Полный текст (1 372 стр.). Показаны 1366–1372 · переход к 1371.
стр. 1366
وعنه أيضًا: هو الذي يحكمُ ما يريدُ، ويفعلُ ما يشاءُ؛ لا مُعَقِّبَ لحكمِهِ
ولا رادَّ لقضائِهِ.
فقد تَضَمَّنَتْ هذه السورةُْ العظيمةُ إثباتَ صفاتِ الكمالِ، ونفيَ النقائصِ
والعيوب مِنْ خصائصِ المخلوقينَ مِنْ التولدِ والمماثلةِ.
وإذا كانَ منزَّهًا عنْ أنْ يخرجَ منهُ مادةُ الولدِ الَّتي هي أشرفُ الموادِ فَلأنْ نُزِّهَ
عَنْ خروج مادةِ غَيرِ الولدِ أوْلَى.
وكذلكَ تنزيهُهُ نفسَهُ عَنْ أنْ يُولَدَ فلا يكونُ مِنْ مثلِهِ تنزيهٌ لهُ عنْ أنْ يكونَ
مِنْ سائرِ الموادِ بطريقِ الأوْلَى.
فمنْ أثبتَ للَّهِ ولدًا فقدْ شَتَمهُ وقدْ ثبتَ في "صحيح البخاريّ " عنْ أبي
هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "يقولُ اللَهُ كذبني ابنُ آدمَ ولم يكنْ له ذلكَ، وشَتَمني ولم يكنْ لهُ ذلكَ، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقولُه: لن يُعيدَني كما بدأني وليسَ أولُ الخلق بأهَونَ علي من إعادته، وأمَّا شَتمُهُ إيايَ فقوله: اتَخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ.
لم أَلِدْ ولم أُولَدْ ولم يكن لي كُفوًا أحد".
وفي "صحيح البخاري " أيضًا عن ابنِ عبَّاسٍ عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "قالَ اللَّهُ : كذبني ابنُ آدمَ وَلَم يكنْ له ذلكَ، وشتمني ولم يكنْ لَه ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فزعَم أتي لا أقدِرُ أن أعيدَهُ كما كان، وأمَّا شتمهُ إيايَ فقوله: لي ولد، فسُبحاني أن أتَّخذَ صاحبة أو وَلدًا!.
وقد ردَّ اللَّهُ علَى منْ زعمَ أنَّه لا يعيدُ الخلقَ، وعلَى منْ زعمَ أنَّ لهُ ولدًا
стр. 1367
كما تَضَمَّنهُ هذا الحديثُ في قولهِ: (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوفَ أُخْرَجُ حَيًّا) ، إلى قوله: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) .
وفي "صحيح البخاريَ " أيضًا عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"لا أحَدَ أصبرُ على أذىً سمعهُ مِنَ اللَّه، إنَهُم يجعلونَ لهُ ولَدًا وهو يرزقُهُم ويُعافِيهم ".
فهذه السورةُ الكريمةُ تَضَمَّنتْ نَفْيَ مَا هوَ من خصائصِ آلهةِ المشركين عنْ
رب العالمينَ؛ حيثُ جاءَ في سببِ النزول أنَّهُم سالُوا النبيَّ ﷺ عنْ ربِّه منْ أيّ شيءٍ هوَ؟ أمِنْ كذا، أم من كَذَا؟ أو ممَن وَرِثَ الدنيا؛ ولمن يُوَرَثُها؛ حيثُ كانوا قد اعتادُوا آلهةً يلدونَ، ويولدونَ، ويرِثُون ويُوَرّثونَ، وآلهةً من مواد مصنوعةٍ منها، فأنزل اللَهُ هذه السورةَ.
وفي "المسندِ" من حديثِ أبيِّ بنِ كعبٍ بعدَ ذكرِ نزولهِا: لأنَّه ليسَ أحدٌ
يولدُ لا يموتُ ولا أحدٌ يرِثُ إلا يُورَث، يقولُ: كل مَنْ عُبِدَ منْ دونِ اللَّهِ وقدْ وُلد مثلُ المسيح والعزيرِ وغيرِهما من الصالحينَ، ومثلُ الفراعنةِ المدعين
الإلهية، فهذا مولودٌ يموت وهو وإنْ كانَ قد ورثَ من غيرِه ما هو فيه فإذا
ماتَ وَرِثَهُ غيرُه واللَّه سبحانه حيٌّ لا يموتُ ولا يُورَثُ ، واللَّهُ
أعلمُ.
سؤالٌ: نفى سبحانهُ الولادةَ قبلَ نفي التولدِ، والتولد أسبقُ وقوعًا من
الولادِ في حقِّ مَنْ هو متولدٌ؟
وجوابه: أنَّ الولادةَ لم يَدَّعها أحد في حقِّه سبحانه وإنَّما ادّعَوا أنَّه وَلَدَ.
فلذلكَ قَدَّم نفيَه لأنَّه المهمُّ المحتاجُ إلى نَفْيِهِ.
стр. 1368
سؤالٌ آخرُ: كيفَ نَفَى أنْ يكونَ مولودًا ولم يعتقدْه أحَد؟
جوابُهُ: مِنْ وجهينِ، أحدُهُما: أَنَّهم سألوا عَمن وَرِثَ الدنيا ولِمنَ يورِّثُها.
وهذا يُشعرُ بأن منهُم منْ اعتقدَ ذلكَ.
والثاني: أنه نفى عَنْ نفسِهِ سبحانه خصائصَ آلهةِ المشركينَ فإنَّ منْهمُ مَنْ
عبدَ المسيحَ، ومنْهُم منْ عبَدَ العزيرَ وهُمَا مولودانِ، ومنْهُم مَنْ عبدَ الملائكةَ
والعجلَ وهيَ متولدات، وقد تقدَّم أن نفيَ الولادةِ تدلُّ علَى نفي المتولدِ بطريقِ الأَوْلى.
فائدةٌ: قالَ ابنُ عطيةَ: (كفُوًا) خبرُ كانَ، واسمُهَا (أَحَدٌ) ، والظرفُ
مَلغي، وسيبويه يستحسن أنْ يكونَ الظرفُ إذا تقدَّم خبرًا.
ولكنْ قَدْ يجيءُ مُلْغى فى أماكنَ يقتَضِيَها المعنى كهذِهِ الآيةِ، وكقولِ
الشاعرِ أنشدَهُ سيبويه:
ما دامَ فيهنَّ فَصِيلٌ حيًّا
ويُحتملُ أن يكونَ: (كفوًا) حالاً لما قُدِّمَ مِنْ كونِهِ وصفًا للنكرةِ كَمَا قالَ
كثير لعزَّةَ:
لميةَ موحِشًا طَلَلُ
قالَ سيبويه: وهذا نَقْل في الكلامِ وبابُهُ الشِّعرُ.
فهذه السورةُ تتضمنُ انفرادَهُ ووحدانيتَهُ، وائه منقطعُ النظيرِ، وأنَّهُ إنما نُزِّهَ
عن أنْ يكونَ من أجناسِ المخلوقاتِ، لأنَّ أفرادَ كُل جنسٍ مِنْ هذهِ الأجناسِ
متكافئة مماثلة، فالذهبُ يكافئُ الذهبَ، والإنسانُ يكافئُ الإنسانَ ويزاوجُهُ.
ولهذا قالَ تعالَى: (وَمِن كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) ، فمَا مِنْ مخلوقٍ
стр. 1369
إلا وله كفؤ، هو زوجُهُ، ونظيرُهُ، وعدلُهُ، ومثيلُهُ، فلوْ كانَ الحقُّ مِنْ جنسِ
شيءٍ منْ هذهِ الأجناسِ لكانَ له كفوٌ وعدلٌ، وقدْ عُلِمَ انتفاؤُهُ بالشرع
والعقلِ.
فهذه السورةُ هِيَ نسبُ الرحمنِ وصفتُه، وهيَ التي أنزلَهَا اللَهُ في نفي مَا
أضافَ إليه المبطلونَ من تمثيل، وتجسيم، وإثباتِ أصل وفرع، فدخَلَ فيها ما
يقولُه مَنْ يقولُ من المشركينَ، والصابئةِ، وأهلِ الكتابِ، ومن دخلَ فيهم من منافِقِي هذهِ الأمةِ من تولدِ الملائكةِ أوِ العقولِ، أوِ النفوسِ، أوِ بعضِ الأنبياءِ، أو غيرِ الأنبياءِ.
ودخلَ فيها ما يقولُه مَنْ يقولُ من المشركينَ وأهلِ الكتابِ من تولدِهِ عن
غيرِه كالذينَ قالُوا في المسيح: إنَّه اللَهُ، والذينَ يقولونَ في الدجالِ: إنَهُ اللَّهُ، والذين يقولون ذلك في عليٍّ وغيرِه.
ودخلَ ما يقولُه من يقولُ من المشركينَ وأهلِ الكتابِ من إثباتِ كفوٍ له في
شيءٍ من الأشياءِ، مثل من يجعلُ له بتشبيهِهِ، أو بِتَجْسيمِهِ، كفوًا له أو يجعلُ
لَهُ بعبادةِ غيرِه كُفؤا، أو يجعلُ لَهُ بإضافةِ بعضِ خلقِهِ إلى غيرِه كُفوًا فلا كفوَ
لهُ في شيءٍ من صفاتِهِ، ولا في ربوبيتِهِ ولا في إلاهيته.
فتضمنتْ هذه السورةُ تنزيهُهُ، وتقديسُهُ، عَنِ الأصولِ والفروع، والنظراءِ.
والأمثالِ.
وليسَ في المخلوقاتِ شيءٌ ألا ولا بدَّ أنْ يُنسبَ إلى بعضِ هذه الأعيانِ
والمعانِي، فالحيوانُ من الآدمي وغيرِه لا بدَّ أنْ يكونَ له إما والد، وإمًّا مولودٌ، وإمَّا نظيرٌ هو كفؤُه، وكذلك الجنُّ، والملائكةُ، كما قالَ تعالى:
стр. 1370
(وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ) .
قالَ بعضُ السلفِ: (لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ) فتعلمونَ أنَّ خالقَ الأزواج واحدٌ.
قالَ تعالَى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) ، قالَ مجاهد: كلّ شيءٍ خلَقهُ اللَّهُ فهو
شفع قالَ تعالَى: (وَمِن كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ) .
الكفرُ والإيمانُ، والهدى والضلالة، والشقاوةُ والسعادةُ، والليلُ والنهارُ.
والسماءُ والأرْضُ، والبر والبحر، والشمسُ والقمرُ، والجنّ والإنسُ، والوترُ اللَّهُ ﵎.
وهو الذي ذكرهُ البخاريُّ في "صحيحِهِ " فإته يعتمدُ قولَ مجاهدٍ لأنَّه أصَح
التفسيرِ، قالَ الثوريُّ: إذا جاءَكَ التفسيرُ عَنْ مُجاهدٍ فحسبُكَ به، واختارَهُ
الشيخُ مجدُ الدينِ ابنِ تيميةَ.
وحقيقةُ الكفؤ: هُوَ المُسَاوِي والمُقَاومُ، فلا كفوَ لَهُ تعالَى في ذاتِهِ، ولا في
صِفَاتِهِ، ولا في أسمائِهِ، ولا في أفعالِهِ، ولا في ربوبيتِه، ولا فِي إلاهيتهِ.
ولهذا كانَ الإيمانُ بالقدرِ نظامَ التوحيدِ، كَمَا قالَ ابنُ عبًّاسٍ، لأنَّ القدريةَ
جعلُوا له كُفُوًا في الخلقِ.
وأمَّا توحيدُ الإلَهيةِ فالشركُ فيهِ تارة يوجبُ الكفرَ والخروجَ مِنَ الملةِ.
والخلودَ في النارِ، ومنهُ مَا هُو أصغرُ كالحلفِ بغيرِ اللَّهِ والنذرِ لهُ، وخشيةِ غيرِ اللَّهِ ورجائِهِ والتوكلِ عليهِ والذلِّ لَهُ وقولِ القائلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشئْتَ.
ومنهُ ابتغاءُ الرزق مِنْ عندِ غيرِ اللَّه، وحَمْدُ غيره علَى ما أعْطَى، والغنيةُ
بذلكَ عَنْ حمدِهِ، ومنهُ العملُ لغيرِ اللَهِ وهو الرياءُ، وهوَ أقسام.
ولهذا حرَّم التَّشَبهَ بأفْعَالِهِ بالتصويرِ، وحرَّم التسمي بأسمَائِهِ المختصةِ به
стр. 1371
كاللَّهِ والرحمنِ والرَّبِّ.
وإنما يجوزُ التسميةُ بِهِ مُضَافًا إلى غَيرِ مَنْ يعقلُ، وكذلك الجبَّارُ والمتكبرُ
والقهارُ ونحوُ ذلكَ كالخلاقِ والرزَّاقِ والدائم، ومنه ملكُ الملوكِ، وقدْ جَعلَ
ابنُ عقيلٍ التسميةَ بهذا مكروهَةً.
قال ابنُ عقيلِ: كُل ما انفردَ بِهِ اللَهُ : "اللَّه " و"رحمنِ " و"خالقٍ " لا يجوزُ التَّسمي بِهِ، وكلَّما وُجِدَ معنَاهُ في الآدَمِي فإنْ كانَ يوجدُ تكبرًا، كالملكِ العظيم والأعظم، وملكِ الملوكِ والجبارِ فمكروهٌ، والصوابُ الجزمُ بتحريمِهِ.
فأمَّا مَا يتسمَّى بِهِ المخلوقونَ مِنْ أسمائِهِ كالسميع والبصيرِ والقديرِ والعليم
والرحيم، فإن الإضافةَ قاطعةُ الشركةَ، وكذلكَ الوصفيةُ، فقولنا: زيدٌ سميع
بصيرٌ لا يُفيدُ إلا صفةَ المخلوقِ وقولُنا: اللَّهُ سميع بصير يفيدُ صفتَهُ اللائقةَ
بِهِ، فانقطعتْ المشابهة بوجْهٍ من الوجوهِ، ولهذا قالَ تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ
سمِيًّا) .
وفيه قولان: أحدُهُما: نَفْيُ التسميةِ.
والثاني: نَفْىُ المساواةِ وقدْ نَفَى سبحانه عن نفسهِ المثلية بقولِهِ:
(لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، ونفى عنه العدلَ والتسويةَ بقولِهِ:
(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ، وقولِهِ: (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) . ونَفَى عنه النِّدَ بقولِهِ: (فَلا تَجْعَلُوا لِلًهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) .
وقولِهِ: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) .
стр. 1372
وفي الحديثِ: أيُّ الذّنبِ أعظمُ؟
قالَ: "أن تَجعل للهِ ندًّا وَهُوَ خلقكَ ".
وقالَ للذي قالَ لهُ: ما شاءَ اللَّه وشئتَ: "أجعلتني للَّه ندًّا؟ ".
وفي رواية: "أَجعلتني للَّه عدلاً".
وقالَ كعب: السماواتُ السبعُ، والأرضونَ السبعُ، أُسسَت عَلَى هذه
السورةِ (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) .
ومعنى هذا - واللَّهُ أعلمُ - أن السماواتِ، والأرضَ، إنما خلقتْ بالحقِ.
والعدلِ، والتوحيدِ؛ كمَا قالَ: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) .
ومِنْ شعرِ أميةَ بنِ أبي الصلتِ:
وسبحانَ ربيِّ خالقِ النورِ لم يَلد. . . ولم يكُ مُولُودًا بذلكَ أشهَد
وسبحانَهُ مِنْ كُلِّ إفكٍ وباطلٍ. . . وكيفَ يلدْ ذو العرشِ أمْ كيفَ يُولَد
هو اللَّهُ بارِئُ الخلقِ والخلقُ كُلُّهم. . . إِمَاءٌ لَهُ طَوْعًا جميعًا وأَعْبَد
هو الصمدُ اللَهُ الذي لَمْ يكنْ لَهُ. . . مِنَ الخلقِ كفوٌ قَدْ يُضَاهِيه مخلد
وأنَّى يكونُ الخلقُ كالخالقِ الَّذي. . . يدومُ ويَبْقَى والخليقة تَنْفَد
وليسَ بمخلوق على الدَّهْرِ جده. . . ومَنْ ذا عَلَى مَرِّ الحوادثِ يَخْلُد
وَتفْنَى ولا يبْقَى سِوى القاهرِ الَّذي. . . يُميتُ ويُحيي دائِبًا ليس يَمْهَد.
* * *
آخرُه والحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ.