Полный текст (5 502 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
النسيان يجزئه وإن طال، وأما إن تَعمِّد ذلك، فلا يجزئه. هذا قول ابن القصار. قال: ومن أصحاب مالك من قال: الموالاة مستحبة، وروى ابن وهب، عن مالك، قال: ولو نزع خفيه، وأقام طويلاً لم يغسل رجليه وأحب إلىَّ أن يأتنف الوضوء، وإن غسل رجليه وصلى أجزأه. وحجة من أجاز تفرقته، حديث ميمونة: تمت أن النبى، ﷺ ، تنحى عن مقامه، فغسل قدميه -، وفعل ابن عمر، ولو كان لا يجزئه، لبينه ﷺ ، واحتجوا أيضًا بأن الله تعالى أمر المتوضئ بغسل الأعضاء، فمن أتى بغسل ما أمر به متفرقًا، فقد أدى ما أُمر به، وتمت الواو - فى الآية لا تعطى الفور. وقال الطحاوى: جفوف الوضوء ليس بحدث فلا ينقض، كما أن جفوف سائر الأعضاء لا يبطل الطهارة. واحتج من لم يجز التفرقة، بأن التنحى فى حديث ميمونة من موضع الغسل يقرب ويبعد، واسم التنحى بالقرب أولى، وأما جفوف الوضوء فى فعل ابن عمر فلا يكون إلا بالبعد، لكن الذى مضى عليه عمل النبى، ﷺ ، الموالاة، وتواطأ على ذلك فعل السلف، واحتج أهل المقالة الأولى أيضًا، أنه لما جاز التفريق اليسير جاز الكثير، أصله الحج، وعكسه الصلاة، لأنه لو وقف بعرفة وطاف يوم النحر أجزأه، وهذا تفريق يسير، ولو وقف وطاف بعد شهر أجزأه، ولو طاف خمسة أشواط، وطاف شوطين فى وقت آخر أجزأه. فعارضهم أهل المقالة الثانية، فقالوا: أما قياسكم على التفريق اليسير فغلط، لأن الأصول قد جوزت العمل اليسير فى الصلاة،
стр. 352
ومنعت من الكثير، ولو تعمد قتل عقرب، أو دب ليسدَّ الصفَ جاز، ولو اشتغل بإخراج غريق وهو فى الصلاة بطلت الصلاة، والقياس على الصلاة أولى من القياس على الحج، لأن الطهارة تراد للصلاة.
- باب إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَاوَدَ وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْل وَاحِدٍ
(١) / ١٨ - فيه: عَائِشَةَ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا، يَنْضَحُ طِيبًا. / ١٩ - وفيه: أَنَس، كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِى السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ امرأة، قُلْتُ لأنَسٍ: أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِىَ قُوَّةَ ثَلاثِينَ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: عَن أَنَس: تمت تِسْعُ نِسْوَةٍ -. لم تختلف العلماء فى جواز وطء جماعة نساء فى غسل واحد على ما جاء فى حديث عائشة، وأنس. وروى ذلك عن ابن عباس، وقاله عطاء، ومالك، والأوزاعى. وإنما اختلفوا إذا وطئ جماعة نسائه فى غسل واحد، هل عليه أن يتوضأ وضوءه للصلاة عند وطء كل واحدة منهن أم لا؟ فروى عن عمر بن الخطاب، وابن عمر أنه إذا أراد أن يعود توضأ وضوءه للصلاة، وبه قال عطاء وعكرمة، وكان الحسن البصرى لا يرى بأسًا أن يجامع الرجل امرأته، ثم يعود قبل أن يتوضأ، وعن ابن سيرين مثله، وبهذا قال مالك وأكثر الفقهاء أنه لا وضوء عليه.
стр. 353
وقال أحمد بن حنبل: إن توضأ أعجب إلىّ، فإن لم يفعل فأرجو ألا يكون به بأس. وبه قال إسحاق، وقال: لابد من غسل الفرج إذا أراد أن يعود. ويحتمل أن يكون دورانه ﷺ عليهن فى يوم واحد لمعان: أحدها: أن يكون ذلك عند إقباله من سفره، حيث لا قسمة تلزمه لنسائه، لأنه كان إذا سافر أقرع بين نسائه فأيتهن أصابتها القرعة خرجت معه، فإذا انصرف استأنف القسمة بعد ذلك، ولم تكن واحدة منهن أولى بالابتداء من صاحبتها، فلما استوت حقوقهن، جمعهن كلهن فى ليلة، ثم استأنف القسمة بعد ذلك. والوجه الثانى: يحتمل أن يكون استطاب أنفس أزواجه، فاستأذنهن فى ذلك كنحو استئذانهن أن يُمرَّض فى بيت عائشة، قاله أبو عبيد. والوجه الثالث: قاله المهلب، قال: يحتمل أن يكون دورانه عليهن فى يوم يفرغ من القسمة بينهن، فيقرع فى هذا اليوم لهن كلهن يجمعهن فيه، ثم يستأنف بعد ذلك القسمة، والله أعلم. وفى هذا الحديث أن الإماء يعددن من نسائه، لقوله: تمت وهن إحدى عشرة امرأة -، لأنه لم يحل له من الحرائر إلا تسع، وهو حجة لمالك فى قوله: إن من ظاهر من أمته لزمه الظهار، لأنها من نسائه، واحتج بظاهر قوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم) [المجادلة: ٢] وسيأتى فى كتاب النكاح زيادة من الكلام فى هذا الحديث، إن شاء الله .
стр. 354
وقد احتج بحديث عائشة من لا يوجب التدلك فى الغسل، وقال: لو تدلك ﷺ لم ينتضح منه الطيب. قال الطحاوى: وقد يجوز أن يكون دَلَكَ وقد غسله، وهكذا الطيب إذا كان كثيرًا، ربما غسله، فذهب وبقى وَبيصه. قال المؤلف: ومن روى هذا الحديث: تمت ينضخ طيبًا - بالخاء، فالنضخ عند العرب كاللطخ، يقال: نضخ ثوبه بالطيب، هذا قول الخليل. وفى كتاب الأفعال: نضخت العين بالماء نضخًا إذا فارت، واحتج بقوله الله تعالى: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) [الرحمن: ٦٦] ، ومن رواه تمت ينضح - بالحاء، فقال صاحب العين: نضحت العين بالماء إذا رأيتها تفور، وكذلك العين الناظرة، إذا رأيتها تغرورق، والوبيص: البريق واللمعان.
- باب غَسْلِ الْمَذْىِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ
/ ٢٠ - فيه: عَلِىّ بن أَبِى طالب، قَالَ: كُنْتُ رَجُلا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِىَّ، ﷺ ، لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَه، فَقَالَ: تمت تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ -. اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: يغسل الذكر كله من المذى، ثم يتوضأ مثل وضوئه للصلاة، روى هذا عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وهو قول مالك فى المدوّنة، وحجتهم قوله ﷺ : تمت توضأ واغسل ذكرك -، وهذا ظاهره العموم.
стр. 355
وقال آخرون: إنما يجب غسل موضع الأذى من الذكر فقط مع الوضوء، لا غسل الذكر كله، وروى هذا عن ابن عباس أيضًا، وعن سعيد بن جبير، وعطاء، وهو قول الكوفيين. وقال ابن أبى زيد: قال البغداديون من أصحاب مالك: إن معنى غسل الذكر من المذى: غسل موضع الأذى فقط. واحتج الكوفيون بما رواه الأعمش، عن حبيب بن أبى ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال على: كنت رجلاً مذاءً فأمرت رجلاً فسأل النبى ﷺ ، فقال: فيه الوضوء. ورواه أبو حصين، عن أبى عبد الرحمن، عن على، قال: كنت رجلاً مذاءً، فأرسلت رجلاً إلى النبى، ﷺ ، فقال: تمت توضأ واغسله -. واحتج أبو عبد الله بن الفخار لقول البغداديين من أصحاب مالك، قال الدليل على صحته: أن مالكًا روى فى موطئه حديث المقداد فى غسل المذى، وفيه: تمت فليغسل فرجه وليتوضأ -، هكذا رواه القعنبى، وابن وهب، وابن بكير، وجماعة. قال: والفرج فى اللغة: الشق بين الجبلين، فحقيقة الفرج إنما تقع على موضع مخرج البول والمذى فقط. وروى يحيى بن يحيى تمت فلينضح فرجه -، ومعناه الغسل. قال الطحاوى: وأما النظر فى هذا الباب، فإنا رأينا خروج المذي
стр. 356
حدثًا، فأردنا أن نعلم ما يجب فى خروج الأحداث، فكان خروج الغائط يجب فيه غسل ما أصاب البدن لا غسل ما سوى ذلك، إلا التطهر للصلاة، فالنظر على ذلك أن يكون خروج المذى كذلك لا يجب فيه غسل غير الموضع الذى أصابه من البدن غير التطهر للصلاة.
- باب مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِىَ أَثَرُ الطِّيبِ
/ ٢١ - فيه: عَائِشَةَ، أَنّه ذُكر لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَحُ طِيبًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ طَافَ فِى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا. / ٢٢ - وفيه: وَقَالَتْ عَائِشَة: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِى مَفْرِقِ النَّبِىِّ، ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ. قال المهلب: فيه أن السنة اتخاذ الطيب للنساء والرجال عند الجماع، فكان ﷺ أملك لأربه من سائر أمته، فلذلك كان لا يتجنب الطيب فى الإحرام ونهانا عنه، لضعفنا عن ملك الشهوات، إذ الطيب من أسباب الجماع ودواعيه، والجماع يفسد الحج، فمنع فيه الطيب للذريعة. وسيأتى اختلاف العلماء فى الطيب للمحرم فى كتاب الحج، والوبيص: البريق واللَّمعان. وقد احتج بحديث عائشة من لا يوجب التدلك فى الغسل، وقالوا: لو تدلك فى غسله لم ينضح الطيب منه. وقال الطحاوى: وقد يجوز أن يكون دلك وقد غسله، وهكذا الطيب إذا كان كثيرًا، ربما غسله فذهب وبقى وبيصه.
стр. 357
- باب تَخْلِيلِ الشَّعَرِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ
/ ٢٣ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلاثَ غرفات، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ -. قال المؤلف: أما تخليل شعر الرأس فى غسل الجنابة فالعلماء مجمعون عليه، وعليه قاسوا شعر اللحية، لأنه شعر مثله، فحكمه حكمه فى التخليل، إلا أنهم اختلفوا فى تخليل اللحية، فممن كان يخلل لحيته: عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وابن عمر، وأنس، ومن التابعين أبو قلابة، والنخعى، وسعيد بن جبير، وعطاء. وممن رخص فى تخليلها: الشعبى، وطاوس، والقاسم، والحسن، وأبو العالية، ورواية عن النخعى. واختلف قول مالك فى تخليلها، فروى عنه ابن القاسم أنه لا يجب تخليلها فى غسل الجنابة، ولا فى الوضوء، وروى عنه ابن نافع، وابن وهب فى المجموعة إيجاب تخليلها مطلقًا، ولم يذكرا غسلاً ولا وضوءًا، وروى عنه أشهب فى العتبية أن تخليلها فى الغسل واجب، ولا يجب فى الوضوء، وبه قال أبو حنيفة، والثورى، والأوزاعى، والليث، وأحمد، وإسحاق. وحكى ابن القصار، عن الشافعى أن التخليل مسنون، وإيصال الماء إلى البشرة مفروض فى الجنابة مثل أن يغلغل الماء فى شعره، أو يبله
стр. 358
حتى يعلم أن الماء قد وصل إلى البشرة، وقال المزنى، ومحمد بن عبد الحكم: تخليلها واجب فى الوضوء والغسل جميعًا. وحجة من قال بتخليلها فى الغسل حديث عائشة أن النبى، ﷺ ، اغتسل وخلل شعره بيديه. فدخل فيه شعر اللحية وغيرها. وأما تخليلها فى الوضوء، فقال ابن القاسم، عن مالك: ليس هو من أمر الناس، وعاب ذلك على من فعله، وقال أبو قرة: يكفيها ما مر عليها من الماء مع غسل الوجه، واحتج بحديث عبد الله بن زيد فى الوضوء، ولم يذكر فيه تخليل اللحية، وقال الطحاوى: التيمم فيه واجب مسح البشرة قبل نبات اللحية، ثم سقط بعدها عند جميعهم، فكذلك الوضوء، وحجة من لم ير تخليل اللحية فى الجنابة، أنا قد اتفقنا أن داخل العينين لا يجب غسله، بعلة أن درنه سائر من نفس الخلقة، وأيضًا فإن الأمرد الذى لا لحية له يجب عليه غسل ذقنه فى الوضوء والجنابة، ثم يسقط غسله فى الوضوء إذا غطاه الشعر، فينبغى أن يسقط فى الجنابة.
- باب مَنْ تَوَضَّأَ فِى الْجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى
/ ٢٤ - فيه: مَيْمُونَةَ أنها وَضَعَت للنَّبِىّ ﷺ وَضُوء الجَنَابَة، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى بَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ. . . . -، الحديث. أجمع العلماء على أن الوضوء ليس بواجب فى غسل الجنابة،
стр. 359
ولذلك قال ابن عمر: وأى وضوء أعم من الغسل؟ فلما ناب غسل مواضع الوضوء وهى سنة فى الجنابة عن غسلها فى الجنابة، وغسل الجنابة فريضة، صح بذلك قول مطرف، وابن الماجشون، وابن كنانة، وابن وهب، وابن نافع، وأشهب: أن غسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة، ورووه كلهم عن مالك، وهى خلاف رواية ابن القاسم. قال المهلب: ووجه ذلك أن النبى، ﷺ ، لما اجتزأ بغسل أعضاء الوضوء عن أن يغسلها مرة أخرى للجنابة، دل أن الطهارة إذا نوى بها رفع الحدث أجزأت عن كل معنى يراد به استباحة الصلاة، ولهذا الحديث، والله أعلم، قال عطاء: إذا غسلتُ كفَّىَّ قبل إدخالهما الإناء لم أغسلهما مع الذراعين فى الوضوء. وفى هذا الحديث أيضًا حجة لأحد قولى مالك فى رجل توضأ للظهر، ثم صلى، ثم أراد أن يجدد الوضوء للعصر للفضل، فلما صلى العصر، ذكر أن الوضوء الأول قد انتقض، فقال مرة: تجزئه صلاته، وقال مرة: إنها لا تجزئه. والصواب أنها تجزئه، لأن الوضوء عنده للسنن تجزئ به صلوات الفرائض، ومثل هذه المسألة اختلاف ابن القاسم، وابن الماجشون، فيمن صلى فى بيته، ثم صلى تلك الصلاة فى المسجد، فذكر أنه كان صلى فى بيته على غير وضوء، فقال ابن القاسم: تجزئه. وقال ابن الماجشون: لا تجزئه. وقول ابن القاسم الصواب بدليل هذا الحديث، فإنه وإن كان صلاها على طريقة الفضيلة، فإنه نوى بها تلك الصلاة بعينها والقربة إلى الله بتأديتها، كما نوى بغسل يديه وغسل مواضع الوضوء القربة إلى الله، ولم يحتج إلى إعادتها فى الغسل من
стр. 360
الجنابة، وقد قال ابن عمر للذى سأله عن الذى يصلى فى بيته، ثم يصلى تلك الصلاة فى المسجد تمت أيهما أجعل صلاتى؟ فقال: أو ذلك إليك؟ هى إلى الله يجعل أيتهما شاء -. وقوله فى الحديث فى الباب قبل هذا: تمت ثم غسل سائر جسده - كان أولى بهذه الترجمة، وهو تبيين لرواية من روى فيه: تمت ثم أفاض على جسده الماء، وصب أو أفرغ على جسده -، والمراد بذلك: الغسل لما بقى من الجسد دون أعضاء الوضوء بدليل قوله تعالى: (وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ) [النساء: ٤٣] ، وقد تقدم من الحجة فى هذه المسألة فى أول كتاب الغسل ما فيه الكفاية.
- باب إِذَا ذَكَرَ فِى الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ خَرَجَ كَمَا هُوَ وَلا يَتَيَمَّمُ
/ ٢٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ فِى مُصَلاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: تمت مَكَانَكُمْ -، ثُمَّ رَجَعَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ. قال المؤلف: من التابعين من يقول: إن الجنب إذا نسى، فدخل المسجد فذكر أنه جنب يتيمم، وكذلك يخرج، وهو قول الثورى، وإسحاق، وهذا الحديث يرد قولهم. وقال أبو حنيفة فى الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء: فإنه يتيمم، ويدخل المسجد، فيستقى، ثم يخرج الماء من المسجد، وهذا الحديث يدل على خلاف قوله، لأنه لما لم يلزمه التيمم للخروج، كذلك من اضطر إلى المرور فيه جنبًا لا يحتاج إلى تيمم.
стр. 361
وقد اختلف العلماء فى مرور الجنب فى المسجد، فرخص فيه على، وابن مسعود، وابن عباس، وقال جابر: كان أحدنا يمر فى المسجد وهو جنب. وممن روى عنه إجازة دخوله عابر سبيل: سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، وهو قول الشافعى. ورخصت طائفة للجنب أن يدخل المسجد ويقعد فيه، قال زيد بن أسلم: كان أصحاب رسول الله ﷺ يحتبون فى المسجد وهم جنب. وكان أحمد بن حنبل يقول: يجلس الجنب فى المسجد ويمر فيه إذا توضأ، ذكره ابن المنذر. وقال مالك والكوفيون: لا يدخل فيه الجنب، ولا عابر سبيل، وروى عن ابن مسعود أيضًا أنه كره ذلك للجنب. وحجة الذين رخصوا فى ذلك قوله تعالى: (لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ) [النساء: ٤٣] . وأن المراد مكان الصلاة، فتقديره: لا تقربوا مكان الصلاة جنبًا إلا عابرى سبيل، قالوا: وقد سمى المسجد باسم الصلاة فى قوله تعالى: (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) [الحج: ٤٠] . وحجة الذين منعوا الجنب من دخول المسجد: أن المراد بالآية نفس الصلاة وحملها على مكان الصلاة مجاز، على أنا نحمله على عمومه فنقول: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذه الحال إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك، وصلوا، ونكون بهذا أسعد منكم لأن فيه تعظيمًا لحرمة المسجد، ويمكن أن يستدل من هذه
стр. 362
الآية بقول الثورى، وإسحاق، وذلك أن المسافر إذا عدم الماء منع دخول المسجد والصلاة فيه إلا بالتيمم وذلك لضرورة، وأنه لا يقدر على ماء، فكذلك الذى يجنب فى المسجد، فى القياس، لا يخرج إلا بعد التيمم، لأنه مضطر لا ماء معه، فأشبه المسافر العابر سبيل المذكور فى الآية لولا ما يعارضه من حديث أبى هريرة المفسر لمعنى الآية، لجواز خروجه من المسجد دون تيمم، ولا قياس لأحد مع مجئ السنن، وإنما يُفزع إلى القياس عند عدمها، والله الموفق.
- باب نَفْضِ الْيَدَيْنِ مِنَ غُسلِ الْجَنَابَةِ
/ ٢٦ - فيه: مَيْمُونَةُ: تمت وَضَعْتُ لِلنَّبِىِّ، ﷺ ، غُسْلا. . . -، وذكر الحديث: تمت فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا، فَلَمْ يَأْخُذْهُ فَانْطَلَقَ، وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ -. اختلف العلماء فى المسح بالمنديل بعد الوضوء، فكره ذلك جابر، وعطاء، وابن أبى ليلى، وابن المسيب، والنخعى، وأبو العالية، وهو قول الحسن بن حى. وكره ابن عباس أن يمسح بالمنديل من الوضوء، ولم يكرهه من الجنابة. وممن رخص فى ذلك عثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وابن عمر، وأنس بن مالك، وبشير بن أبى مسعود، والحسن، والشعبى، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، وهو قول مالك، والثورى، وأبى حنيفة، والأوزاعى، وأحمد، وإسحاق. قال ابن المنذر: ذلك مباح كله. قال المهلب: ويمكن أن يريد بترك المنديل إبقاء بركة بلل الماء
стр. 363
والتواضع بذلك لله تعالى، أو لشىء رآه فى المنديل من حرير، أو وسخ، أو لاستعجال كان به، والله أعلم. وقد روى ابن وهب، عن زيد بن الحباب، عن أبى معاذ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن النبى، ﷺ ، كانت له خرقة يتنشف بها بعد الوضوء.
- باب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِى الْخَلْوَةِ وَمَنْ تَسَتَّرَ، وَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ
وَقَالَ بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : تمت إِنَّ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ -. / ٢٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ، ﷺ ، قَالَ: تمت كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلا أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِى إِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِى يَا حَجَرُ، ثَوْبِى يَا حَجَرُ، ثَوْبِى يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، وَقَالتْ: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا -. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ. / ٢٨ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: تمت بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِى فِى ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لا غِنَى بِى عَنْ بَرَكَتِكَ -.
стр. 364
قال المهلب: فى حديث موسى، وأيوب دليل على إباحة التعرى فى الخلوة للغسل وغيره، بحيث يأمن أعين الناس، لأن أيوب وموسى من الذين أمرنا أن نهتدى بهداهم، ألا ترى أن الله عاتب أيوب على جمع الجراد، ولم يعاتبه على غسله عريانًا، ولو كلف الله عباده الاستتار فى الخلوة كان فى ذلك حرج على العباد، إذ كان المغتسل من الجنابة لا يجد بدًا من التعرى والله تعالى لا يغيب عنه شىء من خلقه، عراة كانوا أو مكتسين، وسيأتى شىء من هذا المعنى فى كتاب الصلاة، فى باب كراهية التعرى فى الصلاة وغيرها، إن شاء الله، إلا أن الاستتار فى الخلوة من حسن الأدب. وقد روى ابن وهب، عن ابن مهدى، عن خالد بن حميد، عن بعض أهل الشام، أن ابن عباس لم يكن يغتسل فى بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، فإذا سئل عن ذلك، قال: إن له عامرًا. وروى برد، عن مكحول، عن عطية، عن النبى ﷺ ، قال: تمت من اغتسل بليل فى فضاء فليتحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك فأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه -. وفى مرسلات الزهرى، عن النبى، ﷺ ، قال: تمت لا تغتسلوا فى الصحراء إلا أن لا تجدوا متوارى، فإن لم تجدوا متوارى فليخط أحدكم كالدائرة، ثم يسمى الله ويغتسل فيها -. وفى حديث موسى دليل على إباحة النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إلى ذلك من مداواة، أو براءة مما رمى به من العيوب كالبرص وغيره من الأدواء التى يتحاكم الناس فيها مما لابد فيها من
стр. 365
رؤية أهل النظر بها، فلا بأس برؤية العورات للبراءة من ذلك أو لإثبات العيوب فيه والمعالجة. وفيه: آية لموسى، ﷺ ، فى مشى الحجر. وفيه: إجراء خُلق الإنسان عند الضجر على من يعقل، ومن لا يعقل، كما جرى من موسى فى ضربه للحجر، وإن كان الحجر قد جعل الله فيه قوةً مشى بها فلذلك ضربه، لأنه إذا أمكن أن يمشى بثوبه، أمكن أن يخشى الضرب، ألا ترى قول أبى هريرة: والله إنه لندب بالحجر، يعنى آثار ضرب موسى، ﷺ ، بقيت فى الحجر آية لهم. وفيه: جواز الحلف على الأخبار لحلف أبى هريرة أن موسى ضرب الحجر وأَثَّر فيه ضربه. وقوله: تمت إنه لندب بالحجر -، قال صاحب العين: الندب أثر الجرح. وأما غتسال بنى إسرائيل عراة ينظر بعضهم إلى بعض، فيدل أنهم كانوا عصاة له فى ذلك غير مقتدين بسنته إذ كان هو يغتسل حيث لا يراه أحد، ويطلب الخلوة، فكان الواجب عليهم الاقتداء به فى ذلك، ولو كان اغتسالهم عراةً فى غير الخلوة عن علم موسى وإقراره لذلك، لم يلزمنا فعله، لأن فى شريعتنا الأمر بستر العورة عن أعين الآدميين، وذلك فرض علينا، وهو فى الخلاء حسن غير واجب. وأما حديث بهز بن حكيم: أن النبى، ﷺ ، قال:
стр. 366
تمت إن الله أحق أن يستحى منه -، فهو محمول عند الفقهاء على الندب والاستحباب للتستر فى الخلوة لا على الإيجاب لما ذكرناه. وفى حديث أيوب جواز الحرص على المال الحلال وفضل الغنى، لأنه سماه بركةً.
- باب التَّسَتُّرِ فِى الْغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ
/ ٢٩ - فيه: أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ، قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: تمت مَنْ هَذِهِ -؟ قُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. / ٣٠ - وفيه: مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: سَتَرْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ. . . الحديث. أجمع العلماء على وجوب ستر العورة عن أعين الناظرين، وأصل هذين الحديثين ومصداقهما فى كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النور: ٥٨] الآية. ثم قال: (ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ) [النور: ٥٨] ، وفى هذا دليل على أن الجناح غير مرفوع فيهن، وقوله: (ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ (أى إن هذه الأوقات أكثر ما يخلو فيها الرجل بأهله للجماع، حظر الله ذلك على الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، ولا جرت عليهم الأقلام، يدل أنه واجب على غيرهم من الرجال والنساء التستر الذى أراده الله. وقد قال
стр. 367
تعالى: (يَا بَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِى سَوْءَاتِكُمْ) [الأعراف: ٢٦] ، فعد علينا نعمته فى ذلك. وقال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) [النور: ٣٠] ، فقرن غض الأبصار عن العورات بحفظ الفروج، وقال ﷺ : تمت لا يطوفن بالبيت عريان -، فكما لا يحل لأحد أن يبدى عن فرجه لأحد من غير ضرورة مضطرة له إلى ذلك، فكذلك لا يجب أن ينظر إلى فرج أحد من غير ضرورة، واتفق أئمة الفتوى على أنه من دخل الحمام بغير مئزر أنه تسقط شهادته بذلك، هذا قول مالك، والثورى، وأبى حنيفة، وأصحابه، والشافعى. واختلفوا إذا نزع مئزره، ثم دخل الحوض وبدت عورته عند دخوله، فقال مالك والشافعى: تسقط شهادته بذلك أيضًا. وقال أبو حنيفة والثورى: لا تسقط شهادته بذلك، وهذا يعذر به، لأنه لا يمكن التحرز منه. وروى بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبى، ﷺ ، قال له: تمت احفظ عورتك واسترها إلا عن زوجتك وأمتك -. وأجمع العلماء على أن للرجل أن يرى عورة أهله وترى عورته.
- باب إِذَا احْتَلَمَتِ الْمَرْأَةُ
/ ٣١ - فيه: أُمِّ سَلَمَةَ، جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِى طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ، إِذَا هِىَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تمت نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ -.
стр. 368
لا خلاف بين العلماء أن النساء إذا احتلمن ورأين الماء، أن عليهن الغسل وحكمهن حكم الرجال فى ذلك، وفيه دليل أن ليس كل النساء يحتلمن، لأن فى غير هذه الرواية أن أم سلمة غطت وجهها استحياءً من رسول الله ﷺ ، وقالت لأم سليم: وهل ترى ذلك المرأة؟ . وكذلك أنكرت عائشة أيضًا فى حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة. وقد يفقد بعض الرجال الاحتلام، فكذلك النساء. وفى قول أم سليم: تمت إن الله لا يستحى من الحق -، أنه يلزم كل من جهل شيئًا من دينه أن يسأل عنه العالمين به، وأنه محمود بذلك، ألا ترى قول عائشة، رضى الله عنها: تمت نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء من التفقه فى الدين -. وإنما يكون الحياء فيما تجد المرأة من ذكره بدا، وأما ما يلزم السؤال عنه، فلا حياء فيه. وإنما اعتذرت أم سليم من مشافهة رسول الله ﷺ فى ذلك، إذ سؤالها له أثبت فى نفسها، فلذلك قدمت بين يدى قولها: تمت إن الله لا يستحى من الحق -.
- باب عَرَقِ الْجُنُبِ وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لا يَنْجُس
ُ
/ ٣٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﷺ ، لَقِيَهُ فِى بَعْضِ طَرِقِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْبخَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: تمت أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ -؟ قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ، وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: تمت سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤمن لا يَنْجُسُ -.
стр. 369
قال المهلب: هذا يدل على أن الجنابة إذا لم تكن عينًا فى الأجسام، فإن المؤمن حينئذ طاهر الأعضاء، بحال ما المؤمنون عليه من التطهر والنظافة لأعضائهم، بخلاف ما عليه المشركون من ترك التحفظ من النجاسات والأقذار، فحملت كل طائفة على خلقها وعادتها، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨] تغليبًا للحال، وقد قيل فى قوله الله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (ليس بمعنى نجاسة الأعضاء، لكن بمعنى نجاسة الأفعال، والكراهة لهم، والإبعاد عما قد بَيَّن الله من بقعة أو كتاب أو رجل صالح، ولا خلاف بين الفقهاء فى طهارة عرق الجنب والحائض. قال ابن المنذر: وكذلك عرق اليهودى، والنصرانى، والمجوسى عندى طاهر. وقال غيره: لما أباح الله نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من ضاجعهن، وأجمعت الأمة على أنه لا غسل عليه من الكتابية إلا كما عليه من المسلمة، دل ذلك على أن ابن آدم ليس بنجس فى ذاته، ما لم تعرض له نجاسة تحل به. وقوله: تمت فانبخست منه -، وهكذا وقعت هذه اللفظة تمت فانبخست منه - بالخاء، وفى بعض النسخ لابن السكن تمت فانبجست منه - بالجيم، وأما بالخاء فلا أعرف له معنى، وأما بالجيم فيحتمل أن يكون من قوله تعالى: (فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) [الأعراف: ١٦] أى انفجرت وجرت، والأشبه أن يكون فانخسنت منه، قال صاحب العين: يقال: خنس من بين القوم يخنس خنوسًا: إذا انقبض، وخنوس الكواكب اختفاؤها.
стр. 370
- باب الْجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشِى فِى السُّوقِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَحْتَجِمُ الْجُنُبُ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ. / ٣٣ - فيه: أَنَسَ: كَانَ ﷺ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ. / ٣٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ لَقِيَنِى النَّبِىَّ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِى، فَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ منه وَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: تمت أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ - فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: تمت سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ -. وإنما أراد البخارى أن يريك أن الجنب لا ينجس بالسنة، وأنه يجوز له التصرف فى أموره كلها قبل الغسل، ويرد قول طائفة من السلف أوجبت عليه الوضوء. روى عن سعد بن أبى وقاص أنه كان إذا أجنب لا يخرج لحاجته حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، وعن ابن عباس مثله، وبه قال عطاء والحسن. ومنهم من قال: لا يأكل ولا يشرب حتى يتوضأ للصلاة. روى ذلك عن على، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعطاء. والذى عليه الناس فى ذلك ما روى عن أبى الضحى أنه سئل أيأكل الجنب؟ قال: نعم، ويمشى فى الأسواق، ولم يذكر أنه توضأ قبل ذلك وهذا قول مالك، وأكثر الفقهاء، أن الوضوء ليس بواجب عليه إذا أراد الخروج فى حاجاته، وليس فى حديث أنس أن النبى كان
стр. 371
يتوضأ حين كان يطوف على كل امرأة من نسائه، ولا فى حديث أبى هريرة أن المؤمن لا ينجس إذا كان قد توضأ بعد الجنابة. وممن قال لا وضوء عليه إذا أراد أن يطعم: مالك، والكوفيون، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وهو الذى يدل عليه حديث أبى هريرة. وفى حديث أبى هريرة: جواز أخذ الإمام والعالم بيد تلميذه ومن هو دونه ومشيه معه معتمدًا عليه ومرتفقًا به. وفيه: أن من حسن الأدب لمن مشى معه معلمه أو رئيسه أن لا ينصرف عنه ولا يفارقه حتى يعلمه بذلك، ألا ترى قوله ﷺ لأبى هريرة حين انصرف إليه: تمت أين كنت يا أبا هريرة؟ - فدل ذلك على أنه استحب له أن لا يفارقه حتى ينصرف معه.
- باب كَيْنُونَةِ الْجُنُبِ فِى الْبَيْتِ
/ ٣٥ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبٌ وَيَتَوَضَّأُ. / ٣٦ - وفيه: عُمَرَ أَنه سَأَلَ النَّبِىُّ ﷺ ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: تمت نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ - وَهُوَ جُنُبٌ. / ٣٧ - وقَالَ لَهُ مرة: تمت تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ -. / ٣٨ - وفيه: عَائِشَةَ كَانَ النَّبِىُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ. واختلف العلماء فى نوم الجنب، فقالت طائفة: بظاهر خبر رسول الله ﷺ ، أنه توضأ وضوءه للصلاة، وكذلك ينام، روى هذا عن على،
стр. 372
وابن عباس، وعائشة، وأبى سعيد الخدرى، ومن التابعين: النخعى، وطاوس، والحسن، وبه قال: مالك، والليث، وأبو حنيفة، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، كلهم يستحبون الوضوء، ويأمرون به. وشذ أهل الظاهر، فأوجبوا عليه الوضوء فرضًا، وهذا قول مهجور لم يتابعهم عليه أحد، فلا معنى له، وروى عن سعيد بن المسيب أنه قال: إن شاء أن ينام قبل أن يتوضأ، وإليه ذهب أبو يوسف، فقال: لا بأس أن ينام الجنب قبل أن يتوضأ، لأن الوضوء لا يخرجه من حال الجنابة إلى حال الطهارة، ومن حجته ما رواه الأعمش، عن أبى إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يجنب ثم ينام ولا يمس ماء، حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل. قال الطحاوى: هذا الحديث غلط، اختصره أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ فيه، وذلك ما حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، قال: أتيت الأسود بن يزيد فقلت: حدثنى ما حدثتك عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ قال: قالت: كان ينام أول الليل، ويحيى آخره، ثم إن كانت له حاجة، قضى حاجته، ثم ينام
стр. 373
قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول، أفاض عليه الماء، وإن نام جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة، فهذا الأسود بن يزيد قد بان فى حديثه أنه كان إذا أراد أن ينام، وهو جنب، توضأ للصلاة، وبان أن قولها: ثم ينام قبل أن يمس ماء، يعنى الغسل لا الوضوء، والدليل على صحة ذلك ما رواه البخارى عن عمر، وعائشة، وعلى هذا التأويل لا تتضاد الأخبار، وقد روى قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، قال: إذا توضأ قبل أن ينام، كان كمن اغتسل فى الثواب الذى يكتب لمن بات على طهر. وقالت عائشة: لا ينام الجنب حتى يتوضأ للصلاة فإنه لا يدرى لعل نفسه تصاب فى نومه، فيكون قد أخذ بأى الطهارتين. فأما ما روى عن ابن عمر أنه كان يتوضأ، ولا يغسل قدميه، فيدل ذلك أن محمل الحديث عندهم على الندب، لا على الوجوب، لأن ابن عمر روى الحديث عن أبيه، عن النبى وعَلِمَهُ فلم يترك غسل قدميه، إلا أنهم تلقوا الحديث على أن الوضوء على غير الإيجاب.
- باب إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ
/ ٣٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: تمت إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ -. ذهب جماعة فقهاء الأمصار إلى وجوب الغسل إذا التقى الختانان، وإن لم ينزلا، على ما ثبت فى هذا الحديث، وقد روى مالك فى الموطأ عن عائشة أنها قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وهى أعلم بهذا، لأنها شاهدت تطهر رسول الله حياته وعاينته عملا، فقولها أولى ممن لم يشاهد ذلك، وروى عن على بن أبى طالب خلافه. قال ابن القصار: وأجمع التابعون ومن بعدهم على القول بهذا الحديث.
стр. 374
وإذا كان فى المسألة قولان بعد انقراض الصحابة، ثم أجمع العصر الثانى بعدهم على أحد القولين، كان ذلك مسقطًا للخلاف قبله ويصير ذلك إجماعًا، وإجماع الأعصار عندنا حجة كإجماع الصحابة، وسنتقصى الكلام فى هذه المسألة فى الباب الذى بعد هذا إن شاء الله. وقوله: تمت جهدها - أى بلغ مشقتها، قال صاحب الأفعال: يقال: جهدته جهدًا، وأجهدته بلغت مشقته، هذا قول الأصمعى، وقال الأعمش: جهدن لها مع إجهادها به وجهده المرض وأجهده، وجهد فى الأمر، وأجهد: بلغ فيه الجهد، وجهدت الفرس، وأجهدته: استخرجت جهده. وقال الحسن، ﵀: إن الحق جهد الناس ولن يصبر عليه إلا من رجا ثوابه .
- باب غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ
/ ٤٠ - فيه: زَيْدَ بْنَ خَالِد أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَقَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةَ ابْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. / ٤١ - وفيه: أَبُو أَيُّوبَ الأنصارى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 375
/ ٤٢ - ورواه أَبُو أَيُّوبَ، مرة، عَنْ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ النَّبِىُّ ﷺ ، وَقَالَ: تمت يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّى -. قَالَ البخارى: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ وَإِنَّمَا بَيَّنَّاه لاخْتِلافِهِمْ. قال المؤلف: قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن حديث عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد، قال: سألت خمسة من أصحاب النبى ﷺ : عثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وأُبَىّ بن كعب، فقالوا: الماء من الماء، فيه علة؟ قال: نعم، ما يروى من خلافه عنهم. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت على بن المدينى وسئل عن هذا الحديث، فقال: إسناد حسن، ولكنه حديث شاذ، فإن على بن زيد قد روى عن عثمان، وعلى، وأُبَىّ بأسانيد حسان أنهم أفتوا بخلافه. قال يعقوب: وهو حديث منسوخ، كانت هذه الفتيا فى أول الإسلام، ثم جاءت السنة بعد ذلك من رسول الله ﷺ : تمت إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل -. وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، قال: حدثنى بعض من أرضى، عن سهل بن سعد، عن أُبَىّ بن كعب أخبره، أن رسول الله ﷺ جعل الماء من الماء رخصة فى أول الإسلام، ثم نهى عن ذلك، وأمر بالغسل بعد ذلك. وقال موسى بن هارون: رواه أبو حازم، عن سهل بن سعد، وأظن ابن شهاب سمعه منه، فهذا أُبَىّ يخبر أن هذا من الناسخ لقوله: تمت الماء من الماء -.
стр. 376
وروى يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب، عن محمود بن لبيد أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا ينزل؟ فقال زيد: يغتسل، فقلت: إن أُبَىّ بن كعب كان لا يرى الغسل، قال: إن أُبَىّ نزع عن ذلك قبل أن يموت. فهذا أُبَىّ قد قال هذا، وقد روى عن النبى ﷺ خلافه، فلا يجوز أن يقول هذا إلا وقد ثبت عنده نسخ ذلك، وأما رجوع عثمان، فرواه مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن عمر وعثمان وعائشة كانوا يقولون: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، فلا يجوز أن يقول هذا عثمان إلا وقد ثبت عنده النسخ. وأما رجوع على، فرواه معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن على، قال: كما يجب الحد يجب الغسل، ورواه الثورى عن أبى جعفر، عن على، ثم قد كشف عن ذلك عمر بن الخطاب بحضرة أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار فلم يثبت عنده إلا الغسل، فحمل الناس عليه، فسلموا لأمره، فدل ذلك على رجوعهم إلى قوله. روى الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن معمر بن أبى حيية، عن عبيد الله بن عدى بن الخيار قال: تذاكر أصحاب رسول الله عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة، فقال بعضهم: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وقال بعضهم:
стр. 377
الماء من الماء. فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال على: يا أمير المؤمنين، إن أردت أن تعلم ذلك، فأرسل إلى أزواج النبى، ﷺ ، فاسألهن عن ذلك، فأرسل إلى عائشة، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال عمر عند ذلك: لا أسمع أحدًا يقول: الما من الماء إلا جعلته نكالا، فحمل الناس عليه ولم ينكره عليه منكر. قال الطحاوى: فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما من طريق النظر، فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع فى الفرج الذى لا إنزال معه حدث، فقال قوم: هذا أغلظ الأحداث، فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات، وهو الغسل، وقال قوم: هو كأخف الأحداث، فأوجبوا فيه الوضوء، فأردنا أن ننظر فى ذلك، لنعلم الصواب فيه، فوجدنا أشياء يوجبها الجماع، وهو فساد الصيام والحج، فكان ذلك بالتقاء الختانين، وإن لم يكن معه إنزال فيوجب ذلك فى الحج: الدم وقضاء الحج، ويوجب فى الصيام: القضاء والكفارة، ولو جامع فيما دون الفرج لوجب عليه فى الحج الدم فقط، ولم يجب عليه فى الصيام شىء إلا أن ينزل، وكذلك لو زنا بامرأة وإن لم ينزل فعليه الحد، ولو فعل ذلك على وجه شبهة لسقط عنه الحد، ووجب عليه المهر، وكان لو جامعها فيما دون الفرج لم يجب عليه حد ولا مهر، ولكنه يعزر إن لم يكن هناك شبهة، وكذلك من تزوج امرأة فجامعها فى الفرج، ثم طلقها كان عليه المهر أنزل أو لم ينزل ووجبت عليها العدة، وأحلها ذلك لزوجها الأول، فإن جامعها فيما دون الفرج لم يجب عليه شىء، وكان عليه فى الطلاق نصف المهر
стр. 378
إن كان سمى لها مهرًا، أو المتعة إن لم يكن سمى لها مهرًا، فلما وجب فى هذه الأشياء التى لا إنزال معها ما يجب فى الجماع الذى معه الإنزال من الحد، والمهر، وغير ذلك، فالنظر على ذلك أن يكون فيه أغلظ مما يجب فى الأحداث وهو الغسل. وحجة أخرى: وهو أنا رأينا هذه الأشياء التى وجبت بالتقاء الختانين إذا كان بعدها الإنزال، لم يجب للإنزال حكم ثان، وإنما الحكم لالتقاء الختانين، ألا ترى لو أن رجلا زنا بامرأة والتقى ختاناهما، وجب عليهما الحد بذلك، ولو أقام عليها حتى أنزل لم تجب عليه عقوبة غير الحد الذى وجب عليه لالتقاء الختانين، فكان الحكم فى ذلك هو لالتقاء الختانين لا للإنزال الذى بعده، فالنظر فى ذلك أن يكون الغسل لالتقاء الختانين لا للإنزال الذى بعده، قاله الطحاوي.
стр. 379
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦ - كِتَاب الْحَيْض
قَالَ اللَّه تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى (إِلَى: (الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: ٢٢٢] . اختلف العلماء فى تأويل هذه الآية، فقالت طائفة: لا يجوز وطء الحائض، وإن انقطع دمها حتى تغتسل بالماء، روى هذا عن الحسن، والنخعى، ومكحول، وسليمان بن يسار، وعكرمة، ومجاهد، وهو قول مالك، والليث، والثورى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور. واختلف العلماء فى الحائض هل يجوز وطؤها إذا انقطع دمها قبل أن تغتسل أم لا؟ فقال مالك، والليث، والثورى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: لا توطأ حتى تغتسل بالماء، وهو قول الشعبى، ومجاهد، والحسن، ومكحول، وسليمان بن يسار، وعكرمة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن انقطع دمها بعد عشرة أيام، الذى هو عنده أكثر الحيض، جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن انقطع دمها قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يمر عليها وقت صلاة، لأن الصلاة تجب عنده آخر الوقت، فإذا مضى عليها آخر الوقت ووجبت عليها الصلاة، علم أن الحيض قد زال، لأن الحائض لا يجب عليها صلاة. وقال الأوزاعى: إن غسلت فرجها جاز لزوجها وطؤها، وإن
стр. 380
لم تغسله لم يجز، وبه قالت طائفة من أصحاب الحديث، وروى مثله عن عطاء، وطاوس، وقتادة. واحنج أهل هذه المقالة بقوله: (حتى يطهرن) [البقرة: ٢٢٢] أى حتى ينقطع دمهن، فجعل تعالى غاية منع قربها انقطاع دمها، والدليل على ذلك أن الصوم قد حل لها بانقطاع دمها، فوجب أن يحل وطؤها قبل الغسل، كالجنب يجوز مجامعتها قبل الغسل، قالوا: ولا يخلو بعد انقطاع الدم وقبل الغسل أن تكون طاهرًا أو حائضًا، فإن كانت حائضًا فالغسل ساقط عنها، وفى اتفاقهم أن الغسل عليها واجب بانقطاع الدم دليل أنها قد طهرت من حيضتها، والطاهر جائز وطؤها، وقوله تعالى: (فإذا تطهرن) [البقرة: ٢٢٢] إباحة ثانية، وابتداء كلام غير الأول، لأن الطهر شىء والتطهير غيره، مثال ذلك، لو أن رجلا صائمًا قال لرجل: لا تكلمنى حتى أفطر، فإذا صليت المغرب كلمنى، وإنما وقع التحريج فى المخاطبة فى وقت الصوم، لأن غاية التحريج كانت إلى الإفطار، ثم إباحة أن يكلمه بعد وجوب الإفطار وبعد أن يصلى المغربن كما أبيح وطء الحائض بعد الطهر، وبعد التطهير تأكيدًا للتحليل، غير أن قوله: (يحب التوابين ويحب المتطهرين) [البقرة: ٢٢٢] دلالة أن الذى يأتى زوجته بعد أن تنتظف بالماء أحمد عند الله، كمن توضأ ثلاثًا ثلاثًا كان أحمد ممن توضأ مرة مرة. واحتج أهل المقالة الأولى، فقالوا: الدليل على أن المراد بالآية التطهر بالماء قوله تعالى: (فإذا تطهرن) [البقرة: ٢٢٢] فأضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدم، لأنه لا فعل لها فى قطعه، فعلم أنه أراد التطهير بالماء، ألا ترى أنه تعالى أثنى على من فعل ذلك بقوله:
стр. 381
) إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [البقرة: ٢٢٢] ، والثناء لا يقع إلا على فعل يقع من جهتهن، وتقدير الآية: لا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن وهذا كقولك: لا تعط زيدًا شيئًا حتى يدخل الدار، فإذا دخل الدار وقعد فأعطه، فيقتضى ألا يستحق العطاء إلا بشرطين وهما: الدخول والقعود، وقد يقع التحريم بشىء، ولا يزول بزواله بعلة أخرى، كقوله فى المبتوتة: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره) [البقرة: ٢٣٠] ، وليس بنكاح الزوج تحل له حتى يطلقها الزوج، وتعتد منه، وكقوله ﷺ : تمت لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض - ومعلوم أنها لا توطأ نفساء ولا حائض حتى تطهر، ولم تكن هاهنا تمت حتى - بمبيحة لما قام الدليل على خَطَرِه. وقول أبى حنيفة لا وجه له، وقد حكم أبو حنيفة وأصحابه للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحائض فى العدة، وقالوا: لزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل، فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل. قال إسماعيل بن إسحاق: ولا أعلم أحدًا ممن روى عنه العلم من التابعين ذكر فى ذلك وقت صلاة.
стр. 382
- باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ وَقَوْلُ الرَسُولُ: (هَذَا شَىْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ. وَحَدِيثُ النَّبِىُّ ﷺ أَكْثَرُ. / ١ - فيه: عَائِشَةَ خَرَجْنَا لا نَرَى إِلا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا أَبْكِى، قَالَ: تمت مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟ - قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: تمت إِنَّ هَذَا شَىْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِى مَا يَقْضِى الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ - الحديث. قال المؤلف: هذا الحديث يدل على أن الحيض مكتوب على بنات آدم فمن بعدهن من البنات كما قال ﷺ ، وهو من أصل خلقتهن الذى فيه صلاحهن، قال الله فى زكريا ﷺ : (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه) [الأنبياء: ٩٠] . قال أهل التأويل: يعنى رد الله إليها حيضها لتحمل، وهو من حكمة البارى الذى جعله سببًا للنسل، ألا ترى أن المرأة إذا ارتفع حيضها لم تحمل، هذه عادة لاتنخرم. قال غيره: وليس فيما أتى به من قصة زكريا حجة، لأن زكريا من أولاد بنى إسرائيل، والحجة القاطعة فى ذلك، قول الله فى قصة إبراهيم حين بُشِّر بالولد: (وامرأته قائمة فضحكت) [هود: ٧١] . قال قتادة: يعنى حاضت وهذا معروف فى اللغة، يقال: ضحكت المرأة إذا حاضت، وكذلك الأرنب. وإبراهيم
стр. 383
هو جد إسرائيل، لأن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ولم ينزل على بنى إسرائيل كتاب إلا على موسى، فدل ذلك على أن الحيض كان قبل بنى إسرائيل، وحديث النبى يشهد لصحة هذا التأويل، وسيأتى تفسير قوله: تمت أنفست؟ - فى باب من سمى النفاس حيضًا، بعد هذا إن شاء الله.
- باب غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ
/ ٢ - فيه: عَائِشَةَ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ. / ٣ - وفيه: عُرْوَةَ أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِى الْحَائِضُ، أَوْ تَدْنُو مِنِّى الْمَرْأَةُ وَهِيَ جُنُبٌ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كُلُّ ذَلِكَ عَلَىَّ هَيِّنٌ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِى ذَلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ، أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِىَ حَائِضٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِى الْمَسْجِدِ، يُدْنِى لَهَا رَأْسَهُ، وَهِىَ فِى حُجْرَتِهَا. لا اختلاف بين العلماء فى جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، إلا شىء روى عن ابن عباس فى ذلك. ذكر ابن أبى شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن منبوذ، عن أمه قالت: دخل ابن عباس على ميمونة، فقالت: أى بنى، مالى أراك شعثًا رأسك، قال: إن أم عمار مرجلتى حائض، فقالت: أى بنى، وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله يضع رأسه فى حجر إحدانا وهى حائض. واستدلال عروة فى ذلك حسن، كاستدلال ميمونة، وهو حجة فى
стр. 384
طهارة الحائض وجواز مباشرتها، وفيه دليل على أن المباشرة التى قال الله: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد) [البقرة: ١٨٧] لم يرد بها كل ما وقع عليه اسم لمس، وإنما أراد بها تعالى الجماع، وما دونه من دواعى اللذة، ألا ترى أنه معتكفًا فى المسجد، ويدنى لها رأسه ترجله. تمت والجوار - هو الاعتكاف. وفى الحديث حجة على الشافعى فى أن المباشرة الحقيقية مثل ما فى الحديث لا تنقض الوضوء. وفيه: ترجيل الشعر للرجال وما فى معناه من الزينة. وفيه: خدمة الحائض زوجها وتنظيفها له، وقد قال ﷺ حين طلب منها الخمرة: تمت ليس حيضتك فى يدك -. وفيه: أن الحائض لا تدخل المسجد تنزيهًا له وتعظيمًا.
٣ - باب قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِىَ حَائِضٌ
وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِى رَزِينٍ، لتَأْتِيهِ بِالْمُصْحَفِ، فَتُمْسِكُهُ بِعِلاقَتِهِ. / ٤ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولِ اللَّهِ يَتَّكِئُ فِى حَجْرِى وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
стр. 385
قال المؤلف: غرض البخارى فى هذا الباب أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف، وقراءتها للقرآن، لأ المؤمن الحافظ له أكبر أوعيته وها هو ذا ﷺ أفضل المؤمنين بنبوته وحرمة ما أودعه الله من طيب كلامه فى حجر حائض تاليًا للقرآن. وقد اختلف العلماء فى ذلك فمن رخص للحائض والجنب فى حمل المصحف بعلاقته، الحكم بن عيينة، وعطاء بن أبى رباح، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبى سليمان، وهو قول أهل الظاهر. واحتجوا بأن تأويل قوله: (لا يمسه إلا المطهرون) [الواقعة: ٧٩] أنهم السفرة الكرام البررة، ولو كان ذلك نهيًا لقال تعالى: لا يَمَسَّه. وقالوا أيضًا: لما جاز للحائض والجنب حمل الدنانير والدراهم وفيها ذكر الله فكذلك المصحف. واحتجوا بقوله ﷺ : تمت المؤمن لا ينجس -، وبكتابه ﷺ إلى هرقل آية من القرآن، ولو كان حرامًا ما كتب رسول الله بآى القرآن، وهو يعلم أنهم يمسونه بأيديهم وهم أنجاس، قالوا: وقد قامت الدلالة بأن ذكر الله مطلق للجنب والحائض، وقراءة القرآن فى معنى ذكر الله، ولا حجة تفرق بينهما. وذكر ابن أبى شيبة أن سعيد بن جبير دفع المصحف بعلاقته إلى غلام له مجوسى، وأجاز الشعبى، ومحمد بن سيرين مس المصحف على غير وضوء، وقال جمهور العلماء: لا يمس المصحف حائض
стр. 386
ولا جنب، ولا يحمله إلا طاهر غير محدث، روى ذلك عن ابن عمر، وهو قول مالك، والأوزاعى، والثورى، وأبى حنيفة، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور، واحتج أكثرهم بقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) [الواقعة: ٧٩] ، قالوا: فلا يحمله إلا طاهر، إلا أن مالكًا قال: لا بأس أن يحمله المسافر غير طاهر فى خرج أو عيبة، إذا لم يقصد لحمله ولا مسه، ولا بأس أن يحمله اليهودي والنصرانى فى القلم للضرورة، وأرجو أن يكون إمساك الصبيان للمصاحف للتعليم على غير وضوء خفيفًا، إن شاء الله. واحتج هؤلاء الذين لم يجيزوا حمل المصحف إلا للطاهر بكتابه ﷺ إلى عمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن: تمت لا يمس المصحف إلا طاهر - وأن عائشة كانت تقرأ القرآن وهى حائض ويُمسَكُ لها المصحف ولا تمسكه هى، ولو كان إمساكها له وهى حائض كإمساك غيرها لما أمسكه غيرها، ولعرفها أحد من الصحابة أن قراءتها فيه جائز، وسأذكر اختلافهم فى قراءة الحائض، وحجة كل فريق منهم فى باب تقضى الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، بعد هذا إن شاء الله.
٢ - باب مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا
/ ٥ - فيه: أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِىِّ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِى، قَالَ: تمت أَنُفِسْتِ؟ - قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِى فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِى الْخَمِيلَةِ.
стр. 387
قال المهلب: كان حق الترجمة أن يقول باب من سمى الحيض نفاسًا، فلما لم يجد البخارى للنبى نصا فى النفساء، وحكم دمها فى المدة المختلفة، وسمى الحيض نفاسًا فى هذا الحديث، فهم منه أن حكم دم النفاس حكم دم الحيض فى ترك الصلاة، لأنه إذا كان الحيض نفاسًا وجب أن يكون النفاس حيضًا، لاشتراكهما فى التسمية من جهة اللغة العربية أن الدم هو النفس، ولزم الحكم بما لم ينص عليه مما نص وحكم للنفساء بترك الصلاة ما دان دمها موجودًا. وقال أبو سليمان الخطابى: إنما هو تمت أَنَفِسْتِ - بفتح النون وكسر الفاء، ومعناه حضت، يقال: نَفِسَت المرأة إذا حاضت ونُفِست من النفاس مضمومة النون. قال المؤلف: رواية أهل الحديث نُفِسْتِ بضم النون فى الحيض صحيحة فى لغة العرب،. ذكر أبو على، عن أبى حاتم، عن الأصمعى، قال: نُفست المرأة تنفُس، فى الحيض والولادة، وهى نُفساء ونَفِساء. وفى كتاب الأفعال: نُفِسَت ونَفِسَت لغتان من النفاس.
٥ - باب مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ
/ ٦ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِىُّ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلانَا جُنُبٌ، وَكَانَ يَأْمُرُنِى فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِى، وَأَنَا حَائِضٌ. / ٧ - وقَالَتْ مرة: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِى ثوب حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ .
стр. 388
/ ٨ - وفيه: مَيْمُونَةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ، وَهِىَ حَائِضٌ. اختلف العلماء فى مباشرة الحائض، فقال مالك، والأوزاعى، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والشافعى: له منها ما فوق الإزار، ولا يقرب ما دون الإزار، وهو ما دون الركبة إلى الفرج، وهو قول سعيد بن المسيب، وسالم، والقاسم، وطاوس، وشريح، وقتادة، وسليمان ابن يسار. وحجة أهل هذه المقالة ظاهر حديث عائشة وميمونة، لأنه لو كان الممنوع منها موضع الدم فقط لم يقل لها ﷺ : تمت شدى عليك إزارك - لأنه لا يخاف منه ﷺ التعرض لمكان الدم الممنوع، لملكه لإربه، ولكنه امتنع مما قارب الموضع الممنوع، لأنه من دواعيه، وقد جاء فى الشريعة المنع من دواعى الشىء المحرم لغلظه، من ذلك: الخطبة فى العدة، ونكاح المحرم، وتطيبه، لأن ذلك يدعو إلى شهوة الجماع المفسد للحج، وحكم لما قرب من الفأرة من السمن بحكم الفأرة، وقال ﷺ : تمت من رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه - وقالت طائفة: يجوز له أن يستمع منها بما دون الفرج، روى هذا عن ابن عباس، ومسروق، والنخعى، والشعبى، والحكم، وعكرمة، وهو قول الثورى، ومحمد بن الحسن، وبعض أصحاب الشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأصبغ بن الفرج. واحتجوا بما رواه أيوب، عن أبى معشر، عن النخعى، عن مسروق، قال: سألت عائشة، رضى الله عنها، ما يحل لى من امرأتى وهى حائض؟ قالت: كل شىء إلا الفرج. فلما منع من الإيلاج فى الفرج لم يمنع مما قاربه.
стр. 389
واحتجوا أيضًا بما رواه الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن القاسم، عن عاشة، أن النبى قال لها: تمت ناولينى الخمرة - قلت: إنى حائض، قال: تمت إن حيضتك ليست فى يدك - فبان أن كل موضع لا يكون موضعًا للحيض لا يتعلق به حكم الحيض. وقال الطحاوى: لما كان الجماع فى الفرج يوجب الحد، والمهر والغسل، ورأينا الجماع فى غيره لا يوجب شيئًا من ذلك، دل أن الجماع فيما دون الفرج تحت الإزار أشبه بالجماع فوق الإزار منه بالجماع فى الفرج، وثبت أن ما دون الفرج مباح. وفى حديث عائشة وميمونة من الفقه بيان قول الله: (فاعتزلوا النساء فى المحيض) [البقرة: ٢٢٢] أن المراد به الجماع، لا المؤاكلة، ولا الاضطجاع فى ثوب واحد وشبهه، ورفع الله عنا الإصر الذى كان على بنى إسرائيل فى ذلك، وذلك أن المرأة منهن كانت إذا حاضت أخروها عن البيت، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، فسئل عن ذلك النبى، ﷺ ، فأنزل الله تعالى: (يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض) [البقرة: ٢٢٢] فقال النبى: تمت جالسوهن فى البيوت، واصنعوا كل شىء إلا النكاح -. رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس.
٦ - باب تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ
/ ٩ - فيه: أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى أَضْحَى، أَوْ فِطْرٍ، إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: تمت يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّى
стр. 390
أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ - قُلْنَ: وَلمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تمت تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ -، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تمت أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ - قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: تمت فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا - قَالَ: تمت أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ - قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: تمت فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا -. قال المؤلف: قوله ﷺ : تمت أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم - نص أن الحائض يسقط عنها فرض الصلاة، ولا يجوز لها الصوم فى أيام حيضها، والأمة على ذلك، وأجمعوا أن عليها قضاء ما تركت من الصيام، ولا قضاء عليها للصلاة، إلا طائفة من الخوارج يرون عليها قضاء الصلاة، وعلماء الأمة من السلف والخلف على خلافهم. وفيه: خروج النساء إلى العيدين. وفيه: الشفاعة للمساكين وغيرهم أن يسأل لهم. وفيه: حجة على من كره السؤال لغيره. قال المهلب: وفيه أن على الخطيب فى العيدين أن يفرد النساء باللقاء لهن والموعظة، ويخبرهن بما يخصهن من تقوى الله، والنهى عن كفران العشير، وما يلزمهن من ذلك، إذا لم يمكنه إسماعهن، فحينئذ يمر بهن ويعظهن بالكلمة والكلمتين فى موضعهن، كما فعل النبى. وفيه: دليل أن الصدقة تكفر الذنوب التى بين المخلوقين.
следующие страницы →