Полный текст (5 502 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
لأن اللبن حفل فى ضرعها واجتمع وكل شىء كثرته فقد حفلته، يقال: قد احتفل القوم: إذا اجتمعوا، ولهذا سمى محفل القوم، وجمع المحفل: محافل، وذكر النبى الإبل والغنم فى حديث المصراة، ويدخل فى ذلك البقر بالمعنى، هذا قول مالك.
٦٠ - بَاب إِنْ شَاءَ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ وَفِى حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ
/ ٨٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِى حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ. اختلف العلماء فيما يرد مع المصراة، فذهب الليث والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه لا يرد معها إلا صاعًا من تمر لا من بر ولا غيره على ظاهر الحديث، واحتجوا أيضًا بحديث هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، أن النبى ﵇ قال: (يرد المصراة صاعًا من تمر لا سمراء) ، وقال مالك: يرد مع المصراة صاعًا من قوت بلده تمرًا كان أو برًا أو غيره، وحجته أن النبى ﵇ إنما جعل التمر فى حديث المصراة؛ لأنه كان عيشهم، فوجب أن يخرج كل واحد من قوته. وقال ابن أبى ليلى وأبو يوسف: يرد مع الشاة قيمة صاع من تمر. وقال زفر: يرد صاعًا من تمر أو نصف صاع من بر. وقال غيره: لا يرد غير التمر. ويجىء على أصله أن التمر إذا عدم وجب رد قيمته لا قيمة اللبن. وقال عيس بن دينار: لو حلبها مرة وثانية فنقص لبنها ردها ورد
стр. 2907
معها صاعًا من تمر لحلبته الأولى، ولو جاء باللبن بعينه كما حلبه لم يقبل منه، ولزمه غرم الصاع؛ لأن الصاع قد وجب عليه فليس عليه أن يعطى فيه لبنًا فيدخله بيع الطعام قبل يسُتوفى، وأجاز ذلك سحنون وقال: هى إقالة إذا جاء باللبن بعينه؛ لحدثان ذلك. وقال عيسى بن دينار: من اشترى عدة محفلات فى صفقة، فإنما يرد عن الجميع صاعًا واحدًا على ظاهر قوله: (من اشترى غنمًا مصراة ففى حلبتها صاع من تمر) على هذا عامة العلماء، وحكى عن بعض المتأخرين أنه يرد صاعًا عن كل واحدة، والذى عليه الجماعة أولى بدليل هذا الحديث.
٦١ - بَاب بَيْعِ الْعَبْدِ الزَّانِى وَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا
. / ٩٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبىُّ، ﵇: (إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا وَلاَ يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، وَلاَ يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) . / ٩١ - وَقَالَ مرة: إِنَّ النَّبِى، ﵇، سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ: (إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا، وَلَوْ بِضَفِيرٍ) . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لاَ أَدْرِى بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. قال المهلب: فقه هذا الحديث على بيع العبد الزانى والندب
стр. 2908
إلى مباعدة الزانية، وقوله: (ولو بحبل من شعر) معناه المبالغة فى التزهيد فيها، وليس هذا من وجه إضاعة المال؛ لأن أهل المعاصى مأمور بقطعهم ومنابذتهم. وقوله: (ثم إن زنت الثالثة فبيعوها) ولم يذكر الحد اكتفاء بما تقدم من تقرر الحد ووجوبه، وقد قال تعالى: (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب (يعنى: الجلد؛ لأن الرجم لا يتنصف، وإحصان الأمة إسلامها عند مالك والكوفيين والشافعى وجماعة. قوله: (ولا يثرب) أى لا يلومن ولا يعددن بعد الجلد، ويؤيد هذا أن توبة كعب بن مالك ومن فر يوم حنين حين تاب الله عليهم كانت شرفًا لهم، ولم تكن لهم ملامة، فبان بهذا أن اللوم والتثريب لا يكون إلا قبل التوبة أو الحد وأوجب أهل الظاهر بيع الأمة إذا زنت الرابعة وجلدت، والأمة كلها على خلافهم، وكفى بقولهم جهلا خلاف الأمة له. اختلف العلماء فى العبد إذا زنى، هل الزنا عيب يجب الرد به أم لا؟ فقال مالك: الزنا عيب فى العبد والأمة. وهو قول أحمد وإسحاق وأبى ثور. وقال الشافعى: كل ما ينقص من الثمن فهو عيب. وقال الكوفيون: الزنا فى الأمة عيب؛ لأنها تستولد وليس بعيب فى الغلام، وذلك ولد الزنا عيب يرد به.
стр. 2909
وقال مالك: إذا كانت الجارية ولد زنا فهو عيب، وإنما جعل الزنا عيب؛ لأنه ربما بلغ الحد به مبلغ تلف النفس، وان المنايا قد تكون من القليل والكثير، وإذا صح أنه عيب وجب على البائع أن يبينه، فإذا رضى به المبتاع صح البيع كسائر العيوب، وإذا لم يبينه كان للمبتاع رده إن شاء. فان قيل: فما معنى أمره ﵇ ببيع الأمة الزانية والذى يشتريها يلزمه من اجتنابها ومباعدتها ما يلزم البائع. قيل: إن فائدة ذلك - والله أعلم - المبالغة فى تقبيح فعلها، والإعلام أن الأمة الزانية لا جزاء لها إلا البيع أبدًا، وأنها لا بقاء لها عند سيد، وذلك زجر لها عند معاودة الزنا، وأدب بالغ.
٦٢ - بَاب الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ
/ ٩٢ - فيه: عَائِشَة، دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ لها رَسُولُ اللَّه: (اشْتَرِى وَأَعْتِقِى، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) . / ٩٣ - وَقَالَ ابْن عُمَرَ: أَنَّ عَائِشَةَ سَاوَمَتْ بَرِيرَةَ، فَخَرَجَ النَّبِىّ إِلَى الصَّلاَةِ، فَلَمَّا جَاءَ، قَالَتْ: إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا إِلاَ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلاَءَ، فَقَالَ النَّبىُّ ﷺ : (إِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) . والأمة مجمعة على أن المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها جاز لها أمرها أن تبيع وتشترى، وليس لزوجها عليها فى ذلك اعتراض، فإن كان فى البيع محاباة قصدت إليها، فالمحاباة كالعطية. وقد اختلف العلماء فى عطية المرأة بغير إذن زوجها، وهو مذكور
стр. 2910
فى كتاب الزكاة فى حديث ابن عباس حين أمر النبى ﷺ النساء بالصدقة يوم العيد، فأغنى عن إعادته.
٦٣ - بَاب هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ ؟
وَقَالَ ﵇: (إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ) . وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ. / ٩٤ - فيه: جَرِير، بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. مختصرًا. / ٩٥ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ ﵇: (لاَ تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ) ، فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: (لاَ يَبِعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ) ؟ قَالَ: لاَ يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. نهى النبى أن يبيع حاضر لباد عند العلماء أريد به نفع أهل الحضر، لما روى سفيان عن أبى الزبير، عن جابر أن النبى ﵇، قال: (لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) . قال الطحاوى: فعلمنا من هذا أن الحاضر إنما نهى أن يبيع للبادى لأن الحاضر يعلم أسعار الأسواق، فيستقصى على الحاضرين فلا يكون لهم فى ذلك ربح، وإذا باعهم أعرابى على غرته وجهله بأسعار الأسواق ربح عليه الحاضرون، فأمر النبى أن يخلى بين الأعراب والحاضرين فى البيوع.
стр. 2911
واختلف العلماء فى ذلك، فأخذ قوم بظاهر الحديث، كرهوا أن يبيع الحاضر للبادى، روى ذلك عن أنس وأبى هريرة وابن عمر، وهو قول مالك والليث والشافعى. ورخص فى ذلك آخرون، روى ذلك عن عطاء ومجاهد، وقال مجاهد: إنما نهى رسول الله عن ذلك فى زمانه، فأما اليوم فلا. وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، وقالوا: قد عارض هذا الحديث قوله ﵇: (الدين النصيحة) لكل مسلم. فيقال لهم: (الدين النصيحة) عام، و (لا يبع حاضر لباد) خاص، والخاص يقضى على العام؛ لأن الخصوص استثناء، كأنه قال ﵇: الدين النصيحة إلا أنه لا يبع حاضر لباء. فيستعملان جميعًا، فيستعمل العام منهما فيما عدا الخاص. وقال مالك فى تفسير الحديث: لا أرى أن يبيع الحاضر للبادى ولا لأهل القرى، وأما أهل المدن من أهل الريف فليس بالبيع لهم بأس إلا من كان منهم يشبه أهل البادية فإنى لا أحب أن يبيع لهم حاضر، وقال فى البدوى يقدم المدينة فيسأل الحاضر عن السعر: أكره أن يخبره. وقال مرة أخرى: لا بأس أن يشير عليه. روى عنه ابن القاسم القولين جميعًا. وقال ابن المنذر: قد تأول قوم نهيه ﵇ أن يبيع حاضر لباد على وجه التأديب لا على معنى التحريم؛ لقوله ﵇: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) قال: وليس يبين عندى أن هذا الكلام يدل على أنه نهى تأديب، بل هو عندى على الحظر.
стр. 2912
واختلفوا هل يفسخ البيع، فروى عيسى عن ابن القاسم أنه يفسخ، فإن فات فلا شىء عليه، وروى سحنون عنه أنه يمضى البيع، وهو قول ابن وهب والشافعى. واحتج الشافعى على جواز البيع بقوله ﵇: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) ولم يقع الفساد فى ثمن ولا مثمون ولا فى عقد البيع، فلا ينبغى فسخه.
٦٤ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ، وَبَهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
/ ٩٦ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: نَهَى النَّبِىّ، ﵇، أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. أراد البخارى فى هذا الباب والذى قبله أن يجيز بيع الحاضر للباد بغير أجر، ويمنعه إذا كان بأجر، واستدل على ذلك بقول ابن عباس: لا يكون له سمسارًا. فكأنه أجاز ذلك لغير السمسار إذا كان ذلك من طريق النصح للمسلم وقد أجاز الأوزاعى أن يشير الحاضر على البادى، وقال: ليست الإشارة بيعًا. وقد روى عن مالك الرخصة فى الإشارة عليه، وقال الليث: لا يشير عليه؛ لأنه إذا أشار عليه فقد باع له، ولم يراع الفقهاء فى السمسار أجرًا ولا غيره، والناس فى تأويل هذا الحديث على قولين: فمن كره بيع الحاضر للباد كره بأجر وغير أجر، ومن أجازه أجازه بأجر وغير أجر.
стр. 2913
٦٥ - بَاب لاَ يَشْتَرِى حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ
وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِى. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الْعَرَبَ يقولون: بِعْ لِى ثَوْبًا وَهِىَ تَعْنِى الشِّرَاءَ. / ٩٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَس، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ) . اختلف العلماء فى شراء الحاضر للبادى، فكرهته طائفة كما كرهت البيع له، واحتجوا بأن البيع فى اللغة يقع على الشراء، كما يقع الشراء على البيع؛ لقول الله: (وشروه بثمن بخس (يعنى باعوه، وهو من الأضداد، وروى ذلك عن أنس. وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إن النهى إنما جاء فى البيع خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ، روى ذلك عن الحسن البصرى. واختلف قول مالك فى ذلك، فمرة قال: لا يشترى له ولا يشير عليه، ومرة أجاز الشراء له. وبهذا قال الليث والشافعى. واحتج الشافعى لجواز الشراء له بقوله ﵇: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) .
٦٦ - بَاب النَّهْىِ عَنْ تَلَقِّى الرُّكْبَانِ، وَبَيْعَهُ مَرْدُودٌ لأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا، وَهُوَ خِدَاعٌ فِى الْبَيْعِ وَالْخِدَاعُ لاَ يَجُوزُ
/ ٩٨ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَنِ التَّلَقِّى، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَقَالَ طَاوُس: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عن مَعْنَى قَوْلِهِ: (لاَ يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟) فَقَالَ: لاَ يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا.
стр. 2914
/ ٩٩ - وفيه: ابْن مسعود: نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَنْ تَلَقِّى الْبُيُوعِ. / ١٠٠ - وفيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، قَالَ: (لاَ تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ) . قال ابن المنذر: كره تلقى السلع للمشترى مالك والليث والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق، وأجاز ذلك أبو حنيفة. واختلفوا فى معنى التلقى: فذهب مالك إلى أنه لا يجوز تلقى السلع حتى تصل إلى السوق، ومن تلقاها فاشتراها منهم شركه فيها أهل السوق إن شاءوا، فكان واحدًا منهم. قال ابن القاسم: وإن لم يكن للسلعة سوق عرضت على الناس فى المصر فيشتركون فيها إن أحبوا، فإن أخذوها، وإلا ردوها عليها، ولم أردها على بائعها. وقال غير ابن القاسم: يفسخ البيع فى ذلك. وقال الشافعى: من تلقى فقد أساء، وصاحب السلعة بالخيار إذا قدم بها السوق فى إنفاذ البيع أو رده؛ لأنهم يتلقونهم فيخبرونهم بكساد السلع وكثرتها، وهم أهل غرة، وهذا مكر وخديعة. وحجته ما رواه أيوب، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة: (أن النبى ﵇ نهى عن تلقى الجلب، فإن تلقاه فاشتراه، فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق) فذهب مالك أن نهيه ﵇ عن التلقى إنما أريد به نفع أهل السوق، لا نفع رب السلعة، وعلى ذلك يدل مذهب الكوفيين والأوزاعى. وقال الأبهرى: معنى النهى عن التلقى لئلا يستبد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف؛ فيؤدى ذلك إلى الضرر بهم
стр. 2915
فى معايشهم، ولهذا المعنى قال مالك: إنه يشرك بينهم إذا تلقوا السلع ليشترك فيها من أرادها من أهل الضعف، ولا ينفرد بها الأغنياء. ومذهب الشافعى أنه إنما أريد بالنهى نفع رب السلعة لا نفع أهل السوق، وهذا أشبه بمعنى قوله ﵇: (فإن تلقاها فصاحبها بالخيار) فجعل النبى ﷺ الخيار للبائع؛ لأنه المغرور، فثبت أن المراد بذلك نفع رب السلعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان التلقى فى أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به، وإن كان يضرهم فهو مكروه وعن الأوزاعى نحوه. واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر قال: (كنا نتلقى الركبان فنشترى منهم الطعام، فنهانا النبى ﵇ أن نبيعه حتى نبلغ به سوق الطعام) . وقال الطحاوى: فى هذا الحديث إباحة التلقى، وفى الأحاديث الأولى النهى عنه، فأولى بنا أن نجعل ذلك على غير التضاد، فيكون ما نهى عنه من التلقى لما فى ذلك من الضرر على غير المتلقين المقيمين فى السوق، وما أبيح من التلقى هو ما لا ضرر عليه فيه. قال المؤلف: وتأويل هذا الحديث يأتى ذكره فى باب منتهى التلقى بعد هذا. قال الطحاوى: والحجة فى إجازة الشراء مع التلقى المنهى عنه ما حدثنا على بن معبد، حدثنا عبد الله بن أبى بكر السهمى، حدثنا
стр. 2916
هشام، عن محمد، عن أبى هريرة، قال رسول الله: (لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فهو بالخيار إذا أتى السوق) . ففى هذا الحديث عن الرسول النهى عن تلقى الجلب، ثم جعل للبائع الخيار فى ذلك إذا دخل السوق، والخيار لا يكون إلا فى بيع صحيح؛ لأنه لو كان فاسدًا لأجبر بائعه ومشتريه على فسخه.
٦٧ - بَاب مُنْتَهَى التَّلَقِّى
/ ١٠١ - فيه: ابْن عُمَرَ، كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِى مِنْهُمُ الطَّعَامَ، فَنَهَانَا النَّبِىُّ، ﵇، أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ. / ١٠٢ - قَالَ عُبَيْدِاللَّهِ، عَن نَافِعٌ، عَنْ ابْن عُمَرَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِى أَعْلَى السُّوقِ، فَيَبِيعُونَهُ فِى مَكَانِهِ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ فِى مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ. وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: هَذَا فِى أَعْلَى السُّوقِ، يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَيْدِاللَّهِ. قال المهلب: قول البخارى: هذا فى أعلى السوق. يعنى قول ابن عمر فى الحديث الأول: (كنا نتلقى الركبان فنشترى منهم) يريد أنهم كانوا يتلقونهم فى أعلى السوق، وذلك جائز، وبين ذلك عبد الله بن عمر بقوله: (كانوا يتبايعون الطعام فى أعلى السوق) . وأن ما كان خارجًا عن السوق فى الحاضرة أو قريبًا منها بحيث يجد من يسأله عن سعرها، أنه لا يجوز الشراء هنالك؛ لأنه داخل
стр. 2917
فى معنى التلقى، وأما الموضع البعيد الذى لا يقدر فيه على ذلك فيجوز فيه البيع، وليس بتلق. قال مالك: وأكره أن يشترى فى نواحى المصر حتى يهبط به السوق. قال ابن المنذر: وبلغنى هذا القول عن أحمد وإسحاق، أنهما نهيا عن التلقى خارج السوق، ورخصا فى ذلك فى أعلى السوق، واحتجا بحديث مالك عن نافع، عن ابن عمر: (أن النبى ﵇ نهى عن تلقى السلع حتى يهبط بها الأسواق) . ومذاهب العلماء فى حد التلقى متقاربة، روى عن يحيى بن سعيد أنه قال فى مقدار الميل فى المدينة أو آخر منازلها: هو من تلقى البيوع المنهى عنه. وروى ابن القاسم، عن مالك أن الميل من المدينة تلقى. قيل له: فإن كان على ستة أميال؟ فقال: لا بأس بالشراء وليس بتلق. وروى أشهب عن مالك فى الصحافين الذين يخرجون إلى الأجنة فيشترون الفاكهة قال ذلك تلق وقال أشهب: لا بأس بالشراء وليس ذلك؛ لأنهم يشترون فى مواضعه من غير جالب. وقال ابن حبيب: لا يجوز للرجل فى الحضر أن يشترى ما مر به من السلع وإن كان على بابه إذا كان لها مواقف فى السوق تباع فيها، وهو متلق إن فعل ذلك، وما لم يكن لها موقف وإنما يطاف بها فأدخلت أزقة الحاضرة، فلا بأس أن يشترى وإن لم تبلغ السوق. وقال الليث: من كان على بابه أو فى طريقه، فمرت به سلعة فاشتراها، فلا بأس بذلك، والمتلقى عنده الخارج القاصد إليه
стр. 2918
قال ابن حبيب: ومن كان موضعه فى غير الحاضرة قريبًا منها أو بعيدًا فلا بأس أن يشترى ما مر به للأكل خاصة لا للبيع، رواه أشهب عن مالك.
٦٨ - بَاب إِذَا شرط فِى الْبَيْعِ شُرُوطًا لاَ تَحِلُّ
/ ١٠٣ - فيه: حديث بَرِيرَةُ، وقول النَّبِىّ، ﵇: (مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) . أجمع العلماء على أنه من اشترط فى البيع شروطًا لا تحل أنه لا يجوز شىء منها؛ لقوله ﵇: (من اشترط شرطًا ليس فى كتاب الله فهو باطل) . واختلفوا فى غيرها من الشروط فى البيع على مذاهب مختلفة، فذهبت طائفة إلى أن البيع جائز والشرط باطل على نص حديث بريرة وهو قول ابن أبى ليلى والحسن البصرى والشعبى والنخعى والحكم، وبه قال أبو ثور، قالوا: ودل هذا الحديث أن الشروط كلها فى البيوع تبطل وتثبت البيوع. وذهبت طائفة إلى أن البيع جائز والشرط جائز، واحتجوا بحديث جابر: (أن النبى اشترى منه جملا وشرط ركوبه إلى المدينة) ، روى ذلك عن ابن شبرمة وبعض التابعين.
стр. 2919
وذهبت طائفة إلى أن البيع باطل والشرط باطل، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: (أن النبى ﵇ نهى عن بيع وشرط) ، وهو قول الكوفيين والشافعى، فحملوا هذه الأحاديث التى نزعوا بها على العموم، ولكل واحد منها موضع لا يتعداه، ولها عند مالك أحكام مختلفة، وقد يجوز عنده البيع والشرط فى مواضع فأما إجازته للبيع والشرط، فمثل أن يشرط المشترى على البائع شيئًا مما فى ملك البائع مما لم يدخل فى صفقة البيع، وذلك أن يشترى منه زرعًا ويشترط على البائع حصاده، أو يشترى منه دارًا ويشترط البائع سكناها مدة يسيرة، أو يشترط ركوب الدابة يومًا أو يومين، وقد روى عنه أنه لا بأس أن يشترط سكنى الدار الأشهر والسنة. ووجه إجازته لذلك أن البيع وقع على الشيئين معًا: على الزرع، وعلى الحصاد، والحصاد إجارة، والإجارة بيع، منفعة، وكذلك وقع البيع على الدار غير سكنى المدة، وعلى الدابة غير الركوب، وأبو حنيفة والشافعى لا يجيزان هذا البيع كله؛ لأنه عندهم بيع وإجارة، ولا يجوز؛ لأن الإجارة عندهم بيع منافع طارئة فى ملك البائع لم تخلق بعد، وهو من باب بيعتين فى بيعة، ومما أجاز فيه مالك البيع والشرط شراء العبد على أن يعتق؛ اتباعًا للسنة فى بريرة، وهو قول الليث، وبه قال الشافعى فى رواية الربيع، ولم يقس عليه غيره من أجل نهيه ﵇ عن بيع والشرط، وأجاز ابن أبى ليلى هذا البيع وأبطل الشرط، وبه قال أبو ثور.
стр. 2920
وأبطل أبو حنيفة البيع والشرط، وأخذ بعموم نهيه ﵇ عن بيع وشرط، إلا أن أبا حنيفة يقول: إن المبتاع إذا أعتقه كان مضمونًا عليه بالثمن، وهذا خلاف أصوله؛ لأنه كان ينبغى أن يكون مضمونًا عليه بالقيمة، كما قال وقلنا فى البيع الفاسد، ومضى أبو يوسف ومحمد على القياس فقالا: يكون مضمونًا عليه بالقيمة. قال ابن المنذر: وما قالوه خطأ؛ لأن البيع إن كان غير جائز والعبد فى ملك البائع لم يزل ملكه عنه، وعتق المشترى له باطل؛ لأنه أعتق ما لا يملك. ومما أجاز فيه مالك البيع وأبطل الشرط، وذلك شراء العبد على أن يكون الولاء للبائع، وهذا البيع أجمعت الأمة على جوازه، وإبطال الشرط فيه لمخالفته السنة فى أن الولاء لمن أعتق، وأن النبى ﵇ أجاز هذا البيع وأبطل الشرط، وكذلك من باع سلعة وشرط أنه إن لم ينفذه المشترى إلى ثلاثة أيام أو نحوها مما يرى، أنه لا يريد تحويل الأسواق والمخاطرة، فالبيع جائز والشرط باطل عند مالك. وأجاز ابن الماجشون البيع والشرط وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى، فإذا جاز الوقت فلا خيار له، وممن أجاز هذا البيع والشرط الثورى ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق، ولم يفرقوا بين ثلاثة أيام أو أكثر منها، وأجاز أبو حنيفة البيع والشرط إلى ثلاثة أيام، فإن قال: إلى أربعة أيام بطل البيع عنده لأن الخيار لا يجوز عنده اشتراطه أكثر من ثلاثة أيام، وبه قال أبو ثور. ومما يبطل فيه عند مالك البيع والشرط، وذلك مثل أن يبيعه جارية على ألا يبيعها ولا يهبها أو على أن يتخذها أم ولد، فالبيع
стр. 2921
عنده فاسد، وهو قول أبى حنيفة والشافعى، واعتلوا فى فساد البيع بفساد الشرط فيه، وذلك عدم تصرف المشترى فى المبيع، وكما لا يجوز عند الجميع أن يشترط المبتاع على البائع عدم التصرف فى الثمن، فكذلك لا يجوز أن يشترط البائع على المبتاع عدم التصرف فيما اشتراه، وهذا عندهم معنى نهيه ﵇ عن بيع وشرط. وأجازت طائفة هذا البيع وأبطلت الشرط، هذا قول النخعى والشعبى والحسن وابن أبى ليلى وبه قال أبو ثور، وقال حماد والكوفيون البيع جائز والشرط لازم. قال ابن المنذر: وقد أبطل النبى ﵇ ما اشترطه أهل بريرة من الولاء وأثبت البيع، ومثال هذا أن كل من اشترط فى المبيع شرطًا خلاف كتاب الله وسنة رسول الله أن الشرط باطل والبيع ثابت استدلالا بحديث بريرة، واشتراطُ البائع على المشترى ألا يبيع ولا يهب ولا يطأ شروط ينبغى إبطالها وإثبات البيع؛ لأن الله - تعالى - أحل وطء ما ملكت اليمين، وأحل للناس أن يبيعوا أملاكهم ويهبوها، فإذا اشترط البائع شيئًا من هذه فقد اشترط خلاف كتاب الله، فهو مثل اشتراط موالى بريرة ولاءها لهم، فأجاز ﵇ ذلك البيع وأبطل الشرط، فكذلك ما كان مثله. ومما يبطل فيه عند مالك والكوفيين والشافعى البيع والشرط: بيع الأمة والناقة واستثناء ما فى بطنها، وهو عندهم من بيوع الغرر؛ لأنه لا يعلم مقدار ما يصلح أن يحط من ثمنها قيمة الجنين، وقد أجاز هذا
стр. 2922
البيع والشرط النخعى والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، واحتجوا بأن ابن عمر أعتق جارية واستثنى ما فى بطنها. قال ابن المنذر: وهذا البيع معلوم، ولا يضرهما أن يجهلا ما لم يدخل فى البيع، ولا أعلمهم يختلفون أنه يجوز بيع جارية وقد أعتق ما فى بطنها ولا فرق بين ذلك؛ لأن المبيع فى المسألتين جميعًا الجارية دون الولد. قال المهلب: وحديث بريرة أصل فى العقوبة فى الأموال؛ لأن مواليها أبوا الوقوف عند حكم الله وحكم السنة، فلما عرفت عائشة النبى ﵇ بإبائهم واستمرارهم على خلاف الحق باشتراطهم ما لا يجوز قال لها: (اشترطى لهم ذلك) فإن ذلك غير نافعهم، ولا ناقض لبيعهم فعاقبهم فى المال بتخسيرهم ما وضعوا من الثمن من أجل اشتراط الولاء واستبقائه لهم، ولم يعطهم قيمته عقوبة لهم. قال أبو عبد الله: فلو وقع اليوم مثل هذا وباع رجل جارية على أن يتخذها المشترى أم ولد أو على ألا يبيعها ولا يهبها ثبت البيع ورجع البائع بقيمة ما وضع.
стр. 2923
٦٩ - بَاب بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ
/ ١٠٤ - فيه: عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلاَ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلاَ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلاَ هَاءَ وَهَاءَ) . وترجم له (باب بيع الشعير بالشعير) . معنى هاء وهاء فى كلام العرب: خذ وأعط، يعنى: لا يجوز بيع شىء من البر والشعير والتمر بجنسه إلا يدًا بيد، قال ثابت: فإعرابه هاء وهاء، وقال صاحب العين هى كلمة تستعمل عند المناولة وهى ممدودة: وقال ابن السكيت: يقال: هاء يا رجل، وهاؤما يا رجلان، وهاؤهم يا رجال. قال الله - تعالى -: (هاؤم اقرءوا كتابيه (وهاء يا امرأة. مكسورة الهمزة بلا ياء، وهاؤما يا امرأتان، وهاؤن يا نسوة. وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا تباع الحنطة بالحنطة، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الحنطة بالتمر، ولا شىء من الطعام كله بعض بعضه إلا يدًا بيد، فإن دخل شيئًا من ذلك الأجلُ فلا يصلح وكان حرامًا، قال: وكذلك حكم الإدام كله وعلى هذا عامة علماء الأمة بالحجاز والعراق، أن الطعام بالطعام من صنف واحد كان أو من صنفين، فإنه لا يجوز فيه
стр. 2924
النسيئة؛ فإنه بمنزلة الذهب والورق، وذلك حكم كل ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب حكم ما ذكره النبى ﵇ من البر والشعير والتمر فى ذلك، قال مالك: وإذا اختلف ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب، فلا بأس باثنين منه بواحد يدا بيد، لا بأس أن يؤخذ صاع من تمر بصاعين من حنطة، وصاع من تمر بصاعين من زبيب، وصاع من حنطة بصاعين من تمر فإن دخل ذلك الأجل فلا يحل. قال: ولا تباع صبرة الحنطة بصبرة الحنطة، ولا بأس بصبرة الحنطة بصبرة التمر يدًا بيد. قال مالك: وكل ما اختلف من الطعام أو الإدام فبان اختلافه فلا بأس أن يشترى بعضه ببعضه جزافًا يدًا بيد، وشراء بعض ذلك ببعض جزافًا كشراء بعض ذلك بالذهب والورق جزفًا. واتفق أهل الحجاز والعراق على أن التفاضل جائز فى كل ما اختلف أجناسه من الطعام؛ لأنه إذا اختلتف أجناسه اختلفت أغراض الناس فيه؛ لاختلاف منافعه، فلذلك جاز بيعه متفاضلا، وكل ما جاز فيه التفاضل جاز بيع بعضه ببعض جزافًا معلومًا بمجهول، ومجهولا بمجهول، ما لا يجوز فيه التفاضل فلا يجوز بيعه جزافًا، ولا يباع معلوم بمجهول، إلا أن مالكًا يجعل البر والشعير والسلت صنفًا واحدًا لا يجوز فيه التفاضل أحدهما لصاحبه، وهو قول الليث والأوزاعى. وعند الكوفيين والثورى والشافعى يجوز بيع البر بالشعير متفاضلا، وهما جنسان عندهم، وهو قول أحمد وإسحاق وأبى ثور.
стр. 2925
٧٠ - بَاب بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ وَالطَّعَامِ بِالطَّعَامِ
/ ١٠٥ - فيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ كَيْلاً. / ١٠٦ - وَقَالَ مرة: الْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ إِنْ زَادَ فَلِى، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَىَّ. سندخل الكلام فى هذا الباب فى معنى المزابنة فلا معنى لتكريره.
٧١ - بَاب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ
/ ١٠٧ - فيه: أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إِلاَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ، وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ) . وترجم له باب بيع الذهب بالورق يدًا بيد. أجمع أئمة الأمصار أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة تبرهما وعينهما ومصنوعهما إلا مثلا بمثل يدًا بيد، ولا يحل التفاضل فى شىء منهما، وعلى هذا مضى السلف والخلف، وبذلك كتب أبو بكر الصديق إلى عماله، وروى مثله عن على بن أبى طالب وروى مجاهد عن ثلاثة عشر من أصحاب النبى ﵇ مثله، وإنما حرم الله الربا حراسة للأموال وحفظًا لها، فلا يجوز واحد باثنين من جنس واحد؛ لاتفاق أغراض الناس فيه، ويجوز
стр. 2926
واحد باثنين إذا اختلف الصنفان؛ لاختلاف الأغراض والمنافع، ولذلك قال ﵇: (وبيعوا الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئتم) .
٧٢ - بَاب بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ
/ ١٠٨ - فيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلاً بِمِثْلٍ) . / ١٠٩ - وَقَالَ مرة عَن النَّبِىّ ﷺ : (لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلاَ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ) . قوله: (لا تشفوا بعضها على بعض) يرد ما رواه أهل مكة عن ابن عباس أنه كان يجيز الدرهم بالدرهمين يدًا بيد، ويقول: إنما الربا فى النسيئة. وستأتى مذاهب العلماء فى هذا الباب بعد هذا - إن شاء الله. وقوله: (ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز) فالناجز: الحاضر، يقال: نجز المال: إذا حضر، ومنه قوله أنجز فلان ما وعد: إذا وفى له به وأحضره. وقوله: (ولا تشفوا بعضها على بعض) يقتضى تحريم قليل الزيادة وكثيرها، يقول: لا تبيعوا إحداهما زائدًا على الأخرى. تقول العرب: قد أشف فلان بعض بنيه على بعض: إذا فضل
стр. 2927
بعضهم على بعض، ويقال ما أقرب شف ما بنيهما، أى: فضل ما بينهما، وفلان حريص على الشف، يعنى: الربح عن الطبرى.
٧٣ - بَاب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسَاءً
/ ١١٠ - فيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، قَالَ أَبُو صالح: قُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لاَ يَقُولُهُ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِىِّ، ﵇، أَوْ وَجَدْتَهُ فِى كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلَّ ذَلِكَ لاَ أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّى، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، قَالَ: (لاَ رِبًا إِلاَ فِى النَّسِيئَةِ) . اختلف العلماء فى تأويل قوله ﵇ فى حديث أسامة: (لا ربا إلا فى النسيئة) فروى عن قوم السلف أنهم أجازوا بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد متفاضلة، رواه سعيد بين جبير عن ابن عباس، قال: (ما كان ربًا قط فى هاء وهاء. ورواية عن ابن عمر وهو قول عكرمة وشريح. واحتجوا بظاهر حديث أسامة بن زيد: (لا ربا إلا فى النسيئة) فدل أن ما كان نقدًا فلا بأس بالتفاضل فيه وخالف جماعة العلماء بعدهم هذا التأويل، وقالوا: قد عارض ذلك حديث أبى سعيد الخدرى وحديث أبى بكرة عن النبى ﵇ أنه حرم التفاضل
стр. 2928
فى الذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد، وروى الطبرى من حديث عبد الله بن موسى قال: حدثنا حيان بن عبد الله العدوى قال: سئل أبو مجلز عن الصرف فقال: (كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره إذا كان يدًا بيد، ويقول: إنما الربا فى النسيئة، فلقيه أبو سعيد فقال: يا ابن عباس، ألا تتق الله حتى متى تؤكل الناس الربا؟ إنى سمعت النبى ﵇ يقول: الذهب بالذهب، والورق بالورق، والتمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير يدًا بيد مثلا بمثل، فما زاد فهو ربا) . فهذه السنن الثابتة لا تأويل لأحد معها، فلا معنى لما خالفها، وقد تأول بعض العلماء أن قوله ﵇: (لا ربا إلا فى النسيئة) خرج على جواب سائل سأل عن الربا فى الذهب بالورق أو البر بالتمر، ونحو ذلك مما هو جنسان، فقال ﵇: (لا ربا إلا فى النسيئة) فسمع أسامة كلامه، ولم يسمع السؤال، فنقل ما سمع. وقال الطبرى فى حديث أسامة: المراد به الخصوص، ومعناه: لا ربا إلا فى النسيئة إذا اختلفت أجناس المبيع فإذا اتفقت فلا يصلح بيع شىء منه من نوعه إلا مثلا بمثل، والفضل فيه يدًا بيد ربا، وقد قامت الحجة ببيان الرسول فى الذهب الفضة، والفضة بالذهب، والحنطة بالتمر نساء، أنه لا يجوز متفاضلا، ولا مثل بمثل، فعلمنا أن قوله: (لا ربا إلا فى النسيئة) . فيما اختلفت أنواعه دون ما اتفقت.
стр. 2929
قال المهلب: وفى حديث أبى سعيد وابن عباس من الفقه أن العالم يناظر العالم، ويوقفه على معنى قوله، ويرده من الاختلاف إلى الإجماع. وفيه: إقرار الصغير للكبير بفضل التقدم؛ لقول ابن عباس لأبى سعيد: أنتم أعلم برسول الله منى. والنساء: التأخير، يقال: باع منه نسيئة ونظرة وأخرة ودينًا، كل ذلك بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: (إنما النسىء زيادة فى الكفر (يعنى تأخير الأشهر الحرم التى كانت العرب فى الجاهلية تفعلها من تأخير المحرم إلى صفر، ومنه انتساء فلان عن فلان، أى: تباعده منه، عن الطبرى.
٧٤ - بَاب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ نَسِيئَةً
/ ١١١ - فيه: الْبَرَاء، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، أنَّ النَّبِىّ، ﵇، نَهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا. الأمة مجمعة على أنه لا تجوز النسيئة ولا التأخير فى بيع الذهب بالورق، كما لا يجوز فى بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق، وهو الربا المحرم فى القرآن، وفى هذا الحديث حجة للشافعى فى قوله إن من كان له على رجل دراهم، ولذلك الرجل عليه دنانير فلا يجوز أن يقاص أحدهما ماله بما له عليه، وإن كان قد حل أجلهما جميعًا لأنه يدخل فى معنى نهيه ﵇ عن بيع الذهب بالورق دينًا؛ لأنه غائب بغائب، وإذا لم
стр. 2930
يجز غائب بناجز، فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب، وأجاز ذلك مالك إذا كان قد حلا جميعًا، فإن كانا إلى أجل لم يجز؛ لأنه يكون ذهب بفضة متأخرًا. وقال أبو حنيفة: يجوز فى الحال وغير الحال. والحجة لمالك فى إجازته ذلك فى الحال دون الأجل أنه إذا حل أجل الدين، واجتمع المتصارفان فإن الذمم تبرأ كالعين إذا لم يفترقا إلا وقد تفاضلا فى صرفهما، والغائب لا يحل بيعه بناجز، ولا بغائب مثله، ومن حجته حديث ابن عمر أنه قال: (كنت أبيع الإبل بالبقيع أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فسألت رسول الله عن ذلك فقال: لا بأس به إذا كان بسعر يومكما، ولم تفترقا وبينكما شىء) رواه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر. وحجة من أجاز ذلك فى الحال وغير الحال أن النبى ﵇ لما لم يسأله عن الدين أحالا هو أم مؤجل، دل ذلك على استواء الحكم فيهما ولو كان بينهما فرق فى الشريعة لوقفه عليه. وأما تقاضى الدنانير من الدراهم، والدراهم من الدنانير من غير دين يكون على الآخر، فأجازه عمر بن الخطاب وابن عمر، وروى عن عطاء وطاوس والحسن والقاسم، وبه قال مالك والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال كثير منهم: إذا كان بسعر يومه. ورخص فيه أبو حنيفة بسعر ذلك اليوم وبأغلى وأرخص، وكره ذلك ابن عباس وأبو سلمة وابن شبرمة، وهو قول
стр. 2931
الليث، وروى عن طاوس قول ثالث: أنه كره فى البيع، وأجازه فى القرض. وقال ابن المنذر: والقول الأول أولى لحديث ابن عمر. قال المؤلف: ولا يدخل هذا فى نهيه ﵇ عن بيع الذهب بالورق دينًا؛ لأن الذى يقتضى الدنانير من الدراهم لم يقصد إلى تأخير فى الصرف، ولا نواه، ولا عمل عليه فهذا الفرق بينهما.
٧٥ - بَاب بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ
وَهو بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ وَبَيْعُ الْعَرَايَا قَالَ أَنَس: نَهَى النَّبىِّ ﵇ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالَمُحَاقَلَةِ. / ١١٢ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ الرسول ﷺ : (لاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ، وَلاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ) . قَالَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: وَرَخَّصَ النَّبِىّ، ﵇، بَعْدَ ذَلِكَ فِى بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِى غَيْرِهِ. / ١١٣ - وفيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَهِىَ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً. / ١١٤ - وَقَالَ أَبُو سَعِيد: نَهَى النَّبِىّ، ﵇، عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِى رُءُوسِ النَّخْلِ. المزابنة عند العرب: المدافعة، وذلك أن المتبايعين إذا وقفا فيه على الغبن أراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن أن يمضيه تزابنا أى: تدافعا واختصما، وسيأتى تفسير المحاقلة بعد هذا فى موضعه - إن شاء الله - ومعنى النهى عن المزابنة خوف وقوع التفاضل
стр. 2932
فى ذلك، والتفاضل حرام فى كل ما كان فى معنى الرطب بالتمر، ومعنى الزبيب بالعنب من سائر المأكولات والمشروبات إذا كان أحدهما مجهولا، وهذا إجماع. قال مالك: وتفسير المزابنة أن كل شىء من الجزاف لا يعلم كيله ولا عدده ولا وزنه أبيع بشىء مسمى من الكيل أو العدد أو الوزن، وما عدا المأكول والمشروب فإنه تدخله المزابنة من جهة القمار والغرر، فيدخل معنى المزابنة عند مالك فيما يجوز فيه التفاضل، وما لا يجوز إذا قصد فيه إلى الغرر والقمار. قال فى الموطأ: وذلك أن يقول الرجل للرجل له الطعام المصبر الذى لا يعلم كيله من سائر الأطعمة، أو تكون السلعة من الحنطة أو النوى أو الكرسف أو الكتان، وما أشبه ذلك من السلع: لا أعلم كيله ولا عدده ولا وزنه، فيقول الرجل لرب تلك السلعة: كل سلعتك هذه، أو زن ما يوزن، أو اعدد ما يعد منها، فما نقص من كذا وكذا صاعًا لتسمية يسميها فعلى غرمها حتى أوفيك تلك التسمية، وما زاد على ذلك فهو لى ضمن ما نقص على أن يكون له ما زاد، فليس ذلك بيعًا ولكنه مخاطرة وقمار وغرر؛ لأنه لم يشتر منه شيئًا بشىء أخرجه، ولكنه ضمن له ما سمى من ذلك الكيل، فإن نقصت تلك السلعة من تلك التسمية أخذ من مال صاحبه ما نقص من غير ثمن ولا هبة طيبة بها نفسه، فهذا شبه القمار، وذكر مالك مسألة الثوب يضمن لصاحبه منه قلانس
стр. 2933
أو قمصًا والجلود يضمن له منها نعالا وحب البان يعصره على أنه له ما زاد على ما ضمن من ذلك، وعليه ما نقص، وإنما ذكر مالك هذه المسائل فى باب المزابنة؛ لأن فيها شراء مجهول بمعلوم؛ لأنه ألزم نفسه كيلا أو وزنًا أو عددًا معلومًا يضمنه عن كيل أو وزن أو عدد مجهول يرجو أن يبقى له بعد ضمانه، ويشهد لقول مالك ما تعرفه العرب، أن المزابنة مأخوذ لفظها من الزبن، وهو الدفع والمغالبة، وذلك خطر وقمار.
٧٦ - بَاب بَيْعِ التَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ والْفِضَّةِ
/ ١١٥ - فيه: جَابِر، نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلاَ يُبَاعُ شَىْءٌ مِنْهُ إِلاَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلاَ الْعَرَايَا. / ١١٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، رَخَّصَ فِى بَيْعِ الْعَرَايَا فِى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. / ١١٧ - وفيه: سَهْل بْنَ أَبِى حَثْمَةَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِى الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. بيع التمر على رءوس النخل إذا بدا صلاحه بالذهب والفضة لا خلاف بين الأمة فى جوازه، وكذلك يجوز بيعها بالعروض قياسًا على الدنانير والدراهم وإنما خص ﵇ الدنانير والدراهم
стр. 2934
فى هذا الحديث؛ لأنهما جل ما يتعامل الناس به. قال ابن المنذر: وادعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه ﵇ عن بيع التمر بالثمر، وهذا نفس المحال؛ لأن الذى روى عن النبى ﵇ النهى عن المزابنة هو الذى روى الرخصة فى العرايا، فأثبت الرخصة والنهى معًا على ما ثبت فى حديث سهل بن أبى حثمة وفى حديث جابر من رواية سفيان عن ابن جريج عن عطاء، عن جابر: (أن النبى ﵇ نهى عن المزابنة) . والمزابنة: بيع التمر بالثمر إلا أنه رخص فى العرايا، وكان مالك يقول: العرايا تكون فى الشجر كله من النخل والعنب والتين والرمان والزيتون والثمار كلها. وبه قال الأوزاعى، إلا أن مالكًا قال: إذا أعاره الفاكهة مثل الرمان والتفاح وشبهه لم يجز أن يشتريها بخرصها؛ لأنه يقطع أخضر ويشتريها بعدما طابت بما يجوز به شراء الثمرة بالعين والعرض نقدًا أو إلى أجل، وبالطعام نقدًا من غير صنفها إذا جدها مكانه قبل أن يفترقا وكان الليث يقول: لا تكون العرايا إلا فى النخل خاصة. وقال الشافعى: فى النخل والعنب.
٧٧ - بَاب تَفْسِيرِ الْعَرَايَا
وَقَالَ مَالِكٌ: الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِىَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ، ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ، فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ.
стр. 2935
وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: الْعَرِيَّةُ لاَ تَكُونُ إِلاَ بِالْكَيْلِ مِنَ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ لاَ تَكُونُ بِالْجِزَافِ، وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ: بِالأَوْسُقِ الْمُوَسَّقَةِ، وَقَالَ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْن: الْعَرَايَا نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُونهَا رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاءُوا مِنَ التَّمْرِ. وفى صحيح مسلم أنه ﵇ أرخص فى العرية يأخذها أهل البيت تمرًا يأكلونها رطبًا، وفى كتاب النسائى أن رسول الله رخص فى بيع العرايا بالرطب وبالتمر، ولم يرخص فى غير ذلك. / ١١٨ - وفيه: زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ رَخَّصَ فِى الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً. قال أبو عبيد: وفى العرايا تفسير آخر غير ما فسره مالك، وهو أن العرايا هى النخلات يستثنيها الرجل من حائطه إذا باع ثمرته لا يدخلها فى البيع فيبقيها لنفسه وعياله، فتلك الثنايا لا تخرص عليهم لأنه قد عفى لهم عما يأكلون سميت عرايا؛ لأنها أعريت من أن تباع أو تخرص فى الصدقة فأرخص النبى ﵇ لأهل الحاجة المسكنة الذين لا ورق لهم ولا ذهب، وهم يقدرون على التمر أن يبتاعوا بتمرهم من تمر هذا العرايا بخرصها رفقًا بأهل الفاقة الذين لا يقدرون على الرطب،
стр. 2936
ولم يرخص لهم أن يبتاعوا منه ما يكون لتجارة ولا ادخار. قال أبو عبيد: وهذا أصح فى المعنى من الأول، فالعرايا مستثناة من جملة نهى النبى عن بيع التمر بالثمر، وعن المزابنة. هذا قول عامة أهل العلم، ويجوز عند مالك أن يعرى من حائطه ما شاء غير أن البيع لا يكون إلا فى خمسة أوسق فما دون فى حق كل واحد ممن أعرى وإنما تباع العرايا بخرصها من التمر فى رءوس النخل إلى جذاذها ولا يجوز أن يبتاعها. بخرصها نقدًا، وليست له مكيلة؛ لأنه أنزل بمنزلة التولية والإقالة والشركة ولو كان بمنزلة البيوع ما أشرك أحد أحدًا فى طعام حتى يستوفيه، ولا أقاله منه ولا ولاه حتى يقبضه المبتاع. قال: ولا يبيعها إلا من المعرى خاصة، ولا يجوز من غيره إلا على سنة بيع الثمار فى غير العرايا، ولا يشتريها بطعام إلى أجل ولا بتمر نقدًا وإن وجدها فى الوقت. وقال الشافعى: العرية بيع ما دون خمسة أوسق من التمر، وجعل هذا المقدار مخصوصًا من المزابنة، وذكر ابن القصار عن مالك مثله، قال الشافعى: ويجوز بيعها من المعرى وغيره يدًا بيد، ومتى افترقا ولم ينقده بطل العقد وبه قال أحمد. قال المزنى: ويفسخ البيع فى خمسة أوسق لا شك؛ لأن أصل بيع الثمر بالثمر فى رءوس النخل حرام، ولا يجوز فيه إلا ما استوفيت الرخصة فيه، وذلك ما دون خمسة أوسق. قال ابن القصار: ومن حجة هذه المقالة أيضًا ما رواه أبو سعيد الخدرى - أن النبى ﵇ قال: (لا صدقة فى العرية) . فلو
стр. 2937
كانت العرية فى خمسة أوسق جائزة لوجبت فيها الصدقة، فعلم بسقوط الصدقة عنها أنها دون خمسة أوسق. واحتج الشافعى بما رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان، عن جابر بن عبد الله: (أن النبى ﵇ رخص فى العرايا فى الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة) قال: فجاءت رواية جابر بغير شك، وثبتت رواية مالك عن داود التى جاءت بالشك فى خمسة أوسق أو دون خمسة. وقول البخارى: ومما يقويه قول سهل بن أبى حثمة بالأوسق الموسقة، فإنما أردفه على قوله: لا تكون العرية بالجزاف، وهذا إجماع، وهو مستغن عن تقوية، ولم يأت ذكر الأوسق الموسقة إلا فى حديث مالك عن داود بن الحصين، وفى حديث جابر من رواية ابن إسحاق، لا فى رواية سهل ابن أبى حثمة، وإنما يروى عن سهل من قوله من رواية الليث، عن جعفر بن أبى ربيعة، عن الأعرج قال: سمعت سهل بن أبى حثمة قال: لا يباع التمر فى رءوس النخل بالأوساق الموسقة إلا أوسق ثلاثة أو أربعة أو خمسة يأكلهن الناس، وهى المزابنة، ففى قول سهل حجة لمالك فى مشهور قوله أنه يجوز العرايا فى خمسة أوسق، وقد يجوز أن يكون الشك فى دون خمسة أوسق، واليقين فى خمسة أوسق، إذا الواو لا تعطى رتبة، فلذلك ترجح قول مالك فى ذلك - والله أعلم -
стр. 2938
ووجه قول مالك أنه لا يجوز بيعها إلا من المعرى خاصة قوله ﵇ فى حديث سهل: (يأكلها أهلها رطبًا) ولا أهل لها إلا الذى أعراها، فجاز أن يبيعها من المعرى خاصة لما يقطع من تطرق المعرى على المعرى لأنهم كانوا يسكنون بعيالهم فى حوائطهم ويستضرون بدخول المعرى، ولم يكن قصدهم المعروف، فرخص لهم فى ذلك ولذلك قال مالك: لا يجوز بيعها يدًا بيد؛ لأن المشترى لم يقصد بشرائها الفضل والمتجر، وأما الكوفيون فإنهم أبطلوا سنة العرية وقالوا: هى بيع الثمر بالثمر، وقد نهى رسول الله عن ذلك. قال ابن المنذر: فبيع العرايا جائز على ما ثبتت به الأخبار عنه ﵇، والذى رخص فى بيع العرايا هو الذى نهى عن بيع التمر بالثمر فى لفظ واحد ووقت واحد، من رواية جابر وسهل بن أبى حثمة على ما تقدم فى الباب قبل هذا، وليس قبول إحدى السنتين أول من الأخرى، ولا فرق بين نهيه ﵇ عن بيع ما ليس عندك وبين إذنه فى السلم، وهو بيع بما ليس عندك، وبين نهيه عن بيع التمر بالثمر وإذنه فى العرايا ومن قبل إحدى السنتين وترك الأخرى فقد تناقض.
стр. 2939
٧٨ - بَاب بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا
وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ، قَالَ الْمُبْتَاعُ: أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ، أَصَابَهُ مُرَاضٌ - أَصَابَهُ قُشَامٌ - عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَثُرَتْ الْخُصُومَةُ فِى ذَلِكَ: (فَإِمَّا لاَ، فَلاَ تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُ الثَّمَرِ) ، كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ. وَكَانَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لاَ يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا، فَيَتَبَيَّنَ الأَصْفَرُ مِنَ الأَحْمَرِ. / ١١٩ - وفيه: ابْن عُمَرَ، نَهَى النَّبِىّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ. / ١٢٠ - وفيه: أَنَس، نَهَى النَّبِىّ، ﵇، أَنْ يُبَاعَ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ. قَالَ: يَعْنِى تَحْمَرَّ. / ١٢١ - وفيه: جَابِر، نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ، قِيلَ: وَمَا تُشَقِّحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا. قال الطحاوى: وذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: لا يجوز بيع الثمر فى رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر. قال غيره: وهو قول مالك والليث والثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يجوز بيعها إذا تخلقت وظهرت، وإن لم يبد صلاحها، واحتجوا بقوله ﵇: (من
стр. 2940
ابتاع نخلا قبل أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع) فأباح ﵇ بيع ثمره فى رءوس النخل قبل بدو صلاحها، وقالوا: لما لم يدخل بعد الإبار فى الصفقة إلا بالشرط جاز بيعها منفردة، فدل هذا أن نهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، المراد به غير هذا المعنى، وهو النهى عن السلم فى الثمار فى غير حينها وقبل أن تكون، وأما بيع الثمار بعدما ظهرت فى أشجارها فجائز عندنا. قال المؤلف: فيقال لأبى حنيفة: قد يدخل فى عقد البيع أشياء لو أفردت بالبيع لم يجز بيعها مفردة وتجوز فى البيع تبعًا لغيرها، من ذلك أنه يجوز بيع الأمة والناقة حاملتين، ولا يجوز عند أحد من الأمة بيع الجنين دون أمه، لنهيه ﵇ عن بيع حبل الحبلة، وإنما لم يجز إفراد الجنين بالبيع، لأنه من بيع الغرر المنهى عنه. ونظير نهيه ﵇ عن بيع الجنين فى بطن أمه نظير نهيه عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، لأن ذلك كله من بيع ما لم يخلق ولم يتم، ومما يحتمل أن يكون موجودًا أو غير موجود، وذلك من أكل المال بالباطل، وجاز أن يكون الجنين تبعًا لأمه، والثمرة تبعاُ لأصلها فى البيع، لأنهما إن هلكا فلم يكونا المقصد بالشراء، وإنما قصد إلى أم الجنين، والى أصل الثمرة، فافترقا لهذه العلة، مع أن حديث جابر وحديث أنس فى النهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها يغنيان عن حجة سواهما، لأنه قد فسر فيهما أن المراد ببدو صلاح الثمار أن تحمر أو تصفر، وذلك علامة صلاحها للأكل، ألا ترى قوله
стр. 2941
عليه السلام فى حديث جابر: (حتى تحمار أو تصفار ويؤكل منها) فلا تأويل لأحد مع تفسير النبى ﵇ فهو المقنع والشفاء. وقال بعض الكوفيين: إن نهيه ﵇ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها لم يكن منه على وجه التحريم، وإنما كان على وجه الأدب والمشورة منه عليهم، لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت. وأئمة الفتوى على خلاف قولهم، والنهى عندهم محمول على التحريم. وتخصيصه ﵇ البائع والمبتاع بالذكر يدل على تأكيد النهى فى ذلك، لأن النهى إذا ورد عن الله - تعالى - وعن رسوله فحقيقته الزجر عما ورد فيه، لقوله تعالى: (وما نهاكم عنه فانتهوا (ومعنى النهى عن ذلك عند عامة العلماء خوف الغرر، لكثرة الجوائح فيها، وقد بين ذلك ﵇ بقوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟) فنهى عن أكل المال بالباطل، فإذا بدا صلاحها واحمرت أمنت العاهة عليها فى الأغلب، وكثر الانتفاع بها لأكلهم إياها رطبًا، فلم يكن قصدهم بشرائها الغرر، وأما فعل زيد بن ثابت فى مراعاته طلوع الثريا، فقد روى عن عطاء، عن أبى هريرة، عن النبى ﵇ أنه قال: (إذا طلع النجم صباحًا رفعت العاهة عن أهل البلد) يعنى: الحجاز - والله أعلم - والنجم: هو الثريا، وطلوعها صباحًا لاثنتى عشرة، يعنى: يروح من شهر مائة.
стр. 2942
وقال عيسى بن دينار: كان مالك لا يرى العمل بفعل زيد بن ثابت، وكان لا يجيز بيعها إلا حين تزهى، اتباعًا لنص الحديث. وقال غيره: كان بيع زيد لها إذا بدا صلاحها، لأن الثريا إذا طلعت آخر الليل بدا صلاح الثمار بالحجاز خاصة، لأن الحجاز أشد حرا من غيره. وقال ابن القاسم، عن مالك: لا بأس أن يباع الحائط وإن لم يزه: إذا أزهى ما حوله من الحيطان، وكان الزمان قد أمنت العاهة فيه. ولا يجوز عند الشافعى. واختلفوا فى بيع جميع الحائظ فيه أجناس الثمر يطيب جنس واحد منها، فقال مالك: لا أرى أن يباع إلا ذلك الصنف الذى طاب أوله دون غيره، وبه قال الشافعى. وقال الليث: لا بأس أن تباع الثمار كلها متفقة الأجناس أو مختلفة، يطيب جنس منها، أو مخالف لها، واحتج بأن النبى ﵇ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فعم الثمار كلها، فإذا بدا الصلاح فى شىء منها فقد بدا الصلاح فى الثمار كلها، لأنه لم يخص ﵇. وقال أبو عبيد: قال الأصمعى: إذا انشقت النخلة عن عفن أو سواد قيل: أصابه الدمان. قال ابن أبى الزناد: هو: الإدمان. قال الأصمعى: ويقال للتمر العفن: الدمان. قال ابن دريد: الدمان داء يصيب النخل، فيسود طلعه قبل أن يلقح. وقال أبو حنيفة الدمار التمر الذى قد عتق جدا ففسد وأصل الدمان السماد.
стр. 2943
قال الأصمعى: وإذا انتقض ثمر النخل قبل أن يصير بلحًا قيل: أصابه القشام، فإذا كثر نقض النخلة وعظم ما بقى من بسرها قيل: خردلت. وقال غيره: القشام أكال يقع فى التمر من القشم وهو: الأكل. وذكر الطحاوى فى حديث عروة عن سهل، عن زيد: والقشام: شىء يصيبه حتى لا يرطب. وقوله: (إما لا فلا تبايعوا) قال سيبويه: معناه: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره. وقال ابن الأنبارى: دخلت (ما) صلة ل (إن) كما قال تعالى: (فإما ترين من البشر أحدًا (فاكتفى بلا من الفعل كما تقول العرب: من سلم عليك فسلم عليه، ومن لا فلا معناه: ومن لم يسلم عليك فلا تسلم عليه، فاكتفى بلا من الفعل، وأجاز الفراء: من أكرمنى أكرمته، ومن لا لم أكرمه، بمعنى: ومن لم يكرمنى لم أكرمه.
٧٩ - بَاب إِذَا بَاعَ ثِّمَارَ الجوائح قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا ثُمَّ أَصَابَتْهَا عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ
/ ١٢٢ - فيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِىَ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِى؟ فَقَالَ: (حَتَّى تَحْمَرَّ) ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ) . وَقَالَ ابْنِ شِهَابٍ،
стр. 2944
لَوْ أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ. وَقَالَ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (لاَ تَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، وَلاَ تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ) . بيع الثمار قبل بدو صلاحها بيع فاسد، لنهى النبى ﵇ عنه، ومصيبة الجائحة فيه من البائع لفساد البيع، وأنه لم ينتقل ملك البائع عن الثمرة بالعقد، ولا قبضها المشترى، لأن القبض لا يكون فيما لم يتم، وإنما تلفت فى ملك البائع ويده، فلا شىء على المشترى. الأصل فى وضع الجائحة فى الثمار حديث جابر قال: (أمر النبى ﵇ بوضع الجوائح) وقال فى حديث آخر: قال رسول الله: (لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ من مال أخيك بغير حق) أخرج هذين الحديثين مسلم. واستدل جماعة من الفقهاء بقوله ﵇: (أرأيت لو منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟) على وضع الجائحة فى الثمر يشترى بعد بدو صلاحه شراء صحيحًا، ويقبضه فى رءوس النخل، ثم تصيبه جائحة، فذهب مالك وأهل المدينة إلى أن الجائحة التى توضع عن المشترى الثلث فصاعدًا، ولا يكون ما دون ذلك جائحة.
стр. 2945
وقال أحمد بن حنبل وأبو عبيد وجماعة من أهل الحديث: الجائحة موضوعة فى القليل والكثير، وذهب الليث والكوفيون والشافعى إلى أن الجائحة فى مال المشترى، ولا يرجع على البائع بشىء، واحتجوا بأن قوله ﵇: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟) إنما ورد فى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مطلقاُ من غير شرط القطع قالوا: وعندنا أن الثمرة إذا بيعت قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع فتلفت بجائحة أن مصيبتها من البائع، لأن البيع كان باطلا، والى هذا المعنى ذهب البخارى فى هذا الباب. قالوا: والدليل على أنه وارد فى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها قوله: (فبم يستحل أحدكم مال أخيه) ، وبعد بدو الصلاح يكون البيع صحيحًا، ولا يجوز أن يقال فيه: فبم يستحل؛ لأنه يستحله بالعقد. قال ابن القصار: فالجواب: أنه إن استحله بعقد البيع فإن تمام القبض لا يحصل عندنا إلا باجتناء الثمرة، وقبل أن تجتنى المصيبة من البائع وليس قبض كل ما يشترى كله على وجه واحد، ألا ترى أن الرجل يستأجر ظئرًا شهرًا لرضاع ولده، فهو فى معنى شراء اللبن الذى لا يستطيع قبضه فى موضع واحد، فلو انقطع اللبن فى نصف الشهر لرجع بما يصيبه، فكذلك فى الثمر، إذ العادة جرت بأن يؤخذ أولا فأولا عند إدراكه وتناهيه، ولو اشتراه مقطوعًا لكانت مصيبته من المشترى، لأنه يقدر على أخذه كله فى الحال.
следующие страницы →