← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٤٦ - باب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ فَيَقعُ فِى أَشَدَّ مِنْهُ / ٦٢ - فيه: عَائِشَةُ، قَالَ ﷺ : تمت لَوْلا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ منه، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ - فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. قال المهلب: فيه أنه قد يترك شيئًا من الأمر بالمعروف إذا خشى منه أن يكون سببًا لفتنة قوم ينكرونه ويسرعون إلى خلافه واستبشاعه. وفيه: أن النفوس تحب أن تساس بما تأنس إليه فى دين الله من غير الفرائض، بأن يترك ويرفع عن الناس ما ينكرون منها. قال أبو الزناد: إنما خشى أن تنكره قلوب الناس لقرب عهدهم بالكفر، ويظنون أنما يفعل ذلك لينفرد بالفخر دونهم. وقد روى أن قريشًا حين بنت البيت فى الجاهلية تنازعت فى من يجعل الحجر الأسود فى موضعه، فحكموا أول رجل يطلع عليهم، فطلع النبى ﷺ فرأى أن يجعل الحجر فى ثوب، وأمر كل قبيلة تأخذ بطرف الثوب، فرضوا بذلك، ولم يروا أن ينفرد بذلك واحد منهم خشية أن ينفرد بالفخر. فلما ارتفعت الشبهة فعل ابن الزبير فيه ما فعل، فجاء الحجاج فَرَدَّهُ كما كان، فتركه من بعده خشية أن يتلاعب الناس بالبيت، ويكثر هدمه وبنيانه.

стр. 177

وقد استدل أبو محمد الأصيلى من هذا الحديث فى مسألة من النكاح، وذلك أن جارية يتيمة غنية كان لها ابن عم، وكان فيه ميل إلى الصبا فخطب ابنة عمه وخطبها رجل غنى، فمال إليه الوصى وكانت اليتيمة تحب ابن عمها ويحبها، فأبى وصيها أن يزوجها منه ورفع ذلك إلى القاضى وشاور فقهاء وقته فكلهم أفتى أن لا تزوج من ابن عمها، وأفتى الأصيلى أن تزوج منه، خشية أن يقعا فى المكروه، استدلالا بهذا الحديث، فزوجت منه. ٤٧ - باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهَةَ أَلا يَفْهَمُوا / ٦٣ - وَقَالَ عَلِىٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. / ٦٤ - فيه: أَنَسُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ - قَالَ لِمُعَاذِ - وهو رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، فَقَالَ: تمت يَا مُعَاذَ -، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثَلاثًا، قَالَ: تمت مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ -، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُون؟ قَالَ: تمت إِذًا يَتَّكِلُوا -. وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.

стр. 178

(١) / ٦٥ - وفيه: أَنَسَ، قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لِمُعَاذِ: تمت مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ -، قَالَ: أَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ تمت لا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا -. قال المهلب: فيه أنه يجب أن يُخَصَّ بالعلم قوم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لقصير فهمه، كما فعل ﷺ ، وقد قال مالك بن أنس: تمت من إذالة العالم أن يجيب كل من سأله -، وإنما أراد ألا يوضع العلم إلا عند من يستحقه ويفهمه. وفيه: أن من عِلَمَ علمًا - والناس على غيره من أخذٍ بشدة، أو ميلٍ إلى رخصة - كان عليه أن يودعه مستأهله ومن يظن أنه يضبطه كما فعل معاذ حين حدث به بعد أن نهاه النبى ﷺ عن أن يخبر به خوف الاتكال، فأخبر به عند موته خشية أن يدركه الإثم فى كتمانه. ومعنى قوله: تمت حرمه الله على النار - أى حرمه الله على الخلود فى النار، لثبوت قوله: تمت أخرجوا من النار من فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان -، ولإجماعهم أنه لا تسقط عنه مظالم العباد، هذا تأويل أهل السنة، والحديث عندهم على الخصوص، وهو خلاف مذهب الخوارج الذين يقولون بتخليد المؤمنين بذنوبهم فى النار. وأما قوله ﷺ : تمت من لقى الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة -

стр. 179

تمت ومن قال: لا إله إلا الله دخل الجنة - فروى عن السلف فى تأويله ما ذكر الطبرى، قال: حدثنا محمد بن على بن الحسن ابن شقيق، قال: سمعت أبى يقول: أخبرنا أبو حمزة، عن الحسين بن عمران، عن الزهرى، أنه سئل عن الحديث تمت من قال لا إله إلا الله دخل الجنة - قال: حدثنى سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، أن ذلك كان قبل نزول الفرائض. وذكر أبو عبيد، عن ابن أبى خيثمة، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، قال: سأل هشام بن عبد الملك، الزهرى، فقال: حدثنا بحديث النبى، ﷺ : تمت من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق -، فقال الزهرى: أين يذهب بك يا أمير المؤمنين؟ كان هذا قبل الأمر والنهى. وذكر الطبرى، حدثنا ابن حميد، حدثنا حماد بن سلمة، عن الحسن بن عميرة، قال: قيل للحسن: من قال: تمت لا إله إلا الله دخل الجنة؟ - فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفريضتها دخل الجنة. وذكر أبو عبيد، عن عطاء بن أبى رباح أنه قيل له: إن فى المسجد عمر بن ذر، ومسلم النحات، وسالم الأفطس يقولون: من زنى، وسرق، وقذف المحصنات، وأكل الربا، وعمل بالمعاصى أنه مؤمن كإيمان البر التقى الذى لم يعص الله، فقال عطاء: أبلغهم ما حدثنى به أبو هريرة: أن النبى ﷺ ، قال: تمت لا يقتل المؤمن حين يقتل وهو مؤمن، ولا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو

стр. 180

مؤمن - فذكرت ذلك لسالم الأفطس وأصحابه، فقالوا: أين حديث أبى الدرداء تمت وإن زنى وإن سرق - فذكرت ذلك لعطاء، فقال: كان هذا ثم نزلت الحدود والأحكام بعد، وقد قال ﷺ : تمت لا إيمان لمن لا أمانة له - وتمت لايفتك مؤمن. . . -. وذكر البخارى حديث أبى الدرداء، وحديث أبى ذر فى كتاب الاستئذان، فى باب من أجاب بلبيك وسعديك، وذكر حديث أبى ذر أيضًا فى كتاب اللباس، فى باب الثياب البيض. قال أبو ذر: قال ﷺ : تمت ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة - قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: تمت وإن زنى وإن سرق، ثلاث مرات، وإن رغم أنف أبى ذر -، وفسره البخارى قال: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم، وقال: لا إله إلا الله غفر له. وقول البخارى: تمت إذا تاب - يعنى إذا تحلل من مظالم العباد، وتاب من ذنوبه التى بينه وبين الله تعالى. والتأثم: إلغاء الإثم عن نفسه، وقد تقدم فى كتاب بدء الوحى، وسيأتى ما للعلماء فى معنى قوله ﷺ : تمت لا يزنى الزانى وهو مؤمن - فى أول كتاب الحدود، إن شاء الله.

стр. 181

٤٨ - باب الْحَيَاءِ فِى الْعِلْمِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحْىٍ وَلا مُسْتَكْبِرٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِى الدِّينِ. / ٦٦ - فيه: أُمِّ سَلَمَةَ، جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تمت إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ -، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: تمت نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟ -. / ٦٧ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: تمت مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا هِىَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ حَدِّثُونِى مَا هِيَ؟ - فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِى أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِى بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِى، فَقَالَ: لأنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِى كَذَا وَكَذَا -. قال المؤلف: إنما أراد البخارى بهذا الباب ليبين أن الحياء المانع من طلب العلم مذموم، ولذلك بدأ بقول مجاهد وعائشة، وأما إذا كان الحياء على جهة التوقير والإجلال فهو حسن كما فعلت أم سلمة حين غطت وجهها، وقولها: إن الله لا يستحيى من الحق، فإن الاستحياء من الله غير الاستحياء من المخلوقين، وهو من الله تعالى الترك، وكذا قال أهل التفسير فى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً) [البقرة: ٢٦] ، بمعنى لا يترك أن يضرب مثلا، وإنما قالوا ذلك،

стр. 182

لأن الحياء هو الانقباض بتغيير الأحوال، وحدوث الحوادث فيمن يتغير به، لا يجوز على الله. وقولها: تمت لا يستحيى من الحق - يقتضى أن الحياء لا يمنع من طلب الحقائق. وفيه: أن المرأة تحتلم، غير أن ذلك نادر فى النساء، ولذلك أنكرته أم سلمة. وقوله: تمت تربت يمينك - هى كلمة تقولها العرب ولا تريد وقوع الفقر فيمن تخاطبه بها إذا لم يكن أهلا لذلك، كما يقول: قاتله الله ما أسعده، وهو لا يريد قتله الله، وسيأتى تفسيرها لأهل اللغة فى كتاب الأدب إن شاء الله. وقوله: تمت فبم يشبهها ولدها - يعنى إذا غلب ماء المرأة ماء الرجل أشبهها الولد، وكذلك إذا غلب ماء الرجل أشبهه الولد، ومن كان منه إنزال الماء عند الجماع أمكن منه إنزال الماء عند الاحتلام. قال المهلب: فى تمنى عمر، رضى الله عنه، أن يجاوب ابنه النبى ﷺ ، بما وقع فى نفسه فيه من الفقه أن الرجل مباح له الحرص على ظهور ابنه فى العلم على الشيوخ، وسروره بذلك. وقيل: إنما تمنى له عمر ذلك رجاء أن يسر النبى بإصابته، فيدعو له، فينفعه الله بدعائه. وقد كان عمر بن الخطاب يسأل ابن عباس، وهو صغير مع شيوخ الصحابة. وذكر ابن سلام أن الحطيئة أتى مجلس عمر بن الخطاب فنظر إلى ابن عباس قد قرع الناس بلسانه، فقال: من هذا الذى نزل عن القوم فى سنه ومدته وتقدمهم فى قوله وعلمه.

стр. 183

وقالت العلماء: العالم كبير وإن كان حدثًا، والجاهل صغير وإن كان شيخًا. وفيه: أن الابن الموفق العالم أفضل مكاسب الدنيا، لقوله: تمت لأن كنت قلتها أحب إلى من كذا وكذا -. وفى سماع أشهب، عن مالك أنه سئل عن المصلى لله يقع فى نفسه أنه يجب أن يعلم، ويجب أن يلقى فى طريق المسجد، ويكره أن يلقى فى طريق غيره، فقال: إذا كان أول فعله لله فلا أرى بذلك بأسا، وإن المرء ليحب أن يكون صالحًا، وإن هذا ليكون من الشيطان مصدق فيقول: إنك لتحب أن يعلم ليمنعه ذلك، وهذا أمر يكون فى القلب لا يملك، فإذا كان أصله لله لم أر بذلك بأسا، قد قال ﷺ : تمت ما شجرة لا يسقط ورقها - فقال ابن عمر: فوقع فى نفسى أنها النخلة، فقال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلى من كذا وكذا، وقال تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى) [طه: ٣٩] ، وقال: (وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) [الشعراء: ٨٤] . ٤٩ - باب مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ / ٦٨ - فيه: عَلِىِّ، كُنْتُ رَجُلا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: تمت فِيهِ الْوُضُوءُ -. إنما استحيا على أن يسأل رسول الله لمكان ابنته، وهذا الحياء محمود، لأنه لا يمتنع به من تعلم ما جهل وبعث من يقوم مقامه فى ذلك، ففيه: الحياء من الأصهار فى ذكر أمور الجماع وشبهه.

стр. 184

وفيه: قبول خبر الواحد. ٥٠ - باب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ / ٦٩ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلا سَأَل النَّبِىَّ، ﷺ ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: تمت لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلا الْعِمَامَةَ، وَلا السَّرَاوِيلَ، وَلا الْبُرْنُسَ، وَلا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرانُ أو الْوَرْسُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا، حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ -. قال المهلب: فيه من الفقه أنه يجوز للعالم إذا سئل عن الشىء أن يجيب بخلافه، إذا كان فى جوابه بيان ما سئل عنه وتحديده، ألا ترى أن الرسول ﷺ سئل عما يلبس المحرم، فأجاب بما لا يلبس؟ إذ معلوم أن ما سوى ذلك مباح للمحرم، فأما الزيادة على سؤال السائل فقوله ﷺ : تمت فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين - فهذه زيادة وإنما زاده لعلمه بمشقة السفر وقلة وجود ما يحتاج إليه من الثياب فيه، ولما يلحق الناس من الحفى بالمشى، رحمة لهم وتنبيهًا على منافعهم، وكذلك يجب للعالم أن ينبه الناس فى المسائل على ما ينتفعون به، ويتسعون فيه، ما لم يكن ذريعة إلى ترخيص شىء من حدود الله. ونهيه له عن الوَرْسِ والزعفران، قطع للذريعة إلى الطيب للمحرم لما فيهما من دواعى النساء، وتحريك اللذة والله الموفق. آخر كتاب العلم

стр. 185

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤ - كِتَاب الْوُضُوءِ - باب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ وَقَوْلِ اللَّهِ: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: ٦] . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَبَيَّنَ الرسول ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلاثًا وَثَلاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الإسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِىِّ ﷺ . قال المؤلف: قال الطحاوى وغيره: اختلف أهل العلم فى القيام المذكور فى هذه الآية، فقال بعضهم: كل قائم إلى صلاة مكتوبة فقد وجب عليه الوضوء قبل قيامه إليها، قالوا: وهذا كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل: ٩٨] ، أى إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله. ورووا ذلك عن على بن أبى طالب منقطعًا. وروى شعبة، عن مسعود بن على، أن على بن أبى طالب، كان يتوضأ لكل صلاة ويتلو: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ) [المائدة: ٦] الآية. وممن كان يتوضأ لكل صلاة وإن كان طاهرًا: ابن عمر، وعبيد بن عمير، وعكرمة، وابن سيرين.

стр. 186

وقال جمهور أهل العلم: ليس على من أراد القيام إلى صلاة مكتوبةٍ أن يتوضأ، إلا أن يكون محدثًا فيتوضأ لحدثه، لأنه إذا كان متوضئًا للصلاة فلا معنى لتوضئه وضوءًا لا يخرجه من حدث إلى طهارة. وممن روى عنه الجمع بين صلوات بوضوء واحد: سعد بن أبى وقاص، وأبو موسى الأشعرى، وأنس بن مالك، وابن عباس. إلا أن بعض قائلى هذه المقالة قالوا: إن الوضوء لكل صلاة نسخ بما رواه الثورى عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: صلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: تمت عمدًا صنعته يا عمر -. وبما روى ابن وهب، عن ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن امرأة من الأنصار دعت رسول الله ﷺ إلى شاة مصلية، ومعه أصحابه، فصلى الظهر والعصر بوضوء واحد. وقال أكثر أهل هذه المقالة: إن جَمْع الرسول ﷺ الصلوات بوضوء واحد يوم الفتح، وعند المرأة التى دعته للشاة المصلية، لم يكن ناسخًا لما تقدم من وضوئه ﷺ لكل صلاة، وإنما بيَّن بفعله يوم الفتح أن وضوءه لكل صلاة كان من باب الفضل والازدياد فى الأجر، فمن اقتدى به فى ذلك فله فيه الأسوة الحسنة.

стр. 187

قالوا: ومما يدل على صحة ذلك ما رواه ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبى عطية الهذلى، قال: صليت مع ابن عمر الظهر والعصر والمغرب، فتوضأ لكل صلاة، فقلت له: ما هذا؟ فقال: ليست بسنةٍ ولكنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: تمت من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات -. فبان بما ثبت عنه ﷺ من سنته أن الوضوء لا يجب إلى القيام للصلوات إلا عن الأحداث الموجبة للطهارة، وهذا قول مالك، والثورى، وأبى حنيفة، وأصحابه، والأوزاعى، والشافعى، وعامة فقهاء الأمصار، ومن بعدهم إلى وقتنا هذا. وقوله: تمت وبين رسول الله ﷺ أن فرض الوضوء مرةً مرةً -، وذلك أنه صلى به فَعُلِمَ أنه الفرض، إذ لا ينقص ﷺ من فرضه، وهو المُبَيِّن عن الله لأمته دينهم. ووضوءه ﷺ مرتين وثلاثًا هو من باب الرفق بأمته والتوسعة عليهم ليكون لمن قصر فى المرة الواحدة عن عموم غسل أعضاء الوضوء أن يستدرك ذلك فى المرة الثانية والثالثة، ومن أكمل أعضاءه فى المرة الواحدة فهو مخير فى الاقتصار عليها أو الزيادة على المرة الواحدة. وكان تنويع وضوئه ﷺ من باب التخيير، كما ورد التخيير فى كفارات الأَيْمَان بالله، وعقوبة المحاربين. وقال أبو الحسن بن القصار: نسق الأعضاء فى الآية بالواو بعضها على بعض دليل أن الرتبة غير واجبة فى الوضوء، لأن حقيقة الواو فى لسان العرب الجمع والاشتراك دون التعقيب، والتقديم، والتأخير، هذا قول سيبويه.

стр. 188

واختلف العلماء فى ذلك. فروى عن على، وابن مسعود، وابن عباس، أنهم قالوا: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك فى الوضوء، وهذا قول عطاء، وسعيد بن المسيب، والنخعى، وإليه ذهب مالك، والليث، والثورى، وسائر الكوفيين، والأوزاعى، والمزنى. وقال الشافعى، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور: لا يجزئه الوضوء غير مرتب حتى يغسل كلا فى موضعه، واحتجوا بأن الواو قد تكون للترتيب كقوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) [الحج: ٧٧] ، وقوله: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ) [البقرة: ٥٨] ، وقوله ﷺ : تمت نبدأ بما بدأ الله به -. فأجابهم أهل المقالة الأولى فقالوا: إنا لا ننكر إذا صحب الواو بيان يدل على التقدمة أنها تصير إليه بدلالته، وإلا فالظاهر أن موضعها للجمع، ولو كانت الواو توجب رتبة لما احتاج ﷺ إلى تبيين الابتداء بالصفا، وإنما بيَّن ذلك إعلامًا لمراد الله من الواو فى ذلك الموضع، وليس وضوءه ﷺ على نسق الآية أبدًا بيانًا لمراد الله من آية الوضوء كبيانه لركعات الصلوات، لأن آية الوضوء بينة مستغنية عن البيان، والصلوات مختلفة مفتقرة إليه، ومما جاء فى القرآن مما لا توجب الواو فيه النسق قوله تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة: ١٩٦] ، فبدأ بالحج قبل العمرة، وجائز عند الجميع أن يعتمر الرجل قبل الحج، وكذلك قوله: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) [البقرة: ١١٠] جائز لمن وجب عليه إخراج زكاة فى حين صلاة أن يبدأ بالزكاة، ثم يصلى الصلاة فى وقتها عند الجميع، وكذلك قوله

стр. 189

فى قتل الخطأ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) [النساء: ٩٢] لا يختلف العلماء أن من وجب عليه إعطاء الدية، وتحرير الرقبة أن يعطى الدية قبل تحرير الرقبة، ومثله كثير فى القرآن وكلام العرب، لو قال: أعط زيدًا وعمرًا دينارًا تبادر الفهم من ذلك: الجمع بينهما فى العطاء، ولم يفهم منه تقديم أحدهما على الآخر فى العطاء. - باب لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ / ١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تمت لا تُقْبَلُ صَلاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ -. قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. أجمعت الأمة على أنه لا تجزئ صلاة إلا بطهارة، على ما جاء فى الحديث. وأما قول أبى هريرة: تمت الحدث فُساءٌ أو ضُرَاطٌ -، فإنما اقتصر على بعض الأحداث، لأنه أجاب سائلاً سأله عن المصلى يحدث فى صلاته، فخرج جوابه على ما يسبق المصلى من الإحداث فى صلاته، لأن البول، والغائط، والملامسة غير معهودة فى الصلاة، وهو نحو قوله للمصلى إذْ أمره باستصحاب اليقين فى طهارته، أى لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ولم يقصد به إلى تعيين الأحداث وتعدادها، والأحداث التى أجمع العلماء على أنها تنقض

стр. 190

الوضوء سوى ما ذكره أبو هريرة: البول، والغائط، والمذى، والودى، والمباشرة، وزوال العقل بأى حال زال، والنوم الكثير. والأحداث التى اختُلف فى وجوب الوضوء منها: القُبْلَة، والجَسَّة، ومس الذكر، والرعاف، ودم الفصد، وما يخرج من السبيلين نادرًا غير معتاد مثل سلس البول، والمذى، ودم الاستحاضة، والدود يخرج من الدبر وليس عليه أذى. فممن أوجب الوضوء فى القُبلة: ابن عمر، وهو قول مكحول، وربيعة، والأوزاعى، والشافعى. وذهب مالك إلى أنه إن قبلها بالشهوة انتقض وضوءه وهو قول الثورى، وأحمد، وإسحاق. وشرط أبو حنيفة، وأبو يوسف فى القبلة للشهوة الانتشار، وكذلك ينتقض عنده الوضوء، فإن قَبَّل لشهوة ولم ينتشر فلا وضوء عليه. وقال محمد بن الحسن: لا وضوء عليه فى القبلة، وإن انتشر حتى يمذى. وقال ابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن: لا وضوء عليه فى القبلة. فأمَّا مَسُّ المرأة، فقال مالك، والثورى: إن مسَّها لشهوة انتقض وضوءه. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لابد مع الشهوة من الانتشار، وإلا فلا وضوء.

стр. 191

وقال محمد بن الحسن: لابد أن يمذى مع الانتشار. وقال الشافعى: ينتقض وضوءه بكل حال، وبمسها بكل عضوٍ من أعضائه إذا كان بغير حائل. وأما مس الذكر، فقال مالك فى المدونة: إذا مسه لشهوة من فوق ثوب، أو تحته، بيده أو بسائر أعضائه انتقض وضوءه. وفى العتبية: قيل لمالك: إن مس ذكره على غلالة خفيفة؟ قال: لا وضوء عليه. ومن سماع أبى زيد: سئل مالك عن الوضوء من مسِّ الذكر، فقال: حسن وليس بسنة، وقال مرة أخرى: أحب إلىَّ أن يتوضأ. وذهب الثورى وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ينتقض وضوءه على أى حال مسه. وذهب الليث، والأوزاعى، والشافعى إلى أنه إن مسه بباطن يده من غير حائل ففيه الوضوء وإن مسه لغير شهوة، وبه قال إسحاق، وأبو ثور. وأما الأحداث المختلف فيها، فسيأتى مذاهب العلماء فيها فى مواضعها، إن شاء الله.

стр. 192

٣ - باب فَضْلِ الْوُضُوءِ وَالْغُرُّ الْمُحَجَّلينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ / ٢ - فيه: نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ، ثم قَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ، ﷺ ، يَقُولُ: تمت إِنَّ أُمَّتِى يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ -. قال أبو محمد الأصيلى: هذا الحديث يدل أن هذه الأمة مخصوصة بالوضوء من بين سائر الأمم. قال غيره: وإذا تقرر هذا بطل ما روى عن النبى، ﷺ : أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، فقال: تمت هذا وضوئى ووضوء الأنبياء قبلى -، وهو حديث لا يصح سنده، ومداره على زيد العمى، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر، وزيد ضعيف. وقوله: تمت فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل -، تأوله أبو هريرة على الزيادة على حد الوضوء، فكان يتوضأ إلى نصف ساقيه، وإلى منكبيه، ويقول: إنى أحب أن أطيل غرتى، وربما قال: هذا موضع الحلية. وهذا شىء لم يتابع عليه أبو هريرة، والمسلمون مجمعون على أنه لا يتعدى بالوضوء ما حد الله ورسوله، وقد كان رسول الله ﷺ ، وهو أبدر الناس إلى الفضائل، وأرغبهم فيها، لم يجاوز قط موضع الوضوء فيما بلغنا.

стр. 193

ويُحتج على أبى هريرة بقوله تعالى: (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [الطلاق: ١] . وروى سفيان، عن موسى بن أبى عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلاً سأل النبى، ﷺ ، عن الوضوء، فدعا بماء فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: تمت هكذا الطهور، فمن زاد على هذا فقد تعدَّى وظلم -. ويحمل قوله: تمت فمن استطاع منكم أن يطيل غرته -، يعنى يديمها، فالطول والدوام بمعنى متقارب، أى من استطاع أن يواظب على الوضوء لكل صلاة فإنه يطيل غرته، أى يقوِّى نوره، ويتضاعف بهاؤه، فَكَنَّى بالغرة عن نور الوجه يوم القيامة. وقال أبو الزناد: قوله: تمت فمن استطاع منكم أن يطيل غرته - فإنه كنى بالغرة عن الحجلة، لأن أبا هريرة كان يتوضأ إلى نصف ساقيه، والوجه فلا سبيل إلى الزيادة فى غسله، فكأنه، والله أعلم، أراد الحجلة فكنى بالغرة عنها. وفيه: جواز الوضوء على ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء فى المسجد، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثر، وإنما ذلك تنزيه للمسجد، كما ينزه عن البصاق والنخامة، وحرمة أعلى المسجد، كحرمة داخله، وممن أجاز الوضوء فى المسجد: ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعى، وطاوس، وهو قول ابن القاسم صاحب مالك، وأكثر العلماء. وكرهه ابن سيرين، وهو قول مالك، وسحنون.

стр. 194

وقال ابن المنذر: إذا توضأ فى مكان من المسجد يبلّه ويتأذى به الناس فإنى أكرهه، وإن فحص عن الحصى ورده عليه، فإنى لا أكرهه، وكذلك كان يفعل عطاء وطاوس. ٤ - باب مَنْ لا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ (١) / ٣ - فيه: عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ عبد اللَّه بنِ زيد، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ الَّذِى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّىْءَ فِى الصَّلاةِ، فَقَالَ: تمت لا تَنْفَتِلْ - أَوْ لا تَنْصَرِفْ - حَتَّى تَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ تَجِدَ رِيحًا -. على هذا جماعة من العلماء: أن الشك لا يزيل اليقين، ولا حكم له، وأنه ملغى مع اليقين، وقد اختلفوا فى ذلك، فروى ابن القاسم، عن مالك، أن من شك فى الحدث بعد تيقن الطهارة فعليه الوضوء. وروى عنه ابن وهب أنه قال: أحب إلىَّ أن يتوضأ. وروى ابن نافع، عن مالك أنه لا وضوء عليه. وقال الثورى، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعى: يبنى على يقينه، هو على وضوء بيقين، قالوا: وكذلك يبنى على الأصل حدثًا كان أو طهارة، وحجتهم قوله ﷺ : تمت لا تنصرف حتى تسمع صوتًا، أو تجد ريحًا -، ولم يفرق بين أول مرة أو بين ما يعتاده من ذلك. قالوا: والأصول مبينة على اليقين، كقوله ﷺ : تمت إذا شك أحدكم فى صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا، أو أربعًا، فليبن على يقينه -، وكذلك لو شك هل طلق أم لا؟ لم يلزمه الطلاق، لأنه على يقين

стр. 195

نكاحه، وهكذا لو شك هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة أم لا؟ فإنه يبنى على يقين طهارته. والحجة لرواية ابن القاسم، عن مالك أنه قال: قد تعبدنا بأداء الصلاة بيقين الطهارة، فإذا طرأ الشك عليها فقد أبطلها، كالمتطهر إذا نام مضطجعًا، فإن الطهارة واجبة عليه بإجماع، وليس النوم فى نفسه حدثًا، وإنما هو من أسباب الحدث الذى ربما كان، وربما لم يكن، وكذلك إذا شك فى الحدث، فقد زال عنه يقين الطهارة. وقال المهلب: لا حجة للكوفيين فى حديث عبد الله بن زيد هذا، لأن الحديث إنما ورد فى المستنكح الذى يشك فى الحدث كثيرًا، ومن استنكحه ذلك فلا وضوء عليه عند مالك وغيره، والدليل على ذلك قوله فيه: تمت شكا إلى رسول الله ﷺ - والشكوى لا تكون إلا من علة، ويؤيد هذا قوله: تمت إنه يخيل إلىَّ -، لأن التخييل لا يكون حقيقة، وقد بين ذلك حماد بن سلمة فى حديث عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: تمت إذا كان أحدكم فى الصلاة فوجد حركة فى دبره فأَشكل عليه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا -. قال أحمد بن خالد: هذا حديث جيد ذكر القصة كيف هى، إنما هى فى الشك، لأن غيره اختصره، فقال: لا وضوء إلا أن يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا، وإنما هذا إذا شك وهو فى الصلاة كما قال هاهنا، لأنه

стр. 196

من الشيطان. ومما يدل على ذلك أيضًا ما رواه حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى ﷺ ، قال: تمت إن الشيطان يأتى أحدكم فى صلاته، فيأخذ شعرة من دبره فيرى أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا -. وقد قال بعض أهل العلم: إن قوله ﷺ : تمت فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا - معارض لقوله، ﷺ : تمت من شك فى صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا، أم أربعًا، فليأت بركعة -، لأنه حين أمره أن لا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا، فقد أمره بالحكم لليقين وإلغاء الشك، وفى حديث الشك فى الصلاة أمره بالحكم للشك وإلغاء اليقين حين أمره بالإتيان بركعة. وليس كما ظنه بل الحديثان متفقان فى إلغاء الشك والحكم لليقين، وذلك أنه أمر الذى يخيل إليه أنه يجد الشىء فى الصلاة أن لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، لأنه كان على يقين من الوضوء فأمره ﷺ بإطراح الشك، وأن لا يترك يقينه إلا بيقين آخر، وهو سماع الصوت، أو وجود الريح، والذى يشك فى صلاته فلا يدرى أثلاثًا صلى، أو أربعًا لم يكن على يقين من الركعة الرابعة، كما كان فى الحديث الآخر على يقين من الوضوء، بل كان على يقين من ثلاث ركعات شاكًا فى الرابعة، فوجب أن يترك شكه فى الرابعة، ويرجع إلى يقين من الإتيان بها، فصار حديث الشك فى الصلاة مطابقًا لحديث الشك فى الحدث، مشبهًا له فى أن اليقين يقدح فى الشك، ولا يقدح الشك فى اليقين، والحمد لله.

стр. 197

٥ - باب التَّخْفِيفِ فِى الْوُضُوءِ / ٤ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ ، مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ رسول الله ﷺ ، فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ - وَقَامَ يُصَلِّى، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ - فَحَوَّلَنِى، فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِى، فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاةِ، فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ، وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: رُؤْيَا الأنْبِيَاءِ وَحْىٌ، ثُمَّ قَرَأَ: (إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ) [الصافات: ١٠٢] . قال المهلب: قوله: تمت وضوءًا خفيفًا - يريد تمام غسل الأعضاء دون التكثر من إمرار اليد عليها، وهو مرة سابغة، وهو أدنى ما تجزئ به الصلاة، وإنما خففه المحدِّث لعلمه بأن رسول الله ﷺ كان يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا للفضل، والواحدة بالإضافة إلى الثلاث تخفيف. وقد ذكر البخارى هذا الحديث فى كتاب التفسير وبينه، فقال: تمت فقام إلى شن معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه -، وذكره فى كتاب الدعاء، وقال: تمت فتوضأ وضوءًا بين وضوئين لم يكثر وقد أبلغ -. فهذا كله يفسر قوله: تمت وضوءًا خفيفًا - أنه وضوء تجوز به الصلاة. وقوله: تمت فنام حتى نفخ، ثم صلى - هو مما خص به ﷺ من أنه تنام عينه، ولا ينام قلبه.

стр. 198

وفيه: دليل على أن من نام من سائر البشر حتى نفخ لا يصلى حتى يتوضأ، والنوم إنما يجب منه الوضوء إذا خامر القلب وغلب عليه، ورسول الله ﷺ لا ينام قلبه، فلذلك لم يتوضأ. وفيه: أنه توضأ بعد نوم نامه، ثم نومًا آخر، ولم يتوضأ، فدل ذلك على اختلاف أحواله فى النوم، فمرة يستثقل نومًا، ولا يعلم حاله، ومرةً يعلم حاله من حدث وغيره. وفيه: جواز العمل الخفيف فى الصلاة. وفيه: رد على أبى حنيفة فى قوله: إن الإمام إذا صلى مع رجل واحد إنه يقوم خلفه لا عن يمينه، وهذا مخالف لفعل النبى ﷺ . ٦ - باب إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الإِسْبَاغُ الإنْقَاءُ . / ٥ - فيه: أُسَامَةَ، قَالَ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ: الصَّلاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: تمت الصَّلاةُ أَمَامَكَ -، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ، فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. قال المهلب: قوله: تمت فتوضأ ولم يسبغ الوضوء -، يريد توضأ مرة

стр. 199

سابغة، وقد رواه إبراهيم ابن عقبة، عن كريب، قال: تمت فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ -، وإنما فعل ذلك، والله أعلم، لأنه أعجله دفعه الحاج إلى المزدلفة، فأراد أن يتوضأ وضوءًا يرفع به الحدث، لأنه كان ﷺ لا يبقى بغير طهارة، ذكره مسلم فى الحديث، وقد جاء فى باب الرجل يوضئ صاحبه هذا الحديث مبينًا. قال أسامة: تمت إن رسول الله ﷺ عدل إلى الشعب يقضى حاجته، فجعلت أصب عليه ويتوضأ -، ولا يجوز أن يصب عليه إلا وضوء الصلاة لا وضوء الاستنجاء كما زعم من فسر قوله: تمت ولم يسبغ الوضوء - أنه استنجى فقط، وهذا لا يجوز على رسول الله ﷺ ، لأنه كان لا يقرب منه أحدٌ، وهو على حاجته، والدليل على صحة ما تأولناه قول أسامة لرسول الله ﷺ حين صب عليه الماء: تمت الصلاة يا رسول الله -، لأنه محال أن يقول له: الصلاة، ولم يتوضأ وضوء الصلاة. وقوله: تمت الصلاة أمامك -، أى سنة الصلاة لمن دفع عن عرفة أن يصلى المغرب والعشاء بالمزدلفة، وإن تأخر الأمر عن العادة، ولم يعلم أسامة أن سنة الصلاة بالمزدلفة، إذ كان ذلك فى حجة الوداع، وهى أول سنة سنها رسول الله ﷺ فى الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، فلما أتى المزدلفة أسبغ الوضوء أخذًا بالأفضل والأكمل على عادته فى سائر الأيام. وقال أبو الزناد: توضأ ولم يسبغ لذكر الله تعالى، لأنهم يكثرون ذكر الله عند الدفع من عرفة. وقال غيره: وقوله: تمت الصلاة يا رسول الله - فيه من الفقه أن الأدون قد يُذَكِّر الأعلى، وإنما خشى أسامة أن ينسى الصلاة لما كان فيه

стр. 200

من الشغل، فأجابه ﷺ : أن للصلاة تلك الليلة موضعًا لا يتعدى إلا من ضرورة، مع أن ذلك كان فى سفر، ومن سنته ﷺ أن يجمع بين صلاتى ليله، وصلاتى نهاره فى وقت إحداهما، ولم يختلف العلماء أن الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة سنة مؤكدة لمن دفع مع الإمام أو بعده. قال المهلب: وفيه اشتراك وقت صلاة المغرب والعشاء، وأن وقتهما واحد. وقوله: تمت صلى المغرب والعشاء ولم يصل بينهما - فيه حجة لمن لا ينتفل فى السفر، وكذلك قال ابن عمر: لو تنفلت لأتممت، يعنى فى السفر. وقال غيره: ليس فى ترك التنفل بين الصلاتين فى وقت جمعهما ما يدل على ترك النافلة فى السفر، لأنه إذا جمع بينهما فلا مدخل للنافلة هناك، لأن الوقت بينهما لا يتسع لذلك، ألا ترى أن من أهل العلم من يقول: لا يحطون رواحلهم تلك الليل حتى يجمعوا؟ ومنهم من يقول: يصلون الأولى، ثم يحطون رواحلهم، مع ما فى ترك الرواحل بأوقارها مما نهى عنه من تعذيبها؟ . وأما ترك التنفل فى السفر، فإن ابن عمر لم يتابع على قوله فى ذلك، والفقهاء متفقون على اختيار التنفل فى السفر، وقد تنفل رسول الله ﷺ راجلاً وراكبًا.

стр. 201

٧ - باب التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعِنْدَ الْوِقَاعِ / ٦ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِىَّ، ﷺ : تمت لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِىَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ -. هذا الحديث مطابق لقوله تعالى، حاكيًا عن مريم: (وِإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: ٣٦] . وفى هذا الحديث حث وندب على ذكر الله فى كل وقت على حال طهارة وغيرها، ورد قول من أنكر ذلك، وهو قول يروى عن ابن عمر أنه كان لا يذكر الله إلا وهو طاهر، وروى مثله عن أبى العالية والحسن. وروى عن ابن عباس، أنه كره أن يذكر الله على حالتين: على الخلاء، والرجل يواقع أهله. وهو قول عطاء ومجاهد، قال مجاهد: يجتنب الملك الإنسان عند جماعه، وعند غائطه، وهذا الحديث خلاف قولهم. وفيه: أن التسمية عند ابتداء كل عمل مستحبة، تبركًا بها واستشعارًا أن الله سبحانه هو الميسر لذلك العمل، والمعين عليه. وكذلك استحب مالك وعامة أئمة الفتوى التسمية عند الوضوء. وذهب بعض من زعم أنه من أهل العلم إلى أن التسمية فرض فى

стр. 202

الوضوء، وحجة الجماعة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) [المائدة: ٦] الآية، ولم يذكر تسمية، فلا توجب غير ما أوجبته الآية إلا بدليل. فإن قيل: فقد روى عن النبى ﷺ ، أنه قال: تمت لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه -. قيل: قد قال أحمد بن حنبل: لا يصح فى ذلك حديث، ولو صح لكان معناه لا وضوء كاملاً كما قال: تمت لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد -. وتمت لا إيمان لمن لا أمانة له -. وهذا الذى أوجب التسمية عند الوضوء لا يوجبها عند غسل الجنابة والحيض، وهذا مناقض لإجماع العلماء أن من اغتسل من الجنابة، ولم يتوضأ وصلى أن صلاته تامة. ٨ - باب غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ / ٧ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، تمت أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ منهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ. . .، وذكر الحديث. فيه: الوضوء مرة مرة. وفيه: أن الماء المستعمل فى الوضوء طاهر مطهر، وهو قول مالك،

стр. 203

والثورى، والحجة لذلك أن الأعضاء كلها إذا غسلت مرة مرة، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملاً، ثم يمر به على كل جزء بعده، وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان الوضوء بالماء المستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرةً مرةً، ولما أجمعوا أنه جائز استعماله فى العضو الواحد كان فى سائر الأعضاء كذلك، وسنذكر اختلاف العلماء فى هذه المسألة فى بابها بعد هذا، إن شاء الله. ٩ - باب مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلاءِ / ٨ - فيه: أَنَس، كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ، قَالَ: تمت اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ -. ورواه غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ: تمت إِذَا أَتَى الْخَلاءَ -. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: عَنْ عَبْدُالْعَزِيزِ: تمت إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلاءَ -. قال المؤلف: فيه جواز ذكر الله على الخلاء، وهذا مما اختلفت فيه الآثار فروى عن النبى، ﷺ : تمت أنه أقبل من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد ﷺ حتى تيمم بالجدار -. واختلف فى ذلك أيضًا العلماء، فروى عن ابن عباس، أنه كره أن يذكر الله عند الخلاء، وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبى،

стр. 204

وعكرمة، وقال عكرمة: لا يذكر الله فى الخلاء بلسانه، ولكن بقلبه. وأجاز ذلك جماعة من العلماء، وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص، كان يذكر الله فى المرحاض. وقال العرزمى: قلت للشعبى: أعطسُ وأنا فى الخلاء، أحمد الله؟ قال: لا، حتى تخرج، فأتيت النخعى فسألته عن ذلك، فقال لى: أحمد الله، فأخبرته بقول الشعبى، فقال النخعى: الحمد يصعد ولا يهبط. وهو قول ابن سيرين، ومالك بن أنس، وهذا الحديث حجة لمن أجاز ذلك. وذكر البخارى فى كتاب تمت خلق أفعال العباد -: قال عطاء فى الخاتم فيه ذكر الله: لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف، أو يلم بأهله، وهو فى يده لا بأس به. وهو قول الحسن. وذكر وكيع، عن سعيد بن المسيب مثله. قال البخارى: وقال طاوس فى المنطقة تكون على الرجل تكون فيها الدراهم يقضى حاجته: لا بأس بذلك. وقال إبراهيم: لابد للناس من نفقاتهم. وأحب بعض التابعين ألا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله. قال البخارى: وهذا من غير تحريم يصح. وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثل قول عطاء. وأما اختلاف ألفاظ الرواة فى قوله: تمت إذا دخل -، وتمت إذا أراد أن

стр. 205

يدخل -، فالمعنى فيه متقارب، ألا ترى قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل: ٩٨] ، والمراد إذا أردت أن تقرأ؟ غير أن الاستعاذة بالله متصلة بالقراءة، لا زمان بينهما، وكذلك الاستعاذة بالله من الخبث والخبائث لمن أراد دخول الخلاء متصلة بالدخول، فلا يمنع من إتمامها فى الخلاء، مع أن من روى عن النبى، ﷺ ، أنه كان يقول ذلك إذا أتى الخلاء أولى من رواية من روى إذا أراد أن يدخل الخلاء، لأنها زيادة، والأخذ بالزيادة أولى. وأما حديث بئر جمل فإنما هو على الاختيار، والأخذ بالفضل، لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون على وضوء، قاله الطحاوى. وقال الطبرى: وأما حديث بئر جمل وشبهه، فإن ذلك كان منه ﷺ على وجه التأديب للمُسَلِّم عليه ألا يُسَلِّم بعضهم على بعض على حال كونهم على الحدث، وذلك نظير نهيه وهم كذلك أن يحدث بعضهم بعضًا بقوله: تمت لا يتحدث المتغوطان على طوفهما، فإن الله يمقتهما -. وروى أبو عبيدة الباجى، عن الحسن، عن البراء، أنه سلم على الرسول ﷺ وهو يتوضأ، فلم يرد عليه شيئًا حتى فرغ. وفسر أبو عبيد تمت الخبث والخبائث -، فقال: الخبث يعم الشر، والخبائث الشياطين. وقال أبو سليمان الخطابى: أصحاب الحديث يروونه: الخُبْث، ساكنة الباء، وإنما هو الخُبُث، مضموم الباء، جمع خبائث، والخبائث جمع خبيثة، استعاذ بالله من مردة الجن ذكورهم وإناثهم، فأما الخُبْث، ساكن الباء، فهو مصدر خَبُثَ الشىء يخبثُ خبثًا، وقد جعل اسمًا.

стр. 206

قال ابن الأعرابى: وأصل الخبث فى كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من المِلَلْ فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. وقال الحسن: تمت إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم فليقل: اللهم إنى أعوذ بك من الرجس، والنجس، الخبيث، المخبث، الشيطان الرجيم -. وقال الحسن البصرى: قال رسول الله ﷺ : تمت إذا خرج أحدكم من الغائط، فليقل: الحمد الله الذى عافانى، وأذهب عنى الأذى -. وقوله: تمت طوفهما -، يعنى حاجتهما. - باب وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلاءِ / ٩ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﷺ ، دَخَلَ الْخَلاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَقَالَ: تمت مَنْ وَضَعَ هَذَا -؟ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: تمت اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِى الدِّينِ -. قال المؤلف: معلوم أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث. وفيه: رد قول من أنكر الاستنجاء بالماء، وقال: إنما ذلك وضوء النساء، وقال: إنما كانوا يتمسحون بالحجارة. وقال المهلب: فيه: خدمة العالم. قال أبو الزناد: دعا له النبى، ﷺ ، أن يفقهه الله فى الدين، سرورًا منه بانتباهه إلى وضع الماء، وهو من أمور الدين.

стр. 207

وفيه: المكافأة بالدعاء لمن كان منه إحسان، أو عون، أو معروف. - باب لا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ إِلا عِنْدَ الْبِنَاءِ، جِدَارًا أَوْ نَحْوِهِ / ١٠ - فيه: أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تمت إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ، فَلا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ، وَلا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا -. أما قوله فى الترجمة: تمت إلا عند البناء - فليس مأخوذًا من الحديث، ولكنه لما علم فى حديث ابن عمر استثناء البيوت، بوب فيه، لأن حديثه ﷺ كله كأنه شىء واحد، وإن اختلفت طرقه، كما أن القرآن كله كالآية الواحدة وإن كثر. قال المهلب: إنما نهى عن استقبال القبلة، واستدبارها بالغائط والبول فى الصحارى، والله أعلم، من أجل من يصلى فيها من الملائكة، فيؤذيهم بظهور عورته مستقبلاً أو مستدبرًا، وأما فى البيوت والمبانى، وما يستتر فيه من الصحارى، وعمن فيها فليس ذلك عليه، ويحتمل أن يكون النهى عن ذلك، والله أعلم، إكرامًا للقبلة، وتنزيهًا لها، كما روى ابن جريج عن عطاء قال: يكره أن ينكشف الإنسان مستقبل القبلة يتخلى، أو يبول، أو يأتزر إلا أن يأتزر تحت ردائه أو قميصه.

стр. 208

- باب مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ / ١١ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلا بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ، بِحَاجَتِهِ، وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ؟ فَقُلْتُ: لا أَدْرِى وَاللَّهِ. قال المؤلف: أما قول ابن عمر: تمت إن ناسًا يقولون: إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل القبلة، ولا بيت المقدس -، فرواه سعيد بن أبى مريم، قال: ثنا دواد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمرو ابن يحيى المازنى، قال: ثنا أبو زيد مولى بنى ثعلبة، عن معقل بن أبى معقل الأسدى، أن رسول الله ﷺ نهى أن تستقبل القبلتان بغائط، أو بول. ولم يقل بهذا الحديث أحد من الفقهاء إلا النخعى، وابن سيرين، ومجاهد، فإنهم كرهوا أن يستقبل أحدٌ القبلتين أو يستدبرهما بغائط، أو بول، الكعبة وبيت المقدس. وهؤلاء غاب عنهم حديث ابن عمر، وهو يدل على أن النهى إنما أريد به الصحارى لا البيوت، ولم يرو أحد عن النبى ﷺ أنه فعل ذلك فى الصحارى، وإنما روى أنه فعله فى البيوت. وقال أحمد بن حنبل: حديث ابن عمر ناسخ للنهى عن استقبال بيت المقدس، واستدباره بالغائط والبول، والدليل على هذا ما روى مروان الأصفر، عن ابن عمر، أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس، ثم

стр. 209

جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهى عن هذا؟ قال: إنما نهى عن هذا فى الفضاء، وأما إذا كان بينك وبين القبلة شىء يسترك فلا بأس. وروى وكيع، وعبيد الله بن موسى، عن عيسى بن أبى عيسى الحناط، قال: قلت للشعبى: إن أبا هريرة يقول: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. وقال ابن عمر: كانت منى التفاتة فرأيت النبى، ﷺ ، فى كنيفه مستقبل القبلة. فقال الشعبى: صدق ابن عمر، وصدق أبو هريرة، قول أبى هريرة فى البَرِّية، وقول ابن عمر فى الكنيف، وأما كنفكم هذه فلا قبلة لها. ودلت هذه الآثار على أن حديث أبى أيوب مخصص بحديث ابن عمر لا منسوخ به، وسيأتى اختلاف العلماء فى هذه الأحاديث فى أبواب القبلة فى كتاب الصلاة عند ذكر حديث أبى أيوب، إن شاء الله. وأما قوله: تمت إن ناسًا يقولون كذا -، ففيه دليل على أن الصحابة كانوا يختلفون فى معانى السنن، وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه، فمن هاهنا وقع بينهم الاختلاف. وقال ابن القصار: إن قيل: كيف جاز لابن عمر أن ينظر إلى مقعد النبى ﷺ ؟ فالجواب: أنه يجوز أن تكون كانت منه التفاتة فرآه، ولم يكن قاصدًا لذلك، فنقل ما رأى، وقصد ذلك لا يجوز كما لا يتعمد الشهود النظر إلى الزنا، ثم قد يجوز أن تقع أبصارهم عليه، ويجوز أن يتحملوا الشهادة بعد ذلك، وقد يجوز أن يكون ابن عمر قصد لذلك ورأى رأسه دون ما عدا ذلك من بدنه، ثم تأمل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله فنقل ما شاهد

стр. 210

وقوله: تمت لعلك من الذين يُصَلُّون على أوراكهم - يعنى الذى يسجد ولا يرتفع عن الأرض لاصقًا بها. - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ / ١٢ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِىِّ ﷺ : احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِىِّ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ أَلا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْحِجَابِ. / ١٣ - وفيه: عَائِشَةَ أنَّ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: تمت قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِى حَاجَتِكُنَّ -. قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِى الْبَرَازَ. قال المؤلف: البَراز، بفتح الباء، فى اللغة ما برز من الأرض واتسع، كنى به عن الحدث، كما كنى عن الغائط، والغائط المطمئن من الأرض. وقال المهلب: فيه مراجعة الأدون للأعلى فى الشىء يتبين للأدون. وفيه: فضل المراجعة إذا لم يقصد به التعنيت، وأنه قد تبين فيها من العلم ما يخفى، لأن نزول الآية كان سببه المراجعة. وفيه: فضل عمر، وهذه من إحدى الثلاث الذى وافق فيها ربه. وفيه: كلام الرجال مع النساء فى الطرق.

стр. 211

وفيه: جواز وعظ الرجل أمه فى البِرِّ، لأن سودة من أمهات المؤمنين. وفائدة هذا الباب أنه يجوز التصرف للنساء فيما بهن الحاجة إليه، لأن الله أذن لهن فى الخروج إلى البراز بعد نزول الحجاب، فلما جاز لهن ذلك جاز لهن الخروج إلى غيره من مصالحهن، أو صلة أرحامهن التى أوجبها الله عليهن، وقد أمر الرسول ﷺ النساء بالخروج إلى العيدين. وفى قوله: تمت قد عرفناك يا سودة - دليل أنه قد يجوز الإغلاظ فى القول والعتاب إذا كان قصده الخير. قال عبد الواحد: فى قول عمر: تمت احجب نساءك - التزام النصحية لله ورسوله. - باب الاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ / ١٤ - فيه: أَنَس، كَانَ النَّبِىُّ، ﷺ ، إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِىءُ أَنَا وَغُلامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، يَعْنِى يَسْتَنْجِي بِهِ. قال المهلب: قال أبو محمد الأصيلى: الاستنجاء بالماء ليس بالبين فى هذا الحديث، لأن قوله: تمت يعنى يستنجى به -، ليس من قول أنس، وإنما هو من قول أبى الوليد الطيالسى. وقد رواه سليمان بن حرب، عن شعبة، وقال شعبة: تمت تبعته أنا

стр. 212

وغلام، معنا إداوة من ماء -، ولم يذكر: فيستنجى به، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه، فقال له أبو عبد الله بن أبى صفرة: قد تابع أبا الوليد النضرُ، وشاذان عن شعبة، وقالا: تمت يستنجى بالماء -، فقال: تواترت الآثار عن أبى هريرة، وأسامة وغيرهما من الصحابة على الحجارة. قال المؤلف: وقد اختلف السلف فى الاستنجاء بالماء فأما المهاجرون فكانوا يستنجون بالأحجار، وأنكر الاستنجاء بالماء سعد بن أبى وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وسعيد بن المسيب، وقال: إنما ذلك وضوء النساء. وكان الحسن لا يغسل بالماء، وقال عطاء: غسل الدبر محدث. وكان الأنصار يستنجون بالماء، وكان ابن عمر يرى الاستنجاء بالماء بعد أن لم يكن يراه، وهو مذهب رافع بن خديج، وروى ذلك عن حذيفة، وعن أنس أنه كان يستنجى بالخرص، واحتج الطحاوى للاستنجاء بالماء، فقال: قال الله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢] ، فطلبنا تأويل ذلك، فوجدنا السلف قد تأولوا معنى الآية على قولين: فقال عطاء: إن الله يحب التوابين، يعنى من الذنوب، والمتطهرين بالماء، وروى عن على بن أبى طالب مثله. وعن أبى الجوزاء: ففى هذا أن الطهارة التى أحب الله أهلها عليها فى هذه الآية هى الطهارة بالماء. وقال أبو العالية: إن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين من الذنوب.

стр. 213

ولما اختلفوا فى التأويل طلبنا الوجه فيه من كتاب الله، فوجدنا الله قال: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [التوبة: ١٠٨] ، وقال الشعبى: لما نزلت هذه الآية، قال ﷺ : تمت يا أهل قباء، ما هذا الثناء الذى أثنى الله عليكم -؟ قالوا: ما منا أحد إلا وهو يستنجى بالماء. وروى سفيان، عن يونس بن خباب، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن عبد الله بن خباب، أن أهل قباء ذكروا للنبى، ﷺ ، الاستنجاء بالماء، فقال: تمت إن الله قد أثنى عليكم فدوموا -. وقال محمد بن عبد الله بن سلام: أما تجدوه مكتوبًا علينا فى التوراة الاستنجاء بالماء -، فدل ذلك أن الطهارة المذكورة فى الآية الأولى هى هذه الطهارة. وقال غيره: روت معاذة، عن عائشة، قالت: مُرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول والماء، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله. وروى مالك فى موطأه، عن عمر بن الخطاب، أنه كان يتوضأ بالماء وضوءًا لما تحت إزاره. قال مالك: يريد الاستنجاء بالماء، وترجم لحديث أنس باب من حمل معه الماء لطهوره، وباب حمل العَنَزَة مع الماء فى الاستنجاء. قال المهلب: معنى حمل العنزة، والله أعلم، أنه كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلى، فكانت العنزة لسترته فى الصلاة. وفيه: أن خدمة العالم، وحمل ما يحتاج إليه من إناء وغيره، شرف للمتعلم، ومستحب له، ألا ترى قول أبى الدرداء: أليس

стр. 214

فيكم صاحب النعلين والطهور، والوسادة. يعنى عبد الله بن مسعود، فأراد بذلك الثناء عليه والمدح له، لخدمة النبى ﷺ . - باب النَّهْىِ عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ / ١٥ - فيه: ابن أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تمت إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَفَّسْ فِى الإنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلاءَ فَلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ -. قال المؤلف: التنفس فى الإناء منهى عنه كما نُهى عن النفخ فى الإناء، وإنما السنة إراقة القذى من الإناء لا النفخ فيه، ولا التنفس، لئلا يتقذره جلساؤه. وقوله: تمت لا يمس ذكره بيمينه -، فهو فى معنى النهى عن الاستنجاء باليمين، لأن القبل والدبر عورة، وموضع الأذى، وهذا إذا كان فى الخلاء، وأما على الإطلاق على ما روى عن عثمان أنه قال: ما تغنيت، ولا تمنيت، ولا مسست ذكرى بيمينى مذ بايعت بها رسول الله، ﷺ . فهذا على إكرام اليمين، وإجلا النبى ﷺ فى مباشرته، وهذا كله عند الفقهاء نهى أدب. قال المهلب: وفيه: فضل الميامن، وقد قال على: يمينى لوجهى، يعنى للأكل وغيره، وشمالى لحاجتى، وقد نزع لهذا الكلام ابنه

стр. 215

الحسن حين امتخط بيمينه عند معاوية، فأنكر عليه معاوية، وقال: بشمالك. وأما الاستنجاء باليمين، فمذهب مالك، وأكثر الفقهاء أن من فعل ذلك فبئس ما فعل ولا شىء عليه. وقال بعض أصحاب الشافعى، وأهل الظاهر: لا يجزئه الاستنجاء بيمينه لمطابقة النهى. والصواب فى ذلك قول الجمهور، لأن النهى عن الاستنجاء باليمين من باب الأدب، كما أن النهى عن الأكل بالشمال من باب أدب الأكل، فمن أكل بشماله فقد عصى، ولا يحرم عليه طعامه بذلك، وكذلك من استنجى بيمينه، وأزل الغائط فقد خالف النهى، ولم يقدح ذلك فى وضوئه ولا صلاته، ولم يأت حرامًا. وترجم الحديث ابن أبى قتادة باب لا يمس ذكره بيمينه إذا بال، وهذا كله من باب الأدب، وتفضيل الميامن، ألا ترى قول عثمان: ولا مسست ذكرى بيمينى مذ بايعت رسول الله ﷺ ، فينبغى التأدب بأدب النبى ﷺ ، وسلف الصحابة، وتنزيه اليمنى عن استعمالها فى الأقذار ومواضعها. - باب الاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ / ١٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: - اتَّبَعْتُ النَّبِىَّ، ﷺ ، وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: تمت ابْغِنِى أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، أَوْ
следующие страницы →