Полный текст (5 502 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وحجة من لم ير الوضوء من الضحك: أنه لما لم يكن حدثًا فى غير الصلاة لم يكن حدثًا فى الصلاة. وقول الحسن: من أخذ من شعره أو أظفاره، فلا وضوء عليه، هو قول أهل الحجاز والعراق. وروى عن أبى العالية، والحكم، ومجاهد، وحماد إيجاب الوضوء فى ذلك. وقال عطاء والشافعى والنخعى يمسه بالماء. وأما من خلع خفيه بعد المسح عليهما ففيهما أربعة أقوال: قال مكحول، والنخعى، والزهرى، وابن أبى ليلى، والأوزاعى، وأحمد وإسحاق: يستأنف الوضوء من أوله، وهو قول الشافعى القديم. وقال مالك والليث: يغسل رجليه مكانه، فإن لم يغسل استأنف الوضوء. وقال الثورى، وأبو حنيفة، والشافعى فى الجديد، والمزنى، وأبو ثور: يغسل رجليه إذا أراد الصلاة، ومن جعل الرتبة مستحبة فى الوضوء من أصحاب مالك يقول مثل هذا. وقال الحسن البصرى: لا شىء عليه ويصلى كما هو، وهو قول مالك، وروى مثله عن النخعى. وحديث الذى نزفه الدم من السهم، ومضى فى صلاته، يدل أن الرعاف والدم لا ينقضان الوضوء، وهو قول أهل الحجاز، وهو رد على أبى حنيفة.
стр. 247
وفى الحجامة عند أبى حنيفة وأصحابه: الوضوء، وهو قول أحمد بن حنبل. وعند ربيعة، ومالك، والليث، وأهل المدينة: لا وضوء فى الحجامة، وهو قول الشافعى، وأبى ثور، وقالوا: ليس فى الحجامة إلا غسل مواضعها فقط. وقال الليث: يجزئ أن يمسحه ويصلى ولا يغسله وسائر ما ذكره البخارى فى هذا الباب من أقوال الصحابة والتابعين أنه لا وضوء من الدم والحجامة مطابق للترجمة أنه لا وضوء فى غير المخرجين، وكذلك أحاديث الباب حجة فى ذلك أيضًا. وقوله: تمت الحدث الضرطة، ولا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا -، هو إجماع من العلماء. وحديث المقداد فى المذى، مجمع عليه أن فيه الوضوء أظنه إلا أن يسلس منه عند مالك فهو مرض، ولا يكون فيه الوضوء، وحجته فى مراعاة المعتاد من المخرجين قوله ﷺ فى دم الاستحاضة: تمت إنما ذلك عرق، وليس بالحيض -، فعلل ﷺ دم الاستحاضة بأنه عرق، ودم العرق لا يوجب وضوءًا، وسيأتى هذا المعنى مبينًا فى مواضعه، إن شاء الله. وأما حديث عثمان وأبى سعيد فأقل أحوالهما حصول المذى لمن جامع ولم يمن، فهما فى معنى حديث المقداد من وجه إلا أن جماعة العلماء، وأئمة الفتوى مجمعون على الغسل من مجاوزة الختان، لأمر
стр. 248
رسول الله، ﷺ ، بذلك، وهو زيادة بيان على حديث عثمان وأبى سعيد، يجب الأخذ بها إذ الأغلب فى ذلك سبق الماء للمولج وهو لا يشعر به لمغيب العضو، إذ ذلك بدء اللذة، وأول العسيلة، فالتزم المسلمون الغسل من مَغيِب الحشفة بالسنة الثابتة فى ذلك، وشذ عن جماعتهم جاهل، خرق الإجماع وخالف سبيل المؤمنين الذين أمرنا باتباعهم، فلا يلتفت إليه ولا يعد خلافًا، وسيأتى الكلام فى هذا المعنى مستوعبًا فى باب الغسل، إن شاء الله. وقوله: تمت أو قحطت - هكذا وقع فى الأمهات وذكر صاحب الأفعال قال: يقال: أقحط الرجل إذا أكسل فى الجماع عن الإنزال، ولم يذكر قحط، والله أعلم.
٣١ - باب الرَّجُلُ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ
/ ٤١ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ، أَنَّ النبِى، ﷺ ، لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ أُسَامَةُ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ، وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّى؟ فَقَالَ: تمت الْمُصَلَّى أَمَامَكَ -. / ٤٢ - وفيه: الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النبِى، ﷺ ، فِي سَفَرٍ وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجته، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. قوله: تمت فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ -،
стр. 249
فيه ما تُرجم به وهو قول جماعة العلماء، وهذا الباب رد لما روى عن عمر، وعلى، أنهما نهيا أن يستقى لهما الماء لوضوئهما، وقالا: نكره أن يشركنا فى الوضوء أحد، ورويا ذلك عن النبى، ﷺ ، ولما روى عن ابن عمر أنه قال: ما أبالى أعاننى رجل على طهورى، أو على ركوعى وسجودى. وهذا كله مردود بآثار هذا الباب. قال الطبرى: وقد صح عن ابن عمر أن ابن عباس صب على يدى عمر الوضوء بطريق مكة، حين سأله عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ ، وثبت عن ابن عمر خلاف ما ذُكر عنه، وروى شعبة، عن أبى بشير، عن مجاهد أنه كان يسكب على ابن عمر الماء، فيغسل رجليه. وهذا أصح مما خالفه عن ابن عمر، لأن راويه أيفع، وهو مجهول. والحديث عن على لا يصح، لأن راويه النضر بن ميمون، عن أبى الجنوب، عن على، وهما غير حجة فى الدين، فلا يعتد بنقلهما، ولو صح ذلك عن عمر لم يكن بالذى يبيح لابن عباس صب الماء على يديه للوضوء إذ ذاك أقرب للمعونة من استقاء الماء له، ومحال أن يمنع عمر استقاء الماء له ويبيح صب الماء عليه للوضوء مع سماعه من النبى، ﷺ ، الكراهية لذلك. وممن كان يستعين على وضوئه بغيره من السلف، قال الحسن: رأيت عثمان أمير المؤمنين يصب عليه من إبريق، وفعله عبد الرحمن بن أبزى، والضحاك بن مزاحم، وقال أبو الضحى: لا بأس للمريض أن توضئه الحائض. قال غيره: واستدل البخارى من صب الماء عليه عند الوضوء أنه
стр. 250
يجوز للرجل أن يوضئه غيره، لأن لما لزم المتوضئ اغتراف الماء من الإناء لأعضائه وجاز له أن يكفيه ذلك غيره، بدليل صب أسامة الماء على رسول الله ﷺ لوضوئه، والاغتراف بعض عمل الوضوء، فكذلك يجوز سائر الوضوء، وهذا من باب القربات التى يجوز أن يعملها الرجل عن غيره بخلاف الصلاة. ولما أجمعوا أنه جائز للمريض أن يوضئه غيره وييممه غيره إذا لم يستطع، ولا يجوز أن يصلى عنه إذا لم يستطع، دل أن حكم الوضوء بخلاف حكم الصلاة.
٣٢ - باب قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ
قَالَ إِبْرَاهِيمَ: لا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِى الْحَمَّامِ، وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ، وَإِلا فَلا تُسَلِّمْ. / ٤٣ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ - وَهِيَ خَالَتُهُ - فَاضْطَجَعْتُ فِى عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِى طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ. . . . وذكر باقى الحديث. فى هذا الحديث من الفقه رد على من كره قراءة القرآن على غير طهارة لمن لم يكن جنبًا، وهو الحجة الكافية فى ذلك، لأنه ﷺ قرأ العشر الآيات من آخر آل عمران بعد قيامه من نومه قبل
стр. 251
وضوئه، وقد قال عمر بن الخطاب لأبى مريم الحنفى، حين قال له: أتقرأ يا أمير المؤمنين على غير وضوء؟ فقال له عمر: من أفتاك بهذا أمسيلمة؟ وحسبك بعمر فى جماعة الصحابة، وهم القدوة الذين أُمرنا باتباعهم، ومن الحجة لهذه المقالة أيضًا أن الله لم يوجب فرض الطهارة على عباده المؤمنين إلا إذا قاموا إلى الصلاة، وقد صح عنه ﷺ أنه خرج من الخلاء فأتى بطعام، فقيل له: ألا تتوضأ، فقال: تمت أريد أن أصلى فأتوضأ -؟ فرأى ﷺ تأخير الطهارة بعد الحدث إلى حال إرادته الصلاة. وكره جمهور العلماء مس المصحف على غير وضوء، وأجازه الشعبى، ومحمد بن سيرين. واختلف العلماء فى قراءة الجنب للقرآن، فروى عن جماعة من السلف أنه ممنوع من ذلك، وأجاز ذلك آخرون، وسيأتى ذكر ذلك بعد هذا، إن شاء الله. واختلفوا فى القراءة فى الحمام، فأجازه النخعى ومالك، وكرهه أبو وائل، والشعبى ومكحول، والحسن.
٣٣ - باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلا مِنَ الْغَشْىِ الْمُثْقِلِ
/ ٤٤ - فيه: أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ، ﷺ ، حِينَ كسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِىَ قَائِمَةٌ تُصَلِّى، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ،
стр. 252
فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلانِى الْغَشْىُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِى مَاءً. . . . . وذكر باقى الحديث. قال عبد الواحد: الغشى: مرض يَعْرِض من طول التعب والوقوف، يقال فيه: غشى عليه، وهو ضرب من الإغماء، إلا أنه أخف منه إذا كان خفيفًا، ولا ينقض الوضوء، ولا الصلاة، وإنما صَبت أسماء الماء على رأسها مدافعة للغشى، ولو كان كثيرًا لقطعت الصلاة، لأنه إذا كثر صار كالإغماء، ونقض الوضوء بإجماع. وقال صاحب العين: غشى عليه: ذهب عقله، وفى القرآن) كالذى يغشى عليه من الموت) [الأحزاب: ١٩] ، وقال: (فأغشيناهم فهم لا يبصرون) [يس: ٩] .
٣٤ - باب مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) [المائدة: ٦]
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: الْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا. وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَيُجْزِئُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ؟ فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. / ٤٥ - فيه: عَبْدُاللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أن رجلاً قَالَ لهُ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِى كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيه مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ
стр. 253
رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. اختلف أهل التأويل فى قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) [المائدة: ٦] . فقالت طائفة: المراد منه مسح جميع الرأس، واحتجوا فى ذلك بحديث عبد الله بن زيد، قالوا: وهذا الحديث يدل على عموم الرأس بالمسح كعموم ما سواه من الأعضاء بالغسل، هذا قول مالك. وقال آخرون: بل الفرض مسح بعضه، واختلف أهل هذه المقالة فى مقدار الممسوح منه، فقال أبو حنيفة وأصحابه: إن مسح ربع رأسه أجزأه، ويبدأ بمقدم رأسه. وقال الحسن بن حى: يبدأ بمؤخر رأسه، وقال محمد بن مسلمة صاحب مالك: يجزئه أن يمسح ثلثى رأسه. وقال أشهب: إن اقتصر على ثلثه أجزأه. ذكره عنه ابن القصار، وروى البرقى، عن أشهب فيمن مسح مقدم رأسه: يجزئه، وهو قول الأوزاعى، والليث. قال: وذكر ابن القصار عن الثورى والشافعى: يجزئه مسح ما يقع عليه الاسم، وقالوا: المسح فى لسان العرب ليس من شأنه الاستيعاب، واحتج الطحاوى لأصحابه، قال: لما احتمل قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) [المائدة: ٦] مسح جميع الرأس واحتمل مسح بعضه، ودلت السنة فى حديث المغيرة أن بعضه يجزئ دل أن ذلك هو الفرض. وروى حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمرو بن
стр. 254
وهب الثقفى، عن المغيرة ابن شعبة، أن النبى، ﷺ ، مسح بناصيته، وعلى عمامته. ورواه ابن عون، عن ابن سيرين، عن المغيرة. وقالوا فى حديث عبد الله بن زيد، أن النبى، ﷺ ، مسح رأسه كله، وليس فى ذلك ما يدل على أنه الفرض لأنا رأيناه ﷺ توضأ مرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا لا على أن ذلك هو الفرض، ولكن منه فرض، ومنه فضل، ولما اكتفى ﷺ بمسح الناصية عن مسح بقية الرأس، دل أن الفرض فى مسحه هو مقدار الناصية وأن ما فعله فى حديث عبد الله بن زيد وغيره مما جاوز به الناصية، كان على الفضل لا على الوجوب لا تَتضادّ الأحاديث. قالوا: ومن طريق النظر: أنَّا ومخالفونا نمسح على الخفين ونُجمعُ على أن المسح عليهما لا يعمهما، لأن من كان منا يمسح عليهما خطوطًا بالأصابع يقول: لا يمسح جانبيهما، ولا أعقابهما، ولا بطونهما، ومن كان منا يمسح على ظهورهما، وعلى بطونهما لا يمسح على جوانبهما، ولا على أعقابهما، فدل ذلك على أن ما فرضه المسح لا يراد عمومه، وإنما يراد بعضه. فأدخل عليهم الآخرون، وقالوا: وجدنا المتيمم يعم بالمسح الوجه واليدين، فكذلك المسح فى الوضوء، ينبغى أن يعم به العضو الممسوح قياسًا ونظرًا، ولأن الأمة مجمعة أن من مسح برأسه كله فهو مؤَدٍّ لفرضه، واختلفوا فيمن مسح بعضه، فالواجب أن لا يؤدى فرض الوضوء إلا بيقين، وهو مسح الرأس كله. فكان من حجة الآخرين عليهم أن التيمم يشبه بعضه بعضًا، ومنه التيمم على الوجه يعم به، ومن التيمم على اليدين تُعَمَّان، والوضوء
стр. 255
ليس كذلك، فمنه المسح على الخفين اللذين لا يُعمَّان به، والمسح على الرأس الذى منه أشبه بالمسح على الخفين الذى منه، من مسح التيمم الذى ليس منه، وقياس مسح الوضوء على مسح الوضوء أصح من قياسه على مسح التيمم، هذا قول الطحاوى. وقال غيره: ويقال لمن زعم أن مسح الوجه فى التيمم لا يجزئ بعضه: فكذلك مسح الرأس، لأن مسح الوجه فى التيمم بدل من عموم غسله، فلابد أن يأتى بالمسح على جميع مواضع الغسل منه، ومسح الرأس أصل، فهذا فرق ما بينهما. واحتج الذين قالوا بمسح جميع الرأس بأن الباء فى قوله: (برءوسكم) [المائدة: ٦] للإلصاق لا للتبعيض، وهو قول سيبويه وغيره، لا اختلاف فى ذلك بين بصرى وكوفى كقوله: (وليطوفوا بالبيت العتيق) [الحج: ٢٩] ، وقد أجمعوا أنه لا يجوز الطواف ببعضه، فكذلك مسح الرأس. قال ابن القصار: ويقال لمن احتج بأنه ﷺ ، مسح بناصيته: يحتمل أن يراد البعض، وأن يرد الكل، كقوله تعالى: (فيؤخذ بالنواصى والأقدام) [الرحمن: ٤١] ، فالنواصى هاهنا الرءوس، ولا يجوز أن يراد بعضها، والحديث غير صحيح، لأن راويه عن أنس معقل بن مسلم، وصحيحه مرسل عن المغيرة، ولو صح كانت لنا فيه حجة، لأن النبى، ﷺ ، لما لم يقتصر على مسح الناصية حتى قرن إلى ذلك مسح العمامة عُلِمَ أنه لا يجوز الاقتصار على الناصية، ويصرف مسحه على العمامة إلى العذر.
стр. 256
وأيضًا فإن الصحابة بأجمعها نقلت وضوء رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً أنه مسح رأسه كله، وشذت رواية أنه مسح بناصيته، وحكت منه فعلة وقعت فى بعض الأوقات، فكان حملها على العذر أولى، لأنه لو أراد أن يُعَلِّم الناس الواجب لبين ذلك، كما قال لما توضأ مرة مرة: تمت هذا صفة الوضوء الذى لا يقبل الله الصلاة إلا به -. قال عبد الواحد: ولا حجة للحسن بن حى فى قوله فى الحديث: تمت فأقبل بهما وأدبر - على جواز أن يبدأ بمؤخر رأسه بالمسح، لأن قوله: تمت فأدبر بهما وأقبل - يحتمل التقديم والتأخير، إذ لا توجب الواو رتبة، وقد خرج البخارى هذا الحديث فى باب الوضوء من التور، وقال فيه: تمت فأدبر بهما وأقبل -. وهذا نص أنه بدأ بمقدم رأسه، وقد بين ذلك ما رواه مالك فى حديث هذا الباب، قال: تمت فأقبل بهما وأدبر بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذى بدأ منه -. وفى حديث هذا الباب جواز غسل بعض أعضاء الوضوء مرتين، وبعضهما ثلاثًا فى وضوء واحد، دليل على جواز غسل بعض أعضاء الوضوء مرة، وبعضها أكثر من ذلك. وقوله: تمت ثم - فى جميع الحديث لم يرد بها المهلة، وإنما أراد بها الإخبار عن صفة الغسل، وتمت ثم - هاهنا بمعنى تمت الواو -.
стр. 257
٣٥ - باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
/ ٤٦ - فيه: عَبْدَاللَّهِ بْنَ زَيْدٍ أنه تَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ رسول اللَّه ﷺ ، فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِيهِ مِنَ التَّوْرِ، وَغَسَلَهما ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِى التَّوْرِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهِ اليمنى إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. قد تقدم القول فى غسل الرجلين، وما للعلماء فى ذلك، فأغنى عن إعادته، ونذكر فى هذا الباب من ذلك ما لم يتقدم، وذلك قوله: تمت فغسل يديه إلى المرفقين وغسل رجليه إلى الكعبين -. فذهب جمهور العلماء إلى أن المرفقين يدخلان فى غسل الذراعين فى الوضوء، وهو قول مالك فى رواية ابن القاسم، وقول الكوفيين والشافعى وأحمد وجماعة. وخالف زفر أصحابه، وقال: لا يجب غسل المرفقين. وروى أشهب وابن نافع، عن مالك فى المجموع قال: ليس عليه مجاوزة المرفقين ولا الكعبين فى الغسل، وإنما عليه أن يبلغ إليهما. واحتج زفر بأن الله تعالى أمر بغسلهما إلى المرافق وجعل المرافق حدًا والحد لا يدخل فى المحدود، كقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) [البقرة: ١٨٧] ، فجعل الليل حدا للصوم، ولم يدخل شىء من الليل فيه، وكما نقول: دار فلان تنتهى إلى دار فلان، فتكون دار فلان حدًا لها، ولا تدخل دار فلان فى داره وكذلك هاهنا. وقال الطبرى: كل غاية حُدَّتْ ب تمت إلى -، فقد تحتمل فى كلام
стр. 258
العرب دخول الغاية فى الحد وخروجها منه، وإذا احُتمِلَ ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيها إلا لمن لا يُجوِّز خلافه، ولا حكم فى ذلك عندنا ممن يجب التسليم لحكمه. وحجة الجماعة: أن قوله تعالى: (إلى المرافق) [المائدة: ٦] بمعنى مع، وبمعنى الواو وتقديره: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم والمرافق، أو مع المرافق، كما قال تعالى: (من أنصارى إلى الله) [آل عمران: ٥٢] ، أى مع الله) ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) [النساء: ٢] ، أى مع أموالكم. وقد قال بعض أهل الفقه: لا يحتاج إلى هذا التأويل، ولو كما تأوله لوجب غسل اليد من أطراف الأصابع إلى أصل الكتف، ولا يجوز أن تخرج تمت إلى - عن بابها، وذلك لأنها بمعنى الغاية أبدًا وجائز أن تكون بمعنى الغاية، وتدخل المرافق فى الغسل، لأن الثانى إذا كان من الأول كان ما بعد تمت إلى - داخلاً فيما قبله، فدخلت المرافق فى الغسل لأنها من اليدين، ولم يدخل الصيام فى الليل فى قوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) [البقرة: ١١٧] ، لأن الليل ليس من النهار. قال ابن القصار: واليد يتناولها الاسم إلى الإبط، بدليل ما روى عن عمار أنه كان يتيمم إلى الإبط، امتثالاً لما اقتضاه اسم اليد، وعمار من وجوه أهل اللغة، فما استثنى الله بعض ذلك بقوله: (إلى المرافق (بقى المرفق مغسولاً مع الذراعين نحو الاسم، ومن أوجب غسل المرفقين، فقد أدى فرضه بيقين، واليقين فى أداء الفرض واجب.
стр. 259
والخلاف فى غسل الكعبين مع الرجلين كالخلاف فى غسل المرفقين مع الذراعين والحجة فيها واحدة. وأما قول مالك فى ذلك، فروى ابن القاسم عنه أنه إن ذهب المرفقان مع الذراعين فى القطع لم يكن عليه غسل موضع القطع، وأما الأقطع الكعبين، فلابد أن يغسل ما بقى منهما لأن الكعبين يبقيان فى الساقين بعد القطع. واختلف العلماء فى حد الكعبين اللذين يجب إليهما الوضوء، فروى أشهب عن مالك، قال: الكعب هو الملصق بالساق، المحاذى للعقب، وهو قول الشافعى وأحمد. وقال أبو حنيفة: هو الشاخص فى ظهر القدم، وأهل اللغة لا يعرفون ما قال. قال الأصمعى: الكعبان من الإنسان العظمان الناشزان من جانبى القدم، وأنكر قول العامة أنه الذى فى ظهر القدم. والكعب عند العرب ما نشز واستدار. وقال أبو زيد: فى كل رِجْلٍ كعبان، وهما عظما طرف الساق ملتقى القدمين، يقال لهما: منجمان، والدليل على صحة هذا قول النعمان بن بشير حين قال لهم النبى، ﷺ : تمت أقيموا صفوفكم -، قال النعمان: فلقد رأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، وهذا لا يصح إلا مع القول بأنهما الناتئان فى جانبى الساقين.
стр. 260
٣٦ - باب اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ
وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ أَهْلَهُ أَنْ يَتَوَضَّئُوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ. / ٤٧ - فيه: أَبُو جُحَيْفَةَ، خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِىَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ، فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: دَعَا النَّبِىُّ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: تمت اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا -. / ٤٨ - وفيه: مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، أن الرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجَّ فِى وَجْهِهِ وَهُوَ غُلامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ. / ٤٩ - وفيه: الْمِسْوَرِ، أن النَّبِىُّ ﷺ كَانَ إِذَا توضأ يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ. / ٥٠ - وفيه: السَّائِبَ قَالَ: ذَهَبَتْ بِى خَالَتِى إِلَى النَّبِىِّ، ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِى وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِى، وَدَعَا لِى بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ. . . . . الحديث. قال المهلب: هذا الباب كله يقتضى طهارة فضل الوضوء، وهو الماء الذى يتطاير عن المتوضئ ويجمع بعدما غسل به أعضاء الوُضُوء. وفضل السواك هو الماء الذى ينقع فيه السواك ليرطب، وسواكهم الأراك وهو لا يغير الماء. فأراد البخارى أن يعرفك أن كل ما لا يتغير، فإنه يجوز الوضوء به، والماء المستعمل غير متغير فهو طاهر، واختلف العلماء فى ذلك:
стр. 261
فأجاز النخعى، والحسن البصرى، والزهرى الوضوء بالماء الذى قد توضئ به، وهو قول مالك، والثورى، وأبى ثور. وقال محمد بن الحسن، والشافعى: هو طاهر غير مُطَهِّر. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: هو نجس، واحتجوا بأنه ماء الذنوب. قال ابن القصار: فيقال لهم: هذا مَثَلٌ ضربه النبى، ﷺ ، أى كما يغسل الدرن من الثوب، كذلك تتحات الذنوب بالغسل، لا أن الذنوب شىء ينماع فى الماء ولا يؤثر فى حكمه، ثم إننا نعلم أن الذنوب تتحات من كل جزء عند أول جزء من الوجه، أو اليد ثم كلما انحدر على جزء آخر هو كذلك، فينبغى أن لا يجزئه ما مر على الجزء الثانى لأنه ماء الذنوب. ونقول: إن الإجماع حاصل على جواز استعمال الماء المستعمل، وذلك أن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملا، ثم يُمرُّه على كل جزء بعده فيجزئه، ولو لم يجز الوضوء بالماء المستعمل لم يجز إمراره على باقى العضو، ولوجب عليه أن يأخذ لكل جزء من العضو ماءً جديدًا. فإن قالوا: الماء المستعمل عندنا هو إذا سقط عن جميع العضو، فأما ما دام على العضو فليس بمستعمل، قيل: يلزمكم أن لا يكون مستعملاً الأعضاء كلها، لأنه لا يصح أن تكون متوضئًا بغسل بعض الأعضاء وترك البعض مع القدرة، لأن الأعضاء كلها كالعضو الواحد فى حكم الوضوء.
стр. 262
وقد أجمعوا أن الإنسان غير مأخوذ عليه أن يوقى ثوبه، أو بدنه مما يترشش عليه من الماء المستعمل، وقد أخذ عليه أن يتحرز من ترشش البول، فلو كان نجسًا لوجب التحرز منه. فصح أنه طاهر، لأنه ماء لم يتغير طعمه ولا لونه ولا ريحه، ولم يؤثر الاستعمال فى عينه، فلم يؤثر فى حكمه، وهو طاهر لاقى جسمًا طاهرًا، فجاز أن يسقط به الفرض مرة أخرى كالماء الذى غسل به ثوب طاهر، فمن أين تحدث فيه نجاسة؟ . وقد روى عن على، وابن عمر، وأبى أمامة، وعطاء، ومكحول، والنخعى، والحسن أنهم قالوا فيمن نسى مسح رأسه فوجد فى لحيته بللاً: يجزئه أن يمسحه بذلك البلل، فدل أنهم كانوا يرون استعمال الماء المستعمل. وقال غيره: يقال لمن قال: إن ماء الذنوب نجس، بل هو ماء طاهر مبارك، لأنه الماء الذى رفع الله بالغسل به الخطايا، وقد رفع الله ما كانت فيه هذه البركة عن النجاسة، وبالله التوفيق. قال المهلب: ففى أحاديث هذا الباب دليل على أن لعاب أحد من البشر ليس بنجس ولا بقية شربه، وذلك يدل أن نهيه، ﷺ ، عن النفخ فى الطعام والشراب ليس على سبيل أن ما تطاير فيه من اللعاب ينجسه، وإنما هو خشية أن يتقذره الآكل منه، فأمر بالتأديب فى ذلك، وهذا التقذر الذى نهى عن النفخ من أجله مرتفع عن النبى، ﷺ ، بل كانت نخامته أطيب عند المسلمين من المسك، لأنهم كانوا يتدافعون عليها، ويدلكون بها وجوههم لبركتها
стр. 263
وطيبها، وأنها مخالفة لخلوف أفواه البشر، وذلك لمناجاته الملائكة فطيب الله لهم نكهته، وخلوف فيه، وجميع رائحته. وفى قصة محمود: ممازحة الطفل بما يصعب عليه، لأن مج الماء قد يصعب عليه، وإن كان قد يستلذه. وحديث أبى موسى يحتمل أن يكون أمر النبى ﷺ بالشرب من وضوئه الذى مج فيه، وأن يفرغا منه على نحورهما ووجوهما من أجل مرض، أو شىء أصابهما، وهو حديث مختصر لم يذكر فيه اللذان أمرهما بذلك. وفى حديث السائب: بركة الاسترقاء. وقوله فى حديث السائب: تمت إن ابن أختى وقع -، فمعناه أنه وقع فى المرض، وإن كان روى وقع بكسر القاف، وأهل اللغة يقولون: وقع الرجل، إذا اشتكى لحم قدمه، قال الراجز: كلَّ الحِذَاءِ يَحْتَذِى الحَافِى الوَقِعْ والمعروف عندنا وقع بفتح القاف والعين.
٣٧ - باب مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
/ ٥١ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 264
وترجم له: باب مَسْحِ الرَّأْسِ مسحة واحدة / ٥٢ - وقال فيه: فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَه وَأَدْبَرَ بِهِا. فى هذا الحديث أنه مضمض واستنشق ثلاثًا، بخلاف ما رواه عثمان، وابن عباس فى صفة وضوء النبى، ﷺ ، ولم يذكرا مرتين ولا ثلاثًا، فدل أن المرة الواحدة تجزئ فى ذلك، وإنما اختلف فعله فى ذلك ليرى أمته التيسير فيه، وأن الوضوء لا حَدَّ فى المفروض منه والمسنون إلا بالإسباغ. واختلف العلماء فى المستحب والمسنون من مسح الرأس: فذهب جمهور العلماء أن مسح الرأس مسحة واحدة، وقال مالك: رَدُّ يديه من مؤخر رأسه إلى مقدمه مسنون، لأن مسح جميع الرأس هو أن يبدأ من مقدمه إلى مؤخره، فرده يديه بعد ذلك إلى مقدمه مسنون، ولو بدأ بالمسح من مؤخر رأسه إلى مقدمه لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم إلى المؤخر. قال ابن القصار: وهذا مذهب ابن عمر، والحسن البصرى، وأحمد، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: المسنون ثلاث مسحات لمن توضأ ثلاثًا ثلاثًا. والحجة على الشافعى أن المستحب والمسنون يحتاجان إلى شرع. وفى حديث عبد الله بن زيد، وابن عباس أنه مسح، ﷺ ، رأسه مرة واحدة. وفى حديث عثمان، وإن كان فيه أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، فيه أنه مسح برأسه مرتين: بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى حيث بدأ، وهو خلاف قول الشافعى.
стр. 265
وقد توهم بعض الناس فى حديث عبد الله بن زيد أن قوله فيه: تمت ثم مسح رأسه فأقبل بهما وأدبر - أنه بدأ من مؤخر رأسه فأقبل بهما، قاله الحسن بن حى. وتوهم غيره: أنه بدأ من وسط رأسه فأقبل بيديه وأدبر، وهذه كلها ظنون. وفى قوله: تمت بدأ بمقدم رأسه - ما يرفع الإشكال، وقد تقدم هذا المعنى فى باب مسح الرأس. وقوله: تمت من كفة واحدة - أراد من غرفة واحدة أو حفنة واحدة فاشتق لذلك من اسم الكف عبارة عن ذلك المعنى كما يسمى الشىء باسم ما كان منه سبب، ولا يعرف فى كلام العرب إلحاق هاء التأنيث فى الكف، والله أعلم.
٣٨ - باب وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ
وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ وَمِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ. / ٥٣ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُون جَمِيعًا فِى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قال ابن القصار: ذهب أئمة الفتوى بالأمصار إلى أنه لا بأس بالوضوء من فضل الحائض والجنب، مثل أن يفضل فى إنائهما ماء بعد فراغهما من غُسلهما، فيجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة وغسلها، إلا أحمد بن حنبل، فإنه قال: لا يجوز أن يتوضأ من فضل
стр. 266
ما توضأت به المرأة أو اغتسلت به متفردة، ووافقنا على أنه يجوز لها أن تتوضأ من فضل الرجل، والرجل من فضل الرجل، والمرأة من فضل المرأة، وكذلك إذا استعملاه جميعًا جاز أن يتوضأ الرجل منه. قال ابن القصار: وحديث ابن عمر يسقط مذهبه، لأن الرجال والنساء إذا توضئوا من ماء واحد فإن الرجل يكون مستعملا لفضل المرأة لا محالة. قال غيره: وحديث ابن عمر هذا يعارض ما روى عن النبى، ﷺ : تمت أنه نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة -. رواه شعبة عن عاصم الأحول، سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم الغفارى، عن النبى، ﷺ . ورواه عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس، عن النبى ﷺ مثله. وأحاديث الإباحة أصح. وقد سئل ابن عباس عن فضل وضوء المرأة، فقال: هن ألطف منا بنانا، وأطيب ريحًا. وهو قول زيد بن ثابت وجمهور الصحابة والتابعين، إلا ابن عمر فإنه كره فضل وضوء الجنب والحائض. وكره سعيد بن المسيب، والحسن البصرى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة. قال الطحاوى: فإن قيل: فإن حديث ابن عمر وعائشة ليس فيهما بيان لمن أجاز للرجل الوضوء من فضل المرأة، لأنه يجوز أن يكونا يغتسلان جميعًا، وإنما التنازع بين الناس إذا ابتدأ أحدهما قبل الآخر.
стр. 267
فنظرنا فى ذلك، فحدثنا سليمان بن شعيب، قال: حدثنا الحصيب، حدثنا همام، عن هشام بن عروة، عن عائشة، أنها والنبى ﷺ كانا يغتسلان من إناء واحد يغترف قبلها وتغترف قبله. وروى حماد بن زيد، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة، قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف فيه أيدينا من الجنابة. ففى هذه الآثار يتطهر كل واحد من الرجل والمرأة بسؤر صاحبه، فضادّ ذلك أحاديث النهى، فوجب النظر لنخرج به من المعنيين المتضادين معنى صحيحًا، فوجدنا الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذا بأيديهم الماء معًا من إناء واحد أن ذلك لا ينجس الماء، ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت فى الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضؤ منه أن حكم ذلك سواء، فلما كان ذلك كذلك، وكان وضوء كل واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء، كان وضوءه بعده من سؤره فى النظر أيضًا كذلك. قال الطبرى: والحميم الماء الساخن، وهو فعيل بمعنى مفعول، كما قيل: فتيل بمعنى مفتول، ورأس خضيب بمعنى مخضوب، ومن سمى الحمَّام حَمَّامًا لإسخانه من دخله، وقيل للمحموم محمومًا لسخونة جسده بالحرارة، ومنه قوله: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) [الرحمن: ٤٤] يراد به ماء قد أسخن فَأَنَّ حَرُّه، واشتد حتى انتهى إلى غايته. قال ابن السكيت: الحميم: ماء ساخن، يقال: احم لنا الماء.
стр. 268
قال ابن المنذر: وأجمع أهل الحجاز والعراق جميعًا على الوضوء به غير مجاهد، فإنه كره الوضوء بالماء الساخن. وأما وضوء عمر من بيت نصرانية، فإنه كان يرى سؤرها طاهرًا. وممن كان لا يرى بسؤر النصرانى بأسًا: الأوزاعى، والثورى، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعى، وأبو ثور. قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا كره ذلك غيرأحمد وإسحاق، واختلف قول مالك فى ذلك، فقال فى المدونة: لا يتوضأ بسؤر النصرانى، ولا بما أدخل يده فيه. وفى العتبية لابن القاسم، عن مالك مرة أجازه، ومرة كرهه. والسؤر: بقية الماء فى الإناء عند العرب.
٣٩ - باب صَبِّ النَّبِىِّ ﷺ وَضُوءَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ
/ ٥٤ - فيه: جَابِر، قَالَ: جَاءَ الرَسُول ﷺ يَعُودُنِى، وَأَنَا مَرِيضٌ لا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأ، َ وَصَبَّ عَلَىَّ مِنْ وَضُوئِه، ِ فَعَقَلْتُ. . . الحديث. قال المهلب: فيه دليل على طهور الماء الذى توضأ به، لأنه لو كان نجسًا لم يصبه عليه، وقد أمر النبى، ﷺ ، الذى عَانَ سهلا أن يتوضأ له، ويغسل داخلة إزاره ويصبه عليه، ولو
стр. 269
كان نجسًا لم يأمر سهلا أن يغتسل منه، بل رجاء بركته، وأن يحمل عنه شر العين. وفيه: رقية الصالحين للماء، ومباشرتهم إياه، وذلك مما يرجى بركته.
٤٠ - باب الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِى الْمِخْضَبِ وَالْقَدَحِ وَالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ
/ ٥٥ - فيه: أَنَسٍ، أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ الْمِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، قُلْنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً. / ٥٦ - وفيه: أَبُو مُوسَى، أَنَّ النَّبِىَّ، ﷺ ، دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، وَمَجَّ. / ٥٧ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَتَانا النَّبِىّ، ﷺ ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِى تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ، فَتَوَضَّأَ. / ٥٨ - وفيه: عَائِشَةَ، لَمَّا ثَقُلَ النَّبِىُّ، ﷺ ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِى أَنْ يُمَرَّضَ فِى بَيْتِى، فَأَذِنَّ لَهُ، فَقَالَ: تمت أهَرِيقُوا عَلَىَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّى أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ -، وَأُجْلِسَ فِى مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ. الحديث. قال المؤلف: فائدة هذا الباب أن الأوانى كلها من جواهر الأرض ونباتها طاهرة، إذا لم يكن فيها نجاسة. والمخضب يكون من حجارة ومن صفر، والذى فى حديث أنس كان من حجارة، وأما الذى فى حديث عائشة كان من صفر.
стр. 270
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن عروة، أو غيره، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ فى مرضه الذى مات فيه: تمت صبوا علىّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلِّى أستريح فأعهد إلى الناس -، قالت عائشة: فأجلسناه فى مخضب لحفصة من نحاس. .، وذكر الحديث. قال ابن المنذر: روى عن على بن أبى طالب أنه توضأ فى طست، وعن أنس مثله. وقال الحسن البصرى: رأيت عثمان يُصبُّ عليه من إبريق، وهو يتوضأ. قال: وما علمت أحدًا كره النحاس والرصاص وشبهه إلا ابن عمر، فإنه كره الوضوء فى الصفر، وكان يتوضأ فى حجر، أو فى خشب أو فى أدم. وروى عن معاوية أنه كان يصلى بهم، وقال: نهيت أن أتوضأ فى النحاس. ورسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، والحجة البالغة. وقال ابن جريج: ذكرت لعطاء كراهية ابن عمر للصفُر، فقال: أنا أتوضأ فى النحاس، وما يكره منه شىء إلا رائحته فقط. قال المؤلف: وقد وجدت عن ابن عمر أنه توضأ فيه، فهذه الرواية عنه أشبه بالصواب، وما عليه الناس. وقال بعض الناس: يحتمل أن تكون كراهية ابن عمر للنحاس،
стр. 271
والله أعلم، لما كان جوهرًا مسنخرجًا من معادن الأرض، شبهه بالذهب والفضة، فكرهه لنهى الرسول ﷺ عن الشرب فى آنية الفضة. وقد روى عن جماعة من العلماء أنهم أجازوا الوضوء فى آنية الفضة، وهم يكرهون الأكل والشرب فيها. وفى وضوء الثمانين رجلاً من مخضب صفُرٍ لم يبسط النبى، ﷺ ، كفه فيه علَمٌ كبير من أعلام النبوة. وقال المهلب: إنما أمر، والله أعلم، أن يهراق عليه من سبع قرب على وجه التداوى، كما صب ﷺ وضوءه على المغمى عليه، وكما أمر المعين أن يغتسل به، وليس كما ظن وغلط من زعم أن النبى، ﷺ ، اغتسل من إغمائه. وذكر عبد الوهاب بن نصر، عن الحسن البصرى، أنه قال: على المغمى عليه الغسل. وقال ابن حبيب: عليه الغسل إذا طال ذلك به. والعلماء متفقون، غير هؤلاء، أن من أغمى عليه فلا غسل عليه إلا أن يجنب. وقصده إلى سبع قرب تبركًا بهذا العدد، لأن الله تعالى خلق كثيرًا من مخلوقاته سبعًا سبعًا. وترجم لحديث عبد الله بن زيد.
стр. 272
٤١ - باب الْوُضُوءِ مِنَ التَّوْرِ
/ ٥٩ - وفيه: تمت فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بيديه وَأَدْبَرَ. . . -، وذكر الحديث. / ٦٠ - وفيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىَّ، ﷺ ، دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِىَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. قال المؤلف: بهذا الحديث احتج الحسن بن حىّ ومن أجاز أن يبدأ المتوضئ بمسح الرأس من مؤخره، وليس كما ظن، لأن الواو لا توجب رتبة، لأن قوله: تمت فأدبر بيديه وأقبل - يحتمل التقديم والتأخير، ولو بدأ ﷺ فى مسح رأسه بمؤخره - على ما جاء فى هذا الحديث - لم يدل ذلك على أن سنةَ مسح الرأس أن يبدأ بمؤخره، لأن هذه الفعلة إنما كانت نادرة منه ﷺ وفعلها ليرى أمته السعة فى ذلك، وقد كان يفعل طوال دهره ما روى مالك فى حديث عبد الله بن زيد: أن رسول الله ﷺ مسح رأسه فبدأ بمقدمه، ثم ذهب بهما إلى قفاه. وهذا يرفع الإشكال فى ذلك على ما بيناه. وقوله: تمت قد رحراح - هو القصير الجدار القريب القعر. وقال ابن قتيبة: يقال إناء رحراح ورحرح إذا كان واسعًا. قال الحربى: ومنه الرحرح فى حافر الفرس، وهو أن يتسع حافره ويقل عمقه، قال الأصمعى: ويكره فى الخيل. وقال أبو عبيد: المخضب مثل الإجانة التى تغسل فيها الثياب، وقد يقال لها: المركن أيضًا.
стр. 273
٤٢ - باب الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ
/ ٦١ - فيه: أَنَس، كَانَ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ. قال أبو عبيد: اختلف أهل العراق، وأهل الحجاز فى مبلغ المد والصاع كم هو؟ فذهب أهل العراق إلى أن الصاع: ثمانية أرطال، والمُدّ: رطلان، واحتجوا بما رواه سهل ابن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن حميد، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع. قالوا: فإذا ثبت أن المُدّ رطلان ثبت أن الصاع ثمانية أرطال. وذهب أهل المدينة إلى أن المُدّ ربع الصاع، وهو رطل وثلث، والصاع خمسة أرطال وثلث. وهو قول أبى يوسف وإليه رجع حين ناظره مالك فى زنة المُدّ وأتاه بِمُدِّ أبناء المهاجرين والأنصار وراثة عن النبى، ﷺ ، بالمدينة. وهو قول إسحاق بن راهويه. وحديث أنس لا حجة لأهل العراق فيه، لأنه قد روى بخلاف ما ذكروه، رواه شعبة عن عبد الله بن عبد الله بن جبير أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمكوك ويغتسل بخمسة مكاكى. وهذا بخلاف ما رواه عن أنس، والمكوك عندهم: نصف رطل إلى ثمانى أواقى. واختلفوا هل يجزئ الوضوء بأقل من المد، والغسل بأقل من الصاع؟ . فقال قوم: لا يجزئ أقل من ذلك لورود الخبر به، هذا قول الثورى والكوفيون.
стр. 274
وقال آخرون: ليس المد والصاع فى ذلك بحتم، وإنما ذلك إخبار عن القدر الذى كان يكفيه ﷺ لا أنه حد لا يجزئ دونه، وإنما قصد به التنبيه على فضيلة الاقتصاد وترك السرف. والمستحب لمن يقدر على الإسباغ بالقليل أن يقلل ولا يزيد على ذلك، لأن السرف ممنوع فى الشريعة. وقد روى عنه ﷺ أنه قال: تمت سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون فى الطهور والدعاء -. وإلى هذا ذهب مالك وطائفة من السلف، وهو قول الشافعى، وإسحاق. وقال سعيد بن المسيب: إن لى ركوة، أو قداحًا، يسع نصف المد، أو نحوه وأنا أتوضأ منه وربما فضل فضل. وعن سليمان بن يسار مثله. وتوضأ القاسم بن محمد بقدر نصف المد وزيادة قليل. وقيل لأحمد بن حنبل: إن الناس فى الأسفار ربما ضاق عليهم الماء أفيجزئ الرجل أن يتوضأ بأقل من المد؟ فقال: إذا أحسن أن يتوضأ به وغسل فلم يمسح يجزئه. وقال ابن أبى زيد: القليل من الماء مع إحكام الوضوء سنة، والإسراف فيه غلو وبدعة. وهذا كله رد على الإباضية، ومن رأى أن قليل الماء لا يجزئ، والسنة حجة على من خالفها.
стр. 275
٤٣ - باب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
/ ٦٢ - فيه: سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، أَن النَّبِىّ، ﷺ ، مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَأَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ أَبَاه عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ عَنِ النَّبِىّ، ﷺ ، فَلا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. / ٦٣ - وفيه: الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ،: أَن النَّبِىّ، ﷺ ، خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. / ٦٤ - وفيه: عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىِّ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ رَأَى رسُول اللَّه ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. رواه شيبان، وأبان، وحرب، عَنْ يَحْيَى بن أَبِى كثير. / ٦٥ - ورواه: الأوْزَاعِىُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ، ﷺ ، يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ. وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرٍو، رَأَيْتُ النَّبِىَّ، ﷺ . اتفق العلماء على جواز المسح على الخفين، ورويت فيه عن مالك روايات، والذى استقر عليه مذهبه جوازه. وقالت الخوارج: لا يجوز أصلاً، لأن القرآن لم يَرِدْ به.
стр. 276
وقالت الشيعة: لا يجوز، لأن عليًّا امتنع منه. وحجة الجماعة ما روى فيه عن الرسول ﷺ من الطرق التى اشتهرت، وعن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه فى الحضر، ولا فى السفر. فممن نقل ذلك عنه ﷺ : عمر بن الخطاب، وعلى، وسعد، وابن مسعود، والمغيرة، وخزيمة بن ثابت، وابن عباس، وجرير بن عبد الله، وأنس، وعمرو بن العاص، وأبو أيوب، وأبو أمامة الباهلى، وسهل بن سعد، وقيس بن سعد، وأبو موسى الأشعرى، وجابر، وأبو سعيد، وحذيفة، وعمار، وأبو مسعود الأنصارى، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو بكرة، وبلال، وصفوان بن عسال، وغيرهم حتى قال الحسن البصرى: حدثنى سبعون من أصحاب محمد أنه مسح على الخفين، فجرى مجرى التواتر. وحديث المغيرة كان فى غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، فسقط بهذا قول من يقول: آية الوضوء مدنية والمسح منسوخ بها، لأنه متقدم وغزوة تبوك آخر غزوة كانت بالمدينة، والمائدة نزلت بالمدينة قبل هذا. وقد تأول جماعة من الفقهاء قوله : (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] فى قراءة من خفض، أراد إذا كانا فى الخفين. ومما يدل أيضًا أن المسح غير منسوخ: حديث جرير أنه: رأى النبى، ﷺ ، مسح على الخفين، وكان يعجبهم، لأن جريرًا أسلم بعد المائدة فأعجبهم حين رأوا المسح عن النبى،
стр. 277
( ﷺ ، بعد نزول المائدة، ولم يقل لهم النبى ﷺ عند نزول المائدة أن هذه الآية قد نسخت المسح على الخفين. وأيضًا فإن حديث المغيرة فى المسح كان فى السفر، فأعجبهم استعمال جرير له فى الحضر، وأنه لم ينسخه شىء ذكره البخارى فى كتاب الصلاة. ولم يرو عن أحد من الصحابة إنكار المسح على الخفين إلا عن ابن عباس، وقد روى عن علىّ، وعائشة، وأبى هريرة، وأبى أيوب. فأما ابن عباس وأبو هريرة فقد روى عنهما خلاف ذلك فى موافقة سائر أصحابه. وقيل لأحمد بن حنبل: ما تقول فيما روى عن ابن عباس، وعائشة، وأبى أيوب فى إنكار المسح؟ إنما روى عن أبى أيوب أنه قال: حبب إلىّ الغسل. فإن ذهب ذاهب إلى مثل هذا القول ولم ينكر المسح لم نعبه وصلينا خلفه. وقد كان مالك يذهب إلى ذلك، ولم ينكر المسح، وإن ترك المسح، ولم يره كما صنع أهل البدع، فلا نصلى خلفه. وقال أبو محمد الأصيلى: ذكر العمامة فى هذا الحديث من خطأ الأوزاعى، لأن شيبان روى الحديث عن يحيى بن أبى كثير، ولم يذكر العمامة، وتابعه حرب بن شداد، وأبان العطار، فهؤلاء ثلاثة من رواة يحيى بن أبى كثير خالفوا الأوزاعى، فوجب تغليب الجماعة على الواحد، وأما متابعة معمر للأوزاعى، فهى مرسلة، وليس فيها ذكر العمامة.
стр. 278
روى عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن عمرو بن أمية، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه. هكذا وقع فى مصنف عبد الرزاق، ولم يذكر العمامة، وأبو سلمة لم يسمع من عمرو، وإنما سمع من ابنه جعفر، فلا حجة فيهما. وذكر ابن أبى خيثمة عن ابن معين أن حديث عمرو بن أمية فى المسح على العمامة مرسل. واختلف العلماء فى المسح على العمامة، فممن كان يمسح عليها: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسعد بن أبى وقاص، وأبو الدرداء، وبه قال الثورى، والأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وممن كان لا يرى المسح عليها: عَلىّ، وابن عمر، وجابر. ومن التابعين: عروة، والنخعى، والشعبى، والقاسم، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعى، واحتجوا بقوله تعالى: (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] ، ومن مسح على العمامة لم يمسح برأسه. وأجمعوا أنه لا يجوز مسح الوجه فى التيمم على حائل دونه، فكذلك الرأس. وقال ابن وهب، عن ابن جريج، عن عطاء بلغنا: أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ وعليه العمامة يؤخرها عن رأسه ولا يحلها، ثم يمسح برأسه، ثم يعيد عمامته.
стр. 279
وقال ابن وهب: حدثنا معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبى معقل، عن أنس بن مالك، قال: رأيت النبى ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة. واختلف العلماء فى صفة المسح على الخفين، فذهب ابن عمر، وسعد بن أبى وقاص إلى أنَّ الكمال والسنة: مسح أعلاهما وأسفلهما، وبه قال مالك، والشافعى. وقال ابن القاسم: لو مسح رجل ظاهر الخف، ثم صلى فأَحَبُّ إلىّ أن يعيد فى الوقت، لأن عروة كان لا يمسح بطونهما. فهذا يدل على أنه إن اقتصر على الظهور دون البطون أنه يجزئه فى مذهب مالك. وقالت طائفة: إن الممسوح أعلى الخف، فإن أسفله ليس بمحل للمسح لا مسنونًا ولا جائزًا، وذكر أنه قول أنس بن مالك، وهو مذهب الشعبى، والنخعى، والأوزاعى، والثورى، وأبى حنيفة. واحتجوا بما رووه عن المغيرة: أن النبى ﷺ مسح على ظهور خفيه. والذى ذكر البخارى فى هذا الباب عن سعد، والمغيرة: أن النبى مسح على الخفين. دون ذكر أعلاهما أو أسفلهما، وهذا لفظ محتمل للتأويل أن يفعل فى الخف ما يسمى مسحًا إلا أن الصحابة مجمعة أنه إن مسح أسفله دون أعلاه لم يجزئه، وهو قول فقهاء الأمصار. وذكر المزنى عن الشافعى أنه يجوز الاقتصار على أسفل الخف دون أعلاه، وذكره ابن عبد الحكم، عن أشهب.
стр. 280
واختلفوا فى الخف المخرق يمسح عليه؟ . فقال مالك: يمسح إذا كان خَرْقًا يسيرًا لا يظهر منه القدم. وقال بعض أصحابه: معناه أن يكون الخرق لا يمنع من لبسه والانتفاع به. وهو قول الليث، والشافعى. وقال الثورى: يمسح وإن تفاحش خرقه، وما دام يسمى خُفّا، وقد كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخرق، وهو قول أبى ثور، وإسحاق. وقال الأوزاعى: يمسح الخُفَّ وما ظهر من القدم، وهو قول الطبرى فى جواز المسح على القدمين. وقال الحسن بن حى: يمسح على الخف إذا كان ما ظهر منه يغطيه الجورب، فإن ظهر شىء من القدم لم يمسح. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يمسح إذا ظهر من الرِّجْل أقل من ثلاثة أصابع، ولا يمسح إذا ظهر ثلاثة أصابع.
٤٤ - باب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ
/ ٦٦ - فيه: الْمُغِيرَةِ، كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ، ﷺ ، فِى سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: تمت دَعْهُمَا فَإِنِّى أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ -، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. قال المؤلف: من هذا الحديث قال مالك وجميع الفقهاء أنه من لبس خفيه على غير طهارة أنه لا يمسح عليهما، لقوله: تمت دعهما، فإنى أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما -. وهذا تعليم منه ﷺ السبب الذى يبيح المسح على الخفين، وهو إدخاله لرجليه وهما طاهرتان بطهر الوضوء.
стр. 281
واختلفوا فيمن قدم غسل رجليه ولبس خفيه، ثم أتم وضوءه هل له أن يمسح عليهما إن أحدث؟ . فقال مالك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق: لا يجوز له أن يمسح عليهما حتى يكون طاهرًا الطهارة التامة قبل لبسهما، أو لبس أحدهما، وحجتهم ظاهر الحديث. وقال أبو حنيفة، والثورى، والمزنى: يجوز له المسح عليهما، وكذلك إذا غسل إحدى رجليه ولبس، وهو قول مطرف من أصحاب مالك. وحديث المغيرة يرد هذا القول، لقوله: تمت دعهما، فإنى أدخلتهما طاهرتين -. فجعل العلة فى جواز المسح وجود اللبس والرجلان طاهرتان بطهر الوضوء. واحتج الطحاوى للكوفيين، فقال: يجوز أن يقال: إن رجليه طاهرتان إذا غسلهما، وإن لم يكمل الطهارة، كما يقال: صلى ركعة، وإن لم تتم صلاته. وقال آخرون منهم: وإنما يراعى الحدث، والحدث لا يرد إلا على طهارة كاملة، فهو كمن لم يقدم رجليه. وحجة مالك أن من لبس خفيه قبل كمال طهارته، فكأنه لبسهما قبل غسل الرجلين بدليل الحديث. ومن هذه المسألة تفرع الجواب، فيمن لبس الخف اليمنى قبل أن يغسل الرجل اليسرى. فعند مالك والشافعى، وأحمد وإسحاق: لا يمسح، لأنه لبس الخف الأولى قبل تمام طهارته.
стр. 282
وقال الثورى، وأبو حنيفة، والمزنى: يجوز له أن يمسح عليهما، وهو قول مطرف. وقال سحنون: لا يمسح إلا أن يخلع اليمنى فقط. وأجمعوا أنه لو نزع الخف الأولى، ثم لبسهما بعد، جاز له المسح. واختلفوا فيمن نزع خفيه بعد المسح عليهما: فقال النخعى، ومكحول، والأوزاعى فى رواية: يعيد الوضوء، وهو قول أحمد، وإسحاق. وقال الكوفيون، والمزنى، وأبو ثور: يغسل قدميه، وعن الأوزاعى مثله. واختلف قول الشافعى مثل قول الأوزاعى، فمرة قال: يتوضأ، ومرة قال: يغسل قدميه. وقال مالك، والليث: يغسل رجليه مكانه، فإن تطاول أعاد الوضوء. وقال الحسن البصرى، وابن أبى ليلى، وقتادة، ورواية عن النخعى: إذا نزع خفيه بعد المسح صلى، وليس عليه شىء. وحجة هذا القول: الإجماع على أنه من مسح برأسه فى الوضوء، ثم حلقه أنه لا يستأنف مسحه فكذلك رجليه. وإن نزع أحد خفيه بعد المسح، فقال مالك والليث، والكوفيون، والأوزاعى، والشافعى: يغسل رجليه جميعًا. وروى عن الثورى أنه قال: كان بعضهم يقول: يغسل إحدى رجليه، وهى رواية المعافري، عن الثوري.
стр. 283
وروى أشهب، عن مالك: أنه يجزئه غسل تلك الرجل فقط، وروى عيسى، عن ابن القاسم مثله. قال المهلب: وفيه المسح فى السفر بغير توقيت، واختلف العلماء فى ذلك، فقال مالك، والليث: لا وقت للمسح على الخفين، وللمسافر والمقيم أن يمسح ما بدا له، وروى هذا عن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبى وقاص، وعقبة بن عامر، وابن عمر، وبه قال الحسن البصرى. وقال الكوفيون، والثورى، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد: يمسح المقيم يومًا وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، ورووا فى ذلك آثارًا كثيرة عن النبى، ﷺ ، وصححها قوم، ودفعها آخرون. وقال عبد الرحمن بن مهدى: حديثان لا أصل لهما: التوقيت فى المسح، والتسليمتان. قال المهلب: فى حديث المغيرة خدمة العالم، وأن للخادم أن يقصد إلى ما يعرف من خدمته دون أن يؤمر بها، لقوله: تمت أهويت لأنزع خفيه -. قال غيره: وفيه إمكان الفهم عن الإشارة، ورد الجواب بالعلم على ما يفهم من الإشارة، لأن المغيرة أهوى لينزع الخفين، ففهم عنه ﷺ ما أراد فأفتاه بأنه يجزئه المسح.
стр. 284
٤٥ - باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ لحمًا، وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا
. / ٦٧ - فيه: ابن عَبَّاس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. رواه عمرو بن أمية عن النبى ﷺ . واختلف السلف قديمًا فى هذه المسألة، فذهب قوم إلى إيجاب الوضوء من أكل ما غيرت النار وهم: عائشة وأم حبيبة زوجا النبى ﷺ ، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعرى، واختلف فى ذلك عن ابن عمر، وأبو طلحة، وأنس، وبه قال خارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن المنكدر، وابن شهاب، وعمر بن عبد العزيز، وهؤلاء كلهم مدنيون. وقال به أهل العرق: أبو قلابة، والحسن البصرى، وأبو مجلز، وذهبوا فى ذلك إلى ما روى ابن أبى ذئب، عن الزهرى، عن عبد الملك بن أبى بكر، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: قال رسول الله: تمت توضئوا مما غيرت النار -. وبما رواه ابن شهاب، عن سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان أنه سأل عروة عن ذلك فقال: سمعت عائشة تقول: قال رسول الله ﷺ : تمت توضئوا مما غيرت النار -. وقال آخرون: لا يتوضأ مما مست النار، وممن قال بذلك: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطابن وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو أمامة، وأُبىّ بن كعب، وأبو الدرداء.
стр. 285
وهو قول مالك، والثورى فى أهل الكوفة، والأوزاعى فى أهل الشام، والشافعى، وأحمد، وأسحاق، وأبى ثور، واحتجوا بحديث هذا الباب أن النبى ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ، وقالوا: هذا كان آخر الأمرين من رسول الله. قال الطحاوى: والدليل على ذلك ما حدثنا أبو زرعة الدمشقى، حدثنا على بن عياش، حدثنا سعيد بن أبى حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار. وحدثنا ابن خزيمة، حدثنا حجاج، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة، أن النبى ﷺ أكل ثور أقط يومًا فتوضأ، ثم أكل كتفًا فصلى ولم يتوضأ. فثبت أن آخر الأمرين منه ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار وأنه ناسخ لما قبله. وقال حماد بن زيد: سمعت خالدًا الحذاء يقول: كانوا يرون أن الناسخ من حديث رسول الله ﷺ ما كان عليه أبو بكر وعمر. وقال حماد: سمعت أيوب، قلت لعثمان البتى: إذا سمعت أبدًا اختلافًا عن النبى ﷺ فانظر ما كان عليه أبو بكر وعمر فشد عليه يدك.
следующие страницы →