← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

به الرجل من نكاح الإماء، فأما اليوم فمن تزوج أمة، وهو يعلم أنها أمة فولده عبد لسيدها، عربيًا كان أو فارسيًا أو غيره. ومن حجة من جعلهم رقيقًا أن النبى ﷺ لما سوى بين العرب والعجم فى الدماء، فقال: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم) ، وأجمع العرب على القول به، وجب إذا اختلفوا فيما دون الدماء أن يكون حكم ذلك حكم الدماء. قال المهلب: وقول النبى ﷺ لعائشة: (أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل) ، يدل على جواز تملك العرب، إلا أن عتقهم أفضل لمراعاة الرحم التى تجمعهم، وكذلك فعل عمر بن الخطاب فى خلافته بمن ملك رقيقًا من العرب الذين ارتدوا فى خلافة أبى بكر، قال: إن الله قد أوسع عليكم فى سبى أهل الكتاب من غير العرب، وإن من العار أن يملك الرجل بنت ابن عمه، فأجابوه إلى ما حض عليه، وهذا كله على وجه الندب لا على أنه لا يجوز تملكهم. قال غيره: وفى حديث سبى هوازن وبنى المصطلق، وقول أبى سعيد: واشتهينا النساء، دليل على أن الصحابة أطلقوا على وطء ما وقع فى سهمانهم من السبى، وهذا لا يكون إلا بعد الاستبراء بإجماع العلماء، وهذا يدل على أن السبى يقطع العصمة بين الزوجين الكافرين. واختلف السلف فى حكم وطء الوثنيات والمجوسيات إذا سبين، فأجاز ذلك سعيد ابن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وحجتهم أن النبى ﷺ أباح وطء سبايا العرب إذا حاضت الحائض أو وضعت الحامل منهن.

стр. 3292

وهذا القول شذوذ عند العلماء لم يلتفت إليه أحد، واتفق أئمة الفتوى بالأمصار وعامة العلماء على أنه لا يجوز وطء الوثنيات لقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) [البقرة: ٢٢١] ، وإنما أباح الله تعالى وطء نساء أهل الكتاب خاصة بقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) [المائدة: ٥] ، فإنما أطلق النبى ﷺ أصحابه على وطء سبايا العرب بعد إسلامهن؛ لأن سبى هوازن كان سنة ثمان، وسبى بنى المصطلق سنة ست، وسورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة، فقد كانوا علموا قوله: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) [البقرة: ٢٢١] ، وتقرر عندهم أنه لا يجوز وطء الوثنيات البتة حتى يسلمن. وروى عبد الرزاق، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا يونس بن عبيد، أنه سمع الحسن يقول: كنا نغزو مع أصحاب النبى، ﵇، فإذا أصاب أحدهم جارية من الفىء، فأراد أن يصيبها أمرها فاغتسلت، ثم علمها الإسلام وأمرها بالصلاة، واستبرأها بحيضة ثم أصابها. قال: وسمعت الثورى يقول: أما السنة، فلا يقع عليها حتى تصلى إذا استبرأها، وعموم قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) [البقرة: ٢٢١] ، يقتضى تحريم وطء المجوسيات بالتزويج وبملك اليمين، ألا ترى أن النبى، ﵇، سن أن تؤخذ الجزية من المجوس على ألا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، وعلى هذا أئمة الفتوى وعامة العلماء. وأما قولهم: وأحببنا الفداء وأردنا أن نعزل، فقد استدل به

стр. 3293

جماعة من العلماء فى منع بيع أم الولد، وقالوا: معلوم أن الحمل منهن يمنع الفداء ويذهب بالثمن، والعلماء مجمعون على أنه لا يجوز بيعها وهى حامل، فإذا وضعت فهى على الأصل الذى اتفقوا عليه من منع البيع، ولا يجوز الانتقال عنه إلا باتفاق آخر، وأئمة الفتوى بالأمصار متفقون على أنه لا يجوز بيع أم الولد، وإنما خالف ذلك أهل الظاهر، وبشر المريسى، وهو شذوذ لا يلتفت إليه. قال ابن القصار: وقد روى عكرمة، عن ابن عباس، أن النبى، ﵇، قال لما ولدت أم إبراهيم: (أعتقها ولدها) ، وقالت عائشة: ما خلف النبى عبدًا ولا أمة، وقد كان خلف مارية، فعلم أنها عتقت بموته، ولم تكن أمة، وقد قال، ﵇: (لا نورث ما تركنا صدقة) ، ولم ينقل أن مارية كانت صدقة، فعلم أنها عتقت بموته ولم تكن مما تركه. قال: وأما قوله، ﵇: (ما عليكم ألا تفعلوا) ، فقد احتج بهذا من أباح العزل ومن كرهه. واختلف السلف فى ذلك قديمًا، وإباحة العزل أظهر فى الحديث، روى مالك، عن سعد بن أبى وقاص، وأبى أيوب الأنصارى، وزيد بن ثابت، وابن عباس أنهم كانوا يعزلون، وروى ذلك أيضًا عن ابن مسعود وجابر، وذكر مالك أيضًا عن ابن عمر أنه كره العزل، وروى كراهيته عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وقد روى عن على بن أبى طالب القولان جميعًا.

стр. 3294

واحتج من كره العزل بما رواه أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة، قالت: وحدثتنى خزامة بنت وهب الأسدية، قالت: ذكر عند النبى ﷺ العزل، فقال: (ذلك الوأد الخفى) . واتفق أئمة الفتوى على جواز العزل عن الحرة إذا أذنت فيه لزوجها، واختلفوا فى الأمة الزوجة، فقال مالك وأبو حنيفة: الإذن فى ذلك إلى مولاها. وقال أبو يوسف: الإذن فى ذلك إليها. وقال الشافعى: يعزل عنها دون إذنها ودون إذن مولاها. واحتج من أباح العزل بما روى عن الليث وغيره عن يزيد بن أبى حبيب، عن معمر ابن أبى حبيب، عن عبيد الله بن عدى بن الخيار، قال: تذاكر أصحاب النبى، ﵇، عند عمر العزل، فاختلفوا فيه، فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال على بن أبى طالب: لا يكون موءودة حتى يمر بالتارات السبع: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) [المؤمنون: ١٢] إلى آخر الآية. وروى سفيان، عن الأعمش، عن أبى الوداك، عن ابن عباس، أنه سُئل عن العزل، فذكر مثل كلام على سواء. قال الطحاوى: فهذا على، وابن عباس، قد اجتمعا على ما ذكرنا ووافقهما عمر، ومن كان بحضرتهما من أصحاب الرسول، فدل على أن العزل غير مكروه. قال الطحاوى: وقوله، ﵇: (ما عليكم ألا تفعلوا. . .)

стр. 3295

إلى آخر الحديث، فيه دليل أن العزل غير مكروه؛ لأنه، ﵇، لما أخبروه أنهم يفعلون ذلك لم ينكره عليهم، ولا نهاهم عنه، وقال: (ما عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر) ، أى فإن الله إذا قدر يكون الولد، لم يمنعه عزل، ووصل الله من الماء إلى الرحم شيئًا وإن قل يكون منه الولد، وإن لم يقدر كونه لم يكن بالإفضاء. فأعلمهم أن الإفضاء لا يكون منه ولد إلا بقدر الله، وأن العزل لا يمنع الولد إذا سبق فى علم الله أنه كائن. وقال ابن مسعود: لو أن النطفة التى أخذ الله ميثاقها كانت فى صخرة لنفخ فيها الروح. قال: وفى قوله، ﵇: (ما من نسمة كائنة إلا وهى كائنة) ، إثبات العلم، وأن العباد يجرون فى علم الله وقدره، والقدر هو سر الله وعلمه لا يدرك بحجة ولا بجدال، وأنه لا يكون فى ملكه إلا ما شاء تعالى، ولا يقوم شىء إلا بإذنه، له الخلق والأمر. قال المهلب: وقول أبى هريرة: ما زلت أحب بنى تميم؛ لأنهم أشد الأمة على الدجال، وقد روى عنهم أنهم كانوا يختارون ما يخرجون فى الصدقات من أفضل ما عندهم، فأعجب النبى ﷺ بفراهيتها، فقال هذا القول على معنى المبالغة فى نصحهم لله ولرسوله فى جودة الاختيار للصدقة، وقوله تعالى: (ضرب الله مثلاً عبدًا مملوكًا لا يقدر على شىء) [النحل: ٧٥] ، فقد تأول بعض الناس فى هذه الآية أن

стр. 3296

العبد لا يملك، وسأذكر الاختلاف فى ملك العبد فى باب العبد راع فى مال سيده بعد هذا، وأذكر تأويل هذه الآية فيه، إن شاء الله، وقول ابن عمر: وهم غارون، يعنى على غرة، أى غفلة. - بَاب فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا / ٢٠ - فيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ: قَالَ النّبِىّ، ﵇: (مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَلَمهَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) . قال المهلب: فيه أجر التأديب والتعليم، وأجر التزويج لله تعالى، وأن الله قد ضاعف له أجره بالنكاح والتعليم، وجعله كمثل أجر العتق، وفيه الحض على العتق، وعلى نكاح المعتق، وعلى التواضع وترك الغلو فى أمور الدنيا، وأخذ القصد والبلغة منها، وأن من تواضع لله فى منكحه وهو يقدر على نكاح أهل الشرف والحسب والمال، فإن ذلك مما يرجى عليه جزيل الأجر وجسيم الثواب. - بَاب قَوْلِ النَّبِىِّ ﵇: (الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا (إلى) وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣٦] / ٢١ - فيه: أَبُو ذَرّ، كانت عَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّى سَابَبْتُ رَجُلاً، فَشَكَانِى إِلَى النَّبِىِّ، ﵇، فَقَالَ

стр. 3297

لِىَ النَّبِىُّ ﷺ : (أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟) ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ) . قال المهلب: فيه الحض على كسوة المملوك وإطعامه بالسواء مثل طعام المالك وكسوته، وليس ذلك على الإيجاب عند العلماء، وإنما على المالك أن يكسوا ما يستر العورة ويدفع الحر والبرد، ويطعم ما يسد الجوعة ما لم يكن فيه ضرر على المملوك؛ لأن المولى إذا كان ممن يأكل الفراريج والفراخ ويأكل خبز السميد والأطعمة الرقيقة، وكانت كسوته الشطوى والنيسابورى، لم يكن عليه فى مذهب أحد من أهل العلم أن يطعم رقيقه ولا يكسوهم من ذلك؛ لأن هذه الأطعمة والكسوة التى ذكرناها لم يكن أحد من أصحاب النبى، ﵇، الذى خاطبهم بما خاطبهم به يأكل مثلها، إنما كان الغالب من قوتهم بالمدينة التمر والشعير. وقد روى أبو هريرة، عن النبى، ﵇: (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق) ، فإن زاد على ما فرض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان متفضلاً متطوعًا. وقال ربيعة بن أبى عبد الرحمن: لو أن رجلاً عمل لنفسه خبيصًا فأكله دون خادمه، ما كان بذلك بأس. وكان يرى أنه إذا أطعم خادمه من الخبز الذى أكل منه، فقد أطعمه مما يأكل منه؛ لأن من عند العرب للتبعيض، ولو قال: أطعموهم من كل ما تأكلون، لوجب حينئذ إطعامهم من الخبيص ومن كل شىء، وكذلك فى اللباس.

стр. 3298

وقوله: (ولا تكلفوهم ما يغلبهم) ، هو كقول الله: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) [البقرة: ٢٨٦] ، ولما لم يكلفنا الله فوق طاقتنا ونحن عبيده، وجب أن نمتثل حكمه وطريقته فى عبيدنا. وقوله: (فإن كلفتموهم فأعينوهم) ، فيه جواز تكليف ما فيه المشقة، فإن كانت غالبة وجب العون عليها، وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا تستخدموا رقيقكم بالليل والنهار، فإن النهار لكم، والليل لهم) . وروى معمر، عن أيوب، عن أبى قلابة، يرفعه إلى سلمان، أن رجلاً أتاه وهو يعجن، فقال: أين الخادم؟ قال: أرسلته فى حاجة، فلم يكن ليجمع عليه شيئين أن يرسله ولا يكفيه عمله. وفيه الوصاة من النبى، ﵇، بما ملكت أيماننا؛ لأن الله وصى بهم فى كتابه. وفيه أنه لا حد على من قذف عبدًا، ولا عقوبة، ولا تعزير، وقد قال بعض العلماء: إن كان العبد رجلاً صالحًا، فأرى أن يعاقب القاذف له والمؤذى. - بَاب الْعَبْدِ إِذَا أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ سَيِّدَهُ / ٢٢ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النّبِىّ ﷺ : (الْعَبْدُ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) . / ٢٣ - وفيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ ﵇: (لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ النَّاصِحِ أَجْرَانِ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَوْلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّى، لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ) .

стр. 3299

قال المهلب: لما كان للعبد فى عبادة ربه أجر، وكان له فى طاعة سيده ونصحه له أجر أيضًا، لكن لا يقال: إن الأجرين متساويان؛ لأن طاعة الله أوجب من طاعة المخلوقين، وفيه حض المملوك على نصح سيده؛ لأنه راع فى ماله، وهو مسئول عما استرعى، فبان أن أثر نصحه طاعة الله، فلهذا تبين فضل أجره فى طاعة الله على طاعة مولاه. وقوله: (والذى نفسى بيده، لولا الجهاد فى سبيل الله والحج وبر أمى، لأحببت أن أموت وأنا مملوك) ، هو من قول أبى هريرة، وفيه دليل أنه ليس على العبد جهاد ولا حج فى حال العبودية، إلا أن ينزل ببلد عدو، فيلزم الجهاد كل مسلم يكون بتلك البلد، فيجب على العبد منه بقدر طاقته ووسعه، وأما الحج، فإنما لم يجب عليه من أجل أنه غير مالك لنفسه، وليس له أن يخرج عن تصرف سيده وما به الحاجة إليه، وإنما خاطب الله من استطاع إليه سبيلاً، والعبد غير مستطيع، وأما بر الوالدين، فيلزم العبد منه من خفض الجناح، ولين القول والتذلل ما يلزم المسلمين، وأما السعى عليهما بالنفقة والكسوة فلا يلزمه؛ لأنه نفقته وكسوته على مولاه، وكسبه لمولاه، ولا تصرف له فى شىء منه إلا بإذنه.

стр. 3300

- بَاب كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ وَقَول الرجل: عَبْدِى وَأَمَتِى وَقول اللَّهُ: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إن يكونوا فقراء) [النور: ٣٢] . وَقَالَ: (عَبْدًا مَمْلُوكًا) [النحل: ٧٥] . وَقَالَ: (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) [يوسف: ٢٥] . وَقَالَ: (مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء: ٢٥] . وَقَالَ ﵇: (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ) . / ٢٤ - فيه: ابن عُمر، قَالَ ﵇: (الْعَبْدُ إِذَا نَصَحَ لسَيِّدَهُ. . .) الحديث. / ٢٥ - وفيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ ﵇: (الْمَمْلُوكُ الَّذِى يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّى إِلَى سَيِّدِهِ. . .) الحديث. / ٢٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَاسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِى وَمَوْلاَىَ، وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِى وَأَمَتِى، وَلْيَقُلْ: فَتَاىَ وَفَتَاتِى وَغُلاَمِى) . / ٢٧ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبىّ، ﵇: (مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنَ الْعَبْدِ. . .) الحديث. / ٢٨ - وقال أيضًا عَنْ النّبِىّ ﷺ : (وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ. . .) الحديث. / ٢٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدَ، قَالَ النّبِىّ ﷺ : (إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا. . .) الحديث. التطاول على الرقيق مكروه؛ لأن الكل عبيد الله، وهو لطيف بعباده رفيق بهم، فينبغى للسادة امتثال ذلك فى عبيدهم، ومن

стр. 3301

ملكهم الله إياهم وأوجب عليهم حسن الملك ولين الجانب، كما يجب على العبيد حسن الطاعة والنصح لساداتهم، والانقياد لهم وترك مخالفتهم، وقد جاء فى الحديث: (الله الله وما ملكت أيمانكم، فلو شاء الله لملكهم إياكم) . وما جاء فى هذا الباب من النهى عن التسمية، فإن ذلك من باب التواضع، وجائز أن يقول الرجل: عبدى، وأمتى؛ لأن القرآن قد نطق بذلك فى قوله: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) [النور: ٣٢] ، وإنما نهى، ﵇، عن ذلك على سبيل التطاول والغلظة لا على سبيل التحريم، واتباع ما حض عليه النبى ﷺ أولى وأجل، فإن فى ذلك تواضعًا لله تعالى؛ لأن قول الرجل: عبدى، وأمتى، يشترك فيهما الخالق والمخلوق، فيقال: عبد الله، وأمة الله، فكره ذلك لاشتراك اللفظ. وأما الرب، فهى كلمة وإن كانت مشتركة، وتقع على غير الخالق للشىء، كقولهم: رب الدار، ورب الدابة، يراد صاحبهما، فإنها لفظة تختص بالله فى الأغلب والأكثر، فوجب أن لا تستعمل فى المخلوقين، لنفى الشركة بينهم وبين الله، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال لأحد غير الله: إله، ولا رحمن، ويجوز أن يقال له: رحيم؛ لاختصاص الله بهذين الاسمين، فكذلك الرب لا يقال لغير الله.

стр. 3302

- بَاب إِذَا أَتَاهُ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ / ٣٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَليُنَاوِلْهُ لُقْمَةً، أَوْ لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِىَ عِلاَجَهُ) . قال المهلب: هذا الحديث يفسر حديث أبى ذر فى التسوية بين العبد وبين سيده فى المطعم والكسوة، أنه على سبيل الحض والندب والتفضل، لا على سبيل الإيجاب على السيد؛ لأنه لم يسوه فى هذا الحديث بسيده فى المؤاكلة، وجعل إلى السيد الخيار فى إجلاسه للأكل معه أو تركه، ثم حضه على إن لم يأكل معه أن ينيله من ذلك الطعام الذى تعب فيه وشمه. - بَاب إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ / ٣١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (إِذَا قاتَلَ أحدُكم فلْيَجْتَنبِ الوَجهَ) . قال المهلب: تمام الحديث: (فإن الله خلق آدم على صورته) . وروى عن الرسول ﷺ ، أنه مر على رجل يضرب عبده فى وجهه لطمًا، ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال ﵇: (إذا ضرب أحدكم عبده، فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) .

стр. 3303

وقد نقل الناقلون هذه القصة من الطرق الصحيحة، وربما ترك بعض الرواة بعض الخبر اختصارًا للدلالة على ما حذف منه، إذ كانت القصة مشهورة، فأمر الرسول ﷺ من قاتل غيره أو ضرب عبده أن يجتنب الوجه إكرامًا لآدم؛ لمشابهة المضروب له، فلا يضرب صورة خلقها الله بيده، فانتسب إلى هذا العبد، ومراعاة لحق الأبوة، وتفضيل الله لها حين خلق آدم بيديه، وأسجد له ملائكته، والهاء راجعة فى قوله: (على صورته) للمضروب. قال المؤلف: وللناس تأويلات فى ضمير الهاء من صورته، إلى من ترجع؟ لم أر لذكرها وجهًا، إذ لا يصح عندى فى ذلك غير ما قاله المهلب. - بَاب الْعَبْدُ رَاعٍ فِى مَالِ سَيِّدِهِ وَنَسَبَ النَّبِىُّ ﷺ الْمَالَ إِلَى السَّيِّدِ / ٣٢ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ ﵇: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِى أَهْلِهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِى مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) ، وَأَحْسِبُ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: (وَالرَّجُلُ فِى مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) . قال المهلب: هذه كلها أمانات تلزم من استرعيها أداء

стр. 3304

النصيحة فيها لله، ولمن استرعاه عليها، ولكل واحد منهم أن يأخذ مما استرعى أمره ما يحتاج إليه بالمعروف من نفقة ومؤنة. وقوله: (العبد والخادم راع فى مال سيده) ، ففيه حجة لمن قال: إن العبد لا يملك. واختلف أهل العلم فى ملك العبد لما فى يديه من المال، فذهبت طائفة إلى أنه لا يملك شيئًا؛ لأن الرق منافى الملك، وماله لسيده عند عتقه وعند بيعه إياه، وإن لم يشترط ماله سيده، روى هذا عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبى هريرة، وعن سعيد بن المسيب، وهو قول الثورى، والكوفيين، والشافعى، وأحمد، وإسحاق. وقالت طائفة: ماله له دون سيده فى العتق والبيع، روى ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وعائشة، وبه قال النخعى، والحسن البصرى. واضطرب قول مالك فى ملك العبد، فقال: من باع عبدًا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع. وقال فيمن أعتق عبدًا: أن ماله للعبد، إلا أن يشترطه السيد، فدل قوله فى البيع أن العبد لا يملك، إذ جعل المال للسيد دون اشتراط، ودل قوله فى العتق أن العبد يملك، إذ جعل ماله له دون اشتراط. والحجة له فى البيع حديث ابن عمر، عن أبيه، عن النبى، ﵇، أنه قال: (من باع عبدًا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع) ، والحجة له فى العتق حديث عبيد الله بن أبى جعفر، عن بكير بن الأشج، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبى، ﵇، قال: (من أعتق عبدًا، فماله له إلا أن يستثنيه سيده) . قال ابن شهاب: السنة أن العبد إذا أعتق تبعه ماله، ولم يكن أحد أعلم بسنة ماضية من ابن شهاب.

стр. 3305

وقال قتادة فى قوله تعالى: (عبدًا مملوكًا لا يقدر على شىء) [النحل: ٧٥] : هو الكافر لا يعمل بطاعة الله، ولا يعمل خيرًا،) ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا) [النحل: ٧٥] ، هو المؤمن يطيع الله فى نفسه وماله. وحجة من قال: إن العبد لا يملك شيئًا أن إضافة الشىء إلى ما لا يجوز أن يملك أشهر فى كلام العرب من أن يحتاج إلى شاهد، وذلك كقولهم: ماء النهر، وسرج الدابة، فإضافة المال إلى العبد فى قوله، ﵇: (من باع عبدًا وله مال) ، من أجل أنه بيده، لا أنه يملكه، وخاطب النبى ﷺ قومًا عربًا يعرفون ما خوطبوا به. قال الطبرى: فأخبر النبى، ﵇، أن ذلك المال للبائع إذا لم يشترطه المبتاع فى عقد البيع، كما أخبر أن ثمرة النخل المؤبر للبائع إذا باع مالكه أصل النخل، كما كانت له قبل بيع النخل إذا لم يشترطها المبتاع فى عقد البيع. قالوا: ولو كان المال للعبد قبل بيع السيد له، لم يكن بيعه ليزيل ملكه عنه إلى البائع ولا إلى المشترى. قالوا: وفى إجماع الأمة أن لسيد العبد قبض مال العبد منه، وأن العبد ممنوع من التصرف فيه إلا بإذن سيده الدليل الواضح على صحة ما قلنا، وإلى هذا المذهب أشار البخارى بقوله: ونسب النبى ﷺ المال إلى السيد فى قوله: (والعبد راع فى مال سيده) . قال المهلب: ومن حجة الذين قالوا: العبد يملك، أنهم قالوا للمحتجين عليهم بما تقدم: هذا يلزم فى السفيه، فإنه لا يجوز أن يتصرف فى ماله إلا بإذن وصيه، والمال ملك له، لقوله تعالى: (فإذا

стр. 3306

دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) [النساء: ٦] ، فكذلك العبد. وقال تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا) [النور: ٣٣] ، يعنى مالاً، بدليل قوله: (إن ترك خيرًا) [البقرة: ١٨٠] ، يعنى مالاً. وقال: (والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) [النور: ٣٢] ، فوصفهم بالفقر والغنى، فدل أنهم مالكون، وقال: (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات (إلى قوله: (وآتوهن أجورهن) [النساء: ٢٥] ، وهى المهور، فدل أن الإماء مالكات لها؛ لجواز دفعها إليهن، إذ لو كن غير مالكات لما جاز دفعها إليهن مع أمره تعالى بالتوثق عند دفع الحقوق إلى أهلها.

стр. 3307

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٤ - كِتَابَ الْمُكَاتِبِ - بَاب الْمُكَاتِبِ وَنُجُومِهِ فِى كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النور: ٣٣] الآية . وَقَالَ رَوْحٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَىَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالاً أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ إِلاَ وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أتَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لاَ، ثُمَّ أَخْبَرَنِى أَنَّ مُوسَى ابْنَ أَنَسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتَبَةَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَأَبَى، فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: كَاتِبْهُ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وَقَرأ عُمَرُ: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: ٣٣] فَكَاتَبَهُ. / ١ - فيه: عَائِشَةُ، أَنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِى كِتَابَتِهَا، وَعَلَيْهَا خَمْسَةُ أَوَاقٍ نُجِّمَتْ عَلَيْهَا فِى خَمْسِ سِنِينَ. . . الحديث. سنة الكتابة أن تكون على نجوم، تؤدى نجمًا بعد نجم، والظاهر من قول مالك أن شأن الكتابة التنجيم والتأجيل؛ لأنه قال: لو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلاً، نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره السيد. وأجاز مالك والكوفيون الكتابة الحالة، وقال الشافعى: لابد فيها من أجل، ولا يجوز على أقل من نجمين، فإن وقعت حالة أو على نجم واحد، فليست كتابة، وإنما هو عتق على صفة، كأنه قال: إذا أديت إلىّ كذا وكذا فأنت حر، والحديث يدل أن النجوم فى الكتابة

стр. 3308

تجوز قليلة كانت أو كثيرة، وأنه ليس فى ذلك حد لا يتجاوز، ولو كان قول الشافعى صحيحًا أن الكتابة لا تجوز على أقل من نجمين؛ لجاز لغيره أن يقول: لا تجوز على أقل من خمسة نجوم؛ لأن أقل النجوم التى كانت على عهد رسول الله ﷺ فى بريرة، وعلم بها وحكم فيها، كانت خمسة، وكان صواب الحجة أولى. وأيضًا فإن النجم الثالث لما لم يكن شرطًا فى صحة الكتابة بإجماع، فكذلك النجم الثانى؛ لأن كل واحد منهما له مدة يتعلق بها تأخير مال الكتابة، فإذا لم يكن أحدهما شرطًا وجب أن لا يكون الآخر كذلك، ولما أجمعوا أنه لو قال له: إن جئتنى من المال بكذا إلى شهر أنه جائز وليس بكتابة، فكذلك ما أشبهه من الكتابة. وقد احتج بقوله، ﵇، فى هذا الحديث: (وعليها خمس أواق نجمت عليها فى خمس سنين) ، من أجاز النجامة فى الديون كلها، على أن يقول: فى كل شهر كذا، وفى كل عام كذا، ولا يقول: فى أول الشهر، ولا فى وسطه، ولا فى آخره؛ لأنه لم يذكر فى الحديث فى أى وقت يحل النجم فيه، ولم ينكر النبى، ﵇، ذلك. وأبى هذا القول أكثر الفقهاء، وقالوا: لابد أن يذكر أى شهر من السنة يحل النجم فيه، أو أى وقت من الشهر يحل النجم فيه، فإن لم يذكر ذلك فهو أجل مجهول لا يجوز؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن البيع إلا إلى أجل معلوم، ونهى عن حبل الحبلة، وهو نتاج النتاج. وليس تقصير من قصر عن نقل هذا المعنى فى حديث بريرة بصائر لتقرر هذا المعنى عندهم.

стр. 3309

واختلف العلماء فى تأويل قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا) [النور: ٣٣] ، فذهب مالك، والكوفيون، والشافعى، إلى أن الكتابة ليست بواجبة على السيد، ولكنها مستحبة إذا سأله العبد، وروى عن عطاء ومسروق أن الكتابة واجبة، وهو قول أهل الظاهر، وقالوا: هو مذهب عمر بن الخطاب؛ لأنه ضرب أنسًا حين سأله مولاه سيرين الكتابة، فأبى أن يكاتبه، وقرأ عمر: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا) [النور: ٣٣] . وحجة الجماعة أنه قد انعقد الإجماع على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك، فكذلك الكتابة؛ لأنها معاوضة لا تصح إلا عن تراض. واختلفوا فى تأويل قوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا) [النور: ٣٣] ، قال ابن عباس: الخير المال، وقال عطاء: هو مثل قوله تعالى: (وإنه لحب الخير لشديد) [العاديات: ٨] ، وقوله: (إن ترك خيرًا) [البقرة: ١٨٠] . وقال مجاهد: الخير المال والأداء. وقال الحسن والنخعى: هو الدين والأمانة. وقال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقولون: هو القوة على الاكتساب والأداء، وعن الليث نحوه، وكره ابن عمر كتابة من لا حرفة له، فيبعثه على السؤال، وقال: يطعمنى أوساخ الناس، وعن سلمان مثله. قال الطبرى: وقول من قال: إنه المال، لا يصح عندنا؛ لأن العبد نفسه مال لمولاه، فكيف يكون له مال؟ والمعنى عندنا: إن

стр. 3310

علمتم فيهم الدين والصدق، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة، والصدق فى المعاملة فكاتبوهم. واختلفوا فى قوله: (وآتوهم من مال الله) [النور: ٣٣] ، فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أن ذلك على الندب والحض، أن يضع الرجل عن عبده من أجر كتابته شيئًا مسمى، وذهب الشافعى وأهل الظاهر إلى أن الإيتاء للعبد واجب، وقول الجمهور أولى؛ لأن النبى ﷺ لم يأمر موالى بريرة بإعطائها شيئًا، وقد كوتبت وبيعت بعد الكتابة، ولو كان الإيتاء واجبًا لكان مقدرًا كسائر الواجبات، حتى إذا امتنع السيد من حطه عنه وادعاه عليه عند الحاكم. فأما دعوى المجهول، فلا يحكم بها، ولو كان الإيتاء واجبًا، وهو غير مقدر؛ لكان الواجب للمولى على المكاتب هو الباقى بعد الحطيطة، فأدى ذلك إلى جهل مبلغ الكتابة، وذلك لا يجوز، وكان النخعى يذهب فى تأويل قوله: (وآتوهم من ماله الله الذى آتاكم) [النور: ٣٣] ، أنه خطاب للموالى وغيرهم، وقاله الثورى. وقال الطحاوى: وهذا حسن من التأويل حض الناس جميعًا على معاونة المكاتبين لكى يعتقوا. - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ / ٢ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِى كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِى إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ

стр. 3311

أَقْضِىَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لِى فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا فَأَبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ لَنَا وَلاَؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ابْتَاعِى فَأَعْتِقِى، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: (مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ شَرط، فَشَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) . وترجم له بَاب (اسْتِعَانَةِ الْمُكَاتَبِ وَسُؤَالِهِ النَّاسَ) ، وقالت فيه: فإِنِّى كَاتَبْتُ أَهْلِى عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِى كُلِّ عَامٍ أَوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِى. وترجم له بَاب (بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِىَ) ، وقالت عائشة: هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ شَىْءٌ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ عَبْدٌ وَإِنْ مَاتَ، وإِنْ عَاشَ، وَإِنْ جَنَى مَا بَقِىَ عَلَيْهِ شَىْءٌ. وترجم له بَاب (إِذَا قَالَ الْمُكَاتَبُ: اشْتَرِنِى وَأَعْتِقْنِى، فَاشْتَرَاهُ لِذَلِكَ) . / ٣ - وفيه: قَالَتِ بريرة: اشْتَرِينِى وَأَعْتِقِينِى، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ: لاَ يَبِيعُونِى حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلاَئِى، فَقَالَتْ: لاَ حَاجَةَ لِى بِذَلِكَ. . . الحديث.

стр. 3312

أجمع العلماء أن من شرط ما لا يجوز فى السنة أنه لا ينفعه شرطه ذلك، وأنه مردود فى بيع كان الشرط، أو عتق، أو غير ذلك من الأحكام؛ لأن النبى ﷺ لم يخص شيئًا دون غيره، بل عم الأشياء كلها فى حديث بريرة، وقد تقدم اختلافهم فى جواز البيع والشرط فى كتاب البيوع. وقوله: (كل شرط ليس فى كتاب الله) ، معناه فى حكم الله وقضائه من كتابه، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع الأمة، فهو باطل. وفى حديث بريرة دليل على اكتساب المكاتب المال بالسؤال، وأن ذلك طيب لمولاه، وهذا يرد على من قال، هو قول ابن عمر: ذلك أوساخ الناس؛ لأن ما طاب لبريرة أخذه طاب لسيدها أخذه منها، اعتبارًا باللحم الذى كان عليها صدقة، وللنبى ﷺ هدية، واعتبارًا أيضًا بجواز معاملة الناس للسائل، وقد تأول قوم من العلماء فى قوله: (وفى الرقاب) [التوبة: ٦٠] ، أنه يجوز للمكاتبين أخذ الزكاة المفروضة، فكيف بالتطوع. واتفق مالك، والكوفيون، والشافعى، على جواز كتابة من لا حرفة له ولا مال معه، وقد روى عن مالك كراهة ذلك أيضًا، وكرهه الأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، ومما يدل على جواز سعى المكاتب وسؤاله أن بريرة ابتدأت بالسؤال، ولم يقل النبى ﷺ : هل لها مال أو عمل أو كسب، ولو كان واجبًا لسأل عنه ليقع حكمه عليه؛ لأنه بعث معلمًا، ﵇، وهذا يدل أن من تأول فى قوله تعالى:

стр. 3313

) وإن علمتم فيهم خيرًا) [النور: ٣٣] ، أن الخير المال، ليس بالتأويل الجيد، وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة، وقد يكتسب بالسؤال. وقوله: (اشترطى لهم الولاء) ، أى أظهرى لهم حكم الولاء وعرفيهم، والاشتراط هو الإظهار، ومنه أشراط الساعة ظهور علاماتها. وقال الداودى وغيره: لم يقل لها الرسول ﷺ : اشترطى لهم الولاء، إلا بعد التقدم إليهم وإعلامهم أن الولاء كالنسب، لا يباع ولا يوهب، ومعناه اشترطى لهم الولاء، فإن اشتراطهم إياه بعد علمهم أن اشتراطه لا يجوز غير نافع لهم. قال غيره: والدليل على ذلك قوله، ﵇، معلنًا على رءوس الناس: (ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست فى كتاب الله) ، فإنما وبخهم بما تقرر عندهم من علم السنة فى ذلك، ألا ترى قوله: (قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق) ، فكان هذا على وجه الوعيد لمن رغب عن سنته فى بيع الولاء، وليحذروا من مواقعة مثله، ولم يكن رسول الله ﷺ يتوعد فى الأمر إلا بعد التقدم فيه. قال الداودى: وقيل: إنما قال لها، ﵇: (اشترطى لهم الولاء) ، على وجه العقوبة لهم، بأن حرمهم الولاء إذ تقدموا على ذلك قبل أن يسألوه وهو بين أظهرهم، ﵇.

стр. 3314

قال غيره: ومن الدليل على أن النبى، ﵇، ربما قال الشىء أو فعله، وليس بالأفضل عنده، لما يريد من تنكيل الناس وعقوبتهم، أنه ﵇ نهاهم عن الوصال فلم ينتهوا، فواصل يومًا ثم يومًا حتى رأوا الهلال، وقال: (لو تأخر لزدتكم) ، كالمنكل بهم حين أبوا أن ينتهوا، ومثله قوله يوم الطائف: (إنا قافلون غدًا إن شاء الله) ، فقال الناس: قبل أن نفتحها؟ قال: (فاغدوا على القتال) ، فغدوا فأصيبوا بجراحات، فقال ﵇: (إنا قافلون غدًا إن شاء الله) ، فسروا بذلك. وفيه: أن النبى ﷺ كان إذا أراد أن يعاقب فى أمر يكون تأديبًا لمن عاقبه عليه، خطب الناس قائمًا؛ ليكون أثبت فى قلوبهم وأردع لمن أراد مثل ذلك. وفيه: دليل أن المكاتب عبد ما لم يؤد وما بقى عليه درهم، روى ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن المسيب، والقاسم، وسالم، وعطاء، وهو قول مالك، والثورى، والكوفيين، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق. قال مالك: وكل من أدركنا من أهل العلم ببلدنا يقولون ذلك. وفيها قول آخر روى عن على بن أبى طالب: أنه إذا أدى نصف كتابته عتق. قال ابن مسعود: لو كانت الكتابة مائتى دينار، وقيمة العبد مائة دينار، فأدى العبد المائة التى من قيمته عتق، وهو قول النحعى، وعن ابن مسعود: إن أدى ثلث الكتابة عتق، وهو قول شريح. وحجة الجماعة أن النبى، ﵇، أجاز بيع المكاتب بقوله:

стр. 3315

(اشتريها وأعتقيها) ، فبان بذلك أن عقد الكتابة لا يوجب لها عتقًا حتى تؤدى ما انعقد عليه، وأن عتقها يتعلق بشرط الأداء. قال ابن القصار: ولا تخلو الكتابة أن تجرى مجرى العتق بالصفة، أو مجرى البيع، أو الرهن، وإن كانت تجرى مجرى العتق بالصفة، فيجب ألا يعتق إلا بعد أداء جميع الكتابة، كما لو قال له: أنت حر إن دخلت الدار، فلا يعتق إلا بعد دخولها، وإن كان يجرى مجرى البيع، فيجب ألا يعتق أيضًا إلا بعد الأداء، كما لو باع عبدًا، فإنه لا يلزمه تسليم المبيع إلا بقبض جميع الثمن، وإن جرت مجرى الرهن فكذلك؛ لأنه لا يستحق أخذ الرهن حتى يؤدى جميع ما عليه. وقوله: باب إذا قال: اشترنى وأعتقنى، فاشتراه لذلك، فاختلف فيه العلماء، فقال الأوزاعى: لا يباع المكاتب إلا للعتق، ويكره أن يباع قبل عجزه، وهو قول أحمد، وإسحاق. وقال الكوفيون: لا يجوز بيعه حتى يعجز. وقال الداودى: اختلف قول مالك فى فسخ الكتابة بالبيع للعتق، فقال بعض أصحابه: كانت بريرة عجزت، وهذه دعوى من قائله وتحكم، والحديث يدل على خلافه. قال ابن المنذر: واختلف عن الشافعى فى هذه المسألة، فقال: ولا أعلم حجة لمن قال: ليس له بيع المكاتب، إلا أن يقول: لعل بريرة عجزت. فقال الشافعى: وأظهر معانيه أن لمالك المكاتب بيعه. قال ابن المنذر والداودى: وفى ترك الرسول ﷺ سؤال بريرة هل

стр. 3316

عجزت أم لا؟ دليل على أن المكاتب يباع للعتق عجز أم لم يعجز. قال ابن المنذر: وإذا لم يختلف أهل العلم أن للرجل أن يبيع عبده قبل أن يكاتبه، فعقده الكتابة غير مبطل ما كان له من بيعه، كما هو غير مبطل ما كان له من عتقه، ولو لم يكن له بيعه ما كان له عتقه؛ لأن بيعه إياه إزالة ملكه عنه، كما عتقه سواء. ودل خبر عائشة فى قصة بريرة أنها بيعت بعلم النبى، ﵇، فلم ينكره، ومن قول عوام أهل العلم: أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم، فلم يمنع الرجل من بيع عبده الذى لو شاء أعتقه. وخبر عائشة مستغنى به عن قول كل أحد. قال الطبرى: وفى قوله، ﵇، لعائشة: (اشتريها وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق) ، أوضح دليل على أن بريرة إذ عتقت لم تعتق عند عائشة بالتحرير الذى كان من مواليها لها عند عقد الكتابة، ولكنها عتقت بعتق كان من عائشة لها بعد ابتياعها، فلذلك كان ولاؤها لعائشة دون مواليها البائعين لها، وفى ذلك أبين البيان أن عقد الكتابة الذى كان عقد لها مواليها انفسخ بابتياع عائشة لها، وهذا يرد قول من زعم أن عائشة أرادت أن تشترى منهم الولاء بعد عقدهم الكتابة، وتؤدى إليهم الثمن ليكون لها الولاء، ولو كان هذا صحيحًا لكان النكير على عائشة دون موالى بريرة؛ لأنها أرادت أن تشترى الولاء الذى نهى النبى ﷺ عنه، وليس الأمر كذلك، وإنما كان الإنكار على موالى بريرة؛ لأن الولاء لا يباع ولا يكون إلا للمعتق.

стр. 3317

وفيه من الفقه: أن كتابة الأمة ذات الزوج جائزة دون زوجها، وفى ذلك دليل أنه ليس لزوجها من الكتابة، وإن كان ذلك يئول إلى فراقها إياه بغير إذنه إذا خيرت واختارت نفسها، ولما كان للسيد عتق الأمة تحت العبد، وإن أدى ذلك إلى بطلان نكاحه، وله أن يبيع أمته من زوجها الحر، وإن كان فى ذلك بطلان زوجيتها، كان لهذا المعنى يجيز كتابتها على رغم زوجها. وفيه: حجة لقول مالك أن للمرأة أن تتجر بمالها من غير علم زوجها؛ لأن عائشة اشترت بريرة وأنها إنما استأمرت رسول الله ﷺ فى أمر الولاء خاصة. وفيه: أن للمرأة أن تعتق بغير إذن زوجها، وقد أكثر الناس فى تخريج الوجوه فى حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه، وللناس فى ذلك أوضاع، وسيأتى فى كتاب النكاح كثير من معانيه، إن شاء الله.

стр. 3318

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٥ - كِتَاب الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا والتَحْرِيضِ عَلَيْهَا - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (يَا نِسَاءَ الْمُؤمنات، لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) . / ٢ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِى، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلاَلِ، ثُمَّ الْهِلاَلِ، ثَلاَثَةَ أَهِلَّةٍ فِى شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِى أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ، فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ، وَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ، التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلاَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَاه. قال المهلب: فيه الحض على التهادى والمتاحفة ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهاب الشحناء، واصطفاء الجيرة، ولما فيه من التعاون على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهى أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهل على المهدى لإطراح التكليف. وفى حديث عائشة ما كان النبى، ﵇، عليه من الزهد فى الدنيا، والصبر على التقلل، وأخذ البلغة من العيش، وإيثار الآخرة على الدنيا؛ لأنه حمد حين خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وأن يكون نبيًا عبدًا، ولا يكون نبيًا ملكًا، فهذه سنته وطريقته. وفى هذا من الفقه: فضل التقلل والكفاف على التنعم والترفه، وفيه

стр. 3319

حجة لمن آثر الفقر على الغنى، وفيه أن من السنة مشاركة الواجد المعدم، وأن يكون الناس يشتركون فيما بأيديهم بالتفضل من الواجد. قوله: (يا نساء المؤمنات) ، على غير الإضافة، تقديره: يا أيها النساء المؤمنات، ومثله: يا رجال الكرام، فالمنادى هاهنا محذوف وهو أيها، والنساء فى تقدير النعت لأيها، والمؤمنات نعت للنساء. وحكى سيبويه: يا فاسق الخبيث، ومذهبه فيه أن فاسق وشبهه معرف بياء، كتعريف زيد بياء فى النداء، وكذلك يا نساء هنا مخرج على مذهبه أن يجوز نصب نعته، كما جاز يا زيد العاقل، فنصب العاقل، فيجوز على هذا يا نساء المؤمنات. وأما من روى: (يا نساء المؤمنات) ، على الإضافة ونصب النساء، فيستحيل أن تكون المؤمنات هاهنا من صفات النساء؛ لأن الشىء لا يضاف إلى نفسه، وإنما يضاف إلى غيره مما يبينه به ويضمه إليه، ومحال أن يبينه بنفسه أو يضمه إليها، هذا مذهب البصريين. وقد أجاز الكوفيون إضافة الشىء إلى نفسه، واحتجوا بآيات من القرآن تتخرج معانيها على غير تأويلهم، منها قوله تعالى: (ولدار الآخرة) [يوسف: ١٠٩] ، و) دين القيمة) [البينة: ٥] . وقال الزجاج وغيره: معناه دار الحال الآخرة؛ لأن للناس حالين، حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله صلاة الأولى، والمراد صلاة الفريضة الأولى، والسعة الأولى؛ لأنها أول ما فرض

стр. 3320

من الصلوات، ومعنى قوله تعالى: (دين القيمة) [البينة: ٥] دين الملة القيمة، ولهذا وقع التأنيث، لكنه يخرج (يا نساء المؤمنات) على تقدير بعيد، وهو أن تجعل المؤمنات نعتًا لشىء محذوف غير النساء، كأنه قال: يا نساء الأنفس المؤمنات، والمراد بالأنفس الرجال، وفيه بُعْدٌ لفساد المعنى؛ لأن النبى ﷺ إنما خاطب النساء بذلك على وجه الفضيلة لهن والتخصيص، وعلى هذا الوجه، لا فضيلة لهن فى ذلك، إلا أن يراد بالأنفس الرجال والنساء معًا، فيكون تقديره: يا نساء من الأنفس المؤمنات، على تقدير إضافة البعض إلى الكل، كما تقول: أخذت دراهم مال زيد، ومال واقع على الدراهم وغيرها. وقوله: (ولو فرسن شاة) ، أصل الفرسن للإبل، وهو موضع الحافر من الفرس، ويقال لموضع ذلك من البقر والغنم: الظلف. وقال الأصمعى: الفرسن ما دون الرسغ من يدى البعير، وهى مؤنثة، والجمع الفراسن. وقال ابن السكيت: إنما الفرسن للبعير، فاستعير للشاة، وأنشد فى مثله: أشكو إلى مولاى من مولاتى تربط بالحبل أكيرعاتى فاستعار الأكارع للإنسان، كما استعار الفرسن للشاة. - بَاب الْقَلِيلِ مِنَ الهَديِةِ / ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﵇: (لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِىَ إِلَىَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ) . هذا حض منه لأمته على المهاداة، والصلة، والتأليف، والتحاب، وإنما

стр. 3321

أخبر أنه لا يحقر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المهدى، وإنما أشار بالكراع وفرسن الشاة إلى المبالغة فى قبول القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك. ٣ - بَاب مَنِ اسْتَوْهَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ شَيْئًا وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ رسول اللَّه ﷺ : (اضْرِبُوا لِى مَعَكُمْ سَهْمًا) . / ٤ - وفيه: سَهْلٍ، قال النَّبِىّ ﷺ للمرأة الأنصارية: (مُرِى غلامك النَّجَار، يَعْمَلْ لى أَعْوَادَ الْمِنْبَرِ. . .) الحديث. / ٥ - وفيه: أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ: فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا، حَتَّى نَفِذَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. استيهاب الصديق الملاطف حسن إذا علم أن ما يستوهبه تطيب به نفسه، ويسر بهبته، ويبين هذا أنه قد جاء فى حديث آخر أن المرأة الأنصارية كانت تطوعت للنبى ﷺ وسألته أن تصنع له المنبر، وكانت وعدته بذلك، وإنما قال، ﵇: (اضربوا لى معكم سهمًا) فى الغنم التى أخذوا فى الرقية بفاتحة الكتاب، وقال فى لحم الصيد: (هل معكم منه شىء) ، ليؤنسهم لما تحرجوا من أكله بأن يريهم حله عيانًا بأكله منه. ومن هذا الحديث، قال بعض الفقهاء: إن المآكل إذا وردت على قوم دون مجالسيهم أنهم مندوبون إلى مشاركتهم.

стр. 3322

٤ - بَاب مَنِ اسْتَسْقَى وَقَالَ سَهْلٌ: قَالَ لِىَ النَّبِىُّ ﷺ : (اسْقِنِى) . / ٦ - فيه: أَنَس، قَالَ: أَتَانَا النَّبِىّ، ﵇، فِى دَارِنَا هَذِهِ، فَاسْتَسْقَى فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لَنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هَذِهِ، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِىٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْطَى الأَعْرَابِىَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: (الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلاَ فَيَمِّنُوا) ، قَالَ أَنَسٌ: فَهِىَ سُنَّةٌ، ثَلاَثًا. هذا مثل الباب الذى قبله، لا بأس بطلب ما يتعارف الناس بطلب مثله من شرب الماء واللبن، وما تطيب به النفس، ولا يتشاح فيه، ولاسيما أن زمن النبى ﷺ زمن مكارمة ومشاركة، وقد وصفهم الله أنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم، وإنما أعطى الأعرابى ولم يستأذنه كما استأذن الغلام؛ ليتألفه بذلك لقرب عهده بالإسلام. وفيه: أن السنة لمن استسقى أن يسقى من على يمينه، وإن كان من على يساره أفضل ممن جلس على يمينه، ألا ترى قول أنس: فهى سنة ثلاث مرات، وذلك يدل على تأكيدها، وقد تقدم بيان هذا المعنى فى كتاب الأشربة. ٥ - بَاب قَبُولِ هَدِيَّةِ الصَّيْدِ وَقَبِلَ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ أَبِى قَتَادَةَ عَضُدَ الصَّيْدِ / ٧ - وفيه: أَنَس، أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ إِلىّ النَّبِىّ ﷺ بِوَرِكِهَا، أَوْ فَخِذَيْهَا، قَالَ: فَخِذَيْهَا لاَ شَكَّ فِيهِ، فَقَبِلَهُ، قُلْتُ: وَأَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: قَبِلَهُ.

стр. 3323

/ ٨ - وفيه: ابْن عَبَّاس، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِى وَجْهِهِ، قَالَ: (أَمَا إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَ أَنَّا حُرُمٌ) . قول شعبة: قوله: فخذيها لا شك فيه، دليل أنه شك فى الفخذين أولاً ثم استيقن، وكذلك شك آخرًا فى الأكل، فأوقف حديثه على القبول، وقبول هدية الصيد وغيره هى السنة؛ لقوله ﵇: (لو أهدى إلىّ كراع أو ذراع لقبلته) . وفى رد النبى ﷺ الحمار على الصعب بن جثامة وهو محرم دليل على أنه لا يجوز قبول ما لا يحل من الهدية؛ لأن النبى ﷺ إنما رده عليه لأنه لا يحل له قتل الصيد وهو محرم، وكان الحمار حيًا، فدل هذا أن المهدى إذا كان معروفًا بكسب الحرام، أو بالغصب والظلم، فإنه لا يجوز قبول هديته. وفيه الاعتذار إلى الصديق، وإذهاب ما يخشى أن يقع بنفسه من الوحشة وسوء الظن، وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الحج وما للعلماء فيه، وكذلك تقدم حديث أنس فى كتاب الصيد وتفسير أنفَجْنَا. ٦ - بَاب قَبُولِ الْهَدِيَّةِ / ٩ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . / ١٠ - وفيه: ابْن عَبَّاس، أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ، خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَى النَّبِىِّ،

стр. 3324

عَلَيْهِ السلام، أَقِطًا وَسَمْنًا وَضُبًّا، فَأَكَلَ النَّبِىُّ ﷺ مِنَ الأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . / ١١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، كَانَ النَّبِىّ، ﵇، إِذَا أُتِىَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ: (أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟) ، فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ، قَالَ لأَصْحَابِهِ: (كُلُوا) ، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ ﷺ ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ. / ١٢ - وفيه: أَنَس، أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقِيلَ: تُصُدِّقَ به عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: (هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) . / ١٣ - وفيه: أُمِّ عَطِيَّةَ، دَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: (عِنْدَكُمْ شَىْءٌ؟) ، قَالَتْ: لاَ، إِلاَ شَىْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنَ الشَّاةِ الَّتِى بَعَثْتَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ: (إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) . قد روى عن مالك فى حديث الضب أن النبى، ﵇، أمر ابن عباس، وخالد ابن الوليد بأكل الضب فى بيت ميمونة، فقالا له: ألا تأكل يا رسول الله؟ فقال: (إنى يحضرنى من الله حاضرة، يعنى الملائكة الذين يناجيهم، ورائحة الضب ثقيلة) ، فلذلك تقذره، ﵇، خشية أن يؤذى الملائكة بريحه. فى هذا من الفقه أنه يجوز للإنسان أن يتقذر ما ليس بحرام عليه لقلة عادته بأكله ولذمه، وإنما كان النبى ﷺ لا يأكل الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، وأخذ الصدقة منزلة ضعة؛ لقوله ﵇: (اليد العليا

стр. 3325

خير من اليد السفلى) ، والأنبياء منزهون عن منازل الضعة والذلة، وأيضًا فلا تحل الصدقة للأغنياء، وقد عدد الله على نبيه أنه وجده عائلاً فأغناه، فلهذا كله حرمت عليه الصدقة. وقوله فى لحم بريرة: (هو لها صدقة ولنا هدية) ، وقوله: (قد بلغت محلها) ، فإن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك؛ لصحة ملكه لها، فلما أهدتها بريرة إلى بيت مولاتها عائشة حلت لها وللنبى ﷺ ، وتحولت عن معنى الصدقة لملك المتصدق عليه بها، ولذلك قال ﵇: (وهى لنا من قبلها هدية، وقد بلغت محلها) ، أى قد صارت حلالاً بانتقالها من باب الصدقة إلى باب الهدية؛ لأن الهدية جائز أن يثيب عليها بمثلها وأضعافها على المعهود منه، ﵇، وليس ذلك شأن الصدقة، وقد تقدمت هذه المعانى فى موضع آخر. ٧ - بَاب مَنْ أَهْدَى إِلَى صَاحِبِهِ وَتَحَرَّى بَعْضَ نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ / ١٤ - فيه: عَائِشَةَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمِى، وكان نِسَاءَ النَّبِىّ ﷺ حِزْبَيْنِ: حِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالْحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ النَّبِىّ، ﵇، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ

стр. 3326

أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخَّرَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى بَيْتِ عَائِشَةَ، بَعَثَ صَاحِبُ الْهَدِيَّةِ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُ النَّاسَ، يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِىَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةً فَلْيُهْدِهِا إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ نِسَائِهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلْنَ، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا ثلاثًا، فَسَأَلْنَهَا فَقَالَتْ: مَا قَالَ لِى شَيْئًا، فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِيهِ، فَكَلَّمَتْهُ حِينَ دَارَ إِلَيْهَا أَيْضًا، فَقَالَ لَهَا: (لاَ تُؤْذِينِى فِى عَائِشَةَ، فَإِنَّ الْوَحْىَ لَمْ يَأْتِنِى وَأَنَا فِى ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلاَ عَائِشَةَ) ، قَالَتْ: فَقُلت: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقُولُ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِى ابنةِ أَبِى بَكْرٍ، فَقَالَ: (يَا بُنَيَّةُ، أَلاَ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟) ، فَقَالَتْ: بَلَى، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ، فَقُلْنَ: ارْجِعِى إِلَيْهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ، فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأَتَتْهُ فَأَغْلَظَتْ، وَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِى بِنْتِ ابْنِ أَبِى قُحَافَةَ، فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهِىَ قَاعِدَةٌ فَسَبَّتْهَا، حَتَّى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ هَلْ تَكَلَّمُ، قَالَ: فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ

стр. 3327

حَتَّى أَسْكَتَتْهَا، قَالَ: فَنَظَرَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى عَائِشَةَ، وَقَالَ: (إِنَّهَا بِنْتُ أَبِى بَكْرٍ) . قال المهلب: فى هذا الحديث من الفقه: أنه ليس على الرجل حرج فى إيثار بعض نسائه بالتحف والطرف من المأكل، وإنما يلزمه العدل فى المبيت والمقام معهن، وإقامة نفقاتهن وما لابد منه من القوت والكسوة، وأما غير ذلك فلا، وفيه تحرى الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها من المهداة إليه؛ ليزيد بذلك فى سروره، وفيه أن الرجل يسعه السكوت بين نسائه إذا تناظرن، ولا يميل مع بعضهن على بعض، كما سكت النبى ﷺ حين تناظرت زينب وعائشة، ولكن قال آخرًا: (إنها بنت أبى بكر) ، ففى هذا إشارة إلى التفضيل بالشرف والفهم. ٨ - بَاب مَا لاَ يُرَدُّ مِنَ الْهَدِيَّةِ / ١٥ - فيه: أَنَس، كان لاَ يَرُدُّ الطِّيبَ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ لاَ يَرُدُّهُ. قال المهلب: إنما كان النبى ﷺ لا يرد الطيب من أجل أنه كان يلازمه لمناجاته الملائكة، ولذلك كان لا يأكل الثوم وما شاكله، وفى هذا الحديث دليل أن من الهدايا ما يرد لعلة، إذا كان لذلك وجه، وأن الطيب لا وجه لرده؛ لأنه من المباحات

стр. 3328

المستحسنات، وقد قال، ﵇: (حُبِّبَ إلىّ من الأشياء النساء والطيب) . ٩ - بَاب مَنْ رَأَى الْهِبَةَ الْغَائِبَةَ جَائِزَةً / ١٦ - فيه: مَرْوَانَ وَالْمِسْوَر، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ، قَامَ فِى النَّاسِ، فَقَالَ: (إِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّى رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ. . .) ، الحديث. قال المهلب: هبة الشىء الغائب جائزة عند العلماء، ولا أعلم فى ذلك خلافًا، وفيه أن للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان فى ذلك مصلحة واستئلاف. - بَاب الْمُكَافَأَةِ فِى الْهَدِيَّةِ / ١٧ - فيه: عَائِشَةَ، كَانَ النّبِىّ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. قال المهلب: الهدية على ضربين: فهدية للمكافأة، وهدية للصلة والجوار، فما كان للمكافأة كان على سبيل البيع وطريقه، ففيه العوض، ويجبر المهدى إليه على سبيل العوض، وما كان لله أو للصلة، فلا يلزم عليه مكافأة، وإن فعل فقد أحسن. وقد اختلف الفقهاء فيمن وهب هبة ثم طلب ثوابها، وقال: إنما أردت الثواب، فقال مالك: ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له، فله ذلك، مثل الفقير للغنى، وهبة الغلام لصاحبه، وهبة الرجل لأميره، ومن هو فوقه، وهو

стр. 3329

أحد قولى الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترطه، وهو قول الشافعى الثانى، قال: والهبة للثواب باطل لا تنعقد؛ لأنها بيع بثمن مجهول. واحتج الكوفى بأن موضع الهبة التبرع، فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى التبرع، وصار فى معنى المعاوضات، والعرب قد فرقت بين لفظ البيع ولفظ الهبة، فجعلت لفظ البيع واقعًا على ما يستحق فيه العوض، والهبة بخلاف ذلك. قال ابن القصار: والحجة لمالك أن النبى، ﵇، كان يقبل الهدية ويثيب عليها، والاقتداء به واجب؛ لقوله تعالى: (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة) [الأحزاب: ٢١] . وروى أن أعرابيًا أهدى إلى النبى ﷺ بعيرًا، فأثابه عليه فأبى، فزاده فأبى، فقال له، ﵇: (لقد هممت ألا أتهب إلا من قرشى أو دوسى) ، فدل أن الهبة تقتضى الثواب، وإن لم يشترطه؛ لأن النبى ﷺ أثابه وزاده فى الثواب حتى بلغ رضا الأعرابى، ولو لم يكن واجبًا لم يثبه ولم يزده، ولو أثاب تطوعًا لم تلزمه الزيادة، وكان ينكر على الأعرابى طلبه للثواب حتى يحصل علمه هذا عند الناس. وأما قوله: إن الهبة موضوعة للتبرع، ومخالفة للفظ البيع، فالجواب أن الهبة لو لم تقتض العوض أصلاً لكانت بمنزلة الصدقة، يقصد بها ثواب الآخرة. والفرق بين الهبة والصدقة أن الواهب يقصد المكافأة فى الأغلب،

стр. 3330

وليست الصدقة كذلك، والفقير إذا وهب للغنى ينبغى أن يكون بمطلقه يقتضى الثواب، وإن كان الثواب مجهولاً، كقطعة الحمام والشارب والملاح، وقد جرى العرف بذلك، وأيضًا فإن الواهب دخل على أخذ العوض، وإن لم ينكره، فصار كأنه عقد معاوضة، ولنا أن نستدل بقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) [النساء: ٨٦] ، فهو عام فى كل هدية وهبة، فلو أهدى له مما يتحيا به من مسموم وغيره، وطلب الثواب كان ذلك له، ووجب على المحيا أن يحيى بأحسن منها، أو يردها بأمر الله له بذلك. فإن قيل: هذا ندب، والوجوب لا يتعلق بعوض زائد، فالجواب: أنه ندب إلى أحسن منها، وإلا فالرد واجب لفعل الرسول ﷺ ، وقد روى عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب أنهما قالا: إذا وهب الرجل هبة ولم يثب منها فهو أحق بها، ولا مخالف لهما فى الصحابة. - بَاب الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِىَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ وَلاَ يُشْهَدُ عَلَيْهِ وَقَالَ الرسول: (اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ فِى الْعَطِيَّةِ) ، وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِى عَطِيَّتِهِ، وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلاَ يَتَعَدَّى. وَاشْتَرَى
следующие страницы →