Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٦ - كِتَاب الْمِيَاهِ
- بَاب مَا جَاء فِى الشُّرْبِ وَقَوْلِ اللَّهِ: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِة (إلى قوله: (تَشْكُرُونَ (.
وَقَالَ عُثْمَانُ: عن النَّبىّ ﵇: (مَنْ يَشْتَرِى بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلاَءِ الْمُسْلِمِينَ) ، فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ. معنى قوله تعالى: (وجعلنا من الماء كل شىء حى (أراد به حياة جميع الحيوان الذى يعيش بالماء، وقيل: عنى بالماء هاهنا: النطفة خاصة. ومن قرأ: (وجعلنا من الماء كل شىء حيا (يدخل فيه الحيوان والجماد، لأن الزرع والشجر لها موت إذا جفت ويبست، فحياتها خضرتها ونضرتها، والمزن: السحاب، والأجاج: المالح. عدد الله على عباده نعمته فى خلقه لهم الماء عذبًا يتلذذون بشربه، وتنموا به ثمارهم، ولو شاء لجعله مالحاُ فلا يشربون منه، ولا ينتفعون به فى زرعهم وثمارهم) فلولا تشكرون (أى: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم. وأما بئر رومة فإنها كانت ليهودى، وكان يضرب عليها القفل ويغيب، فيأتى المسلمون ليشربوا منها الماء فلا يجدونه حاضرًا،
стр. 3117
فيرجعون بغير ماء، فشكا المسلمون ذلك، فقال ﵇: (من يشترى بئر رومة ويبيحها للمسلمين، ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم وله الجنة، فاشتراها عثمان) ، وهذا الحديث حجة لمالك ومن وافقه فى قولهم: إنه لا بأس ببيع الآبار والعيون فى الحضر إذا احتفرها لنفسه ولم يحتفرها للصدقة، فلا بأس ببيع مائها، وكره بيع ماء حفر من الآبار فى الصحارى من غير أن يحرمه. وأما قوله: (فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين) يعنى: يجعلها حبسًا لله، ويكون حظه منها كحظ غيره ممن لم يحبسها، ولا يكون له فيها مزية على غيره. فإن قيل: إذا شرط أن يكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، ففيه من الفقه أن يجوز للمحبس أن ينتفع بما يحبسه إذا شرط ذلك. قيل: هذا ينقسم قسمين: فأما من حبس بئراُ وجعلها للسقاة فلا بأس أن يشرب منها وإن لم يشترط ذلك، لأنه داخل فى جملة السقاة. ومن حبس عقاراُ فلا يجوز له أن ينتفع بشىء منها إلا أن يشترط أن يكون نصيبه فيه كنصيب أحد المسلمين، فإذا لم يشترط ذلك فلا يجوز له الانتفاع بشىء منه، لأنه أخرجه لله - تعالى - ولا يجوز الرجوع فيه. فإن قيل: فما الفرق بين وقف البئر ووقف العقار؟ قيل: الفرق بينهما أن سائر الغلات تنقطع فى أوقات ما، وإذا أخذ منها المحبس فقد حرم ذلك الشىء أهل الحاجة وانفرد به. وماء الآبار لا ينقطع أبدًا، لأنها نابعة فلا يحرم أحد
стр. 3118
من أهل الحاجة ما أخذ منها محبسها وسيأتى ما يجوز انتفاع المحبس به من حبسه فى باب: هل ينتفع الواقف بوقفه فى كتاب الأوقاف - إن شاء الله.
- بَاب مَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ
وَقَالَ عُثْمَانُ: قَالَ النَّبىُّ ﵇: (مَنْ يَشْتَرِى بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلاَءِ الْمُسْلِمِينَ) ، فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ. / ١ - فيه: سَهْل، أُتِىَ النَّبِىُّ، ﵇، بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: (يَا غُلاَمُ، أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ؟) فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِى مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. / ٢ - وفيه: أَنَس، حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ، وَهِىَ فِى دَارِ أَنَسِ، فَشِبَت لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِى فِى دَارِ أَنَسٍ بْن مالك، فَأَعْطَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْقَدَحَ، فَشَرِبَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلىّ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِىٌّ، فَقَالَ لَه عُمَرُ - وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِىَّ -: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ، فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِىَّ الَّذِى عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: (الأَيْمَنَ، فَالأَيْمَنَ) . جميع ما يوهب للجماعة من الأشياء كلها هم فيها متشاركون، وحقوقهم فيها متساوية، لا فضل لأحد منهم على صاحبه، وإنما
стр. 3119
جازت هبة الماء واللبن غير مقسومين لقلة التشاح فيهما، ولأن العادة قد جرت من الجماعة إذا أكلت أو شربت معًا أنها تجرى فى ذلك على المكارمة، ولا ينقضى بعضهم على بعض، لأن ذلك إنما يوضع للناس على قدر نهمتهم، فمنهم من يكفيه اليسير، ومنهم من يكفيه أكثر منه، إلا أن من استعمل أدب المؤاكلة والمشاربة أولى، وأن لا يستأثر أحدهم بأكثر من نصيب صاحبه. ألا ترى أن مالكًا قد قال: لا يقرن أحد بين تمرتين إلا أن يستأذن أصحابه فى ذلك، لما كان التمر مما يتشاح فيه أكثر من التشاح فى الماء واللبن. وقال المهلب: إنما استأذن النبى ﵇ الغلام فى حديث سهل، ولم يستأذن الأعرابى فى حديث أنس، لأن الأعرابى الذى كان عن يمين النبى ﵇ كان من السادة والمشيخة وكان طرى الهجرة لا علم له بالشرائع، فأعطاه النبى ﵇ ولم يستأذن أبا بكر استئلافًا منه للأعرابى، وتطييبًا لنفسه، وتشريفاُ له، ولم يجعل للغلام تلك المنزلة، لأنه كان من قرابته، وسنه دون سن الأشياخ الذين كانوا على يساره فاستأذنه فى أن يعطيهم بادئًا عليهم، ولئلا يوحشهم بإعطاء ابن عمه وهو صبى ويقدمه عليهم حتى أعلمهم أن ذلك يجب له بالتيامن فى الجلوس، وقيل: إن الغلام: الفضل بن عباس، وقد تقدم فى كتاب الأشربة زيادة فى هذا المعنى.
стр. 3120
٣ - بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى لِقَوْلِ الرسول ﷺ : (لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ ليمنع به الكلأ
/ ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىّ، ﵇، قَالَ: (لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ، لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأَ) . وَقَالَ مرة: (فَضْلُ الْكَلأَ) . لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى، لأن النبى ﵇ إنما نهى عن منع فضل الماء، فأما من لا يفضل له ماء فلا يدخل فى هذا النهى، لأن صاحب الشىء أولى به، وتأويل قوله ﵇: (لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ) عند مالك فى الآبار التى يحتفرها الرجل فى الصحارى والفلوات التى ليست لأحد، إنما هى مرعى للماشية، فيريد أن يمنع ماشية غيره أن تسقى من تلك البئر. ففيها قال ﵇ ذلك، يقول: إذا منع حافرها فضل مائها لغير ماشيته فقد منع حافرها فضل مائها فقد منع الكلأ الذى حول البئر وانفرد به دون غيره، لأن أحدًا لا يرعى فيه إذا لم يكن للماشية ما تشربه، فأما البئر التى يحتفرها الرجل فى أرضه فيجوز له عند مالك أن يمنع ماءها. وكره مالك منع ما عمل من ذلك فى الصحارى من غير أن يحرمه، قال: ويكون أحق بمائها حتى يروى، ويكون للناس ما فضل إلا من مر بهم شفاههم ودوابهم فإنهم لا يمنعون كما يمنع من سواهم. وقال الكوفيون: له أن يمنع من دخول أرضه وأخذ مائه إلا أن يكون لشفاههم وحيوانهم ماء فيسقيهم وليس عليه سقى زرعهم.
стр. 3121
وقال عيسى بن دينار فى تفسير قوله ﵇: (لا يمنع فضل بئر) يقول: من كان له جار انقطع ماؤه وله عليه زرع أو أصل فلم يجد ما يسقى به زرعه أو حائطه، وله بئر فيها فضل عن سقى زرعه أو حائطه، فلا يمنع جاره أن يسقى بفضل مائه، قلنا: فنحكم عليه بذلك؟ قال: لا، ولكن يؤمر بذلك عليه، فإن أبى منه لم يقض عليه. قال أصبغ: وقال ابن القاسم: يقضى ذلك لجاره بالثمن. وفى المدونة قلت لابن القاسم: يقضى عليه بثمن أو بغير ثمن؟ قال: قال مالك: يقضى بغير ثمن. قال ابن مزين: قلت لعيسى: فإن باع فضله، أترى جاره الذى انقطع ماؤه أولى به بالثمن؟ قال: نعم. وفى قوله ﵇: (لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ) من الفقه المنع من الذرائع، وذلك لأنه نهى أن يمنع الماء، لئلا يتذرع بذلك إلى منع الكلأ، وقال الكوفيون: لا تجوز إجارة المراعى ولا بيعها، ولا يملك الكلأ صاحب الأرض حتى يأخذه فيحوزه. وهو قول الشافعى، وقال مالك: لا بأس أن يبيع مراعى أرضه سنة واحدة، ولا يبيعها سنتين ولا ثلاثًا، ولا يبيعها حتى تطيب ويبلغ الخصب أن يرعى. وقال الثورى: لا بأس أن يحمى الكلأ للبيع، والشجر للحطب أو البيع.
стр. 3122
٤ - بَاب مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِى مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ
/ ٤ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ) . اختلف العلماء فى هذه المسألة، فقال مالك فيمن حفر بئرًا، أو أوقف دابة فى موضع يجوز له أن يصنع ذلك فيه، فسقط أحد فى البئر، أو ضربت الدابة أحدًا أنه لا ضمان عليه ولا دية، وإنما يضمن من ذلك ما حفره فى طريق المسلمين، أو صنع من ذلك ما لا يجوز له أن يصنعه فيه، فهذا بمنزلة الإمام إذا حد أحدًا فمات المحدود فلا شىء على الإمام؛ لأنه فعل ما يجوز له، وإنما يلزمه الضمان إذا تعدى فى الحد، وبمثله كله قال الشافعى. وقال أبو حنيفة وأصحابه: من حفر بئرًا أو أوقف دابة فى موضع يجوز له ذلك فيه فليس يبرئه من الضمان ما أجاز إحداثه له. واختلفوا فى رجل حفر فى داره بئرًا لسارق يرصده، أو وضع حبالات له فعطب به السارق أو غيره، فقال مالك: هو ضامن. وقال الليث: لا ضمان عليه. وحجته قول الرسول: (البئر جبار) . وحجة مالك أنه لا يجوز له أن يقصد بذلك الفعل أن يهلك به أحدًا؛ لأنه متعد بهذا القصد، وقد يمكنه التحرز بغيره. قال: فإن حفر الحفيرة فى حائطه للسباع فعطب به إنسان فلا ضمان عليه عند مالك؛ لأنه فعل ما يجوز له فعله، ولا غنى به عنه،
стр. 3123
ولم يقصد بالحفر تلف إنسان فيكون متعديًا، وسيأتى معنى قوله: (العجماء جبار) فى كتاب الديات - إن شاء الله.
٥ - بَاب الْخُصُومَةِ فِى الْبِئْرِ وَالْقَضَاءِ فِيهَا
/ ٥ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بن مسعود، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ هُوَ فَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِىَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً (الآيَةَ، فَجَاءَ الأَشْعَثُ، فَقَالَ: مَا يُحَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ فِىَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَانَتْ لِى بِئْرٌ فِى أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِى، فَقَالَ لِى: (شُهُود ذَلِكَ) ، قُلْتُ: مَا لِى شُهُودٌ، قَالَ: (فَيَمِينُهُ) ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا يَحْلِفَ فَذَكَرَ النَّبِىُّ، ﵇، هَذَا الْحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ. قال المهلب: هذا الوعيد يخشى إنفاذه على كل يمين غموس تقتطع بها مال أحد بغير حق، وفيه الترجمة، وفيه أن البينة على المدعى، واليمين على من أنكر، وفيه جواز تولى الخصوم بعضهم بعضًا بما عرف من أحوالهم؛ لقوله: (إذا يحلف ويذهب بحقى) لأنه كان معلومًا بقلة التقوى، وقد قيل: إنه كان يهوديًا، فإن كان كذلك فليس بين المسلم والذمى قصاص ولا حد، وإن كان غير ذمى فلأنه كان معلومًا بالمجاهرة بالباطل. والدليل على صحة هذا القول نزول الآية مصدقة لقوله النبى -
стр. 3124
عليه السلام - وليس بمعلوم بالأحوال الدينية من الحرمة ما لصالح المسلمين.
٦ - بَاب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنَ الْمَاءِ
/ ٦ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَ لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِىَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِى لاَ إِلَهَ إلا هو لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ) ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً (. قال المهلب: وهذا وعيد على المسلمين أيضًا، وكل وعيد يتوجه إلى المسلمين فهو موكول إلى مشيئة الله، وهو فيه بالخيار إن شاء عفا عنه، وإن شاء أنفذه فإن أنفذه على المسلم فلا يكون فيه خلود؛ لأن الخلود فى الذنوب قد رفع عن أهل التوحيد. وقوله: (منع فضل الماء) يدل أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ صاحب البئر حاجته لم يجز له منع ابن السبيل، وقوله: (بايع إمامًا) هو فى معنى قوله ﵇: (من كانت هجرته لدنيا يصيبها) الحديث، وأن الله - تعالى - لا يقبل فى الهجرة والمبايعة والأعمال إلا ما أريد به وجهه، وما لا يريد به
стр. 3125
وجهه فلا يرضى به، وله أن يعاقب عليه، وقوله: (بعد العصر) يدل أنه وقت تعظم فيه المعاصى لارتفاع الملائكة بأعمال الناس إلى الله، فيعظم أن يرتفعوا عن العبد بالمعصية إلى الله ويكون أجر عمله المرفوع، وفيه أن خواتم الأعمال هى المرجوة والمحتسبة.
٧ - بَاب سَكْرِ الأَنْهَارِ
/ ٧ - فيه: ابْن الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِىِّ، ﵇، فِى شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِى يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِىِّ، ﵇، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: (أسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ) ، فَغَضِبَ الأَنْصَارِىُّ، فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ) ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّى لأحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى ذَلِكَ) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ (. وترجم له باب شرب الأعلى قبل
стр. 3126
الأسفل، وترجم له شرب الأعلى إلى الكعبين إلى: (حتى يرتفع إلى الجدر واستوعى له حقه. . .) الحديث. قال ابن شهاب: فقدرت الأنصار والناس قول النبى ﵇: (اسق ثم احبس حتى يرتفع إلى الجدر) ، فكان ذلك إلى الكعبين. اختلف أصحاب مالك فى صفة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل، فقال ابن حبيب: يدخل صاحب الأعلى جميع الماء فى حائطه ويسقى به إذا بلغ الماء من قاعه الحائط إلى الكعبين من القائم فيه: أغلق مدخل الماء وصرف ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ ماء السيل إلى أقصى الحوائط، وهكذا فسر لى مطرف وابن الماجشون، وقاله ابن وهب. وقال ابن القاسم: إذا انتهى الماء فى الحائط إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولم يحبس منه شيئًا فى حائطه. قال ابن حبيب: وقول مطرف وابن الماجشون أحب إلى، وهما أعلم بذلك، لأن المدينة كانت دارهما وبها كانت القضية، وفيها جرى العمل بها. وذكر ابن مزين عن ابن القاسم مثل ما حكاه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون. قال ابن حبيب: وما كان من الخلج والسواقى التى يجتمع أهل القرى على إنشائها وأجرى الماء فيها لمنافعهم، فقل الماء فيها ونضب عنها فى أوقات نضوبه فالأعلى والأسفل فيها بالسواء، يقسم بينهم على قدر حقوقهم فيها، استوت حاجتهم أو اختلفت، هكذا فسر لى مطرف وابن الماجشون وأصبغ وقاله ابن وهب وابن القاسم وابن نافع. قال المهلب: وفى الحديث من الفقه الإشارة بالصلح والأمر به، وفيه أن للحاكم أن يستوعى لكل واحد من المتخاصمين حقه إذا لم ير
стр. 3127
منهما قبولا للصلح ولا رضًا بما أشار به، كما فعل النبى ﵇ وفيه توبيخ من جفا على الإمام والحاكم ومعاقبته، لأن النبى ﵇ عاقبه على قوله: (أن كان ابن عمتك) بأن استوعى للزبير حقه، ووبخه الله فى كتابه بأن نفى عنهم الإيمان حتى يرضوا بحكمه، فقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك (الآية. ابن السكيت: سكرت النهر أسكره سكرًا: سددته. قال صاحب العين: والسكر اسم ذلك السداد الذى يجعل سدا للعين ونحوه. قال الفسوى: ومنه قوله تعالى: (سكرت أبصارنا (. ابن دريد: أصله من سكرت الريح: سكن هبوبها. قال أبو عبيد: والشروج والشراج مسائل الماء من الحرار إلى السهولة، واحدها شرج قال غيره: شرج. وقال أبو حنيفة: تسمى الحواجز التى بين الديار التى تمسك الماء الجدور، واحدها جدر.
٨ - بَاب فَضْلِ سَقْىِ الْمَاءِ
/ ٨ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىّ، ﵇، قَالَ: (بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِى فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِى بَلَغَ بِى، فَمَلاَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِىَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِى الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: (فِى كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ) . / ٩ - وفيه: أَسْمَاء، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، صَلَّى صَلاَةَ الْكُسُوفِ،
стр. 3128
فَقَالَ: (أدَنَتْ مِنِّى النَّارُ، حَتَّى قُلْتُ: أَىْ رَبِّ، وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ - قَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا) ، قَالَ: فَقَالَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: (لاَ أَنْتِ أَطْعَمْتِتهَا وَلاَ سَقَيِتيِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلاَ أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا تَأَكْلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) . سقى الماء من أعظم القربات إلى الله - تعالى وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقى الماء، وإذا غفرت ذنوب الذى سقى الكلب فما ظنكم بمن سقى رجلا مؤمنًا موحداُ أو أحياه بذلك. وقد استدل بهذا الحديث من أجاز صدقة التطوع على المشركين، لعموم قوله ﵇: (فى كل كبد رطبة أجر) وفيه أن المجازاة على الخير والشر قد تكون يوم القيامة من جنس الأعمال، كما قال ﵇: (من قتل نفسه بحديدة عذب بها فى نار جهنم) . وقال صاحب الأفعال: لهث الكلب، ولهث بفتح الهاء وكسرها: أدلع لسانه عطشًا، ولهث الإنسان أيضًا اشتد عطشه.
٩ - بَاب مَنْ قَالَ: أَنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ
/ ١٠ - فيه: سَهْل، أُتِىَ النَّبِىّ، ﵇، بِقَدَحٍ فَشَرِبَ منه، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: (يَا غُلاَمُ، أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أُعْطِىَ الأَشْيَاخَ؟) فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِى مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. / ١١ -
стр. 3129
وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لاَذُودَنَّ رِجَالاً عَنْ حَوْضِى، كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ) . / ١٢ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ ﵇: (يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، أَوْ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ، لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا، وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ، قَالَتْ: نَعَمْ، وَلاَ حَقٌ لكُمْ فِى الْمَاء قالوا: نَعَمْ. / ١٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىِّ ﵇: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ. . . . . . - الحديث - وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِى كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ) . قال المهلب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه، لقوله ﵇: (لأذودن رجالا عن حوضى) . فأما حديث الغلام والأشياخ فصاحب الماء واللبن أحق به أولا، ثم يستحقه المتيامن منه، فكان بين الحوض والقربه أو القدح فرق، لأنه لو كان صاحب القدح أحق به أبدًا لما استأذن النبى الغلام الذى كان عن يمينه فى أن يعطى الأشياخ، فإنما تصح الترجمة فى الابتداء أن صاحب الماء أولى به، ثم الأيمن فالأيمن أولى من صاحب الماء فى أن يعطيه غيره، وإنما هذا فيما يؤكل أو يشرب الموضوع بين يدى الجماعة، وأما فى المياه والآبار والجباب والعيون فصاحبها أولى بها أولا، وأولى بها فى أن يعطى من شاء آخراُ بخلاف حديث الغلام، وكذلك فى مسألة أم إسماعيل هى أحق بمائها أولا وآخرًا. قال أبو عبد الله: وقوله: (لأذودن رجالا عن حوضى) قال
стр. 3130
قبيصة فى البخارى: هم المرتدون الذين بدلوا، فإن قيل: كيف يأتون غرا محجلين والمرتد لا غرة له ولا تحجيل؟ فالجواب أن النبى ﵇ قال: (تأتى كل أمة فيها منافقوها) ، وقد قال تعالى ذلك فى كتابه: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم (الآية فصح أن المؤمنين يحشرون وفيهم المنافقون الذين كانوا معهم فى الدنيا حتى يضرب بينهم بسور له باب والمنافق لا غرة له ولا تحجيل له، لكن المؤمنون سموا غرا محجلين بالجملة وإن كان المنافقون فى خلالهم.
- بَاب لاَ حِمَى إِلاَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ
/ ١٤ - فيه: الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ، قَالَ: إِنَّ النَّبِىّ، ﵇، قَالَ: (لاَ حِمَى إِلاَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ) ، وَقَالَ أبو عبد اللَّه: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ حَمَى البَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ. أصل الحمى فى اللغة: المنع، يعنى: لا مانع لما لا مالك له من الناس من أرض أو كلأ أو شجر إلا لله ولرسوله، وذكر ابن وهب أن البقيع الذى حماه النبى ﵇ قدره ميل فى ثمانية أميال، حماه لخيل المهاجرين، وحمى أبو بكر الربذة لما يحمل عليه فى سبيل الله نحو خمسة أميال فى مثلها، وحمى ذلك عمر لإبل الصدقة، وحمى أيضًا السرف وهو مثل الربذة وزاد عثمان فى
стр. 3131
الحمى لما كثرت الإبل والبقر فى أيامه من الصدقات، أصل فعلهم ذلك من سنة النبى ﵇. فمعنى قوله: (لا حمى إلا لله ولرسوله) أى: أنه لا حمى لأحد يخص به نفسه ترعى فيه ماشيته دون سائر الناس، وإنما هو لله ولرسوله ولمن ورث ذلك عنه ﵇ من الخلفاء بعده إذا احتاج إلى ذلك لمصلحة تشمل المسلمين ومنفعة تعمهم، كما فعل أبو بكر وعمر وعثمان لما احتاجوا إلى ذلك. وقد عاتب رجل من العرب عمر بن الخطاب فقال له: بلاد الله حميت لمال الله. وأنكر أيضاُ على عثمان أنه زاد فى الحمى، وليس لأحد أن ينكر ذلك، لأن النبى ﵇ قد تقدم إليه، ولخلفائه الاقتداء به والاهتداء بهدية وإنما يحمى الإمام ما ليس بملك لأحد مثل: بطون الأودية، والجبال، والموات، وإن كان قد ينتفع المسلمون بتلك المواضع فمنافعهم فى حماية الإمام لها أكثر - والله الموفق - وقال الأصمعى: البقيع: القاع، يقال: انزل بذلك البقع، أى: القاع، والجمع البقعان.
- بَاب شُرْبِ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ مِنَ الأَنْهَارِ
/ ١٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذِى لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ. . . .) ، الحديث، (وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِىَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، وَهِىَ لِذَلِكَ أَجْرٌ) .
стр. 3132
/ ١٦ - وفيه: زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىّ، ﵇، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ. . . . . قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: (مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) . أجمع العلماء أنه يجوز الشرب من الأنهار دون استئذان أحد، لأن الله - تعالى - خلقها للناس والبهائم، وأنه لا مالك لها غير الله - تعالى - وأجمعوا أنه لا يجوز لأحد بيع الماء فى النهر، لأنه لا يتعين لأحد فيه حق، فإذا أخذه فى وعائه أو آنيته جاز له بيعه. وقال مالك: لا بأس ببيع الماء بالماء متفاضلا وإلى أجل وهو قول أبى حنيفة، وقال محمد: هو مما يكال ويوزن لما روى أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. وعلى هذا لا يجوز عنده فيه التفاضل والنسيئة، لأن علته فى الربا الكيل والوزن. قال الشافعى: لا يجوز بيعه متفاضلا ولا إلى أجل، لأن علته فى الربا أن يكون مأكولا جنسًا.
- بَاب بَيْعِ الْحَطَبِ وَالْكَلاَ
/ ١٧ - فيه: الزُّبَيْر، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حْبُلاً، فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِىَ أَوْ مُنِعَ) . / ١٨ - وفيه: عَلِىّ، أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ النَّبِىّ، ﵇، فِى مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ: وَأَعْطَانِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَارِفًا أُخْرَى فَأَنَخْتُهُمَا
стр. 3133
يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا لأَبِيعَهُ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ. . . . . الحديث. قال المهلب: فى هذا الباب إباحة الاحتطاب فى المباحات والاختلا من نبات الأرض، كل ذلك مباح حتى يقع التحظير من مالك الأرض، فترتفع الإباحة، وذكر ابن المواز عن ابن القاسم، عن مالك قال: من كانت له أرض يملكها ليست بأرض خربة فأراد أن يبيع ما نبت فيها من المرعى بعد طيبه، أنه لا بأس له. وقال أشهب: لا يجوز ذلك، لأنه رزق من رزق الله، ولا يحل لرب الأرض أن يمنع منه أحداُ، لقوله ﵇: (لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ) ولو كان النبات فى حائط إنسان لما جاز له أن يمنع منه أحدًا، لقوله ﵇: (لا حمى إلا لله ولرسوله) . وقال الكوفييون كقول أشهب. قال المهلب: وفيه من الفقه أن تضمين الجنايات بين ذوى الأرحام العادة فيها أن تهدر من أجل القرابة، كما هدر على قيمة الناقتين والجناية فيهما مع وكيد الحاجة إليهما أو إلى ما كان يستقبله من الإنفاق فى وليمة عرسه، وفيه أن للإمام أن يمضى إلى أهل بيت بلغه أنهم على منكر فيغيره، وفيه علة تحريم الخمر، ومعنى قوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر (من أجل ما جفا به حمزة على النبى من هجر القول.
стр. 3134
والشرف جمع شارف، وهى الحسنة من النوق والنواء جمع ناوية، والناوية السمينة، وقد نويت نيا ونواية. ابن السكيت: نواية. أبو حنيفة: أنوينا إبلنا: أسمناها. الخطابى: النى: السمن والنى بالكسر: اللحم الطرى، وجب: قطع ومنه قيل للخصى: مجبوب، أى: مقطوع. وبقر البطن والشىء بقرًا: شقه.
- بَاب الْقَطَائِعِ
/ ١٩ - فيه: أَنَس، أَرَادَ النَّبِىُّ، عليه السَّلم، أَنْ يُقْطِعَ الأَنْصَار مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: حَتَّى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِى يُقْطِعُ لَنَا، قَالَ: (سَتَرَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِى) . وترجم له (باب كتابة القطائع) . قَالَ أَنَس: دَعَا النَّبِىُّ، ﵇، الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِىِّ، ﵇، فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِى) . قال إسماعيل بن إسحاق: مال البحرين كان من الجزية، لأن المجوس كانوا فيها كثيرًا فى ذلك الوقت بسبب سلطان كسرى كان بها، وكان فيها أيضًا من أهل الذمة سوى المجوس، وكان عامله عليها أبان بن سعيد بن العاص.
стр. 3135
قال المؤلف: فهذا يدل أن الذى أراد أن يقطع النبى ﵇ للأنصار من البحرين لم تكن نفس الأرض، لأنها كانت أرض صلح يؤدى أهلها الجزية عليها، وإنما أراد أن يقطع لهم مالا يأخذونه من جزية البحرين، لأن الجزية تجرى مجرى الخراج والخمس، فيجوز أخذها للأغنياء، وليست تجرى مجرى الصدقة. وقوله: (فلم يكن ذلك عند النبى) يعنى: فلم يرد ذلك النبى ﵇ لأنه كان قد أقطع المهاجرين أرض بنى النضير حين أجلوها وليستغنوا عن رفد الأنصار ومشاركتهم، وردوا إليهم منائحهم. قال المهلب: وقوله ﵇ للأنصار: (إنكم سترون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقونى) يدل أن الخلافة لا تكون فى الأنصار، ألا ترى أنه جعلهم تحت الصبر إلى يوم يلقونه، والصبر لا يكون إلا من مغلوب محكوم عليه.
- بَاب حَلَبِ الإِبِلِ عَلَى الْمَاءِ
/ ٢٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ الرسول ﷺ : (مِنْ حَقِّ الإِبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ) . قال المهلب: قوله ﵇: (من حق الإبل أن تحلب على الماء) يعنى الحق المعهود المتعارف بين العرب من التصدق باللبن على المياه إذ كانت طوائف الضعفاء والمساكين ترتصد يوم ورود الإبل على المياه لتنال من رسلها وتشرب من لبنها، وهذا حق حلبها على الماء، لا أنه فرض لازم عليهم، وقد تأول بعض السلف فى قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده (قال: هو أن
стр. 3136
يعطى المساكين عند الجداد والحصاد ما تيسر من غير الزكاة، وهذا مذهب ابن عمر، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وجمهور الفقهاء على أن المراد بقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده (الزكاة المفروضة، وهو تأويل ابن عباس وغيره، وقد تقدم بيان هذا فى كتاب الزكاة فى باب إثم مانع الزكاة.
- بَاب الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ أَوْ شِرْبٌ فِى حَائِطٍ أَوْ فِى نَخْلٍ
وقَالَ النَّبىُّ ﵇: (مَنْ بَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ يُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، فَلِلْبَائِعِ الْمَمَرُّ وَالسَّقْىُ، حَتَّى يَرْفَعَ، وَكَذَلِكَ رَبُّ الْعَرِيَّةِ) . / ٢١ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَنِ ابْتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلاَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) . / ٢٢ - وفيه: زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، رَخَّصَ النَّبِىُّ، ﵇، أَنْ تُبَاعَ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا. إنما أراد البخارى أن يستدل من حديث ابن عمر وحديث زيد بن ثابت على تصحيح ما ترجم، وذلك أن النبى ﵇ لما جعل لبائع أصول النخل المثمرة بعد أن تؤبر؛ كان له أن يدخل فى الحائط لسقيها وتعهدها حتى يجدها، ولم يجز لمشترى أصول النخل أن يمنعه الطريق والممر إليها. وكذلك يجوز لصاحب العرية أن يدخل فى حائط المعرى لتعهد عريته وإصلاحها وسقيها، ولا خلاف فى هذا بين الفقهاء، وأما من له طريق مملوكة فى أرض غيره، فقال مالك: ليس للذى له الطريق أن يدخل فيها بماشيته وغنمه؛ لأنه يفسد زرع صاحبه وقال الكوفيون والشافعى: ليس لصاحب الأرض أن يزرع فى موضع الطريق.
стр. 3137
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٧ - كِتَاب الاسْتِقْرَاضِ وَأَدَاءِ الدُّيُونِ، وَالْحَجْرِ، وَالتَّفْلِيسِ
- بَاب مَنِ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ أَوْ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ
/ ١ - فيه: جَابِر، غَزَوْتُ مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، فَقَالَ: (كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ أَتَبِيعَهِ) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِى ثَمَنَهُ. / ٢ - وفيه: الأَعْمَشُ، تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِى السَّلَمِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِى الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِىٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب، وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز، والشراء بالدين مباح؛ لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه (ألا ترى أن النبى اشترى الجمل من جابر فى سفره ولم يقضه ثمنه إلا بالمدينة، وكذلك اشترى الشعير من اليهودى إلى أجل، فكان ذلك كله سننًا.
стр. 3138
- بَاب مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلاَفَهَا
/ ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) . هذا الحديث شريف ومعناه: الحض على ترك استئكال أموال الناس والتنزه عنها، وحسن التأدية إليهم عند المداينة، وقد حرم الله فى كتابه أكل أموال الناس بالباطل، وخطب النبى ﵇ بذلك فى حجة الوداع، فقال: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) يعنى: من بعضكم على بعض، وفى حديث أبى هريرة أن الثواب قد يكون من جنس الحسنة، وأن العقوبة قد تكون من جنس الذنوب، لأنه جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه، ومكان إتلافه إتلاف الله له.
٣ - بَاب أَدَاءِ الدَّيْنِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (الآية
. / ٤ - فيه: أَبُو ذَرّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، فَلَمَّا أَبْصَرَ، يَعْنِى أُحُدًا، قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِى ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِى مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَ دِينَارًا
стр. 3139
أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ. . . . . الحديث. قال المهلب: هذه الآية أصل فى أداء الأمانات وحفظها، ألا ترى أن النبى لم يحب أن يبقى عنده من مثل أحد ذهبًا فوق ثلاث إلا دينار أرصده لدين، فدل هذا الحديث على ما دلت الآية عليه من تأكيد أمر الدين والحض على أدائه. قال المؤلف: وفى هذا الحديث دليل على الاستدانة بيسير الدين اقتداءً بالنبى ﵇ فى إرصاده دينارًا لدينه، ول كان عليه مائة دينار أو أكثر لم يرصد لأدائها دينارًا؛ لأنه ﵇ كان أحسن الناس قضاءً، وبان بهذا الحديث أنه ينبغى للمؤمن ألا يستغرق فى كثرة الدين؛ خشية الاهتمام به، والعجز عن أدائه، وقد استعاذ الرسول بالله من ضلع الدين، واستعاذ من المأثم والمغرم، وقال: (إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) . فقد جاء فى خيانة الأمانة من الوعيد ما رواه إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا محمد ابن المثنى قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود قال: إن القتل فى سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الدين والأمانة، قال: وأعظم ذلك الأمانة تكون عند الرجل فيخونها فيقال له يوم القيامة: أد أمانتك، فيقول: من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: نحن نريكها، قال: فتمثل له فى قعر جهنم، فيقال له: انزل فأخرجها، قال: فينزل فيحملها على عنقه حتى إذا كاد زلت، فهوت وهوى فى أثرها أبد الأبد. قال: والأمانة فى كل شىء حتى فى الصلاة والصيام والوضوء
стр. 3140
والغسل من الجنابة، والأمانة فى الكيل والوزن. وقال الربيع بن أنس: الأمانة ما أمروا به، وما نهوا عنه.
٤ - بَاب اسْتِقْرَاضِ الإِبِلِ
/ ٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً تَقَاضَى النَّبِىّ، ﵇، فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، قَالُوا: لاَ نَجِدُ إِلاَ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: (اشْتَرُوهُ، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) . وترجم له (باب هل يعطى أكبر من سنه، وباب حسن القضاء) . اختلف العلماء فى استقراض الحيوان فأجاز ذلك مالك والشافعى وأحمد وإسحاق، واحتجوا بهذا الحديث، ولا يحل عند مالك وأهل المدينة استقراض الإماء؛ لأن ذلك ذريعة إلى استحلال الفرج. ومنع ذلك الكوفيون وقالوا: لا يجوز استقراض الحيوان؛ لأن وجود مثله متعذر غير موقوف عليه، وقالوا: يحتمل أن يكون حديث أبى هريرة قبل تحريم الربا، ثم حرم الربا بعد ذلك، وحرم كل قرض جر منفعة، وردت الأشياء المستقرضة إلى أمثالها، فلم يجز القرض إلا فيما له مثل. وحجة من أجاز ذلك قالوا: محال أن يستقرض النبى شيئًا لا يقدر على أداء مثله، ولا يضبط ذلك بصفة، ولو لم يكن له
стр. 3141
إلى رد مثله سبيل لم يستقرضها؛ إذ كان ﵇ أبعد الخلق من ظلم أحد. واحتج مالك لتفريقه بين الإماء وجميع الحيوان فقال: قد أحاط الله ورسوله والمسلمون الفروج، فجعل المرأة لا تنكح إلا بولى وشهود، ونهى النبى أن يخلو بها رجل فى حضر أو سفر، ولم يحرم ذلك فى شىء مما أحل غيرها، فجعل الأموال مرهونة ومبيعة بغير بينة، ولم يجعل المرأة هكذا حتى حاطها فيما حللها بالولى والشهود ففرقنا بين حكم الفروج وغيرها بما فرق الله ورسوله والمسلمون بينها. وقال أهل المقالة الأولى: وأيضًا فإنه يجوز أن يرد أفضل مما استلف إذا لم يشرط ذلك عليه؛ لأن الزيادة فى ذلك من باب المعروف، استدلالا بحديث أبى هريرة، وهو قول ابن عمر وابن المسيب والنخعى والشعبى وعطاء، وبه قال الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وجماعة. واختلف أصحاب مالك فى ذلك، فقال ابن حبيب: لا بأس أن يرد أفضل مما اسقرض فى العدد والجود؛ لأن الآثار جاءت بأن النبى ﵇ رد أكثر عددًا فى طعام. وأجاز أشهب أن يزيده فى العدد إذا طابت نفسه بذلك. وقال ابن نافع: لا بأس أن يعطى أكثر عددًا إذا لم يكن ذلك عادة. وقال مالك: لا يجوز أن يكون بزيادة فى العدد، وإنما يصلح أن تكون فى الجودة. وقال ابن القاسم: لا يعجبنى أن يعطيه أكثر فى العدد ولا فى الذهب والورق إلا اليسير مثل الرجحان فى
стр. 3142
الوزن والكيل، ولو زاد بعد ذلك لم يكن به بأس. وهو قول مالك، وإنما لم يجز أن يشترط أن يأخذ أفضل؛ لأنه يخرج من باب المعروف ويصير ربا، ولا خلاف بين العلماء أن اشتراط الزيادة فى ذلك ربا لا يحل.
٥ - بَاب حُسْنِ التَّقَاضِي
/ ٦ - فيه: حُذَيْفَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﵇: (مَاتَ رَجُلٌ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فَأُخَفِّفُ عَنِ الْمُوسِرِ، وَأَتَجَوَّزُ عَنِ الْمُعْسِرِ، فَغُفِرَ لَهُ) ، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِىِّ ﵇. قال المؤلف: فى هذا الحديث ترغيب عظيم فى حسن التقاضى، وان ذلك مما يدخل الله به الجنة، وهذا المعنى نظير قوله: (خيركم أحسنكم قضاء) ، فجاء الترغيب فى كلا الوجهين فى حسن التقاضى لرب الدين وفى حسن القضاء للذى عليه الدين، كل قد رغب فى الأخذ بأرفع الأحوال، وترك المشاحة فى القضاء والاقتضاء، واستعمال مكارم الأخلاق فى البيع والشراء والأخذ والإعطاء، وقد جاء هذا كله فى حديث جابر أن النبى ﵇ قال: (رحم الله رجلا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) . ذكره فى أول كتاب البيوع.
стр. 3143
٦ - بَاب إِذَا قَضَى دُونَ حَقِّهِ أَوْ حَلَّلَهُ فَهُوَ جَائِزٌ / ٧ - فيه: جَابِر، أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِى حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ، ﵇، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِى، وَيُحَلِّلُوا أَبِى، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمُ النَّبِىُّ، ﵇، حَائِطِى، وَقَالَ: (سَنَغْدُو عَلَيْكَ) ، فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِى النَّخْلِ وَدَعَا فِى ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ، وَبَقِىَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا. وترجم له باب من أخر الغريم إلى الغد أو نحوه ولم ير ذلك مطلا هكذا وقعت هذه الترجمة فى النسخ كلها باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز، والصواب إذا قضى دون حقه وحلله بغير ألف، لأنه لا يجوز أن يقضى رب الدين دون حقه ويسقط مطالبته بباقيه إلا أن حلل منه. ولا خلاف بين العلماء أنه لو حلله من جميع الدين أو أبرأ ذمته أنه جائز، فكذلك إذا حلله من بعضه، وأما تأخير الغريم الواحد إلى الغد فهو مرتبط بالعذر، وأما من قدر على الأداء فلا يمطل به؛ لقوله ﵇: (مطل الغنى ظلم) ، وإنما أخر جابر غرماءه رجاء بركة النبى ﵇ لأنه كان وعده أن يمشى معه على التمر ويبارك فيها، فحقق الله رجاءه، وظهرت بركة النبى، وثبتت أعلام نبوته .
стр. 3144
وفيه من الفقه: مشى الإمام فى حوائج الناس، واستشفاعه فى الديون، وقد ترجم لذلك.
٧ - بَاب إِذَا قَاصَّ أَوْ جَازَفَهُ فِى الدَّيْنِ تَمْرًا بِتَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ
/ ٨ - فيه: جَابِر، أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّىَ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلاَثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِرٌ، فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَشْفَعَ لَهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَ الْيَهُودِىَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِى لَهُ، فَأَبَى، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخْلَ فَمَشَى فِيهَا، ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ: (جُدَّ لَهُ، فَأَوْفِ لَهُ الَّذِى لَهُ) ، فَجَدَّهُ بَعْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْفَاهُ ثَلاَثِينَ وَسْقًا، وَفَضَلَتْ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَجَاءَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِالَّذِى كَانَ، فَوَجَدَهُ يُصَلِّى الْعَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُ بِالْفَضْلِ، فَقَالَ: (أَخْبِرْ ذَلِكَ ابْنَ الْخَطَّابِ) ، فَذَهَبَ جَابِرٌ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُبَارَكَنَّ فِيهَا. قال المؤلف: لا يجوز عند العلماء أن يأخذ من له دين من تمر على أحد تمرًا مجازفة فى دينه؛ لأن ذلك من الغرر والمجهول، وذلك حرام فيما أمر فيه بالمماثلة، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة فى حقه أقل من دينه إذا علم ذلك وتجاوز له، وهذا المعنى بين فى حديث جابر، لأن النبى ﵇ حين كلم اليهودى أن يأخذ تمر
стр. 3145
النخل بالذى على أبى جابر وأبى اليهودى من ذلك، ثبت أن تمر النخل لا يفى بالدين، وأنه أقل مما كان يلزمه غرمه، وقد جاء هذا منصوصًا فى هذا الحديث. ذكره فى كتاب الصلح فى باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث، وفيه قال: (فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاء) وقد يجوز فى باب حسن القضاء أن يزيده من صفته، وإنما تحرم الزيادة بالشرط، وقال فى باب الشفاعة وفى وضع الدين، فأرجف الجمل يقال: أرجف البعير إذا أعيا فخر برسنه، ورجف أيضًا.
٨ - بَاب مَنِ اسْتَعَاذَ مِنَ الدَّيْنِ
/ ٩ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىّ ﵇، كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلاَةِ، وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنَ الْمَغْرَمِ، قَالَ: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ) . قال المهلب: فيه وجوب قطع الذارئع؛ لأنه ﵇ إنما استعاذ من الدين؛ لأنه ذريعة إلى الكذب، والخلف فى الوعد مع ما يقع المديان تحته من الذلة، وما لصاحب الدين عليه من المقال - والله أعلم - فإن قيل: فقد عارض هذا الحديث ما رواه جعفر ابن محمد عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن النبى ﵇ أنه قال: (إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه ما لم يكن فيما يكره الله - تعالى) ،
стр. 3146
وكان عبد الله بن جعفر يقوله لحارثة: اذهب فخذ لى بدين، فإنى أكره أن أبيت الليلة إلا والله معى. قال الطبرى: كلا الخبرين صحيح، وليس فى أحدهما دفع معنى الآخر، فأما قوله ﵇: (إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه ما لم يكن فيما يكره الله) ، فهو المستدين فيما لا يكرهه الله، وهو يريد قضاءه، وعنده فى الأغلب ما يؤديه منه فالله - تعالى - فى عونه على قضائه. وأما المغرم الذى استعاذ منه ﵇ فإنه الدين الذى استدين على أوجه ثلاثة: إما فيما يكرهه الله ثم لا يجد سبيلاً إلى قضائه، أو مستدين فيما لا يكرهه الله ولكن لا وجه لقضائه عنده، فهو متعرض لهلاك مال أخيه ومتلف له، أو مستدين له إلى القضاء سبيل غير أنه نوى ترك القضاء وعزم على جحده، فهو عاص لربه ظالم لنفسه، فكل هؤلاء لوعدهم إن وعدوا من استدانوا منه القضاء يخلفون، وفى حديثهم كاذبون لوعدهم. وقد صحت الأخبار عنه ﵇ أنه استدان فى بعض الأحوال، فكان معلومًا بذلك أن الحال التى كره ذلك ﵇ فيها غير الحال التى ترخص لنفسه فيها. وقد استدان السلف: استدان عمر بن الخطاب وهو خليفة، وقال لما طعن: انظروا كم على من الدين، فحسبوه فوجوده ثمانين ألفًا أو أكثر، وكان على الزبير دين عظيم ذكره البخارى. فمما ثبت عن النبى ﵇ وعن السلف من استدانتهم
стр. 3147
الدين مع تكريههم له إلى غيرهم الدليل الواضح على اختلاف الأمر فى ذلك كان على قدر اختلاف حال المدينين.
٩ - بَاب الصَّلاَةِ عَلَى مَنْ تَرَكَ دَيْنًا
/ ١٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلاً فَإِلَيْنَا. . . .) الحديث. هذا الحديث ناسخ لترك النبى الصلاة على مات وعليه دين، وقد تقدم هذا المعنى مستوعبًا فى كتاب الكفالة فى باب من تكفل عن ميت دينًا، فكرهنا إعادته.
- بَاب مَطْلُ الْغَنِىِّ ظُلْمٌ
/ ١١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَطْلُ الْغَنِىِّ ظُلْمٌ) .
- بَاب لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالٌ
وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِىِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: (لَىُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ) ، قَالَ سُفْيَانُ: عِرْضُهُ، أَنْ يَقُولُ: مَطَلْنِى، وَعُقُوبَتُهُ: الْحَبْسُ. / ١٢ - وذكر حديث أَبِى هُرَيْرَةَ، أن النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً) . إذا مطله وهو غنى فقد ظلمه، والظلم محرم قليله وكثيره. وقال أصبغ وسحنون: إذا مطل بدين لم تجز شهادته؛ لأن
стр. 3148
الرسول سماه ظالمًا. وعند غيرهما من العلماء لا تسقط شهادته إلا أن يكون ذلك الأغلب من فعله. وفسر الفقهاء قوله ﵇: (لى الواجد يحل عرضه وعقوبته) كما فسره سفيان، وهو كقوله ﵇: (لصاحب الحق مقال) ، أى له أن يصفه بالمطل، وقالوا: قد جاء فى القرآن مصداق هذا، قال تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم (وهذه الآية نزلت فيمن منع الضيافة، فأبيح له أن يقول فى المانع أنه لئيم، وأنه لم يقره، وشبه هذا. وأما عقوبته بالحبس فإن ذلك إذا رُجى له مال أو وفاء بما عليه، فإذا ثبت عسرته وجبت نظرته ولم يلزمه حبس؛ لزوال العلة الموجبة لحبسه، وهى الوجدان. واختلفوا فى الرجل إذا ثبتت عسرته وأطلقه القاضى من السجن، هل يلازمه غريمه؟ فقال مالك والشافعى: ليس لغرمائه لزومه ولا يعترض له حتى يثوب له مال آخر. وقال أبو حنيفة: لا يمنع الحاكم غرماءه من لزومه. قال الطحاوى: وقوله ﵇: (مطل الغنى ظلم) يدل أن مطل غير الغنى ليس بظلم، فلا مطالبة عليه إذًا، وإذا سقطت المطالبة زالت الملازمة. وقوله: (فنظرة إلى ميسرة (يوجب تأخيره، فصار كالدين المؤجل فيمنع من لزومه.
стр. 3149
- بَاب إِذَا وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ فِى الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالْوَدِيعَةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا أَفْلَسَ وَتَبَيَّنَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، وَلاَ بَيْعُهُ وَلاَ شِرَاؤُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَضَى عُثْمَانُ مَنِ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ، فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. / ١٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قال النَّبِىّ، ﵇: (مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ، أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) . اختلف العلماء فى هذا الباب، فروى عن عثمان بن عفان وعلى وابن مسعود وأبى هريرة: أن المشترى إذا أفلس ووجد البائع متاعه بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء. وهو قول عروة بن الزبير، وإليه ذهب مالك، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بهذا الحديث. وروى عن النخعى والحسن البصرى أن البائع أسوة الغرماء، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، ودفعوا حديث التفليس بالقياس وقالوا: السلعة مال المشترى، وثمنها فى ذمته، ومن باع شيئًا فله إمساكه وحبسه حتى يستوفى الثمن، كما أن المرتهن له حق الحبس وإمساك الرهن ليستوفى حقه من ثمنه. ثم قد ثبت أن المرتهن لو أبطل حق الحبس، وأزال يده عن الرهن وسلمه إلى الراهن، لم يكن له بعد ذلك الرجوع فيه، فكذلك البائع إذا أزال يده عن المبيع وسلمه إلى المشترى فقد تعلق حقه بالذمة المجردة. والسنة مستغنى بها عن قول كل أحد، ولا مدخل للقياس والنظر إلا إذا عدمت السنة، وأما مع وجودها فهى حجة على من خالفها،
стр. 3150
وأيضًا فإن البائع إذا نقل حقه من العين إلى الذمة وتعذر قبضه من الذمة بالفلس، وجب أن يكون له الرجوع إلى العين مع بقائها. فإن قال الكوفيون: نتأول قوله ﵇: (فهو أحق به) على المودع والمقرض دون البائع، قيل: هذا فاسد، لأنه ﵇ جعل لصاحب المتاع الرجوع إذا وجده بعينه، والمودع أحق بعين ماله سواء كان على صفته أو قد تغير عنها، فلم يجز حمل الخبر عليه، ووجب حمله على البائع، لأنه إنما يرجع بعين ماله إذا وجده على صفته لم يتغير، فإذا تغير فإنه لا يرجع. وذهب مالك إلى أن صاحب المتاع أحق به إذا وجده فى الفلس وهو فى الموت أسوه الغرماء، وبه قال أحمد بن حنبل، وقال الشافعى: هو فى الفلس والموت سواء، واحتج بما رواه ابن أبى ذئب عن أبى المعتمر عمرو بن نافع، عن عمرو بن خلدة الزرقى، عن أبى هريرة، عن النبى ﵇ قال: (من مات أو أفلس فوجد رجل متاعة فهو أحق به) وأبو المعتمر ضعفه ابن معين، وقال أبو داود: لا يعرف. وحجة مالك فى تفرقته بين الفلس والموت أن المفلس ذمته باقية، وللغرماء ذمة يرجعون إليها، وفى الموت تبطل الذمة أصلا، فلا يكون للغرماء شىء يرجعون إليه، ولا يجوز أن ينظر لبعضهم دون بعض، وقد فرقت السنة فى الفلس بين الموت والحياة، روى مالك عن ابن شهاب، عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أن
стр. 3151
رسول الله قال: (أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذى ابتاعه منه، ولم يقبض الذى باعه من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات الذى ابتاعه فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء) .
- بَاب مَنْ بَاعَ مَالَ الْمُفْلِسِ أَوِ الْمُعْدِمِ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ أَعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ
/ ١٤ - فيه: جَابِر، أَعْتَقَ رَجُلٌ غُلاَمًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَقَالَ النَّبىُّ ﵇: (مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّى؟) فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ، فَأَخَذَ ثَمَنَهُ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. لا يفهم من الحديث معنى قوله فى الترجمة: فقسمه بين الغرماء؛ لأن الذى باع عليه رسول الله مدبره لم يكن له مال غيره، ذكره فى كتاب الأحكام ولم يذكر فى الحديث أنه كان عليه دين، وإنما باعه عليه؛ لأن من سنته ﵇ أن لا يتصدق المرء بماله كان ويبقى فقيرًا فيتعرض لفتنة الفقر، ولذلك قال ﵇: (خير الصدقة ما كان ظهر غنى، وابدأ بمن تعول) وعوله لنفسه أوكد عليه من الصدقة، وأما قسمة مال المفلس بين الغرماء فهو أصل مجمع عليه إذا قام عليه غرماؤه وحال الحاكم بينه وبين ماله ووقفه لهم، ولا يخرج هذا المعنى من حديث جابر أصلا.
стр. 3152
- بَاب إِذَا أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَوْ أَجَّلَهُ فِى الْبَيْعِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِى الْقَرْضِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى: لاَ بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أُعْطِىَ أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: هُوَ إِلَى أَجَلِهِ فِى الْقَرْضِ. / ١٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىّ، ﵇، أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ ألف دينار، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. اختلف العلماء فى تأخير الدين فى القرض إلى أجل، هل له أن يأخذه قبل الأجل؟ فقال مالك وأصحابه: من أقرض رجلا دنانير أو دراهم أو شيئًا مما يكال أو يوزن أو غير ذلك حالا، ثم طاع له فأخره به إلى أجل، ثم أراد الانصراف عن ذلك، وأخذه قبل الأجل لم يكن ذلك له؛ لأن هذا مما يتقرب به إلى الله، وهو من باب الحسبة. وقال أبو حنيفة: سواء كان القرض إلى أجل أو غير أجل له أن يأخذه متى أحب، وكذلك العارية، ولا يجوز عندهم تأخير القرض البتة، ويجوز تأخير الغصوب وقيم المتلفات. وقال الشافعى: إذا أخره بدينه حال فله أن يرجع فيه متى شاء، وسواء كان ذلك من قرض أو غيره، وكذلك العارية وغيرها؛ لأن ذلك عندهم من باب العدة والهبة غير المقبوضة وهبة ما لم يخلق، وهذا كله لازم عند مالك فى تأجيل القرض، وفى عارية المنفعة للسكنى وغيرها، ويحمل ذلك على العرف فيما يستعار الشىء
стр. 3153
لمثله من العمل والسكنى، وكل ذلك عنده من أعمال البر التى أوجبها على نفسه فيلزمه الوفاء بها، وحديث أبى هريرة يشهد لقول مالك؛ لأن القرض فيه إلى أجل مسمى ولا يجوز تعديه والاقتضاء قبله، ولو جاز ذلك لكان ضرب الأجل وتركه سواء، ولم يكن لضرب الأجل معنى وبطل معنى قوله: (ولتعلموا عدد السنين والحساب (وإنما فائدتها معرفة الآجال، وأما إذا أجله فى البيع فلا خلاف بين العلماء فى جواز الآجال فيه؛ لأنه من باب المعارضات، ولا يأخذ قبل محله.
- بَاب مَا يُنْهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ وَقَوْلِ تَعَالَى: (وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (وَ) لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (
وَقَالَ: (أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ (وَقَالَ: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ (وَالْحَجْرِ فِى ذَلِكَ وَمَا يُنْهَى عَنَهُ مِنَ الْخِدَاعِ. / ١٦ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ رَجُلٌ للرسول ﷺ : إِنِّى أُخْدَعُ فِى الْبُيُوعِ، فَقَالَ: (إِذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ) ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ. / ١٧ - وفيه: الْمُغِيرَة، قَالَ رسول اللَّه ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) . اختلف العلماء فى إضاعة المال؛ فقال سعيد بن جبير: إضاعة
стр. 3154
المال أن يرزقك الله رزقا فتنفقه فيما حرم الله عليك. وكذلك. قال مالك، قال المهلب: وقيل: إضاعة المال: السرف فى إنفاقه وإن كان فيما يحل، ألا ترى أن النبى رد تدبير المعدم؛ لأنه أسرف على ماله فيما يحل له ويؤجر فيه، لكنه أضاع نفسه، وأجره فى نفسه أوكد عليه من أجره فى غيره. واختلف العلماء فى وجوب الحجة على البالغ المضيع لماله، فقال جمهور العلماء: يجب الحجر على كل مضيع لماله صغيرًا كان أو كبيرًا. روى هذا عن على وابن عباس وابن الزبير وعائشة، وهو قول مالك والأوزاعى وأبى يوسف ومحمد والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور. وقالت طائفة: لا حجر على الحر البالغ. هذا قول النخعى وابن سيرين، وبه قال أبو حنيفة وزفر، قال أبو حنيفة: فإن حجر عليه القاضى ثم أقر بدين أو تصرف فى ماله جاز ذلك كله. واحتج بحديث الذى كان يخدع فى البيوع فقال له ﵇: (إذا بايعت فقل: لا خلابة) . قال: ففى هذا الحديث وقوف النبى ﵇ على أنه كان يخدع فى البيع لم يمنعه من التصرف ولا حجر عليه. وحجة الجماعة قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قيامًا (فنهى تعالى عن دفع الأموال إلى السفهاء وقال: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم (فجعل شرط دفع أموالهم إليهم وجود الرشد، وهذه الآية محكمة غير منسوخة، ومن كان مبذرًا لماله فهو غير رشيد.
стр. 3155
وقال ابن المنذر: قوله تعالى فى قصة شعيب: (أصلاتك تأمرك (الآية، وقال تعالى: (أتبنون بكل ريع آية تبعثون (فخبر تعالى أن أنبيائه منعوا قومهم من إضاعة الأموال والعبث، والأنبياء لا تأمر إلا بأمر الله. واحتجوا بقوله ﵇: (إن الله كره لكم إضاعة المال) وما كره الله لنا فمحرم علينا فعله. وقوله: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين (، و) لا يحسب الفساد (فالمبذر لماله داخل فى النهى ممنوع منه. واحتج الطحاوى على أبى حنيفة فقال: لما قال له ﵇: (إذا بايعت فقل: لا خلابة) أى: لا شىء على من خلابتك إياى، جعل بيوعه معتبرة، فإن كان فيها خلابة لم تجز. وليس فى هذا الحديث دفع الحجر، إنما فيه اعتبار عقود المحجور عليه. قال غيره: ويحتمل أن يكون الرجل يغبن بما لا ينفك التجار منه، فجعل له النبى الخيار ثلاثًا ليستدرك الغبن فى مدة الخيار، ولو أوجبت الضرورة الحجر عليه لفعله. قال المهلب: ألا ترى أنه قد شعر لما يمكر به فيه فسأل عنه النبى ﵇ وليس من شكا مثل هذا مضيع لماله، وإنما هو حريص على ضبطه والنظر فيه فحضه ﵇ أن جعل له إذا بايع أن يقول: لا خلابة، أى: لا تخدعونى فإن خديعتى لا تحل. قال الطحاوى: ولم أجد عن أحد من الصحابة والتابعين أنه قال: لا حجر، كما قال أبو حنيفة إلا عن النخعى وابن سيرين.
следующие страницы →