← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٧ - باب مِنَ الإيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ / ٦ - فيه: أَنَسٍ، قَالَ ﷺ : تمت لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ -. قال المؤلف: معناه: لا يؤمن أحدكم الإيمان التام، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وقال أبو الزناد: ظاهره التساوى وحقيقته التفضيل، لأن الإنسان يحب أن يكون أفضل الناس، فإذا أحب لأخيه مثله، فقد دخل هو فى جملة المفضولين، ألا ترى أن الإنسان يجب أن ينتصف من حقه ومظلمته، فإذا كمل إيمانه وكانت لأخيه عنده مظلمة أو حق، بادر إلى إنصافه من نفسه، وآثر الحق، وإن كان عليه فيه بعض المشقة. وقد روى هذا المعنى عن الفضيل بن عياض، أنه قال لسفيان بن عيينة: إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك، فما أديت لله النصيحة، كيف وأنت تود أنهم دونك. وقال بعض الناس: المراد بهذا الحديث كف الأذى والمكروه عن الناس، ويشبه معناه قول الأحنف بن قيس، قال: كنت إذا كرهت شيئًا من غيرى لم أفعل بأحد مثله. ٨ - بَابَ حُب الرسول مِنَ الإيمَانِ / ٧ - فيه: أبو هُرَيْرَةَ قَالَ ﷺ : تمت وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ -. / ٨ - وَقالَ أَنَسٍ فِى حديثه: تمت وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ -.

стр. 37

قال أبو الزناد: هذا من جوامع الكلم الذى أوتيه ﷺ ، لأنه قد جمع فى هذه الألفاظ اليسيرة معانى كثيرة، لأن أقسام المحبة ثلاثة: محبة إجلال وعظمة كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة استحسان ومشاكلة كمحبة سائر الناس، فحصر صنوف المحبة. ومعنى الحديث، والله أعلم: أن من استكمل الإيمان علم أن حق الرسول وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين، لأن بالرسول استنقذ الله أُمته من النار وهداهم من الضلال، فالمراد بهذا الحديث بذل النفس دونه ﷺ ، وقال الكسائى فى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: ٦٤] أى حسبك الله ناصرًا وكافيًا، وحسبك من اتبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك. ٩ - باب حَلاوَةِ الإيمَانِ / ٩ - فيه: أَنَسِ، قَالَ ﷺ : تمت ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ -. معنى وجود حلاوة الإيمان هو استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات فيما يرضى الله تعالى، ورسوله ﷺ ، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، رغبة فى نعيم الآخرة، الذى لا يبيد ولا يفنى. وروى عن عتبة الغلام أنه قال: كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم تلذذت بها باقى عمرى.

стр. 38

ومحبة العبد لخالقه هى التزام طاعته والانتهاء عن معاصيه لقوله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ) [آل عمران: ٣١] ، وكذلك محبة رسول الله هى التزام شريعته واتباع طاعته، ولما لم نصل إلى الإيمان إلا بالرسول، كانت محبته من الإيمان، وقد سئل بعض الصالحين عن المحبة ما هى؟ فقال: مواطأة القلب لمراد الرب، أن توافق الله، ، فتحب ما أحب وتكره ما كره. ونظم محمود الوراق هذا المعنى فقال: تعصى الإله وأنت تظهر حبه لو كان حبًا صادقًا لأطعته هذا لعمرى فى القياس بديع إن المحب لمن يحب مطيع وقوله ﷺ : تمت أن يحب المرء لا يحبه إلا لله -، فمن أجل أن الله قد جعل المؤمنين إخوة، وأكد النبى، ﷺ ، كلامه بقوله: تمت لو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر، ولكن خلة الإسلام أفضل - وقال ﷺ : تمت سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله - فعد منهم: تمت رجلين تحابا فى الله -، والمراد بالحديث: الحث على التحاب فى الله والتعاون على البر والتقوى، وما يؤدى إلى النعيم الدائم. قال الطبرى: فإن قيل: فهل حب المرء اكتساب للعبد أم غريزة وجبلَّة؟ فإن قلت: إن ذلك اكتساب للعبد، إذا شاء أحب وإذا شاء أبغض، قيل: فما وجه الخبر الوارد: تمت أن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها؟ - وإن قلت: إن ذلك جبلة وغريزة، فما وجه قوله ﷺ : تمت لا يجد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله؟ - فالجواب: أن الله

стр. 39

تعالى، وإن كان هيأ القلوب هيئة لا يمتنع معها حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، فإن العبد إنما يلحقه الحمد والذم على ما كلف مما له السبيل إليه من تذكيرها إحسان المحسن وإساءة المسىء إليها، وتنبيها على ما أغفلته من سالف أيادى المحسن إليها والمسىء، فإلى العبد التنبيه والتذكر الذى هو بفعله مأمور إن كان لله، تعالى، طاعة وعن التقدم عليه منهى إن كان له معصية، وذلك أن الرجل إذا تذكر سالف أيادى الله وأيادى رسوله، ﷺ ، وما منَّ عليه أن هداه للإسلام وأنقذه من الضلالة، وعرفه الأسباب التى توخيه إلى النجاة من عذاب الأبد والخلود فى جهنم، وغير ذلك من النعم التى وصلت إليه به مما لا كفاء لها، ولا استحقها من الله لسابقة تقدمت منه إلا بفضله تعالى، وجب أن يخلص المحبة لله ولرسوله فوق كل شىء من جميع المحاب، وكذلك إذا علم ما فى حب المرء فى الله، ، من المنزلة عند الله آثرها على أسباب الدنيا، لينال ثوابها يوم القيامة ولم يحبه لأعراض الدنيا الفانية. قال غيره: وقوله: تمت وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار - معناه: أن من وجد حلاوة الإيمان وخالط قلبه علم أن الكافر فى النار، فكره الكفر لكراهيته لدخول النار، وقد ترجم له باب: من كره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يلقى فى النار. - باب عَلامَةِ الإيمَانِ حُبُّ الأنْصَارِ / ١٠ - فيه: أنس، قَالَ ﷺ : تمت آيَةُ الإيمَانِ حُبُّ الأنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنْصَارِ -.

стр. 40

/ ١١ - وفيه: عُبَادَةَ - وَكَانَ قَدَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: تمت بَايِعُونِى عَلَى ألا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا الله فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ -. فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك. قال المهلب: أما قوله: تمت علامة الإيمان حب الأنصار - فهو بَيِّن فى حديث أنس. وأما حديث عبادة فإنما ذكره فى الباب؛ لأن الأنصار لهم من السبق إلى الإسلام بمبايعة الرسول ﷺ ما استحقوا به هذه الفضيلة، وهذه أول بيعة عقدت على الإسلام، وهو بيعة العقبة الأولى بمكة، ولم يشهدها غير اثنى عشر رجلا من الأنصار، ذكر ذلك ابن إسحاق. وكذلك قال عبادة: تمت وحوله عصابة من أصحابه -، مع أن المهاجرين بمكة قد كانوا أسلموا ولم يبايعوا مثل هذه البيعة، فصح أن الأنصار المبتدئون بالبيعة على إعلان توحيد الله وشريعته حتى يموتوا على ذلك؛ فحبهم علامة الإيمان، ومجازاة لهم على حبهم من هاجر إليهم، ومواساتهم لهم فى أموالهم كما وصفهم الله، تعالى، واتباعًا بحب الله لهم بقوله: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ) [آل عمران: ٣١] ، فكان الأنصار ممن اتبعه أولا، فوجبت لهم محبة الله، ومن أحب الله وجب على العباد حبه، وقد مدح الله، تعالى، الذين يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا

стр. 41

بالإيمان؛ لأنهم سنوا لنا سُنة حسنة لهم أجرها وآجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ذكر ابن إسحاق قال: حدثنى يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير مرثد بن عبد الله اليزنى، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحى، عن عبادة بن الصامت قال: تمت كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثنى عشر رجلا، فبايعنا رسول الله بيعة النساء، وذلك قبل أن تفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان - وساق الحديث على ما ذكره البخارى. وقوله: تمت فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فى الدنيا فهو كفارة - لفظه لفظ العموم، والمراد به الخصوص، لأنا قد علمنا أن من أشرك فعوقب بشركه فى الدنيا فليس ذلك بكفارة له، فدل أنه أراد بقوله: تمت فمن أصاب من ذلك شيئًا - ما سوى الشرك، ومثله فى القرآن كثير كقوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ (، [الأحقاف: ٢٥] ) وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ (، [النمل: ٢٣] ومعلوم أنها لم تدمر السموات والأرض ولا جميع الأشياء ولا دمرت مساكنهم، ألا ترى إلى قوله: (فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ (، وقوله: (وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ (، ومعلوم أن بلقيس لم تؤت ملك سليمان. وقوله: تمت من أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه - يرد قول من أنفذ الوعيد على القاتل، وعلى سائر المذنبين من الموحدين، والحُجَّة فى السنة لا فى قول من

стр. 42

خالفها، وسأذكر هذه المسألة فى كتاب الديات فى باب قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) [النساء: ٩٣] ، أو فى آخر كتاب الطب فى باب: شرب السم، إن شاء الله تعالى. - باب مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ / ١٢ - فيه: أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تمت يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ -. قال المؤلف: هذا الحديث يدل على إباحة الانفراد والاعتزال عند ظهور الفتن، طلبًا لإحراز السلامة فى الدين، خشية أن تحل عقوبة فتعم الكل، وهذا كله من كمال الدين، وقد جاء فى الحديث: تمت أنه إذا فشا المنكر، وكان بالناس قوة على تغييره، فلم يغيروه امتحنهم الله بعقوبة، وبعث الصالحين على نياتهم، وكان نقمة للفاسقين، وتكفيرًا للمؤمنين -. وقد اعتزل سلمة بن الأكوع عند قتل عثمان، وقال له الحجاج: أرتددت على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله أذن لى فى البدو. وقال أبو الزناد: خص الغنم من بين سائر الأشياء حضًا على التواضع وتنبيهًا على إيثار الخمول وترك الاستعلاء والظهور، وقد رعاها الأنبياء والصالحون، وقال ﷺ : تمت ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم -. وأخبر أن السكينة فى أهل الغنم.

стр. 43

وشعف الجبال: رءوسها، وشعفة كل شىء أعلاه، عن صاحب العين. - باب قَوْلِ الرَّسُولِ، ﷺ : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ -، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) [البقرة: ٢٢٥] / ١٣ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ مِنَ الأعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر، َ فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِى وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: تمت أَنَا أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ -. قال المؤلف: قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ (أى بما اعتقدته وأضمرته، فسمى ذلك الإعتقاد فعلاً للقلب، وأخبر أنه لا يؤاخذ عباده من الأعمال إلا بما اعتقدته قلوبهم، فثبت بذلك أن الإيمان من صفات القلوب، خلاف قول الكرامية وبعض المرجئة: أن الإيمان قول باللسان دون عقد بالقلب، وإنما أمر أمته ﷺ من الأعمال بما يطيقون ليأخذوها بالنشاط ولا يتجاوزوا حَدَّهم فيها فيضعفوا عنها، لقوله ﷺ : تمت إن المنبتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى - ضَرَبَه مثلاً فى الأعمال. قال أبو الزناد: وقولهم: تمت لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر -، فإنما قالوا ذلك رغبة فى التزيد من الأعمال، لما كانوا يعلمونه من اجتهاده فى العبادة، وهو

стр. 44

قد غفر له ما تقدم من ذنبه، فعند ذلك غضب إذ كان أولى منهم بالعمل، لعلمه بما عند الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) [فاطر: ٢٨] ، وقد قال ﷺ : تمت أفلا أكون عبدًا شكورًا -، وفى اجتهاده فى عمله، وغضبه من قولهم دليل أنه لا يجب أن يَتَّكل العامل على عمله، وأن يكون بين الرجاء والخوف. قال المهلب: وفيه من الفقه: أن الرجل الصالح يلزمه من التقوى والخشية ما يلزم المذنب التائب، لا يُؤَمِّن الصالح صلاحه، ولا يوئس المذنب ذنبه ويقنطه، بل الكل خائف راجٍ، وكذلك أراد تعالى أن يكون عباده واقفين تحت الخوف والرجاء اللذين ساس بهما خلقه سياسة حكمه لا انفكاك منها. وقوله: تمت إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا - فيه من الفقه أن للإنسان أن يخبر عن نفسه بما فيه من الفضل لضرورة تدعوه إلى ذلك، لأن كلامه ﷺ بذلك وقع فى حال عتاب لأصحابه، ولم يُرِد به الفخر، كقوله: تمت أنا سيد ولد آدم ولا فخر -. - باب تَفَاضُلِ أَهْلِ الإيمَانِ فِي الأعْمَالِ / ١٤ - فيه: أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ النَّبِى، ﷺ : تمت يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا - أَوِ الْحَيَاةِ شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِى جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟ -.

стр. 45

وَقَالَ وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: تمت خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ -. / ١٥ - وفيه: أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ، قَالَ ﷺ : تمت بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَىَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ: فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِىَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ -، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تمت الدِّينَ -. قال المؤلف: تفاضل المؤمنين فى أعمالهم لا شك فيه، وأن الذى خرج من النار بما فى قلبه من مقدار حبة من خردل من إيمان معلوم أنه كان ممن انتهك المحارم وارتكب الكبائر، ولم تفِ طاعته لله عند الموازنة بمعاصيه. ومن أطاع الله وقام بما وَجَبَ عليه وبرئ من مظالم العباد فلا شك أن عمله أفضل من عمل الرجل المنتهك. وقد مَثَّل ذلك ﷺ بالقمص التى كانت تبلغ الثدى، وبقميص عمر الذى كان يجرُّه، ومعلوم أن عمل عمر فى إيمانه أفضل من عمل من بلغ قميصه ثدييه. فإيمانه أفضل من إيمانه بما زاد عليه من العمل، وتأويله ﷺ ذلك بالدين يدل أن الإيمان الواقع على العمل يُسمى دينًا، كالإيمان الواقع على القول. وهذا يرد قول أهل البدع الذين يزعمون أن إيمان المذنبين كإيمان جبريل، وأنه لا تفاضل فى الإيمان، وقولهم غلط لا يخفى، لأن الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وسائر الخلق يملُّون ويفترون. فكيف يبلغ أحدٌ منهم منزلتهم فى العمل، وفى كتاب الله حجةٌ

стр. 46

لتفاضل المؤمنين فى الإيمان، وذلك أن إبراهيم سأل ربه تعالى أن يريه كيف يحيى الموتى، فطلب المعاينة التى هى أعلى منازل العلم التى تسكن النفوس إليها، وتقع الطمأنينة بها، ولا يجوز أن نظن بإبراهيم خليل الله ونبيه أنه حين سأل المعاينة لم يكن مؤمنًا، أو أنه اعترضه شك فى إيمانه. والدليل على صحة هذا قوله لربه حين قال له: (أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى) [البقرة: ٢٦٠] ، فأوجب لنفسه الإيمان قبل أن يعاين ما طلب معاينته، وعَذَرَهُ الله تعالى فى طلب ذلك، لأن المعاينة أشفى ويهجم على النفوس منها ما لا يهجم من الخبر. ألا ترى أن موسى حين كلمه ربه لم يشك أن الله هو المتكلم له، ولكن طلب ما هو أرفع من ذلك وهى المعاينة، فقال: (رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ) [الأعراف: ١٤٣] ، فأعلمه ربه أنه لا يجوز أن تقع عليه حاسّة البصر، وأنه لا تدركه الأبصار بما أراه الله من الآيات فى الجبل الذى صار دكًا بتجليه له تعالى. ومما يشبه هذا المعنى أن الله تعالى أخبر موسى عن بنى إسرائيل بعبادة العجل، فلم يشك فى صدق خبره، فلما رجع إلى قومه وعاين حالهم حدث فى نفسه من الإنكار والتغيير ما لم يحدث بالخبر، فألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه. وقد نبَّه ﷺ على ذلك، فقال: تمت ليس الخبر كالمعاينة -، والحبّة بذور البقل، ويقال: هو نبت ينبت فى الحشيش، عن صاحب العين.

стр. 47

- باب الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ / ١٦ - فيه: ابن عمر، أَنَّ النبِى ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِى الْحَيَاءِ، فَقَالَ: تمت دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ -. قال ابن قتيبة: معنى هذا الحديث أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصى كما يمنعُ الإيمان، فجاز أن يُسمى إيمانًا، لأن العرب تُسمى الشىء باسم ما قام مقامه، أو كان شبيهًا به، ألا ترى أنهم يُسمون الركوع والسجود صلاةً، وأصل ذلك الدعاء، فلما كان الدعاء يكون فى الصلاة سميت صلاة، وكذلك الزكاة هى تثمير المال ونماؤه، فلما كان النماء يقع بإخراج الصدقة عن المال سمِّى زكاةً. قال غيره: وهذا الحديث يقتضى الحضّ على الامتناع من مقابح الأمور ورذائلها، وكل ما يحتاج إلى الاستحياء من فعله والاعتذار منه. - باب) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥] / ١٧ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ ﷺ : تمت أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّها، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ -. قال المؤلف: قال أنس بن مالك: هذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وتوبتهم خلع الأوثان، وعبادتهم لربهم، وإقام الصلاة،

стр. 48

وإيتاء الزكاة، ثم قال فى آية أخرى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ) [التوبة: ١١] ، فقام الدليل الواضح من هاتين الآيتين أن من ترك الفرائض، أو واحدة منها، فلا يُخلَّى سبيله، وليس بأخٍ فى الدين، ولا يُعصم دمه ومالُه، ويشهد لذلك قوله ﷺ : تمت فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها -، وبهذا حكم أبو بكر الصِّدِّيق فى أهل الردة، وهذا يَرُد قول المرجئة أن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال. وقولهم مخالف لدليل الكتاب والآثار وإجماع أهل السُّنَّة. فمن ضيع فريضة من فرائض الله جاحدًا لها فهو كافر، فإن تاب وإلا قُتل، ومن ضيع منها شيئًا غير جاحد لها فأمره إلى الله، ولا يُقطع عليه بكفر، وسيأتى حكم تارك الصلاة فى كتاب المرتدين فى باب قتل من أبى قبول الفرائض، وما نسبوها إلى الردَّة، ويأتى فى باب دعاء الرسول ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة فى كتاب الجهاد، زيادة فى الكلام فى معنى هذا الحديث، إن شاء الله. وقوله: تمت وحسابهم على الله - يدل أن محاسبة العباد على سرائرهم وخفيان اعتقادهم إلى الله دون خلقه، وأن الذى جعل للنبى، ﷺ ، وإلى الأئمة بعده ما ظهر من أمورهم دون ما خفى يدل على ذلك حديث أبى سعيد أن الرسول ﷺ قَسم، فقال له رجل: اتق الله، فقال له: تمت ويلك أَوَ لست أحق أهل الأرض أن يتقى الله -؟ فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: تمت لا، لعله أن يكون يصلِّى -، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه

стр. 49

ما ليس فى قلبه، فقال ﷺ : تمت إنى لم أؤمر أن أشق عن قلوب الناس، ولا عن بطونهم -، ذكره البخارى فى المغازى فى باب بعثه علىّ إلى اليمين. وفى هذا الحديث حجة لمن أجاز قبول توبة الزنديق، وسيأتى مذاهب العلماء فى ذلك فى الديات والحدود، إن شاء الله. - باب مَنْ قَالَ: إِنَّ الإيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: ٧٢] وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: ٩٢، ٩٣] عَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَقَالَ: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات: ٦١] . / ١٨ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ سُئِلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: تمت إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ -، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: تمت الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ -، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: تمت حَجٌّ مَبْرُورٌ -. قال المؤلف: قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: ٧٢] حجة فى أن العمل تنال به درجات الجنة، وأن الإيمان قول وعمل ويشهد لذلك قوله ﷺ حين سئل أى العمل أفضل؟ فقال: تمت إيمان بالله -، ثم ذكر الأعمال معه فى جواب السائل. فإن قيل: أليس قد تقدم من قولكم أن الإيمان هو التصديق؟

стр. 50

قيل: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب للمصدق الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يقال له: مؤمنًا مطلقًا، لأن الله تعالى فرض على عباده فرائض وشرع شرائع، لا يقبل تصديق من جحدها، ولم يرض من عباده المؤمنين بالتصديق والإقرار دون العمل لما تقدم بيانه فى غير موضع من هذا الكتاب. هذا مذهب جماعة أهل السُّنَّة، أن الإيمان قول وعمل. قال أبو عبيد: وهو قول مالك والثورى والأوزاعى ومن بعدهم من أرباب العلم والسُّنَّة الذين كانوا مصابيح الهدى، وأئمة الدين من أهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم. وهذا المعنى أراد البخارى، ﵀، إثباته فى كتاب الإيمان وعليه بَوَّب أبوابه كلها، فقال: باب أمور الإيمان، وباب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وباب إطعام الطعام من الإيمان، وباب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وباب حب الرسول ﷺ من الإيمان، وباب الصلاة من الإيمان، وباب الزكاة من الإيمان، وباب الجهاد من الإيمان وسائر أبوابه. وإنما أراد الرَّد على المرجئة، لقولهم: إن الإيمان قول بلا عمل، وتبيين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسُّنَّة، ومذهب الأئمة. وقال المهلب فى حديث أبى هريرة: إنما اختلفت هذه الأحاديث فى ذكر الفرائض، لأنه ﷺ أعلم كل قوم بما لهم الحاجة إليه، ألا تراه قد أسقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام من جوابه للسائل: أى العمل أفضل، وهى آكد من الجهاد والحج، وإنما ترك ذلك لعلمه

стр. 51

أنهم كانوا يعرفون ذلك ويعملون به، فأعلمهم ما لم يكن فى علمهم حتى تمت دعائم الإسلام والحمد لله. - باب إِذَا لَمْ يَكُنِ الإسْلامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الاسْتِسْلامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) [الحجرات: ١٤] وَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) [آل عمران: ١٩] . / ١٩ - فيه: سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً، هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّى لأرَاهُ مُؤْمِنًا، قَالَ: تمت أَوْ مُسْلِمًا -، فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ ذَلِكَ ثلاثًا، وعاد ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: تمت يَا سَعْدُ إِنِّى لأعْطِى الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِى النَّارِ -. قال المهلب: الإسلام على الحقيقة، هو الإيمان الذى هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان، الذى لا ينفع عند الله غيره، ألا ترى قول الله للأعراب الذين قالوا: آمنا بألسنتهم دون تصديق قلوبهم: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا (، فنفى عنهم الإيمان لما عرى من عقد القلب بقوله: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: ١٤] ، قال أبو بكر بن العربى: وهذه الآية حجة على الكرامية ومن وافقهم من المرجئة فى قولهم: إن الإيمان إقرار باللسان دون عقد القلب، وقد رَدَّ الله قولهم فى موضع آخر من كتابه، فقال: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ) [المجادلة: ٢٢] ، ولم يقل: كتب فى ألسنتهم.

стр. 52

ومن أقوى ما يرد عليهم إجماع الأمة على إكفار المنافقين، وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين، قال تعالى: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم (إلى قوله: (وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة: ٨٤] ، فجعلهم كفارًا، وقوله تعالى: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا (يدل على أن الإسلام يكون بمعنى الاستسلام فيحقن به الدم، ولا يكون بمعنى الإيمان لقوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: ١٤] ، فكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا، إلا الإسلام الحقيقى، فهو إيمان. قال المهلب: وقول سعد: تمت يا رسول الله، مالك عن فلان؟ فوالله إنى لأراه مؤمنًا - فيه التشفع للصديق والولى عند الأمراء والأئمة فيما ينتفعون به، وفيه مراجعة المسئول وتكرير السؤال فى المعنى الواحد، وفيه رد العالم على المتعلم أن يستثبت ولا يقطع على ما لا يعلم، لأنه لا يعلم سرائر الناس ولا يطلع عليها، وهى من مغيبات الأمور التى لا يجوز القطع فى مثلها، ألا ترى أن الرسول رد على امرأة الأنصارى، وقال: تمت والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يُفعل بى -، فلا نشهد لأحد بالجنة إلا لمن شهد له الرسول ﷺ ، لأنه لا ينطق عن الهوى. قال المؤلف: وقوله: تمت خشية أن يكبه الله فى النار -، يريد من تعاصى على الإسلام ولم يدخل فيه إلا [. . . . . .] (-) فى العطاء، فإن مُنِعَ أبى عن الإسلام، كالمؤلفة قلوبهم: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وأصحابه، وسيأتى بيان ذلك فى كتاب الجهاد. وقد اختلف الناس قديمًا واشتد تنازعهم فى قولهم: أنا مؤمن

стр. 53

عند الله، وكان أول ذلك أن صاحبًا لمعاذ بن جبل قدم على ابن مسعود، فقال له أصحابه: أمؤمن أنت؟ قال: نعم، قالوا: من أهل الجنة؟ قال: لا أدرى لى ذنوب فلو أعلم أنها غفرت، لقلت لكم: إنى مؤمن من أهل الجنة، فتضاحك القوم، فلما خرج ابن مسعود، قالوا له: ألا تعجب؟ هذا يزعم أنه مؤمن ولا يزعم أنه من أهل الجنة، قال ابن مسعود: لو قلت إحداهما أتبعتها بالأخرى، فقال الرجل: رحم الله معاذًا، حذرنى زلة العالم، وهذه زلة منك، وما الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والجنة والنار، والبعث والميزان، ولنا ذنوب لا ندرى ما يصنع الله فيها، فلو نعلم أنها غفرت لنا، لقلنا: إننا من أهل الجنة، فقال ابن مسعود: صدقت يا أخى، فوالله إن كان منى لزلة. وذكر أبو عبيد فى كتاب الإيمان، عن إبراهيم النخعى، وابن سيرين، وطاوس، قالوا: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. قال النخعى: وقال رجل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ قال: أرجو إن شاء الله. قال أبو عبيدة: وبهذا كان يأخذ سفيان، قال وكيع: كان سفيان إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: نعم، فإذا قيل له: عند الله؟ قال: أرجو. وجماعة يرون الاستثناء فيه، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وابن عبدوس، وأحمد بن صالح الكوفى. قال أبو عبيد: وجماعة من العلماء يتسمون به بلا استثناء فيقولون: نحن مؤمنون، منهم: أبو عبد الرحمن السلمى، وعطاء بن أبى

стр. 54

رباح، وسعيد بن جبير، وإبراهيم التيمى، وعون بن عبد الله، ومن بعدهم مثل: عمر بن ذر، والصلت بن بهرام، ومسعر بن كدام. قال أبو عبيد: وإنما ذكرت هذا عندهم على الدخول فى الإيمان لا على الاستكمال، ألا ترى أن الفرق بينهم وبين النخعى وطاوس وابن سيرين أن هؤلاء كانوا لا يلفظون به أصلاً. قال وكيع: وكان أبو حنيفة يقول: أنا مؤمن هاهنا وعند الله، قال أبو بكر بن الطيب: ووجه الاستثناء فى ذلك أنه لا يعلم هل يثبت على الإيمان ويتمسك به باقى عمره أو يضل عنه، ولهذا رغب المسلمون كافة فى حسن العاقبة والخاتمة، وأن يثبتهم الله بالقول الثابت، وأما وجه من قال: أنا مؤمن حقًا ومؤمن عند الله، وإنما يريد حال وجود إيمانه، لأنه مؤمن على الحقيقة فى تلك الحال، وإلى هذا ذهب محمد بن سحنون. قال أبو عبيد: لأن حكمه فى الدنيا حكم الإيمان فى الولاية والموارثة وجميع سنن المؤمنين. قال أبو بكر بن الطيب: وكلا القولين له وجه. قال أبو عبيد: وكان الأوزاعى يرى الاستثناء وتركه جميعًا [. . . . .] ، من قال: أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن، إن شاء الله فحسن، لقوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) [الفتح: ٢٧] ، وقد علم أنهم داخلون.

стр. 55

- باب السَّلامِ مِنَ الإسْلامِ وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ جَمَعَ الإيمَانَ: الإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ، وَالإنْفَاقُ مِنَ الإقْتَارِ. / ٢٠ - فيه: ابْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَىُّ الإسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تمت تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ -. قال أبو الزناد: جمع عمار فى هذه الألفاظ الثلاث الخير كله، لأنك إذا أنصفته من نفسك، فقد بلغت الغاية بينك وبين خالقك، وبينك وبين الناس، ولم تضيع شيئًا. وبذل السلام هو كقوله ﷺ : تمت وتقرأ السلام على من عرفت، ومن لم تعرف -، وهذا حض على مكارم الأخلاق واستئلاف النفوس. والإنفاق من الإقتار هى الغاية فى الكرم، وقد مدح الله مَنْ هذه صفته بقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: ٩] وهذا عام فى نفقة الرجل على أهله، وفى كل نفقة هى طاعة لله تعالى، ودل ذلك أن نفقة المعسر على أهله أعظم أجرًا من نفقة الموسر، وهذا كله من كمال الإيمان، فقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو فى باب إطعام الطعام من الإيمان.

стр. 56

- باب الْمَعَاصِى مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلا بِالشِّرْكِ باللَّه لِقَوْلِ ﷺ : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ - وفيه: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء ٤٨] . وقوله: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: ٩] فسماهم المؤمنين. / ٢١ - فيه: الْمَعْرُورِ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّى سَابَبْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ ﷺ : تمت يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ -. / ٢٢ - وفيه: الأحْنَفِ، قَالَ: ذَهَبْتُ لأنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، يعنى عليًا، فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تمت إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِى النَّارِ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: تمت إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ -. قال المؤلف: قوله: تمت إنك امرؤ فيك جاهلية - يريد إنك فى تعييره بأمه على خلق من أخلاق الجاهلية، لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب، فجهلت وعصيت الله فى ذلك، ولم تستحق بهذا أن تكون كأهل الجاهلية فى كفرهم بالله تعالى.

стр. 57

وغرض البخارى فى هذا الباب الرد على الرافضية والإباضية وبعض الخوارج فى قولهم: إن المذنبين من المؤمنين يخلدون فى النار بذنوبهم، وقد نطق القرآن بتكذيبهم فى غير موضع منه، فمنها قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) [النساء: ٤٨] ، والمراد بهذه الآية من مات على الذنوب، ولو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الشرك وغيره معنى، إذ التائب من الشرك قبل الموت مغفور له، وقوله: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: ٩] ، فسماهم مؤمنين، وإن وقع التقاتل، واستحق أحد الطائفتين اسم البغى، فبان بهاتين الآيتين أن المؤمن لا يخرجه فسقه ومعاصيه من جملة المؤمنين، ولا يستحق بذلك التخليد فى النار مع الخالدين. وثبت أن حديث أبى بكرة لا يرد به الإلزام والحتم بالنار لكل قاتل ومقتول من المسلمين، لأنه ﷺ سماهما مسلمين وإن التقيا بسيفيهما وقتل أحدهما صاحبه، ولم يخرجهما بذلك من الإسلام، وإنما يستحقان النار إن أنفذ الله عليهما الوعيد، ثم يخرجهما من النار بما فى قلوبهما من الإيمان وعلى هذا مضى السلف الصالح. حدثنا أبو بكر الرازى، قال: حدثنا الشيخ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بأصبهان، قال: حدثنا أبو بكر الطلحى، قال: حدثنا عثمان بن عبيد الله الطلحى، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحى، قال: حدثنا سعيد بن سلام العبدى، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لقيت عطاء بن أبى رباح، بمكة، فسألته عن شىء، فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أنت من أهل القرية

стр. 58

الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا؟ قلت: نعم، قال: فمن أى الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدًا بذنب، قال لى عطاء: عرفت، فالزم. وفى حديث أبى ذر النهى عن سب العبيد وتعييرهم بآبائهم، والحض على الإحسان إليهم، وإلى كل من يوافقهم فى المعنى، ممن جعله الله تحت يد ابن آدم، وأجرى عليه حكمه، فلا يجوز لأحد أن يعير عبده بشىء من المكروه يعرفه فى آبائه وخاصة نفسه، لقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى (فلا فضل لأحد على غيره من جهة الأبوة، وإنما الفضل بالإسلام والتقى، لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣] . وروى يونس، عن الحسن، أن النبى، ﷺ ، قال لأبى ذر: تمت أعيرته بأمه؟ ارفع رأسك، فما كنت بأفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل فى دين -، وقد جاء هذا الحديث فى كتاب الأدب. وقال فيه: تمت كان بينى وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها. . - وذكر الحديث. وقد روى سمرة بن جندب: أن بلالاً كان الذى عيره أبو ذر بأمه. روى الوليد بن مسلم، عن أبى بكر، عن ضمرة بن حبيب، قال: كان بين أبى ذر وبين بلال محاورة، فعيره أبو ذر بسواد أمه، فانطلق بلال إلى رسول الله ﷺ ، فشكى إليه تعييره بذلك، فأمره رسول الله ﷺ أن يدعوه، فلما جاءه أبو ذر، قال له رسول الله ﷺ : تمت شتمت بلالاً وعيَّرته بسواد أمه -؟ قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : تمت ما كنت أحسب أنه بقى فى صدرك من كبر الجاهلية شىء -، فألقى أبو

стр. 59

ذر نفسه بالأرض، ثم وضع خده على التراب، وقال: والله لا أرفع خدى من التراب حتى يطأ بلال خدى بقدمه، فوطأ خده بقدمه. وسيأتى ما للعلماء فى إطعام العبيد وكسوتهم فى كتاب العتق، إن شاء الله. وقال أبو عبد الله بن أبى صفرة فى حديث أبى بكرة: انظر حرص المقتول على قتل صاحبه، وأنه لو بقى لقتله وعوقب عليه، عذب الله الذين تقاسموا بالله، على صالح، لنبيتنه وأهله، فأهلكهم كلهم. قال أبو الزناد: ليس هذا بشىء، لأن الذين أرادوا قتل صالح كانوا كفرة فعاقبهم الله بكفرهم، وأن الذى كان حريصًا على قتل صاحبه أوجب له النبى ﷺ النار بنيته ومباشرته للقتل، ولا يعارض هذا قوله ﷺ : تمت مَن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة -، لأن الذى لم يعمل السيئة ليس كمثل الذى شرع فى القتال مع الإصرار، وسأستقصى الكلام فى معنى قوله ﷺ : تمت إذا التقى المسلمان بسيفيهما -، فى كتاب الفتن، إن شاء الله. - باب كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ / ٢٣ - فيه: ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ﷺ : تمت أُرِيتُ النَّارَ فَرَأَيْتَ أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ -، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: تمت يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْر، َ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ -. قال المهلب: قال: الكفر هاهنا هو كفر الإحسان، وكفر نعمة

стр. 60

العشير، وهو الزوج، وتسخط حاله، وقد أمر الله رسوله بشكر النعم، وجاء فى الحديث: تمت لا يشكر الله من لا يشكر الناس -، وشكر نعمة الزوج هو من باب شكر نعمة الله، لأن كل نعمة فضل بها العشير أهله، فهى من نعمة الله أجراها على يديه، ومعنى هذا الباب كالذى قبله: أن المعاصى تنقص الإيمان ولا تخرج إلى الكفر الذى يوجب الخلود فى النار، لأنهم حين سمعوا رسول الله قال: تمت يكفرن - ظنوا أنه كفر بالله، فقالو: يكفرن بالله؟ قال: تمت يكفرن العشير ويكفرن الإحسان -. فبين لهم رسول الله ﷺ أنه أراد كفرهن حق أزواجهن، وذلك لا محالة ينقص من إيمانهم، ودل ذلك أن إيمانهن يزيد بشكرهن العشير وبأفعل البر كلها، فثبت أن الأعمال من الإيمان، وأنه قول وعمل، إذ بالعمل الصالح يزيد، وبالعمل السيئ ينقص. وفيه: دليل أن المرء يعذب على الجحد للفضل والإحسان وشكر المنعم، وقيل: إن شكر المنعم فريضة. - باب ظُلْمٍ دُونَ ظُلْمٍ / ٢٤ - فيه: ابن مسعود، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) [الأنعام: ٨٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣] . معنى هذا الباب كالذى قبله أن تمام الإيمان بالعمل، وأن المعاصى

стр. 61

ينقص بها الإيمان، ولا يخرج صاحبها إلى الكفر، والناس مختلفون فى ذلك على قدر صغر المعاصى وكبرها. وفيه من الفقه: أن المُفَسَّر يقضى على المجمل بخلاف قول أهل الظاهر، ألا ترى أن أصحاب النبى تأولوا قوله: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ (على جميع أنواع الظلم، فبين الله أن مراده بذلك الظلم الشرك خاصة بقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (، فوجب بهذا حكم المفسر على المجمل، وهذا قول الجمهور، وقد احتج بهذا الحديث من قال: إن الكلام حكمه العموم، حتى يأتى دليل الخصوص. - باب عَلامَةِ الْمُنَافِقِ / ٢٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ أَن نبِىّ اللَّه ﷺ قَالَ: تمت آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ -. / ٢٦ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: تمت أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ -. تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأعْمَشِ. معنى هذا الباب كالأبواب المتقدمة قبله: أن تمام الإيمان بالأعمال، وأنه يدخل على المؤمن النقص فى إيمانه بالكذب، وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور فى الخصام، كما يزيد إيمانه بأفعال البر.

стр. 62

قال أبو الزناد: ولم يُرد النبى ﷺ بالنفاق المذكور فى هذين الحديثين النفاق الذى صاحبه فى الدرك الأسفل من النار، الذى هو أشد الكفر، وإنما أراد أنها خصال تشبه معنى النفاق، لأن النفاق فى اللغة أن يظهر المرء خلاف ما يبطن، وهذا المعنى موجود فى الكذب، وخلف الوعد، والخيانة. فإن قيل: قد قال ﷺ فى حديث عبد الله بن عمرو: تمت كان منافقًا خالصًا -. قيل: معناه خالصًا فى هذه الخلال المذكورة فى الحديث فقط، لا فى غيرها، لقوله : (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) [النساء: ٤٨] . وقد ثبت عن الرسول أنه يخرج مِن النار مَن فى قلبه مثقال حَبَّة من خردل من إيمان. قال المهلب: والمراد بالحديث، والله أعلم، من يكون الكذب غالبًا على كلامه، ومستوليًا على حديثه، والخيانة على أمانته، والخلف على مواعيده، فإذا كان هذا شأنه قويت العلامة والدلالة. وأمّا من كان الكذب على حديثه نادرًا فى خبره تافهًا، والخيانة فى أمانته شاذة يدعى العذر فيها، والخلف فى أوعاده، مثل ذلك معتذر بآفات منعته من الإنجاز فلا يقضى عليه بالنادر اليسير، إذ لا يمكن أن يسلم أحدٌ من كذب. وقد سُئل مالك بن أنس، عمن جُرب عليه كذب، قال: أى نوع من الكذب، لعله إذا حدَّث، عن غضادة عيش سلف زاد فى وصفه

стр. 63

وأفرط فى ذكره، أو أخبر عَمَّا رآه فى سفره، أعيا فى خبره وأسرف، فهذا لا يضره، وإنما يضر من حدَّث عن الأشياء بخلاف ما هى عليه عامدًا للكذب. وكذلك الخلف فى الوعد، والخيانة فى الأمانة إذا كانت شاذة يدعى فيها العُذر. وذلك مغتفر له غير محكوم عليه فى انفاق أو سوء معتقد، وقد جُرَّب على من سلف من الأئمة بعض ذلك، فلم يضرهم، لأنه كان نادرًا. هذا وجه الحديث إن شاء الله. ويشهد لذلك ما حدثنا به أحمد بن محمد بن عفيف، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان، قال: حدثنا محمد بن عمر بن لبابة، حدثنا عثمان بن أيوب، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد، عن أبيه، قال: بلغنى أن رجلاً من أهل البصرة قدم مكة حاجًا، فجلس فى مجلس عطاء بن أبى رباح، فقال الرجل: سمعت الحسن يقول: من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرج أن أقول فيه إنه منافق: من إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، فقال له عطاء: أنت سمعت هذا من الحسن؟ قال: نعم، قال: إذا رجعت إلى الحسن، فقل له: إن عطاء بن أبى رباح يقرأ عليك السلام، ويقول لك: ما تقول فى بنى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، خليل الله، إذ حدثوا فكذبوا، ووعدوا فاخلفوا، وأؤتمنوا فخانوا، فكانوا منافقين؟ .

стр. 64

واعلم أنه لن يعدوا أهل الإسلام أن تكون منهم الخيانة والخلف، ونحن نرجو أن يعيذهم الله من النفاق، وما استقر اسم النفاق قط إلا فى قلب جاحد، وكذلك يقول الله: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ (إلى: (يَفْقَهُون) [المنافقون: ١ - ٣] . ألا ترى أن الإيمان زال عن قلوبهم، ونحن نرجو أن لا يكون عن قلوب المؤمنين زائلاً، وإن كان فيهم ما سميتهم به، فَسُرَّ بذلك الحسن، وقال: جزاك الله خيرًا، ثم أقبل على أصحابه فقال لهم: ما لكم لا تصنعون ما صنع أخوكم هذا، إذ سمعتم منى حديثًا حدثتم به العلماء، فما كان منه صوابًا فحسن، وإن كان غير ذلك ردوا عَلَىَّ صوابه. وقد روى عن الرسول أن الحديث فى المنافقين، حدثنا أحمد بن محمد بن عفيف، حدثنا عبد الله بن عثمان، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا عبيد بن محمد الكشورى، حدثنا أسوار بن محمد الصنعانى، حدثنا المعتمر بن أبى المعتمر الجزرى، عن مقاتل بن حيان، أنه سأل سعيد ابن جبير عن قوله، ﷺ : تمت ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، ومن كانت فيه خصلة واحدة ففيه ثلث النفاق حتى يدعها -. قال مقاتل: وهذه مسألة قد أفسدت علىّ معيشتى، لأنى أظن أنى لا أسلم من هذه الثلاث، أو من بعضهن، ولن يسلم منهن كثير من

стр. 65

الناس، فضحك سعيد بن جبير، ثم قال: أَهَمَّنِى من هذا الحديث مثل الذى أهمك، فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصت عليهما فضحكا، وقالا: أهمنا والله يا ابن أخى من هذا الحديث مثل الذى أهمك، فأتينا النبى، ﷺ ، فسألناه عنه فضحك ﷺ ، وقال: تمت ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين. أما قولى: إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله عَلىَّ: (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (، [المنافقون: ١] لا يستيقنون نبوتك فى قلوبهم، فأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا عليكم، أنتم من ذلك برآء. أما قولى: إذا وعد أخلف، فذلك فيما أنزل الله علىَّ: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ (، إلى: (يَكْذِبُونَ) [التوبة: ٧٥ - ٧٧] ، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: فلا عليكم، أنتم من ذلك برآء. أما قولى: إذا اؤتمن خان، فذلك فيما أنزل الله عَلىَّ: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ (إلى: (جَهُولاً) [الأحزاب: ٧٢] ، فكل مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة فى السر والعلانية، ويصوم ويصلى فى السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذلك إلا فى العلانية، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا، قال: لا عليكم، أنتم من ذلك برآء -. - باب قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإيمَانِ / ٢٧ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تمت مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا

стр. 66

وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ وَصَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ -. قال المؤلف: هذا الحديث حجة أيضًا أن الأعمال إيمان؛ لأنه ﷺ جعل الصيام والقيام إيمانًا، ومعنى قوله: تمت إيمانًا وإحتسابًا - يعنى: مصدقًا بفرض صيامه، ومصدقًا بالثواب على قيامه وصيامه ومحتسبًا مريدًا بذلك وجه الله، بريئًا من الرياء والسمعة، راجيًا عليه ثوابه. - باب الْجِهَادِ مِنَ الإيمَان / ٢٨ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : تمت انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلا إِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ -. وهذا الباب كالأبواب المتقدمة حجة فى أن الأعمال إيمان؛ لأنه لما كان الإيمان بالله هو المخرج له فى سبيله، كان الخروج إيمان بالله لا محالة، كما تسمى العرب الشىء باسم الشىء مما يكون من سببه فتقول للنبات: نوء؛ لأنه عن النوء يكون، وتقول للمطر: سماء؛ لأنه من السماء ينزل. وسيأتى معنى هذا الحديث فى كتاب الجهاد. وقوله: تمت انتدب الله - يريد أوجب الله وتفضل لمن أخلص النية لله فى جهاده أن ينجزه ما وعده.

стр. 67

ونبه ﷺ بهذه الثلاثة الألفاظ أن المجاهد لا يخلو من الشهادة إن قتل، أو الغنيمة والأجر إن سلم. - باب الدِّينُ يُسْرٌ وقوله: (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ / ٢٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ ﷺ : تمت الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ -. معنى هذا الباب أيضًا أن الدين اسم واقع على الأعمال لقوله ﷺ : تمت الدين يسر -، ثم بين الطريقة التى يجب امتثالها من الدين بقوله: تمت فسددوا وقاربوا - إلى آخر الحديث. وهذه كلها أعمال سماها ﷺ دينًا، والدين والإسلام والإيمان شىء واحد. قال أبو الزناد: والمراد بهذا الحديث الحض على الرفق فى العمل، وهو كقوله ﷺ : تمت عليكم من العمل ما تطيقون -، وقال لعبد الله بن عمر: تمت وإذا فعلت هجمت عينك ونقمت نفسك -. وقوله: تمت أبشروا - يعنى بالأجر والثواب على العمل، وتمت استعينوا بالغدوة والروحة وشىء من الدلجة - كأنه خاطب مسافرًا يقطع طريقه إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه التى يزكو فيها عمله؛ لأن الغدو والرواح والدلج أفضل أوقات المسافر، وقد حض الرسول المسافر على

стр. 68

المشى بالليل، وقال: إن الأرض تطوى بالليل، وقال لعبد الله بن عمر: تمت كن فى الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل -، فشبه الإنسان فى الدنيا بالمسافر، وكذلك هو على الحقيقة؛ لأن الدنيا دار نقلة وطريق إلى الآخرة، فنبه أمته أن يغتنموا أوقات فرصتهم وفراغهم، والله الموفق. - باب الصَّلاةُ مِنَ الإيمَانِ وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) [البقرة: ١٤٣] يَعْنِى صَلاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ المقدس / ٣٠ - فيه: حديث البراء حين نسخت القبلة. قال: هذه الآية أقطع الحجج للجهمية والمرجئة فى قولهم: إن الفرائض والأعمال لا تسمى إيمانًا. وقولهم خلاف نص التنزيل؛ لأن الله سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانًا، ولا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت فى صلاتهم إلى بيت المقدس، ومثل هذه الآية قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [الأنفال: ٢، ٣] ، حتى الزكاة، وفى تسميته لهم مؤمنين فإن كانوا للصلاة

стр. 69

عاملين وللزكاة مؤدين فما وجب به أن تكون الصلاة والزكاة إيمانًا؛ لأن المسمى مؤمنا بعمله لشىء يوجب أن يسمى ذلك الشىء إيمانًا. ومثله أيضًا قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النور: ٦٢] ، فسماهم مؤمنين بإيمانهم بالله ورسوله، وأن لا يذهبوا إذا كانوا مع نبيهم حتى يستأذنوه، واستئذانهم له عمل مفترض عليهم سموا به مؤمنين كما سموا بإيمانهم بالله ورسوله. - باب حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ / ٣١ - فيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ ﷺ : تمت إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلامُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا -. / ٣٢ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : تمت إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا -. قال المؤلف: قوله ﷺ : تمت فحسن إسلامه - قد فسره حين سئل ما الإحسان؟ فقال: تمت أن تعبد الله كأنك تراه - أراد مبالغة الإخلاص لله بالطاعة والمراقبة له. وفى قوله: تمت إلا أن يتجاوز الله عنها - رد على من أنفذ الوعيد

стр. 70

على العصاة المؤمنين؛ لأن قوله: تمت إلا أن يتجاوز الله عنها - يدل أنه قد يؤاخذ بها، وقد يتجاوز عنها إذا شاء، وهذا مذهب أهل السنة. وأما حديث أبى سعيد فإن البخارى أسقط بعضه، ولم يسنده، وهو حديث مشهور من رواية مالك فى غير الموطأ، ونص الحديث: قال رسول الله: تمت إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان زلفها، ومحى عنه كل سيئة كان زلفها، وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله -. ذكره الدارقطنى فى غريب حديث مالك، ورواه عنه من تسعة طرق، وثبت فيها كلها ما أسقطه البخارى أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له فى الإسلام كل حسنة عملها فى الشرك، ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما شاء لا اعتراض لأحد عليه، وهو كقوله ﷺ لحكيم بن حزام: تمت أسلمت على ما سلف من خير -، وهو مذكور فى كتاب الزكاة، وكتاب العتق. - باب أَحَبِّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ / ٣٣ - فيه: عَائِشَةَ أَنَّ الرَّسُولِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: تمت مَنْ هَذِهِ؟ - قَالَتْ: فُلانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا، قَالَ: تمت مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ -. قال المؤلف: قول عائشة: تمت وكان أحب الدين إلى الله ما دام - هو معنى الباب؛ لأنها سَمَّت الأعمال دينًا بخلاف قول المرجئة.

стр. 71

وقال المهلب وأبو الزناد: إنما قال ذلك ﷺ ، والله أعلم، خشية الملال اللاحق بمن انقطع فى العبادة. وقد ذَمَّ الله من التزم فعل البرِّ ثم قطعه بقوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) [الحديد: ٢٧] . ألا ترى أن عبد الله بن عمرو لما ضعف عن العمل ندم على مراجعته رسول الله ﷺ فى التخفيف عنه، وقال: ليتنى قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، ولم يقطع العمل الذى كان التزمه. قال ابن قتيبة: وقوله: تمت فإن الله لا يمل حتى تملوا -، معناه لا يمل إذا مللتم. ومثال ذلك: قولهم فى الكلام: هذا الفرس لا يفتر حتى يفتر الخيل، لا يريد بذلك أنه يفتر إذا فترت الخيل، ولو كان هذا المراد ما كان له فضيلة عليها إذا فتر معها. ومثله: قولهم فى الرجل البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه، يعنى لا ينقطع إذا انقطع خصومه، ولا أراد أنه ينقطع إذا انقطعوا لم يكن له فضل على غيره ولا وجبت له به مدحة. قال الشاعر: صَليتْ مِنَّا هُذَيْلٌ بِحَرْبٍ لا نَمَلُّ الشَّرَّ حَتَّى تَمَلُّوا لم يرد أنهم يملون الشر إذا ملوا، ولو أراد ذلك ما كان لهم فيه مدح، لأنهم حينئذ يكونون فيه سواء كلهم، بل أراد أنهم لا يملون الشر، وإن مَلّه خصومهم.

стр. 72

وقال ابن فورك: معناه إن من شأنكم الملل، وليس هو صفات الله تعالى، لأن الملل صفة تقتضى تغيرًا وحلول الحوادث فى من حلت فيه، وهذا غير جائز فى صفة الله تعالى. وذكر الخطابى فيه وجهًا آخر، وهو أن يكون معناه أن الله لا يسأم الثواب ما لم تسأموا العمل، أى لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل. وقوله: تمت مَهْ - زجرٌ وكَفْ. - باب زِيَادَةِ الإيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وقوله تَعَالَى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ / ٣٤ - فيه: أَنَسٍ قَالَ ﷺ : تمت يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَفِى قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ -. / ٣٥ - وفيه: ابن عمر، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِى كِتَابِكُمْ، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَىُّ آيَةٍ؟ قَالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) [المائدة ٣] ، وذكر الحديث. قال المؤلف: قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (حجة فى

стр. 73

زيادة الإيمان ونقصانه، لأن هذه الآية نزلت يوم عرفة فى حجة الوداع يوم كملت الفرائض والسُّنن واستقرَّ الدِّين، وأراد الله قبض نبيه، فدلت هذه الآية، أن كمال الدين إنما حصل بتمام الشريعة، فمن حافظ على التزامها فإيمانه أكمل من إيمان من قَصرَّ فى ذلك وضيع. ولذلك قال البخارى: فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص، وقد تقدم فى أول كتاب الإيمان، أن القول بزيادة الإيمان ونقصانه هو مذهب أهل السُّنَّة وجمهور الأُمة. وقال المهلب: الذَّرة أقل الموزونات، وهى فى هذا الحديث التصديق الذى لا يجوز أن يدخله النقص، وما فى البُرّة والشعيرة من الزيادة على الذرة، فإنما هى زيادة على الأعمال يكمل التصديق بها، وليست زيادة فى التصديق لما قدمنا أنه لا ينقص التصديق. فإن قيل: فإنه لما أضاف هذه الأجزاء التى فى الشعيرة والبُرّة الزائدة على الذرة إلى القلب دَلَّ أنها من زائدة التصديق، لا من الأعمال. فالجواب: أنه لما كان الإيمان التام إنما هو قول وعمل، والعمل لا يكون إلا بنية وإخلاص من القلب، جاز أن يُنسب العمل إلى القلب، إذ تمامه بتصديق القلب، وقد عَبَّر عن هذه الأجزاء من الأعمال مرةً بالخير ومرةً بالإيمان، وكل سائغٌ واسعٌ. وقوله: تمت يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله - يدل أن ما ذكر بعد هذا من الذَّرة والبُرَّة والشعيرة، هى من الأعمال والطاعات، إذ

стр. 74

الأمة مجمعة على أن قول لا إله إلا الله هو صريح الإيمان والتصديق الذى شبه بالذرة عمل القلب أيضًا. وقال غير المهلب: ويحتمل أن تكون الذرة والشعيرة والبُّرة التى فى القلب كلها من التصديق، لأن قول: تمت لا إله إلا الله - باللسان لا يتم إلا بتصديق القلب. والناس يتفاضلون فى التصديق على قدر علمهم وجهلهم، فمن قَلَّ علمه كان تصديقه مقدار ذرة، والذى فوقه فى العلم تصديقه بمقدار بُرة وشعيرة. إلا أن التصديق الحاصل فى قلب كل واحد من هؤلاء فى أول مرة لا يجوز عليه النقصان، ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة. فأما زيادة التصديق بزيادة العلم، فقوله تعالى عند نزول السورة: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا) [التوبة: ٢٤] فهذه زيادة العلم. وأما زيادة التصديق بالمعاينة، فقول إبراهيم إذ طلب المعاينة، قال له ربه: (أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى) [البقرة: ٢٦٠] ، فطلب الطمأنينة بالمعاينة، وهى زيادة فى اليقين، وقد قال تعالى: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) [التكاثر: ٧] ، فجعل له مزية على علم اليقين، وبالله التوفيق. ٣٠ - باب الزَّكَاةِ مِنَ الإسْلامِ قَوْلُهُ تعالى: (وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاة) [البينة: ٥]

стр. 75

/ ٣٦ - فيه: طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الرَسُول ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ، وَلا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإسْلامِ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تمت خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ -، فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: تمت لا، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ -، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تمت وَصِيَامُ رَمَضَانَ -، قَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: تمت لا، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ -، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: تمت لا، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ -، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تمت أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ -. قال المؤلف: هذا الحديث حجة أن الفرائض تُسمى إسلامًا، ودل قوله: تمت أفلح إن صدق - على أنه إن لم يصدق فى التزامها أنه ليس بمفلح، وهذا خلاف قول المرجئة. فإن قيل: إن هذا الحديث ليس فيه فرض النهى عن المحارم، وعن ركوب الكبائر، وليس فيه الأمر باتباع النبى ﷺ فيما سَنَّه لأمته، فكيف يفلح من لم ينته عما نهاه الله، ولم يتبع ما سَنَّه، ﷺ ، وقد توعد الله على مخالفة نبيه ﷺ ، بقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣] . فالجواب: أنه يحتمل أن يكون هذا الحديث فى أول الإسلام قبل ورود فرائض النهى. ويحتمل أن يكون قوله: تمت أفلح إن صدق - راجعًا إلى قوله: أنه لا ينقص منها شيئًا ولم يزد، أفلح إن صدق فى أن لا يزيد
следующие страницы →