← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

كانوا لا يعرفون العود إلا من خالط الحضر منهم، والعود إنما أحدث بمكة والمدينة، والذى نذهب إليه أنه المزهر، وهو الذى يزهر النار للأضياف والطراق، فإذا سمعت صوت ذلك وحسه أيقنت بالعقر. وقول الحادية عشرة: زوجى أبو زرع، وما أبو زرع، أناس من حلى أذنى، تريد حلانى قرطة وشنوفًا ينوس بأذنى، والنوس الحركة من كل شىء متدل، يقال منه: قد ناس ينوس نوسًا وأناسه غيره إناسة. قال أبو عبيد: وأخبرنى ابن الكلبى أن ذا نواس ملك اليمن إنما سمى بهذا لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقيه. وقولها: ملأ من شحم عضدى، لم ترد العضد خاصة، وإنما أرادت الجسد كله، تقول: إنه أسمننى بإحسانه إلىّ، فإذا سمن العضد سمن سائر الجسد. وقولها: بجحنى فبجحت، أى فرحنى ففرحت. وقد بجح الرجل يبجح، إذا فرح. وقولها: وجدنى فى أهل غنيمة بشق، والمحدثون يقولون: بشق، فمن قال بشق فهو موضع، تعنى أن أهلها كانوا أصحاب غنم، ليسوا بأصحاب خيل ولا إبل، قالت: فجعلنى فى أهل صهيل وأطيط، أى فى أصحاب خيل وإبل؛ لأن الصهيل أصوات الخيل والأطيط أصوات الإبل. وقولها: دائس ومنق، فإن بعض الناس يتأوله دياس الطعام، وأهل الشام يسمونه الدراس، وأهل العراق يقولون: دائس الطعام، ولا أظن واحدة من هاتين الكلمتين من كلام العرب. وأما قول

стр. 3537

المحدثين: منق، فلا أدرى معناه، وأحسبه منق من تنقية الطعام، وأرادت أنهم أصحاب زرع. وقال أبو سعيد: الدياس الطعام الذى أهله فى دياسة، وعندهم من الطعام مقتنى، فخيرهم متصل. وقال غيره: قوله: منق، هو مأخوذ من نقنقة الدجاجة، يقال: أنق الرجل، إذا اتخذ دجاجة تنقنق، تقول: فجعلنى فى أهل طير، أى نقلنى من قفر إلى عمران. قال أبو عبيد: وقولها: فلا أقبح، أى فلا يقبح على قولى، يقبل منى، وأما التقمح من الشراب فهو مأخوذ من الناقة المقامح. قال الأصمعى: وهى التى ترد الماء فلا تشرب. قال أبو عبيد: وأحسب قولها: أتقمح، أروى حتى أدع الشرب من شدة الرى. قال أبو عبيد: ولا أراها قالت هذا إلا من عزة الماء عندهم، وكل رافع رأسه فهو مقامح وقامح، وفى التنزيل: (إلى الأذقان فهم مقمحون) [يس: ٨] ، وبعض الناس يروونه فأتقنح، بالنون ولا أعرف هذا الحرف، ولا أراه إلا بالميم. وقال أبو سعيد: أشرب فأتقنح، هو الشرب على رسل لكثرة اللبن؛ لأنها ليست بناهبة غيرها الشرب، وإنما ينتهب ما كان قليلاً يخاف عجزه، وقول الرجل لصاحبه إذا حثه على أن يأكل أو يشرب: والله لتقمحنه، والتقمح الازدياد من الشرب. وقال ابن السكيت فى التقنح بالنون الذى لم يعرفه أبو عبيد أتقنح: أقطع الشراب. قال أبو زيد: قال الكلابيون: قنحت تقنح قنحًا، وهو التكاثر فى الشراب بعد الرى. وقال أبو حنيفة: يقال: قنحت من الشراب قنحًا، وقنحت أقنح قنحًا، تكارهت عليه بعد الرى،

стр. 3538

والغالب تقنحت والترنح كالتقنح. قال أبو عبيد: وقولها: عكومها رداح، فالعكوم الأعدال والأحمال التى فيها الأوعية من صنوف الأطعمة من جميع المتاع، واحدها عكم، والرداح العظيمة، تقول: هى عظيمة الحشو. وقولها: كمسل شطبة، والشطبة أصلها ما شطب من جريد النخل، وهو سعفه، وذلك أن تشق منه قضبان دقاق تنسج منه الحصر، يقال منه للمرأة التى تفعل ذلك شاطبة، وجمعها شواطب، فأخبرت المرأة أنه مهفهف ضرب اللحم، شبهته بتلك الشطبة، وهو مما يمدح به الرجل. وقال أبو سعيد: كمسل شطبة، أى كسيف مسلول، شبهته بذى شطب يمان، وسيوف اليمن كلها شطبة. قال أبو عبيد: وقولها: وتشبعه ذراع الجفرة، فالجفرة الأنثى من أولاد الغنم، والذكر جفر، والعرب تمدح الرجل بقلة الأكل والشرب، قال الأعشى: تكفيه حزة فلذ إن ألم بها من الشواء ويروى شربه الغمر وقولها: لا تبث حديثنا تبثيثًا، ويروى تنث بالنون، وأحدهما قريب المعنى من الآخر، أى لا تظهر سرنا. وقولها: ولا تنفث ميرتنا تنفيثًا، تعنى الطعام، لا تأخذه

стр. 3539

فتذهب به، تصفها بالأمانة، والتنفث الإسراع فى السير. وقال أبو سعيد: التنفيث إخراج ما فى منزل أهلها إلى الأجانب، وهو النفث والتنفث، والفاء والثاء يتعاقبان. قال أبو عبيد: والأوطاب أسقية اللبن، واحدها وطب. وقال أبو سعيد النيسابورى: هذا منكر فى العربية أن يكون فعل يجمع على أفعال، لا يقال: كلب وأكلاب، ولا وجه وأوجاه، وإنما الصحيح الأوطب فى القلة والأوطاب فى الكثرة. قال أبو عبيد: قالت: فلقى امرأة معها ولدان كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين، تعنى أنها ذات كفل عظيم، فإذا استقلت نأى الكفل بها من الأرض حتى تصير تحت خصرها فجوة يجرى فيها الرمان. قال أبو عبيد: وبعض الناس يذهب بالرمانتين أنهما الثديان، وليس هذا بموضعه. قالت: فطلقنى ونكحها، ونكحت بعده رجلاً سريًا ركب شريًا، تعنى الفرس أنه يستشرى فى سيره، أى يلج ويمضى فيه بلا فتور ولا انكسار، ومن هذا قيل للرجل إذا لج فى الأمر: قد شرى فيه واستشرى.

стр. 3540

قال ابن السكيت: ركب فرسًا شريًا، أى خيارًا، من قولهم: هذا من سراة المال أى خياره. قال أبو عبيد: وقولها: أخذ خطيا، تعنى الرمح، سمى خطيا لأنه يأتى من بلاد من ناحية البحرين، يقال لها: الخط، فنسبت الرماح إليها، وإنما أصل الرماح من الهند، ولكنها تحمل إلى الخط فى البحرين ثم يفرق منها فى البلاد. وقولها: نعمًا ثريا، تعنى الإبل، والثراء الكثير من المال وغيره. قال الكسائى: يقال: قد ثرى بنو فلان بنى فلان يثرونهم، إذا كثروهم فكانوا أكثر منهم. ٥٩ - بَاب مَوْعِظَةِ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ لِحَالِ زَوْجِهَا / ٨٠ - فيه: ابْن عَبَّاس، لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ، عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تظاهرتا على رسول اللَّه. . . وساق الحديث. وَقَالَ عُمَر: وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأنْصَارِ، إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأنْصَارِ، فَصَخِبْتُ عَلَى امْرَأَتِى، فَرَاجَعَتْنِى، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِى، قَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ، ﵇، لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ إلى اللَّيْلِ، فَأَفْزَعَنِى ذَلِكَ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَىْ حَفْصَةُ، أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ الرسول ﷺ الْيَوْمَ

стр. 3541

حَتَّى اللَّيْلِ؟ فقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ، أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ فَتَهْلِكِى، لا تَسْتَكْثِرِى النَّبِىَّ ﷺ ، وَلا تُرَاجِعِيهِ فِى شَىْءٍ، وَلا تَهْجُرِيهِ، وَسَلِينِى مَا بَدَا لَكِ، وَلا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ، أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇، يُرِيدُ عَائِشَةَ. . . وذكر الحديث. قال المهلب: فيه الترجمة. وفيه بذل الرجل المال لابنته لتحسن عشرتها مع زوجها؛ لأن ذلك صيانة لعرضه وعرضها، وبذل المال لصيانة العرض واجب. وفيه: تعريض الرجل لابنته بترك الاستكثار من الزوج إذا كان ذلك يؤذيه ويحرجه. وفيه: سؤال العالم عن بعض أمور أهله إذا كان فى ذلك سنة تنقل ومسألة تحفظ، وإن كان فيه عليه غضاضة وإن كان من سره. وفيه: توقير العالم عما يخشى أن يحسمه والمطل بذلك حتى يخشى فواته، فإذا خشى ذلك جاز للطالب أن يفتش عما فيه غضاضة وعما لا غضاضة فيه. وفيه: إجابة العالم فى ابنته وفى امرأته بما سلف لها من خطأ وما ضلت فيه من سنة. وفيه: سؤال العالم فى الخلوات وفى موضع التبرز لاسيما إذا كان فى شىء من أمر نسائه وأسراره لا يجب أن يسأل عن ذلك فى جماعة الناس ويترقب المواضع الخالية. قال الطبرى: وفيه الدلالة الواضحة على أن الذى هو أصلح

стр. 3542

للمرء وأحسن به الصبر على أذى أهله والإغضاء عنهم، والصفح عما يناله منهن من مكروه فى ذات نفسه دون ما كان فى ذات الله، وذلك للذى ذكره عمر، عن رسول الله ﷺ من صبره على ما يكون إليه منهن من الشر على رسول الله ﷺ وأذاهن له وهجرهن له. ولم يذكر عن رسول الله ﷺ أنه عاقبهن على ذلك، بل ذكر أن عمر هو الذى وعظهن عليه دون رسول الله ﷺ ، وبنحو الذى ذكر عمر من خلق رسول الله ﷺ تتابعت الأخبار عنه، وإلى مثله ندب أمته ﵇. وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبى ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى) ، وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة، قال: خطب رسول الله ﷺ ، فذكر النساء، فقال: (علام يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، ولعله يضاجعها من يومه) . فإن قال قائل: فإن كان الفضل فى الصبر على أذاهن واحتمال مكروههن فما وجه الخبر الذى روى ابن أبى ليلى، عن داود بن على بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، أن النبى، ﵇، قال: (علق سوطك حيث تراه الخادم) ، وحديث محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبى ذر، قال رجل: يا رسول الله، أوصنى، قال: (أخف أهلك ولا ترفع عنهم عصاك) .

стр. 3543

قيل: قد اختلف العلماء فى ذلك، فقال بعضهم: هذه أحاديث لا يجوز الاحتجاج بها لوهاء أسانيدها، وأفضل ما تخلق به الرجل فى أهله الصفح عنهن على ما صح به الخبر، عن رسول الله ﷺ . وقال آخرون بتصحيح هذه الأخبار، ثم اختلفوا فى معناها، فقال بعضهم: معنى ذلك أن يضرب الرجل امرأته إذا أراد منها ما تكره فيما يجب عليها فيه طاعته، واعتلوا بأن جماعة من أصحاب النبى ﷺ والتابعين كانوا يفعلون ذلك. روى عن جرير، عن مغيرة، عن أم موسى، قال: كانت ابنة على بن أبى طالب تحت عبد الله بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فربما ضربها فتجىء إلى الحسن بن على تشتكى، وقد لزق درع حرير بجسدها من الضرب، فيقسم عليها لترجعن إلى بيت زوجها. وروى أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: كنت رابعة أربع نسوة تحت الزبير، فكان إذا عتب على إحدانا فك عودًا من المشجب فضربها به حتى يكسره عليها. وروى شعبة، عن عمارة، قال: دخلت على أبى مجلز، فدار بينه وبين امرأته كلام، فرفع العصا فشجها قدر نصف أنملة أصبعه. وكان محمد بن عجلان يحدث بقوله، ﵇: (لا ترفع عصاك عن أهلك) ، فكان يشترى سوطًا فيعلقه فى قبته لتنظر إليه امرأته وأهله. وقال آخرون: بل ذلك أمر من النبى، ﵇، بأدب أهلهم

стр. 3544

ووعظهم، وألا يخلو من تفقدهم بما يكون لهن مانعًا من الفساد عليهم والخلاف لأمرهم. قالوا: وذلك من قول العرب: شق فلان عصا المسلمين، إذا خالف ألفتهم وفارق جماعتهم. قالوا: ومن ذلك قيل للرجل إذا أقام بالمكان واستقر به واجتمع إليه أمره: قد ألقى فلان عصاه، وضرب فيه أرواقه. وأما ضربها لغير الهجر فى المضجع، فغير جائز له ذلك، بل محرم عليه، قالوا: وقد حرم الله أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فكذلك ضربهن بغير ما اكتسبن حرام، والصواب أنه غير جائز لأحد ضرب أحد ولا أذاه إلا بالحق، لقوله تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) [الأحزاب: ٥٨] ، سواء كان المضروب امرأة وضاربها زوجها، أو مملوكًا وضاربه مولاه، أو صغيرًا وضاربه والده، أو وصى لأبيه عليه؛ لأن الله أباح لهؤلاء ضرب من ذكرنا بالمعروف، على ما فيه صلاحهم. وأما قوله ﵇ للذى قال له: أوصنى، قال: (لا تضع عصاك عن أهلك وأخفهم فى الله) ، فمعناه عندى بخلاف قول من وجهه إلى أنه أراد به وعظ أهله، وإنما ذلك حض منه، ﵇، على ترهيب أهله فى ذات الله بالضرب؛ لئلا يركبوا موبقة ويكسبوا سيئة باقيًا عليه عارها، إذ كان النبى، ﵇، قد جعله قيمًا على أهله وراعيًا عليهن، كما جعل الأمير راعيًا على رعيته، وعلى الراعى سياسة رعيته بما فيه صلاحهم دنيا ودينًا. والدليل على أن قوله، ﵇: (لا تضع عصاك عن أهلك. . .) ،

стр. 3545

هو ما قلنا، قوله ﵇ لفاطمة بنت قيس: (أما أبو جهل، فلا يضع عصاه عن عاتقه) ، فأعلمها بذلك غلظته على أهله وشدته عليهم، فلو كان معناه: (لا تضع عصاك عن أهلك) ، لا تخلهم من تأديبك بالوعظ والتذكير عند الترهيب بالضرب عند ركوبها ما لا يحل لها، لم يكن لتزهيده، ﵇، فاطمة فى أبى جهم بما وصفه به من ترك وضع عصاه عن أهله معنى، إذ كان الوعظ والتذكير لا يوجبان لصاحبهما ذما. وقد جاء هذا المعنى بينًا فى بعض الروايات: روى شعبة، عن أبى بكر بن أبى الجهم، قال: دخلت أنا وأبو سلمة على فاطمة بنت قيس، فحدثنا بحديثها، وأن النبى، ﵇، قال لها: أبو جهم يضرب النساء، أو فيه شدة على النساء، فمعنى قوله ﵇ فى أبى جهم: (لا يضع عصاه عن عاتقه) ، يعنى فى الحق والباطل وفيما يجب وفيما لا يجب. ومن كان كذلك، فلا شك أنه غير متبع قوله ﵇: (لا تضع عصاك عن أهلك) ؛ لأنه ﵇ لا يأمر بضرب أحد من غير حق، بل ذلك مما نهى عنه، ﵇، بقوله: (اتقوا الله فى النساء، فإنهن عندكم عوان) . وفيه: أن لذى السلطان وغيره اتخاذ حجبة تحول بينه وبين من أراده، ومن الوصول إليه إلا بإذنه لهم؛ لقول عمر: والنبى ﵇ فى مشربة له وعلى بابه غلام أسود. وفيه: بيان أن ما روى عن النبى ﷺ أنه لم يكن له بواب أن معناه لم

стр. 3546

يكن له بواب فى الأوقات التى يظهر فيها، ﵇، لحاجات الناس، ويبرز لهم فيها، فأما فى الأوقات التى كان يخلو بنفسه فيها فيما لابد له منه، فإنه قلما كان يتخذ فيها أحيانًا بوابًا وحاجبًا ليعلم من قصده أنه خال بما لابد له منه من قضاء حاجة، وتلك هى الحال التى وصف عمر أنه وجد على باب مشربته بوابًا، وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى كتاب الأحكام فى باب ما ذكر أن النبى، ﵇، لم يكن له بواب. قال المهلب: وفيه أن للإمام والعالم أن يحتجب فى بعض الأوقات عن بطانته وخاصته عندما يطرقه ويحدث عليه من المشقة مع أهله وغيرهم حتى يذهب ما بنفسه من ذلك ليلقى الناس بعد ذلك، وهو منبسط إليهم غير مستنكر لما عرض له. وفى سكوته، ﵇، عن الإذن لعمر فى تلك الحال الرفق بالأصهار والحياء منهم عندما يقع للرجل مع أهله؛ لأنه لو أمر غلامه فرد عمر وصرفه لم يجز لعمر أن يتضرب مرة بعد أخرى حتى أذن له، ﵇، ودخل عليه، فدل ذلك أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام، وأفضل فى بعض الأحايين. قال الطبرى: وفيه الإبانة عن أن كل لذة وشهوة قضاها المرء فى الدنيا فيما له مندوحة عنها، فهو استعجال بذلك من نعيم الآخرة الذى لو لم يستعجله فى الدنيا كان مدخورًا له فى الآخرة، وذلك لقوله، ﵇، لعمر: (أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا) ، فأخبر أن ما أوتيه فارس والروم من نعيم الدنيا تعجيل من الله لهم نظير ما دخر لأهل ولايته عنده؛

стр. 3547

فكره لأمته أن تؤتى مثل ما أوتى فارس والروم على سبيل التلذذ والتنعم، فأما على صرفه فى وجهه وتفريقه فى سبله التى أمر الله بوضعه فيها، فلا شك فى فضل ذلك وشرف منزلته، إذ هو من منازل الامتحان والصبر على المحن، مع أن الشكر على النعم أفضل من الصبر على الضراء وحدها. تفسير ما فيه الغريب: قوله: فتبرز، يعنى خرج إلى البراز، وهو ما برز عن البيوت والدور وبعد. وقوله: فسكبت على يديه ماء، يعنى صببت، يقال: سكبت أسكب سكبًا، وهو ماء سكوب، إذا سال. والعوالى جمع عالية، وهو ما ارتفع من نجد إلى تهامة، والسوافل ما يسفل من ذلك. وقوله: كنا نتناوب النزول، يعنى كنا نجعله نوبًا أنزل أنا مرة وينزل هو أخرى، ومن ذلك قيل: نابت فلانًا نائبة، إذا حدثت به حادثة، والنوب عند العرب، القرب. وقوله: تراجعنى الكلام، يعنى ترادنى الكلام، ومنه قوله تعالى: (إنه على رجعه لقادر) [الطارق: ٨] ، قيل: عنى به رد الماء فى الصلب، وقيل: عنى به رد الإنسان إلى الصغر بعد الكبر، وقيل: عنى به رد الإنسان بعد مماته لهيئته قبل مماته. وقوله: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك، يعنى ضرتك، والجارة عند العرب الضرة، ومنه قول حمل بن مالك:

стр. 3548

كنت بين جارتين لى، يعنى ضرتين، ومنه قول ابن سيرين: كانوا يكرهون أن يقولوا ضرة، ويقولون: أنها لا تذهب من رزقها بشىء، ويقولون: جارة، والعرب تسمى صاحب الرجل وخليطه جاره والصاحبة والخليطة جارة، وتسمى زوجة الرجل جارته لاصطحابهما ومخالطة كل واحد منهما صاحبه، وقد تقدم ذلك فى كتاب الشفعة عند قوله ﵇: الجار أحق بصقبه. وقوله: أوضأ منك، يعنى أجمل منك، من الوضاءة، وهو الجمال. والمشربة الخزانة التى يكون فيها طعامه وشرابه، وقيل لها: مشربة، فيما أرى؛ لأنهم كانوا يخزنون فيها شرابهم، كما قيل للمكان الذى تطلع عليه الشمس وتشرق فيه: ضاحية مشرقة. وقوله: على رمال حصير، يقال: رملت الحصير: نسجته، وحصير مرمول: منسوج، والرمل: هو النسج، والراملة: الناسجة. وقوله: غير أهبة ثلاثة، هو جمع إهاب، وهو الجلد غير المدبوغ، يجمع أهبًا وأهبة. ٦٠ - بَاب صَوْمِ الْمَرْأَةِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا تَطَوُّعًا / ٨١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ، إِلا بِإِذْنِهِ) . قال المهلب: هذا الصوم المنهى عنه المرأة إلا بإذن زوجها هو

стр. 3549

صوم التطوع عند العلماء، كما ترجم به البخارى؛ لإجماعهم على أن الزوج ليس له أن يمنعها من أداء الفرائض اللازمة لها، وقوله، ﵇: (لا تصوم. . . إلا بإذنه) ، هو محمول على الندب لا على الإلزام، وإنما هو من حسن المعاشرة وخوف المخالفة التى هى سبب البغضة، ولها أن تفعل من غير الفرائض ما لا يضره ولا يمنعه من واجباته بغير إذنه، وليس له أن يبطل عليها شيئًا من طاعة الله ، إذا دخلت فيه بغير إذنه. وفيه: حجة لمالك ومن وافقه فى أن من أفطر فى صيام التطوع عامدًا أن عليه القضاء؛ لأنه لو كان للرجل أن يفسد عليها صومها بجماع ما احتاجت إلى إذنه، ولو كان مباحًا كان إذنه لا معنى له، وهو قول أبى حنيفة، وأبى ثور، وقال الشافعى، وأحمد، وإسحاق: لا قضاء عليها. وفيه: أن حقوق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير. ٦١ - بَاب إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا / ٨٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ الرسول ﷺ : (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَجِىءَ، لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) . قال المهلب: هذا يوجب أن منع الحقوق كلها فى الأبدان كانت أو فى الأموال مما يوجب سخط الله تعالى، إلا أن يتغمدها بعفوه.

стр. 3550

وفيه: جواز لعن العاصى المسلم إذا كان على وجه الإرهاب عليه؛ لئلا يواقع الفعل، فإذا واقعه فإنه يدعى له بالتوبة والهداية. وفيه: أن الملائكة تدعوا على أهل المعاصى ما داموا فى المعصية، وذلك يدل أنهم يدعون لأهل الطاعة ما داموا فيها. ٦٢ - بَاب لا تَأْذَنِ الْمَرْأَةُ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا إِلا بِإِذْنِهِ / ٨٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى، ﵇: (لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ، وَلا تَأْذَنَ فِى بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ) . قال المهلب: قوله: (لا تأذن فى بيت زوجها إلا بإذنه) ، يعنى لا لرجل ولا لامرأة يكرهها زوجها، فإن ذلك يوجب سوء الظن، ويبعث الغيرة التى هى سبب القطيعة، ويشهد لهذا قوله ﵇: (انظرن ما أخواتكن) ، وإن كان الإذن للنساء أخف من الإذن للرجال. فإن قيل: قد جاء لفظ حديث أبى هريرة مختلفًا، وذلك أنه ذكر فى كتاب الطلاق أنه قال: (إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره، فله نصف أجره) ، فهل يعارض قوله ﵇: (فإنه يؤدى إليه شطره) ، أم لا؟ قيل: لا تعارض بينهما، بل أحد اللفظين مفسر للآخر، وذلك أن هذا الحديث إنما ورد فى المرأة إذا تصدقت من مال زوجها بغير إذنه بالمعروف مما تعلم أنه يسمح به ولا يتشاح به. وقوله: (فله نصف أجره) ، يفسر قوله: (يؤدى إليه شطره) ، يعنى يتأدى إليه من أجر الصدقة مثل ما يتأدى إلى المتصدق من الأجر، ويصيران فى الأجر نصفين، ويشهد لهذا قوله ﵇: (الدال على الخير كفاعله) ، وهذا يقتضى المساواة.

стр. 3551

٦٣ - بَاب / ٨٤ - فيه: أُسَامَةَ، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ) . قال المهلب: فيه من الفقه أن أقرب ما يدخل به الجنة التواضع لله تعالى، وأن أبعد الأشياء من الجنة التكبر بالمال وغيره، وإنما صار أصحاب الجد محبوسون لمنعهم حقوق الله الواجبة للفقراء فى أموالهم، فحبسوا للحساب عما منعوه، فأما من أدى حقوق الله فى أمواله، فإنه لا يحبس عن الجنة، إلا أنهم قليل، إذ كثر شأن المال تضيع حقوق الله فيه؛ لأنه محنة وفتنة، ألا ترى قوله: (فكان عامة من دخلها المساكين) ، وهذا يدل أن الذين يؤدون حقوق المال ويسلمون من فتنتة هم الأقل، وقد احتج بهذا الحديث فى فضل الفقر على الغنى، وسيأتى الكلام فى ذلك فى كتاب الزهد، إن شاء الله. ٦٤ - بَاب كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَهُوَ الزَّوْجُ، وَهُوَ الْخَلِيطُ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ / ٨٥ - فِيهِ: عَنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ النَّبِىِّ، ﵇. / ٨٦ - وفيه: ابْن عَبَّاس، خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىّ ﷺ ، فَصَلَّى وَالنَّاسُ مَعَهُ. . . . وذكر الحديث إلى قوله: (رَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) ، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (بِكُفْرِهِنَّ) ،

стр. 3552

قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) . / ٨٧ - وفيه: عِمْرَانَ بن حصين، عَنِ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: (اطَّلَعْتُ فِى الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِى النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) . قال المهلب: إنما استحق النساء النار بكفرانهن العشير من أجل أنهن يكثرن ذلك الدهر كله، ألا ترى أن النبى، ﵇، قد فسره، فقال: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر) ، لجازت ذلك بالكفران الدهر كله، فغلب استيلاء الكفران على دهرها، فكأنها مصرة أبدًا على الكفر، والإصرار من أكبر أسباب النار. وفى هذا الحديث تعظيم حق الزوج على المرأة، وأنه يجب عليها شكره والاعتراف بفضله؛ لستره لها وصيانته وقيامه بمؤنتها وبذله نفسه فى ذلك، ومن أجل هذا فضل الله الرجال على النساء فى غير موضع من كتابه، فقال: (الرجال قوامون على النساء بما فضل) [النساء: ٣٤] الآية، وقال: (وللرجال عليهن درجة) [البقرة: ٢٢٨] ، وقد أمر ﵇ من أسديت إليه نعمة أن يشكرها، فكيف نعم الزوج التى لا تنفك المرأة منها دهرها كله؟ وقد قال بعض العلماء: شكر الإنعام فرض. واحتج بقوله ﵇: (من أسديت إليه نعمة فليشكرها) ، وبقوله: (أن اشكر لى ولوالديك) [لقمان: ١٤] ، فقرن بشكره شكر الآباء، قال: فكذلك

стр. 3553

شكر غيرهم واجب، وقد يكون شكر النعمة فى نشرها، ويكون فى أقل من ذلك، فيجزئ فيه الإقرار بالنعمة والمعرفة بقدر الحاجة. وفيه أن الكسوف والزلازل والآيات الحادثة إنما هى كما قال الله: (وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا) [الإسراء: ٥٩] ، وأمرهم ﵇ عند رؤية آيات الله بالفزع إلى الصلاة، فدل أن الصلاة تصرف النقم، وبها يعتصم من المحن، إذ هى أفضل الأعمال. ٦٥ - بَاب لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ قَالَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . / ٨٨ - فيه: عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو، قال النَّبِىّ، ﵇: (يَا عَبْدَاللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ) ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) . لما ذكر فى الباب قبل هذا حق الزوج على المرأة، ذكر فى هذا الباب حق المرأة على الزوج، وأنه لا ينبغى له أن يجحف نفسه فى العبادة حتى يضعف عن القيام بحق أهله من جماعها والكسب عليها. واختلف العلماء فى الرجل يشتغل بالعبادة عن حقوق أهله، فقال

стр. 3554

مالك: إذا كف عن جماع أهله من غير ضرورة لا يترك حتى يجامع أو يفارق على ما أحب أو كره؛ لأنه مضار بها. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يؤمر أن يبيت عندها ويفطر لها. وقال الشافعى: لا يفرض عليه من الجماع شىء بعينه وإنما تفرض لها النفقة والكسوة والسكنى، وأن يأوى إليها. وقال الثورى: إذا شكت المرأة أنه لا يأتيها زوجها له ثلاثة أيام ولها يوم وليلة، وبه قال أبو ثور. وقال ابن المنذر: وأعلى ما فى هذا الباب قول الثورى قياسًا على ما أباح الله للرجال من اتخاذ أربع نسوة. وروى عبد الرزاق، عن الثورى، عن مالك بن مغول، عن الشعبى، قال: جاءت امرأة إلى عمر، فقالت: يا أمير المؤمنين، زوجى خير الناس يصوم النهار ويقوم الليل، فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك، فقال كعب بن سوار: لقد اشتكت فأعرضت الشكية، فقال عمر: اخرج من مقالتك، قال: أرى أن ينزل بمنزلة رجل له أربع نسوة له ثلاثة أيام ولياليها، ولها يوم وليلة. وروى ابن عيينة، عن زكريا، عن الشعبى، أن عمر قال لكعب: فإذا فهمت ذلك فاقض بينهما، فقال: يا أمير المؤمنين، أحل الله من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلها من كل أربعة أيام يوم يفطر ويقيم عندها، ولها من كل أربع ليال ليلة يبيت عندها، فأمر عمر الزوج بذلك.

стр. 3555

٦٦ - بَاب الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا / ٨٩ - فيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فى بَيْتِ زَوْجِهَا. . . . .) الحديث. كل من جعله الله أمينًا على شىء، فواجب عليه أداء النصيحة فيه، وبذل الجهد فى حفظه ورعايته؛ لأنه لا يسأل عن رعيته إلا من يلزمه القيام بالنظر لها وصلاح أمرها، وسيأتى الكلام فى هذا الحديث فى كتاب الأحكام، إن شاء الله تعالى. ٦٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (إِلَى قَوْلِهِ: (واضربوهن) [النساء ٣٤] / ٩٠ - فيه: أَنَس، آلَى النَّبِىّ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَقَعَدَ فِى مَشْرُبَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فقَالَ: (الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) . قال المهلب: معنى هذا الباب أن الله تعالى أباح هجران الأزواج عند نشوزهن، ورخص فى ذلك عند ذنب أو معصية تكون منهن. وقال أهل التفسير فى قوله تعالى: (واللاتى تخافون نشوزهن) [النساء: ٣٤] ، يعنى معصيتهن لأزواجهن، وأصل النشوز الارتفاع، فنشوز المرأة ارتفاعها عن حق زوجها، ففسر النبى ﷺ مقدار ذلك الهجران بإيلائه شهرًا حين أسر النبى ﷺ إلى حفصة، فأفشته إلى عائشة وتظاهرتا عليه.

стр. 3556

قيل: إنه أصاب جاريته مارية فى بيت حفصة ويومها. وقال الزجاج: فى يوم عائشة، وسألها أن تكتمه، فأخبرت به عائشة. وقيل: إنه شرب عسلاً عند زينب، وذلك الهجران لا يبلغ به الأربعة الأشهر التى ضربها الله أجل إعذار للمؤالى، وأمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا ثم بالهجران بعد ذلك، فإن لم ينجعا فيها، فالضرب ولكن يكون الضرب غير مبرح، وقوله: (بما فضل الله بعضهم على بعض) [النساء: ٣٤] ، يعنى بما فضل الله به الرجال من القوة على الكسب بالحرث وغيرها، وبما أنفقوا من أموالهم فى المهور وغيرها، فهذا يوجب نفقة الرجال على النساء. ٦٨ - بَاب هِجْرَةِ النَّبِىِّ، ﵇، نِسَاءَهُ فِى غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، رَفْعُهُ: (لا تُهْجَرَ إِلا فِى الْبَيْتِ) وَالأوَّلُ أَصَحُّ. / ٩١ - فيه: أُمَّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، حَلَفَ لا يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، غَدَا عَلَيْهِنَّ. . . . الحديث. / ٩٢ - وفيه: ابْن عَبَّاس، أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِىِّ ﷺ يَبْكِينَ، عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا هُوَ مَلآنُ مِنَ النَّاسِ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - فَصَعِدَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ - وَهُوَ فِى غُرْفَةٍ لَهُ - فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ،

стр. 3557

ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَنَادَاهُ، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِىِّ، ﵇، فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: (لا، وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا) ، فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ. قال المهلب: هذا الذى أشار إليه البخارى من أن الهجران لا يكون إلا فى غير بيوت الزوجات من أجل ما فعله النبى ﷺ ؛ لأنه انفرد عنهن فى وقت الهجران فى مشربة واعتزل بيوتهن، وكأنه أراد البخارى أن يستن الناس به فى هجر نسائهم لما فيه من الرفق بالنساء؛ لأن هجرانهن مع الكون فى بيوتهن آلم لأنفسهن وأوجع لقلوبهن، لما يتطرق إليه من العتاب والغضب والإعراض، ولما فى غيبة الرجل عن أعينهن من تسليتهن عن الرجال. وهذا الذى أشار إليه ليس بواجب؛ لأن الله قد أمر بهجرانهن فى المضاجع فضلاً عن البيوت. وقال غيره: إنما اعتزلهن فى غير بيوتهن؛ لأنه أنكى لهن وأبلغ فى عقوبتهن. وروى ابن وهب، عن مالك، قال: بلغنى أن عمر بن عبد العزيز كان له نساء، فكان يغاضب بعضهن، فإذا كانت ليلتها جاء فبات عندها ولم يبت عند غيرها، وكان يفترش فى حجرتها فيبيت فيها، وتبيت هى فى بيتها. قلت لمالك: وذلك له واسع؟ قال: نعم، وذلك فى كتاب الله) واهجروهن فى المضاجع) [النساء: ٣٤] . وقال ابن عباس: الهجران أن يكون الرجل وامرأته فى فراش واحد ولا يجامعها. وقال السدى: هجرها فى المضجع أن يرقد معها ويوليها ظهره، ويطأها ولا يكلمها. وقال ابن عباس نحوه، قال:

стр. 3558

يهجرها بلسانه ويغلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها. ذكره الطبرى، فيكون معنى الآية على هذا القول: قولوا لهن من القول هجرًا فى تركهن مضاجعتكم. ٦٩ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَاضْرِبُوهُنَّ (، أَىْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ / ٩٣ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (لا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِى آخِرِ الْيَوْمِ) . قال بعض أهل العراق: فأمر الله بهجر النساء فى المضاجع وضربهن تذليلاً منه للنساء وتصغيرًا لهن على إيذاء بعولتهن، ولم يأمر فى شىء من كتابه بالضرب صراحًا إلا فى ذلك وفى الحدود العظام، فساوى معصيتهن لأزواجهن بمعصية أهل الكبائر، وولى الأزواج ذلك دون الأئمة، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانًا من الله للأزواج على النساء. قال المهلب: وإنما يكره من ضرب النساء التعدى فيه والإسراف، وقد بين النبى ﷺ ذلك، فقال: (ضرب العبد) ، فجعل ضرب العبد من أجل الرق فوق ضرب الحر لتباين حالتيهم، ولأن ضرب النساء إنما جوز من أجل امتناعها على زوجها فى المباضعة. واختلف فى وجوب ضربها فى الخدمة، والقياس يوجب إذا جاز ضربها فى المباضعة جاز فى الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف. وقوله: (ثم يجامعها ذلك اليوم) ، تقبيح من النبى ﷺ للاضطراب

стр. 3559

وقرب التناقض لقلة الرياضة لهن بذلك؛ لأن المرأة إذا عرفت قرب الرجعة وسرعة الفيئة لم تعبأ بإيذائه، ولا يقع فيها ما ندب الله إليه من رياضتها، ويدل على ذلك طول هجران النبى ﷺ لأزواجه المدة الطويلة، ولم يكن ذلك يومًا ولا يومين ولا ثلاثة، وكذلك كان هجران النبى ﷺ والمسلمين لكعب بن مالك وصاحبيه حتى مضت خمسون ليلة. وقال قتادة فى قوله: (ضربًا غير مبرح) ، قال: يعنى غير شائن، وقال الحسن: غير مؤثر. وقد تقدم فى باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها اختلاف العلماء فى ضرب النساء، واختلاف الآثار فى ذلك، وبيان مذاهبهم، والحمد لله. ٧٠ - بَاب لا تُطِيعُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فِى مَعْصِيَةٍ / ٩٤ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ زَوَّجَتِ ابْنَتَهَا، فَتَمَعَّطَ شَعَرُ رَأْسِهَا، فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجَهَا أَمَرَنِى أَنْ أَصِلَ فِى شَعَرِهَا، فَقَالَ: (لا، إِنَّهُ قَدْ لُعِنَ الْمُوصِلاتُ) . قال المؤلف: واجب على المرأة ألا تطيع زوجها فى معصية، وكذلك كل من لزمته طاعة غيره من العباد، فلا تجوز طاعته له فى معصية الله تعالى، ويشهد لهذا قول النبى، ﵇، حين أمر على بعث أميرًا، وأمر الناس بطاعته، فأمرهم ذلك الأمير أن يقتحموا فى نار أججها لهم، فامتنعوا منها، وقالوا: لم ندخل

стр. 3560

الإسلام إلا فرارًا من النار، فذكر ذلك للنبى ﷺ ، فقال: (والله لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة فى المعروف) ، وصوب فعلهم، وقد روى عنه، ﵇، أنه قال: (لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق) . وقوله: (فتمعط شعرها) ، فالعرب تقول: معط الشعر وامعط معطًا إذا تمرط، ومعطته نتفته، والأمعط من الرجال السنوط. وقال أبو حاتم: الذئب يكنى أبا معطة، وفى كتاب العين: ذئب أمعط خبيث؛ لأن شعره تمعط فتأذى بالذباب. ٧١ - بَاب) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) [النساء: ١٢٨] / ٩٥ - فيه: عَائِشَةَ،) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا (قَالَتْ: هِىَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، فَيُرِيدُ طَلاقَهَا وَيَتَزَوَّجُ غَيْرَهَا، وتَقُولُ لَهُ: أَمْسِكْنِى وَلا تُطَلِّقْنِى، ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِى، وَأَنْتَ فِى حِلٍّ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَىَّ، وَالْقِسْمَةِ لِى، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ١٢٨] . أجمع العلماء على جواز هذا الصلح، وكذلك فعلت سودة بالنبى ﷺ حين وهبت يومها لعائشة تبتغى بذلك مرضاة رسول الله ﷺ ، روى عكرمة عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها النبى، ﵇، قالت: لا تطلقنى واحبسنى مع نسائك ولا تقسم لى،

стр. 3561

فنزلت: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا) [النساء: ١٢٨] ، قال ابن عباس: نشوزًا يعنى البغض. وقال مجاهد: نزلت فى أبى السنابل بن بعكك. واختلفوا هل ينتقض هذا الصلح، فقال عبيدة: هما على ما اصطلحا عليه، فإن انتقضت فعليه أن يعدل عليها أو يفارقها، وبه قال النخعى، ومجاهد، وعطاء. وحكى ابن المنذر أنه قول الثورى، والشافعى، وأحمد. وقال الكوفيون: الصلح فى ذلك جائز. وقال ابن المنذر: لا أحفظ عنهم فى الرجوع شيئًا. وقال الحسن البصرى: ليس لها أن تنقض، وهما على ما اصطلحا عليه. وقول الحسن: هو قياس قول مالك فيمن أنظره بالدين أو أعاره عارية إلى مدة، أنه لا يرجع فى ذلك، وقول عبيدة هو قياس قول أبى حنيفة، والشافعى؛ لأنها هبة منافع طارئة لم تقبض، فجاز فيها الرجوع. ٧٢ - بَاب الْعَزْلِ / ٩٦ - فيه: جَابِر، كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ. / ٩٧ - وفيه: أَبُو سَعِيد، أَصَبْنَا سَبْيًا، فَكُنَّا نَعْزِلُ، فَسَأَلْنَا النَّبِىّ ﷺ ، فَقَالَ: (أَوَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟ قَالَهَا ثَلاثًا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلا وَهِىَ كَائِنَةٌ) . اختلف السلف فى العزل، فذكر مالك فى الموطأ، عن سعد بن أبى وقاص، وأبى أيوب الأنصارى، وزيد بن ثابت، وابن عباس، أنهم كانوا

стр. 3562

يعزلون، وذكره ابن المنذر، عن على بن أبى طالب، وخباب بن الأرت، وجابر بن عبد الله، وقال: كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ . وروى ذلك عن جماعة من التابعين منهم ابن المسيب، وطاوس، وبه قال مالك، والكوفيون، والشافعى، وجمهور العلماء. وكرهت طائفة العزل، ذكره ابن المنذر، عن أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعن على بن أبى طالب، رواية أخرى، وعن ابن مسعود، وابن عمر. وحجة من أباحه حديث جابر، وروى ابن أبى شيبة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ أذن فى العزل، واحتجوا أيضًا بقوله: أو إنكم لتفعلون ذلك، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة، إلا وهى كائنة، قالوا: ولا يفهم من قوله ﵇: (أو إنكم لتفعلون ذلك) ، إلا الإباحة. ويشهد لذلك قوله فى آخر الحديث: (ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهى كائنة) ، يقول: قد فرغ من الخلق، فاعزلوا أو لا تعزلوا، فإن قدر أن يكون ولد لم يمنعه العزل؛ لأنه قد يكون مع العزل إفضاء بقليل الماء الذى قدر الله أن يكون منه الولد، وقد يكون الاسترسال والإفضاء ولا يكون ولد، فالعزل والإفضاء سواء فى ألا يكون منه ولد إلا بتقدير الله، هذا معنى قول الطحاوى. قال: واحتج من كره العزل بما حدثنا إبراهيم بن محمد بن يونس، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سعيد بن أبى أيوب، عن أبى الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل،

стр. 3563

عن عروة، عن عائشة، قالت: حدثتنى جدامة بنت وهب الأسدية، أن النبى ﷺ ذكر عنده العزل، فقال: (ذلك الوأد الخفى) ، وأنكر الذين أباحوا العزل حديث جدامة. ورووا عن النبى، ﵇، إنكار ذلك. روى أبو داود: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبى كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبى رفاعة، وقال مرة: عن أبى مطيع بن رفاعة، عن أبى سعيد الخدرى، أن النبى ﷺ أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إن عندى جارية، وأنا أعزل عنها وأكره أن تحمل، وإن اليهود يقولون: هى الموءودة الصغرى، فقال رسول الله ﷺ : (كذبت يهود، لو أن الله أراد أن يخلقه لم يستطع أحد أن يصرفه) . قال الطحاوى: فهذا أبو سعيد قد حكى عن النبى إكذاب من زعم أن العزل موءودة، ثم قد روى عن على دفع ذلك والتنبيه على فساده بمعنى لطيف حسن، روى الليث، عن معمر بن أبى حبيبة، عن عبيد الله بن عدى بن الخيار، قال: تذاكر أصحاب رسول الله ﷺ عند عمر العزل، فاختلفوا فيه، فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم، فقال على: إنها لا تكون موءودة حتى تمر بالتارات السبع، قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) [المؤمنون: ١٢] الآية، فعجب عمر من قوله، وقال: جزاك الله خيرًا،

стр. 3564

فأخبر على أنه لا يوأد إلا من قد نفخ فيه قبل ذلك، وما لم ينفخ فيه الروح موات غير موءود. وروى سفيان عن أبى الوداك أن قومًا سألوا ابن عباس عن العزل، فذكر مثل كلام على سواء. فهذا على وابن عباس قد اجتمعا على ما ذكرنا وتابعهما عمر، ومن كان يحضر من الصحابة، فدل على أن العزل غير مكروه، وذهب مالك، والشافعى، وجمهور العلماء، إلى أنه لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، فإن منعت زوجها لم يعزل. واختلفوا فى العزل عن الزوجة الأمة، فقال مالك والكوفيون: لا يعزل عنها إلا بإذن سيدها. وقال الثورى: لا يعزل عنها إلا بإذنها. وقال الشافعى: يعزل عنها دون إذنها ودون إذن مولاها. ٧٣ - بَاب الْقُرْعَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا / ٩٨ - فيه: عَائِشَةَ قالت: كَانَ النَّبِىّ، ﵇، إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَلا تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِى وَأَرْكَبُ بَعِيرَكِ؟ تَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ، فَقَالَتْ: بَلَى، فَرَكِبَتْ فَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلُوا، وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ رِجْلَيْهَا بَيْنَ الإذْخِرِ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَىَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِى، وَلا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا. قال ابن القصار: إذا أراد أن يسافر بإحدى نسائه، فاختلف قول

стр. 3565

مالك فى ذلك، فقال: ليس له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة، وهو قول أبى حنيفة، والشافعى، وقال مرة: له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة. ووجه القول الأول حديث عائشة، أن النبى، ﵇، كان إذا سافر أقرع بين نسائه، وفعله سنة لا يجوز العدول عنها. ووجه القول الثانى أن له ذلك بغير قرعة هو أن ضرورته فى السفر أشد منها فى الحضر، فيحتاج إلى من هى أرفق به من نسائه، وأعون له على أموره، وأقوى على الحركة، فلذلك جاز له بغير قرعة. قال المهلب: وفيه العمل بالقرعة فى المقاسمات والاستهام، وقد تقدم فى كتاب القسمة والشركة، وهو مذكور أيضًا فى آخر كتاب الشهادات والأيمان. وفيه: أن القسم يكون بالليل والنهار، وقد بان ذلك فى حديث عائشة، قالت: فكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، ذكره البخارى فى باب القرعة فى المشكلات فى آخر كتاب الشهادات، فى غير موضع. وفيه: أن الاستهام بين النساء من السنن وليس من الفرائض، يدل على ذلك أن مدة السفر لا تحاسب بها المتخلفة من النساء الغادية، بل يبتدئ القسم بينهن إذا قدم على سبيل ما تقدم قبل سفره، ولا خلاف بين أئمة الفتوى فى أن الحاضرة لا تقاضى المسافرة بشىء من الأيام التى انفردت بها فى السفر عند قدومه، ويعدل بينهن فيما يستقبل، ذكره ابن المنذر، عن مالك، والكوفيين، والشافعى، وأبى عبيد، وأبى ثور.

стр. 3566

قال المهلب: وفى تحيل حفصة على عائشة فى بدل بعيرها فى الركوب دليل على أنه ليس من الفروض؛ لأن حفصة لا يحل لها من النبى ﷺ إلا ما أباحه لها وبذله من نفسه، وقد تحيلت ولم يبين لها النبى ﷺ أن ذلك لا يحل لها. وذكر ابن المنذر أن القسمة تجب بينهن كما تجب النفقة، وهذا يدل أن القسم بينهن فريضة، وقول أهل العلم يدل على ذلك، قال مالك: الصغيرة التى قد جومعت والكبيرة البالغ فى القسم سواء. وقال الكوفيون فى المرأة لم تبلغ إذا كان قد جامعها: أنها والتى قد أدركت فى القسم سواء، وهو قول أبى ثور. وقال الشافعى: إذا أعطاها مالاً على أن تحلله من يومها وليلتها فقبلت، فالعطية مردودة، وعليه أن يوفيها حقها. قال المهلب: ففيه أن دعاء الإنسان على نفسه عند الحرج وما شاكله يعفو الله عنه فى أغلب الحال؛ لقوله تعالى: (ولو يجعل الله للناس الشر) [يونس: ١١] ، وفيه أن الغيرة للنساء مسموح لهن فيها وغير منكر من أخلاقهن، ولا معاقب عليها ولا على مثلها لصبر النبى، ﵇، لسماع مثل هذا من قولها، ألا ترى قولها له: أرى ربك يسارع فى هواك، ولم يرد ذلك عليها ولا زجرها، وعذرها لما جعل الله فى فطرتها من شدة الغيرة.

стр. 3567

٧٤ - باب الْمَرْأَةِ تَهَبُ يَوْمَهَا مِنْ زَوْجِهَا لِضَرَّتِهَا وَكَيْفَ يَقْسِمُ ذَلِكَ / ٩٩ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ. وقوله: وكيف يقسم ذلك، يريد أن تكون فيه الموهوبة بمنزلة الواهبة فى رتبة القسمة، فإن كان يوم سودة ثالثًا ليوم عائشة أو رابعًا أو خامسًا، استحقته عائشة على حسب القسمة التى كانت لسودة ولا تتأخر عن ذلك اليوم ولا تتقدم، ولا يكون ثالثًا ليوم عائشة إلا أن يكون يوم سودة بعد يوم عائشة. قال المهلب: وأجراه النبى ﷺ مجرى الحقوق الواجبة، ولم يجره على أصل المسألة من الحكم فيه بما جعل الله له من ذلك بقوله تعالى: (وتئوى إليك من تشاء) [الأحزاب: ٥١] ، فأجراه مجرى الحقوق تفضلاً منه، ﵇، ليكون أبلغ فى رضاهن، كما قال الله تعالى: (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن) [الأحزاب: ٥١] ، أى لا يحزن إذا كان هذا منزلاً عليك من الله، ويرضين بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء. وقال قتادة فى قوله: (ترجى من تشاء منهن) [الأحزاب: ٥١] الآية، قال: هذا شىء خص الله به نبيه ﷺ ، وليس لأحد غيره، كان يدع المرأة من نسائه ما بدا له من غير طلاق، وإذا شاء راجعها. قال غيره: وكان ممن آوى عائشة، وأم سلمة، وزينب، وحفصة، وكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء، وكان ممن أرجى سودة، وجويرية، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء. واختلفوا فى كم يقسم لكل واحدة من نسائه، فقال ابن القاسم:

стр. 3568

لم أسمع مالكًا يقول إلا يومًا لهذه ويومًا لهذه. وقال الشافعى: إن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين، وثلاثًا ثلاثًا، كان ذلك له، وأكره مجاوزة الثلاث من الغيرة. قال ابن المنذر: ولا أرى مجاوزة يوم، إذ لا حجة مع من تخطى سنة النبى، ﵇، إلى غيره، ألا ترى قولها فى الحديث: إن سودة وهبت يومها لعائشة، ولم يحفظ عن النبى ﷺ فى قسمه لأزواجه أكثر من يوم وليلة، ولو جاز ثلاثة أيام لجاز خمسة أيام ولجاز شهر، ثم يتخطى بالقول إلى ما لا نهاية له، ولا يجوز معارضة السنة. وكان مالك يقول: لا بأس أن يقيم الرجل عند أم ولده اليوم واليومين والثلاثة ولا يقيم عند الحرة إلا يومًا من غير أن يكون مضارًا، وكذلك قال الشافعى: يأتى الإماء ما شاء أكثر مما يأتى الحرائر الأيام والليالى، فإذا صار إلى الحرائر عدل بينهن. ٧٥ - باب الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَقَوْلِ اللَّهِ: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولو حرصتم) [النساء ١٢٩] وقوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء (، أى لن

стр. 3569

تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم فى حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن فى ذلك؛ لأن ذلك مما لا تملكونه) ولو حرصتم (، يعنى ولو حرصتم فى تسويتكم بينهن فى ذلك. قال ابن عباس: لا تستطيع أن تعدل بالشهوة فيما بينهن ولو حرصت. قال ابن المنذر: ودلت هذه الآية أن التسوية بينهن فى المحبة غير واجبة، وقد أخبر النبى ﷺ أن عائشة أحب إليه من غيرها من أزواجه،) فلا تميلوا كل الميل) [النساء: ١٢٩] بأهوائكم حتى يحملكم ذلك أن تجوروا فى القسم على التى لا تحبون، وقوله: (فتذروها كالمعلقة) [النساء: ١٢٩] ، يعنى لا أيم ولا ذات بعل،) وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًا رحيمًا) [النساء: ١٢٩] ، يقول: وإن تصلحوا فيما بينكم وبينهن بالاجتهاد منكم فى العدل بينهن وتتقوا الميل فيهن، فإن الله غفور لما عجزت عنه طاقتكم من بلوغ العدل منكم فيهن. وروى عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن عائشة، أن النبى ﷺ كان يقسم بين نسائه، ويقول: (اللهم إن ذا قسمى فيما أملك، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك) . وروى همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبى هريرة، عن النبى، ﵇، قال: (من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه ساقط) . قال الطحاوى: وكأن معنى هذا الحديث عندنا على الميل إليها بغير

стр. 3570

إذن صاحبتها له فى ذلك، فأما إذا أذنت له فى ذلك وأباحته، فليس يدخل فى هذا المعنى كما فعلت سودة حين وهبت يومها لعائشة؛ لأن حقها إنما تركته بطيب نفسها، فهى فى حكمها لو لم يكن له امرأة غيرها. ٧٦ - باب إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرِ عَلَى الثَّيِّب / ١٠٠ - فيه: أَنَس، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ: قَالَ النَّبِىُّ، ﵇، وَلَكِنْ قَالَ السُّنَّةُ: إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا. قال ابن عبد الحكم: لم يعن بهذا الحديث من ليست له امرأة، ثم تزوج أن يقيم عندها سبعًا أو ثلاثًا، ولكن أريد به من له امرأة، ثم تزوج عليها أخرى، فقال بعض العلماء: المراد بالحديث العموم، والمقام عند البكر سبعًا وعند الثيب ثلاثًا واجب لهما، كان عند الرجل زوجة أم لا؛ لأن السنة لم تخص من له زوجة ممن لا زوجة له. قال المؤلف: والقول الأول هو الصحيح، وقد بينه سفيان، عن أيوب، وخالد، عن أبى قلابة، عن أنس فى الباب بعد هذا، قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم؛ لأنه لا يقسم الذى يقيم عند الثيب ثلاثًا إلا من تقدم عنده زوجة أخرى أو أكثر. فبان بهذا الحديث أن المراد به من له زوجة ثم تزوج عليها أخرى. وروى ابن القاسم، عن مالك، أن مقامه عند البكر سبعًا، وعند

стр. 3571

الثيب ثلاثًا إذا كان له امرأة أخرى واجب، وروى عنه ابن عبد الحكم أن ذلك مستحب وليس بواجب. قال ابن حبيب: ويخرج إلى حوائجه وصلاته بكرًا كانت أو ثيبًا، كانت له زوجة أخرى أم لا. وروى ابن أبى أويس، عن مالك، فيمن دخل على امرأته ليلة الجمعة أيتخلف عن الجمعة؟ قال: لا، تزوج أمير المؤمنين المهدى بالمدينة، فخرج إلى الصبح وغيرها. وروى ابن القاسم، عن مالك فى العتبية، قال: لا يتخلف العروس عن الجمعة ولا عن حضور الصلوات، وهو قول الشافعى. قال سحنون: وقد قال بعض الناس: لا يخرج، وذلك حق لها بالسنة. قال المؤلف: هذا على من تأول إقامته عند البكر والثيب على العموم، ومن رأى أن يخرج إلى الصلوات، فتأول إقامته عندها على ما يجب لها من القسمة والمبيت دون غيرها من أزواجه، فليس ذلك بمانع له من حضور الصلوات كما يفعل غير العروس فى قسمته بين نسائه، وليس له التخلف عن الجماعة. وقال المهلب: إنما خصت البكر بالسبع، والله أعلم، لما فى خلق الأبكار من الاستيحاش من الرجال والنفار عن مباشرتهم ولما يلقى الرجل من معالجتهن فى الوصول إليهن، وأما الثلاث للثيب فلسهولة أمرها وعلمها بمباشرة الرجال لم تحتج أن يفسح لها فى المدة بأكثر من ثلاث.

стр. 3572

٧٧ - باب إِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ / ١٠١ - فيه: أَنَس، إن مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇. اختلف العلماء فى هذا الباب، فقالت طائفة: يقيم عند البكر سبعًا وعند الثيب ثلاثًا إذا كانت له امرأة أخرى أو أكثر على نص هذا الحديث، ثم يقسم بينهن ولا يقضى المتقدمات بدل ما أقام عند الجديدة، هذا قول مالك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور، وأبى عبيد، واحتجوا بحديث أنس. وقال ابن المسيب، والحسن: للبكر ثلاثًا، وللثيب ليلتين، وهو قول الأوزاعى، قال: إذا تزوج البكر على الثيب مكث ثلاثًا، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام يومين. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقيم عند البكر إلا كما يقيم عند الثيب، وهما سواء فى ذلك، واحتجوا بحديث أم سلمة، أن النبى ﷺ قال لها: (إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت ودرت) ، قالت: ثلث ودر، قالوا: فلم يعطها فى السبع شيئًا إلا أعلمها أنه يعطى غيرها مثلها، فدل ذلك على المساواة بينهن. قالوا: وكذلك قوله: (وإن شئت ثلثت ودرت) ، أى أدور مثلثًا أيضًا لهن، كما أدور مسبعًا إن سبعت، قالوا: ولو استحقت الثيب ثلاثة أيام قسم لها لوجب إذا سبع عندها أن يربع لهن. وقال لهم أهل المقالة الأولى: قول النبى، ﵇: (ليس بك على أهلك هوان) ، يدل أنه رأى منها أنها استقلت الثلاث التى

стр. 3573

هى حق الثيب، فآنسها ﵇ بقوله: (ليس بك على أهلك هوان) ، أى ليس أقسم ثلاثًا لهوانك عندى، وإنما أقسمها لك؛ لأنه حق الثيب، وخيرها بين أعلى حقوق النساء وأشرفها عندهن وهى السبع وبين الثلاث، على شرط إن اختارت السبع قسم لكل ثيب مثلها، وإن اختارت الثلاث التى هى حقها لم يقسم لغيرها مثلها، فرأت أن الثلاث التى هى حقها أفضل لها، إذ لا يقسم لغيرها مثلها ولسرعة رجوعه إليها، فاختارتها وطابت نفسها عليها، ورأت أنها أرجح عندها من أن يسبع عندها على أن يسبع عند غيرها. وفى هذا ضرب من اللطف والرفق بمن يخشى منه كراهة قبول الحق حتى يتبين له فضله ويختار الرجوع إليه، ومما يبطل قول الكوفيين أنه إن ثلث عندها ثلث عندهن ثم يستأنف القسم أنه، ﵇، لما ذكر السبع قرنها بالقضاء، فقال: (سبعت عندك وسبعت عندهن) ، ولما ذكر الثلاث لم يقرنها بالقضاء؛ لأن الدوران عليهن يقتضى ابتداء قسم لا قضاء، فسقط قولهم، هذا قول ابن القصار. قال: وقد خالف الكوفيون حديث أم سلمة؛ لأن النبى ﷺ قال لها: (إن شئت سبعت عندك) ، فجعل لها الخيار فى القسم، وأبو حنيفة يجعل الخيار إلى الزوج، وفى هذا مخالفة الخبر. قال أحمد بن خالد: هذا الباب عجب؛ لأنه صار فيه أهل المدينة إلى ما رواه أهل العراق؛ لأن حديث أنس حديث بصرى، وصار فيه أهل العراق إلى ما رواه اهل المدينة، وقول أهل المدينة أولى؛ لقول أنس: السنة للبكر سبع، وللثيب ثلاث، والصحابى إذا

стр. 3574

ذكر السنة بالألف واللام، فإنما أشار إلى سنته، ﵇، واللام فى قوله: للبكر سبع وللثيب ثلاث، لام الملك، فدل أن ذلك حق من حقوقها، فمحال أن يحاسبها بذلك، وقول ابن المسيب، والحسن، خلاف الآثار، فلا معنى له. ٧٨ - باب مَنْ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِى غُسْلٍ وَاحِدٍ / ١٠٢ - فيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِى اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ. قد تقدم هذا الباب فى كتاب الطهارة، وأنه يحتمل أن يكون فعل ذلك حين إقباله من سفره حيث لا قسمة تلزمه؛ لأنه حينئذ لا تكون منهن واحدة أولى بالابتداء من صاحبتها، فلما استوت حقوقهن جمعهن كلهن فى ليلة، ثم استأنف القسمة بعد ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك بطيب أنفس أزواجه وإذنهن فيه، يدل على ذلك سؤاله أزواجه أن يمرض فى بيت عائشة، حكاه ابن المنذر، عن أبى عبيد. قال المهلب: يحتمل أن يكون ذلك فى يوم يقرع فيه بالقسمة بين أزواجه، فيقرع هذا اليوم لهن كلهن يجمعهن فيه، ثم يستأنف بعده القسمة، والله أعلم. إلا أن هذا من فعل النبى ﷺ فى القسم بينهن شىء تبرع به وتطوع لما جبله الله عليه من العدل؛ لأن الله قد رفع عنه مئونة القسمة بينهن بقوله: (ترجى من تشاء منهن وتئوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) [الأحزاب: ٥١] . ولا يجوز عند جماعة العلماء أن يطأ الرجل امرأته فى ليلة أخرى،

стр. 3575

وإنما يجوز فى الإماء حيث لا قسمة لهن. قال ابن حبيب: وإذا وطئ الرجل إحدى امرأتيه فى يومها، ثم أراد أن يطأ الأخرى قبل أن يغتسل، فحللت امرأته التى لها ذلك اليوم فلا بأس به، ويكره للرجل أن يجمع بين امرأتيه من نسائه فى فراش واحد وإن رضيتا به، لكن لا يجوز أن يطأ إحداهما والأخرى معه فى البيت وإن لم تسمع ذلك. قال ابن الماجشون: ويكره أن تكون معه فى البيت بهيمة أو حيوان، وكان ابن عمر إذا فعل ذلك أخرج كل من عنده فى البيت، حتى الصبى الممهود، ولا بأس أن يطأ امرأته الحرة، ثم يطأ أمته قبل أن يغتسل، ولا بأس أن يطأ أمته، ثم يطأ امرأته قبل أن يغتسل. قال غيره: لما جاز أن يطأ امرأته مرتين وثلاثًا، ثم يغتسل فى آخر ذلك إذا حضر وقت الصلاة جاز له أن يطأ امرأتين فى ليلة إذا أذنت له صاحبة الليلة ويغتسل غُسلاً واحدًا، كما طاف رسول الله ﷺ على نسائه فى غسل واحد فى ليلة. قال ابن الماجشون: ولا يجب على الرجل غشيان امرأتيه جميعًا فى ليلتهما، ولا بأس أن يغشى إحداهما ويكف عن الأخرى ما لم يرد به الضرر والميل. ٧٩ - باب دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى نِسَائِهِ فِى الْيَوْمِ / ١٠٣ - فيه: عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىّ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ، دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو
следующие страницы →