Полный текст (5 502 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
النبى ﷺ إن كان لها أجر فى الإنفاق عليهم مما يعطيها النبى ﷺ ، فأخبرها أن لها أجرًا فى ذلك، فدل هذا الحديث أن نفقة بنيها لا تجب عليها، ولو وجبت عليها لم تقل للنبى ﷺ : (ولست بتاركتهم) ، وبين لها النبى ﷺ أن نفقتهم واجبة عليها سواء تركتهم أو لم تتركهم. وأما حديث هند، فإن النبى، ﵇، أطلقها على أخذ نفقة بنيها من مال الأب، ولم يوجبها عليها كما أوجبها على الأب، فاستدل البخارى أنه لما لم يلزم الأمهات نفقة الأبناء فى حياة الآباء، فكذلك لا يلزمها بموت الآباء، وحجة أخرى وذلك أن قوله: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن) [البقرة: ٢٣٣] ، يعنى رزق الأمهات وكسوتهن من أجل الرضاع للأبناء، فكيف يعطيهن فى أول الآية وتجب عليهن نفقة الأبناء فى آخرها. وأما من قال: (وعلى الوارث مثل ذلك (، هو الولد، فيقال له: لو أريد بذلك الولد لقال تعالى: وعلى المولود مثل ذلك، فلما قال: (وعلى الوارث مثل ذلك (، وكان الوارث اسمًا عامًا يقع على جماعة غير الولد، لم يجز أن يخص به الولد ويقتصر عليه دون غيره إلا بدلالة بينة وحجة واضحة. قال إسماعيل بن إسحاق: وأما قول أبى حنيفة فى إيجابه رضاع الصبى ونفقته على كل ذى رحم محرم، مثل أن يكون رجل له ابن أخت صغير محتاج وابن عم صغير محتاج وهو وارثه، فإن النفقة تجب على الخال لابن أخته الذى لا يرثه، وتسقط عن ابن العم لابن عمه الذى يرثه، فقالوا قولاً ليس فى كتاب الله، ولا نعلم أحدًا قاله، وإنما أوجب بعضهم الرضاعة على الوارث لما تأول من القرآن،
стр. 3782
وأسقط بعضهم ذلك عنه لما تأول أيضًا، وهم الذين قالوا: على الوارث ألا يضار، ولا غرم عليه، فأما النفقة على كل ذى رحم محرم، فليس فى قولهم تأويل للقرآن، ولا اتباع للحديث، ولا قياس على أصل يرجع إليه، ومذهب مالك فى هذا الباب أنه لا تجب نفقة الصغير إلا على الأب خاصة، وهو المذكور فى القرآن فى قوله: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) [البقرة: ٢٣٣] ، وفى قوله: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) [الطلاق: ٦] . فلما وجب على الأب الإنفاق على من ترضع ولده وجب عليه النفقة على ولده إذا خرج من الرضاع ما دام صغيرًا، ووجب أن يغذى بالطعام كما كان يغذى بالرضاع، ولم تجب النفقة على الوارث لما فى تأويل الآية من الاختلاف، وليس مجراهم فى النظر مجرى الأب؛ لأن الأب وجب عليه رضاع ولده حين ولد، ولم يجب على غيره من ورثته، فلا يرجع ذلك عليهم بعد أن لم يكن واجبًا فى الأصل إلا بحجة، وكان يجب على قولهم: إذا مات الرجل عن امرأته وهى حامل ولم يخلف مالاً أن يلزموا العصبة النفقة على المرأة من أجل ما فى بطنها، وكان يجب على مذهب أبى حنيفة أن يلزموا كل ذى رحم محرم النفقة على هذه الأم من أجل ما فى بطنها، كما يلزموا أجر رضاعه إذا أرضعته أمه؛ لأنهم إنما يلزمون الرحم النفقة على الأم التى ترضع المولود من أجل المولود.
стр. 3783
- بَاب قَوْلِ النَّبِىِّ ﵇: (مَنْ تَرَكَ كَلا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَىَّ
/ ١٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، كَانَ النَّبِىّ ﷺ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلا؟ فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عليه، وَإِلا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) ، الحديث، إلى قوله: (فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَىَّ قَضَاؤُهُ) . وقد تقدم فى باب الكفالة والحوالة.
- بَاب الْمَرَاضِعِ مِنَ الْمَوَالِيَاتِ وَغَيْرِهِنَّ
/ ٢٠ - فيه: أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِى بِنْتَ أَبِى سُفْيَانَ، قَالَ: (وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِى فِى الْخَيْرِ أُخْتِى، فَقَالَ: (إِنَّ ذَلِكِ لا يَحِلُّ لِى) ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ، فَقَالَ: (بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ) ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِى فِى حَجْرِى مَا حَلَّتْ لِى، إِنَّهَا بِنْتُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِى وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أَخَوَاتِكُنَّ) . وَقَالَ عُرْوَةُ: ثُوَيْبَةُ أَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ. قال المهلب: الترجمة صحيحة، وكانت العرب فى أول أمرها تكره رضاع الإماء، وتقتصر على العربيات من الظئورة، طلبًا لنجابة
стр. 3784
الولد، فأراهم النبى ﷺ أنه قد رضع فى غير العرب، وأن رضاعة الإماء لا يهجن. وفيه: أن الأخوة بالرضاع حرمتها كحرمة الأخوة من النسب. وقول النبى ﷺ : (بنت أم سلمة) ، إنما هو على وجه التقرير على تصحيح المسألة؛ لأنه قد كان يجوز للنبى ﷺ أن ينكح بنات أبى سلمة من غير أم سلمة زوج النبى ﷺ ؛ لأن الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها حلال عند جماعة الفقهاء؛ لأنه ليس بينهما نسب، وقد تقدمت هذه المسألة فى كتاب النكاح فى باب ما يحل من النساء ويحرم. وقوله فى الترجمة: (المواليات) ، كان الأقرب أن يقول: الموليات جمع مولاة، و (المواليات) جمع موالى، جمع التكسير، ثم جمع موالى جمع السلامة بالألف والتاء، فصار مواليات جمع الجمع، والحمد لله وحده.
مسألة الكفلاء الستة
وذلك أن رجلاً باع لست رجال سلعة بستمائة درهم: زيد، وعمرو، وعبد الله، وسليمان، وعبد الصمد، وعبد الواحد، فلقى رب المال زيدًا، فأخذه بالستمائة، ثم إن زيدًا لقى عمرًا، فقال له زيد: أعطنى ما أعطيت عنك، وذلك مائة درهم ومائتين من قبل الكفالة التى تكفلنا بها،
стр. 3785
فيصبح على عمرو ثلاثمائة وعلى زيد ثلاثمائة. ثم إن عبد الله لقيه عمرو، فقال له: أعطنى خمسين أديتها عنك، وأنا وأنت كفيلان بمائة وخمسين، فيكون عليك النصف منها وعلىّ أنا النصف، وذلك خمسة وسبعون، فقد أديت بالكفالة خمسة وسبعين، وكذلك أنت أيضًا، فجملة ما أدى عبد الله خمسة وعشرون ومائة. ثم إن عبد الله لقيه زيد، فقال له زيد: أعطنى ما أديت عنك، وذلك خمسة وخمسون ومائة بينى وبينك من الكفالة، فقال له عبد الله: فقد أديت أنا أيضًا لعمرو خمسة وسبعين من الكفالة، فنقسم أنا وأنت المائة وخمسين والخمسة وسبعين، وذلك مائتان وخمسة وعشرون، اثنا عشر ونصف ومائة عليك، وكذلك علىّ أيضًا. ثم إن سليمان لقيه زيد، فقال: أديت اثنا عشر ونصف ومائة من قبل الكفالة، وعليك منها الثلث، وذلك سبع وثلاثون ونصف، وتبقى خمسة وسبعون بينى وبينك من الكفالة، فيجب عليك منها سبعة وثلاثون ونصف. ثم إن سليمان لقيه عمرو، فقال له: أعطنى ما أعطيت عنك؛ لأنى أعطيت من قبل الكفالة خمسة وسبعين، عليك منها الثلث، وذلك خمسة وعشرون، ثم أقسم أنا وأنت خمسين التى بقيت، فقال له سليمان: قد أديت لزيد أنا سبعة وثلاثين ونصف من طريق الكفالة، فاجمع خمسين وسبعة وثلاثين ونصفًا، فذلك سبعة وثمانون ونصف، النصف منها ثلاثة وأربعون وثلاثة أرباع على كل واحد منا. ثم إن سليمان لقيه عبد الله، فقال له: يا عبد الله، أعطنى ما أديت عنك وذلك ثلث اثنى عشر ونصف ومائة، وهو سبعة وثلاثون ونصف، وتبقى خمسة وسبعون أديتها بالكفالة أغرمها أنا وأنت، قال له سليمان: قد أديت أنا أيضًا ثلاثة وأربعين وثلاثة أرباع، فتجمع خمسة وسبعين مع ثلاث وأربعين
стр. 3786
وثلاثة أرباع، فجملة ذلك مائة وثمانية عشر وثلاثة أرباع، عليك منها النصف، وذلك تسعة وخمسون وثلاثة أثمان، وكذلك علىّ أنا أيضًا. ثم إن عبد الله لقيه زيد، فقال له زيد: قد بقى لى مما أديت من الكفالة سبعة وثلاثون ونصف، فعليك النصف منها، وذلك ثمانية عشر وثلاثة أرباع، ثم أقسم معك ما بقى، وذلك ثمانية عشر وثلاثة أرباع، فيجب عليك تسعة وثلاثة أثمان من طريق الكفالة، وكذلك علىّ أنا أيضًا. ثم إن عبد الصمد لقيه عمرو، فقال: أعطنى ما أعطيت عنك، وذلك نصف ثلاثة وأربعين وثلاثة أرباع، وأخذ منها نصفًا وهى أحد وعشرون وسبعة أثمان، ثم إن عمرًا يقول له: أقسم معك أحد وعشرين وسبعة أثمان، فيقول عبد الصمد: قد أديت أنا أيضًا من طريق الكفالة تسعة وثلاثة أثمان، فيجتمع أحد وعشرون وسبعة أثمان من تسعة وثلاثة أثمان، فذلك ثلاثون وعشرة أثمان على كل واحد منهما خمسة عشر وخمسة أثمان. ثم إن عبد الصمد لقيه عبد الله، فقال له عبد الله: أعطنى ما أعطيت عنك، وذلك نصف تسعة وخمسين وثلاثة أثمان، فقال له عبد السمد: نعم، هى لك علىّ، وذلك تسعة وعشرون وخمسة أثمان ونصف ثمن، ثم إننى أقسم معك ما بقى، وهى تسعة وعشرون وخمسة أثمان ونصف ثمن، فقال له عبد الصمد: قد أديت أنا أيضًا خمسة عشر وخمسة أثمان، فاجمع ذلك وهو خمسة وأربعون وثمنان ونصف الثمن، فيجب عليك منها اثنا وعشرون وخمسة أثمان وربع الثمن، وكذلك أنا أيضًا. ثم إن عبد الصمد لقيه سليمان، فقال له سليمان: أعطنى ما
стр. 3787
أعطيت عنك، وذلك نصف تسعة وخمسين وثلاثة أثمان من طريق الكفالة، فأخذ منها نصفًا، وذلك تسعة وعشرون وخمسة أثمان ونصف، ثم قال له سليمان: نقسم معك ما بقى، فقال له عبد الصمد: قد أديت أنا أيضًا اثنين وعشرين وخمسة أثمان وربع الثمن من قبل الكفالة، فجمعنا ذلك فهو اثنان وخمسون وثلاثة أرباع الثمن، وكذلك أيضًا أديت أنا. هذه المسألة ليست من الشرح فتأمل. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3788
الجزء الثامن
стр. 3789
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٢ - كِتَاب الشَّهَادَاتِ
- بَاب مَا جَاءَ فِى الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ (إلى) عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٨٢] ، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ (إلى قوله: (بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء: ١٣٥]
قال إسماعيل بن إسحاق: ظاهر قوله تعالى: (وليملل الذى عليه الحق) [البقرة: ٢٨٢] يدل أن القول قول من عليه الشىء. قال غيره: لأن الله حين أمره بالإملاء اقتضى تصديقه فيما يمليه، فإذا كان مصدقًا فالبينة على من يدعى تكذيبه. وأما الآية الأخرى فوجه الدلالة منها أن الله قد أخذ عليه أن يقر بالحق على نفسه وأقربائه لمن ادعاه عليهم، فدل الكتاب أن القول قول المدعى عليه، وإن أكذبه المدعى كان على المدعى عليه إقامة البينة، والأمة مجمعة أن البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه فى الأموال، إلا ما خصت به القسامة. وقد ذكر البخارى بعد هذا من حديث ابن مسعود وابن عباس، عن النبى ﷺ : (أن البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه) .
стр. 3790
واختلفوا فى صفة يمين المدعى عليه فى الحدود والنكاح والطلاق والعتق على ما يأتى بعد هذا فى بابه، إن شاء الله.
- باب إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ رجلا فَقَالَ: لا نَعْلَمُ إِلا خَيْرًا، أَوْ مَا عَلِمْتُ إِلا خَيْرًا
/ ١ - فساق حديث الإفْكِ، حيث قَالَ النَّبِىَّ ﷺ لأُسَامَةُ، فَقَالَ: (أَهْلُكَ وَلا نَعْلَمُ إِلا خَيْرًا) . وقَالَ النَّبِىَّ ﷺ : (مَنْ يَعْذِرُنَى فِى رَجُلٍ بَلَغَنِى أَذَاهُ فِى أَهْلِى، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلا خَيْرًا) . اختلف العلماء فى قول المسئول عن التزكية: ما أعلم إلا خيرًا، فذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان إذا أنعم مدح الرجل قال: ما علمت إلا خيرًا. وذكر الطحاوى عن أبى يوسف أنه إذا قال ذاك قبلت شهادته، ولم يذكر خلافًا عن الكوفيين، واحتجوا بالحديث الأول، قال محمد بن سعيد الترمذى: سألنى عبد الرحمن بن إسحاق القاضى عن رجل شهد عنده فزكيته له، فقال لى: هل تعلم منه إلا خيرًا؟ فقلت: اللهم غفرًا، قد أعلم منه غير الخير ولا تسقط بذلك عدالته، يلقى كناسته فى الطريق، وليس ذلك من الخير. فسكت. وروى ابن القاسم، عن مالك، أنه أنكر أن يكون قوله: لا أعلم إلا خيرًا، تزكية، وقال: لا تكون تزكية حتى يقول: رضًا وأراه عدلاً رضًا. وذكر المزنى، عن الشافعى قال: لا يقبل فى التعديل، إلا أن
стр. 3791
يقول عدل علىّ ولىّ، ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته؛ فإن كانت باطنة متقدمة وإلا لم يقبل ذلك. قال الأبهرى: والحجة لمالك أنه قد لا يعلم منه إلا الخير، ويعلم غيره منه غير الخير مما يجب به رد شهادته، فيجب أن يقول: أعلمه عدلا رضًا؛ لأن هذا الوصف الذى أمر الله تعالى بقبول شهادة الشاهد معه بقوله: (وأشهدوا ذوى عدل منكم) [الطلاق: ٢] ) ممن ترضون من الشهداء) [البقرة: ٢٨٣] فيجب أن يجمع الشاهد العدالة والرضا. قال المهلب: وأما قول أسامة: (لا أعلم إلا خيرًا) فى التزكية، فإن هذا كان فى عصر الرسول الذين شهد الله لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس، فكانت الجرحة فيهم شاذة نادرة؛ لأنهم كانوا كلهم على العدالة، فتعديلهم أن يقال: لا أعلم إلا خيرًا، فأما اليوم فالجرحة أعم فى الناس، وليست لهم شهادة من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ بعدالة مستولية على جميعهم، فافترق حكمهم. وفى قول بريرة: (ما أعلم عليها شيئًا أغمصه) دليل على أن من اتهم فى دينه بأمر أنه يطلب فى سائر أحواله نظير ما اتهم به، فإن لم يوجد له نظير لم يصدق عليه ما اتهم فيه، وإن وجد لذلك نظير قويت الشبهة، وحكم عليه بالتهمة فى أغلب الحال لا فى الغيب، والله أعلم.
стр. 3792
٣ - باب شَهَادَةِ الْمُخْتَبِى
وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْخائن الْفَاجِرِ. وَقَالَ الشَّعْبِىُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: السَّمْعُ شَهَادَةٌ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَمْ يُشْهِدُونِى عَلَى شَىْءٍ، وَلَكَنِ سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا. / ٢ - فيه: ابْنَ عُمَرَ: (انْطَلَقَ النَّبِىَّ ﷺ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ الأنْصَارِىُّ، يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِى فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِى قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ، أَوْ زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لابْنِ صَيَّادٍ أَىْ صَافِ، هَذَا مُحَمَّدٌ، فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ، قَالَ النَّبىُّ ﷺ : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ) . / ٣ - وفيه: عَائِشَةَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفاعَةَ الْقُرَظِىِّ إلى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ: (كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِى، فَأَبَتَّ طَلاقِى، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِى إِلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ . اختلف العلماء فى شهادة المختبئ، فروى عن شريح والشعبى والنخعى أنهم كانوا لا يجيزونها، وقالوا: إنه ليس بعدل حين اختبأ ممن يشهد عليه. وهو قول أبى حنيفة والشافعى. وذكر الطحاوى فى المختصر قال: جائز للرجل أن يشهد بما سمع، إذا كان معاينًا لمن سمعت منه؛ وإن لم يشهده على ذلك.
стр. 3793
قال الشافعى فى الكتاب الكبير للمزنى: العلم من ثلاثة وجوه: ما عاينه فشهد به، وما تظاهرت به الأخبار وثبت موقعه فى القلوب، وشهادة ما أثبته سمعًا إثبات بصر من المشهود عليه، ولذلك قلنا: لا تجوز شهادة الأعمى. وأجاز شهادة المختبئ ابن أبى ليلى، ومالك، وأحمد، وإسحاق، إلا أن مالكًا لا يجيزها له على صحة إلا أن يكون المقر مختدعًا ومقدرًا على حق لا يقوله بالبراءة، والمخرج منه ومثله من وجوه الحيل. وروى ابن وهب، عن مالك فى رجل أدخل رجلين بيتًا، وأمرهما أن يحفظا ما سمعا، وقعد برجل من وراء البيت حتى أقر له بما له عليه فشهدا عليه بذلك، فقال: أما الرجل الضعيف أو الخائف أو المخدوع الذى يخاف أن يستميل أو يستضعف إذا شهد عليه؛ فلا أرى ذلك يثبت عليه، وليحلف أنه ما أقر له بذلك إلا لما يذكر، وأما الرجل الذى ليس على ما وصفت وعسى أن يقول فى خلوته: أنا أقر لك خاليًا، ولا أقر لك عند البينة، فإنه يثبت ذلك عليه، وهذا معنى قول ابن حريث، وكذلك يفعل بالفاجر الخائن. واحتج مالك فى العتبية بشهادة المختبئ قال: إذا شهد الرجل على المرأة من وراء الستر وعرفها وعرف صورتها وأثبتها قبل ذلك، فشهادته جائزة عليها. قال: وقد كان الناس يدخلون على أزواج النبى ﷺ وبينهم وبينهن حجاب، فيسمعون منهن، ويحدثون عنهن. وقد سأل أبو بكر بن عبد الرحمن وأبوه عائشة وأم سلمة من وراء حجاب وأخبرا عنهما.
стр. 3794
قال المهلب: فى حديث ابن عمر من الفقه جواز الاحتيال على المستترين بالفسق، وجحود الحقوق، بأن يختفى عليهم حتى يسمع منهم ما يستترون به من الحق ويحكم به عليهم، ولكن بعد أن يفهم عنهم فهمًا حسنًا؛ لقوله ﷺ : (لو تركته بين) . وهذا حجة لمالك، وكذلك فى حديث رفاعة جواز الشهادة على غير الحاضر من وراء الباب والستر؛ لأن خالد بن سعيد سمع قول امرأة رفاعة عند النبى ﷺ وهو من وراء الباب، ثم أنكره عليها بحضرة النبى ﷺ وأبى بكر حين دخل إليهما، ولم ينكر ذلك عليه. قال الأبهرى: ومن الحجة لمالك أيضًا فى جواز شهادة المختبئ أن المعرفة بصوت زيد تقع كما تقع بشخصه، وذلك إذا كان قد عرف صوته وتكرر، فجاز له أن يشهد، كما يجوز للأعمى أن يشهد على الصوت الذى يسمعه إذا عرفه. قال المهلب: وفيه إنكار الهجر من القول، إلا أن يكون فى حق لابد له من البيان عند الحاكم فى الحكم بين الزوجين، فحينئذ يجوز أن يتكلم به. قال غيره: وقول الشعبى وغيره: السمع شهادة. قد فسره ابن أبى ليلى قال: السمع سمعان إذا قال: سمعت فلانًا يقر على نفسه بكذا أجزته، وإذا قال: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا. لم أجزه. وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحاق والجمهور، وليس معنى قولهم: إن السمع شهادة أن شهادة المختبئ جائزة؛ لأن القائلين ذلك لا يجيزونها. قال ابن المنذر: قال النخعى والشعبى: السمع شهادة وأبيا أن يجيزا شهادة المختبئ.
стр. 3795
وقد تقدم شرح ما فى حديث ابن صياد من اللغة فى كتاب الجنائز فى باب إذا أسلم الصبى. وقوله: فيها رمرمة. قال ثابت: ترمرم الرجل: إذا حرك فاه للكلام، ولم يتكلم. قال بعض الشعراء يصف ملكًا: إذا ترمرم أغضى كل جبار قال الخطابى: قد يكون ترمرم: تحركت مرمته بالصوت. قال الشاعر: ومستعجب مما يرى من أناتنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم أى لم ينطق. وقال صاحب الأفعال: الرمرمة: كلام لا يفهم. قال أبو حنيفة: الرمرمة من الرعد ما لم يعل أو يفصح، وقد زمزم السحاب، وهو سحاب زمزام: إذا كثرت زمزمته.
٤ - باب إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَىْءٍ
فَقَالَ آخَرُونَ: مَا عَلِمْنَا ذَلِكَ يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ. قَالَ الْحُمَيْدِىُّ: هَذَا كَمَا أَخْبَرَ بِلالٌ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى فِى الْكَعْبَةِ، وَقَالَ الْفَضْلُ: لَمْ يُصَلِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلالٍ كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلانٍ عَلَى فُلانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ يُقْضَى بِالزِّيَادَةِ.
стр. 3796
/ ٤ - فيه: عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأبِى إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِى تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِى، وَلا أَخْبَرْتِنِى، فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِى إِهَابٍ فَسْأَلُهُمْ، فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَاهُ أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا، فَرَكِبَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ) . إذا شهد شهود بشىء، وقال آخرون: ما علمنا بذلك. فليس هذا شهادة؛ لأن من لم يعلم الشىء فليس بحجة على من علمه، ولهذا المعنى اتفقوا أنه إذا شهد شاهدان بألف وشاهدان بألف وخمسمائة أنه يقضى بالزيادة. ولا خلاف بين الفقهاء أن البينتين إذا شهدت إحداهما بإثبات شىء، وشهدت الأخرى بنفيه، وتكافئا فى العدالة أنه يؤخذ بقول من أثبت دون من نفى؛ لأن المثبت علم ما جهل النافى، والقول قول من علم. وليس حديث عقبة بمخالف لهذا الأصل؛ لأن النبى ﷺ لم يحكم بشهادة المرأة ولا غلب قولها على قول عقبة، وقول من نفى الرضاع من ظهور الإيجاب، وإنما أشار ﷺ إلى أن قول المرأة شبهة يصلح التورع والتنزه للزوج عن زوجته لأجلها، والدليل على أن ذلك من باب الورع والتنزه اتفاق أئمة الفتوى على أنه لا تجوز شهادة امرأة واحدة فى الرضاع إذا شهدت بذلك بعد النكاح، ومن هذا الباب إذا شهد قوم بعدالة الشاهد، وشهد آخرون بتجريحه فالقول قول من شهد بالجرحة إذا تكافأت البينتان؛ لأن العدالة علم ظاهر والجرحة علم باطن، فهو زيادة على ما علم الشاهد بالعدالة.
стр. 3797
وهذا قول مالك فى المدونة، وهو قول الكوفيين والشافعى وجمهور العلماء، ولمالك فى العتبية خلاف هذا القول، وسأذكر ذلك فى باب تعديل كم يجوز.
٥ - باب الشَّهَادَةِ عَلَى الأنْسَاب وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (أَرْضَعَتْنِى وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ) ، وَالتَّثَبُّتِ فِيهِ. / ٥ - فيه: عَائِشَةَ: (اسْتَأْذَنَ عَلَىَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّى، وَأَنَا عَمُّكِ؟ فَقُلْتُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِى، بِلَبَنِ أَخِى، فَقَالَتْ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِى لَهُ) . / ٦ - وقالت مرة: إن رَجُلٍ اسْتَأْذِنُ فِى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقَالَ النَّبىُّ ﷺ : (أُرَاهُ فُلانًا) ، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلانٌ حَيًّا، لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، دَخَلَ عَلَىَّ، فَقَالَ النبى ﷺ : (نَعَمْ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ) . / ٧ - وفيه: ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ الرسول فِى بِنْتِ حَمْزَةَ: (لا تَحِلُّ لِى، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِىَ بِنْتُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ) . / ٨ - وفيه: عَائِشَةَ: (دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ ، وَعِنْدِى رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَ: انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ) . معنى هذا الباب أن ما صح من الأنساب والموت والرضاع بالاستفاضة وثبت علمه فى النفوس، وارتفعت فيه الريب والشك؛ أنه
стр. 3798
لا يحتاج فيه المعرفة بعدد الذين به ثبت علم ذلك، ولا يحتاج إلى معرفة الشهود، ألا ترى أن الرضاع الذى فى هذه الأحاديث كلها كان فى الجاهلية، وكان مستفيضًا معلومًا عند القوم الذين وقع الرضاع فيهم، وثبتت به الحرمة والنسب فى الإسلام. ويجوز عند مالك والكوفيين والشافعى الشهادة بالسماع المستفيض فى النسب والموت القديم والنكاح. وقال الطحاوى: اتفقوا أن شهادة السماع تجوز فى النكاح، ولا تجوز فى الطلاق، وتجوز عند مالك والشافعى الشهادة على ملك الدار بالسماع، زاد الشافعى: وعلى ملك الثوب أيضًا، ولا يجوز ذلك عند الكوفيين. قال مالك: لا تجوز الشهادة على ملك الدار بالسماع على خمس سنين ونحوها إلا فيما يكثر من السنين وهو بمنزلة سماع الولاء. قال ابن القاسم: وشهادة السماع إنما هى عليه فيما أتت عليه أربعون أو خمسون سنة. قال مالك: وليس يشهد على أجناس الصحابة إلا على السماع. وقال عبد الملك: أقل ما يجوز فى الشهادة على السماع أربعة شهداء من أهل العدل أنهم لم يزالوا يسمعون أن هذه الدار صدقة على بنى فلان محتبسة عليهم مما يصدق به فلان، ولم يزالوا يسمعون أن فلانًا مولى فلان، قد تواطأ ذلك عندهم وفشا من كثرة ما سمعوه من العدول وغيرهم ومن المرأة والخادم والعبد. واختلف فيما يجوز من شهادة النساء فى هذا الباب، فقال مالك: لا يجوز فى الأنساب والولاء شهادة النساء مع الرجال، وهو قول الشافعى، وإنما تجوز مع الرجال فى الأموال خاصة أو منفردات فى
стр. 3799
الاستهلال، وما لا يطلع عليه الرجال من أمور النساء، وأجاز الكوفيون شهادة رجل وامرأتين فى الأنساب. وأما الرضاع فيجوز فيه عند مالك شهادة امرأتين دون رجل، وسيأتى مذاهب العلماء فى هذا فى كتاب الرضاع إن شاء الله.
٦ - باب شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِى وَقَوْلِه: (وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا) [النور: ٤، ٥]
وَجَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعًا بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ. وَقَالَ: مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ، وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَعِيدُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِىُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِىُّ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، وَشُرَيْحٌ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: الأمْرُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ إِذَا رَجَعَ الْقَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ الشُعَّبِّى وَقَتَادَة: إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِّدَ وَقُبْلَت شَهَادَتُه. وَقَالَ الثَّوْرِىُّ: إِذَا جُلِدَ الْعَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِىَ الْمَحْدُودُ، فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ، وَإِنْ تَابَ، ثُمَّ قَالَ: لا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ جَازَ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ، وَأَجَازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ وَالْعَبْدِ وَالأمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضَانَ، وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ؟ وَقَدْ نَفَى النَّبِىُّ ﷺ الزَّانِىَ سَنَةً وَنَهَى عَنْ كَلامِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً.
стр. 3800
/ ٩ - فيه: عَائِشَةُ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِى غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَأُتِىَ بِهَا النبى ﷺ ، فَأَمَرَ بِهَا، فَقُطِعَتْ يَدُهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِى بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . / ١٠ - وفيه: زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، أَنَّ النبى ﷺ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ، بِجَلْدِ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبِ عَامٍ. اختلف العلماء فى شهادة القاذف: هل ترد شهادته قبل الحد أم لا؟ فروى ابن وهب عن مالك أنه لا ترد شهادته حتى يحد. وهو قول الكوفيين. وقال الليث والأوزاعى والشافعى: ترد شهادته وإن لم يحد. وهو قول ابن الماجشون. وحجة من أجازها قبل الحد بأن الحد لا يكون إلا بأن يطلبه المقذوف ويعجز القاذف عن البينة، فإذا لم يطلب القاذف لم يؤمن عليه أن يعترف بالزنا أو تقوم عليه بينة فلا يفسق ولا يحد؛ لأنه على أصل العدالة حتى يتبين كذبه. وحجة الشافعى أنه بالقذف يفسق؛ لأنه من الكبائر، ولا تقبل شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنا أو قيام البينة عليه، وهو عنده على الفسق حتى تتبين براءته ويعود إلى العدالة، وهو قبل الحد شر حالا منه حين يحد؛ لأن الحدود كفارات للذنوب، وهو بعد الحد خير منه قبله، فكيف أرد شهادته فى خير حالتيه وأجيزها فى شرها. واختلفوا إذا حد وتاب فقال جمهور السلف: إذا تاب وحسنت حالته قبلت شهادته، وممن روى عنه سوى من ذكره البخارى فى قول
стр. 3801
ابن المنذر عطاء، واختلف فيه عن سعيد ابن المسيب، وهو قول مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبى ثور وأبى عبيد. وممن قال: إن شهادة القاذف لا تجوز أبدًا وإن تاب: شريح، والحسن، والنخعى، وسعيد ابن جبير، وهو قول الثورى، والكوفيين، وقالوا: توبته فيما بينه وبين الله قال: وأما المحدود فى الزنا والسرقة والخمر إذا تابوا قبلت شهادتهم. واحتج الكوفيون فى رد شهادة القاذف بعموم قوله: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا) [النور: ٤] ، وقالوا: إن الاستثناء فى قوله: (إلا الذين تابوا) [النور: ٥] راجع إلى الفسق خاصة لا إلى قبول الشهادة. وقال آخرون: الاستثناء راجع إلى الفسق والشهادة جميعًا إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له، وإذا قبل الكوفيون شهادة الزانى والقاتل والمحدود فى الخمر إذا تابوا، أو المشرك إذا أسلم وقاطع الطريق، ثم لا تقبل شهادة من شهد بالزنا فلم تتم الشهادة فجعل قاذفًا، وأجمعت الأمة أن التوبة تمحو الكفر، فوجب أن يكون ما دون الكفر أولى، وقد قال الشعبى: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته. واحتجوا بأن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، جلد الذين قذفوا المغيرة واستتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته. وكان هذا بحضرة جماعة الصحابة من غير نكير، ولو كان تأويل الآية ما تأوّله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة، ولقالوا لعمر: لا يجوز قبول توبة القاذف أبدًا. ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب، فسقط قولهم.
стр. 3802
واختلف قول مالك وأصحابه هل تقبل شهادته فى كل شىء؟ فروى عنه ابن نافع أن المحدود إذا حسنت حاله قبلت شهادته فى كل شىء وهى رواية ابن عبد الحكم عنه، وهو قول ابن كنانة، ورواه أبو زيد عن أصبغ. وذكر الوقار عن مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حد فيه خاصة وتقبل فيما سوى ذلك إذا تاب. وهو قول مطرف وابن الماجشون. وروى العتبى عن أصبغ وسحنون مثله، والقول الأول أولى لعموم الاستثناء، ورجوعه إلى أول الكلام وآخره، ومن ادعى تخصيصه فعليه الدليل. واختلف مالك والشافعى فى توبة القاذف ما هى؟ فقال الشافعى: توبته أن يكذب نفسه. روى ذلك عن عمر بن الخطاب، واختاره إسماعيل بن إسحاق. وقال مالك: توبته أن يزداد خيرًا. ولم يشترط إكذاب نفسه فى توبته؛ لجواز أن يكون صادقًا فى قذفه. قال المهلب: وكان المسلمون احتجوا فى هذا على أبى بكرة، ألا ترى أنهم يروون عنه الأحاديث، ويحملون عنه السنة وهو لم يكذب نفسه، وقد قال له عمر: ارجع عن قذفك المغيرة ونقبل شهادتك. وإنما قال له عمر ذلك، والله أعلم، استظهارًا له كمال التوبة بالرجوع عما قال فى القذف، وإن كان يستجزئ بصلاح حاله عن تكذيب نفسه فى قبول شهادته. وأما قوله: وكيف تعرف توبته، وقد نفى النبى ﷺ الزانى سنة، ونهى عن كلام كعب ابن مالك وصاحبيه حتى مضى خمسون ليلة؟ فتقدير الكلام. باب شهادة القاذف والسارق والزانى وباب كيف تعرف توبته، وكثيرًا ما يفعله البخارى يردف ترجمة على ترجمة وإن بعد ما بينهما،
стр. 3803
وأراد بقوله: وكيف تعرف توبته. . . إلى آخر الكلام الاحتجاج لقول مالك أنه ليس من شرط توبة القاذف تكذيب النفس وتخطئتها، والرد على الشافعى؛ فإنه زعم أن ذلك من شرط التوبة، ووجه الحجة لذلك أن النبى ﷺ بعث معلمًا للناس، وأمرهم بالتوبة من ذنوبهم، ولم يأمرهم بأن يستهلوا بأنهم على معاصى الله، بل قد أمر النبى ﷺ من أتى معصية ألا يتحدث بها ولا يفشيها. واستدل البخارى أن القاذف يكون تائبًا بصلاح الحال، دون إكذابه لنفسه واعترافه أنه عصى الله أو خالف أمره بلسانه؛ حين لم يشترط ذلك على الزانى فى مدة تغريبه، ولا كعب بن مالك وصاحبيه فى الخمسين ليلة، فإن زعم الشافعى أن توبة القاذف كانت مخصوصة بذلك؛ كلف الدليل عليه من كتاب أو سنة، أو إجماع أو قياس صحيح. وإنما أدخل البخارى حديث عائشة فى هذا الباب لقولها فى التى سرقت: (فحسنت توبتها) لأن فيه دليلاً أن السارق إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته، وكذلك حديث زيد بن خالد أن النبى ﷺ جعل حد الزانى جلد مائة وتغريب عام، ولم يشترط عليه ﷺ بعد الحد والتغريب، إن تاب ألا تقبل شهادته، ولو كان ذلك شرطًا لذكره ﷺ . وإنما ذكر قول الثورى وأبى حنيفة؛ ليلزمها التناقض فى قولهما أن القاذف لا تجوز شهادته، وهم يجيزونها فى مواضع، وأجاز الثورى شهادة العبد إذا جلد قبل العتق وهذا تناقض؛ لأن من قذف فقد فسق، وليس العتق توبة، وهو لو قذف بعد العتق وتاب لم تجز شهادته عنده، وكذلك أجاز قضايا المحدود فى القذف وهذا تناقض،
стр. 3804
وكيف تجوز قضايا المحدود ولا تجوز شهادته، وكذلك يلزم أبا حنيفة التناقض فى إجازته النكاح بشهادة محدودين، وإنما أجاز ذلك؛ لأن من مذهبه أن الشهود فى النكاح خاصة على العدالة وفيما سوى ذلك على الجرحة وهذا تحكم، وتغنى حكاية هذا القول عن الرد عليه. وقال ابن المنذر: أجاز أبو حنيفة النكاح بشهادة فاسقين، وقد أجمع أهل العلم على رد شهادتهم، وأبطل النكاح بشهادة عبدين. وقد اختلف أهل العلم فى قبول شهادتهم، والنظر دال على أن شهادتهم مقبولة إذا كانا عدلين، ودليل القرآن وهو قوله: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات: ١٣] . وأما إجازته شهادة المحدود فى هلال رمضان، فإنه أجرى ذلك مجرى الخبر، والخبر يخالف الشهادة فى المعنى؛ لأن المخبر له مدخل فى حكم ما شهد به وهذا غلط؛ لأن الشاهد على هلال رمضان لا يزول عنه اسم شاهد ولا يسمى مخبرًا، فحكمه حكم الشاهد فى المعنى لاستحقاقه ذلك بالاسم، وأيضًا فإن الشهادة على هلال رمضان حكم من الأحكام، ولا يجوز أن يكون يقبل فى الأحكام إلا من تجوز شهادته فى كل شىء، ومن جازت شهادته فى هلال رمضان ولم تجز فى القذف؛ فليس بعدل ولا هو ممن يرضى؛ لأن الله إنما تعبدنا بقبول من نرضى من الشهداء، والله الموفق.
стр. 3805
٧ - باب شَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) [البقرة ٢٨٢]
/ ١١ - فيه أَبِو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا) . أجمع العلماء على أن القول بظاهر قوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) [البقرة: ٢٨٢] على أن شهادة النساء تجوز مع الرجال فى الديون والأموال، وأجمع أكثر العلماء على أن شهادتهن لا تجوز فى الحدود والقصاص. هذا قول سعيد بن المسيب، والشعبى، والنخعى، والحسن البصرى، والزهرى، وربيعة، ومالك، والليث، والكوفيين، والشافعى، وأحمد، وأبى ثور. واختلفوا فى النكاح والطلاق والعتق والنسب والولاء، فذهب ربيعة، ومالك، والشافعى، وأحمد، وأبو ثور إلى أنه لا تجوز فى شىء من ذلك كله مع الرجال. وأجاز شهادتهن فى ذلك كله مع الرجال الكوفيون، ولا دليل لهم يوجب قبول شهادتهن فى شىء من ذلك، واتفقوا أنه تجوز شهادتهن منفردات فى الحيض والولادة، والاستهلال وعيوب النساء، وما لا يطلع عليه الرجال من عورتهن للضرورة، واختلفوا فى الرضاع فمنهم من أجاز فيه شهادتهن منفردات، ومنهم من أجازها مع الرجال على ما سيأتى ذكره فى النكاح. وقال أبو عبيد: اجتمعت العلماء على أنه لا حظ للنساء فى الشهادة فى الحدود، وكذلك أجمعوا على شهادتهن فى الأموال أنه
стр. 3806
لا حظ لهن فيها، قال المؤلف: يعنى منفردات، وذلك لآيتين تأولهما، فيما نرى والله أعلم، أما آية الحدود فقوله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) [النور: ٤] فعلم أن الشهادة فى اللغة لا تقع إلا على الذكور، ثم أمضوا على هذا جميع الحدود من الزنا والسرقة والفدية وشرب الخمر والقصاص فى النفس وما دونها. وأما آية الأموال فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم (إلى) ترضون من الشهداء) [البقرة: ٢٨٢] ثم أمضوا على هذا جميع الحقوق والمواريث والوصايا والودائع والوكالات والدين، فلما صاروا إلى النكاح والطلاق والعتاق لم يجدوا فيها من ظاهر القرآن ما وجدوا فى تلك الآيتين. واختلفوا فى التأويل فشبهها قوم بالأموال فأجازوا فيها شهادة النساء. وقالوا: ليست بحدود وإنما توجب مهورًا ونفقات النساء. وأبى ذلك آخرون ورأوها كلها حدودًا؛ لأن بها يكون استحلال الفروج وتحريمها. قال أبو عبيد: وهذا القول يختار؛ لأن تأويل القرآن يصدقه، ألا تسمع قوله تعالى حين ذكر الطلاق والرجعة فقال: (وأشهدوا ذوى عدل منكم) [الطلاق: ٢] فخص بها الرجال ولم يجعل للنساء فيها حظا كما جعله فى الدين، ثم أبْينُ من ذلك أنه سماها: حدود الله فقال: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) [البقرة: ٢٢٩] فكان هذا أكثر من التأويل. والأمر عندنا عليه أنه لا تجوز شهادتهن فى نكاح ولا طلاق ولا رجعة، وكيف يقبل قولهن فى هذه الحال على غيرهن ولا يملكنها من أنفسهن، ولم يجعل الله إليهن عقد نكاح ولا حله؟ لأن الله خاطب الرجال فى ذلك دونهن فى كتابه.
стр. 3807
قال أبو عبيد: والعتاق عندنا مثل ذلك كله لا تجوز فيه شهادتهن لما يدخل فيه من تحليل الفروج وتحريمها. قال المهلب: وفى حديث أبى سعيد دليل أن الناس يجب أن يتفاضلوا فى الشهادة بقدر عقولهم وفهمهم وضبطهم، وأن يكون الرجل الصالح الذى نعرف منه الغفلة والبلادة يتوقف عند شهادته فى الأمور الخفية، وتقل شهادة اليقظان الفهم العدل، والتفاضل فى شهادتهما على قدر أفهامهما. وفيه: أن الشاهد إذا نسى الشهادة ثم ذكره بها صاحبه حتى ذكرها أنها جائزة؛ لقوله: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) [البقرة: ٢٨٢] فدخل فى معنى ذلك الرجال أيضًا.
٨ - باب الشُّهَدَاءِ الْعُدُولِ وَقَوْلِهِ: (وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق ٦]
/ ١٢ - فيه: عُمَرَ: إِنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْىِ فِى عَهْدِ النبى ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْىَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ، وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِى سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا شَرًا لَمْ نَأْمَنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ. قال أبو الحسن بن القابسى: ينبغى لكل من سمع هذا الحديث أن يحفظه ويتأدب به. والمرفوع من هذا الحديث إخبار عمر عما كان الناس يؤخذون به على عهد رسول الله ﷺ وبقية الخبر بيان لما يستعمله الناس بعد انقطاع الوحى بوفاة النبى ﷺ .
стр. 3808
وفى هذا الحديث من الفقه: أن من ظهر منه الخير فهو العدل الذى تجب قبول شهادته. واختلفوا فى ذلك فقال النخعى: العدل: الذى لم تظهر له ريبة. وهو قول أحمد وإسحاق. وقال أبو عبيد: من ضيع شيئًا مما أمره الله به أو ركب شيئًا مما نهى الله عنه، فليس بعدل؛ لقوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض. .) [الأحزاب: ٧٢] الآية، والأمانة جميع الفرائض اللازمة واللازم تركها. وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعى: من كانت طاعته أكثر من معاصيه، وكان الأغلب عليه الخير، زاد الشافعى: والمروءة، ولم يأت كبيرة يجب بها الحد أو ما يشبه الحد قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم أحد من ذنب. ومن أقام على معصية أو كان كثير الكذب غير مستتر به لم تجز شهادته. وقال الطحاوى: لا يخلو ذكر المروءة أن يكون فيما يحل أو يحرم، فإن كانت فيما يحل فلا معنى لذكرها، وإن كانت فيما يحرم فهى من المعاصى، فالمراعاة هى فى إتيان الطاعة واجتناب المعصية. قال المهلب: فى هذا الحديث دليل أن سلف الأمة كانوا على العدالة؛ لشهادة الله لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس. وقال الحسن البصرى وغيره وذكره ابن شهاب: إن القضاة فيما مضى كانوا إذا شهد عندهم الشاهد قالوا: قد قبلناه لدينه، وقالوا للمشهود عليه: دونك فجرح؛ لأن الجرحة كانت فيهم شاذة، فعلى هذا كان السلف، ثم حدث فى الناس غير ذلك.
стр. 3809
واتفق مالك والكوفيون والشافعى أن الشهود اليوم على الجرحة حتى تثبت العدالة. قال أبو حنيفة: إلا شهود النكاح فإنهم على العدالة. وهذا قول لا سلف له فيه ولا دليل عليه، ولو عكس عليه هذا القول لم يكن أحد القولين أولى بالحكم من الآخر، وحجة الفقهاء أن الشهود على الجرحة قوله: (وأشهدوا ذوى عدل منكم) [الطلاق: ٢] ) ممن ترضون من الشهداء) [البقرة: ٢٨٢] فخاطب الحكام ألا يقبلوا إلا من كان بهذه الصفة، ودل القرآن فى الناس غير مرضى ولا عدل، فلذلك كلف الطالب إذا جعل القاضى أحوال الشهود أن يعدلوا عنده.
٩ - باب تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ
/ ١٣ - فيه: أَنَسٍ: (مُرَّ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فسئل فَقَالَ ﷺ : شَهَادَةُ الْقَوْمِ، الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِى الأرْضِ) . / ١٤ - وفيه: عُمَرَ، أنه مُرَّ عليه بجَنَازَةٌ، فَأُثْنِىَ خَيْرًا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأُثْنِىَ خَيْرًا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. . . الحديث. فسئل، فَقَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، قُلْنَا: وَثَلاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلاثَةٌ، قُلْتُ: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ، فلَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ) . اختلف العلماء فى عدد من يجوز تعديله، فقال مالك ومحمد بن الحسن والشافعى: لا يقبل فى التعديل والجرح أقل من رجلين. وقال
стр. 3810
أبو حنيفة وأبو يوسف: يقبل تعديل الواحد وجرحه. وحديث عمر حجة لمالك ومن وافقه. واحتج الطحاوى لذلك فقال: لما لم ينفذ الحكم إلا برجلين فكذلك الجرح والتعديل، فلما كان من شرط المزكى والجارح العدالة وجب أن يكون من شرطها العدد. واتفقوا أنه لو عدل رجلان وجرح واحد أن التعديل أولى، فلو كان الواحد مقبولا لما صح التعديل مع جرح الواحد. واتفقوا إذا استوى الجرح والتعديل، فإن الجرح أولى أن يعمل به من التعديل وهو قول مالك فى المدونة، والحجة لذلك أن الجرح باطن والعدالة علم ظاهر، والجارح يصدق المعدل ويقول: قد علمت من حاله مثل ما علمت أنت وانفردت أنا بعلم ما لم تعلم أنت من أمره بعلم انفردت به لا ينافى خبر المعدل وخبر المعدل لا ينافى صدق الجارح، فوجب أن يكون الجرح أولى من التعديل. ولمالك قول آخر فى العتبية من رواية أشهب وابن نافع أنه ينظر إلى أعدل البينتين فيقضى بها وقال ابن نافع: الجرحة أولى. والحجة لقول ابن نافع ما تقدم من تصديق الجارحين للمعدلين وإخبارهم بما انفردوا به دونهم، وكذلك لو كثر عدد المعدلين على عدد الجارحين كان قول الجارحين أولى، وهو قول الجمهور والأكثر، والحجة له ما تقدم ذكره.
стр. 3811
- باب لا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ
/ ١٥ - فيه: النُّعْمَانِ قَالَ: سَأَلَتْ أُمِّى أَبِى بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِى مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِى، فَقَالَتْ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِىَّ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدِى، وَأَنَا غُلامٌ فَأَتَى بِىَ النَّبِىَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِى بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا، قَالَ: أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأُرَاهُ قَالَ لا تُشْهِدْنِى عَلَى جَوْرٍ. وَقَالَ مرة: لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ. / ١٦ - فيه: عِمْرَانَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (خَيْرُكُمْ قَرْنِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: لا أَدْرِى، أَذَكَرَ النَّبِىُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، فَقَالَ النَّبِىُّ ﵇: إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) . / ١٧ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ النَّبِىِّ ﷺ : (خَيْرُكم قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، مرتين، ثُمَّ يَجِىءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) . قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْد. قال المهلب: فى حديث النعمان دليل أن الرجل إذا فهم من عطيته فرار من بعض الورثة أنه لا يعان عليها بشهادة ولا بإمضاء ويؤمر بارتجاعها، وإنما فهم ﷺ الجور فى ذلك لقولها: (لا أرضى حتى تشهد النبى ﷺ ) مع علمه بميله إليها وتقمن مسرتها. ففيه دليل أن الحاكم يحكم بما فهم من المسائل كما فهم
стр. 3812
النبى ﷺ أنه يطلب رضاها وتفضيل ولدها على إخوته فهذا هو الجور. قال غيره: وفى قوله: (لا أشهد على جور) من الفقه ألا يضع أحد اسمه فى وثيقة لا تجوز. ومن العلماء من رأى أن يضع اسمه فى وثيقة الجور؛ ليكون شاهدًا عليه بأنه فعل ما لا يجوز له فيرد فعله، وإن تعمد ذلك كان فى الشهادة عليه جرحة تسقط شهادته، والقول الأول الذى يوافق الحديث أولى. قال المهلب: وفى حديث عمران تعديل القرون الثلاثة على منازل متفاضلة، وفيه شمول التجريح لمن يأتى بعدهم، وصفة لمن لا تقبل شهادته ممن شهد على ما لم يشهد عليه، ويخون فيما اؤتمن ولا يفى بما حلف به أو نذره، فهذه صفات الجرحة. وقوله: (ويظهر فيهم السمن) يعنى أنه ليس لهم فى الدنيا إلا كثرة الأكل، واتباع اللذات، ولا رغبة لهم فى أسباب الآخرة؛ لغلبة شهوات الدنيا عليهم. قال الطحاوى: واحتج قوم بقوله ﷺ : (يشهدون ولا يستشهدون) فقالوا: لا تجوز شهادة من شهد بها قبل أن يسألها، وهو مذموم. وخالفهم فى ذلك آخرون وقالوا: بل هو محمود مأجور على ذلك. واحتجوا بأن النبى ﷺ إنما ذكر هذا فى تغير الزمن فقال: (يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة ولا يسألها، وحتى يحلف على اليمين ولا يستحلف) فمعنى ذلك أن
стр. 3813
يشهد كاذبًا؛ لقوله: (ثم يفشو الكذب) فيكون كذا وكذا، فلا يجوز أن يكون ذلك الذى يكون إذا فشا الكذب إلا كذبًا، وإلا فلا معنى لذكره فشو الكذب، وأيضًا فإن هذه الشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على الحقوق، وإنما أريد بها الشهادة فى الأيمان، يدل على ذلك قول النخعى فى آخر الحديث، وهو الذى رواه، قال: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد. فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة التى ذم النبى ﷺ صاحبها فى قول الرجل أشهد بالله ما كان كذا على كذا على معنى الحلف، فكره ذلك كما كره الحلف، لأنه مكروه للرجل الإكثار منه وإن كان صادقًا، فنهى عن الشهادة التى هى حلف بها، كما نهى عن اليمين إلا أن يستحلف فيكون حينئذ معزورًا، واليمين قد تسمى شهادة، قال الله تعالى: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) [النور: ٦] ، أى أربع أيمان، وقد روى عن النبى ﷺ فى تفضيل الشاهد المبتدئ بالشهادة ما رواه مالك، عن عبد الله بن أبى بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن ابن أبى عمرة الأنصارى، عن زيد بن خالد الجهنى أن النبى ﷺ قال: (ألا أخبركم بخير الشهداء، الذى يأتى بالشهادة قبل أن يسألها) وفسره مالك فقال: الرجل تكون عنده الشهادة فى الحق لمن لا يعلمها فيخبر بشهادته ويرفعها إلى السلطان.
стр. 3814
قال الطحاوى: فهذا رسول الله ﷺ قد مدحه وجعله خير الشهداء، فأولى بنا أن نحمل الأخبار على هذا التأويل حتى لا تتضاد ولا تختلف، فتكون أحاديث هذا الباب على هذا المعنى الذى ذكرناه، ويكون حديث زيد بن خالد على تفضيل المبتدئ بالشهادة لمن هى له أو المخبر بها الإمام. وقد فعل ذلك أصحاب النبى ﷺ وشهدوا ابتداء، شهد أبو بكرة ومن كان معه على المغيرة بن شعبة، ورأوا ذلك لأنفسهم لازمًا، ولم يعنفهم عمر على ابتدائهم بها؛ بل سمع شهادتهم، ولو كانوا فى ذلك مذمومين لذمهم، وقال: من سألكم عن هذا ألا قعدتم حتى تسألوا، ولما لم ينكر عليهم عمر ولا أحد ممن كان بحضرته دل أن فرضهم ذلك وابتداؤهم لا عن مسألة محمود، وهو قول مالك والكوفيين. قال الطحاوى: قوله: (ويشهدون ولا يستشهدون) حجة لابن شبرمة فى قوله أنه من سمع رجلا يقول لفلان، عندى كذا وكذا، ولم يشهده الذى عليه بذلك على نفسه فلا يقبل؛ لأنه لعله أن يكون ذلك وديعة عنده فليس بشىء، فأما أن يناقله الكلام فيقول: يا فلان، ألا تعطنى كذا الذى لى عندك. فقال: بل أنا معطيك فأنظرنى، فيجوز أن يشهد عليه. قال: والحجة عليه قوله فى حديث ابن مسعود: (ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) . قال إبراهيم: وكانوا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد. فدل أن الشهادة المذمومة هى المحلوف بها التى يجعلها الإنسان عادته كما قال تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) [البقرة: ٢٢٤] .
стр. 3815
ولا خلاف بين العلماء أن من رأى رجلا يقتل رجلا أو يغصبه مالا أنه يجوز أن يشهد به، وإن لم يشهده الجانى على نفسه بذلك. فإن قيل: قوله ﷺ : (تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) يدل أن الشهادة والحلف عليها يبطلها. قيل: لا خلاف بين العلماء أنه تجوز الشهادة والحلف عليها، وهو فى كتاب الله فى ثلاثة مواضع: (ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق) [يونس: ٥٣] ، وقال: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى. .) [التغابن: ٧] الآية) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربى لتأتينكم) [سبأ: ٣] إلا ما ذكره ابن شعبان فى (كتاب الزاهى) قال: من قال: أشهد بالله: لفلان على فلان كذا. لم تقبل شهادته؛ لأنه حالف وليس بشاهد. والمعروف غير هذا عن مالك، فانظره فى كتبه.
- باب مَا قِيلَ فِى شَهَادَةِ الزُّورِ؛ لِقَوْلِ الله تعالى: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) [الفرقان ٧٢] وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ، لِقَوْلِهِ: (وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة ٢٨٣]
/ ١٨ - فيه: أَنَسٍ: (سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ) . / ١٩ - وفيه: أَبِو بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، قَالَ: فكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) . فى حديث أبى بكرة أن شهادة الزور أكبر الكبائر. وقد روى عن
стр. 3816
ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم قرأ: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله (. واختلف العلماء فى عقوبة شاهد الزور، فذكر عبد الرزاق، عن مكحول، عن الوليد ابن أبى مالك، أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله بالشام فى شاهد الزور أن يجلد أربعين، ويسخم وجهه، ويحلق رأسه، ويطال حبسه. ورواية أخرى عن عمر أنه أمر أن يسخم وجهه وتلقى عمامته فى عنقه، ويطاف به فى القبائل ويقال: شاهد زور، ولا تقبل شهادته أبدًا. وروى ابن وهب، عن مالك: أنه يجلد ويطاف به ويشنع به. وقال ابن القاسم: بلغنى عن مالك أنه قال: لا تقبل شهادته أبدًا وإن تاب وحسنت توبته اتباعًا لعمر بن الخطاب. قال ابن أبى ليلى: يعزره. وهو قول أبى يوسف ومحمد، وقال الشافعى: يعزره ويشهر به وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال شريح: يشهر ولا يعزر. وهو قول أبى حنيفة. قال الطحاوى: شهادة الزور فسق، ومن فسق رجلا عزر بوجود الفسق فيه أولى أن يستحق به التعزير، ولا يختلفون أن من فسق بغير شهادة الزور؛ أن توبته مقبولة وشهادته بعدها، كذلك شاهد الزور.
- باب شَهَادَةِ الأعْمَى، وَأَمْرِهِ، وَنِكَاحِهِ، وَإِنْكَاحِهِ، وَمُبَايَعَتِهِ، وَقَبُولِهِ فِى التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ، وَمَا يُعْرَفُ بِالأصْوَاتِ
وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ القَاسِمٌ بن محمد، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِىُّ وَعَطَاءٌ.
стр. 3817
وَقَالَ الشَّعْبِىُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلا. وَقَالَ الْحَكَمُ: رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ الزُّهْرِىُّ: أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلا إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَفْطَرَ، وَيَسْأَلُ عَنِ الْفَجْرِ، فَإِذَا قِيلَ: طَلَعَ الْفَجْرِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَعَرَفَتْ صَوْتِى، قَالَتْ: سُلَيْمَانُ ادْخُلْ، فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِىَ عَلَيْكَ شَيْءٌ. وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ. / ٢٠ - فيه: عَائِشَةَ: (سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ ، رَجُلا يَقْرَأُ فِى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: ﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِى كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا، وَقَالتْ: عَائِشَةَ: تَهَجَّدَ النَّبِىُّ ﷺ فِى بَيْتِى، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّى فِى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا) . / ٢١ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، (قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : إِنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَ أَعْمَى لا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ: أَصْبَحْتَ) . / ٢٢ - وفيه: الْمِسْوَرِ: (قَدِمَتْ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِى أَبِى مَخْرَمَةُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ، عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا، فَقَامَ أَبِى عَلَى الْبَابِ، فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِىُّ ﷺ ، صَوْتَهُ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ) .
стр. 3818
اختلف العلماء فى شهادة الأعمى فأجازها سوى من ذكره البخارى مالك والليث فيما طريقه الصوت، وسواء علم ذلك قبل العمى أو بعده، قال مالك: وإن شهد على زنا حد للقذف ولم تقبل شهادته. وقال النخعى وابن أبى ليلى: إذا علمه قبل العمى جازت، وما علمه فى حال العمى لم تجز. وهو قول أبى يوسف والشافعى، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجوز شهادة الأعمى بحال. وحجة الذين أجازوا شهادته أن النبى ﷺ سمع عبادًا فعرف شخصه بكلامه ودعا له، وسمع صوت مخرمة من بيته فعرفه، وكذلك عرفت عائشة صوت سليمان بن يسار. وقد احتج مالك بقصة ابن أم مكتوم فقال: وكان أعمى إمامًا مؤذنًا على عهد النبى ﷺ ، وقَبِلَ النبى ﷺ وأصحابه والمسلمون المؤذنين فى الأوقات والسماع منهم، وقال: إنما حفظ الناس عن أزواج النبى ﷺ ما حفظوه وهن من وراء حجاب. قال المهلب: والذى سمع صوت ابن أم مكتوم من بيته فعلم أنه الذى أمر النبى ﷺ بالكف عن الطعام بصوته، فهو كالأعمى أيضًا يسمع صوت رجل فعرفه فتجوز شهادته عليه بما سمع منه وإن لم يره. قال ابن القصار: والصوت فى الشرع قد أقيم مقام الشهادة، ألا ترى أن الأعمى يطأ زوجته بعد أن يعرف صوتها، والإقدام على الفرج واستباحته أعظم من الشهادة فى الحقوق، واحتج
стр. 3819
من لم يجز شهادته فقال: إن العقود والإقرارات لا تجوز الشهادة عليها بالاستفاضة، فكذلك لا تجوز شهادة الأعمى؛ لأنه لا يتيقن أن هذا صوت فلان لجواز شبهه بصوت غيره، كالخط لا يجوز أن يشهد عليه حتى يذكر أنه شاهد فيه، وإنما كان ذلك لأن الخط يشبه الخط. قالوا: وهذه دلالة لا انفصال عنها. قال ابن القصار: فالجواب أن العقود والإقرارات مفتقرة إلى السماع ولا تفتقر إلى المعاينة بخلاف الأفعال التى تفتقر إلى المعاينة، والدليل على ذلك قوله تعالى: (واختلاف ألسنتكم وألوانكم) [الروم: ٢٢] ، فجعل من الدلائل على محكم صنعته ووحدانيته اختلاف الألسنة والألوان، ثم وجدنا الخلق قد يتشابه كما تتشابه الأصوات، فلما تقرر أنه إذا شهد على عين جاز، وإن جاز أن تشبه عينًا أخرى، كذلك يشهد على الصوت وإن جاز أن يشبه صوتًا آخر. وقد رجع مالك عن الشهادة على الخط؛ لأن الخطوط كثيرة الشبه وليست الأصوات والخلق كذلك، ألا ترى أنه تعالى ذكر اختلاف الألسنة والألوان ولم يذكر الخطوط. قال ابن القابسى: قد روى الاثنان الحكم بشهادة الخط منهم ابن القاسم وابن وهب واستمر عليه العمل.
- باب شَهَادَةِ الإمَاءِ وَالْعَبِيدِ
وَقَالَ أَنَسٌ: شَهَادَةُ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ، إِذَا كَانَ عَدْلا. وَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى.
стр. 3820
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ إِلا الْعَبْدَ لِسَيِّدِهِ. وَأَجَازَهُ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِى الشَّيْءِ التَّافِهِ، وَقَالَ شُرَيْحٌ: كُلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ. / ٢٣ - عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَة أَبِى إِهَابٍ، فَجَاءَتْهُ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ ، فَأَعْرَضَ عَنِّى، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: كَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، فَنَهَاهُ عَنْهَا) . اختلف الناس فى شهادة العبيد على ثلاثة مذاهب: فروى عن على بن أبى طالب كقول أنس وشريح أنها تقبل فى كل شىء كالأحرار، وهو قول أحمد وإسحاق وأبى ثور. وأجازها الشعبى فى الشىء التافه كقول الحسن والنخعى. والمذهب الثالث أنها لا تجوز فى شىء أصلا، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وهو قول عطاء ومكحول، وإليه ذهب مالك والثورى وأبو حنيفة والأوزاعى والشافعى. وأما الذين أجازوها فى كل شىء فإنهم قالوا: إذا كان رضىً فإنه داخل فى جملة قوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) [البقرة: ٢٨٢] ، وأيضًا فإن إشارة النبى ﷺ إلى عقبة بالتنزه عن زوجته من أجل شهادة الأمة دليل على سماع شهادة المملوك والحكم بشبهتها، واحتج الذين لم يجيزوها فى شىء. فقالوا: ليس قوله ﷺ : (كيف وقد زعمت) مما حكم به ﷺ ، من طريق الوجوب، وإنما هو عرض وندب، فلا تلزم الحجة به. قال تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) [البقرة: ٢٨٢] والإباءة إنما تكون من الحر، والعبد ممنوع من الإجابة لحق المولى فلم يدخل تحت النهى كما لم يدخل فى قوله:
следующие страницы →