Полный текст (5 502 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.
стр. 5426
من طاعة أو معصية، ومعنى قوله ﷺ : (المؤمن كخامة الزرع) فى هذا الباب: أن المؤمن يألم فى الدنيا بما يبتليه الله به من المراض التى يمتحنه بها، فييسره للصبر عليها والرضا بحكم ربه واختياره له؛ ليفرح بثواب ذلك فى الآخرة، والكافر كلما صح فى الدنيا وسلم من آفاتها كان موته أشد عذابًا عليه، وأعظم ألمًا فى مفارقة الدنيا، فثبت أن الله تعالى قد أراد بالمؤمن بكل عسر يسرًا، وأراد بكل ما آتاه الكافر من اليسر عسرًا، وقد تقدم فى أول كتاب المرضى. وقوله: (فذلك فضلى أوتيه من أشاء) فذلك بين فى أن الإرادة هى المشيئة على ما تقدم بيانه؛ إذ الفضل عطاء من له أن يتفضل به، وله ألا يتفضل، وليس من كان عليه حق فأداه أو فعل ما عليه فعله يسمى متفضلاً، وإنما هو من باب الأداء والوفاء بحق ما لزمه. وقوله: (فلو قال إن شاء الله لقاتلوا فرسانًا أجمعون) فوجهه أنه لما نسى أن يرد الأمر لله الخالق العليم، ويجعل المشيئة إليه كما شرط فى كتابه، إذ يقول: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الإنسان: ٣٠] ،) وَلا تَقُولَنَّ لِشَىْءٍ) [الكهف: ٢٣] . فأشبه قوله: (لأطوفن الليلة) قول من جعل لنفسه الحول والقوة؛ فحرمه الله تعالى مراده وما أمله. وأما قوله للأعرابى: (لا بأس عليك طهور إن شاء الله) فإنما أراد تأنيسه من مرضه بأن الله يكفر ذنوبه، ويقيله، ويؤخر وفاته فوقع الاستثناء على ما رجا له من الإقالة والفرج؛ لأن المرض معلوم أنه كفارة للذنوب، وإن كان الاستثناء قد يكون بمعنى رد المشيئة إلى
стр. 5427
الله تعالى، وفى جواب الأعرابي ما يدل على ما قلناه، وهو قوله: حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور. أى ليس كما رجوت من الإقالة. وقوله ﷺ : (فنعم إذًا) دليل على أن قوله: (لا بأس عليك) ، أنه على طريق الرجاء لا على طريق الخبر عن الغيب، وكذلك قوله: (إن الله قبض أرواحنا حين شاء، وردها حين شاء) . وحديث عبادة، وحديث أبى هريرة فى قصة موسى ﷺ ، وقوله ﷺ : (لا أدرى أكان فيمن صعق، فأفاق قبلى، أو ممن استثنى الله) ، فيها كلها إثبات المشيئة لله تعالى، وفيه فضيلة موسى؛ لأن الأمة أجمعت على أن النبى ﷺ أفضل البشر، فإن كان لم يصعق موسى حين صعق الناس، ففيه من الفقه أن المفضول قد يكون فيه فضيلة خاصة لا تكون فى الفاضل. واستثناء النبى ﷺ فى دخول الدجال والطاعون المدينة، هو من باب التأدب لا على الشك الذى لا يجوز على الله تعالى ووجه التحريض على سكنى المدينة لأمته؛ ليحترسوا بها من الفتنة فى الدين؛ لأن المدينة أصل دينه فلم يسلط الله على سكانها المعتصمين بها فتنة الدجال، ولا الطاعون لاعتصام سكانها بها من الفتنة الكبرى، وهى الكفر المستأصل عقوبته، فكذلك لا يستأصلهم بالموت بالطاعون الذى كان من عقوبات بنى إسرائيل. وأما قوله فى الصديق (أنه نزع من البئر ما شاء الله أن ينزع) ، فهذا استثناء صحيح، وأن حركات العباد لا تكون إلا عن مشيئة الله
стр. 5428
وإرادته، وكذلك قوله: ويقضى الله على لسان رسوله ما شاء، أى أن الإنسان لا يتكلم إلا بمشيئة الله المحرك للسانه، والمقلب لقلبه، وكذلك قوله: (إنا قافلون غدا إن شاء الله) . فاستثنى فيما يستقبل من الأفعال، كما أمره الله برد الحول والقوة إليه فى قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣] .
٣١ - بَاب قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) [الصافات: ١٧١]
/ ٩٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِى سَبَقَتْ غَضَبِى) . / ٩٦ - وفيه: ابْن مَسْعُود، حَدَّثَنَا النَّبِىّ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: (أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ. . .) إلى قوله: (ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ، فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ. . .) الحديث، (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا. . .) الحديث. / ٩٧ - وفيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: (يَا جِبْرِيلُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا، فَنَزَلَتْ: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ) [مريم: ٦٤] الآيَةِ. / ٩٨ - وفيه: كُنْتُ أَمْشِى مَعَ النَّبِيّ ﷺ فَمَرَّ بِنفر مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ
стр. 5429
بَعْضُهُمْ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْأَلُوهُ، فَسَأَلُوهُ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْعَسِيبِ، وَأَنَا خَلْفَهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ (إلى) قَلِيلاً) [الإسراء: ٨٥] . / ٩٩ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِى سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلا الْجِهَادُ فِى سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. . .) الحديث. / ١٠٠ - وفيه: أَبُو مُوسَى، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَىُّ ذَلِكَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ) . قال المهلب: الكلمة السابقة: هى كلمة الله بالقضاء المتقدم منه قبل أن يخلق خلقه فى أم الكتاب؛ الذى جرى به القلم للمرسلين إنهم لهم المنصورون فى الدنيا والآخرة، وقد تقدم فى كتاب القدر، ومعنى هذا الباب إثبات الله متكلما وذا كلام، خلافًا لمن يقول من المعتزلة: أنه غير متكلم فيما مضى، وكذلك هو فيما بقى. وهذا كفر قد نص الله على إبطاله بقوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا) [الصافات: ١٧١] فى آيات أخر، وقد نص النبى ﷺ على بيان هذا المعنى فى أحاديث هذا الباب، فقال: (كتب عنده فوق عرشه) ، وقال: ثم يبعث الله إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات يوحيها الله إلى الملك، فيكتبها فى أم الكتاب، وقال: فيسبق عليه الكتاب بالقضاء المتقدم فى سابق علمه، والكتاب يقتضي كلامًا مكتوبًا، ودل ذلك على
стр. 5430
أنه لم يزل عالمًا بما سيكون قبل كونه، خلافًا لمن يقول: لا يعلم الأشياء قبل كونها، ووجه مشاكلة حديث ابن عباس للترجمة، هو أن الذى يتنزل به جبريل هو كلام الله ووحيه، وكذلك قوله فى حديث ابن مسعود) قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى) [الإسراء: ٨٥] يريد أن الروح خلق من خلقه تعالى، خلقه بقوله: كن وكن: كلامه الذى هو أمره الذى لم يزل ولا يزال. وقوله: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) [الإسراء: ٨٥] فيه دليل على أنه لا تبلغ حقيقة العلم بالمخلوقات فضلا عن العلم بالخالق سبحانه، وأن من العلم ما يلزم التسليم فيه لله تعالى ويجب الإيمان بمشكله، وأن الراسخين فى العلم لا يعلمون تأويل المتشابه كما يزعم المتكلمون، إذ قد أعلمنا الله أن السؤال عن الروح ابتغاء ما لم يؤته من العلم، مع أنه وصف قلوب المتبعين ما تشابه منه بالزيغ وابتغاء الفتنة، ووصف الراسخين فى العلم بالإيمان به، وأن كله من عند ربهم، مستعيذين من الزيغ الذى وسم الله به من اتبع تأويل المتشابه منه، داعين إلى الله لا يزيغ قلوبهم بابتغاء تأويله، بعد إذ هداهم إلى الإيمان به. وأما قوله: (كتب عنده: إن رحمتى سبقت غضبى) فهو والله أعلم كتابه فى أم الكتاب الذى قضى به وخطه القلم، فكان من رحمته تلك أن ابتدأ خلقه بالنعمة بإخراجهم من العدم إلى الوجود،
стр. 5431
وبسط لهم من رحمته فى قلوب الأبوين على الأبناء، من الصبر على تربيتهم، ومباشرة أقذارهم ما إذا تدبره متدبر أيقن أن ذلك من رحمته تعالى، ومن رحمته السابقة أنه يرزق الكفار وينعمهم، ويدفع عنهم الآلام ثم ربما أدخلهم الإسلام رحمة منه لهم، وقد بلغوا من التمرد عليه والخلع لربوبيته غايات تغضبه، فتغلب رحمته ويدخلهم جنته، ومن لم يتب عليه حتى توفاه فقد رحمه مدة عمره بتراخى عقوبته عنه، وقد كان له ألا يمهله بالعقوبة ساعة كفره به ومعصيته له، لكنه أمهله رحمةً له، ومع هذا فإن رحمة الله السابقة أكثر من أن يحيط بها الوصف.
٣٢ - بَاب قَوله تَعَالَى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى (إلى قوله: (مَدَدًا) [الكهف: ١٠٩] وقوله: (وَلَوْ أَنَّ مَا فِى الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) [لقمان: ٢٧]
/ ١٠١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِى سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلا الْجِهَادُ فِى سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) . قال مجاهد: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا (للقلم يستمد منه للكتاب) لِّكَلِمَاتِ رَبِّى) [الكهف: ١٠٩] ، أى لعلم ربى. وقال قتادة: لنفد ماء البحر قبل أن ينفد كلام ربى وحكمه. ومعنى هذا الباب إثبات الكلام لله صفةً لذاته، وأنه لم يزل
стр. 5432
متكلمًا ولا يزال، كمعنى الباب الذى قبله، وإن كان قد وصف كلامه تعالى بأنه كلمات فإنه شىء واحد لا يتجزأ ولا يقسم، وكذلك يعبر عنه بعبارات مختلفة: تارةً عربيةً، وتارةً سريانيةً، وبجميع الألسنة التى أنزلها الله على أنبيائه، وجعلها عبارةً عن كلامه القديم الذى لا يشبه كلام المخلوقين، ولو كانت كلماته مخلوقة لنفدت كما تنفد البحار والأشجار وجميع المحدثات، فكما لا يحاط بوصفه تعالى، كذلك لا يحاط بكلماته وجميع صفاته.
٣٣ - بَاب قَوله تَعَالَى: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (الآية) قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ) [سبأ: ٢٣] وَلَمْ يَقُلْ مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: (مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ) [البقرة: ٢٥٥]
وَقَالَ مَسْرُوقٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْىِ، سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وَسَكَنَ الصَّوْتُ عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ، وَنَادَوْا: (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ) [سبأ: ٢٣] . وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: (يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ) . / ١٠٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ : (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأمْرَ فِى السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا، لِقَوْلِهِ: كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ) .
стр. 5433
/ ١٠٣ - قال على بن المدينى، وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ، فَإِذَا) فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ) [سبأ: ٢٣] . وَقَالَ عكرمة مرةً عن أبى هريرة يرفعه: أنه قرأ: فُزِّغَ. / ١٠٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَىْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِىِّ ﷺ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) . / ١٠٥ - وفيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ) . / ١٠٦ - وفيه: عَائِشَةَ، مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِى الْجَنَّةِ. قال المهلب: استدل البخارى بقوله تعالى: (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ) [سبأ: ٢٣] . ولم يقل: ماذا خلق ربكم. على أن قوله تعالى قائم بذاته، صفة من صفاته، لم يزل موجودًا ولا يزال، وأنه لا يشبه كلام المخلوقين، وليس بذى حروف، خلافًا للمعتزلة التى نفت كلام الله تعالى، وقالت: إن كلامه كناية عن الفعل والتكوين، قالوا: وهذا سائغ فى كلام العرب، ألا ترى أن الرجل يعبر عن حركته بيده فيقول: قلت بيدى هكذا، وهم يريدون حركت يدى، ويحتجون بأنه كلام لا يعقل منا إلا بأعضاء ولسان،
стр. 5434
والباري تعالى لا يجوز أن يكون له أعضاء وآلات الكلام؛ إذ ليس بجسم. فرد البخارى عليهم بقوله ﷺ : (إذا قضى الله الأمر فى السماء، فزعت الملائكة وضربت بأجنحتها فكان لها صوت، كأنه سلسلة على صفوان خضعانًا) لقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ) [سبأ: ٢٣] ، أى أذهب الفزع عن قلوبهم، قالوا للذى فوقهم: ماذا قال ربكم؟ فدل ذلك على أنهم سمعوا قولا لم يفهموا معناه من أجل فزعهم، فقالوا: ماذا قال ربكم؟ ولم يقولوا: ماذا خلق ربكم، وأكد ذلك بما حكاه عن الملائكة أيضًا؟) قَالُوا الْحَقَّ) [سبأ: ٢٣] ، والحق إحدى صفتى القول الذى لا يجوز على الله غيره؛ لأنه لا يجوز على كلامه الباطل. ولو كان القول منه خلقًا وفعلا لقالوا حين سألوا ماذا قال، أخلق خلقًا كذا، إنسانًا، أو جبلا، أو شيئًا من المخلوقات، فلما وصفوا قوله بما يوصف به الكلام من الحق، لم يجز أن يكون القول بمعنى الخلق والتكوين، وكذلك قوله لآدم: يا آدم، وهو كلام مسموع، ولو كان بمعنى الخلق والتكوين ما أجاب بلبيك وسعديك، التى هى جواب المسموعات، وكذلك قول عائشة: (ولقد أمره ربه أن يبشرها) هو كلام، وقول مسموع من الله تعالى ولو كان خلقًا لما فهم منه عن ربه له بالبشرى.
стр. 5435
٣٤ - بَاب كَلامِ الرَّبِّ مَعَ جِبْرِيلَ وَنِدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَلائِكَةَ وَقَالَ مَعْمَرٌ: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) [النمل: ٦] أَىْ يُلْقَى عَلَيْكَ، وَتَلَقَّاهُ أَنْتَ: أَىْ تَأْخُذُهُ عَنْهُمْ، وَمِثْلُهُ: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) [البقرة: ٣٧]
. / ١٠٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلانًا، فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِى جِبْرِيلُ فِى السَّمَاءِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِى أَهْلِ الأرْضِ) . / ١٠٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِى صَلاةِ الْعَصْرِ وَصَلاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ. . .) الحديث. / ١٠٩ - وفيه: أَبُو ذَرّ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (أَتَانِى جِبْرِيلُ، فَبَشَّرَنِى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى) . هذا باب كالباب الذى قبله فى إثبات كلام الله وإسماعه إياه جبريل والملائكة، فيسمعون عند ذلك الكلام القديم القائم بذاته الذى لا يشبه كلام المخلوقين، إذ ليس بحرف ولا تقطيع نغم وليس من شرطه أن يكون بلسان وشفتين وآلات، وحقيقته أن يكون مسموعًا مفهومًا، ولا يليق بالبارى تعالى أن يستعين فى كلامه بالجوارح والأدوات، فمن قال: لم أشاهد كلامًا إلا بأدوات، لزمه التشبيه؛ إذ حكم على الله بحكم المخلوقين، وخالف قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١] .
стр. 5436
٣٥ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) [النساء: ١٦٦]
قَالَ مُجَاهِدٌ: (يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ) [الطلاق: ١٢] بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالأرْضِ السَّابِعَةِ. / ١١٠ - فيه: الْبَرَاء، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (يَا فُلانُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِى إِلَيْكَ. . . إلى قوله: (آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنْزَلْتَ. . .) الحديث. / ١١١ - وفيه: ابْن أَبِى أَوْفَى، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (يَوْمَ الأحْزَابِ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ: سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الأحْزَابَ، وَزَلْزِلْ بِهِمْ) . / ١١٢ - وفيه: ابْن عَبَّاس،) وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا) [الإسراء: ١١٠] أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ، سَمِعَه الْمُشْرِكُونَ، فَسَبُّوا الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ (يَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ،) وَلا تُخَافِتْ بِهَا (عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلا تُسْمِعُهُمْ،) وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (أَسْمِعْهُمْ، وَلا تَجْهَرْ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ الْقُرْآنَ. ولا تعلق للقدرية فى قوله تعالى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) [النساء: ١٦٦] أن القرآن مخلوق؛ لأن كلامه قديم قائم بذاته، ولا يجوز أن تكون صفة ذات القديم إلا قديمة، فالمراد بالإنزال إفهام عباده المكلفين معانى كتابه وفرائضه التى افترضها عليهم، وليس إنزاله كإنزال الأجسام المخلوقة التى يجوز عليها الحركة والانتقال من مكان إلى مكان؛ لأن القرآن ليس بجسم ولا مخلوق، والأفعال التى يعبر بها
стр. 5437
عن الأجسام كالحركة والانتقال من الأمكنة تستحيل على الله وعلى كلامه وجميع صفاته. قال المهلب: وفى حديث البراء الرد على القدرية الذين يزعمون أن لهم قدرة على الخير والشر استحقوا عليها الثواب والعقاب لأمر النبى ﷺ من آوى إلى فراشه بالتبرؤ عند نومه من الحول والقوة والاستسلام لقدرة الله التى إليه بها النوم، فلم يستطع دفعه، فلو كان يملك لنفسه نفعًا أو ضرًا لدفع عن نفسه النوم الذى هو موت إن أمسك الله نفسه فيه مات أبدًا، وإن أرسلها بعد موته ساعة أو ساعات جدد لها حياة. وكيف يملك الإنسان لنفسه قدرة، وقد أمره نبيه ﷺ أن يتبرأ من جميع وجوهها فى هذا الحديث، ثم عرفك أن هذه الفطرة التى فطر الله الناس عليها يجب أن تكون آخر ما يقوله المرء الذى حضره أول الموت فيموت على الفطرة التى عليها خلقه، وإن أحياه أصاب بتبرئه إليه خيرًا يريد أجرًا فى الآخرة وخيرًا من رزق وكفاية وحفظ فى الدنيا. وفى حديث ابن أبى أوفى جواز الدعاء بالسجع، إذا لم يكن متكلفًا مصنوعًا تفكره، وشغل بال بتهيئته فيضعف بذلك نية الداعى فلذلك كره السجع فى الدعاء، وأما إذا تكلم به طبعًا فهو حسن وقد أشرنا إلى هذا المعنى فى كتاب الدعاء. وفى حديث ابن عباس أن قطع الذرائع التى تنقص البارى تعالى وتنقص كتابه واجب وإن كان المراد بها الخير لمنعه من رفع الصوت بالقرآن لئلا يسمعه من يسبه ومن أنزله.
стр. 5438
٣٦ - بَاب قوله تَعَالَى) يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ) [الفتح: ١٥] ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ) [الطارق: ١٣] حَقٌّ) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) [الطارق: ١٤] بِاللَّعِبِ .
/ ١١٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِى ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِى الأمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) . / ١١٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الصَّوْمُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِى. . .) الحديث. / ١١٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِى فِى ثَوْبِهِ، فَنَادَى رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ. . .) . / ١١٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (قَالَ اللَّه تَعَالَى: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) . / ١١٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: (هَذِهِ خَدِيجَةُ، أَتَتْكَ بِإِنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ، أَوْ شَرَابٌ، فَأَقْرِئْهَا مِنْ رَبِّهَا السَّلامَ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لا صَخَبَ فِيهِ وَلا نَصَبَ) . / ١١٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِى الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ. . .) الحديث. / ١١٩ - وفيه: ابْن عَبَّاس، كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَلَكَ أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ. . .) ، الحديث.
стр. 5439
/ ١٢٠ - وفيه: عَائِشَةَ، فِى حديث الإِفْكِ: وَلَشَأْنِى فِى نَفْسِى كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِىَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى. . .) الحديث. / ١٢١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِى أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا. . .) الحديث. / ١٢٢ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (لَمَّا فَرَغَ اللَّه من الخلق قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، فَقَالَ: أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ. . .) الحديث. / ١٢٣ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِى لِقَائِى أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِى كَرِهْتُ لِقَاءَهُ) . / ١٢٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى) . / ١٢٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيد، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (قَالَ رَجُلٌ لأهله، لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، احرقونى، فَقَالَ لهُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ، فَغَفَرَ لَهُ) . / ١٢٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ، فَقَالَ رَبُّهُ، جل ثناءه: عَلِمَ عَبْدِى أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِى. . .) الحديث. قال المهلب: غرضه فى هذا الباب كغرضه فى الأبواب التى قبله،
стр. 5440
ومعنى قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ) [الفتح: ١٥] ، هو أن المنافقين تخلفوا عن الخروج مع النبى ﷺ إلى غزوة تبوك، واعتذروا فأعلم الله إفكهم فيه، فأمر الله رسوله أن يقرأ عليهم قوله تعالى: (فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا) [التوبة: ٨٣] فأعلمهم بذلك وقطع أطماعهم من الخروج معه. فلما رأوا الفتوحات قد تهيأت للنبى ﷺ أرادوا الخروج معه رغبة منهم فى المغانم، فأنزل الله على: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ) [الفتح: ١٥] ، أى أمره لرسوله بأن لا يخرجوا معه بأن يخرجوا معه. فقطع الله أطماعهم من ذلك مدة أيامه ﷺ ؛ لقوله: (لَّن تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا) [التوبة: ٨٣] ، ثم قال آمرًا لرسوله ﷺ : (قل للمخلفين من الأعراب (يعنى: المريدين تبديل كلام الله: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ) [الفتح: ١٦] ، يعنى توليتم عن إجابته ﷺ حين دعاهم إلى الخروج معه فى سورة براءة) يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح: ١٦] ، والداعى لهم غيره ﷺ ممن يقوم بأمره من خلفائه، فقيل: الداعى لهم بعده أبو بكر دعاهم لقتال أهل الردة، وقيل: الداعى عمر، دعاهم لقتال المشركين. وسائر الأحاديث فيها إثبات كلامه، وقد مر القول على أنه صفة قائمة به لا يصح مفارقتها له، وأنه لم يزل متكلمًا، ولا يزال كذلك.
стр. 5441
وأما قوله: (يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر) قد تقدم فى باب قوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: ٥٨] ، أن الأذى لا يلحق بالله، وإنما يلحق من تتعاقب عليه الحوادث، ويلحقه العجز والتقصير عن الانتصار، والله تعالى منزه عن ذلك، فوجب أن يرجع الأذى المضاف إليه تعالى إلى أنبيائه ورسله، والمعنى يؤذى ابن آدم أنبيائى ورسلى بسب الدهر؛ لأن ذلك ذريعة إلى سب خالق الدهر، ومصرف أقضيته وحوادثه. وقوله: (وأنا الدهر) أى: أفعل ما يجرى به الدهر من السراء والضراء، ألا ترى قوله تعالى: (بيدى الأمر أقلب الليل والنهار) فالأيام والليالى ظروف للحوادث، فإذا سببتم الدهر وهو لا يفعل شيئًا فقد وقع السب على الله. وقد بينت هذا الحديث بأكثر من هذا فى كتاب الأدب فى باب: لا تسبوا الدهر. قال المهلب: وأما قوله تعالى: (أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) فهو كقوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل: ٨] مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا توهمه قلب بشر. هو على الحقيقة ما لا يعلمه بشر ممن له الأذن والقلب والبصر، فتخصيصه قلب بشر بأن لا يعلمه، يدل والله أعلم أنه يجوز أن يخطر على قلوب الملائكة، ألا ترى أنه إذا أفردنا بالمخاطبة بقوله: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (فدل على جواز أن يعلمه غيرنا. وقوله فى حديث أبى هريرة: (لما فرغ الله من الخلق قامت الرحم
стр. 5442
فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال تعالى: ألا ترضين. . .) الحديث. فلا تعلق فيه لمن يقول: بحدث كلامه تعالى من أجل أن الفاء فى قوله فقال: توجب فى الظاهر كون قوله تعالى عقيب قول الرحم، وذلك مقتضٍ للحدث لقيام الدليل على أن الله لم يزل قائلا متكلمًا قبل أن يخلق خلقه بما لا أول له من الأزمان، وإذا كان ذلك كذلك وجب حمل قوله تعالى على معنى إفهامه تعالى إياها معنى كلامه الذى لم يزل به متكلمًا وقائلاً، وعلى هذا المعنى يحمل نحو هذا اللفظ إذا أتى فى الحديث. وقد يحتمل أن يكون يأمر ملكًا من ملائكته بأن يقول للرحم هذا القول عنه تعالى، وأضاف إليه، إذ كان قول الملك عن أمره تعالى له، ويدل على صحة هذا التأويل رواية من روى فى حديث الشفاعة: (فأستأذن على ربى وأخر له ساجدًا فيقال: يا محمد، ارفع رأسك. .) بترك إسناد القول إلى الله تعالى جاءت هذه الرواية فى الباب بعد هذا. وقوله للرحم: مه، فمعنى مه فى لسان العرب: الزجر والردع. فمحال توجه ذلك إلى الله، فوجب توجهه إلى من عاذت الرحم بالله تعالى من قطعه إياها. وقوله: (أنا عند ظن عبدى بى) لا يتوجه إلا إلى المؤمنين خاصة أى: أنا عند ظن عبدى المؤمن بى، وفى القرآن آيات تشهد أن عباده المؤمنين وإن أسرفوا على أنفسهم أنه عند ظنهم به من المغفرة والرحمة،
стр. 5443
وإن أبطأت حينًا وتراخت وقتًا لإنفاذ ما حتم به، على من سبق عليه إنفاذ الوعيد تحلة القسم؛ لأنه قد كان له أن يعذب واحد أبدًا كإبليس، فهو عند ظن عبده، وإن عاقبه برهة فإن كان ظنه به ألا يعذبه برهة، ولا تحلة فإنه كذلك يجده كما ظن إن شاء الله فهو أهل التقوى وأهل المغفرة. وأما حديث الذى لم يعمل خيرًا قط، ففيه دليل على أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله ما لم يتغمده الله برحمته كما قال ﷺ . وفيه أن الإنسان يدخل الجنة بحسن نيته فى وصيته لقوله: خشيتك يا رب. وفيه أن من جهل بعض الصفات فليس بكافر خلافًا لبعض المتكلمين؛ لأن الجهل بها هو العلم؛ إذ لا تبلغ كنه صفاته تعالى، فالجاهل بها هو المؤمن حقيقة ولهذا قال بعض السلف: عليكم بدين العذارى، أفترى العذارى يعلمن حقيقة صفات الله تعالى. وللأشعرى فى تأويل هذا الحديث قولان: كان قوله الأول: من جهل القدرة أو صفة من صفات الله تعالى فليس بمؤمن. وقوله فى هذا الحديث: (لئن قدر الله على) لا يرجع إلى القدرة وإنما يرجع إلى معنى التقدير الذى هو بمعنى التضييق كما قال تعالى فى قصة يونس: (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء: ٨٧] ، أى لن نضيق عليه، ثم رجع عن هذا القول وقال: لا يخرج المؤمن من الإيمان بجهله بصفة من صفات الله تعالى قدرة كانت أو سائر صفات ذاته تعالى إذا لم يعتقد فى ذلك اعتقادًا يقطع أنه الصواب
стр. 5444
والدين المشروع، ألا ترى أن الرجل قال: لئن قدر الله عليه ليعذبنه فأخرج ذلك مخرج الظن دون القطع على أنه تعالى غير قادر على جمعه وإحيائه إخراج خائف من عذاب ربه ذاهل العقل. يدل على ذلك قوله مجيبًا لربه لما قال له: لم فعلت؟ قال: من خشيتك. وأنت أعلم. فأخبر بالعلة التى لها فعل ما فعل، ويدل على صحة هذا القول من روى قوله: لعلى أضل الله. و (لعل) فى كلام العرب موضوعة لتوقع مخوف لا يقطع على كونه، ولا على انتفائه، ومعنى قوله: لعلى أضل على الله وحذف حرف الجر، وذلك مشهور فى اللغة كما قال الشاعر: استغفر الله ذنبًا والمعنى من ذنب. ومن كان خائفًا عند حضور أجله فجدير أن تختلف أحواله لفرط خوفه، وينطق بما لا يعتقد، ومن كان هكذا فغير جائز إخراجه من الإيمان الثابت له؛ إذ لم يعتقد ما قاله دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقده تعالى على خلاف ما هو به، وقطع على أن ذلك هو الحق، ولو كفر من جهل بعض صفات الله لكفر عامة الناس؛ إذ لا يكاد نجد منهم من يعلم أحكام صفات ذاته، ولو اعترضت جميع العامة وكثيرًا من الخاصة وسألتهم: هل لله تعالى قدرة أو علم أو سمع أو بصر أو إرادة، وهل قدرته متعلقة بجميع ما يصح كونه معلومًا لما عرفوا حقيقة ذلك؟ فلو حكم بالكفر على من جهل صفة من صفات الله تعالى لوجب الحكم به على جميع العامة، وأكثر الخاصة وهذا محال.
стр. 5445
والدليل على صحة قولنا حديث السوداء، وأن الرسول قال لها: (أين الله؟) فقالت: فى السماء. فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله. فقال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة) . فحكم لها بالإيمان، ولم يسألها عن صفات الله وأسمائه، ولو كان علم ذلك شرطًا فى الإيمان لسألها عنه كما سألها عن أنه رسول الله، وكذلك سؤال أصحاب رسول الله، عمر بن الخطاب وغيره، رسول الله ﷺ عن القدر، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل لأمر مستأنف أم لأمر قد سبق؟ فقال: (بل لأمر قد سبق، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له) وأعلمهم أن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، ومعلوم أنهم كانوا قبل سؤاله مؤمنين، ولا يسع مسلمًا أن يقول غير ذلك فيهم، ولو كان لا يسعهم جهل القدرة وقدم العلم لعلمهم ذلك مع شهادة التوحيد، ولجعله عمودًا سادسًا للإسلام، وهذا بين. وأما حديث أبى هريرة فى الرجل الذى واقع الذنب مرة بعد مرة ثم استغفر ربه فغفر له، ففيه دليل على أن المصر فى مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له مغلبًا لخشيته التى جاء بها وهى اعتقاده، وأن له ربا خالقا يعذبه ويغفر له واستغفاره إياه على ذلك، يدل على ذلك قوله: (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: ١٦٠] ، ولا حسنة أعظم من توحيد الله والإقرار بوجوده والتضرع إليه فى المغفرة. فإن قيل: فإن استغفاره ربه توبة منه، ولم يكن مصرًا قيل له: ليس الاستغفار أكثر من طلب غفرانه، وقد يطلب الغفران المصر والنائب، ولا دليل فى الحديث على أنه قد كان تاب مما سأل الغفران
стр. 5446
منه؛ لأن التوبة الرجوع من الذنب والعزم، على ألا يعود إلى مثله والاستغفار لا يفهم منه ذلك، وبالله والتوفيق.
٣٧ - بَاب كَلامِ الرَّبِّ تَعَالَى مَعَ الأنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
/ ١٢٧ - فيه: أَنَس، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، شُفِّعْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، فَيَدْخُلُونَ، ثُمَّ أَقُولُ: أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ أَدْنَى شَىْءٍ. / ١٢٨ - وَقَالَ أَنَس مرة عن النَّبِىّ ﷺ : (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَمَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِى بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ. . .) إلى قوله: (فَيَأْتُونِى، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى، فَيُؤْذَنُ لِى، وَيُلْهِمُنِى مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا، لا تَحْضُرُنِى الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِى، أُمَّتِى، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ، فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ. . .) وذكر الحديث إلى قوله: (أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) ، إلى قوله: (فَمَرَرْنَا بِالْحَسَنِ، وَهُوَ مُتَوَارٍ فِى مَنْزِلِ أَبِى خَلِيفَةَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِى الشَّفَاعَةِ، قَالَ: هِيهْ، فَحَدَّثْنَاهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَا، وَهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَّهُ قَالَ: (ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا. . .) إلى قوله: (فَيَقُولُ وَعِزَّتِى وَجَلالِى وَكِبْرِيَائِى وَعَظَمَتِى لأخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) .
стр. 5447
/ ١٢٩ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولا الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْوًا، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ، الْجَنَّةُ مَلأى، فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ: الْجَنَّةُ مَلأى، فَيَقُولُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مِرَات) . / ١٣٠ - وفيه: عَدِىِّ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ) . / ١٣١ - وفيه: عَبْدِاللَّهِ، جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ، إلى النَّبِىّ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، جَعَلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ. . .) الحديث (ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. . .) الحديث. / ١٣٢ - وفيه: ابْن عُمَرَ، سَأَلَه رجُل: كَيْفَ سَمِعْتَ النَّبِىّ ﷺ يَقُولُ فِى النَّجْوَى؟ قَالَ: (يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيُقَرِّرُهُ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّى سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِى الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) . قال المهلب: قد تقدم إثبات كلام الله مع الملائكة المشاهدة له وأثبت فى هذا الباب كلامه تعالى مع النبيين يوم القيامة بخلاف ما حرمهم إياه فى الدنيا بحجابه الأبصار عن رؤيته فيها، فيرفع فى الآخرة ذلك الحجاب عن أبصارهم، ويكلمهم على حال المشاهدة كما قال ﷺ : (ليس بينه وبينهم ترجمان) وجميع أحاديث الباب فيها كلام الله مع عباده، ففى حديث الشفاعة قوله تعالى لمحمد:
стр. 5448
(أخرج من النار من فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) إلى قوله: (وعزتى وجلالى وكبريائى لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله) فهذا كلامه للنبى ﷺ بدليل قوله: (فأستأذن على ربى) وفى بعض طرق الحديث (فإذا رأيته أخر له ساجدًا) وكذلك قوله فى حديث آخر من يدخل الجنة. قوله تعالى: (ادخل الجنة. فيقول: رب الجنة ملأى) إلى قوله: (لك مثل الدنيا عشر مرات) فأثبت بذلك كلامه تعالى مع غير الأنبياء مشافهة، ونظرهم إليه، وكذلك حديث النجوى: يدنيه الله فى رحمته وكرامته ويقول: سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم على الانفراد عن الناس. وقد تقصيت الكلام فى النجوى فى باب: ستر المؤمن على نفسه فى كتاب الأدب فى موضعه. وقوله: (هيه) : هى كلمة استزادة للكلام. عن صاحب العين. وقوله: (ثم يهزهن) . قال صاحب العين: الهزهزة: تحريك اليد.
٣٨ - بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: ١٤٦]
/ ١٣٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ، الَّذِى أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالاتِهِ وَكَلامِهِ. . .) الحديث. / ١٣٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (يُجْمَعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. . .) . / ١٣٥ - وفيه: أَنَس، قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِالنَّبِىّ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، جَاءَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ:
стр. 5449
أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَقَالَ: أَوْسَطُهُمْ هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأنْبِيَاءُ، ﵈، تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ فَتَوَلاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُتِىَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا َحِكْمَةً وَإِيمَانًا فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ، يَعْنِى عُرُوقَ حَلْقِهِ، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. . .) ، فذكر حديث المعراج: (فذكر فِى السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، وَإِدْرِيسَ فِى الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِى الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِى لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِى السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِى السَّابِعَةِ، بِتَفْضِيلِ كَلامِ اللَّهِ، فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَىَّ أَحَدٌ، ثُمَّ عَلا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا لِلْجَبَّارِ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً، فَقَالَ لهُ مُوسَى: ارْجِعْ ربك. فراجع ربه حَتَّى خفف عنه إلى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، فَقَالَ النَّبِىّ ﷺ : يَا مُوسَى، قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّى مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ، قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِى مَسْجِدِ الْحَرَامِ) . قال المؤلف: بوب البخارى لحديث أنس فى كتاب الأنبياء باب:
стр. 5450
كان النبي ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه. وبوب له فى تفسير القرآن باب: قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ) [الإسراء: ٦٠] . استدل البخارى على إثبات كلام الله، وإثباته متكلمًا بقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: ١٦٤] ، وأجمع أهل السنة على أن الله كلم موسى بلا واسطة ولا ترجمان، وأفهمه معانى كلامه، وأسمعه إياها؛ إذ الكلام مما يصح سماعه. فإن قال قائل من المعتزلة أو غيرهم: فإذا سمع موسى كلام الله بلا واسطة ولا ترجمان، فلا يخلو أن يكون من جنس الكلام المسموع المعهود فيما بيننا أو لا يكون من جنسه، فإن كان من جنسه فقد وجب أن يكون محدثًا ككلام المحدثين، وإن لم يكن من جنسه فكيف السبيل إلى إسماعه إياه وفهمه معانيه؟ فالجواب: أنه لو لزم من حيث سمعه منه تعالى وفهم معانيه أن يكون كسائر كلام المحدثين قياسًا عليه للزم أن يكون بكونه فاعلا وقادرًا وعالمًا وحيًا ومريدًا، وسائر صفاته من جنس جميع الموصوفين بهذه الصفات فيما بيننا. فإن قالوا: نعم، خرجوا من التوحيد، وإن أبوه نقضوا دليلهم واعتمادهم على قياس الغائب على حكم الشاهد. ثم يقال لهم: لو وجب أن يكون كلامه من جنس كلام المخلوقين من حيث اشترك كلامه تعالى وكلامهم فى إدراكهما بالأسماع لوجب إذا كان البارى تعالى موجودًا وشيئًا أن يكون من جنس الموجودات وسائر الأشياء المشاهدة لنا، فإن لم يجب هذا لم يجب
стр. 5451
ما عرضوا به، وقد ثبت أنه تعالى قادر على أن يعلمنا اضطرارًا كل شىء يصح أن يعلمناه استدلالاً ونظرًا، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون تعالى قادرًا على أن يعلم موسى معانى كلامه الذى لا يشبه كلام المخلوقين الخارج عن كونه حروفًا منظمة وأصواتًا مقطعة اضرارًا أو ينصب له دليلا إذا نظر فيه أدّاه إلى العلم بمعانى كلامه، فإذا كان قادرًا على الوجهين جميعًا زالت شبهة المعتزلة. قال المهلب: فى إفهام الله تعالى موسى من كلامه ما لا عهد له بمثله بتنوير قلبه له وشرحه له وشرحه لقبوله لا يخلو أن يكون ما أفهم الله سليمان من كلام الطير ومنطقها هو مثل كلام سليمان أو لا يشبه كلامه، فإن كان يشبه كلام سليمان ومن جنسه فلا وجه لاختصاص سليمان وداود بتعليمه دون بنى جنسه، ولا معنى لفخره ﷺ بالخاصة وامتداحه بقوله: (عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ (إلى قوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) [النمل: ١٦] ، أو يكون منطق الطير الذى فهمه سليمان غير منطق سليمان والطير وبنى جنسهن فقد أفهمه الله ما لم يفهمه غيره من كلام الهدهد وكلام النملة التى تبسم ضاحكًا من قولها لفهمه عنها ما لم يفهمه غيره منها. وإنما ذكر حديث أبى هريرة فى حديث الشفاعة مختصرًا لما فى الحديث الطويل من قول إبراهيم (ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة، وكلمه تكليمًا) وكذلك فى حديث أنس فى الإسراء (فوجد موسى فى السماء السابعة بتفضيل كلامه وهذا يدل على أن الله تعالى لم يكلم من الأنبياء غير موسى ﵇ -
стр. 5452
بخلاف ما زعم الأشعريون، ذكروا عن ابن عباس وابن مسعود أن الله كلم محمدًا ﷺ بقوله: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [النجم: ١٠] ، وأنه رأى ربه تعالى، وقد دفعت هذا عائشة وأعظمت فرية من افترى فيه على الله تعالى. وأما قول موسى إذ علا جبريل بمحمد: (يا رب، لم أظن أنك ترفع على أحدًا. موسى أن الله لم يكلم أحدًا من البشر فى الدنيا غيره؛ إذ بذلك استحق أن يرفع إلى السماء السابعة، وفهم من قوله تعالى: (إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِى وَبِكَلاَمِى) [الأعراف: ١٤٤] أنه أراد البشر كلهم. ولم يعلم والله أعلم أن الله تعالى فضل محمدًا عليه بما أعطاه الله من الوسيلة والدعوة المقبولة منه شفاعة لأمته ولسائر الأنبياء من شدة موقفهم يوم الحشر حين أحجم الأنبياء عن الوسيلة إلى ربهم لشدة غضبه، وفضله بالإسعاف بالمقام المحمود الذى وعده فى كتابه، فبهذا رفع الله محمدًا على موسى. وأما قوله: (فدنا الجبار رب العزة) فهو دنو محبة ورحمة وفضيلة لا دنو مسافة ونقلة لاستحالة النقلة والحركة على البارى إذ لا يجوز أن تحويه الأمكنة. وقوله: (حتى كان قاب قوسين أو أدنى) فهو جبريل الذى تولى، فكان من الله أو من أمره على مقدار ذلك. عن الحسن) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [النجم: ١٠] ، إلى جبريل ما أوحى، وكتب القلم وحتى سمع
стр. 5453
محمد صريفه فى كتابه، وبلغ جبريل محمدًا، وهو عند سدرة المنتهى، قيل: إليها منتهى أرواح الشهداء) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) [النجم: ١١] . قال ابن عباس: رأى محمد ربه بقلبه. وعن ابن مسعود وعائشة: رأى جبريل وهو قول قتادة. وقال الحسن: ما رأى من مقدور الله وملكوته. وقوله: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) [النجم: ١٢] ، هو محمد رأى جبريل ﷺ فى صورته التى خلقه الله عليها له ستمائة جناح رفرفًا أخضر سد ما بين الخافقين، ولم يره قط فى صورته التى هو عليها إلا مرتين، وإنما كان يراه فى صورة كان يتشكل عليها من صور الآدميين وأكثرها صورة دحية الكلبى. وفى قوله: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (دليل على أن العيان أكبر أسباب العلم فلا يتمارى فيه ولذلك قال ﷺ : (ليس الخبر كالمعاينة) ورأيت لبعض الناس فى لقاء النبى ﷺ للأنبياء فى السموات دون عليين، والأنبياء مقرهم فى ساحة الجنة ورياضها تحت العرش، ومن دونهم من المقربين هناك فما وجه لقائه لآدم فى السماء الدنيا، ولإدريس فى السماء الثانية، وهارون فى الرابعة، وآخر فى الخامسة، وإبراهيم فى السادسة، وموسى فى السابعة؟ قال: فوجهه أنهم تلقوه ﷺ كما يتلقى القادم يسابق الناس إليه على قدر سرورهم بلقائه. وقد روى عن أنس فى رتبة الأنبياء فى السموات خلاف حديث البخارى، روى ابن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن
стр. 5454
الزهري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، عن أنس بن مالك فذكر حديث الإسراء (فوجد آدم فى السماء الدنيا، وفى السماء الثانية عيسى ويحيى بن زكريا ابنا الخالة، وفى الثالثة يوسف، وفى السماء الرابعة إدريس، وفى الخامسة هارون، وفى السادسة موسى، وفى السابعة إبراهيم) . وأما قوله: (فاستيقظ وهو فى المسجد الحرام) فإن أهل العلم اختلفوا فى صفة مسرى النبى، فقالت طائفة: أسرى الله بجسده ونفسه، وروى ذلك عن ابن عباس والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة، وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة. وقالت طائفة ممن قال: أسرى بجسده أنه صلى بالأنبياء ببيت المقدس ثم عرج به إلى السماء فأوحى الله إليه، وفرض عليه الصلاة، ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته فصلى به صلاة الصبح، روى ذلك الطبرى فى حديث الإسراء عن أنس: ذكر من حديث أبي سعيد الخدرى أنه صلى ﷺ فى بيت المقدس، ولم يذكر أنه صلى خلفه أحد، وقالت طائفة: أسرى برسول الله بجسمه ونفسه غير أنه لم يدخل بيت المقدس، ولم يصل فيه، ولم ينزل عن البراق حتى رجع إلى مكة. روى ذلك عن حذيفة قال فى قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) [الإسراء: ١] ، قال: لم يصل فيه النبي ﵇، ولو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه كما كتب عليكم الصلاة عند الكعبة. وقال آخرون: أسرى بروحه ولم يسر بجسده، روى ذلك عن عائشة ومعاوية بن أبى سفيان والحسن البصري، وذكر ابن فورك عن
стр. 5455
الحسن قال: عرج بروح النبي ﵇ وجسده فى الأرض، وهو اختيار محمد بن إسحاق صاحب السير. ومن حجة أهل المقالة الأولى ما روى عن ابن عباس فى قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) [الإسراء: ٦٠] ، قال: هى رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به إلى بيت المقدس، وليست رؤيا منام، رواه ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قالوا: ولو أسرى بروحه دون جسده، وكان الإسراء فى المنام لما أنكرت قريش ذلك من قوله ﷺ ؛ لأنهم كانوا لا ينكرون الرؤيا؟ ولا ينكرون أحدًا يرى فى المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل. ومن حجة الذين قالوا: أسرى بروحه دون جسده قول أنس فى حديث الإسراء، قال حين أسرى به: (جاءه ثلاثة نفر وهو نائم فى المسجد الحرام. .) وذكر الحديث إلى قوله: (حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء ﵈ تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) فذكر النوم فى أول الحديث، وقال فى آخره: (فاستيقظ وهو فى المسجد الحرام) وهذا بين لا إشكال فيه، وإلى هذا ذهب البخارى، ولذلك ترجم له فى كتاب الأنبياء وتفسير القرآن ما ذكرته فى صدر هذا الباب. قال ابن إسحاق: وأخبرنى بعض آل أبي بكر الصديق أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسرى بروحه. قال ابن إسحاق: وحدثنى يعقوب بن عيينة بن المغيرة أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا
стр. 5456
من الله صادقة. قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن البصرى: إن هذه الآية نزلت فى ذلك يعنى: قول الله : (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) [الإسراء: ٦٠] ولقول الله عن إبراهيم ﷺ إذ قال لابنه: (يَا بُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ) [الصافات: ١٠٢] ، ثم مضى على ذلك فعرف أن الوحى من الله يأتى الأنبياء أيقاظًا ونيامًا. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ يقول: (تنام عينى، وقلبى يقظان) فالله أعلم أى ذلك كان قد جاءه، وعاين فيه ما عاين من أمر الله تعالى على أى حاليه كان نائمًا أو يقظان كل ذلك حق وصدق. وذكر ابن فورك فى مشكل القرآن قال: كان النبى ﷺ ليلة الإسراء فى بيت أم هانئ بنت أبى طالب. فالله أعلم. واحتج أهل هذه المقالة فقالوا: ما اعتل به من قال: إن الإسراء لو كان فى المنام لما أنكرته قريش؛ لأنهم كانوا لا ينكرون الرؤيا فلا حجة فيه؛ لأن قريشًا كانت تكذب العيان، وترد شهادة الله التى هى أكبر شهادة عليهم بذلك؛ إذ قال عنهم حين انشق القمر: (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) [القمر: ٢] ، فأخبر عنهم أنهم يكذبون ما يرون عيانا، وكذلك قال عنهم: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) [الحجر: ١٤، ١٥] ، وقال تعالى عنهم أنهم قالوا: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا) [الإسراء: ٩٠] ، إلى قوله: (أَوْ تَرْقَى فِى السَّمَاء) [الإسراء: ٩٣] ، ثم قالوا بعدما تمنوه: (وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا) [الإسراء: ٩٣] ، وقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا) [الأنعام: ١٠٩] ، إلى قوله:
стр. 5457
) وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: ١٠٩] الآية، فأخبر تعالى أنه يكيد عقولهم وأبصارهم حتى ينكروا العيان القاطع للارتياب. ومثله قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ) [الأنعام: ١١١] ، وإنما كان إنكار قريش لقوله: (أسرى بى الليلة إلى بيت المقدس) حرصًا منهم على التشنيع عليه، وإثارة اسم الكذب عليه عند العامة المستهواة بمثل هذا التشنيع فلم يسألوه فى اليقظة كان ذلك الإسراء أو فى النوم وأقبلوا على التقريع له، وتعظيم قوله، وهذا غير معدوم من تشنيعهم، ألا ترى تكذيبهم قبل وقعة بدر لرؤيا عاتكة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله ﷺ ، إذ قالت: رأيت كأن صخرة وقعت من أبى قبيس فانفلقت فما تركت دارًا بمكة إلا دخلت فيها منها فلقة. فلما رأوا قبح تأويلها عليهم قالوا: يا بنى عبد المطلب، ما أهل بيت فى العرب أكذب منكم، أما كفاكم أن تدعوا النبوة فى رجالكم حتى جعلتم منكم نبية: فشنعوا رؤياها، وأخبروا عنها بالنفى طمعًا فى إثارة العامة عليهم، فكذلك كان قولهم فى مسراه ﷺ . وفسر فى الحديث اللغاديد: عروق الحلق. وأهل اللغة يقولون: اللغاديد هى كالزوائد من لحم يكون فى باطن الأذنين من داخل، واحدها لغدود وبعض العرب تسميها: الألغاد، واحدها: لغد. ذكره ثابت فى خلق الإنسان.
стр. 5458
٣٩ - بَاب كَلامِ اللَّه تَعَالَى مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ
/ ١٣٦ - فيه: أَبُو سَعِيد،، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِى يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَىُّ شَىْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِى، فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) . / ١٣٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: (أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِى الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَم، َ فَإِنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَىْءٌ. . .) الحديث. قال المهلب: قد تقدم إثبات كلام الله مع الأنبياء ومع الملائكة، وفى هذا الباب إثبات كلامه مع أهل الجنة بقوله ﷺ : (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك) فإن قال قائل من القدرية: إن فى هذا الحديث ما يدل على وهنه وسقوطه، وهو قوله: (أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) لأن فيه ما يوهم أن له أن يسخط على من صار فى الجنة، وقد نطق القرآن بخلاف ذلك قال تعالى: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) [آل عمران: ١٨٥] ، وقال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام: ٨٢] ، وأنهم خالدون في الجنة أبدًا
стр. 5459
فكيف يحل عليهم رضوانه، وقد أوجبه لأهل الجنة بقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [البينة: ٨] ، فيقال له: لما ثبت أن الله تفضل بخلق العباد، وأخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنعم عليهم بخلق الحياة وإدامة الصحة والالتذاذ بنعمه، وكان له تعالى ألا يخرجهم ويبقيهم على العدم، ثم لما خلقهم كان له ألا يخلقهم أحياءً ملتذين، وألا يديم لهم الصحة. فكان تعالى فى مجازاة المحسنين وإنجاز ما وعدهم من إحسانه متفضلا عليهم، ولم يجب تعالى عليه لأحد شىء يلزمه، إذ ليس فوقه تعالى من شرع له شرعًا، ولا ألزمه حكمًا، وللمتفضل أن يتفضل وألا يتفضل، كما له أن يتعبد عباده بلا جزاء ولا شكور، تسخيرًا كسائر المخلوقات، وله أن يجازى مدة بمدة، ومدة العمل فى الدنيا متناهية فيقطع ما تفضل به من المجازاة على ما تفضل به عليهم من العمل والمعونة. وعلموا أن آدم ﵇ كلف فى الجنة اجتناب أكل الشجرة، فجاز عليه التكليف والمعصية، لم يأمنوا ما لله تعالى فى خلقه مثل ذلك من ابتداء التكليف وجواز المعصية، فزاد الله سرورهم بأن أمنهم ما كان له أن يفعله فيهم، ورفعه عنهم بالرضوان عليهم وإسقاط التكليف لهم وعصمهم من جواز المعصية عليهم، فلو عبد الله العبد ألف سنة بعد تقدم أمره إليه بذلك لما وجب له عليه جزاء على عبادة. وكيف يجب له ثواب وأقل نعمة من نعمه تستغرق جميع أعماله التى تقرب بها إليه، فحلول رضوانه عليهم أنعم لنفوسهم من
стр. 5460
كل ما خولهم فى جناته تعالى، فسقط اعتراضهم، وصح معنى الحديث. وأدخل حديث الزارع فى الجنة لتكلم الله له. وقوله: (دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شىء) فإن ظن من لم ينعم النظر أن قوله: لا يشبعك شىء. معارض لقوله: (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا) [طه: ١١٨] ، فليس كما ظن؛ لأن نفى الشبع لا يوجب الجوع؛ لأن بينهما واسطة الكفاية والشبع بعده، وأكل أهل الجنة لا عن جوع أصلاً لنفى الله تعالى الجوع منهم، واختلف فى الشبع فيها، والصواب: ألا شبع؛ لأنه لو كان فيها طول الأكل المستلذ منها مدة الشبع، وإنما أراد بقوله ﷺ : (لا يشبعك شىء) ذم ترك القناعة بما كان فيه، وطلب الزيادة عليه، أى لا تشبع عينك ولا نفسك بشىء، والله الموفق.
٤٠ - بَاب ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالأمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإبْلاغِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: ١٥٢] ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ (الآية إلى قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [المائدة: ٢٧]
غُمَّةٌ: هَمٌّ وَضِيقٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: اقْضُوا إِلَىَّ مَا فِى أَنْفُسِكُمْ، يُقَالُ: افْرُقِ: اقْضِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ) [التوبة: ٦] إِنْسَانٌ
стр. 5461
يَأْتِيهِ، فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ، فَيَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَهُ النَّبَأُ الْعَظِيمُ الْقُرْآنُ،) صَوَابًا (حَقًّا فِى الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ. معنى قوله باب ذكر الله بالأمر: أى ذكر الله لعباده يكون مع أمره لهم بعبادته، والتزام طاعته، ويكون مع رحمته لهم، وإنعامه عليهم إذا أطاعوه، وبعذابه إذا عصوه. قال ابن عباس فى قوله: (فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: ١٥٢] : إذا ذكر الله العبد وهو على طاعته؛ ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته؛ ذكره بلعنته. وقال سعيد بن جبير: اذكرونى بالطاعة أذكركم بالمغفرة. قال المهلب: ذكر العباد بالدعاء والتضرع فى الغفران، والتفضل عليهم بالرزق والهداية، وقوله: والرسالة والإبلاغ معناه: وذكر الله الأنبياء بالرسالة والإبلاغ بما أرسلهم به إلى عباده بما يأمرهم به من عبادته وينهاهم، وقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ (، فهذا ذكر الله لرسوله نوح بما بلغ من أمره، وتذكيره قومه بآيات الله، وكذلك فرض على كل نبى تبليغ كتابه وشريعته، ولذلك ذكر قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ) [التوبة: ٦] الذى أمر بتلاوته عليهم، وإنبائهم به. وقال مجاهد: النبأ العظيم: القرآن، سمى نبأ لأنه منبا به، وهو متلو للنبى ﷺ ولهذا ذكر فى الباب هذه الآية من أجل أمر الله تعالى محمدًا ﷺ إجارة المشرك
стр. 5462
حتى يسمع الذكر، وقوله صوابًا حقًا، يريد قوله : (لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) [النبأ: ٣٨] ، يريد وقال حقًا فى الدنيا، وعمل به فذلك الذى يؤذن له فى الكلام بين يدى الله تعالى بالشفاعة لمن أذن له، وكان يصلح أن يذكر فى هذا الباب قوله ﷺ عن ربه تعالى: (من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه) أى من ذكرنى فى نفسه متضرعًا داعيًا؛ ذكرته فى نفسى مجيبًا مشفقًا، فإن ذكرنى فى ملأ من الناس بالدعاء والتضرع ذكرته فى ملأ من الملائكة، الذين هم أفضل من ملأ الناس، بالمغفرة والرحمة والهداية، يفسره قوله ﷺ فى حديث التنزل: (هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه) هذا ذكر الله للعباد بالنعم والإجابة لدعائهم.
٤١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) [البقرة: ٢٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) [الفرقان: ٦٨] وقوله: (وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ (الآية [الزمر: ٦٥]
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [يوسف: ١٠٦]
стр. 5463
يسألهم من خلقهم وخلق السموات والأرض، فيقولون: الله، وذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره. وَمَا ذُكِرَ فِى خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَكْسَابِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به (الآية، وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: ٩٦] ، وقوله: (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: ٢] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (مَا تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ إِلا بِالْحَقِّ) [الحجر: ٨] بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ،) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ) [الأحزاب: ٨] الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ،) وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (عِنْدَنَا) وَالَّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ) [الزمر: ٣٣] الْقُرْآنُ) وَصَدَّقَ بِهِ (الْمُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَذَا الَّذِى أَعْطَيْتَنِى عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ. / ١٣٨ - فيه: عَبْدِاللَّهِ، سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ) ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خشية أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تُزَانِىَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ) . قال المهلب: غرضه فى هذا الباب إثبات الأفعال كلها لله تعالى كانت من المخلوقين، خيرًا أو شرًا، فهى لله خلق وللعباد كسب، ولا ينسب منها شىء إلى غير الله تعالى فيكون شريكًا له، وندًا مساويًا له فى نسبة الفعل إليه، ونبه الله عباده على ذلك بقوله: (فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٢٢] أنه الخالق لكم ولأفعالكم وأرزاقكم، ردًا على من زعم من القدرية أنه يخلق أفعاله، فمن علم
стр. 5464
أن الله خلق كل شىء فقدره تقديرًا، فلا ينسب شيئًا من الخلق إلى غيره، فلهذا ذكر هذه الآيات فى نفى الأنداد والآلهة المدعوة معه، فمنها ما حذر به المؤمنين، ومنها ما وبخ به الكافرين الضالين، ثم أثنى على المؤمنين فى قوله: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) [الفرقان: ٦٨] ، يريد كما يدعو عبدة الأوثان لترزقهم، وتعافيهم، وهى لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا. وقوله: (أى الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) معناه: رزقك بدليل قوله: (ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) كيف تقتله وقد خلق رزقه، فلا يأكل من رزقك شيئًا، فمن خلقك وخلقه، ورزقك ورزقه، أحق بالعبادة من الند الذى اتخذت معه شريكًا، ثم أن تزانى حليلة جارك، وقد خلق لك زوجة فتقطع بالزنا الرحم والنسب، وتقاطع الرحام سبب إلى قطع الرحمة من الله، والتراحم بين الناس، ألا ترى غضب القبائل لبنى عمها من أجل الرحم، وأن الغدر وخسيس الفعل منسوب إلى أولاد الزنا، لانقطاع أرحامهم.
٤٢ - بَاب قَوْله تَعَالَى: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ (الآية [فصلت: ٢٢]
/ ١٣٩ - فيه: عَبْدِاللَّه بْن مسعود، اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِىٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِىٌّ، كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا
стр. 5465
فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ (الآيَةَ. غرضه فى هذا الباب إثبات السمع لله تعالى والعلم بنيات الكلام له فى هذه الآية ومن سائر الآيات فى الأبواب المتقدمة، وإذا ثبت أنه سميع فواجب كونه سامعًا بسمع، كما أنه لما ثبت كونه عالمًا وجب كونه عالمًا بعلم خلافًا لمن أنكر صفات الله من المعتزلة، وقالوا: معنى وصفه بأنه سامع للمسموعات: بمعنى وصفه بأنه عالم بالمعلومات ولا سمع له، ولا هو سامع حقيقة، وهذه شناعة ورد لظواهر كتاب الله وسنن رسوله، وموجب كون المخلوق أكمل أوصافًا من الخالق؛ لأن السامع هنا يسمع الشىء ويعلمه حقيقة، وكذلك البصير منا يرى الشىء ويعلمه حقيقةً، فلو كان البارى سامعًا لما يسمعه، ويعلمه بمعنى أنه عالم فقط؛ لكنا أكمل وصفًا منه تعالى من حيث أدركنا الشىء من جهة السمع والعلم، وأدركه هو من جهة العلم فقط، ومن أدرك الشىء من وجهين أولى يكون بصفة الكمال من مدركه من وجه واحد، وهذا يوجب عليهم أن يكون خالقهم بصفة الصم الذى يعلم الشىء ولا يسمعه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وفى حديث الثقفى والقرشيين من الفقه: إثبات القياس الصحيح، وإبطال القياس الفاسد، ألا ترى أن الذى قال: (يسمع إن جهرنا،
следующие страницы →