوهري وغيره، آية تتلى ومثالاً يضرب (٨) ، قائماً على كتاب سيبويه يسرده بلفظه، اختبره الفاسيون في ذلك غير ما مرة، طبقة في الشطرنج يلعبها محجوباً (٩) ، مشاركاً في الأصول، آخذاً في العلوم العقلية مع الملازمة (١٠) للسنة، يعرب أبداً كلامه ويزنه (١١) . مشيخته أخذ (١٢) ببلده عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ولازم [الأستاذ] أبا القاسم ابن الشاط وانتفع به وبغيره من العلماء. دخوله غرناطة قدم (١٣) غرناطة مع الوفد [الذين قدموا] من أهل بلده (١٤) [سبتة] عندما صار إلى إيالة (١٥) الملوك من بني نصر لما وصلوا بالبيعة. وفاته كان من الوفد الذين استأصلهم الموتان (١٦) ، منصرفهم عن باب السلطان ملك المغرب (١٧) ، باحواز تيزى (١٨) ، حسبما وقع التنبيه على بعضهم (١٩) .)) ٢ - تعليق على هذه الترجمة ١ - تقول هذه الترجمة إن ابن عبد المنعم سبتي. غير أن المقري صاحب نفح الطيب يقول وهو ينقل عنه: " ولنرجع إلى كلام صاحب الروض المعطار فإنه أقعد بتاريخ الأندلس إذ هو منهم، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه " (٢٠) . فهل هو سبتي أو أندلسي؟ إن اهتمامه بجغرافية

стр. 5

الأندلس وأحداثها، في كتابه، يجعل المرء يظن، ولو كان هو المقري المهاجر البعيد عند الأندلس والمغرب، أن مؤلف الروض المعطار أندلسي، فالخطأ هنا ليس خطأ صاحب الروض، الذي كان سبتياً دخل الأندلس، وإنما هو خطأ الذين ظنوا أنه أندلسي النسبة لإسرافه في الحديث عن الأندلس. وقد أكد نسبته إلى سبتة محمد بن القاسم الأنصاري السبتي حين ذكر أنه مقبور بمقبرة المنارة بسبتة وأنه من أهلها في قوله: " قبر الشيخ اللغوي الحافظ الأنبل المتفنن في المعارف، أوحد زمانه في ذلك، وإمام عصره، أبي عبد الله ابن عبد المنعم الصنهاجي من أهل سبتة " (١) . ٢ - وتمدنا هذه الترجمة بصورة فيها شيء من التفصيل عن منجي ثقافته وضروب براعته إذ تصوره متضلعاً في الحديث واللغو والنحو، مضيفاً إلى ذلك كله إطلاعاً على العلوم العقلية، ومهارة خارقة في الشطرنج. ويؤكد ابن القاسم الأنصاري ما قاله ابن الخطيب حول تضلعه في القراءة والحفظ واللغة، وتفرده في هذه الشؤون حتى أصبح " أوحد زمانه في ذلك وإمام عصره ". ومما يؤكد ذلك طبيعة الاتجاهات التي سار فيها أساتذته الذين درس عليهم، وقد ذكر منهم ابن الخطيب اثنين وهما: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عيسى الغافقي (- ٧١٦) ، وشيخ النحاة والقراء بسبتة، فقد كان يتقن كتاب سيبويه، ولعل ابن عبد المنعم أخذه عنه، كما صنف كتاباً في قراءة نافع وآخر في شرح الجمل (٢) أما أستاذه الثاني فهو أبو القاسم، القاسم بن عبد الله بن الشاط (- ٧٢٣) فقد كان يقرئ الأصول والفرائض بمدرسة سبتة، وكان حسن المشاركة في العربية، متقدماً في الفقه ريان من الأدب (٣) . وقد طبعت هذه الثقافة شخصية ابن عبد المنعم بطابعها، فقد كان الرجل على جانب غير قليل من التدين، وفي آخر عمره كان كثير " القرب والأوراد "، معروفاً بالصلاح بين معاصريه، سليم الصدر، كما يمكن أن يتصوره من يقرأ كتاب " الروض المعطار "، مهتماً بإعراب كلامه، وفي هذا من المشقة عليه وعلى معاصريه ما فيه. وفي كتاب الروض ما يشير من بعيد إلى ملامح من شخصيته، فهو من ناحية التقوى لا يدع أحداً من الصحابة دون أن يقرن اسمه ب؟ " ﵁ "، ولو مر في الصفحة الواحدة عدة مرات - وهذا ليس من صنيع النساخ فيما اعتقد - وهو يحب أن يقف عند أمجاد المسلمين الأوائل، ولهذا تجده مغرماً بنقل أخبار الفتوح؛ وقد أحس هو نفسه أنه أسرف في النقل، حين تحدث عن معركة الزلاقة، فشفع ذلك بقوله: " قال مؤلف هذا الكتاب [رحمة الله عليه] : قد خالفت بشرح هذه الوقيعة شرط الاختصار لحلاوة الظفر في وقت نزول الهموم ووقوعها في الزمن الخامل، والله يفعل ما يشاء وهو المستعان ". ولعلها الملاحظة الوحيدة التي سمح لنفسه بتقييدها تعبيراً عن مشاعره الذاتية.

стр. 6

٣ - وهذه الثقافة وتلك الشمات المحببة في شخصيته كسبت له تقدماً في مدينة سبتة، ولهذا نجده يشارك في حياتها السياسية مرتين: الأولى عندما ذهب في الوفد إلى غرناطة ليقرر تبعية سبتة لبني نصر، وقد عرفنا لسان الدين إلى اثنين آخرين كانا في ذلك الوفد، وهما أستاذه أبو القاسم ابن الشاط، ومحمد بن علي بن هانئ اللخمي السبتي " - ٧٣٣ " (١) ؛ وقد كان انتماء سبتة إلى حكم بني نصر سنة ٧٠٥، وعودتها إلى المرينيين سنة ٧٠٩ (٢) ، وعلى هذا تكون الوفادة قد تمت في أوائل تلك المرحلة بين هاتين السنتين. ٤ - وتقول هذه الترجمة إن وفاة ابن عبد المنعم كانت إثر عودته من زيارة لسلطان المغرب - باحواز تازه - بسبب انتشار موتان. وقد أراد بروفنسال أن يفهم من لفظة " موتان " أنها تعني وبأ جارفاً، ولكن الصيغة في النسخة الكتانية من الإحاطة وردت على النحو التالي: " الذين استأصلهم الموت "؛ غير إن استئصال الموت لوفدٍ يعني أنهم ربما تعرضوا لوبأ جارف، ولما كان الوبأ الذي اكتسح المشرق والمغرب قد حدث سنة ٧٤٩، فهل ذلك مما يجعلنا نقول بوفاة ابن عبد المنعم في حدود ذلك العام؟ كان ذلك ممكناً لولا إن ابن حجر ذكر في الدرر الكامنة أن وفاة ابن عبد المنعم كانت سنة ٧٢٧، وليس هناك من سبب يجعلنا نرد هذا التاريخ، وإن لم تحدثنا المصادر عن " موتان " ألم بالمغرب في ذلك العام. ٥ - ومع ذلك كله يبقى سؤال لابد من الإجابة عليه لتوضيح الموقف: في سنة ٧٢٨ كانت سبتة تشهد قدوم السلطان أبي سعيد المريني إليها لإخضاعها، وتقويم زيغها عن الطاعة للمرنيين، وقد استجابت سبتة لإرادة السلطان، " فاحتل بقصبتها وثقف جهاتها ورم منثلمها وصلح خللها واستعمل كبار رجالاته وخواص مجلسه في أعمالها " (٣) فما هي الغاية - إذن - من الوفد في السنة السابقة؟ أليس من الطبيعي أن يكون ذهاب الوفد بعد هذه الإجراءات التي قام بها أبو سعيد المريني؟ أن القطع بتاريخ وفاة ابن عبد المنعم ليس أمراً سهلاً، ولكن سنظل نقبل ما جاء في الدرر الكامنة، إلى أن تعين المصادر التي سيتكشف عنها المستقبل، تاريخ ذلك " الموتان " الذي يشير إليه لسان الدين. ٦ - ولكن هذه الترجمة لم تقل أي شيء يتعلق بنشاطه في التأليف. هل كان إحسانه لما يحسن قاصراً على رغبة في المعرفة لا تتجاوز الكسب إلى العطاء؟ هل درس وتخرج على يديه عدد من التلامذة؟ هل ألف؟ هل كانت تشمل شؤون الجغرافيا - أعني هل نسلم بأن معرفته للعلوم العقلية كانت تشمل أيضاً إطلاعه على المصادر الجغرافية؟ هل قول ابن القاسم " المتفنن

стр. 7

في المعارف " يضم حرصه على أن يكون عارفاً بشؤون البلدان؛ ثم هل يمكن أن يتجاوز ما يتقنه في اللغة والنحو والقراءات فلا يؤلف فيها، ويكون مؤلفه " الوحيد " كتاباً جغرافياً؟ لماذا - وهذا الكتاب من أبرز ما يمثل جهده - لم تذكره الكتب التي ترجمت له؟ ٧ - كل هذه التساؤلات التي أثرناها تضعنا في حيرة إزاء العلاقة بين ابن عبد المنعم و " الروض المعطار ". ومما يجعل هذا الموقف أشد عسراً أن كل محاولة لمعرفة مؤلف الروض من خلال كتابه - عدا تلك الإشارات الصغيرة العامة التي ألمحت إليها من قبل - تبوء بالإخفاق الذريع: لنأخذ الحقيقة الأولى وهي أن المؤلف سبتي: فماذا نجد؟ ليس حديثه عن سبتة إلا من خلال الآخرين، فإنه ينقل ما يقوله الإدريسي وصاحب " الاستبصار " وليس لديه كلمة واحدة - من عند نفسه - يقولها في سبتة. أما اهتمامه بأبي العباس الينشتي (١) الذي استقل في سبتة في أواخر عصر الموحدين فإنه لا يختلف عن اهتمامه بأحداث القرن السابع جملة، وهو شيء يرجع الفضل فيه - فيما اعتقد - إلى المصدر الذي اعتمده لا إلى معرفته الذاتية العيانية. وهل يعقل أن يقول ابن سبتة المغربي وهو يتحدث عن " سلا " (المدينة الواقعة إلى جانب الرباط) ثم عن " سلى " التي في بلاد السودان: " ولا أدري هل هذه سلا التي ذكر أنها على ضفة البحر " ثم يذكر بعد قليل أن هذه " سلى " - الثانية - " من عمالة التكروري "؟ أقول: هل يعقل أن لا يعرف بأن سلا الواقعة في منطقة الدولة المرينية ليست هي الواقعة في عمالة التكروري؟ ومثل ذلك أن يقول في " الزهراء ": " مدينة في غربي قرطبة؟ كذا قالوا، ولا أدري أهي الزاهرة المتقدمة الذكر أو غيرها ". ربما كانت المدينتان في عصره قد اندثرتا، ولكن أليس يدل هذا على أن معلوماته التاريخية - حتى عند الأندلس - كانت قاصرة، وأن المقري كان مخطئاً حين تصور أن رب البيت أدرى بالذي فيه، إذ كان قد فصل بين الماضي والحاضر عندئذ مضيق متباعد العبرين، أوسع بكثير من بحر الزقاق. ٨ - وليس في كتاب الروض ما يشارف مطالع القرن الثامن - أو يتعداها قليلاً - إلا حادثتان: الأولى في مادة " أيلة " حيث جاء " ثم أصلحها السلطان [الأشرف قانصوه الغوري آخر ملوك الجراكسة من جملة ما أصلح في طريق الحجاج في أواخر عمره قبل العشرين والسبعمائة] والثانية في مادة " لوجارة " حين تحدث عمن بقي من المسلمين بها ثم قال: " وآل أمرهم في هذا العهد القريب إلى أن أجلاهم عنها صاحب صقلية الآن ". وقد بين الأستاذ رتزيتانو أن ذلك الإجلاء قد تم على يد الملك شارل الثاني سنة ٧٠٠. وحين نقف عند هاتين الروايتين نجد أن العبارة الأولى وردت مبتورة في نسخة بيرم باشا، كاملة في نسخة الشيخ محمد نصيف؛ وهي إلى ذلك قد تضمنت هفوة جسيمة: إذ كيف يكون قانصوه

стр. 8

الغوري آخر ملوك الجراكسة في حدود سنة ٧٢٠ ونحن نعلم أنه توفي سنة ٩٢٢؟ إذن هنا يجب أن نقف عند الخطأ التقليدي للنساخ حين يضعون سبعمائة بدل تسعمائة (أو العكس) ونقول: الصواب " قبل سنة ٩٢٠ " وإما أن نعتقد أن اسم قانصوه الغوري وقع سهواً في موضع الناصر محمد الذي أصلح طريق العقبة فعلاً قبل سنة ٧٢٠ (كان ذلك سنة ٧١٩) ؛ قال ابن تغري بردي: " وفي هذه السنة (أي ٧١٩) مهد السلطان ما كان في عقبة أيلة من الصخور ووسع طريقها حتى أمكن سلوكها بغير مشقة، وأنفق على ذلك جملاً مستكثرة " (١) . وأي الفرضين اخترنا وجدنا أن الإشارة إلى هذه الحادثة لا يمكن أن تكون من عمل المؤلف، فلو قلنا أن قانصوه الغوري وقع سهواً بدلاً من الناصر محمد لكانت هذه الهفوة من عمل إنسان آخر عاش حتى عرف من هو قانصوه الغوري؛ ولو قلنا أن التاريخ الصحيح هو سنة ٩٢٠ لكان ذلك تجاوزاً لأقصى تاريخ حددته المصادر لوفاة ابن عبد المنعم، وهو سنة ٩٠٠ كما جاء عند حاجي خليفة، وعلى كلتا الحالين نجد أنفسنا إزاء عبارة مقحمة لا دخل لابن عبد المنعم بها، وهي تتعارض من حيث الزمن مع كون الروض المعطار مصدراً للقلقشندي المتوفى سنة ٨٢١ - كما تقدم القول - وسيزداد رفضنا لها عندما نناقش العبارة الثانية التي تدور حول إجلاء المسلمين من لوجارة: فهذه العبارة الثانية أقوى من سابقتها بكثير، وليس من المستبعد أن تكون الإشارة فيها إلى تلك الحادثة من صنيع المؤلف نفسه، وكان الذي حدا بالأستاذ رتزيتانو إلى ربطها بعام ٧٠٠ شيئان: وقوع الحادثة حسب المصادر الأخرى سنة ٧٠٠ وورد عبارة " هذا العهد القريب " ولفظة " الآن " فيها، (وما دام ابن حجر في الدرر يحدد وفاة المؤلف بعام ٧٢٧ فلا مانع إذن من هذا الربط) وما دامت المصادر الموثوقة قد تحدثت عن حدوث ذلك الجلاء عام ٧٠٠، فمن المغالاة أن نحيطها بالشك، خصوصاً وأن التاريخ المذكور، يمكن أن يشير إليه مؤلف طعن في القرن الثامن بعدة سنوات. ولكن أحب أن أشير إلى أن لفظة " الآن " لا تعني المعاصرة أبداً لدى صاحب الروض، فإنه إذا وجدها عند مؤلف سابق أبقاها على حالها، فإذا لم ينتبه القارئ لهذه الحقيقة جاءت مضللة. مثال ذلك قوله في مادة (طيبة) : وهي الآن عليها سور حصين منيع من التراب بناه قسيم الدولة الغزي؟ " وهذا كلام الإدريسي حرفياً؛ وذلك يكفي في تبيين نقل المؤلف عمن سبقه دون تصرف، فقد ورد هذا في غير موضع من كتابه؛ فإذا كانت عبارة " هذا العهد القريب " ذات معنى، فإنها تعني القرب من أوائل القرن الثامن، وهي بذلك تنفي الحديث الذي جاء في العبارة الأولى عن قانصوه الغوري وإصلاحه طريق العقبة قبل سنة ٩٢٠. ٩ - إذن، ليس هناك من الناحية الزمنية، ما يعطل نسبة الروض المعطار إلى ابن عبد المنعم الحميري، وإن لم يحاول فيه أن يبرز موقفه، من ناحية الأحداث، أو منتماه السبتي (أو المغربي

стр. 9

بعامة) ، أو مشاهدته الخاصة لبلد ما، ولو كان هذا البلد هو سبتة نفسها، أو علاقاته الشخصية ببعض الناس المقاربين لعصره أو المعاصرين له. إننا لن نجد إنساناً شديد الحرص على إنكار ذاته، كما نجد الحميري، وكأنه يقول بلسان الحال: أريد أن أرتب معجماً جغرافياً، معتمداً في ذلك على الانتقاء من عدد من المصادر، دون أن يكون لي أي رأي ذاتي أو عرض لتجربة خاصة. كتاب الروض المعطار ١ - اسم الكتاب ورد اسمه في المخطوطتين المعتمدتين: " الروض المعطار في خبر الأقطار " وكذلك ذكرته المخطوطات التي راجعها بروفنسال، وذكر في طبعة فلوجل من كشف الظنون مرة باسم " الروض المعطار في أخبار الأقطار " (١) ومرة أخرى باسم " روض المعطار في خبر الأقطار ". وحين نقل عنه صاحب نفح الطيب جعل اسمه " الروض المعطار في ذكر الأقطار "؛ وواضح أن التسمية التي اتفقت عليها المخطوطات هي الوجه الأرجح. ٢ - خطة المؤلف في كتابه بين المؤلف في مقدمة كتابه حدود الخطة التي ألتزمها في تأليفه، فقد أراد أن يصنع معجماً جغرافياً مرتباً على حروف ليسهل على الطالب كشف اسم الموضع الذي يريده؛ ولما كان استقصاء المواضع جميعاً أمراً عسيراً، فقد وضع نصب عينيه: (١) أن يكون المكان مشهوراً. (٢) أن يكون مما اتصل به " قصة أو حكمة أو خبر طريف أو معنى مستملح مستغرب ". ولهذا فهو يعدل عن ذكر الأمكنة الغريبة التي لا تتعلق بذكرها فائدة أو خبر يحسن إيراده. ومعنى ذلك أنه يريد من كتابه أن يكون معجماً جغرافياً تاريخياً - جغرافياً يصف الأقطار وما تتميز به، وتاريخياً بذكر الأخبار والوقائع المتصلة بتلك البلدان. وقد قاس كتابه إلى كتاب " نزهة المشتاق " فوجده أكثر فائدة، لأن نزهة المشتاق يوجز حتى في وصف البلدان، ويكثر القول في ذكر المسافات، ولا يهتم كثيراً بالأحداث التاريخية، وليس فيه إيراد لما يستملح أو يستغرب إلا في مواطن قليلة. كذلك فإن الحميري جعل الإيجاز - أو حاول أن يجعله - أساس خطته في ذلك الكتاب.

стр. 10

وقد كان الحميري وفياً لجانب كبير من هذه الخطة، فهو حقاً قد صنف معجماً جغرافياً تاريخياً، (أو إن شئت فقل معجماً تاريخياً جعلت الجغرافيا مدخلاً إليه) مرتباً على حروف المعجم، حسب ترتيبها المشرقي، ولا ندري لم اتبع هذا الترتيب مع أنه في داخل الحرف الواحد، حاول أن يتمشى على الترتيب المغربي، (هل يمكن أن نفترض أن النساخ المشارقة أعادوا ترتيبه على النحو الذي يألفونه؟) ثم هو أضرب عن ذكر عدد كبير جداً من البلدان، وحاول في الأغلب أن يكون ما يذكره مشهوراً متصلاً بحادثة أو قصة أو معنى مستملح مستغرب ولكنه إلى جانب ذلك ذكر أماكن لا شهرة لها. ولا يتعلق ذكرها بخبر طريف أو غريب؛ وربما لم يزد التعريف بها عن سطر أو سطرين، وكثيراً ما خرج من حيز الخبر المستطرف إلى الخبر العجيب، وغلبت عليه الروح " العجائبية " التي ظلت ترافق كثيراً من الجغرافيين في شتى العصور؛ أما مقايسته كتابه بنزهة المشتاق فإنها مقايسة في غير موضعها، لأن الإدريسي اقتصر إلى حد كبير على " المفهوم الجغرافي " وحاول أن يقلل ما استطاع من الشؤون العجائبية، ولذا فإن الحميري حاول أن يفرض مفهوماً جديداً هو مفهوم " المتعة والعبرة "، وذلك ربما كان في أكثر خارجاً عن مفهوم مؤلف مثل الاصطخري والحوقلي والإدريسي. أما قضية الإيجاز فربما كان فرضها خطأ منذ البداية لأن من شاء أن " يمتع " القراء بالأخبار لا يستطيع دائماً أن يتحكم في إيرادها، وفي مرات أحس ابن عبد المنعم أنه يتجاوز حدود الإيجاز فاعتذر عن ذلك (كما فعل في مادة الزلاقة والأندلس) ؛ ولكنه لم يحاول أن يوجز حين تحدث عن إرم والأهرام وسرد قصة بعض الفتوحات في صدر الإسلام أو حين تحدث عن حرب البسوس ومعركة ذي قار. كما أن قاعدة الإيجاز اختلت لديه لأسباب أخرى منها: ١ - عدم سبكه المادة المنقولة من مصادر جغرافية مختلفة، وإنما هو يوردها تباعاً، وقد يكون المنقول عن البكري مثلاً تكراراً - بأسلوب آخر - لما سبق أن نقله عن الإدريسي أو عن الاستبصار. ٢ - تكراره المعلومات الواحدة في مادتين مختلفتين، ما يصلح أن يكتب في مادة " الدامغان " قد يعاد نصاً من مادة " الزرادة " يجيء لبعض ما ذكر في مادة " جنابا ". ٣ - تكراره ذكر الموضع الواحد لأن اسم البلد ورد في شكلين مختلفين مثل: لياج - الياج، طرابنش - أطرابنش؛ وشقة - وشكة، وهكذا. ثم إن تأليف معجم جغرافي مرتب على حروف المعجم لم يكن بالنسبة لابن عبد المنعم الذي لم يرحل ولم يكتب عن مشاهدة - أو حتى عن سماع - محوطاً بكثير من التوفيق، فقد ضخم الترتيب الهجائي من أخطائه - وهي أخطاء لا يمكن أن تظهر بهذا الوضوح في مؤلف جغرافي عام، لأنها تحمل على الناسخ في الأغلب لا على المؤلف، غير أنها تظهر واضحة في معجم مرتب على حروف الهجاء وقد كان الحميري يعتمد في تصنيفه على الكتب، وكان يقرأ اسم البلد حسبما

стр. 11

يراه في المخطوط الذي لديه، دون أن يستطيع تمييز الخطأ من الصواب؛ فلم تضعف لديه الدقة الجغرافية لهذا وحده، بل لأنه كان يحاول أن يتجنب في السياق ذكر أسماء الأماكن والأنهار لئلا يقع في الخطأ، وكثيراً ما نجده إذا أعياه قراءة اسم شخص أو اسم بلدة وضع بدله " فلان " و " فلانة " ولا أظن أن هذا كان من عمل النساخ. ٣ - مصادر الكتاب لا يصرح الحميري باسم المصدر الذي ينقل عنه إلا في القليل النادر، وإذا انتقل من اقتباس إلى آخر، ابتدأ بلفظة تعميمية هي: " قالوا "؛ ومصادره متنوعة وإن لم تكن كثيرة، فهي جغرافية وتاريخية وأدبية. ويبدو أنه كان يجهل المصادر الجغرافية المشرقية، وكل ما عنده عن كتاب البلدان لليعقوبي ربما كان بالواسطة؛ إلا أنه لا يعرف - قطعاً - ابن حوقل والاصطخري والمقدسي ومعجم ياقوت؛ ولهذا اقتصر في باب المعلومات الجغرافية على المصادر المغربية، ورغم تهوينه من شأن نزهة المشتاق للإدريسي، سيطر هذا الكتاب على معجمه سيطرة بالغة، حتى إن كثيراً من المواد لا تعدو أن تكون إعادة لما قاله الإدريسي. ومثل هذا موقفه من البكري، فقد اعتمد بإسراف على كتابيه " معجم ما استعجم " و " المسالك والممالك "، غير أنه في كثير من الأحيان يرتاح إلى كتاب " الاستبصار في عجائب الأمصار " إذا وجده يلتقي مع البكري في الحديث عن بلد واحد، وكثيراً ما ينقل عن الكتابين في المادة الواحدة، وبعد هذه المؤلفات الأربعة تجيء رحلة ابن جبير، غير أن الحميري لم يذكر مؤلف هذه الرحلة أبداً، وإنما أشار إليه مرة بقوله: قال بعضهم، ومرة ثانية بأنه أحد الأدباء. أما المصادر التاريخية فلم تقتصر على مؤلفات المغاربة، وإن كانت هذه تيسرت الإفادة منها أقرب إلى الحميري، فقد أبدى في كثير من مواد كتابه إطلاعاً على سيرة ابن إسحاق كما هذبها ابن هشام، وقد يلتقي في أخبار الفتوح من تاريخ الطبري - على نحو حرفي أحياناً -، وكذلك مع كتاب فتوح الشام لمحمد بن عبد الله الأزدي البصري ولكني أعتقد أن مصدره المباشر هو كتاب المغازي لعبد الرحمن بن حبيش (- ٥٨٤) (١) ، كما أن مصدره عن تباشير البعثة النبوية وعن حروب الردة لمؤلف مغربي أيضاً، وهو كتاب الاكتفاء في مغازي الرسول والثلاثة الخلفاء " لأبي الربيع الكلاعي. وهو مغرم بأخبار القرن السابع، وعلى وجه الخصوص بأخبار

стр. 12

الموحدين في المغرب والأندلس، وأخبار الغزو التتري لمدة المشرق. ولا ريب أن مصدر النوع الأول من الأخبار مغربي، وإن لم تسمح مصادرنا بتعيينه، وكذلك لم استطع تعيين المصدر الذي استمد منه أخباره عن التتر. ولديه اهتمام بارز أيضاً عن تلك الطريق - أعني من خلال البكري، وإن كانت نقوله عن مروج الذهب - في الأخبار التاريخية لا في الحديث عن البحار والجزر وما فيها من عجائب - توحي لدى المقارنة بأنها مأخوذة رأساً - لا بالواسطة - عن ذلك الكتاب - فأما فيما يتعلق بالحديث عن عجائب البحار وعن بعض الجزر وما إلى ذلك، فإنها مأخوذة عن المسالك والممالك للبكري الذي يعتمد كثيراً على أخبار الزمان ومروج الذهب. وأما مصادره الأدبية والمتعلقة بالتراجم فتشمل الأغاني وكتاباً لابن سعيد الأندلسي لعله " المشرق في حلى المشرق " وبعض الدواوين الشعرية، وبخاصة ديوان أبي العلاء المعري مشروحاً، وديوان الأعمى التطيلي أو على الأقل قصيدته التي مطلعها " قفا حدثاني عن فل وفلان "، ومقصورة ابن دريد (مشروحة) ، فأما معرفته بشعر بعض شعراء القرن السابع كابن الآبار وابن عربية وابن مجبر أو برسائل بعض أدباء ذلك القرن مثل أبي المطرف ابن عميرة، فإنها تعتمد في أغلب الظن على المصدر التاريخي - أو المصادر التاريخية التي ينقل عنها - أكثر من الاعتماد على دواوين هؤلاء الشعراء أو مجموعات رسائلهم. وقد كشف في مادة " صفين " عن نوع آخر من المصادر لا ينتمي إلى الأنواع الثلاثة السابقة، فهو ينقل عن كتاب الإمامة لعبد القاهر البغدادي، وعن القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني، وربما عن غير هذين أيضاً، كما أشار إلى " الرياض النضرة " للمحب الطبري إشارة عارف به. ومن الممكن أن يتساءل المرء: هل ظهرت ثقافة ابن عبد المنعم الإمام في الحديث واللغة والنحو في هذا الكتاب؛ والجواب على هذا أنها لم تظهر مستقلة، أي أن المؤلف لم يحاول أن يؤكد لنفسه دوراً واضحاً في هذه الثقافات، وإنما ظهرت في بعض المواقف وجاءت من طبيعة المناسبة، فهو ينقل عن صحيح مسلم والبخاري وسنن النسائي وكتاب الطبراني، أو يشير إليها، ولكن في كثير من الأحيان نجد إشارته إلى الحديث أو إيراده له اتباعاً للبكري، مع ميله للاختصار الشديد في الإسناد، وكثيراً ما يكون الضبط اللغوي أو القاعدة النحوية نقلاً عن مصدر جغرافي سابق بل ربما قلنا إن ابن عبد المنعم يحاول أن يقلل من الضبط قدر المستطاع، طلباً للإيجاز، أو ضيقاً بالتدقيق في التفصيلات. ٤ - أثر الكتاب وقيمته لا أعرف أحداً اعتمد الروض المعطار مصدراً قبل القلقشندي (- ٨٢١) في كتابه

стр. 13

" صبح الأعشى "، وكان أكثر اعتماده عليه في التعريف بالبلاد الشامية وبلدان الجزيرة العربية ومصر، ولم يعتمد عليه كثيراً في المغرب (اقتصر على ذكر: تونس، فاس، سبتة، مراكش) وإفريقية وراء الصحراء (دنقله - غانة - كوكو - تكرور) وأقل من ذلك البلاد الأوروبية (القسطنطينة، رومة، اقريطش) وأقل الجميع الأندلس، حيث أشار إشارة عابرة إلى طرطوشة، وتحدث عن ملوك الأباريين نقلاً عما ورد في مادة " أندلس " من الروض. ولا ندرس سبباً لذلك، فإن جعل الروض المعطار - ومؤلفة مغربي - أساساً في المعلومات الجغرافية عن مناطق المشرق (الجزيرة العربية - الشام - مصر) وعدم الاهتمام بمعلوماته عن بلدان المغرب والأندلس يعد عكساً للوضع الصحيح. هل كان القلقشندي يعدّ الحميري مشرقياً؟ إن نسبة " الصنهاجي " لا توجد في مخطوطات الورض المعطار، ولعل القلقشندي ذهب بسبب ذلك إلى هذا التصور فظنه مشرقياً. ومن بعده توقف عنده السمهودي (- ٩١١) صاحب " وفاء الوفاء " في كتابه الموجز الذي لخص فيه مؤلفه الكبير، فنقل عنه، مع أنه ليس لدى صاحب الروض - فيما يتصل بالمدينة - مادة يستقل بها، وأكثرها مأخوذ عن البكري، وقد كان البكري من مصادر المسهودي، بحيث يغنيه عن الورض المعطار. وفي القرن الحادي عشر ظل الكتاب موضع اهتمام، فنجد المقري يعرفه وينقل عنه خبر وقعة الزلاقة (١) ؛ ثم نجد محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي (- ١٢٣٩) ينقل عنه كثيراً في رحلته، مع إدراكه تمام الإدراك بأن الحميري " لم يكن معه تحقيق في أخبار الأقطار وإنما [ينقل] من غيره، ولم يجل في الأمصار " (٢) ، وآخر من نجده يعرف الروض المعطار معرفة وثيقة هو صاحب الترجمانة الكبرى، أبو القاسم الزياني المتوفى سنة ١٢٤٩. ويبدو أن التوجه إلى النقل عن الروض إنما تم لسهولة الحصول على نسخ منه، ولما فيه من الترتيب المعجمي الذي لا يتوفر في كتاب مؤلف على الأقاليم؛ وإلا فإن بعض ما أخذ عليه إنما كان نقلاً المصادر المبكرة، وخاصة ما أخذه عن البكري؛ والبكري ممن وقع في أخطاء عديدة في كتابيه معجم ما استعجم والمسالك؛ ورغم الاحترام الوافر الذي يكنه العبدري له فإنه تعقب بعض أخطائه في رحلته، كقول البكري إن إيليا تحيط بها الجبال وأنها هي في نشز من الأرض؛ وأن قصر لجم (الأجم في الروض) في دوره نحو من ميل، بينما هو أصغر من ذلك بكثير، وقوله في سرت أنها مدينة كبيرة على ساحل البحر بها حمام وأسواق ولها بساتين ونخل، وإنما هي قصير صغير لا نخل حوله أبداً؛ وقوله في نفيس أنها مدينة في المغرب بينها وبين البحر مسيرة يوم، وإنما نفيس اسم نهر؛ وقوله في تادمكة أن تاد تعني الهيئة، وليس الأمر كذلك بل إن " تاد " تعني

стр. 14

لفظ الإشارة " هذه " (١) . ومن يراجع الروض المعطار يجد أن عض هذه الأمور قد رددها الحميري أيضاً نقلاً عن البكري، فليس الخطأ من عنده، وإنما مصدره ثقته فيما يقرؤه لغيره. ولكن الخطأ يشيع بالنقل، وتصبح أخطاء الحميري نفسه مظنة قبول عند من ينقلون عنه مضافةً إلى أخطاء غيره؛ فقد ذكر مثلاً " حبرون " في " جيرون "، فلما نقل عنه القلقشندي أثبت " حبرون " وضبطها، ثم قال: وفي كلام صاحب الروض المعطار ما يدل على إبدال الحاء بجيم والباء الموحدة بمثناة تحت، فإنه ذكرها في حرف الجيم في سياقه الكلام على تسمية دمشق جيرون (٢) . على أية حال ليس من الضروري أن نغالي في تقييم الروض المعطار، فإن مهمته لا تتعدى شيئين: أنه يشبه أن يكون نسخة ثانية من كل مصدر نقل عنه، وهو في هذه الحالة يصحح أحياناً بعض النصوص في تلك المصادر، كما أنه احتفظ بمادة غزيرة تدور حول أحداث القرن السابع، ربما طال بنا الزمن قبل العثور على مصادرها، وبمادة مما لا يزال مفقوداً من مسالك البكري، وخاصة فيما يتصل بجغرافية القارة الأوروبية والأندلس. ٥ - هل وصلنا كتاب الروض كاملاً ؟ أورد القلقشندي في صبح الأعشى التعريف ببلدين، وصرح بأنه ينقل عن الروض المعطار، فقال عند التصدي لذكر مرمرا (٣) قال: " قال في الروض المعطار: والروم تسمي الرخام مرمرا فسميت بذلك ". ونقل عن الروض المعطار وصفاً لمدينة تعز جاء فيه (٤) : " قال في الروض المعطار، ولم تزل حصناً للملوك؛ قال: وهو بلد كثير الماء بارد الهواء كثير الفاكهة؛ قال: ولسلطانهم بستان يعرف بالينعات فيه قبة ملوكية ومقعد سلطاني، فرشمها وأزرهما من الرخام الملون، وبهما عمد قليلة المثل يجري فيها الماء من نفثات تملأ العين حسناً والأذن طرباً، بصفاء نميرها وطيب خريرها، وترمي شبابيكهما على أشجار قد نقلت إليه من كل مكان؛ يجمع بين فواكه الشام والهند ولا يقف ناظر على بستان أحسن منه جمعاً، ولا أجمع منه حسناً، ولا أتم صورة ولا معنى. ولم ترد هاتان المادتان في نسختي الروض اللتين اعتمدت عليهما، كما أن وصف تعز - على هذا النحو الأدبي - ليس مألوفاً عند الحميري إلا حين ينقل عن ابن جبير؛ ولكن ربما كانت نسخ الكتاب متفاوتة، فقد احتفظت النسختان المعتمدتان بقطعة كبيرة عن " بجانة " إحدى مدن الأندلس أخلت بها النسخ الأربع التي اعتمد عليها بروفنسال، أو ربما سها القلقشندي في نسبته هاتين القطعتين إلى الروض المعطار.

стр. 15

تحقيق الكتاب اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين (١) نسخة مكتبة بيرم باشا التابعة لنور عثمانية، ورقم المخطوطة فيها (٤٤) وقد رمزت لها بالحرف (ع) . وتقع في ٤٠٩ ورقات، مسطرتها (٢٢× ٣٢سم) وعدد السطور في الصفحة الواحدة ٣١ سطراً، ومعدل الكلمات في السطر التام: ١٢ كلمة، وهي مكتوبة بخط نسخي شديد الوضوح، وفيها قلة عناية بالاعجام، وتصحيف كثير في أسماء الأعلام على وجه الخصوص، ويكثر فيها سقوط عبارات كاملة، والناسخ يضرب على ما يريد حذفه بالقلم متقيد بالطريقة التقليدية في الترميج. وقد ورد في آخرها أن ناسخها هو محمد بن زين الدين الجيزي الشافعي، وأن الفراغ من تعليقها تم في " عصر اليوم الثاني، ثاني الثاني من ثامن أول تاسع العاشر من الهجرة النبوية "، وهذا اللغز إذا رددناه إلى الأرقام كان يعني أن نسخها قد تم في الثاني من شهر صفر سنة ٩٨١. (٢) نسخة حديثة رمزت لها بالحرف (ص) ، كانت في ملك المرحوم الشيخ محمد نصيف بجدة، وقد نقلت عن نسخة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة (وكان الانتهاء من نق نسخة المدينة ٩٧١) فجاءت في ٦٤٣ صفحة مكتوبة بخط رقعة حديث في الأكثر ومسطرتها ٢٦.٥×٣٤ سم وعدد السطور في الصفحة ٢٤ سطراً ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٨ كلمة وقد جاء في آخرها تاريخان مختلفان: إذ ذكر أن الفراغ من نسخها في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت قد تم في ١١ شعبان سنة ١٣٦٠ وبعده يذكر الناسخ مصطفى بن عمر بصرى قاروت أن الفراغ من نسخ الكتاب تم على يده في ١٥ رجب الفرد سنة ١٣٦٤، وهو أيضاً تاريخ دخول هذه النسخة في ملك الشيخ محمد نصيف بن حسين بن عمر أفندي نصيف، بجدة، وقد اطلع الأستاذ عبد الرزاق آل حمزة على هذه النسخة وقابلها على أصلها المنقولة عنه، " وهو كثير التحريف والغلط والتصحيف " فاجتهد بقدر الطاقة في معرفة ما هو أقرب إلى الصحة، وكتب بازائه حرف (ظ) مختصر " الظاهر " أو " المظنون "؛ وفرغ من ذلك ضحوة ٢٤ شعبان ١٣٦٤ بقبة الساعات بالمسجد الحرام، بمكة المكرمة. وإذا كان الأصل الذي نقلت عنه النسخة " كثير التحريف والغلط والتصحيف " فإن هذه الصورة المنسوخة عنه لم تخفف مما فيه من أخطاءه؛ ورغم بعض التنبيهات المفيدة التي ذكرها الأستاذ آل حمزة في بعض حواشي النسخة، فإنها ما تزال نسخة سقيمة، لا يمكن الاعتماد عليها وحدها بأية حال، غير أنها سلمت من السقط الذي يكثر في النسخة السابقة، ومن هنا كانت ذات فائدة غير قليلة، أما في قراءة النص نفسه فلم يكن الاعتماد عليها إلا للوقوف على مدى اطراد ذلك النص وانسجامه في النسخة (ع) .

стр. 16

على أن النسختين تتقاربان بعد ذلك كثيراً، وخاصة في الهفوات المشتركة بينهما، كما قال الأستاذ أمبرتو رتزيتانو (١) ، وهذا قد يشير إلى أنهما اعتمدتا على أصل واحد. ولم يكن في الإمكان إقامة نص سليم في معظمه اعتماداً على هاتين النسختين وحدهما، فإن غلبة التصحيف على الأعلام من قبل الناسخين ولمؤلف قد كان يجعل كل محاولة من هذا القبيل مخفقة لولا اعتمادي على المصادر الجغرافية التي نقل عنها المؤلف نفسه، كذلك فإن ما قام به الأستاذان بروفنسال ورتزيتانو في تحقيق الأماكن الأندلسية والصقلية، قد سهل جانباً من العمل فيما يتعلق بأسماء تلك الأماكن، على أن العالمين المذكورين قد توقفا عند بعض الأعلام التي أوردها المؤلف مصحفة، فلم يستطيعا أن بيتا في أمرها بشيء حاسم. وقد سرت في تقييد الملاحظات والحواشي على خطة الإيجاز والاقتصاد، وهاهنا أمر يحسن تنبيه القارئ إليه؛ فحين أقول في الحاشية - مثلاً - نزهة المشتاق: ١٢٠ أو السيرة ٢: ٣٦، أعني أن المؤلف ينقل مادته من هذا المصدر (مباشرة أو بالواسطة) ، حتى إذا انتهى النقل بدأت فقرة جديدة، على هذا جرى تقسيم الفقرات في المادة الواحدة إلا أن أشير منذ البداية إلى أن المادة كلها منقولة عن المصدر الفلاني، وإلا المادة التي نشرها بروفنسال من قبل، فإن تقسيمها إلى فقرات ينظر في الأكثر إلى الوحدات المتوالية. أما إذا صدرت العبارة في الحاشية بقولي: انظر أو قارن فمعنى ذلك أنني أحاول أن أربط ما ورد في الروض بما ورد في المصادر الأخرى دون أن يكون هناك نقل، إذ المقارنة أو الإحاطة هنا إلى مصدر آخر تكون غايتها توثيق التسمية أو ضبط الاسم، أو وجود شبه قوي بين المادتين، أو وجود فرق واضح بينهما. ولم يكن همي في هذا اللون من الحواشي أن أقيم لكل مادة دراسة تطورية حتى أضعها في ضوء المعلومات الجغرافية الحديثة - فذلك ربما كان أمراً معجزاً - وإنما حرصت دائماً أن أضع مادة الروض المعطار بين موضحين: بين المصادر التي نقل المؤلف عنها، وبين المصادر التي نقلت عنه؛ كل ذلك رغبة في ضبط النص على وجه يرضى عنه المحققون والدارسون. على أني وقفت إزاء بعض الأسماء عاجزاً عن استبانة الوجه الصحيح فيها، فأما أشرت إلى ذلك، في الحاشية، معلناً أني لم أجد شيئاً عنها في المصادر، وإما تركتها عابراً دون إشارة وفي النفس منها شيء. وحيث وقع المؤلف في التصحيف فكتب " خجنده " في حرف الجيم (جخندة) ووضع " علوة " في باب الغين (غلوة) وجعل " باب " و " بابة " في مادة الياء " ياب " و " يابة ".. الخ ما وقع فيه من تصحيفات، فقد أبقيت هذه الأعلام حيث وضعها وأشرت إلى خطأه، ولكني أعتزم - إن شاء الله - أن أجعل الفهرست كفيلاً بردها إلى وجه الصواب. إذ أثبت هنالك مثلاً (غلوة: صوابها علوة فانظره، وهكذا) ؛ أما إذا كان التصحيف في الباب نفسه مثل: وبدار

стр. 17

(التي أوردها بعد وبار) ظناً منه أن ما بعد الواو باء موحدة، وصحتها وندار أو الزيدان (التي أوردها في باب الزاي المشفوعة بالياء وهي الزبداني) فقد كنت أصححه في المتن، لأن المادة لا تستدعي نقلاً من حرف إلى حرف. أما الفروق في القراءات فلم أثبت منها إلا ما وجدته ضرورياً أو هاماً، وأضربت عما كان وهماً خالصاً من الناسخين، وكذلك صنعت في عرض الكتاب على مصادره، إذ كان المؤلف في كثير من الأحيان يوجز بالحذف أو التلخيص، كذلك فإني أفدت من الزيادات التي أوردها الأستاذ بروفنسال إذ اعتبرت نشرته بمثابة نسخة أخرى في هذا الصدد وحده ولم أشر إلى ما صوبته في نصه من قراءات أو ما استدركته عليه لنقص في النسخ التي اعتمدها، فذلك يثقل الحواشي بما لا ضرورة له. وليس بين ما نشره الأستاذ رنزيتانو وبين القراءات التي اعتمدتها إلا فروق يسيرة جداً لأنه إنما كان اعتماده على مخطوطة بيرم باشا وعلى أصل النسخة (ص) . وربما كان الاطلاع على مزيد من النسخ كفيلاً بإبراز فروق أخرى، ولكن ذلك مما لم تتحه لي الظروف التي عملت أثناءها في تحقيق هذا الكتاب. وفي ختام هذه الكلمة أود أن أتقدم بالشكر الجزيل لصديقي العلامة الحجة الأستاذ الشيخ حمد الجاسر، فقد كان له الفضل في تنبيهي إلى اعتماد كل من الناصري في رحلته والسمهودي في ملخص وفاء الوفا على الروض المعطار، كما تلطف - حفظه الله - بمراجعة قسم من مواد الكتاب، وزودني بتعليقاته العلمية المفيدة؛ وجزيل شكري لصديقي اعالم الكبير الأستاذ زهير شاويش الذي أذن بتصوير نسخة (ص) حين كانت في حوزته بموافقة الشيخ محمد نصيف ﵀، فإنه كان أسخى الناس في تشجيع الأعمال العلمية، وكل ما أتمناه أن يكون ما بذلته من جهد في إخراج هذا الكتاب وفاء بفضل كبير تلقيته من هذين الصديقين العزيزين ومن سائر أصدقائي الذين كانوا يتطلعون إلى روية الكتاب مشمولاً بهذه العناية المتواضعة، والله الموفق. بيروت في شهر أيار (مايو) ١٩٧٤ إحسان عباس

стр. 18

بيان بالرموز المستعملة في هذا الكتاب ع نسخة بيرم باشا الملحقة بمكتبة نورعثمانية. ص نسخة المرحوم الشيخ محمد نصيف بجدة. نزهة المشتاق: نسخة كواريللي رقم ٩٥٥ تمثل الكتاب كله، ونسخة طوبقبو رقم ٣٥٠٢ وهي نصف الكتاب. الإدريسي (د) : صفة المغرب وأرض السودان والأندلس من نزهة المشتاق تحقيق دوزي ودي خويه (أمستردام ١٩٦٩) . الإدريسي (ب) : وصف أفريقيا الشمالية والصحراوية من نزهة المشتاق تحقيق هنري بيريس (الجزائر: ١٩٥٧) . الإدريسي (م) : صفة البلاد التي هي الآن المملكة الإيطالية، من نزهة المشتاق، تحقيق أماري وسكياباريللي (رومة ١٨٧٨) . OG: (Opus Geographicum) وهو الطبعة الجديدة من نزهة المشتاق (روما - نابلي ١٩٧٠) وقد ظهر منها فصلتان تشملان الإقليم الأول والثاني. البكري: المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب وهو جزء من المسالك والممالك، تحقيق دي سلان (الجزائر ١٨٥٧) . البكري (ح) : جغرافية الأندلس وأوروبا من كتاب المسالك والممالك، تحقيق الدكتور عبد الرحمن الحجي (بيروت ١٩٦٨) . البكري (مخ) : كتاب المسالك والممالك، نسخة خطية في لاله لي رقم ٢١٤٤.

стр. 19

حرف الهمزة آمد مدينة من كور الجزيرة من أعمال الموصل والجزيرة ما بين دجلة والموصل، وآمد بمقربة من ميافارقين فتحها عياض بن غنم بعد قتال على مثل صلح الرها، فإنه لما أتى الرها خرج إليه أهلها فقاتلوه فهزمهم المسلمون حتى ألجأوهم إلى المدينة فطلبوا الأمان والصلح، فأجابهم عياض إليه وكتب لهم (١) : " بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من عياض بن غنم لأسقف الرها إنكم إن فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدوا لي عن كل رجل منكم ديناراً أو مد قمح فأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم ومن تبعكم، عليكم ارشاد الضال وإصلاح الجسور والطرق ونصيحة المسلمين شهد الله وكفى بالله شهيداً ". فعلى مثل هذا الصلح صالح أهل آمد وأهل ميافارقين وكفر توثا بعد قتال أيضاً على مثل صلح الرها. ومدينة آمد كبيرة حصينة على جبل في غربي دجلة وهي كثيرة الشجر والجبل عليها مطل نحو مائة قامة وعليها سور بحجارة الأرحى السود، ولها داخل سورها مياه جارية ومطاحن على عيون تطرد وأشجار وبساتين، وبينها وبين ميافارقين مرحلتان، ولها أربعة أبواب: باب التل وباب الماء وباب الجبل وباب الروم، وفي شمالها سوران، وفي قبليها برج كبير يسمى برج الزينة، وعلى باب الروم برجان، وقصبة السلطان في شرقها. والمدينة مستعلية على شرف، وهي أكبر من ميافارقين، وداخل آمد عين ثرة. وتأتيها دجلة من شمالها وتخرج من شرقيها، وبساتينها غرباً وقبلة عنها إلى دجلة، وفي صحن جامعها أوتاد حديد قائمة معترضة من بلاط إلى بلاط ارتفاع الظاهر منها فوق الأرض ذراعان قد عقد بها كلها سلسلتان من حديد يذكر أهلها أن السرج كانت تقد عليها في سالف الأزمان. ومن العجائب (٢) جبل بآمد فيه صدع فمن انتضى سيفه وأولجه فيه وهو قابض عليه اضطرب السيف في يده وارتعد هو ولو كان أشد الناس وأعجوبة أخرى أنه من حد بذلك الجبل سكيناً أو سيفاً وحمله على الابر والمسال جذبها أكبر من جذب المغنيطس، والحجر نفسه لا يجذب الحديد ولو بقي يحد عليه مائة عام لكانت تلك القوة فيه قائمة، وهو أقوى من حجر المغنيطس لأن الثوم يذهب قوة المغنيطس، وهذا مثل الذي بحوز مورور من الأندلس من أعمال قرطبة، وأخبر من حد به سيفاً في الحجر مكانه من الجبل وقد تقادم عهده فوجده يجذب من تحت غمده وتعلق الابر بالغمد، وذكر صاحب هذا السيف أنه قد صقله مراراً فما زالت تلك القوة فيه. ومن آمد إلى ميافارقين خمسة فراسخ. وفي سنة (٣) ست وثمانين ومائتين نزل المعتضد أمير المؤمنين خليفة بغداد على آمد بعد وفاة أحمد بن عيسى بن الشيخ وقد تحصن بها ولده محمد بن أحمد بن عيسى، فبث جيوشه حولها وحاصرها، فحدث شعلة بن شهاب اليشكري قال: وجهني المعتضد إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن الشيخ لأخذ الحجة عليه، قال: فلما صرت إليه واتصل الخبر بأم الشريف أرسلت إلي فقالت: يا ابن شهاب، كيف خلفت أمير المؤمنين؟ فقلت: خلفته والله ملكاً جزلاً وحكماً عدلاً أماراً بالمعروف فعالاً للخير متعززاً على الباطل متذللاً للحق لا تأخذه في الله لومة لائم، قال: فقالت لي: هو والله أهل ذاك ومستحقه ومستوجبه، وكيف لا يكون كذلك وهو ظل الله الممدود على بلاده، والخليفة المؤتمن على عباده، أعز به دينه وأحيا به سنته

стр. 20

وثبت به شريعته، ثم قالت لي: وكيف رأيت صاحبنا، تعني ابن أخيها محمد بن أحمد، قال فقلت: رأيت غلاماً حدثاً معجباً قد استحوذ عليه السفهاء فاستمد بآرائهم ونصت لأقوالهم يزخرفون له الكلام ويوردونه الندم، فقالت لي: فهل لك أن ترجع إليه بكتاب فلعلنا أن نحل ما عقد السفهاء، قال قلت: أجل، فكتبت إليه كتاباً حسناً لطيفاً أجزلت فيه الموعظة وأخلصت فيه النصيحة، وكتبت في آخره هذه الأبيات: اقبل نصيحة أم قلبها وجع ... عليك خوفاً وإشفاقاً وقل سددا واستعمل الفكر في قولي فإنك إن ... فكرت ألفيت في قولي لك الرشدا ولا تثق برجال في قلوبهم ... ضغائن تبعث الشنآن والحسدا مثل النعاج خمول في بيوتهم ... حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا وداو داءك والأدواء ممكنة ... وإذ طبيبك قد ألقى إليك يدا وأعط الخليفة ما يرضيه منك ولا ... تمنعه مالاً ولا أهلاً ولا ولدا واردف أخاً يشكر ردءاً يكون له ... ردءاً من السوء لا تشمت به أحدا قال: فأخذت الكتاب وصرت به إلى محمد بن أحمد، فلما نظر فيه رمى به إلي ثم قال: يا أخا يشكر ما بآراء النساء تساس الدول، ولا بعقولهن يساس الملك، ارجع إلى صاحبك، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته الخبر على حقه وصدقه، فقال: وأين كتاب أم الشريف؟ فأظهرته، فلما عرض عليه أعجبه شعرها وعقلها ثم قال: والله إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم. فلما كان من فتح آمد ما كان ونزول محمد بن أحمد على الأمان لما عمهم القتال وجه إلي أمير المؤمنين فقال: يا شعلة بن شهاب هل عندك علم من أم شريف؟ قال، قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: فامض مع هذا الخادم فإنك تجدها في جملة نسائها، قال: فمضيت، فلما بصرت بي أسفرت عن وجهها وأنشأت تقول: ريب الزمان وصرفه ... وعدته كشف القناعا وأذل بعد العز من؟ ... االصعب والبطل الشجاعا ولقد نصحت فما أطع؟ ... ت وكم حرصت بأن أطاعا فأبى بنا المقدار إ ... لا أن نقسم أو نباعا يا ليت شعري هل نرى ... يوماً لفرقتنا اجتماعا ثم بكت وضربت بيدها على الأخرى وقالت: يا ابن شهاب كأني والله كنت أرى ما أرى فإنا لله وإنا إليه راجعون، قال فقلت: إن أمير المؤمنين قد وجهني إليك وما ذاك إلا لحسن رأيه فيك، قال فقالت لي: فهل لك أن توصل إليه كتابي هذا بما فيه؟ قلت: نعم، فكتبت إليه بهذه الأبيات: قل للخليفة والإمام المرتضى ... وابن الخلائف من قريش الأبطح بك أصلح الله البلاد وأهلها ... بعد الفساد وطال ما لم تصلح وتزحزحت بك قبة العز التي ... لولاك بعد الله لم تتزحزح وأراك ربك ما تحب فلا ترى ... ما لا تحب فجد بعفوك واصفح يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها ... هب ظالمين ومفسدين لمصلح قال: فأخذت الكتاب وصرت به إلى أمير المؤمنين، فلما عرضت عليه الأبيات أعجبته، فأمر أن تحمل إليها تخوت من ثياب وجملة من المال وإلى ابن أخيها محمد بن أحمد بن عيسى مثل ذلك، وشفعها في كثير من أهلها ممن عظم جرمه واستحق العقوبة. ومن العلماء المنسوبين إلى آمد المتأخرين السيف الآمدي

стр. 21

أبو الحسن علي بن أبي الحسن (١) الفقيه الأصولي الناظر الحافظ مصنف " أحكام الأحكام " و " منتهى السول " و " أبكار الأفكار " والجدل والخلافيات وغيرها من تصانيفه، وفيه يقول القائل: إني نصحت لأهل العلم إن قبلوا ... وكل قابل نصح سوف ينتفع لا تلتقوا السيف يوماً في مناظرة ... فكل من يلتقيه السيف ينقطع آزمُّور (٢) مدينة في بلاد المغرب فيها صنف الأديب الكاتب أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن زنون الكتاب المسمى " الفرائد التؤام والفوائد التوام في أسماء الخيل المشاهير الأعلام " صنفه لصاحب سبتة أبي علي الحسن ابن خلاص (٣) سنة تسع وثلاثين وستمائة، وهو كتاب حسن مفيد مليح في فنه، وقال في آخره: صنفه مؤلفه علي بن محمد بن علي بن زنون بمدينة آزمور. وحدث محمد بن عقيل بن عطية قال: كانت بيني وبين الأديب أبي عبد الله محمد بن حماد صحبة ومودة ثم اجتزت عليه بمقربة من آزمور مقدماً للقضاء فوجدته في حمام قد حجر، مباح الدخول فيه لسلطانه، فحاولت الدخول إليه فمنعت، فنسبت ذلك إلى سوء أدب الخدام، فانتظرته بباب الحمام، فلما خرج وصافحته أنكر مني ما ألف، وجهل من حقي ما عرف، فكتبت إليه: ألا أيها القاصي الذي خلت عهده ... تحول الليالي وهو ليس يحول أجدك هل أيقنت أني طالب ... جداك فلم يمكن لديك قبول وهل خلتني آتيك أشفع شافعاً ... وذلك شيء ما إليه سبيل فلم نؤت لما أن أتيت بجانب ... وأعرضت عني حين حان وصول ووالله ما أقضي للقياك حاجة ... سوى رعي عهد والوفاء قليل وما كنت إلا زائر البيت ليلة ... ويحفزني من بعد ذاك رحيل ولو قلت للشعرى أترضين أن أرى ... نزيلك قالت طاب منك نزيل فكيف ولم أعرض بشيء يخصني ... ولا في طباعي أن يقال دخيل ولي في مناديح الرئاسة مذهب ... أبيت على وعد بها وأقيل وقد كان لي لب بذكرك عامر ... وظن على طول البعاد جميل فلما تلاقينا تلاشت مبرة ... ويا ليت أني قبل ذاك عليل آمُل بضم الميم بعد المد وآخره لام، مدينة من مدن خراسان بينها وبين مرو على شط نهر جيحون ست مراحل خفاف تكون مائة ميل وأربعة وعشرين ميلاً، وبين آمل وجيحون ثلاثة أميال وهي مدينة حسنة متوسطة القدر لها بساتين وعمارات وفيها ناس وتجارات وحمامات، ومن آمل إلى مدينة خوارزم المسماة الجرجانية اثنتا عشرة مرحلة. وحكى البكري أن آمل من بلاد طبرية وأن منها محمد بن جرير الطبري الإمام ولعلها مدينة أخرى تسمى كذلك (٤) . وفي سنة ست عشرة ومائة ظفر أسد بن عبد الله وهو أخو خالد بن عبد الله القسري بخداش صاحب الدعوة فقطع يده ورجله وشخص به إلى آمل فقطع بها لسانه وسمل عينيه وصلبه، وكان خداش قد غير وبدل ورخص في أشياء لا تحل ونقش خاتماً

стр. 22

على خاتم الإمام وأظهر كتباً مفتعلة ووجدت له كتب فيها خداش الروح وفيها سأريكم دار الفاسقين بني أمية فنيل بما نيل به، وظفر أسد بعد بجماعة من الشيعة فضرب وقطع وكسر الثنايا. قال البكري: آمل هي المدينة العظيمة المتواصفة من مدائن طبرستان وبها كان بنو الخليل وهم قوم من أشراف العجم لهم بها نعم جليلة. وكان إبراهيم ومروان ابنا الخليل يركبان عند السفر إلى الديلم في ثمانمائة من مماليكهما سوى الموالي والخول والأتباع، وإنما كانوا أصحاب ضياع لم يدخلوا في عمل السلطان قط. أمْسِيول (١) هو جبل بجاية، ويأتي ذكره عند ذكر بجاية إن شاء الله تعالى. أبَّة (٢) في البلاد الإفريقية وهي على اثني عشر ميلاً (٣) من مدينة الأربس في غربيها، وكان بها من الزعفران ما يضاهي الزعفران الأندلسي كثرة وجودة. وبوسط أبة عين ماء جارية منها شرب أهلها، عذبة (٤) ماؤها غزير، وكان على أبة فيما سلف من الزمان سور مبني بالطين، وأسعارها رخيصة، وأكثرها الآن خراب. أُبَّذة (٥) مدينة بالأندلس بينها وبين بياسة سبعة أميال، وهي مدينة صغيرة وعلى مقربة من النهر الكبير، ولها مزارع وغلات قمح وشعير كثيرة جداً، وفي سنة تسع وستمائة مالت عليها جموع النصرانية بعد كائنة العقاب وكان أهلها قد أنفوا من إخلائها كما فعل جيرانها أهل بياسة، ولم ترفع تلك الجموع يداً عن قتالها حنى ملكتها بالسيف، وقتل فيها كثير، وأسروا كثيراً ووقع على ما كان فيها بين أجناس النصارى خصام آل إلى الشحناء والافتراق وكفى الله المسلمين بذلك شراً كثيراً، وكان بعضهم قد طلب أبذة فتنافسوا فيها ولم يأخذها أحد منهم وخربوا أسوارها. أُبَال (٦) حصن بالأندلس في شمال قرطبة وعلى مرحلة منها، وهو الحصن الذي فيه معدن الزئبق، وفيه يعمل الزنجفور (٧) ومنه يتجهز بالزئبق والزنجفور إلى جميع أقطار الأرض، ويخدم هذا المعدن أزيد من ألف رجل فقوم للنزول وقطع الحجر، وقوم لنقل الحطب لحرق المعدن، وقوم لعمل أواني السبك والتصفية، وقوم لبنيان الأفران والحرق، ومن وجه الأرض إلى أسفله فيما حكي أكثر من مائة قامة (٨) . أبواطا جزيرة في إقليم برذيل وهي بازاء موضع نهر برذيل وأبواطا يأوي إليها المجوس بمراكبهم عند ارتجاج البحر، فإذا ركدت الريح وسكن البحر وأمكنهم الفرصة دخلوا النهر فجأة فيغيرون في ضفتيه حيثما أمكنهم ثم يرجعون إليها؛ وفي هذه الجزيرة آثار بنيان ومعالم عمران، وهي كثيرة الشعراء ملتفة الأشجار بها مياه عذبة ومزارع جمة، وإذا اتصلت بهم أهوال الشتاء فامتنعوا من ركوب البحر وأصابهم الجهد عمدوا إلى نوع من الشجر يكثر بهذه الجزيرة فيقتاتون به الشهر والشهرين. الأبْواء (١) قرية جامعة بين مكة والمدينة شرفهما الله تعالى وسطاً من المسافة، ومعنى (١٠) الأبواء أخلاط من الناس، وفي واديها من نبات الطرفاء ما لا يعرف بواد أكثر منه، وهي قرية حصينة كثيرة الأهل وماؤها من الآبار، والبحر منها قريب، وبينها وبين السقيا سبعة وعشرون ميلاً، وبها ماتت آمنة بنت وهب (١١) أم النبي ﷺ ، ورسول الله ﷺ ابن ست سنين، وكانت قدمت به ﷺ المدينة على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة به ﷺ إلى مكة، فكان ﷺ مع جده عبد المطلب بن هاشم. قال ابن إسحاق (١٢) : وخرج رسول ﷺ حتى بلغ ودان وهي غزوة الأبواء يريد قريشاً وبني ضمرة وبني بكر بن عبد مناة فصالح بعضهم ثم رجع ولم يلق كيداً وذلك بعد اثني عشر شهراً من مقدمه المدينة ﷺ . أَبان (١٣) بفتح أوله، جبل، وهما أبانان الأبيض والأسود،

стр. 23

فالأبيض لبني فزارة والأسود لبني والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بينهما فرسخ، وإياهما عنى مهلهل بقوله يعني ابنته: انكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرج ما أنف خاطب بدم أبرق العزاف (١) واد بالحجاز يقال إنه لا يتوارى جنه، قال خريم بن فاتك الأسدي صاحب رسول الله ﷺ قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ألا أحدثك كيف كان بدء إسلامي، قال: بلى، قال ﵁: خرجت في طلب إبل لي ... وبقية الحكاية في حرف الخاء من ابن عساكر " خريم بن فاتك " فانظره (٢) . الأبطح (٣) بمكة شرفها الله تعالى، وقريش فريقان: قريش البطاح وقريش الظواهر، فقريش البطاح هم الذين ينزلون بطحاء مكة وهم بنو عبد مناف وبنو عبد الدار وبنو عبد العزى وبنو عدي بن قصي بن كلاب وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم وبنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح، وقريش الظواهر الذين ينزلون حول مكة وهم بغيض بن لؤي وبنو الأدرم بن غالب ومحارب والحارث ابنا فهم، وسائر قريش الذين ليسوا من الأباطح ولا من الظواهر هم: سامة بن لؤي وخزيمة بن لؤي وبنو عوف بن لؤي، ويقال لرسول ﷺ الأبطحي لأنه من ولد عبد مناف، وكان يقال لعبد المطلب سيد الأباطح. وقال أبو رافع، وكان على ثقل النبي ﷺ : لم يأمرني أن أنزل بالأبطح ولكن ضرب قبته فنزله. أبهر بلد ما بين قزوين وزنجان، من قزوين إليها اثنا عشر فرسخاً ومنها إلى زنجان خمسة عشر فرسخاً. قالوا: وأبهر أيضاً في أصبهان ينسب إليها أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري الفقيه المالكي (٤) جمع بين القراءات وعلو الأسانيد وتفقه ببغداد وشرح مختصر ابن عبد الحكم، وانتشر عنه مذهب مالك ﵀ في البلاد. ومولده قبل التسعين والمائتين، ومات سنة خمس وسبعين وثلثمائة. أبيوود من مدن خراسان، فيها ولد الفضيل بن عياض الزاهد بمكة سنة سبع وثمانين ومائة، قال سفيان بن عيينة (٥) : دعانا الرشيد فدخلنا عليه ودخل الفضيل آخرنا مقنعاً رأسه بردائه، فقال: يا سفيان أيهم أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا، فقال: أنت يا حسن الوجه الذي أمر هذه الأمة كلها في عنقك؟ لقد تقلدت أمراً عظيماً، فبكى الرشيد، ثم أتي كل رجل منا ببدرة فكل قبلها إلا الفضيل، فقال الرشيد: يا أبا علي إن لم تستحل أخذها فخذها فأعطها ذا دين وأشبع بها جائعاً واكس عارياً وفرج بها عن مكروب، فاستعفاه منها، فلما خرج قلت له: يا أبا علي أخطأت ألا أخذتها وصرفتها في أبواب البر، فأخذ بطرف لحيتي ثم قال: يا أبا محمد أنت فقيه البلد والمنظور إليه وتغلط هذا الغلط! لو طابت لأولئك لطابت لي، قال سفيان: فصغر والله إلي نفسي. ومن أهل أبيورد محمد بن أحمد الأموي أبو المظفر الأبيوردي (٦) أوحد عصره في معرفة اللغة والأنساب وغير ذلك له تصانيف كثيرة، منها " تاريخ ابيورد ونسا " و " المختلف والمؤتلف " و " طبقات العلم في كل فن " و " ما اختلف وائتلف في أنساب العرب "، وله في اللغة مصنفات ما سبق إليها، وكان متصرفاً في فنون جمة، فصيح الكلام حاذقاً بالتصنيف وافر العقل، سئل عن أحاديث الصفات فقال: بعر وتمر، وقال في قوله صلى وسلم الله عليه " ليس لعرق ظالم حق "، العروق أربعة: عرقان ظاهران وعرقان باطنان، فالظاهران الغرس والبناء والباطنان البئر والمعدن (٧) وله: تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون فظل يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وظلت أريه الصبر كيف يكون وله:

стр. 24

فيا ويح نفسي لا أرى الدهر منزلاً ... لعلوة إلا ظلت العين تذرف ولو دام هذا الوجد لم يبق عبرة ... ولو أنني من لجة البحر أغرف وله: بأبي ريم تعرض لي ... عن رضا في طيه غضب فأراني صبح وجنته ... بظلام الصدغ ينتقب فأتى بالكأس مترعة ... كضرام النار يلتهب فهي شمس في يدي قمر ... وكلا عقديهما الشهب ولها من ذاتها طرب ... فلهذا يرقص الحبب وتوفي سنة سبع وخمسمائة بأصبهان. الأبلة (١) بضم الهمزة والباء واللام المشددة، مدينة بالعراق بينها وبين البصرة أربعة فراسخ ونهرها الذي في شمالها، وجانبها الآخر على غربي دجلة، وهي صغيرة المقدار حسنة الديار واسعة العمارة متصلة البساتين عامرة بالناس المياسير وهم في خصب من العيش ورفاهية. وهي في قول محمد بن سيرين القرية التي مر بها موسى والخضر ﵉ فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، قالوا: وهم أبخل أهل قرية وأبعدها من السخاء، ويحكى أن أهلها رغبوا إلى عمر بن الخطاب ﵁ في أن يثبت في المصحف: فأتوا أن يضيفوهما بالتاء المثناة بدل الباء وقالت فرقة: بل القرية انطاكية، وقيل: هي برقة، ويقال: إنها الجزيرة الخضراء بالأندلس. وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد أمر بحفر نهر الأبلة فلما ولي عثمان ﵁ جعل نصف النفقة على أهل الخراج والنصف الثاني على بيت المال، فمدوه إلى البصرة. والأبلة مدينة قديمة عامرة فتحها عتبة بن غزوان في زمن عمر ﵁ (٢) ، ولما نزل عتبة الخريبة وبالأبلة خمسمائة من الأساورة وكانت مرفأ الصين وما دونها، خرج إليه أهل الأبلة فناهضهم عتبة، وأمر رجلين من أصحابه فقال لهما: كونا في عشرة فوارس في ظهورنا فتردان المنهزم وتمنعان من أرادنا من ورائنا، ثم التقوا فاقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها، ثم منحهم الله تعالى أكتافهم فولوا منهزمين حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره فأقاموا أياماً وألقى الله في قلوبهم الرعب، فخرجوا عن المدينة وحملوا ما خف وعبروا الفرات وخلوا المدينة، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعاً وسلاحاً وسبياً وعيناً فاقتسموا العين، وولي نافع بن الحارث أقباض الأبلة فأخرج خمسه ثم قسم الباقي بين من أفاء الله عليه، وشهد فتح الأبلة مائتان وسبعون. قالوا (٣) : ولما خرج الناس لقتال أهل الأبلة قالوا للعدو: نعبر إليكم أو تعبرون إلينا؟ فقالوا: اعبروا إلينا، فأخذوا خشب العشر وأوثقوه وعبروا، فقال المشركون: لا نأخذ أولهم حتى يعبر آخرهم، فلما صاروا على الأرض كبروا تكبيرة ثم كبروا الثانية فقامت دوابهم على أرجلها ثم كبروا الثالثة فجعلت الدابة نضرب بصاحبها الأرض وجعلنا ننظر إلى رؤوس تندر لا نرى من يضربها، وفتح الله على أيديهم المدينة. وقال سلمة بن فلان (٤) : شهدت فتح الأبلة فوقع في سهمي قدر نحاس، فلما نظرت إذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، وكتب في ذلك إلى عمر ﵁، فكتب أن يحلف سلمة بالله لقد أخذتها يوم أخذتها وهي عنده نحاس فإن حلف سلمت إليه، وإلا قسمت بين المسلمين، فحلفت فسلمت لي، قال: فأصول أموالنا اليوم منها. وقال خالد بن عمير: شهدت فتح الأبلة مع عتبة بن غزوان فأصبنا سفينة مملوءة جوزاً فقال رجل منا: ما هذه الحجارة؟ وكسرناها فأكلنا منها فقلنا هذا طعام طيب. وقال علي بن سعيد: كان فخر الدين علي بن الدامغاني قدمه الخليفة المستنصر على ديوان الزمام، قال: وصحبته من مدينة السلام إلى أسافل دجلة لجمع الأموال فانحدرنا إلى البصرة وحللنا بين نهر معقل ونهر الأبلة، فنصب فخر الدين هناك خيمة وتزاحم الوفود عليه من المسلمين واليهود والنصارى والصابئة والمجوس، فقلت له: ما بين نهر الأبله ... وبين معقل حله

стр. 25

قد حلها كل جود ... وأمها كل مله بدت لديها بدور ... دارت عليها الأهلة يمم ذراها لتلقى ... بأفقها المجد كله فاستحسن ذلك فخر الدين، قال: وكان نزولنا في جنوبي نهر معقل وبينه وبين نهر الأبلة في الجنوب فرسخ، ويخرج من أعلى هذا النهر فيض ومن أصل النهر الآخر فيض يختلطان فيصير منهما النهر الذي يمتد مع البصرة في شرقيها، ويجمع ذلك المكان أصناف الزهر وأشتات الرياحين والنخل، فأنشد فخر الدين: انظر إلى نهرين قد أخرجا ... من دجلة ما لهما من مثيل وإن تشا قلت أرى دارغاً ... في كل كف منه سيف صقيل والنخل والأدواح قد أحدقت ... تحكي رعيلاً قد تلاه رعيل ولما دخل الططر مدينة السلام أبقوه على جباية البلاد لمعرفته بها ثم قدموه للشنق سنة تسع وخمسين وستمائة لأنهم اتهموه بمواطأة صاحب مصر عليهم. أبطير (١) حصن بالأندلس بمقربة من بطليوس من بناء محمد بن أبي عامر، من جليل الصخر داخله عين ماء خوارة، وهو اليوم خال، وعلى مقربة منه بنحو ثلاث غلاء (٢) قبر في نشز من الأرض قد نحت في حجر وقد نضد عليه صفائح الحجارة ويعرف بقبر الشهيد ولا يعلم له وقت لقدمه، يرفع عنه بعض تلك الصفائح فيرى صحيح الجسم لم يتغير، نابت الشعر. أبركاوان جزيرة في البحر بينها وبين سيراف مائة وخمسون فرسخاً وفيها قلاع شتى وفيها أجوان كثيرة ومستقى ومحتطب كثير، وفيها معادن الحديد، وطولها اثنا عشر فرسخاً، وبينها وبين ساحل بحر فارس فرسخان. ابرشهر هي مدينة نيسابور، وقصدها غازياً الأحنف بن قيس من قبل ابن عامر فلقيه الهياطلة فقاتلهم فهزمهم، ثم أتى ابن عامر نيسابور فافتتح مدينة ابرشهر هذه، قيل صلحاً وقيل عنوة، وفتح ما حولها: طوس وبيورد ونسا وسرخس، ولما افتتحها ابن عامر أعطوه جاريتين من آل كسرى. أبيض المدائن ويقال له القصر الأبيض، وهو الذي لا يدرى من بناه وهو من المدينة العتيقة من المدائن دار ملك الأكاسرة بالعراق، وهو المشار إليه في حديث النسائي (٣) عن البراء بن عازب ﵄، قال: لما أمرنا رسول الله ﷺ أن نحفر الخندق عرض لنا فيه حجر لا يأخذ فيه المعول فاشتكينا ذلك إلى رسول الله ﷺ فألقى ثوبه وأخذ المعول بيده وقال: " بسم الله " فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة، قال ﷺ : " الله أكبر. أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأنظر قصورها الحمر الآن من مكاني هذا "، قال: ثم ضرب أخرى وقال: " بسم الله " وكسر ثلثاً آخر وقال: " الله أكبر. أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأنظر قصر المدائن الأبيض "، ثم ضرب ثالثة وقال: " بسم الله " فقطع بقية الحجر وقال: " الله أكبر. أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأنظر باب صنعاء "، وهذا الحديث أوضح في المعنى من حديث سلمان ﵁ الذي في السير (٤) ، وذلك أن المدائن على مسافة يوم من بغداد ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبي دجلة شرقاً وغرباً، ودجلة تشق بينها ولذلك سميت المدائن: الغربية منها تسمى بهرسير، والمدينة الشرقية تسمى العتيقة، وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه، ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلها، وفيها إيوان كسرى العجيب الشأن الشاهد بضخامة ملك بني ساسان، ويقال إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذي بناه وهو من أكابر ملوكهم وقد ذكر أبو عبادة البحتري هذا القصر الأبيض وما كان مصوراً فيه من الصخور العجيبة والتماثيل البديعة في قصيدته السينية البارعة الفريدة (٥) : حضرت رحلي الهموم فوجه؟ ... ت إلى أبيض المدائن عنسي أتسلى عن الحظوظ وآسى ... لمحل من آل ساسان درس ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي

стр. 26

وهم خافضون في ظل عال ... مشرف يحسر العيون ويخسي حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في قفار من المهامه ملس ومساع لولا المحاباة مني ... لم تطقها مسعاة عنس وعبس لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتماً بعد عرس وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس فإذا ما رأيت صورة انطاكي ... ة ارتعت بين رومٍ وفرس والمنايا مواثل وأنوشروان يزجي ... الصفوف تحت الدرفس في اخضرار من اللباس على أخ؟ ... ضر يختال في صبيغة ورس وعراك الرجال بين يديه ... في خفوت منهم واغماض جرس من مشيح يهوي بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس تصف العين أنهم جد أحيا ... ء لهم بينهم إشارة خرس يغتلي فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس أبيار (١) بفتح أوله، قرية من كور البلاد المصرية منها أبو الحسن علي بن إسماعيل الصنهاجي الفقيه شارح " البرهان ". الأبلق الفرد هو حصن السموأل بن عاديا، قالوا: إذا خرجت من المدينة وأنت تريد تيماء فتنزل الصهباء ثم تنزل كذا ثم تنزل العين ثم كذا ثم تسير ثلاث ليال في الجناب ثم تترل تيماء وهي لطيء (٢) . وبتيماء حصن الأبلق الفرد الذي كان ينزله السموأل، والعرب تضرب المثل بهذا الأبلق الفرد في الحصانة والمنعة فتقول: تمرد مارد وعز الأبلق (٣) . وزعموا أنه من بنيان سليمان ﵇. وكان الحارث بن أبي شمر الغساني بلغه أن امرأ القيس أودع سلاحاً وكراعاً عند السموأل فبعث إليه رجلاً من أهل بيته يقال له الحارث بن مالك فلما دنا من حصنه أغلق بابه وسأله ما الذي جاء به؟ فقال له الحارث: جئتك لتدفع إلي كراع امرئ القيس، فأبى عليه، وكان للسموأل خارج الحصن ابن يقتنص يومه فلما رجع قال له الحارث: إن لم تعطني ما سألتك قتلت ابنك هذا، فقال: لا سبيل إلى ذلك فاصنع ما أنت صانع، فقتل ابنه، فضربت به العرب المثل في الوفاء وقالت: أوفى من السموأل، وفي ذلك يقول أعشى قيس (٤) : كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كهزيع الليل جرار بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار خيره خطتي خسف فقال له ... مهما تقولن فإني سامع دار فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري أباغ (٥) عين أباغ في طرف أرض العراق مما يلي الشام فيها أوقع الحارث الغساني وهو يدين لقيصر بالمنذر بن المنذر وبعرب العراق وهم يدينون لكسرى وقتل المنذر يومئذ. وقال الرياشي: عين أباغ بين بغداد والرقة وأنشد: بعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم وبعين أباغ مات صالح بن علي بن عبد الله بن العباس عم أبي جعفر المنصور وهو يريد الشام، وروي أن صالحاً هذا ظفر ببشر بن عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك فقال: انه قد كان من بلاء أبي هذا عندنا وإحسانه إلينا ما يوجب حفظه، فقال له بشر: فلينفعني هذا عند الأمير اليوم، فقال: أما قتلك فلا بد منه لكتاب أمير المؤمنين إلي بذلك وأنه لا سبيل إلى مخالفته، ولكني أقدم الذي سعى بك فأضرب عنقه بين يديك وأكافئ الذي آواك، ففعل ذاك.

стр. 27

أبين (١) باليمن، قيل فيه بكسر الألف وفتحها، وهو اسم رجل في الزمن القديم إليه تنسب عدن أبين من بلاد اليمن وبينها وبين عدن اثنا عشر ميلاً. وفي كلام شق في تفسير رؤيا ربيعة بن نصر: أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أبين إلى نجران، إلى آخر أسجاعه. الأثيل واد في حيز بدر طوله ثلاثة أميال، بينه وبين بدر ميلان حيث كانت الوقعة المباركة بين النبي ﷺ وكفار قريش سنة اثنتين، وكانت بدر موسماً من مواسم العرب ومجمعاً من مجامعهم في الجاهلية، وبها قصور وبئار ومياه تستعذب بأرض يقال لها الأثيل ويقرب منها ينبع والصفراء والجار والجحفة (٢) ، وإياها أرادت قتيلة بنت الحارث وكان رسول الله صلى وسلم الله عليه أمر بقتل أخيها النضر هنالك، فقالت (٣) : يا راكباً إن الأثيل مظنة ... من صبح رابعة وأنت موفق أبلغ بها ميتاً بأن تحية ... ما إن تزال بها الركائب تخفق مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بدرتها وأخرى تخنق الأبيات إلى آخرها. اثل (٤) هي مدينة الخزر وقصبتها باب الأبواب ومنها إلى سمندر أربعة أيام في عمارة، ومن سمندر إلى اثل أربعة أيام، واثل مدينتان عامرتان من ضفتي النهر المسمى بها والملك يسكن في المدينة التي في الضفة الغربية من النهر، والتجار والسوقة وعامة الناس يسكنون المدينة التي في الضفة الشرقية، وطول مدينة اثل نحو ثلاثة أميال، ويحيط بها سور منيع، وأكثر أبنيتها قباب يتخذها الأتراك من لبود، وجلتهم يبنون بالتراب والطين، وقصر ملكها مبني بالآجر، ولا يبني أحد هناك بالآجر خوفاً من الملك. والخزر نصارى ومسلمون وفيهم عباد أوثان، ولا يغير أحد على أحد في أمر دينه، وزراعات أهل اثل على ما جاور النهر من الأرضين، فإذا زرعوا وحان الحصاد خرجوا إليه، قريباً كان أو بعيداً، فحصدوه ثم نقلوه بالمراكب في النهر، وأكثر طعامهم السمك والأرز، ونهر اثل مبدؤه من جهة المشرق من ناحية الأرض الخراب حتى يقع في بحر الخزر، ويقال إنه يتشعب منه نيف وسبعون نهراً، ويبقى عمود النهر فيجري إلى بحر الخزر، وهذه المياه المفترقة إذا اجتمعت في أعلى النهر تزيد على مياه جيحون وبلخ كثيراً كبراً وغزر مياه وسعة على وجه الأرض. ويركب هذا البحر التجار بأمتعتهم من أرض المسلمين إلى أرض الخزر وهو فيما بين الران والجبل وطبرستان وجرجان، وقد يسافر أهل اثل إلى جرجان، والخزر بلاد أمم كثيرة، ولهم بلاد ومدن منها سمندر والباب والأبواب وبلنجر وغيرها، وكل هذه البلاد بناها كسرى أنوشروان، وهي الآن قائمة عامرة. أجا (٥) يهمز ولا يهمز، أحد جبلي طيء وهما أجأ وسلمى سميا برجل وامرأة فجرا فصلبا عليهما، أما أجأ فهو ابن عبد الحي وأما سلمى فهي سلمى بنت حام. وفي شعر امرئ القيس (٦) : أبت أجأ أن تسلم العام جارها ... وفي السير (٧) في غزوة تبوك أن النبي ﷺ قال: " لا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له "، ففعلوا إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فخنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: " ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه "، ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئاً أهدته لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة. وفي شعر ابن هانئ الأندلسي (٨) : سلوا طيء الأجبال أين خيامها ... وما أجأ إلا حصان ويعبوب أجدابية مدينة في حيز برقة وهي آخر ديار لواتة، وهي في صحصاح من حجر مستو، وكان لها فيما سلف سور ولم يبق

стр. 28

منه الآن إلا قصران في الصحراء، والبحر منها على أربعة أميال ولا شيء حولها من النبات، وفيها يهود ومسلمون ويطيف بها خلق من البربر، وليس بها ماء جار إنما مياههم في المواجل والسواني التي يزرعون عليها الشعير وقليل الحنطة وضروباً من القطاني. وممن ينتسب إليها علي بن عبد الله بن عبد الرحمن الأجدابي أحد فقهاء القيروان الجلة، روى عن أبي الفضل محمد بن يحيى بن عباس قال: كان حي من الجن يقال لهم بنو أسد يزجرون الطير فأرادوا أن يختبروا علم بني أسد من الأنس في زجر الطير فتمثلوا ثلاثة أشخاص وأتوا إلى بني أسد من الأنس فسلموا عليهم وقالوا: إنا قوم ذهبت لنا لقاح فابعثوا معنا من يزجر الطير لعلنا نجدها، فبعثوا صبياً صغيراً منهم فما مشى إلا يسيراً إذ نظر إلى عقاب قد ضمت جناحاً وفتحت جناحاً، فرجع الصبي إلى قومه وهو يبكي ويقول للأشخاص الثلاثة: ضمت جناحاً وفتحت جناحاً، فأحلف بالله صراحاً، ما أنتم بانس ولا تبغون لقاحاً. ومن المنسوبين إلى أجدابية أيضاً أبو إسحاق الأجدابي الأديب (١) صاحب " الكفاية " و " شحذ القريحة " و " العروض ". وأجدابية (٢) مدينة كبيرة في الصحراء وأرضها صفا وآبارها منقورة في ذلك الصفا، طيبة الماء والهواء وبها عين ثرة غدقة وبساتين ونخل يسير، وبها جامع حسن بناه الشيعي وله صومعة مثمنة بديعة العمل، وبها حمامات وفنادق كثيرة وأسواقها حافلة مقصودة، وأهلها ذوو يسار وأكثرهم أنباط وبها نبذ من صرحاء لواتة، وليس لمبانيها سقوف خشب إنما هي أقباء من طوب لكثرة الرياح بها، كذا كانت أول الأمر ثم أتى عليها من الأمر ما قدمناه. أجرسيف (٣) مدينة في أحواز تلمسان من أرض المغرب كبيرة لها بساتين كثيرة وهي على نهر ملوية وهو نهر كبير من الأنهار المشهورة، وكانت أجرسيف قرية كبيرة على النهر المذكور حتى خرج الملثمون من الصحراء فنزلوها ومدنوها وبنوا عليها سوراً من طوب. أجنادين بفتح الهمزة والنون والدال، بعدها ياء ونون على لفظ التثنية، موضع بالشام من بلاد الأردن، قال كثير (٤) : فإلا تكن بالشام داري مقيمة ... فإن بأجنادين مني ومسكن مشاهد لم يعف التنائي قديمها ... وأخرى بميافارقين فموزن مسكن بالعراق وهو موضع معسكر مصعب وبه قتل، يخبر كثير أنه كان مع عبد الملك في حروبه تلك، وبأجنادين كانت الوقعة بين المسلمين والنصارى في آخر خلافة الصديق ﵁، وهي أول وقعة عظيمة كانت بالشام، وكانت (٥) سنة ثلاث عشرة قبل وفاة أبي بكر ﵁ بأربع وعشرين ليلة، قتل المسلمون منهم في المعركة ثلاثة آلاف واتبعوهم يقتلونهم ويأسرونهم، وخرج كل الروم إلى ايليا وقيسارية ودمشق وحمص فتحصنوا في المدائن العظام، وكتب خالد بن الوليد ﵁ بالفتح إلى أبي بكر ﵁: أخبرك أيها الصديق أنا لقينا المشركون وقد جمعوا لنا جموعاً جمة بأجنادين وقد رفعوا صلبهم ونشروا كتبهم وتقاسموا بالله لا يفرون حتى يفنونا أو يخرجونا من بلادهم، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين عليه، فطاعناهم بالرماح شيئاً ثم صرنا إلى السيوف فقارعناهم بها قدر جزر جزور، ثم إن الله أنزل نصره وأنجز وعده وهزم الكافرين فقاتلناهم في كل فج وشعب وغائط، فالحمد لله على إعزاز دينه وإذلال عدوه وحسن الصنع لأوليائه والسلام. وفتوح الشام متضمنة لبسط هذا الخبر المجمل. أجياد بفتح أوله وإسكان ثانيه وبالياء أخت الواو والدال المهملة كأنه جمع جيد، أحد جبال مكة وهو الجبل الأخضر العالي بغربي المسجد الحرام، وفي رأسه منار يذكر أن أبا بكر ﵁ أمر ببنائه ينادي عليه المؤذنون في رمضان، يقابل من الكعبة الركن اليماني يخرج إليه من باب إبراهيم ﵇ ويقابل قعيقعان من ناحية الغرب، وقال عمر بن أبي ربيعة (٦) : هيهات من أمة الوهاب منزلنا ... إذا حللنا بسيف البحر من عدنِ

стр. 29

واحتل أهلك أجياداً فليس لنا ... إلا التذكر أو حظ من الحزن وتفاخر رعاء الإبل (١) ورعاة الغنم عند رسول الله ﷺ ، فأوطاهم رعاء الإبل غلبة وقالوا: ما أنتم يا رعاء النقد هل تخبون أو تصيدون؟ فقال ﷺ : بعث موسى وهو راعي غنم وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد. فغلبهم رسول الله ﷺ . وبأجياد نزل السميدع بقطورا في الزمن الأقدم وكان يعشر من دخل مكة من أسفلها، قالوا: سمي بذاك لخروج جياد الخيل مع السميدع حين قاتل عمرو بن مضاض الجرهمي في خبر مشهور. الأجم (٢) قصر الأجم هو المعروف بقصر الكاهنة وبينه وبين المهدية من البلاد الإفريقية ثمانية عشر ميلاً، وذكر أن الكاهنة حصرها عدوها في هذا القصر فحفرت سرباً في صخرة صماء من هذا القصر إلى مدينة سلقطة يمشي فيه العدد الكثير من الخيل (٣) وبينهما ثمانية عشر ميلاً، ويقال إن أخت الكاهنة كانت في سلقطة فكان الطعام يجلب إليها في ذلك السرب على ظهور الدواب، وهذا القصر عجيب البنيان قد أحكم بحجارة طول الو احد منها ستة وعشرون شبراً، وارتفاع القصر في الهواء أربع وعشرون قامة، وهو من داخله كله مدرج إلى أعلاه، وأبوابه طاقات بعضها فوق بعض. وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما بعثه عثمان إلى إفريقية غازياً لقي جرجير صاحب سبيطلة، وقاتله فقتله عبد الله بن الزبير وشن الغارات على سبيطلة، وأصاب الروم رعب شديد، ولجأوا إلى الحصون والقلاع، فاجتمع أكثر الروم بقصر الأجم فطلبوا من عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ثلثمائة قنطار من ذهب على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك منهم وقبض المال، وكان في شرطه ان ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم وما أصابوه بعد الصلح ردوه لهم. أحد جبل بظاهر مدينة النبي ﷺ في شمالها على مقدار ستة أميال وهو أقرب الجبال إليها، وهو مطل على أرض فيها مزارع وضياع كثيرة لأهل المدينة، وفيه قال النبي ﷺ : " هذا جبل يحبنا ونحبه ". ولما خرج النبي ﷺ إلى غزوة أحد نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل عسكره وظهره إلى أحد؛ قيل سمي بهذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هنالك؛ قيل: أراد بقوله صلى وسلم الله عليه " يحبنا ونحبه " أهله وهم الأنصار، وقيل: لأنه كان ينشرح إذا رآه عند قدومه من أسفاره بالقرب من أهله ولقائهم وذلك فعل المحب؛ وقيل: بل حبه حقيقة وضع الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال المسبحة مع داود ﵇ وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله تعالى فيها " وان منها لما يهبط من خشية الله " وفي بعض الآثار المسندة أن أحداً يوم القيامة عند باب الجنة من داخلها، وفي بعضها أنه ركن لباب الجنة. وعند أحد كانت الوقعة بين النبي ﷺ وقريش في سنة ثلاث في شوال بعد بدر بسنة، حضرها من المسلمين ستمائة رجل وكانت قريش في ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع، وقتل فيها حمزة عم النبي ﷺ ، قتله وحشي، وحكى وحشي بعد أن أسلم، قال: جئت فشهدت شهادة الحق عند رسول الله ﷺ فقال: " اجلس فحدثني "، فحدثته كيف قتلت حمزة، فقال: " غيب وجهك عني فلا أراك "، وفي قصة أحد نزلت الآيات من سورة آل عمران " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال " إلى آخر الآيات، ووقف النبي ﷺ على حمزة ﵁، وقد مثل به، فقال ﷺ : " لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع فيكون أعظم لأجره وأفضل لدرجته في الجنة " ثم بكى حتى اغرورقت عيناه واخضلت لحيته من دموعه، وبكى الناس لبكائه وكثر الضجيج، فهبط جبريل ﵊ فعزاه به وقال: يا محمد قد بكى لبكائك أهل السموات ولعنوا قاتل عمك، والله يقول " وللآخرة خير لك من الأولى " و " العاقبة للمتقين "، فاسترجع رسول الله ﷺ ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم وجعل يضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة ﵁، ثم يجاء بتسعة

стр. 30

كذلك حتى فرغ منهم ﷺ ، فلما دخل ﷺ المدينة سمع النياحة في دور الأنصار والبكاء، فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فمن أجل ذلك يبدأ في المدينة ومكة بحمزة قبل ميتهم. الأحساء (١) مدينة على البحر الفارسي تقابل جزيرة أوال وهي بلاد القرامطة، والأحساء مدينة صغيرة وبها أسواق تقوم بها (٢) . وكان أبو القاسم بن زكرويه القرمطي صاحب الشامة ينتهي إلى علي بن أبي طالب ﵁، وخرج أيام المكتفي بجهة السماوة سنة تسع وثمانين ومائتين، فقوي أمره واشتدت شوكته ثم قتل على مقربة من دمشق، فخرج بعده أخ له فصار يعترض الحجاج وبعث رجلاً ليحارب بصرى وأذرعات، فبعث إليه الخليفة الحسين بن حمدان بن حمدون التغلبي فآل الأمر إلى أن قتل وصلب ببغداد فرجمه الناس. وقيل لهم القرامطة لأنهم نسبوا إلى قرمط بن الأشعث لأنه كان يقرمط خطه أو مشيه على ما ورد، أي يقارب خطوه، وكان أخذ أصل مقالته من رجل يقال له الفرج بن عثمان النصراني كان يزعم أنه داعية المسيح وأنه الكلمة وأنه الدابة المذكورة في القرآن والناقة وروح القدس ويحي بن زكريا والمهدي المنتظر، وزعم أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها وأن القبلة إلى المقدس والحج إليه، والصوم يومان: المهرجان والنيروز، والجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شغل، وأن النبيذ حرام والخمر حلال ولا غسل من الجنابة ولا وضوء لصلاة، في تخليط كثير ذكره الناس، وفيه يقول أبو العلاء المعري (٣) : يرتجي القوم أن يقوم إمام ... ناطق في الكتيبة الخرساء كذب القوم لا إمام سوى العق؟ ... ل مشيراً في صبحه والمساء كالذي قام يجمع الزنج بالبص؟ ... رة والقرمطي بالأحساء الأحاسي جزيرة الأحاسي على نحو عشرة أميال من المهدية بإفريقية ذات أحساء بينها وبين البر مجاز قريب كان نزل به الرجار طاغية صقلية في أسطول له أو من ناب عنه متوسلاً إلى المهدية وبلاد المسلمين، وطمع في أن يصادف في المسلمين غرة وينتهز منهم فرصة، وذلك في عام سبعة عشر وخمسمائة، فعكس الله تعالى عليه مقصوده ونصر المسلمين عليه وذلك في سلطان الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب المهدية، ويكفي في التعريف بخبر هذه الكائنة كتاب الحسن هذا إلى بعض الجهات معلماً بما سناه الله من الفتح (٤) فيه " إن الرجار صير أسطوله المخذول نحو المهدية، حماها الله تعالى، في نحو من ثلثمائة مركب حمل على ظهورها ثلاثة آلاف راكب وزهاء ألف فارس، وكان الرجار قد رام إخفاء كيده ومكره فمنع السفر إلى سواحل المسلمين فسقط إلى الساحل مركب من حمالة أسطوله عرفنا من ركابه سريرة حاله، ولم نكن قبل ذلك مهملين لما يقتضيه هذا الحادث من التأهب والاستعداد، واستضمام الأجناد إلى الأجناد، والتحريض على مفترض الجهاد، فاستظهرنا باستضمام العرب المطيفة بنا فأقبلوا أفواجاً أفواجاً، وجاءوا مجيء السيل يعتلج اعتلاجاً، ويتدفق أمواجاً، وكلهم على نيات من الجهاد خالصة، وعزمات غير معردة في مواقف الموت ولا ناكصة، ووصل الأسطول المخذول ونزلوا على عشرة أميال من المهدية بجزيرة هنالك ذات أحساء، بينها وبين البر مجاز متداني العبرين قريب ما بين الشطين، هين مرامه، سهل على الفارس والراجل خوضه واقتحامه، فتبرع إليهم من جندنا ومن انضاف إليهم من العرب المنجدة لنا طائفة أوسعت أعداء الله طعناً وضرباً، وملأت قلوبهم خوفاً ورعباً، فلما عاينوا ما نزل بهم أنزلوا عن ظهور مراكبهم ما كان أبقاه الغرق من أفراسهم وكانت نحو ستمائة فرس، وظنوا أنهم إن امتطوا متونها مستلئمين وصدموا بها جيوش المسلمين أمكنهم بعدها انتهاز فرصة، فأكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم وجعل الدائرة عليهم وولوا أدبارهم يرون الهزيمة غنيمة والهرب غلباً، وتركوا أفراسهم ومضاربهم وكثيراً من أسلحتهم وعددهم نهباً مقسماً وفيئاً مغتنماً. والحمد لله الذي أيد الإسلام ونصره، وأعلاه وأظهره ". الأحقاف هي منازل عاد قيل كانت بالشام، وقيل هي بلاد رمل بين مهرة وعدن، وقيل في بلاد الشحر الموصلة للبحر اليماني، وقيل هي من حضرموت وعمان، والصحيح أن بلاد عاد كانت باليمن ولهم كانت إرم ذات العماد، والأحقاف جمع حقف وهو

стр. 31

الحبل المستطيل من الرمل، وقيل هي الرمال العظيمة، وكثيراً ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل لأن الريح تصنع ذلك، وفي ذلك قال الله تعالى " واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف " ونبيهم هود ﵇ ولما قال قائلهم " هذا عارض ممطرنا " قيل لهم " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم " وذلك أن عاداً (١) بغت في الأرض وملكها الخلجان ابن الدهم، كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم هوداً فلم يجيبوا، فمنعوا المطر ثلاث سنين وأجدبت الأرض فم يدر لهم ضرع وكانت في نفوسهم مع ذلك هيبة الصانع والتقرب إليه بالتماثيل وعبادتها لأنها في زعمهم مقربة إليه، وكانوا يعظمون موضع الكعبة وكان بربوة حمراء، فوفدت عاد إلى مكة وفداً يستسقون لهم ويستغيثون وكان بمكة يومئذ العمالق، فأتى الوفد مكة فأقبلوا على الشراب واللهو حتى غنتهم الجرادتان قينتا معاوية بن بكر بشعر فيه حث لهم على ما وردوا من أجله، وهو: ألا يا قيل قم عجلاً فهينم ... لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إن عاداً ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما وإن الوحش تأتي أرض عاد ... فلا تخشى لعادي سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما فاستيقظ القوم من غفلتهم وبادروا إلى الاستسقاء لقومهم، فكان من أمرهم في مجيء السحب واختيارهم لما اختاروه منها ما هو مشهور، وذلك أن الله تعالى أنشأ سحائب: بيضاً وحمراً وسوداً ثم نادى مناد من السحاب: يا قيل اختر لقومك، وكانوا قالوا: اللهم إن كان هود صادقاً فاسقنا، فقال: اخترت السحابة السوداء، فقيل له: اخترت رمداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، لا والداً ولا ولداً، إلا جعلته همداً، وساق الله تعالى السحابة السوداء بالنقمة إلى عاد، وفيهم يقول مرثد بن سعد: عصت عاد رسولهم فأضحوا ... عطاشاً ما تبلهم السماء ألا قبح الإله حلوم عاد ... فإن قلوبهم قفر هواء فأرسل الله تعالى عليهم الريح العقيم كما قال " ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم " خرجت عليهم من واد لهم، فلما رأوا ذلك قالوا " هذا عارض ممطرنا " وتباشروا بذلك، فلما سمع هود ذلك من قولهم قال " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم "، فأتتهم الريح يوم الأربعاء فلم تأتهم الأربعاء الثانية ومنهم حي، فمن أجل ذلك قيل: أربعاء لا تدور ثم انفرد هود ومن معه من المؤمنين، وفي ذلك يقول شاعرهم: لو أن عاداً سمعت من هود ... واتبعت طريقة الرشيد ما أصبحت عاثرة الجدود ... صرعى على الآناف والخدود وروى الكلبي (٢) عن رجاله عن الأصبغ بن فلان (٣) ، قال: كنا عند علي ﵁ في خلافة عمر ﵁، فسأل رجل من حضرموت فقال: أعالم أنت بحضرموت؟ فقال: إذا جهلتها فما أعلم غيرها، فقال: أتعرف موضع الأحقاف؟ قال: كأنك تسأل عن قبر هود ﵇، قال: نعم، قال: خرجت وأنا غلام في أغيلمة من الحي نريد أن نأتي قبره لبعد صيته، فسرنا في وادي الأحقاف أياماً وفينا من قد عرف الموضع، حتى انتهينا إلى كثيب أحمر فيه كهوف، فانتهى بنا ذلك الرجل إلى كهف منها فدخلناه وأمعنا فيه فانتهينا إلى حجرين قد أطبق أحدهما فوق الآخر وفيه خلل يدخل منه النحيف متجانفاً، فرأيت رجلاً على سرير شديد الأدمة كث اللحية قد يبس على سريره وإذا لمست شيئاً من جسده وجدته صلباً، وعند رأسه كتابة بالعربية: أنا هود الذي آمنت بالله وأسفت على عاد لكفرها وما كان لأمر الله من مرد، فقال علي ﵁: كذلك سمعته من أبي القاسم ﷺ . اخميم (٤) مدينة في البلاد المصرية في الجانب الشرقي من النيل لها ساحل، وهي مدينة كبيرة قديمة فيها أسواق وحمامات ومساجد كثيرة وفيها من البرابي وعجائب المباني والآثار ما يعجز الوصف عنه وهي بصعيد مصر. وكان سوريد بن سهلون (٥) صاحب الأهرام ملكاً عاقلاً عالماً أوتي علماً

стр. 32

وحكمة، فكان يتعهد مصالح رعيته، واتخذ مرآة من أخلاط أقامها على منار في وسط قصره بمكان ينظر فيها جميع الأمم والأقاليم ويقابل ذلك بما يصلحه، وقد كان عهد إلى رئيس كهنته أن يأمرهم بالنظر في كل يوم فيما يحدث في العالم ويخلد ذلك في كتاب، فجمع إليه العلماء والكهناء والمنجمين من جميع الأقطار وعملوا له ما أراد من جميع الطلسمات وغير ذلك. وفي أيامه بنيت الأهرام (١) التي بأرض مصر بسبب أن هذا الملك كان رأى رؤيا هالته: رأى الكواكب البابانية (٢) في صور طير بيض كأنها تخطف العالم وتلقيهم بين جبلين وكأن الجبلين انطبقا عليهم، وكأن الكواكب النيرة مظلمة كاسفة كلها، فأخبر بذلك كهانه وعلماءه، فأولوا ذلك على أنه يدل على آفة نازلة من السماء مفسدة للأرض وأهلها وحيوانها وقالوا له: هي آفة محيطة بأقطار الأرض إلا اليسير، وذلك إذا نزل قلب الأسد في أول دقيقة من السرطان وتكون الشمس والقمر في أول دقيقة من الحمل، فقدر الملك أن ذلك غرق يأتي على الأرض ومن فيها، فأمر ببناء الأهرام والبرابي لتخليد علومهم وصناعاتهم وسير ملوكهم وسنتهم في رعيتهم، وأمر ببناء أعلام عظام تكون خزائن أموالهم وكنوزهم وذخائرهم وقبوراً لهم تحفظ أجسادهم من الفساد، وأمر أن يكون ذلك كله في حجر صلد لا تغيره الدهور ولا يفسده الطوفان، وقيل أمر ببناء هذه الأهرام والبرابي من حجارة ومن طين، فإن كان هذا الحادث ماء ذهبت التي هي من طين وبقيت التي هي من حجارة، وإن كانت ناراً ذهبت التي هي من حجارة وبقيت التي هي من طين، فكان ذلك الحادث ماء فذهبت الطين وبقيت الحجارة، ثم اختار موضعاً لبناء تلك الأعلام، بقرب النيل في الجانب الغربي منه، وجعل طول حائط الهرم مائة وخمسين ذراعاً في عرض مثل ذلك، وارتفاعه في السماء أربعمائة ذراع وعمقها تحت الأرض مثل ارتفاعها فوق الأرض، وعرض الحائط عشرين ذراعاً. فلما تم بنيان الأهرام والبرابي أمر الملك أن يكتب على حيطان البرابي وسقوفها جميع الأشياء وغوامض الأمور ودلائل النجوم وعللها وسائر الطبائع وعمل الأدوية وتأليفها ومعرفة العقاقير وأسماؤها وصورها وعلم صنائع الكيمياء وغيرها مما ينفع ويضر، كل ذلك ملخصاً مفسراً لمن عرف كتابتهم، وفهمها، ونقش في حيطانها وسقفها جميع الطلسمات، وكتب على كل طلسم خاصيته ونفعه وضرره ولما وضع، وجعل في تلك الأهرام فنوناً من الذهب والفضة والكيمياء وحجارة الزبرجد الرفيعة والجواهر النفيسة، فلما تمت هذه الأهرام والبرابي على ما أراد الملك قال لهم: انظروا هل تفسد هذه الأعلام؟ فنظروا فوجدوها باقية لا تزول، فقال لهم: هل يفتح فيها موضع أو يدخل إليها؟ فنظروا وقالوا: يفتح في الهرم الفلاني في الجانب الشمالي منه، فقال: حققوا النظر في معرفة الموضع نفسه، فنظروا وعرفوه أنه يكون لمدة أربعة آلاف دورة للشمس، والدورة سنة، فقال لهم: انظروا مقدار ما ينفق في فتح هذا الموضع، فنظروا فعرفوه فقال: اجعلوا في الموضع الذي يوصل إليه من داخل الهرم ذهباً مقدار ما ينفق على فتحه، ثم حثهم على الفراغ من بناء الأهرام والبرابي ففرغوا منها في ستين سنة، وأمر أن يكتب عليها: بنينا هذه الأهرام في ستين سنة فليهدمها من يريد هدمها في ستمائة سنة على أن الهدم أهون من البناء، ثم قال لهم: انظروا هل يكون بمصر بعد هذه الآفة آفة أخرى، فنظروا فإذا الكواكب تدل على وقت نظرهم على آفة أخرى نازلة من السماء تكون في آخر الزمان وهي ضد الأولى: نار محرقة لأقطار العالم، فقال لهم: هل توقفونا على أمر آخر بعد هذه الأمور؟ فنظروا فقالوا: إذا قطع قلب الأسد ثلثي دورة وهو آخر دقيقة من العقرب لم يبق من حيوان الأرض متحرك إلا تلف، فإذا استتم أدواره تحللت عقد الفلك. فقال لهم: في أي يوم تنحل عقد الفلك؟ فقالوا له: اليوم الثاني من حركة الفلك، فعجب من ذلك وأمر بتخليد ما قاله العلماء من هذه الحكم في الكتب وأن تستودع في تلك الأهرام، فيقال ان فيها علوم الأولين والآخرين. قالوا (٣) : فلما كان في زمن المأمون بن الرشيد أراد هدم الأهرام، فعرفه بعض شيوخ المصريين أن ذلك غير ممكن ولا يحسن بأمير المؤمنين أن يطلب شيئاً لا يبلغه، فقال: لا بد أن أعلم ما ما فيها، ثم أمر بفتح هرم من أعظمها، ففتح فيه ثلم في جانبه الشمالي لقلة دوام الشمس على من يعمل فيه، فعملوا فيه فوجد حجراً صلداً يكل فيه الحديد، فكانوا يقدون النار عند الحجر

стр. 33

فإذا حمي رش بالخل ورمي بالمنجنيق بزبر الحديد، وأقاموا على ذلك أياماً حتى فتحوا الثلمة التي فيها الآن، فدخلوا ذلك الهرم فوجدوا بنيانه بالحديد والرصاص، ووجدوا عرض الحائط عشرين ذراعاً، ووجدوا بالقرب من الموضع الذي فتحوا مطهرة من حجر أخضر فيها مال، فقال المأمون: زنوه، فوزنوا الجملة فوجدوا، فيها مالاً معلوماً، وكان المأمون فطناً فقال: ارفعوا ما أنفقتم على فتح هذه الثلمة، فوجدوه موازياً لما وجد من المال، فعجب المأمون من معرفتهم بالموضع الذي يفتح على طول الزمان، وازداد بعلم النجوم غبطة، ووجد المأمون في الهرم صنماً أخضر ماداً يده وهو قائم فلم يعلم خبره، ونظر إلى الزلاقة والبئر التي في الهرم وأمر بالنزول فيه، فأفضوا إلى صنم أحمر عيناه من جزعتين سواد في بياض كأنهما حدقتا إنسان ينظر إليهم، فهالهم أمره وقدروا أن له حركة فجزعوا منه وخرجوا، ويقال إنه وجد فيها مالاً كثيراً. وسأل المأمون من وجد بمصر من علمائها هل لهذه الأهرام أبواب فقيل لها أبواب تحت الأرض في آزاج مبنية بالحجارة كل واحد منها عشرون ذراعاً له باب من حجر واحد يدور بلولب إذا أطبق لم يعرف أنه باب، وصار كالبنيان لا يدخل إليه الذر ولا يوصل إليه إلا بكلام وقرابين وبخورات معروفة، وإن في هذه الأهرام فنوناً من الذهب والفضة والكيمياء وحجارة الزبرجد الرفيع والجواهر النفيسة ما لا يسعه وصف واصف، وفيها من الكتب المستودعة فيها طرائف الحكمة وكمال الصنعة ومن التماثيل الهائلة من الذهب الملون على رؤوسها التيجان الفاخرة مكللة بالجواهر النفيسة ما يستدل به على عظم ملكهم، وجعلوا على ذلك من الطلسمات ما يمنع منه ويدفع عنه إلى أوقات معلومة، وقصدوا بذلك أن تكون تلك الأشياء ذخيرة لأعقابهم ولمن يكون بعدهم ليروا عظيم مملكتهم، ووضعوا أساس تلك الأعلام وقت السعادة، وجعلوا في أساس كل علم منها صنماً، وزبروا في صدورها دفع المضار والآفات عنها، وفي يد كل صنم منها آلة كالبوق وهو واضعه على فيه، والخبر عن هذه الأهرام والبرابي مذكور في المطولات. ويقال (١) إن ذا النون الإخميمي الزاهد إنما قدر على ما قدر عليه من علوم البربى حتى عمل الصنعة الكبيرة لأنه خدم راهباً كان بإخميم مدة صباه فعلمه قراءة الخط الذي في البربى وعلمه القربان والبخور واسم الروحاني وأوصاه أن يكتم ذلك، فلما علم ذا النون ما علم من علم الكيمياء وغيرها عمد إلى طين الحكمة فطمس به على صنعة الكيمياء حتى لا يبلغ إليها أحد غيره وهو طين لا ينقلع أبداً. وفي (٢) بعض الأخبار أن قوماً قصدوا الأهرام فنزلوا في تلك الآبار وطلبوا أن يدخلوا من تلك المضايق التي تخرج منها تلك الرياح، واحتملوا معهم سرجاً في أواني زجاج، فلما حصلوا في تلك المضايق التي تخرج منها الرياح، خرجت عليهم ريح شديدة فأخرجتهم منها، وأطفأت أكثر سرجهم، فأخذوا أحدهم وكان أقواهم جأشاً وأشدهم عزماً وأصلبهم قلباً، فربطوا وسطه بالحبال وقالوا له: ادخل فإن رأيت شيئاً تكرهه جذبناك، فلما دخل المغرور وزاحم تلك الرياح انطبق عليه الفتح فجذبوه فانقطعت حبالهم وبقي ذلك الرجل في ذلك الشق وهم لا يعلمون له خبراً، فصعدوا هاربين حتى خرجوا من تلك البئر واغتموا لما أصاب صاحبهم، فجلسوا عند الثلمة مفكرين في أمر صاحبهم وفي أمرهم وما أقدموا عليه، فبينا هم كذلك إذ انفرجت من الأرض فرجة كالكرة وأنارت لهم ذلك الرجل عرياناً مشوه الخلق جامد العينين وهو يتكلم بكلام عجيب لا يفهم، فلما فرغ من كلامه سقط ميتاً، فازداد وجلهم وتضاعف حزنهم، وعلموا أنهم خلصوا من أمر عظيم، فاحتملوا صاحبهم واتصلت أنباؤهم بوالي مصر وهو يومئذ ابن المدبر وفي أيام المتوكل، فسألهم عن أمرهم فأخبروه، فعجب من ذلك وأمر أن يكتب الكلام الذي قاله ذلك الرجل الذي مات حسبما قاله، وأقام ابن المدبر يطلب من يفسره له، إلى أن وجد رجلاً يعرف شيئاً من ذلك اللسان، ففسره: هذا جزاء من طلب ما ليس له وأراد الكشف عما لم يخبأه، فليعتبر من رآه قال: فمنع حينئذ ابن المدبر أن يتعرض أحد للأهرام. وفي خبر آخر (٣) أن جماعة دخلوا الهرم فوجدوا في بعض البيوت زلاقة إلى بئر، فنزلوا فيها، فوجدوا سرباً فساروا فيه نصف يوم حتى انتهوا إلى حفير عميق وفي عدوته باب لطيف، فكانوا يتبينون فيه شعاع الذهب والفضة والجواهر النفيسة، ومن رأس الحفير مما يليهم إلى ذلك الباب المحاذي لهم الذي فيه الذهب والجوهر عمود حديد قد ألبس محوراً من حديد يدور عليه ولا يستمسك

стр. 34

في دورانه، فاحتالوا في وقوفه وذهاب حركته فلم يقدروا على ذلك، فربطوا أحدهم في حبل وتعلق بالعمود ليصل إلى الجانب الآخر فدار به المحور فتحير وسقط وانقطع الحبل الذي كان فيه فخرجوا هاربين لا يلوون على شيء. وقال بعضهم (١) : رأيت في بربى إخميم صورة عقرب، فألصقت عليها شمعاً فلم أتركها في موضع إلا انحاشت إليها العقارب من كل مكان وموضع، وإن كانت في تابوت اجتمعت حول التابوت وتحته، قال فطلبها بعض إخواني فأخذها، فرجعت إلى إخميم فوجدت تلك الصورة قد نقرت وأفسدت. ومن المتعارف عند أهل إخميم أنه كان في البربى التي عندهم شيطان قائم على رجل واحدة وله يد واحدة وقد رفعها إلى الهواء، وفي جبهته وحواليه كتاب، وله إحليل ظاهر ملتصق بالحائط، فقيل إنه من احتال لذلك الإحليل حتى ينقب عليه وينزعه من غير أن يتكسر ويعلقه في وسطه لم يزل منعظاً إلى أن ينزعه ويجامع ما أحب، ولا ينكسر ما دام عليه. ولما ولي فلان (٢) ببلد إخميم أخبر بذلك، فطلب تلك الصورة في البربى فلم يجد منها غير واحدة كانت بقرب سقف البربى فاحتال عليها حتى أخذ الإحليل، فكان يستعمله فيخبر عنه بعجب. ومنه أنه كان في البربى صور كثيرة فلم تزل تؤخذ حتى نفدت، وكانت في هذه البرابي عجائب من الطلاسم في فنون شتى قد درس أكثرها وتهدم أكثر البرابي. وأما الأهرام فباقية على حالها ما اختل منها شيء، فيقال إن كل ما تهدم من هذه الهياكل وتغير سببه أن المنجمين تركوا الاستقصاء في أخذ الطالع وتصحيحه في وقت وضع الأساس وكذلك ما بقي منها فلقرب الطالع من التصحيح والقول في هذه الأهرام والبرابي على الاستقصاء في الكتب، وفيما ذكرناه كفاية. الأخدود المذكور في قوله تعالى: " قتل أصحاب الأخدود " (البروج: ٤) (٣) ، كان في قرية من قرى نجران، وأصحاب الأخدود قيل إنهم قوم كانوا على دين حق، كان لهم ملك يزني بأخته ثم حمله بعض نسائه أن يسن في الناس نكاح الأخوات والبنات، فحمل الناس على ذلك فأطاعه كثير وعصته فرقة، فخد لهم أخاديد، وهي حفائر طويلة كالخنادق، وأضرم لهم ناراً وطرحهم فيها، ثم استمرت المجوسية بمن أطاعه وعلى هذا فقوله تعالى: " قتل أصحاب الأخدود " إخبار بأن النار قتلتهم، وقيل بل المعنى: فعل الله بهم، ذلك لأنهم أهل له، فهو على جهة الدعاء بحسب كلام البشر، وقيل في أصحاب الأخدود أن ملكاً من ملوك حمير كان بمذارع من اليمن اقتتل هو والكفار مع المؤمنين ثم غلب في آخر الأمر فحرقهم على دينهم إذ أبوا دينه، وفيهم كانت المرأة ذات الطفل التي تلكأت فقال لها الطفل: امضي في النار فإنك على الحق، وعن علي ﵁ قال: إن نبي أصحاب الأخدود كان حبشياً وأن الحبشة بقية أصحاب الأخدود، وقيل صاحب الأخدود ذو نواس في قصة عبد الله بن الثامر، وهي مذكورة مشروحة في أول سير ابن إسحاق (٤) وقيل كان أصحاب الأخدود في بني إسرائيل. أخسيكث (٥) هي مدينة فرغانة، كان أنوشروان بناها ونقل إليها من كل بيت قوماً وسماها، وقيل إن أخسيكث اسم الكورة، وقيل هي قصبة فرغانة وأخسيكث على شط نهر الشاش في أرض مستوية، بينها وبين الجبل نحو نصف فرسخ وسيأتي ذكرها في حرف الفاء (٦) إن شاء الله تعالى وفرغانة (٧) اسم الإقليم ومدينته أخسيكث مدينة جليلة على شمال النهر ولها ربض عامر وأسواقها في مدينتها ولها مياه تخترق أزقتها جارية في حياض كبيرة وأمامها إذا عبرت نهر الشاش مروج ومزارع كثيرة ورمال ومنها إلى قبا ثلاث مراحل. الأخشبان (٨) جبلا مكة ويقال إن جبل أبي قبيس أحد الأخشبين، وفي الحديث قال جبريل ﵊: يا محمد إن شئت جمعت الأخشبين عليهم، فقال ﷺ : " دعني أنذر أمتي "، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كنت بين الأخشبين من منى - ونفح بيده نحو المشرق - فإن هناك وادياً يقال له السرر، به سرحة سر تحتها سبعون نبياً ".

стр. 35

الاخوان (١) منزل بين القيروان والمهدية فيه قتل أبو يزيد (٢) النكاري ميسرة الفتى في ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، قال علي ابن علي بن ظفر يمدح أبا يزيد هذا: هذا وكم من وقعة مشهورة ... أبقيتها مثلاً لكل ممثل بثنية الأخوين يوم تركتهم ... متوسدين وسائداً من جندل أذرعات (٣) من بلاد دمشق بالشام يصرف ولا يصرف، والتاء في الحالين مكسورة ويقال لها يذرعات بالياء، وقال الخليل: من كسر الألف لم يصرف. ولما قدم عمر ﵁ الشام تلقاه أبو عبيدة ﵁، فبينما هو يسير تلقاه المقلسون من أهل أذرعات بالسيوف والريحان، فقال عمر ﵁: مه ردوهم، فقال أبو عبيدة ﵁: يا أمير المؤمنين هذه سنة العجم، إنك إن منعتهم منها يرون أن في نفسك نقضاً لعهدهم، فقال عمر ﵁: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة، وتنسب إليها الخمر الجيدة، ومر سحيم بن المخرم وهو شاعر بدوي نجدي بأذرعات فتذكر وطنه وحن إليه فقال: ألا أيها البرق الذي بات يرتقي ... ويجلو دجى الظلماء ذكرتني نجدا وهيجتني في أذرعات ولا أرى ... بنجد على ذي حاجة طرب بعدا ألم تر أن الليل يقصر طوله ... بنجد وتزداد الرياح به بردا ومن أهل أذرعات أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الأذرعي من أهل أذرعات (٤) مدينة بالبلقاء، وهو أحد الثقات وعباد الله الصالحين قال: خلوت في بعض الأوقات ففكرت وقلت: ليت شعري إلى ما نصير؟ فسمعت قائلاً يقول: إلى رب كريم. وكان به إدرار البول فكانت القارورة لا تفارقه (٥) فأعطاها مرة إلى من يغسلها أو يريق ما فيها واحتاج إليها ولم يحضره من يناوله إياها، فقال: أسأل من حضر من إخواننا المسلمين والجيران (٦) يناولونيها، فنوولها. وقال: سألت الله تعالى أن يقبض بصري فعميت فاستضررت في الطهارة، فسألته إعادته فأعاده بفضله. قال ابن عساكر: ولي دمشق في أيام المعتمد على الله في سنة ست وخمسين ومائتين وال يقال له ماحوز وكان صارماً شجاعاً لا يقطع في عمله الطريق فوجه مرة فارساً إلى أذرعات فمر باليرموك فصادفه أعرابي، فنتف من سبال الجندي خصلتين من شعره، فلما رجع الفارس واتصل بماحوز وأخبره ما فعل الأعرابي، حبس الفارس وقال لكاتبه: اطلب لي معلماً يعلم الصبيان، فجاءه معلم، فقال له: ها أنا أعطيك نفقة واسعة واخرج إلى اليرموك فقل إني معلم صبيانكم، فإذا تمكنت فارصد الأعرابي وارتقب بها مدة طويلة، فإذا وافى الأعرابي القرية فخذ هذا الكتاب الذي أعطيك وادفعه لأهل القرية حتى يقرأوه، وأعطاه طيوراً وقال له: أرسل إلي بهذه الطيور بالخبر، ففعل المعلم ذلك، وأقام باليرموك ستة أشهر حتى وافى الأعرابي القرية، فلما رآه المعلم أخرج الكتاب إلى أهل القرية وفيه: " الله الله في أنفسكم اشغلوا الأعرابي حتى أوافيكم، فإن جئت ولم أوافه خربت القرية وقتلت الرجال "، وأطلق المعلم الطيور إلى دمشق بالخبر، فلما وصل الخبر إلى ماحوز ضرب البوق وخرج من وقته حتى وافى اليرموك في أسرع وقت، فأخذ الأعرابي وأردفه خلف بعض غلمانه ووافى به دمشق، فلما أصبح دعا به فقال: ما حملك على ما فعلت برجل من أولياء السلطان لم يؤذك ولم يعارضك؟ قال: كنت سكران أيها الأمير لم أعقل ما فعلت، فدعا بحجام وقال له: لا تدع في وجه هذا الأعرابي ولا في رأسه ولا في سائر بدنه شعرة إلا نتفتها، فبدأ بأشفار عينيه ثم بحاجبيه ثم بلحيته ثم بشاربه ثم برأسه ثم بذقنه فما ترك عليه شعرة إلا نتفها، ثم قال: هاتوا الجلادين، فضربه أربعمائة سوط ثم

стр. 36

حبسه، فلما كان من الغد ضربه ثم قطع يديه، وفي اليوم الثالث قطع رجليه، وضرب رقبته في اليوم الرابع وصلبه، ثم أخرج الجندي من الحبس فضربه مائة عصا وأسقط اسمه وقال له: أنت ليس فيك خير حيث رأيت أعرابياً واحداً فخضعت له حتى فعل بك ما فعل، كيف يكون لي فيك خير إذا احتجت إليك؟ ثم طرده. ورؤي ماحوز هذا بعد موته في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي، قيل له: بماذا؟ قال: بضبطي أطراف المسلمين وطريق الحاج. أذنة مدينة بالشام بينها وبين المصيصة اثنا عشر ميلاً بناها هارون الرشيد وأتمها الأمين وبها كانت منازل ولاة الثغور لسعتها، وهي على نهر جيحان (١) وليس للمسلمين عليه إلا أذنة هذه بين طرسوس والمصيصة، وأهل أذنة أخلاط من موالي الخلفاء وغيرهم، ومن أذنة إلى طرسوس اثنا عشر ميلاً، وهي مدينة جليلة عامرة ذات أسواق وصناعات وصادر ووارد، وهي ثغر سيحان، ونهر سيحان في قدره، دون قدر نهر جيحان وعليه قنطرة عجيبة طويلة جداً. وبالزاب من أرض إفريقية مدينة اسمها أذنة (٢) أيضاً على مقربة من المسيلة بينهما اثنا عشر ميلاً وبينها وبين مدينة طبنة مرحلتان، وأذنة هذه أخربها علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وهي كثيرة الأنهار والعيون العذبة، وهي مدينة رومية قديمة، وكان حولها ثلاثمائة وستون قرية للروم كلها عامرة، وهي كانت مملكة الروم بالزاب وكان عقبة بن نافع، ﵀، حين قدم إفريقية غازياً بعد انفصاله عن تلمسان ومحاربته لأهلها دخل يريد الزاب، فسأل عن أعظم مدينة به فقيل له: مدينة يقال لها أذنة، وهي دار ملكهم، فتوجه إليها، فلما بلغهم قدوم المسلمين هربوا إلى حصنهم وإلى الجبال، فلما قدمها نزل على واد بينها وبينه نحو ثلاثة أميال في وقت المساء فكره قتالهم بالليل، فتواقف القوم الليل كله لا راحة لهم ولا نوم، فسماه الناس إلى اليوم وادي سهر لأنهم سهروا عليه، فلما أصبح قاتلهم قتالاً عظيماً حتى يئس المسلمون من أنفسهم، ثم هزم الله الروم وقتل فرسانهم وأهل النكاية منهم واستولت الهزيمة على بقيتهم، وفي هذه الغزوة ذهب عز الروم بالزاب. وكان المنصور بالله العبيدي في حروبه مع أبي يزيد النكاري ركب متنزهاً إلى أذنة في أربعة آلاف فارس وركب معه زيري بن مناد في خمسمائة من صنهاجة، وكان النكار بالقرب منها فلما رأوا كثرة العسكر سكنوا، فلما ولى منصرفاً ركبوا ساقته وقامت الصيحة، فعطف عليهم والتحم القتال، ونزل أبو يزيد من الجبل وبين يديه ثلاثة بنود ومعه خلق عظيم ولم يعلم بمكان المنصور بالله، وكان موضعاً كثير التلال والروابي، فأرسل المنصور إليه عسكره وأخرجت الطبول والبنود وقصدوا إلى أبي يزيد، فلما رأى المظلة ولى فركبتهم السيوف فقتل منهم مقتلة عظيمة، وكانت القتلى منهم تزيد على عشرة آلاف. أذربيجان هي كورة تلي الجبل من بلاد العراق وهي مفتوحة الألف وتلي كور أرمينية من جهة المغرب، ينسب إليها أذربي، وفي خبر الصديق ﵁ أنه قال حين حضرته الوفاة وعزم على استخلاف عمر ﵁ لمن كره ذلك: فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان، يشير إلى ما كان من الاتساع في الدنيا. والصوف الأذربي منسوب إلى أذربيجان ينسب إلى أذربيجان أبو عبد الله الحسن بن جابر الأزدي صاحب كتاب " اللامع " في أصول الفقه، وأهل أذربيجان مشهورون بالإكباب على العلم والاشتغال به، وفيهم يقول الحافظ أبو الطاهر السلفي: ديار أذربيجان في الشرق عندنا ... كأندلس في الغرب في النحو والأدب فلست ترى في الدهر شخصاً مقصراً ... من أهلها إلا وقد جد في الطلب وكان عمر ﵁ قد فرق أذربيجان بين بكير بن عبد الله وبين عتبة بن فرقد وأمر كل واحد منهما بطريق غير طريق صاحبه، ثم جمع عمر ﵁ أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد وعادت أذربيجان سلماً، وكتب عتبة بينه وبين

стр. 37

أهلها كتاباً (١) : هذا ما أعطاه عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان، سهلها وجبلها وحواشيها وشعابها وأهل مللها كلهم، على الأمان على أنفسهم وأموالهم وشرائعهم على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس ذلك على صبي ولا امرأة ولا زمن ليس في يديه من الدنيا شيء ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء، لهم ذلك ولمن سكن معهم، وعليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوماً وليلة ودلالته، ومن حشر منهم في سنة رفع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام في ذلك ومن خرج فله الأمان حتى يرجع إلى حرزه. ثم غزا الوليد بن عقبة ﵁ أذربيجان وأرمينية في السنة التي بويع فيها عثمان ﵁، وقيل سنة خمس وعشرين بعدها، وقيل سنة ست، فصالحهم على ثلاثمائة ألف درهم وعلى التي صالح عليها حذيفة بن اليمان أيام عمر ﵄. وفي سنة سبع عشرة وستمائة نزل الططر على أذربيجان وهو إقليم جليل آهل المدن خصيب الضياع كثير الخيرات فداراهم سلطانه ابن البهلوان عن مدينة المراغة ومدينة توريز (٢) بعدما فتكوا فيما مروا عليه (٣) وهذه المدينة هي المراغة، وسيأتي لها ذكر في حرف الميم إن شاء الله. أذاخر (٤) ثنية بين مكة والمدينة، وفي الخبر أن رسول الله ﷺ دخل من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة. أذرح (٥) بحاء مهملة على وزن أذرع، مدينة في أداني الشام وقيل بفلسطين، وبها بايع الحسن بن علي معاوية ﵃ وأعطاه معاوية مائتي ألف دينار، ولما انفصل علي بن عبد الله بن العباس ﵃ إلى الشام اعتزل أذرح ونزل الحميمة وبنى بها قصراً لأن أذرح افتتحت صلحاً على عهد رسول الله ﷺ وهي من بلاد الصلح التي كانت تؤدي الجزية وكذلك دومة الجندل والبحران وهجر، وفي الصحيح (٦) : " أمامكم حوضي كما بين جرباء إلى أذرح ". الأردن بضم أوله، نهر بالشام وهو نهر طبرية عليه مدن، وكل من على جنبيه أردني، وكان ملك داود ﵇ في الأردن وفلسطين، وكان عسكره ستين ألفاً أصحاب درق وسيوف وفي سير ابن إسحاق (٧) أن أبا جهل قال للذين بيتوا رسول الله ﷺ للفتك به وهم على بابه: إن محمداً يزعم أنكم إن بايعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها، وخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: " نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم "، وأخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم، إلى آخر الخبر. وفي حديث مكحول (٨) : لما فتحت جزيرة العرب قال رجل عند ذلك: أبهوا الخيل والسلاح فقد وضعت الحرب أوزارها، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فرد قوله وقال: " لا تزالون تقاتلون الكفار حتى يقاتل بقاياكم الدجال بقطر الأردن (٩) ، أنتم من غربيه والدجال من شرقيه " قال الراوي: ما كنت أدري ما الأردن حتى سمعته من رسول الله ﷺ . وقالوا: احتاج الوليد بن عبد الملك إلى رصاص حين بنى مسجد دمشق فقيل له: إن بالأردن منارة فيها رصاص فبعث إليها، فذهب رجل يضرب بمعوله فأصاب رجلاً فسال دمه فقيل: هذا طالوت. وكان أهل الأردن قد رفضوا (١٠) بيعة ابن الزبير ﵄.

стр. 38

أريس (١) بئر أريس، بفتح الألف وكسر الراء، على ميلين من المدينة وكانت من أقل تلك الآبار ماء، وفيها تفل النبي ﷺ فعاد ماؤها عذباً وكان أجاجاً، وفيها سقط خاتم النبي ﷺ من يد عثمان ﵁ فلم يوجد إلى الآن على قلة مائها وذلك سنة ثلاثين. قال ابن عمر: لبس خاتم النبي ﷺ أبو بكر بعده ثم عمر ثم عثمان ﵃ حتى وقع من عثمان في بئر أريس فلم يقدر عليه. أباض (٢) قرية من قرى اليمامة لبني حنيفة فيها كانت وقعة خالد بن الوليد ﵁ ومسيلمة. وسيأتي (٣) لها ذكر في حرف العين في لفظ عقربا إن شاء الله تعالى. إرم ذات العماد من الناس من قال: إرم قبيلة عاد وهو قول مجاهد وقتادة، وعليه أنشدوا لابن قيس الرقيات (٤) : مجداً تليداً بناه أوله ... أدرك عاداً وقبلها إرما وقال زهير (٥) : وآخرين ترى الماذي عدتهم ... من نسج داود أو ما أورثت إرم قال ابن إسحاق: فإرم أبو عاد كلها، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وقال جمهور المفسرين: إرم مدينة لهم عظيمة كانت على وجه الدهر باليمن، وقال محمد بن كعب: هي الإسكندرية، وقال سعيد بن المسيب: هي دمشق، قال البكري: دمشق هي ذات العماد، وكذلك روى هوذة عن عوف بن خالد وقاله عكرمة، وحكى البلاذري قال: حدثني محمد بن موسى الصانع عن جعفر بن محمد العطار بمدينة السلام، قال حدثني علي بن داود القنطري وأبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي عن أبي صالح عبد الله بن صالح المصري كاتب الليث بن سعد، قال حدثني عبد الله بن لهيعة بن علقمة الحضرمي عن خالد بن أبي عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة قال: أنه خرج في إبل له شردت، فبينما هو في صحارى عدن أبين والشحر يطلب إبله في تلك الفلوات إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال، فلما دنا منها ظن أن فيها أحداً يسأله عن إبله، فإذا لا خارج يخرج من باب حصنها ولا داخل يدخل منه، فلما رأى ذلك نزل عن ناقته وعقلها ثم استل سيفه ودخل من باب الحصن، فلما خلف الحصن بشيء إذا هو ببابين عظيمين لم ير في الدنيا أعظم منهما ولا أطول، وإذا خشبهما مجمر يعني عوداً، وفي ذينك البابين نجوم من ياقوت أبيض وياقوت أحمر، يضيء ذانك البابان فيما بين الحصن والمدينة فلما رأى ذلك الرجل أعجبه وتعاظم الأمر، ففتح أحد البابين ودخل، فإذا هو بمدينة لم ير الراءون مثلها قط، وإذا هي قصور كل قصر معلق تحته أعمدة من زبرجد وياقوت، ومن فوق كل قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وكل مصاريع تلك القصور وتلك الغرف مثل مصراعي باب المدينة، كلها مفصص بالياقوت الأبيض والياقوت الأحمر مقابلة بعضها ببعض، ينور بعضها من بعض، مفروشة تلك القصور وتلك الغرف كلها باللؤلؤ وبنادق من مسك وزعفران، فلما عاين الرجل ما عاين ولم ير فيها أحداً هاله ذلك وأفزعه، ثم نظر إلى الأزقة فإذا هو بالشجر في كل زقاق منها قد أثمرت تلك الأشجار كلها، وإذا تحت تلك الأشجار أنهار مطردة يجري ماؤها في قنوات من فضة، كل قناة منها أشد بياضاً من الشمس، تجري تلك القنوات تحت الأشجار، فداخل الرجل العجب مما رأى وقال: والذي بعث محمداً بالحق ما خلق الله مثل هذه في الدنيا وإن هذه للجنة التي وصفها تقدست أسماؤه، ما بقي مما وصف الله العزيز شيء إلا وهو في هذه المدينة، هذه الجنة، الحمد لله الذي أدخلناها فبينما هو يؤامر نفسه ويتدبر رأيه إذ دعته نفسه أن يأخذ من لؤلؤها وياقوتها وزبرجدها ثم يخرج حتى يأتي بلاده ثم يرجع إليها، ففعل، فحمل معه من اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها شيئاً ولا من ياقوتها لأنه مثبت في أبوابها، وكان ذلك اللؤلؤ والبنادق والمسك والزعفران منثوراً في تلك القصور والغرف كلها، فأخذ ما أراد وخرج حتى أتى ناقته وحل عقالها

стр. 39

وركبها ثم سار راجعاً يقفو أثر ناقته حتى رجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه، وأعلم الناس أمره وما كان من قصته، وباع بعض اللؤلؤ، وكان ذلك اللؤلؤ قد اصفر وتغير من طول كرور الأيام والليالي عليه، فلم يزل أمر ذلك الرجل ينمي ويخرج حتى بلغ معاوية بن أبي سفيان ﵄، فأرسل رسولاً وكتب إلى صاحب صنعاء يأمره بالبعثة بالرجل إليه يسأله عما كان من أمره، فخرج به رسول معاوية ﵁ من اليمن حتى قدم به الشام، فأمر صاحب صنعاء الرجل أن يخرج معه ببعض ما جاء به من متاع تلك المدينة، فسار الرجل ورسول معاوية ﵁ معه حتى قدم على معاوية ﵁، فخلا به معاوية ﵁ وساءله عما رأى وعاين فقص عليه أمر المدينة وما رأى فيها شيئاً فشيئاً، فأعظم ذلك معاوية ﵁ وأنكر ما حدثه به وقال: ما أظن ما قلته حقاً، فقال الرجل: عندي من متاعها الذي هو مفروش في قصورها وغرفها وبيوتها، قال: ما هو قال: لؤلؤ وبنادق المسك والزعفران، فقال له معاوية ﵁، هات حتى أراه، فأراه لؤلؤاً أصفر من أعظم ما يكون من اللؤلؤ وأراه تلك البنادق فشمه معاوية ﵁ فلم يجد له ريحاً فدق بندقة من تلك البنادق فسطع ريحها مسكاً وزعفراناً، فصدقه معاوية ﵁ عند ذلك، وقال: كيف لي أن أعلم ما اسم هذه المدينة ومن بناها ولمن كانت، فوالله ما أعطي أحد مثل ما أعطي سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وما ملك سليمان مثل هذه المدينة، فقال بعض جلساء معاوية ﵁: إنك لن تجد خبر هذه المدينة عند أحد من أهل الدنيا في زماننا هذا إلا عند كعب الأحبار، فإن رأيت أن تبعث إليه وتأمر أن يغيب هذا الرجل عنه فإنه سيخبر بأمرها وأمر هذا الرجل إن كان دخلها، لأن مثل هذه المدينة على مثل هذه الصفة لا يستطيع هذا الرجل دخولها إلا أن يكون قد سبق في الكتاب دخوله إياها، فابعث إلى كعب فإنه لم يخلق الله أحداً على ظهر الأرض أعلم منه، ولا شيء مضى من الدهر ولا يكون بعد اليوم إلا وهو في التوراة مفسراً منصوباً معروفاً مكانه، فليبعث إليه أمير المؤمنين فإنه سيجد خبرها عنده، قال: فأرسل معاوية ﵁ إلى كعب الأحبار فأتاه، فلما أتاه قال له معاوية ﵁: يا أبا إسحاق إني دعوتك لأمر رجوت أن يكون علمه عندك، قال كعب: على الخبير سقطت فسلني عما بدا لك، قال: أخبرني يا أبا إسحاق هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة وعمدها زبرجد وياقوت، وحصباء قصورها وغرفها لؤلؤ فيها جناتها وأنهارها في الأزقة تجري تحت الأشجار؟ قال كعب: والذي نفسي بيده لقد ظننت أني لأتوسد يميني قبل أن يسألني أحد عن تلك المدينة وما فيها ولمن هي، ولكن أخبرك بها ولمن هي ومن بناها، أما تلك المدينة فهي حق على ما بلغك ووصف لك، وأما صاحبها الذي بناها فشداد بن عاد، وأما المدينة فإرم ذات العماد التي وصف الله في كتابه المنزل على محمد ﷺ " التي لم يخلق مثلها في البلاد "، وهي كما وصف لك لم يبن مثلها في البلاد، قال معاوية ﵁: يا أبا إسحاق حدثني حديثها يرحمك الله، قال: أخبرك أن عاداً الأولى ليس عاد قوم هود، ولكن عاد الأولى إنما هود وقوم هود ولد لذلك، فكان عاد له ابنان أحدهما شديد والآخر شداد، فهلك عاد فبغيا وتجبرا، وملكا فقهرا البلاد وأخذا أهلها عنوة وقهرا حتى دان لهما جميع الناس، ولم يبق أحد من الناس في زمانهما إلا وهو في طاعتهما لا في مشرق الأرض ولا في مغربها، وأنه لما صفا لهما ذلك وقر قرارهما مات شديد بن عاد وبقي شداد وحده لم ينازعه أحد، ودانت له الدنيا كلها بأجمعها، وكان مولعاً بقراءة الكتب الأول وكلما مر فيها بذكر الجنة وما يسمع ما هو فيها من البنيان والياقوت واللؤلؤ دعته نفسه إلى أن يفعل تلك الصفة، فلما قر ذلك في لبه أمر بصنعة تلك المدينة وأمر على صنعتها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان، ثم قال: انطلقوا إلى أطيب بلاد الأرض وأوسعها فاعملوا لي فيها مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ، تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد، وعلى المدينة قصور، ومن فوق تلك القصور غرف، واغرسوا تحت القصور في أزقتها أصناف الثمار كلها وأجروا فيها الأنهار حتى تكون تحت الأشجار، فإني أستمع في الكتاب صفة الجنة فأحب أن أجعل مثالها في الدنيا أتعجل سكناها، فقال له قهارمته وكانوا مائة قهرمان: كيف لنا أن نقدر على ما وصفت لنا من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة ينبني منه مدينة من المدائن كما وصفت لنا، ومتى نقدر على هذا الذهب كله وهذه الفضة؟ فقال لهم شداد: أليس تعلمون أن ملك الدنيا كله بيدي؟ قالوا: بلى، قال: فانطلقوا إلى كل معدن من معادن الزبرجد والياقوت أو بحر فيه لؤلؤ أو معدن ذهب أو معدن فضة قوم رجلاً يخرج لكم ما كان من كل معدن في تلك البلاد، ثم انظروا إلى ما كان في أيدي الناس فخذوه سوى ما يأتيكم به

стр. 40

أصحاب المعادن. قال: فخرجوا من عنده إلى كل ملك في الدنيا يأمره أن يجمع له ما في بلاده من جوهرها ويحضر معادنها، فانطلق أولئك القهارمة فبعثوا إلى كل ملك من الملوك بكتاب في أخذ ذلك وأخذ الفعلة في طلبهم له موضعاً كما أراد ووصفه لهم من البساتين وإجراء الأنهار وغرسهم الأشجار، وعملوا في ذلك عشر سنين، فقال معاوية ﵁: وكم عدد الملوك الذين كانوا تحت يده؟ قال: مائتان وستون ملكاً قسمها بينهم كل ملك على حدة وما عليه من الخراج، قال: فخرج القهارمة فشدوا في الصحراء ليجدوا ما يوافقه، فلم يجدوا ذلك حتى وقعوا على صحراء عظيمة نقية من التلال والجبال، فإذا هم بعيون مطردة، فقالوا: هذه صفة إرم التي أمرنا بها، فأخذوا بقدر الذي أمرهم من العرض والطول ثم جعلوا ذلك حدوداً محدودة ثم عمدوا إلى مواضع الأزقة التي فيها الحدود فأجروا فيها قنوات لتلك الأنهار ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليماني وصبوا طين ذلك الأساس من مر ولبان ومحلب، فلما فرغوا مما وضعوا من الأساس وأجروا القنوات أرسلت إليهم الملوك بالزبرجد والياقوت والذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر، كل ملك قد عمل ما كان في معدنه، فمنهم من بعث بالعمد مفروغاً منها، ومنهم من بعث بالذهب والفضة مفروغاً منها مصنوعاً، فدفعوه إلى أولئك القهارمة والوزراء، فأقاموا فيها حتى فرغوا من بنائها وهي على تلك العمد، وهي قصور وفوق القصور غرف ومن فوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة والزبرجد والياقوت، وأقاموا في بنائها إلى أن فرغوا منها ثلثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة، قال كعب: فلما أخبروه بفراغهم منها قال: انطلقوا فاجعلوا عليها حصناً واجعلوا حول الحصن ألف قصر يكون في كل قصر وزير من وزرائي وألف ناطور، قال: فخرجوا فعملوا تلك الحصون والقصور ثم أخبروه بالفراغ مما أمرهم به، قال: فأمر ألف وزير من خاصته أن يتهيئوا للنقلة إلى إرم ذات العماد، وأمر لتلك الأعلام برجال يسكنونها وأمر لهم بالعطاء والأرزاق والجهاز إلى تلك القصور، فأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين، فسار الملك فيمن أراد وخلف من قومه في عدن أبين والشحر أكثر ممن سار، فلما صار منها على مقربة من يوم وليلة بعث الله تعالى العظيم عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكهم جميعاً ولم يبق منهم أحد، ولم يدخل ذات العماد منهم أحد، ولم يقدر على دخولها أحد منهم حتى الساعة، فهذه صفة ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك هذا ويرى ما فيها ويحدث بذلك فلا يصدق، قال له معاوية ﵁: يا أبا إسحاق هل تصفه لنا؟ قال: نعم، رجل أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال، يخرج ذلك الرجل في طلب إبل له في تلك الصحارى فيقع على ذات العماد، فيدخلها ويحمل مما فيها والرجل جالس عندك، فالتفت كعب فرأى الرجل فقال: هذا ذلك الرجل قد دخلها فسله عما حدثتك به، فقال معاوية ﵁: يا أبا إسحاق إن هذا من خدمي، قال: فقد دخلها وإلا فسيدخلها أو يدخلها أهل هذا الدين في آخر الزمان، فقال معاوية ﵁: لقد فضلك الله يا أبا إسحاق على غيرك من العلماء، ولقد أعطيت من علم الأولين، والآخرين ما لم يعط أحد، فقال كعب: والذي نفس كعب بيده ما خلق الله شيئاً إلا وقد فسره في التوراة لعبده موسى وكفى بالله وكيلاً. بها، فأخذوا بقدر الذي أمرهم من العرض والطول ثم جعلوا ذلك حدوداً محدودة ثم عمدوا إلى مواضع الأزقة التي فيها الحدود فأجروا فيها قنوات لتلك الأنهار ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليماني وصبوا طين ذلك الأساس من مر ولبان ومحلب، فلما فرغوا مما وضعوا من الأساس وأجروا القنوات أرسلت إليهم الملوك بالزبرجد والياقوت والذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر، كل ملك قد عمل ما كان في معدنه، فمنهم من بعث بالعمد مفروغاً منها، ومنهم من بعث بالذهب والفضة مفروغاً منها مصنوعاً، فدفعوه إلى أولئك القهارمة والوزراء، فأقاموا فيها حتى فرغوا من بنائها وهي على تلك العمد، وهي قصور وفوق القصور غرف ومن فوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة والزبرجد والياقوت، وأقاموا في بنائها إلى أن فرغوا منها ثلثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة، قال كعب: فلما أخبروه بفراغهم منها قال: انطلقوا فاجعلوا عليها حصناً واجعلوا حول الحصن ألف قصر يكون في كل قصر وزير من وزرائي وألف ناطور، قال: فخرجوا فعملوا تلك الحصون والقصور ثم أخبروه بالفراغ مما أمرهم به، قال: فأمر ألف وزير من خاصته أن يتهيئوا للنقلة إلى إرم ذات العماد، وأمر لتلك الأعلام برجال يسكنونها وأمر لهم بالعطاء والأرزاق والجهاز إلى تلك القصور، فأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين، فسار الملك فيمن أراد وخلف من قومه في عدن أبين والشحر أكثر ممن سار، فلما صار منها على مقربة من يوم وليلة بعث الله تعالى العظيم عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكهم جميعاً ولم يبق منهم أحد، ولم يدخل ذات العماد منهم أحد، ولم يقدر على دخولها أحد منهم حتى الساعة، فهذه صفة ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك هذا ويرى ما فيها ويحدث بذلك فلا يصدق، قال له معاوية ﵁: يا أبا إسحاق هل تصفه لنا؟ قال: نعم، رجل أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال، يخرج ذلك الرجل في طلب إبل له في تلك الصحارى فيقع على ذات العماد، فيدخلها ويحمل مما فيها والرجل جالس عندك، فالتفت كعب فرأى الرجل فقال: هذا ذلك الرجل قد دخلها فسله عما حدثتك به، فقال معاوية ﵁: يا أبا إسحاق إن هذا من خدمي، قال: فقد دخلها وإلا فسيدخلها أو يدخلها أهل هذا الدين في آخر الزمان، فقال معاوية ﵁: لقد فضلك الله يا أبا إسحاق على غيرك من العلماء، ولقد أعطيت من علم الأولين، والآخرين ما لم يعط أحد، فقال كعب: والذي نفس كعب بيده ما خلق الله شيئاً إلا وقد فسره في التوراة لعبده موسى وكفى بالله وكيلاً. أربونة (١) مدينة هي آخر ما كان بأيدي المسلمين من مدن الأندلس وثغورها مما يلي بلاد الإفرنجية، وقد خرجت عن أيدي المسلمين سنة ثلاثين وستمائة مع غيرها مما كان في أيديهم من المدن والحصون. الأربس (٢) مدينة بينها وبين قيروان إفريقية مسيرة ثلاثة أيام وبينها وبين باجة مرحلتان، وهي في وطاء من الأرض، بوسطها عين جارية لا تجف منها شرب أهلها وماؤها صحيح، وبها معدن حديد ولا شجر بها إنما هي مزارع الحنطة والشعير ويدخر منها الكثير، وهي مدينة مسورة ولها ربض كبير وبأرضها يكون أطيب الزعفران، وتعرف ببلد العنبر، وإليها سار إبراهيم بن الأغلب حين خرج من القيروان، وفي سنة ست وتسعين ومائتين زحف إليها أبو عبد الله الشيعي فنازلها وبها جمهور أجناد إفريقية مع إبراهيم ففر عنها إبراهيم في جماعة من القواد والجند إلى طرابلس، ودخلها الشيعي أبو عبد الله عنوة، ولجأ أهلها ومن بقي فيها من الجند إلى جامعها وقيل إنه قتل بداخل المسجد ثلاثون ألفاً وذلك من وقت صلاة العصر إلى آخر الليل، فكانت ولاية بني الأغلب بإفريقية مائة سنة وإحدى عشرة سنة، ومدينة الأربس في وطاء من
следующие страницы →