التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾
الثانية عشرة: جده ﷺ في هذا الأمر بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: «لا أغني عنك من الله شيئا» ، حتى قال: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا» . فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس، تبين له التوحيد وغربة الدين.
باب قول الله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾
هذا شروع في براهين التوحيد وأدلته، فالتوحيد لله من البراهين النقلية والعقلية ما ليس لغيره.
فتقدم أن التوحيدين: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات من كبر براهينه وأضخمها، فالمتفرد بالخلق والتدبير، والمتوحد في الكمال المطلق من جميع الوجوه هو الذي لا يستحق العبادة سواه.
وكذلك من براهين التوحيد معرفة أوصاف المخلوقين ومن عبد مع الله، فإن جميع ما يعبد من دون الله من ملك وبشر ومن شجر وحجر وغيرها كلهم فقراء إلى الله، عاجزون ليس بيدهم من النفع مثقال ذرة، ولا يخلقون شيئا وهم يخلقون، ولا يملكون ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، والله تعالى هو الخالق لكل مخلوق، وهو الرازق لكل مرزوق، المدبر للأمور كلها، الضار النافع، المعطي المانع، الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، وله يقصد ويصمد ويخضع كل شيء.
فأي برهان أعظم من هذا البرهان: الذي أعاده الله وأبداه في مواضع كثيرة من كتابه وعلى لسان رسوله، فهو دليل عقلي فطري كما أنه دليل سمعي نقلي على وجوب توحيد الله وأنه الحق، وعلى بطلان الشرك.
وإذا كان أشرف الخلق على الإطلاق لا يملك نفع أقرب الخلق إليه وأمسهم به رحما فكيف بغيره؟ فتبا لمن أشرك بالله وساوى به أحدا من المخلوقين، لقد سلب عقله بعد ما سلب دينه.
فنعوت الباري تعالى وصفات عظمته وتوحده في الكمال المطلق اكبر برهان على أنه لا يستحق العبادة إلا هو.
وكذلك صفات المخلوقات كنها، وما هي عليه من النقص والحاجة والفقر إلى ربها في كل شؤونها، وأنه ليس لها من الكمال، إلا ما أعطاها ربها من أعظم البراهين على بطلان إلهية شيء منها.
فمن عرف الله وعرف الخلق اضطرته هذه المعرفة إلى عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له والثناء عليه، وحمده وشكره بلسانه وقلبه وأركانه وانصرف تعلقه بالمخلوقين خوفا ورجاء وطمعا، والله أعلم.
стр. 72
[باب قول الله تعالى حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ]
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق
стр. 73
السمع هكذا بعضه فوق بعض- وصفه سفيان بن عيينة بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه. فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» .
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر، وتكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة، - أو قال: رعدة- شديدة خوفا من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبربل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله » .
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصا ما تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.
стр. 74
الخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: (قال كذا وكذا) .
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم لأنهم يسألونه.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب.
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
الثامنة عشرة: قبول النفوس الباطل كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة.
التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها.
العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة.
стр. 75
الحادية والعشرون: التصريح أن تلك الرجفة والغشي خوف من الله .
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا.
باب قول الله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾
وهذا أيضا برهان عظيم آخر على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وهو ذكر النصوص الدالة على كبرياء الرب وعظمته التي تتضاءل وتضمحل عندها عظمة المخلوقات العظيمة، وتخضع له الملائكة والعالم العلوي والسفلي ولا تثبت أفئدتهم عندما يسمعون كلامه أو تتبدى لهم بعض عظمته ومجده، فالمخلوقات بأسرها خاضعة لجلاله، معترفة بعظمته ومجده، خاضعة له خائفة منه، فمن كان هذا شأنه فهو الرب الذي لا يستحق العبادة والحمد والثناء والشكر والتعظيم والتأله إلا هو، ومن سواه ليس له من هذا الحق شيء. فكما أن الكمال المطلق والكبرياء والعظمة ونعوت الجلال والجمال المطلق كلها لله لا يمكن أن يتصف بها غيره، فكذلك العبودية الظاهرة والباطنة كلها حقه تعالى الخاص الذي لا يشاركه فيه مشارك بوجه.
قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونا لله ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ : أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده- لا يبدأ بالشفاعة أولا- ثم يقال له: " ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع ".
«وقال أبو هريرة له ﷺ : من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» . فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا
стр. 79
لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
فيها مسائل: الأولى: تفسير الآيات.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود.
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة بل يسجد، فإذا أذن له شفع.
السادسة: من أسعد الناس بها.
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة: بيان حقيقتها.
باب الشفاعة إنما ذكر المصنف الشفاعة في تضاعيف هذه الأبواب، لأن المشركين يبررون شركهم ودعاءهم للملائكة والأنبياء والأولياء بقولهم: نحن ندعوهم مع علمنا أنهم مخلوقون مملوكون، ولكن حيث إن لهم عند الله جاها عظيما ومقامات عالية، ندعوهم ليقربونا إلى الله زلفى وليشفعوا لنا عنده، كما يتقرب إلى الوجهاء عند الملوك والسلاطين، ليجعلوهم وسائط لقضاء حاجاتهم وإدراك مآربهم.
وهذا من أبطل الباطل، وهو تشبيه الله العظيم ملك الملوك الذي يخافه كل أحد وتخضع له المخلوقات بأسرها بالملوك الفقراء المحتاجين للوجهاء والوزراء في تكميل ملكهم ونفوذ قوتهم.
فأبطل الله هذا الزعم وبين أن الشفاعة كلها له، كما أن الملك كله له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، ولا يرضى إلا توحيده وإخلاص العمل له.
فبين أن المشرك ليس له حظ ولا نصيب من الشفاعة.
وبين أن الشفاعة المثبتة التي تقع بإذنه إنما هي الشفاعة لأهل الإخلاص خاصة وأنها كلها منه، رحمة منه وكرامة للشافع، ورحمة منه وعفوا عن المشفوع له، وأنه هو المحمود عليها في الحقيقة، وهو الذي أذن لمحمد ﷺ فيها وأناله المقام المحمود.
فهذا ما دل عليه الكتاب والسنة في تفصيل القول في الشفاعة.
وقد ذكر المصنف ﵀ كلام الشيخ تقي الدين في هذا الموضع وهو كاف شاف.
فالمقصود في هذا الباب ذكر النصوص الدالة على إبطال كل وسيلة وسبب يتعلق به المشركون بآلهتهم، وأنه ليس لها من الملك شيء، لا استقلالا ولا مشاركة ولا معاونة ولا مظاهرة، ولا من الشفاعة شيء.
وإنما ذلك كله لله وحده، فتعين أن يكون المعبود وحده.
стр. 80
[باب قول الله تعالى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ]
ُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل. فقال له: " يا عم: قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله "، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا، فكان آخر ما
стр. 81
قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» ، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾
وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
فيه مسائل: الأولى: تفسير: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
الثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾
الثالثة: - وهي المسألة الكبيرة-: تفسير قوله: " قل لا إله إلا الله ". بخلاف ما عليه من يدعي العلم.
الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذ قال للرجل: " قل لا إله إلا الله " فقبح الله مَن أبو جهل أعلم
стр. 82
منه بأصل الإسلام.
الخامسة: جده ﷺ ومبالغته في إسلام عمه.
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
السابعة: كونه ﷺ استغفر له فلم يغفر له بل نهي عن ذلك.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
العاشرة: استدلال الجاهلية بذلك.
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم لأنه لو قالها لنفعته.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها مع مبالغته ﷺ وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها.
باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
وهذا الباب أيضا نظير الباب الذي قبله، وذلك أنه إذا كان ﷺ وهو أفضل الخلق على الإطلاق وأعظمهم عند الله جاها وأقربهم إليه وسيلة، لا يقدر على هداية من أحب هداية التوفيق وإنما الهداية كلها بيد الله، فهو الذي تفرد بهداية القلوب كما تفرد بخلق المخلوقات فتبين أنه الإله الحق.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
فالمراد بالهداية هنا: هداية البيان. وهو ﷺ المبلغ عن الله وحيه الذي اهتدى به الخلق.
стр. 83
[باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين]
وقول الله- ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾
стр. 84
وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قال: " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذ هلك أولئك ونسي العلم، عبدت ".
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت
стр. 85
النصارى ابن مريم إنما أنا عبد.
فقولوا: عبد الله ورسوله» . أخرجاه.
وقال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» .
ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا.
فيه مسائل: الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه كان بشبهة الصالحين.
الثالثة: أول شيء غير به دين الأنبياء وما سبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم.
الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل.
فالأول: محبة الصالحين.
стр. 86
والثاني: فعل أناس من أهل العلم والدين شيئا أرادوا به خيرا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد.
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن بعض السلف أن البدع سبب الكفر. " وأنها أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها ".
التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه.
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.
стр. 87
الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها.
الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
الرابعة عشرة: - وهي أعجب العجب- قراءتهم [أي أهل البدع] إياها في كتب التفسير والحديث ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال.
الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» . فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
стр. 88
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده.
العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء.
باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين والغلو هو مجاوزة الحد بأن يجعل للصالحين من حقوق الله الخاصة به شيء، فإن حق الله الذي لا يشاركه فيه مشارك هو الكمال المطلق والغنى المطلق والتصرف المطلق، من جميع الوجوه، وأنه لا يستحق العبادة والتأله أحد سواه.
فمن غلا بأحد المخلوقين حتى جعل له نصيبا من هذه الأشياء فقد ساوى به رب العالمين، وذلك أعظم الشرك.
* واعلم أن الحقوق ثلاثة:
حق خاص لله لا يشاركه فيه مشارك وهو التأله له وعبادته وحده لا شريك له، والرغبة والإنابة إليه حبا وخوفا ورجاء.
وحق خاص للرسل وهو توقيرهم وتبجيلهم والقيام بحقوقهم الخاصة.
وحق مشترك وهو الإيمان بالله ورسله وطاعة الله ورسله ومحبة الله ومحبة رسله، ولكن هذه لله أصلا وللرسل تبعا لحق الله.
فأهل الحق يعرفون الفرقان بين هذه الحقوق الثلاثة، فيقومون بعبودية الله وإخلاص الدين له، ويقومون بحق رسله وأوليائه على اختلاف منازلهم ومراتبهم. والله أعلم (١)
стр. 89
[باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده]
باب
ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده في الصحيح عن عائشة أن أم سلمة «ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح- أو العبد الصالح- بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» . فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل.
ولهما عنها قالت: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. أخرجاه.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر
стр. 90
خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» .
فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن- وهو في السياق- من فعله. والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجدا. فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول- قبره مسجدا وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» .
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» . ورواه أبو حاتم في صحيحه.
فيه مسائل: الأولى: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح ولو صحت نية الفاعل.
الثانية: النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك.
الثالثة: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك. كيف بين لهم هذا
стр. 91
أولا، ثم قبل موته ﷺ قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره.
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مسجدا، وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
الثانية عشرة: ما بلي به ﷺ من شدة النزع.
стр. 92
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
* * *
[باب ما جاء في أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله]
باب
ما جاء في أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله روى مالك في الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
стр. 93
ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾
قال: كان يلت لهم السويق، فمات فعكفوا على قبره.
وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت لهم السويق للحاج.
стр. 94
وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» . رواه أهل السنن.
стр. 95
فيه مسائل: الأولى: تفسير الأوثان.
الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: - وهي من أهمها- صفة معرفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر وذكر معنى التسمية.
التاسعة: لعنة زوارات القبور.
العاشرة: لعنة من أسرجها.
باب
ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله ما ذكر المصنف في البابين يتضح بذكر تفصيل القول فيما يفعل عند قبور الصالحين وغيرهم.
وذلك أن ما يفعل عندها نوعان: مشروع وممنوع.
أما المشروع فهو ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي من غير شد رحل، يزورها المسلم متبعا للسنة فيدعو لأهلها عموما ولأقاربه ومعارفه خصوصا فيكون محسنا إليهم بالدعاء لهم وطلب العفو والمغفرة والرحمة لهم، ومحسنا إلى نفسه باتباع السنة وتذكر الآخرة والاعتبار بها والاتعاظ.
وأما الممنوع فإنه نوعان:
أحدهما: محزم ووسيلة للشرك كالتمسح بها والتوسل إلى الله بأهلها، والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها، والغلو فيها وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة.
والنوع الثاني: شرك أكبر كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شرك أكبر، وهو عين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم.
ولا فرق في هذا بين أن يعتقد الفاعل لذلك أنهم مستقلون في تحصيل مطالبه، أو متوسطون إلى الله، فإن المشركين يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ﴾
فمن زعم أنه لا يكفر من دعا أهل القبور حتى يعتقد أنهم مستقلون بالنفع ودفع الضرر، وأن من اعتقد أن الله هو الفاعل وأنهم وسائط بين الله وبين من دعاهم واستغاث بهم يكفر.
من زعم ذلك فقد كذب ما جاء به الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة من أن من دعا غير الله فهو مشرك كافر في الحالين المذكورين سواء اعتقدهم مستقلين أو متوسطين.
وهذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام. فعليك بهذا التفصيل الذي يحصل به الفرقان في هذا الباب المهم الذي حصل به من الاضطراب والفتنة ما حصل، ولم ينج من فتنته إلا من عرف الحق واتبعه.
стр. 96
[باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك]
باب
ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم» .
رواه أبو داود بإسناد حسن. ورواته ثقات.
стр. 97
وعن علي بن الحسين ﵁: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال، ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم
стр. 98
قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم» . رواه في المختارة.
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية براءة.
الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، ومع أن زيارته من أفضل الأعمال.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
السابعة: لأنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
الثامنة: تعليل ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة: كونه ﷺ البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.
باب
ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك من تأمل نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب رأى نصوصا كثيرة تحث على القيام بكل ما يقوي التوحيد وينميه ويغذيه، من الحث على الإنابة إلى الله وانحصاره في تعلق القلب بالله رغبة ورهبة، وقوة الطمع في فضله وإحسانه والسعي لتحصيل ذلك، وإلى التحرر من رق المخلوقين وعدم التعلق بهم بوجه من الوجوه، أو الغلو في أحد منهم، والقيام التام بالأعمال الظاهرة والباطنة وتكميلها وخصوصا حث النصوص على روح العبودية وهو الإخلاص التام لله وحده.
ثم في مقابلة ذلك نهى عن أقوال وأفعال فيها الغلو بالمخلوقين، ونهى عن التشبه بالمشركين لأنه يدعو إلى الميل إليهم.
ونهى عن أقوال وأفعال يخشى أن يتوصل بها إلى الشرك كل ذلك حماية للتوحيد.
ونهى عن كل سبب يوصل إلى الشرك، وذلك رحمة بالمؤمنين ليتحققوا بالقيام بما خلقوا له من عبودية الله الظاهرة والباطنة وتكميلها، لتكمل لهم السعادة والفلاح.
وشواهد هذه الأمور كثيرة معروفة.
стр. 99
[باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان]
وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾
стр. 100
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾
عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ". قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟!» . أخرجاه.
ولمسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم،
стр. 101
ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا» .
ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎» .
وفيه مسائل: الأولى: تفسير آية النساء.
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: - وهي أهمها-: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع؟ هل هو اعتقاد قلب؟ أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ .
الخامسة: قولهم: أن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى
стр. 102
سبيلا من المؤمنين.
السادسة: - وهي المقصودة بالترجمة - أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد في جموع كثيرة.
السابعة: التصريح بوقوعها: أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق وفيه أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح، وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة وتبعه فئام كثيرة.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما ومضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى: أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة:
منها إخباره بالله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر
стр. 103
بمعنى ذلك فوقع كما أخبر بخلاف الجنوب والشمال.
وإخباره بأنه أعطي الكنزين.
وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين.
وإخباره بأنه منع الثالثة.
وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع.
وإخباره بإهلاك بعضهم بعضا، وسبي بعضهم بعضا، وخوفه على أمته من الأئمة المضلين.
وإخباره بظهور المتنبنين في هذه الأمة.
وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة. وكل هذا وقع كما أخبر مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون في العقول.
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان مقصود هذه الترجمة الحذر من الشرك والخوف منه، وأنه أمر واقع في هذه الأمة لا محالة، والرد على من زعم أن من قال: لا أنه إلا الله، وتسمى بالإسلام أنه يبقى على إسلامه ولو فعل ما ينافيه من الاستغاثة بأهل القبور ودعائهم، وسمى ذلك توسلا لا عبادة فإن هذا باطل.
فإن الوثن اسم جامع لكل ما عبد من دون الله لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين في هذا الموضع- وهو العبادة- فإنها حق الله وحده، فمن دعا غير الله أو عبده فقد اتخذه وثنا وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام، فكم انتسب إلى الإسلام من مشرك وملحد وكافر، منافق. والعبرة بروح الدين وحقيقته لا بمجرد الأسامي والألفاظ التي لا حقيقة لها.
стр. 104
[باب ما جاء في السحر]
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾
قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وقال جابر: " الطواغيت كهان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد ".
وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات " قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
وعن جندب مرفوعا: «حد الساحر ضربه بالسيف» . رواه الترمذي. وقال: الصحيح أنه موقوف.
وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة،
стр. 105
قال: فقتلنا ثلاث سواحر.
وصح عن حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت. وكذلك صح عن جندب، قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ .
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية النساء.
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن وقد يكون من الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف بعده؟ .
стр. 106
[باب بيان شيء من أنواع السحر]
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن حيان بن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ قال: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» .
стр. 107
قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض. والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد.
ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه المسند منه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» . رواه أبو داود وإسناده صحيح.
وللنسائي من حديث أبي هريرة: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه» .
وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «ألا هل أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة، القالة بين الناس» . رواه مسلم.
стр. 108
ولهما عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من البيان لسحرا» .
فيه مسائل: الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت.
الثانية: تفسير العيافة والطرق.
الثالثة: أن علم النجوم نوع من أنواع السحر.
الرابعة: أن العقد مع النفث من ذلك.
الخامسة: أن النميمة من ذلك.
السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.
باب السحر
وباب شيء من أنواع السحر وجه إدخال السحر في أبواب التوحيد أن كثيرا من أقسامه لا يتأتى إلا بالشرك والتوسل بالأرواح الشيطانية، إلى مقاصد الساحر فلا يتم للعبد توحيد حتى يدع السحر كله قليله وكثيره.
ولهذا قرنه الشارع بالشرك، فالسحر يدخل في الشرك من جهتين:
من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلق بهم وربما تقرب إليهم بما يحبون ليقوموا بخدمته ومطلوبه.
ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في علمه وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك، وذلك من شعب الشرك والكفر.
وفيه أيضا من التصرفات المحرمة والأفعال القبيحة كالقمل والتفريق بين المتحابين والصرف والعطف والسعي في تغيير العقول، وهذا من أفظع المحرمات، وذلك من الشرك ووسائله ولذلك تعين قتل الساحر لشدة مضرته وإفساده.
ومن أنواعه الواقعة في كثير من الناس النميمة، لمشاركتها للسحر في التفريق بين الناس، وتغيير قلوب المتحابين وتلقيح الشرور.
فالسحر أنواع ودركات بعضها أقبح وأسفل من بعض.
стр. 109
[باب ما جاء في الكهان ونحوهم]
روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما» .
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنا
стр. 110
فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » رواه أبو داود.
وللأربعة والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، عن أبي هريرة ﵁: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » . ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا.
وعن عمران بن حصين مرفوعا: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » . رواه البزار بإسناد جيد.
ورواه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله " ومن أتى " إلى آخره.
قال البغوي: العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك.
وقيل: هو الكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.
وقيل: الذي يخبر عما في الضمير.
وقال أبو العباس ابن تميمة: العراف اسم للكاهن