← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

٦ - باب مَا يُحْقَنُ بِالأذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ / ٨ - فيه: أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: (أَنَّ الرسول ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَغْزُ بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا، رَكِبَ راحلته. . .) وذكر الحديث. قال المهلب: إنما يحقن الدم بالأذان؛ لأن فيه الشهادة بالتوحيد لله والإقرار بالرسول، وقوله: (لم يغز حتى يصبح فإن سمع أذانًا كف) ، فهذا عند العلماء لمن قد بلغته الدعوة، وعلم ما الذى يدعو إليه داعى الإسلام، فكان يمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان؛ ليعلم إن كانوا مجيبين للدعوة أم لا؛ لأن الله قد وعده إظهار دينه على الدين كله، فكان يطمع بإسلامهم، وليس يلزم اليوم الأئمة أن يكفوا عمن بلغته الدعوة لكى يسمعوا أذانًا؛ لأنه قد علم عناد أهل الحرب وغائلتهم للمسلمين، وينبغى أن تنتهز الفرصة فيهم. ٧ - باب مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الْمُنَادِي / ٩ - فيه: أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ الرَسُولَ ﷺ قَالَ: (إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ) . / ١٠ - وفيه: مُعَاوِيَةَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإذا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قَالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) . اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: ينبغى لمن يسمع الأذان أن يقول مثلما يقول المؤذن حتى يفرغ من أذانه كله على

стр. 702

عموم حديث أبى سعيد، وإليه ذهب الشافعى، وقالت طائفة: إنما يقول مثلما يقول المؤذن فى التكبير الشهادتين، ويقول فى موضع قوله: حى على الصلاة، حى على الفلاح: لا حول ولا قوة إلا بالله، على ما جاء فى حديث معاوية، قالوا: وهو مفسر لحديث أبى سعيد، هذا قول مالك، والكوفيين، ومن الحجة لهم أيضًا ما رواه بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، عن الرسول ﷺ قال: (إذا تشهد المؤذن فقولوا مثلما يقول) . وقال المهلب: ما بعد الشهادتين إنما هو إعلام للناس ودعاء لهم إلى الصلاة، فإذا كان سرًا لم يكن له معنى؛ لأنه لا يسمع به أحد فيكون له فضل الدعوة إلى الصلاة، والسامع إنما يقول ذلك على وجه الذكر لا على وجه دعاء الناس إلى الصلاة، فينبغى أن يجعل مكان ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله، كما روى معاوية فهى مفتاح من مفاتيح الجنة. واختلفوا فى المصلى يسمع الأذان، فقال مالك: يقول مثل قوله من التكبير والتشهد فى النافلة ولا يقوله فى الفريضة، قال: وهذا الذى يقع بنفسى أنه أريد بهذا الحديث، وهو قول الليث، وقال ابن شعبان: روى أبو المصعب عن مالك أنه يقول فى الفريضة والنافلة، وهو قول ابن وهب واختاره ابن حبيب؛ لأنه تهليل وتكبير، جائزٌ أن يقوله وإن لم يسمع أذانًا، وفى المجموعة لابن عبدوس، عن سحنون: لا يقوله أحد فى فريضة ولا نافلة، وروى أنه أريد بالحديث من ليس فى صلاة، وهو قول الشافعى، وحجته أن المؤذنين يؤذنون يوم عرفة والإمام يخطب فلا يقول مثل ما يقولون ويترك ما هو فيه، فالمصلى أولى بذلك.

стр. 703

قال الطحاوى: لم أجد لأصحابنا فى هذا نصًا، غير أن أبا يوسف قال: من أذن فى صلاته إلى آخر الشهادتين لم تفسد صلاته إن أراد الأذان، وفى قول أبى حنيفة: لم تفسد صلاته، فهذا يدل من قولهم أن من سمع الأذان فى الصلاة أنه لا يقوله. وقل بعض العلماء: القياس أنه لا فرق بين المكتوبة والنافلة فى هذا الباب؛ لأن الكلام محرم فيهما، وقوله: حى على الصلاة، حتى على الفلاح: كلام، فلا يصلح فى شىء من الصلاة، وقد قال ابن المواز: إنه من قاله فى صلاته عامدًا أو قال: الصلاة خير من النوم أنها تفسد صلاته، قال ابن خويز منداد، عن مالك: هو مسىء ولا تبطل صلاته، وأما سائر الأذان فمن الكلام الذى يصلح فى الصلاة. وقال الطحاوى: وقد قال قوم: إن قول الرسول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول) على الوجوب، وخالفهم آخرون وقالوا: هو على الاستحباب والندب، واحتجوا بما رواه قتادة عن أبى الأحوص، عن علقمة، عن عبد الله قال: (كنا مع الرسول فى بعض أسفاره، فسمع مناديًا وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال رسول الله: (على الفطرة) ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : (خرج من النار) ، فابتدرناه، فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة فصلى) ، قال الطحاوى: فهذا رسول الله سمع المنادى، فقال غير ما قال؛ فدل أن قوله ﵇: (فقولوا مثلما يقول المؤذن) على غير الإيجاب، وأنه على الندب وإصابة الفضل، كما علمهم من الدعاء الذى أمرهم أن يقولوه عند إدبار الصلوات وشبه ذلك.

стр. 704

٨ - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ / ١١ - فيه: جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . قال الطحاوى: وقد روى عن الرسول ﷺ أنه كان يقول عند الأذان غير ما جاء فى الحديث ويأمر به، وذلك ما روى الليث عن حكيم بن عبد الله بن قيس، عن عامر بن سعد ابن أبى وقاص، عن أبيه، أن رسول الله قال: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله، ، ربا، وبالإسلام دينًا؛ غفر له) . وما رواه محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن حفصة بنت أبى كثير، عن أمها، عن أم سلمة قالت: (علمنى الرسول فقال: إذا كان عند أذان المغرب فقولى: اللهم هذا استقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلواتك، اغفر لى) . قال الطحاوى: فهذه الآثار تدل على أنه أريد بها ما يقال عند الأذان من الذكر، فكل الأذان ذِكْر غير: حى على الصلاة، حى على الفلاح، فإنهما دعاء إلى الصلاة، والذكر أولى أن يقال. وقال المهلب: فيه الحض على الدعاء فى أوقات الصلوات حين تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء فى الحديث: (ساعتان لا يرد فيهما الدعاء حضرة النداء بالصلاة، وحضرة الصف فى سبيل الله) ، فدلهم ﵇ على أوقات الإجابة وأن يدعى بمعنى ما فتح له أبواب السماء وهو قوله: (رب هذه الدعوة التامة) ، يعنى الأذان

стр. 705

المشتمل على شهادة الإخلاص لله تعالى، والإيمان بنبيه، ﵇، وبذلك تم استحقاق الدخول فى الإسلام، و (الصلاة القائمة) التى هى أول الفرائض بعد الإيمان بالله، فإذا دعا للنبى ﵇، بالوسيلة والمقام المحمود فقد دعا لنفسه ولجميع المسلمين، وقوله: (حلت له شفاعتى) معناه غشيته وحلَّت عليه، لا أنها كانت حرامًا عليه قبل ذلك، و (اللام) ، هاهنا بمعنى (على) ، وذلك موجود فى القرآن، قال تعالى: (ويخرون للأذقان سجدًا) [الإسراء: ١٠٩] ، يعنى على الأذقان سجدًا، وقوله: (رب هذه الدعوة) لا حجة فيه للمعتزلة الذين يقولون بخلق الصفات، تعالى الله عن قولهم؛ لأن الرب فى اللغة يقال لغير الخالق للشىء، وهو على ضروب: فربُّ الشىء بمعنى مالكه ومستحقه كما قال يوسف: (إنه ربى أحسن مثواى) [يوسف: ٢٣] ، أى أنه مالكى، والله تعالى، وإن كان لا يجوز أن يوصف بأنه مالك لصفاته فهو مستحق أن يوصف بها؛ لأن الملك والاستحقاق معناهما واحد. ٩ - باب الاسْتِهَامِ فِي الأذَانِ وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأذَانِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ. / ١٢ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لأتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) .

стр. 706

قال أبو جعفر الداودى: قوله ﵇: (لو يعلمون ما فى النداء والصف الأول) ، يريد لو يعلمون ما فيه من عظم الثواب لبادروا إليه جميعًا، فلا يبقى من يقيم لهم الجمعة؛ لأن إمام الجمعة لا يكون مؤذنًا، وإنما يؤذنون بين يديه إذا جلس على المنبر، ولذلك قال عمر: لولا الخلاف لأَذَّنُتُ. أما إقراع سعد بين الذين اختلفوا فى الأذان فإن الطبرى ذكر أنه افتتحت القادسية صدر النهار واتبع الناس العدو، فرجعوا وقد حانت صلاة الظهر وأصيب المؤذن؛ فتشاج الناس فى الأذان حتى كادوا يجتلدون بالسيوف، فأقرع بينهم سعد فخرج سهل رجل فأذن. فالقرعة أصل من أصول الشريعة فى تبدية من استوت دعواهم فى الشىء، وفضل الصف الأول على غيره لاستماع القرآن إذا جهر الإمام والتكبير عند تكبيره والتأمين عند فراغه من فاتحة الكتاب، وقد قيل: إن المراد بذكر الصف الأول المسابقة إلى المسجد؛ لأن مَنْ بَكَّر إلى الصلاة وانتظرها وإن لم يصل فى الصف الأول أفضل ممن تأخر وصلى فى الصف الأول؛ لأن المنتظر للصلاة فى صلاة، والتهجير: السبق إلى المسجد فى الهواجر، فمن ترك قائلته وقصد إلى المسجد ينتظر الصلاة، فهو من صلاة وهو فى رباط. وقوله: (ولو يعلمون ما فى العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا) ، وإنما خاطب بذكر العتمة من لا يعرف العشاء إلا بهذا الاسم فخاطبهم بما يعقلون، ومن علم أن اسمها العشاء لم يخاطب إلا بما فى القرآن قاله الداودى. قال الطبرى: وإنما خص العتمة والصبح دون سائر الصلوات للزومها فى أثقل الأوقات، العشاء وقت الدعة والسكون من كل تعب،

стр. 707

وقد جعل الله الليل سكنًا، وفيها تكلف الحركة فى ظلمة الليل مع خوف الهوام الضارة فى الطريق، وأما الفجر فوقت اشتداد النوم لمحبة الناس استدامة الراحة، فكان خروجًا من الدعة إلى تعب الوضوء والمشى إلى المساجد وليس كسائر الصلوات، وبين ذلك قوله: (أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والفجر) ، وقال ابن عمر: كنا إذا فقدنا الرجل فى صلاة العشاء والصبح أَسأْنا به الظن، وقال عمر: إنى لأشهد الفجر فى جماعة أحب إلى من أن أقوم ليلة، وقال عثمان: من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح كأنما قام ليلة، وقوله: (ولو حَبْوًا) ، يعنى لأتاهما من لا يقدر على المشى كالمقعد وشبهه. - باب الْكَلامِ فِي الأذَانِ وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لا بَأْسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ. / ١٣ - وفيه: ابْنُ عَبَّاسٍ (أنه خطبهم فِي يَوْمٍ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ الصَّلاةُ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ) . قال المؤلف: رخص فى الكلام فى الأذان عروة بن الزبير، وعطاء وقتادة، وبه قال عبد العزيز بن أبى سلمة وأحمد بن حنبل، وكرهه النخعى، وابن سيرين، ومالك، والثورى، والأوزاعى، وأبو حنيفة، وأصحابه، والشافعى، إلا أنه روى عن الكوفيين أنه إن تكلم فى أذانه يجزئه ويبنى، وقال ابن القاسم فى المجموعة: إذا خاف على صبى أو أعمى أو دابة تقع فى بئر وشبهه تكلم وبنى، وقال الزهرى: إن تكلم فى الإقامة أعادها، وهذا الحديث يدل أنه من

стр. 708

تكلم يبنى ولا يبتدئ؛ لأنه قد قال: الصلاة فى الرحال، وتمادى فى أذانه وهو حجة على من خالفه. قال المهلب: وقوله: (الصلاة فى الرحال) ، وأباح التخلف عن الجمعة بعد أن قال: (إنها عزمة) يدل أنه صلى الجمعة وحدها ولم يصل بعدها العصر، فهو حجة لمالك أنه لا يجوز الجمع بين الظهر والعصر لعذر المطر. وقال ابن دريد: الرزغة: الطين الذى يبل القدم، وقد أرزغ المطر الأرض، وقال صاحب (العين) : الرزغة أشد من الردغة، والرازغ المرتطم فيها. - باب أَذَانِ الأعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ / ١٤ - فيه: ابن عمر أَنَّ النبى ﷺ قَالَ: (إِنَّ بِلالا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) ، قَالَ: (وَكَانَ رَجُلا أَعْمَى لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ) . قال المؤلف: اختلفوا فى أذان الأعمى، فكرهه ابن مسعود، وابن الزبير، وكره ابن عباس إقامته وأجازه طائفة، وروى أن مؤذن النخعى كان أعمى، وأجازه مالك، والكوفيون، والشافعى، وأحمد إذا كان له من يعرفه الوقت؛ لأن أذان ابن أم مكتوم إنما كان يؤذن بعد أن يقال له: أصبحت أصبحت. قال المهلب: وفيه جواز شهادة الأعمى على الصوت؛ لأنه ميز صوت من علمه الوقت ممن يثق به، فقام أذانه على قوله مقام شهادة المخبر له، وفيه: أيضًا أنه يجوز أن يذكر الرجل بما فيه من العاهات؛

стр. 709

ليستدل بذلك على ما يحتاج إليه، وفيه: أن ينسب الرجل إلى أمه إذا كان معروفًا بذلك، وفيه: تكنية المرأة، وفيه: تكرير اللفظ للتأكيد. - باب الأذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ / ١٥ - فيه: حَفْصَةُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلاةُ) . / ١٦ - وفيه: عَائِشَةَ أيضًا قالت: (كَانَ الرسول ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإقَامَةِ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ) . / ١٧ - وفيه: ابْنِ عُمَرَ قَالَ الرسول: (إِنَّ بِلالا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) . الأذان بعد الفجر لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما اختلفوا فى جوازه قبل الفجر على ما يأتى ذكره فى الباب بعد هذا، إن شاء الله، وفيه مواظبة رسول الله على ركعتى الفجر وتخفيفه لهما. قال المؤلف: وحديث حفصة قد اختلفت ألفاظه، فرواه عبد الله بن يوسف التنيسى عن مالك: (أن رسول الله. . .) ، وخالفه سائر الرواة عن مالك: (أن رسول الله كان إذا سكت المؤذن عن الأذان بصلاة الصبح) ، مكان (اعتكف المؤذن) ، وروى عن عائشة مثل هذا اللفظ: (إذا سكت المؤذن. . .) ، وهو يوافق رواية الجماعة عن مالك، ذكره البخارى فى باب (من انتظر الإقامة) ، بعد هذا.

стр. 710

فإن كانت رواية التنيسى عن مالك محفوظة ولم تكن غلطًا، فوجه موافقتها للترجمة أن المؤذن كان يعتكف للصبح، أى ينتظر الصبح لكى يؤذن، والعكوف فى اللغة: الإقامة، فكان يرقب طلوع الفجر ليؤذن فى أوله، فإذا طلع الفجر أذن، فحينئذ كان يركع الرسول ركعتى الفجر قبل أن تقام الصلاة، ويشهد لصحة هذا المعنى رواية الجماعة عن مالك: (كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين خفيفتين) ، فدل أن ركوعه كان متصلاَ بأذانه، ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر، فكذلك كان الأذان بعد الفجر، وعلى هذا المعنى حمله البخارى، ولذلك ترجم له باب (الأذان بعد الفجر) ، وأردف عليه حديث عائشة: (أن النبى كان يصلى ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح) ، ليدل أن هذا النداء كان بعد الفجر. فمن أنكر هذا لزمه أن يقول أن صلاة الصبح لم يكن يؤذن لها بعد الفجر، وهذا غير سائغ من القول. وأما أذان ابن أم مكتوم فقد اختلف العلماء فى تأويله، فقال ابن حبيب: ليس معنى قوله: (أصبحت أصبحت) إفصاحًا بالصبح على معنى أن الصبح قد انفجر وظهر، ولكنه على معنى التحذير من إطلاعه والتحضير له على النداء بالأذان خيفة انفجاره، ومثل هذا قال أبو محمد الأصيلى، وأبو جعفر الداودى، وسائر المالكيين، وقالوا: معنى قوله: (أصبحت أصبحت) ، قارب الصباح كما قال تعالى: (فإذا بلغن أجلهن) [البقرة: ٢٣٤] ، يريد إذا قارب ذلك؛ لأنه إذا انقضى أجلها وتمت عدتها فلا سبيل لزوجها إلى مراجعتها وقد انقضت عدتها، قالوا: ولو كان أذان ابن أم مكتوم بعد الفجر لم يجز أن يؤمر بالأكل إلى وقت أذانه؛ للإجماع أن الصيام واجب من أول الفجر. وأما مذهب البخارى فى هذا الحديث على ما ترجم به فى هذا

стр. 711

الباب فأن أذانه كان بعد طلوع الفجر، والحجة له على ذلك نص ودليل، فأما الدليل فقوله ﵇: (إن بلالاً ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم) ، فلو كان أذان ابن أم مكتوم قبل الفجر لم يكن لقوله: (إن بلالاً ينادى بليل) معنى؛ لأن أذان ابن أم مكتوم أيضًا كذلك هو فى الليل، وإنما يصح الكلام أن يكون نداء ابن أم مكتوم فى غير الليل فى وقتٍ يحرم فيه الطعام والشراب اللذان كانا مباحين فى وقت أذان بلال. وقد روى هذا المعنى نصًا فى بعض طرق هذا الحديث، ذكره البخارى فى كتاب الصيام فى باب قول النبى، ﵇: (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال) من رواية عائشة قالت: (إن بلالاً يؤذن بليل، فقال ﵇: كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) ، وهذا نص قاطع للخلاف. وأما على من اعتل أن أذانه لو كان بعد الفجر لم يجز أن يؤمر بالأكل إلى وقت أذانه للإجماع أن الصيام واجب أول الفجر، فإنها علة لا توجب فساد معنى الصيام، وإنما كان أذان ابن أم مكتوم علامة لتحريم الأكل لا للتمادى فيه، ولابد أنه كان له من يراعى له الوقت ممن يقبل قوله ويثق بصحته من وكل بذلك منه. وقد قال ابن القاسم: إنه من طلع عليه الفجر وهو يأكل أو يجامع فليلق ما فى فيه ولينزل عن امرأته، ولا خلاف فى الأكل والشرب، وإنما اختلفوا فى الوطء على ما يأتى ذكره فى كتاب الصيام، ولم يكن الصحابة ليخفى عليهم إيقاع الأكل فى غير وقته فيزاحمون به أذان ابن أم مكتوم، بل كانوا أحوط لدينهم وأشد تحرزًا من ذلك، وقد بين هذا ما رواه شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة، وكانت قد خرجت مع

стр. 712

الرسول (أنه كان إذا نزل بلال وأراد ابن أم مكتوم أن يصعد تعلقوا به، وقالوا: كما أنت حتى نتسحر) . - باب الأذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ / ١٨ - فيه: ابْنِ مَسْعُودٍ قال الرسول ﷺ : (لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ، لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ، أَوِ الصُّبْحُ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ، وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ، وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ، حَتَّى يَقُولَ: هَكَذَا) . ومَدَّ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. / ١٩ - وفيه: عَائِشَةَ قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ بِلالا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) . واختلف العلماء فى جواز الأذان للصبح قبل طلوع الفجر، فأجاز ذلك طائفة، وهو قول مالك، والأوزاعى، وأبى يوسف، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وقال ابن حبيب: يؤذن للصبح وحدها قبل الفجر، وذلك واسع من نصف الليل، وذلك آخر أوقات العشاء إلى ما بعد ذلك. وقال ابن وهب: لا يؤذن لها قبل السدس الآخر من الليل، وقاله سحنون، وقالت طائفة: لا يجوز الأذان لها إلا بعد الفجر، وهو قول الثورى، وأبى حنيفة، ومحمد، واحتجوا بحديث ابن مسعود أنه قال ﵇: (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم، ولينبّه نائمكم) . قال الطحاوى: فأخبر أن ذلك النداء من بلال لينبه النائم ويرجع القائم لا للصلاة، وبما رواه حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر (أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبى أن يرجع

стр. 713

فينادى: (ألا إن العبد قد نام) ، فهذا ابن عمر يروى هذا وهو قد روى أن بلالاً ينادى بليل؛ فثبت أن ما كان من ندائه قبل طلوع الفجر إنما كان لغير الصلاة، وأن ما أنكره عليه إذ فعله كان للصلاة، واحتج أهل المقالة الأولى بقوله ﵇: (إن بلالاً ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم) ، قال ابن القصار: فأخبر ﵇ أن نداء بلال للصبح يقع فى الوقت الذى يجوز لمن أراد الصوم أن يأكل ويشرب، وهو قبل الفجر. وأما قولهم: إن نداء بلال كان لِيُسَحِّرَ الناس بأذانه ويستيقظ النائم وينام القائم كما جاء فى الخبر، فالجواب: أنه لو أراد به السحور فقط لقال حى على السحور، ولم يقل حى على الصلاة فيدعوهم، وهو يريد أن يدعوهم إلى السحور، فشأنه يدعوهم إلى الصلاة، وقد يكون لهما جميعًا فيكون أذانه حضًا على الصلاة، وإن احتاج أحد إلى غسل اغتسل، أو يكون فيهم من عادته صلاة الليل ذلك الوقت، أو يكون إنسانًا قائمًا فيعرف أنه قد بقى عليه وقت يستريح فيه بنومه كما كان يفعل الرسول، ﵇، فهذا معنى قوله: (ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم) ، وهذا يحتاج إليه فى شهر رمضان وغيره ممن يصوم درهه أو عليه نذر، وقوله: (إن بلالاً ينادى بليل) ، أى إن من شأنه أن يؤذن بليل الدهر كله، فإذا جاء رمضان فلا يمنعنكم أذانه المعهود من سحوركم، وفى إجماع المسلمين على أن النافلة بالليل والنهار لا أذان لها دليل بين أن أذانه كان لصلاة الصبح. قال المهلب: وفيه أن الإشارة تكون أقوى من الكلام، وقوله: (ليس الفجر هكذا) يريد أن الفجر ليس هو هذا الفجر الأول المعترض فى الأفق، وذلك لا حكم له، وإنما هو علامة للفجر الثانى الذى يُحِلّ

стр. 714

ويحرم، الطالع فى مشرق الشمس المستطير إلى المغرب، ولذلك مَدَّ زهير سبابتيه عن يمينه وشماله دلالة على طلوع الفجر وانتشاره. - باب كَمْ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ / ٢٠ - فيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ، ثَلاثًا، لِمَنْ شَاءَ) . / ٢١ - وفيه: أَنَسِ قَالَ: كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ الرَّسُولُ، وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ شَيْءٌ، قَالَ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلا قَلِيلٌ. وترجم له: بين كل أذانين صلاة لمن شاء. قال بعض الفقهاء: أما كم بين الأذان والإقامة فى الصلوات كلها فلا حَدَّ فى ذلك أكثر من اجتماع الناس، وتمكن دخول الوقت. وأما قوله: (بين كل أذانين صلاة) ، فإنه يريد بين الأذان والإقامة موضع صلاة لمن شاء، لا خلاف فى ذلك بين العلماء إلا المغرب وحدها، فإنهم اختلفوا فى الركوع قبلها، فأجازه أحمد وإسحاق، واحتجا بهذا الحديث، وأباه سائر الفقهاء، وسيأتى الكلام فى ذلك مستوعبًا، إن شاء الله.

стр. 715

- باب مَنِ انْتَظَرَ الإقَامة / ٢٢ - فيه: عَائِشَةَ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأولَى مِنْ صَلاةِ الْفَجْرِ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الْفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإقَامَةِ) . قال المؤلف: فى هذا الحديث دليل على أن ما جاء فى الحض على التهجير والترغيب فى الاستباق إلى المساجد، إنما كان لمن هو على مسافة من المسجد لا يسمع فيها الإقامة من بيته، ويخشى إن لم يبكر أن يفوته فضل انتظار الصلاة، وأما من كان مجاور المسجد حيث يسمع الإقامة ولا تخفى عليه، فانتظارها فى داره كانتظاره لها فى المسجد، له أجر منتظر الصلاة؛ لأنه لا يجوز أن يترك الرسول الأفضل من الأعمال فى خاصته ويحض عليها أمته، بل كان يلتزم التشديد فى نفسه، ويحب التخفيف على أمته، ولو لم يكن له فى بيته فضل الانتظار لخرج إلى المسجد قبل الإقامة، ليأخذ بحظ من الفضل، والله أعلم. وقد قال أبو سليمان الخطابى: (سكب) المؤذن، بالباء، رواه عن عبد العزيز بن محمد، عن الجنيد، قال سويد: عن ابن المبارك، عن الأوزاعى، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة، قال سويد: سكب: يريد أَذَّنَ، والسَّكْبُ: الصَّبُّ، وأصله فى الماء يُصَبُّ، وقد يستعار فيستعمل فى القول والكلام كقول القائل: أفرغ فى أذنى كلامًا لم أسمع مثله، وأنشد ابن دريد: (لا يفرغن فى أذنى

стр. 716

مثلها) ، وفى الحديث: (ويل لأقماع القول) ، وهم الذين يسمعون ولا يعملون به، شبه آذانهم بالأقماع يصب فيها الكلام صب الماء فى الإناء، وهذا الذى رواه سويد، عن ابن المبارك له وجه فى الصواب، ولا يدفع ذلك رواية من روى (سكت) ، بالتاء؛ لأنها بينة المعنى فى الصواب، وقد تأتى (الباء) بمعنى (من) ، و (عن) فى كلام العرب كقوله تعالى: (الرحمن فاسأل به خبيرًا) [الفرقان: ٥٩] ، أى عنه، وقوله: (عينًا يشرب بها عباد الله) [الإنسان: ٦] ، أى يشرب منها، وممكن أن يكون، والله أعلم، حمل الراوى لهذا الحديث على أن يرويه سكب بالباء، دون التاء؛ لأن المشهور فى سكت أن تكون معلقة (بعن) ، أو (من) ، كقولهم: سكت عن كذا، أو سكت من كذا، فلما وجد فى الحديث مكان (من) و (عن) الباء ظن أنه (سكب) من أجل مجىء الباء بعدها، وقد ذكرنا أن الباء تأتى بمعنى (عن) و (من) ، وكل الروايتين خارج المعنى، والله أعلم. - باب مَنْ قَالَ يُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ / ٢٣ - فيه: مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ (أَتَيْتُ الرسول ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا شَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا، قَالَ: ارْجِعُوا، فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) . قال المؤلف: هكذا روى هذا الحديث وهيب، عن أيوب

стр. 717

(وصلوا) ، ورواه عبد الوهاب، عن أيوب فى كتاب خبر الواحد (وصلوا كما رأيتمونى أصلى) ، وقصر وهيب فى هذه الزيادة، وبها يتم الحديث. والمؤذن الواحد يجزئ فى السفر والحضر، وقد اختلفت الآثار، كم كان يؤذن للنبى؟ . فروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لرسول الله مؤذنان: ابن أم مكتوم، وبلال، وقال السائب ابن أخت نَمر: ما كان للنبى ﵇، إلا مؤذن واحد يؤذن إذا قعد على المنبر ويقيم إذا نزل، ثم أبو بكر، ثم عمر كذلك، حتى كان عثمان وفشا الناس وكثروا، زاد النداء الثالث عند الزوراء. قال المهلب: وإنما اشترط السن فى الإمامة لعلمه، ﵇، باستوائهم فى القراءة والفقه، فطلب الكمال بالسن وسيأتى الكلام فى هذا المعنى فى بابه، إن شاء الله. - باب الأذَانِ لِلْمُسَافِرِ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالإقَامَةِ وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ وَقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ الصَّلاةُ فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ. / ٢٤ - فيه: أَبو ذَرٍّ قَالَ: (كُنَّا مَعَ رسول الله ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ، فَقَالَ ﵇: (إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) . / ٢٥ - وفيه: مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: (أَتَى رَجُلانِ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا، فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا) .

стр. 718

/ ٢٦ - وفيه: نَافِعٌ عن ابْنُ عُمَرَ: أَذَّنَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا (أَنَّ النبى ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا أَنْ يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ) . / ٢٧ - وفيه: أَبو جُحَيْفَةَ قَالَ: (رَأَيْتُ النبى ﷺ بِالأبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلالٌ، فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، وَأَخْرَجَ الْعَنْزَةِ، فَرَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ) . اختلف العلماء فى الأذان والإقامة فى السفر، فاستحب طائفة أن يؤذن المسافر ويقيم لكل صلاة، روى ذلك عن سلمان، وعبد الله بن عمرو، وعن سعيد بن المسيب مثله، وهذا قول الكوفيين، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور، وقالت طائقة: هو بالخيار إن شاء أذن، وإن شاء أقام، روى ذلك عن على بن أبى طالب، وهو قول عروة، والثورى، والنخعى، وقالت طائفة: يجزئه إقامة، روى ذلك عن مكحول، والحسن البصرى، والقاسم، وكان ابن عمر يقيم فى السفر لكل صلاة إلا الصبح، فإنه كان يؤذن لها ويقيم. وفى المختصر عن مالك: ولا أذان على مسافر، وإنما الأذان على من يجتمع إليه لأذانه، وقال عطاء: إذا كنت فى سفر فلم تؤذن ولم تقم فأَعِدِ الصلاة، وقال مجاهد: إذا نسى الإقامة فى سفر أعاد،

стр. 719

والحجة لهما قوله ﵇، للرجلين: (أذنا وأقيما) ، قالا: وأمره على الوجوب، والعلماء على خلاف قول عطاء، ومجاهد؛ لأن الإيجاب يحتاج إلى دليل لا منازع فيه، وجمهور العلماء على أنه غير واجب فى الحضر، والسفرُ الذى قصرت فيه الصلاة عن هيئتها أولى بذلك. قال ابن القصار: والجواب عن قوله للرجلين: (أذنا وأقيما) ، فإنه أراد الفضل بدلالة قوله: (أذِّنَا) ، والواحد يجزئ عندهم. وأحاديث هذا الباب محمولة عند العلماء على استحباب الأذان والإقامة فى السفر، وقد جاءت آثار فى ترغيب الأذان والإقامة فى أرض فلاة، وأنه من فعل ذلك يصلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال. - باب هَلْ يَتَتَبَّعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأذَانِ وَيُذْكَرُ عَنْ بِلالٍ أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. / ٢٨ - وفيه: أَبو جُحَيْفَةَ أَنَّهُ رَأَى بِلالا يُؤَذِّنُ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا بِالأذَانِ. قال المؤلف: إنما يتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا، ليعم الناس باستماعه،

стр. 720

وأما إدخاله أصبعيه فى أذنيه، فذلك ليتقوى على تأدية صوته، وإسماعه الناس، وهذا كله مباح عند العلماء، فما كان أندى لصوته، كان له فعله. وقال ابن سيرين والحسن: لا بأس أن يدخل أصبعيه فى أذنيه وهو قول الكوفيين، والأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك: ذلك واسع. وقال إبراهيم: يستقبل المؤذن بالأذان والشهادة والإقامة القبلة، فإذا قال: حى على الصلاة، قال: بوجهه عن يمينه وشماله، وهو قول الحسن البصرى، وكره ابن سيرين أن يستدير فى أذانه. وفى (المدونة) : أنكر مالك الاستدارة إنكارًا شديدًا، قال ابن القاسم: وبلغنى عنه أنه قال: إن كان يريد أن يسمع فلا بأس به. وحديث أبى جحيفة حجة على من أنكر الاستدارة؛ لأن قوله: (جعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا) يدل على استدارته، وقد روى ابن أبى شيبة هذا المعنى قال: حدثنا عباد ابن العوام، عن حجاج، عن عون بن أبى جحيفة، عن أبيه: (أن بلالاً ركز العنزة، وأذن، فرأيته يدور فى أذانه) ، ولا يخلو فعل بلال أن يكون عن إعلام النبى له بذلك، أو رآه يفعله، فلم ينكره، فصار حجة وسنة. وقال مالك فى (المختصر) : لا بأس أن يستدير عن يمينه وشماله وخلفه، وليس عليه استقبال القبلة فى أذانه، وفى (المدونة) لابن نافع: أرى أن يدور ويلتفت حتى يبلغ حى على الصلاة، وكذلك ابن الماجشون، ورآه من حَدِّ الأذان، وقال الكوفيون، والشافعى: إن

стр. 721

زال ببدنه كله فى الأذان فهو مكروه، ولا شىء عليه، وهذا خلاف ما رواه ابن أبى شيبة فى أذان بلال أنه كان يدور فيه. واختلفوا فى الأذان على غير وضوء، فممن أجازه سوى إبراهيم: قتادة، والحسن، وحماد، ورواية عن عطاء، وهو قول مالك، والثورى، وأبو حنيفة، وممن كرهه إلا على وضوء: أبو هريرة، قال: لا يؤذن إلا متوضئًا، وهو قول مجاهد، ورواية عن عطاء، وبه قال الأوزاعى، وإسحاق، وكان الشافعى، وأبو ثور يكرهان ذلك، ويجزئه إن فعل، وقول عائشة: (كان الرسول يذكر الله على كل أحيانه) ، حجة لمن لم يوجبه، وقال أبو الفرج: لا بأس بأذان الجنب، وأجازه سحنون فى غير المسجد. وقال ابن القاسم: لا يؤذن الجنب، وكرهه ابن وهب. - باب قَوْلِ الرَّجُلِ فَاتَتْنَا الصَّلاةُ وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ: فَاتَتْنَا الصَّلاةُ، لِيَقُلْ: لَمْ نُدْرِكْ وَقَوْلُ الرسول ﷺ أَصَحُّ / ٢٩ - فيه: ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَال: َ (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ الرسول ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: (مَا شَأْنُكُمْ) ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: (فَلا تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) . قال المؤلف: قوله: (وما فاتكم، فأتموا) ، يقتضى جواز قول الرجل: فاتتنا الصلاة، ولا وجه لقول ابن سيرين. وفيه: الأمر بالسكينة فى الإقبال إلى الصلاة، وترك الإسراع إليها.

стр. 722

وقد اختلف السلف فى ذلك، فروى عن أبى ذر أنه قال: إذا أقيمت الصلاة، فامش إليها كما كنت تمشى، فصلّ ما أدركت، واقض ما سُبقت، وعن أبى هريرة، وزيد بن ثابت مثله، وروى أبو هريرة، وأنس عن الرسول مثله. روى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبى ﵇، قال: (إذا أقيمت الصلاة، فليمش أحدكم نحو ما كان يمشى، فليصلّ ما أدرك، وليقض ما فاته) ، وحديث أنس رواه حماد، عن ثابت، وقتادة، وحميد، عن أنس، عن الرسول نحوه، وقال ابن مسعود: امشوا إلى الصلاة، وقاربوا بين الخُطا، واذكروا الله. وروى ابن أبى شيبة، عن ابن عمر: أنه كان يمشى إلى الصلاة، فلو مشت معه نملة، لرأيت ألا يسبقها، وعن مجاهد مثله، وهو قول أحمد بن حنبل على ظاهر الحديث، وقد رخصت طائفة فى الإسراع إلى الصلاة، روى عن ابن مسعود خلاف ما تقدم عنه، أنه قال: أحق ما سعينا إليه الصلاة، وكان ابن مسعود، وسعيد بن جبير يهرولان إلى الصلاة، وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه سمع الإقامة فأسرع المشى، وهذا يدل مع ما روى عنه أنه لا يسرع المشى إلى الصلاة، أنه حمل قوله، ﵇: (عليكم بالسكينة) ، أن المراد به من لم يخش فوات الصلاة، وكان فى سعة من وقتها، وقد روى عن مالك مثل قول ابن عمر، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا بأس بالإسراع إذا أقيمت الصلاة، ما لم يَخُبَّ، إذا خاف فوت الركعة، وقال: لا بأس أن يحرك فرسه من سمع مؤذن الحرم ليدرك الصلاة، وقال إسحاق بن راهويه: إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، فلا بأس أن يسعى.

стр. 723

- باب: مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا قَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ عَنِ الرسول ﷺ / ٣٠ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ الرَّسُول: (إِذَا سَمِعْتُمُ الإقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَلا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) . قال المهلب: معنى أمره بالسكينة فى السعى إلى الصلاة، والله أعلم، لئلا يُبهر الإنسان نفسه، فلا يتمكن من ترتيل القرآن، ولا من الوقار اللازم له فى الخشوع. وقوله ﵇: (إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة) ، يرد ما فعله ابن عمر من إسراعه إلى الصلاة حين سمع الإقامة، ويُبين أن الحديث على العموم، وأن السكينة تلزم من سمع الإقامة، كما تلزم من كان فى سعة من الوقت. وقوله: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) ، فيه حجة لمن قال: إن ما أدرك المأموم من صلاة الإمام، فهو أول صلاته، وقد اختلف العلماء فى ذلك، ففى المدونة، عن مالك، أن ما أدرك فهو أول صلاته، إلا أنه يقضى مثل الذى فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، ورواه ابن نافع، عن مالك، وقال سحنون فى (العتبية) : هذا الذى لم نعرف خلافه، وهو قول مالك، أخبرنى به غير واحد، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن البصرى، ومكحول، وعطاء، والزهرى، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وقالت طائفة: ما أدرك مع الإمام، فهو آخر صلاته والذى يقضيه أول صلاته، روى ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، والنخعى، والشعبى، وابن

стр. 724

سيرين، وأبى قلابة، ورواه عيسى عن ابن القاسم، عن مالك فى العتبية، ورواه أشهب عنه، وهو قول أشهب، وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب، وقال: الذى يقضى هو أولها؛ لأنه لا يستطيع أن يخالف إمامه، فتكون له أولى وللإمام ثانية أو ثالثة. وحكى الطحاوى، عن أبى حنيفة: أن الذى يدرك مع الإمام هو آخر صلاته وهو عنده قول الثورى، وحجة هذا القول رواية من روى هذا الحديث: وما فاتكم فاقضوا، والقضاء لا يكون إلا لفائت، ومعلوم أن الفائت من صلاة المأموم ما سبقه به إمامه، وفى إجماعهم أنه يقضى بقية صلاته كما وردت السنة دليل على أن الذى يقضيه فائت، وأن الذى صلى مع الإمام ليس هو الفائت. فإن قيل: فلم تأمره إذا قضى الفائت بالتشهد، وقد فعله قبل ذلك عندك فى موضعه. قيل: لأنه لم يفعل التسليم، ومن سنة التسليم أن يكون عقيب التشهد، وحجة القول الأول قوله ﵇: (وما فاتكم فأتموا) ، والتمام لا يكون إلا للآخر، ومستحيل أن يكون ما أدرك: آخر صلاته، فعمله أولاً؛ لأنه لا يكون آخرًا إلا وقد تقدمه أول. فإن قال قائل: كيف يصح فى قول مالك أن يكون ما أدرك أول صلاته، ولا خلاف عنده أنه من أدرك من مع الإمام ركعتين أنه يقرأ فيهما كما يقرأ الإمام بأم القرآن فى كل ركعة، فإذا سلم، قام فقرأ فيما يقضى: بالحمد وسورة فى كل ركعة؟ . قيل: جواب هذا السؤال اتفاق الجميع على أن الإحرام لا يكون

стр. 725

إلا فى أول الصلاة، والتشهد والسلام لا يكون إلا فى آخرها، فكان ما أدرك: أول صلاته، وجواب آخر: وهو قوله ﵇: (وما فاتكم فاقضوا) ، وذلك أن الذى فاته هو الذى فعله إمامه، وهى قراءة أم القرآن، وسورة فى كل ركعة، فوجب عليه قضاء مثله، وهذا المعنى بعينه يقتضى قوله ﵇: (وما فاتكم فأتموا) ؛ لأن التمام فى اللغة إتمام شىء ناقص تقدمه، ولا يكون تمامًا لشىء حتى يؤتى بكل ما نقص منه، وقد فسر أهل اللغة القضاء على غير ما احتج به الفقهاء، وقالوا: القضاء يكون لغير فائت، قال صاحب (الأفعال) : قضى الشىء: صنعه، قال تعالى: (فقضاهن سبع سماوات فى يومين) [فصلت: ١٢] ، أى صنعهن، وقال: (فاقض ما أنت قاض) [طه: ٧٢] ، أى اصنع ما أنت صانع، قال أبو ذؤيب: وعليهما مسبرودتان قضاهما داود أو صنع السَّوابِغَ تُبَّعُ أى صنعهما داود، قال: ويقال: قضيت الحق: خرجت منه، وقضيت العمل والأمر: فرغت منهما، قال تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض) [الجمعة: ١٠] ، وهذا كله يدل على صحة قول من قال: إن ما أدرك فهو أول صلاته. وفى المسألة قول ثالث قاله المزنى، وإسحاق، وأهل الظاهر قالوا: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقرأ فيهما بالحمد وسورة مع الإمام، وإذا قام للقضاء، قضى بالحمد وحدها، فيما يقضى لنفسه، كأنه آخر صلاته، فهؤلاء طردوا قولهم على أصولهم إلا أنه لا سلف لهم فيه، فلا معنى له.

стр. 726

- باب مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الإمَامَ عِنْدَ الإقَامَةِ / ٣١ - فيه: قال أَبو قَتَادَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي) . وترجم له: باب لا يسعى إلى الصلاة، ولا يقم إليها مستعجلاً، وليقم إليها بالسكينة والوقار. / ٣٢ - وزاد فى الحديث: (لا تقوموا حتى ترونى، وعليكم بالسكينة والوقار) . فائدة هذا الحديث أن تكون الإقامة متصلة بالصلاة، وألا يقام لها إلا بحضرة الإمام، وأمرهم، ﵇، ألا يطيعوا المؤذن فى ذلك خشية التراخى والمهلة بين الإقامة والدخول فى الصلاة، فينتظرونه قيامًا؛ لأن شأن الدخول فى الصلاة، اتصاله بإقامة من غير فصل، فلذلك نهاهن عن القيام قبل خروجه، والله أعلم. وقد اختلف السلف فى ذلك، فقالت طائفة: إذا أقيمت الصلاة، فلا يقوم الناس حتى يأتى الإمام، على ظاهر حديث أبى قتادة، وروى ذلك عن على بن أبى طالب، وهو قول إبراهيم، وقالوا: ينتظره الناس قعودًا، وهو قول أبى حنيفة والشافعى، وروى عن الحسن، وعمر بن عبد العزيز أنهم ينتظرونه قيامًا. واختلف فى قيام المأمومين إلى الصلاة إذا كان الإمام فى المسجد، فروى عن سالم، وأبى قلابة، والزهرى، وعطاء أنهم كانوا يقومون فى أول الإقامة، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة، ومحمد: يقومون فى الصف إذا قال المؤذن: حى على الفلاح، وإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، وهو فعل أصحاب عبد الله، والنخعى، وقال أبو يوسف، ومالك، والشافعى: لا يكبر الإمام

стр. 727

حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو قول الحسن البصرى، وأحمد، وإسحاق. قال ابن المنذر: وعلى هذا جلّ الأئمة: مالك، والشافعى، والعمل فى أمصار المسلمين، يعنى فى تكبير الإمام بعد تمام الإقامة. قال المهلب: وقوله: (لا تسع إلى الصلاة، ولا تقم إليها مستعجلاً) ، فذلك لأن السكينة تلزم عند الوقوف بين يدى الله، وفى القيام إلى الصلاة استشعار بحال الوقوف بين يدى الله، تعالى. - باب هَلْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِعِلَّةٍ / ٣٣ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ (أَنَّ نبى اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ، فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ) . وترجم له: باب إِذَا قَالَ الإمَامُ: مَكَانَكُمْ حَتَّى رَجَعَ انْتَظَرُوهُ. / ٣٤ - وقال فيه: (أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَتَقَدَّمَ، وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ.) . وذكر الحديث. معنى هذا الباب: هل يخرج من المسجد إذا ذكر أنه جنب دون أن يتيمم أم لا؟ وقد تقدم هذا الباب فى كتاب الطهارة، وذكرت هناك اختلاف العلماء فى ذلك فأغنى عن إعادته. وقال المهلب: فيه أن يكون بين الأذان والإقامة مهلة عند الضرورة بقدر اغتساله ﵇، وانصرافه إليهم.

стр. 728

فإن قال قائل: فإن هذا الحديث يعارض حديث أبى قتادة، أنه ﵇، قال: (إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى ترونى) . قيل: يحتمل أن يكون حديث أبى قتادة على غير الإيجاب والحتم، بل على وجه الرفق بهم لئلا ينتظروه قيامًا. وفيه: جواز انتظار الجماعة لإمامها الفاضل ما دام فى سعة من الوقت. وفيه: جواز انتظارهم له قيامًا، وهذا مما يكون فيما قرب. وفى هذا الحديث حجة لمالك وأبى حنيفة أن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام، وهو قول عامة الفقهاء، ويرد قول الشافعى فى إجازته تكبير المأموم قبل إمامه؛ لأنه روى حديث أبى هريرة على ما رواه مالك، عن إسماعيل بن أبى حكيم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله كبر فى صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا فذهب، ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء، فاحتج به الشافعى فى ذلك، ونقض أصله؛ لأنه حديث مرسل، وهو لا يقول بالمراسيل. ومالك الذى ذكره فى موطئه تركه، وأراد أن يعرفنا أنه رواه، ولم يقل به؛ لأنه قد صح عنده أنه ﵇، لم يكن كبر حينئذ على ما رواه أبو هريرة، وهذا الحديث رواه يونس، ومعمر، والأوزاعى، وصالح بن كيسان، عن الزهرى، عن أبى سلمة، عن هريرة، وأنه ﵇ لم يكن كبر، وذهب فاغتسل، ثم رجع، فكبر، ولو لم يكن يستأنف التكبير عند رجوعه لما صحت صلاة من خلفه؛ لأنه كان يقع تكبيره بعد تكبيرهم، ولا يستحق الإمام اسم الإمامة إلا بتقديم فعله فعل من يأتم به واتباعهم له، ومن كبر قبل إمامه فلم يأتم به، ولا حصل متبعًا له.

стр. 729

- باب قَوْلِ الرَّجُلِ مَا صَلَّيْنَا / ٣٥ - فيه: جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ ﵇: وَاللَّهِ مَا صَلَّيْت، فَنَزَلَ ﵇ إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى العَصْر بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) . فى هذا الحديث رد على قول من يقول، إذا سئل: هل صليت؛ وهو منتظر للصلاة، فيكره أن يقول: لم أصل، وهو قول إبراهيم النخعى، رواه ابن أبى شيبة، عن ابن مهدى، عن سفيان، عن أبى هاشم، عن إبراهيم أنه كره أن يقول الرجل: لم نصل، ويقول: نصلى، وقول الرسول: والله ما صلينا، خلاف قول إبراهيم، ورد له، فلا معنى له. - باب الإمَامِ تَعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَ الإقَامَةِ / ٣٦ - فيه: أَنَسِ قَالَ: (أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ) . وترجم له: باب الْكَلامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ. فى هذا الحديث ردّ لقول الكوفيين أن المؤذن إذا أخذ فى الإقامة، وقال: قد قامت الصلاة، وجب على الإمام تكبيرة الإحرام، ولو كان ما قالوه سنة الصلاة، ما كان ﵇ يُدخل بين الإقامة

стр. 730

وبين الدخول فى الصلاة عملاً من غيرها، ويدل على صحة هذا القول عملُ الخلفاء الراشدين به من بعد الرسول، وأمرهم بتسوية الصفوف بعد الإقامة، فإذا أخبروا بذلك كبروا، وبهذا قال مالك، وأهل الحجاز، ومحمد بن الحسن. وما تعلق به الكوفيون من قول أبى هريرة: لا تفتنى بآمين، فإنما كان نادرًا منه؛ لأن شأنه فى صلاته كما كان عمل الخلفاء بعده. قال المهلب: وفى هذا الحديث دليل أن اتصال الإقامة بالصلاة ليس من وكيد السنن، وإنما هو من مستحبها، وقد قال مالك: إذا بعدت الإقامة من الإحرام رأيت أن تعاد الإقامة استحبابًا؛ لأن فعل الرسول فى هذا الحديث يدل أنه ليس بلازم، وإنما كان عند الحاجة التى يخاف فوتها من أمر المسلمين. واختلف العلماء فى الكلام بعد الإقامة، فأجازه الحسن البصرى، وقال أبو مجلز: أقيمت الصلاة، وصفت الصفوف، فابتدر رجل لعمر، فكلمه فأطالا القيام، حتى ألقيا إلى الأرض والقوم صفوف. وكره الكلام بعد الإقامة: النخعى، والزهرى، وهذا الحديث حجة عليهما. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَبْوَاب صَلاةِ الْجَمَاعَةِ وَالإمَامَةِ - باب وُجُوبِ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا. / ٣٧ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قال النبى ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ ليحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي

стр. 731

بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ الْعِشَاءَ) . وقوله: (لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب. . .) ، دليل على تأكيد الجماعة، وعظيم أمرها، وقد أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات بقوله: (حافظوا على الصلوات) [البقرة: ٢٣٨] ، ومن تمام محافظتها صلاتها فى جماعة. وأجمع الفقهاء أن الجماعة فى الصلوات سنة إلا أهل الظاهر، فإنها عندهم فريضة، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: هى كل صلاة. واختلفوا فى الصلاة التى هم النبى ﵇، بأن يأمر فيحطب فيحرق رجلٌ من تخلف عنها، فقالت طائفة: هى صلاة العشاء، واحتجوا بما رواه ابن وهب، عن ابن أبى ذئب، عن عجلان مولى المشمعل، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء، أو لأحرقن حول بيوتهم) ، ويشهد لهذا القول قوله: (لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا، لشهد العشاء) ، هذا قول سعيد بن المسيب، وقال آخرون: هى الجمعة، رواه أبو إسحاق، عن أبى الأحوص، عن عبد الله، عن النبى ﷺ ، قال: (هى الجمعة) ، وهو قول الحسن البصرى، وقاله يحيى بن معين: أن الحديث فى الإحراق على من تخلف عن الرسول: يوم الجمعة لا فى غيرها. ومما يدل أن صلاة الجماعة سنة ما روى عن ابن مسعود أنه قال:

стр. 732

(عليكم بالصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن نبيكم، ولو تركتم سنته لضللتم، ولقد عهدتنا، وإن الرجل ليهادى بين رجلين حتى يقام فى الصف) ، ومما يدل على أنها سنة أن نبى الله لم يقل لهم حين توعدهم بالإحراق عليهم، أنه من تخلف عن الجماعة، فلا تجزئه صلاته، ولو كانت فرضًا ما سكت عن ذلك؛ لأن البيان منه لأمته فرض عليه. قال المهلب: وقد قيل إن هذا الحديث أريد به المنافقون، وإليهم توجه الوعيد فيه، واحتج قائل ذلك بأن الرسول أقسم أنه لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء، وليس هذا من صفات المؤمنين، وقيل: إن الحديث فى المؤمنين والوعيد إليهم متوجه، والدليل على ذلك قصة كعب بن مالك وصاحبيه، وأن الله سبحانه وبخهم بذلك ولم يوبخ المنافقين، ولا ذكرهم، ولا عُنى بإخراجهم إلى الصلاة، ولا التفت إلى شىء من أمرهم، بل كان معرضًا عنهم عالمًا بسوء طويتهم، فكيف كان يعنى بتأديبهم على ترك الصلاة فى الجماعة، وهو يعلم أنه لا صلاة لهم، ولا يلزمه التهمم بأمرهم، لما كان أطلعه الله عليه من فساد نياتهم. والعِرْقُ: العظم إذا كان عليه لحم، وقد تَعَرَّقْتُ العظم واعترقْتُه، وعَرَقْتُه، وأعرقه عرقًا: أكلت ما عليه، ورجل معروق، ومعترق: خفيف اللحم، فإذا كان العظم لا لحم عليه فهو عِرَاق، من كتاب (العين) .

стр. 733

وفيه: العقوبة فى الأموال على ترك السنن؛ لأن نبى الله لم يهم من الإحراق إلا بما يجوز له فعله، وسيأتى هذا الحديث فى أبواب الإشخاص والملازمة، وفى كتاب الأحكام، وترجم له فيها: باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت، وفيه شىء من الكلام على حسب ما يقتضيه التبويب. وأما ضربه ﵇ المثل بالعظم السمين والمرماتين، فإنه أراد الشىء الحقير، وقال أبو عبيد: (المرماتين: ما بين ظلفى الشاة، وهذا حرف لا أدرى ما وجهه) . وقال الحربى: وهو قول الخليل، ولا أحسب هذا معنى الحديث، ولكنه كما أخبرنى أبو نصر، عن الأصمعى قال: المرماة: سهم الهدف، ويصدق هذا ما حدثنى به عبيد الله بن عمر، عن معاذ، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن أبى رافع، عن أبى هريرة أن الرسول قال: (لو أن أحدكم إذا شهد الصلاة معى كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان، لفعل) ، وقال أبو عمرو: مرماة ومرام، وهى الدقاق من السهام المستوية. - باب فَضْلِ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ وَكَانَ الأسْوَدُ إِذَا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ. وَجَاءَ أَنَسُ إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ فَأَذَّنَ، وَأَقَامَ وَصَلَّى جَمَاعَةً. / ٣٨ - فيه: ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الرَسُولَ قَالَ: (صَلاةُ الْجَمَاعَةِ، تَفْضُلُ صَلاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) .

стр. 734

/ ٣٩ - وفيه: أبو سعيد مثله. / ٤٠ - وفيه: أَبَو هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لا يُخْرِجُهُ إِلا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ) . قوله: بسبع وعشرين درجة، وخمس وعشرين ضعفًا، وخمس وعشرين جزءًا، يدل على تضعيف ثواب المصلى فى جماعة على ثواب المصلى وحده بهذه الأجزاء وهذه الأوصاف المذكورة، وقد استدل قوم بهذا الحديث على أن الأفضل لكثير الجماعة على قليلها، وبما عليه أكثر العلماء فيمن صلى جماعة اثنين فما فوقهما، أن لا يعيد فى جماعة أخرى أكثر منها، وقد روينا آثار مرفوعة عن أبى بن كعب وغيره أن كلما كثرت الجماعة كان ثواب المصلى أكثر، وليست بالقوية، ولا مدخل للقياس فى الفضائل، وإنما يقال لما صح التوقيف فيه. قال ابن القصار: وهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة فى جماعة سنة، كما قال الفقهاء، وخالف ذلك أهل الظاهر، وقالوا: صلاة الجماعة فريضة، والدلالة عليهم منها فى وجهين اثنين: أحدهما: أنه أثبت صلاة الفذ وسماها صلاة، وهم يقولون: ليست بصلاة، والثانى: أنه ﵇ فاضل بينهما، فأثبت للجماعة فضلاً، فدل أن المنفردة فاضلة إلا أن مرتبتها أنقص. وهذه الدرجات والأجزاء التى تفضل بها صلاة الجماعة، منها فى حديث أبى هريرة: أربع؛ لقوله: (وذلك أنه إذا توضأ، ثم خرج

стр. 735

إلى المسجد) ؛ لأن قوله: (وذلك) إشارة إلى تفسير الجمل المذكورة فى أول الكلام، فقوله: (ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة) ، هذه درجة وهى نية الصلاة فى جماعة، وقوله: (لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة) ، فهذه درجة ثانية، وقوله: (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلى عليه مادام فى مصلاه) ، وهذه درجة ثالثة، والدرجة الرابعة قوله: (إن أحدكم فى صلاة ما انتظر الصلاة) . وفى حديث آخر لأبى هريرة قال ﵇: (لو يعلم الناس ما فى النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) ، فهاتان درجتان، و (لو يعلمون ما فى التهجير، لاستبقوا إليه) ، فهذه درجة، وقوله: (لو يعلمون ما فى العتمة والصبح) يريد فضل اجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فى الصبح، لقوله تعالى: (إن قرآن الفجر كان مشهودًا) [الإسراء: ٧٨] ، وقال ﵇: (تجتمع فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار فى العصر والفجر) ، فهاتان درجتان، وتمام الدرجات الباقية من جنس هذه المذكورة لا محالة، فطلبنا فى الآثار والقرآن، ما جانس هذه الدرجات، مما تختص به صلاة الجماعة، وليست للفذ، فوجدنا منها: إجابة النداء إلى الصلاة، لقوله تعالى: (أجيبوا داعى الله) [الأحقاف: ٣١] ، ولقوله: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) [الجمعة: ٩] . ومنها: لزوم الخشوع فى السير إلى المسجد، لقوله ﵇: (ائتوا الصلاة وعليكم السكينة) . ومنها: لزوم الذكر فى سيره، وقد روى وكيع، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبى سعيد الخدرى، قال: (من

стр. 736

قال إذا خرج إلى الصلاة: اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، لم أخرجه أشرا، ولا بطرًا، ولا رياءً، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، واتباع مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تدخلنى الجنة، وأن تغفر لى ذنوبى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضى صلاته) . ومثل هذا لا يدرك بالرأى، ولا يكون إلا عن الرسول. ومنها: السلام على الرسول، والدعاء عند دخوله فى المسجد، وعند خروجه، فهاتان درجتان، روى النسائى من حديث المقبرى، عن أبى هريرة، عن النبى، ﵇، قال: (إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبى، ﵇، وليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبى، وليقل: اللهم اعصمنى من الشيطان) . ومنها: السلام عند دخوله فى المسجد، إن كان خاليًا، فقد روى عن ابن عباس فى قوله تعالى: (فسلموا على أنفسكم) [النور: ٦١] ، قال: هو المسجد إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ومنها: الركوع فى المسجد عند دخوله، فقد أمر الرسول بذلك وهو تحية المسجد. ومنها: ترك الخوض فى أمر الدنيا؛ لحرمة المسجد والصلاة، وذكر الله تعالى، فيه لقوله تعالى: (فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) [النور: ٣٦] ، وكان عمر يضرب الناس على ذكر الدنيا فى المسجد، واتخذ البطحاء لمن أراد اللغط فيه.

стр. 737

ومنها: إجابة الدعاء بحضرة النداء للصلاة، فقد قال ﵇: (ساعتان لا يرد فيهما الدعاء: حضرة النداء، والصف فى سبيل الله) . ومنها: اعتدال الصفوف، وإقامتها، والتراصص فيها، وإلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم، فقد جاء فى الحديث أن ذلك من تمام الصلاة. ومنها: استماع قراءة الإمام والتدبر لها، وقد جاء فى قوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) [الأعراف: ٢٠٤] ، أن ذلك فى الصلاة. ومنها: قوله: ربنا ولك الحمد إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، كما جاء فى الحديث. ومنها: شهادة الملائكة لمن حضر الجماعة؛ لقوله ﵇: (أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون) . ومنها: تحرى موافقة الإمام فى الجماعة، فلا يختلف على الإمام فى القرآن والعمل؛ لقوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه) . ومنها: فضل تسليمه على الإمام وعلى من بجنبه. ومنها: فضل دعاء الجماعة. ومنها: الاعتصام بالجماعة من سهو الشيطان؛ لقوله ﵇: (أَصَدَقَ ذُو اليدين) ، ولا يجوز على الجماعة كلها السهو، فتمت سبعةً وعشرين درجة.

стр. 738

فإن قال قائل: فما معنى اختلاف الدرجات والأجزاء فى الآثار، فمرة قال: (بسبع وعشرين درجة) ، ومرة قال: (بخمسة وعشرين جزءًا؟) . فالجواب: أن الفضائل لا تدرك بالرأى، وإنما تدرك بالتوقيف، وهذا الاختلاف له معنى صحيح يؤيد بعضه بعضًا، وذلك أنه يحتمل أن يكون ﵇ أعلمه الله ، أن فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمسة وعشرين جزءًا، ثم زاد تعالى فى فضل الجماعة على صلاة الفذ، فكمله سبعًا وعشرين، ومثل هذا المعنى كثير فى شريعته ﵇. فقد أخبر ﵇ أنه من (صلى عليه مائة من المؤمنين، شفعوا فيه) ، وفى حديث آخر: (من صلى عليه أربعون) . وفى حديث آخر: (ما من مسلم يشهد له أربعة بخير إلا أدخله الله الجنة، فقيل: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، قيل: واثنان؟ قال: واثنان) . وهذا كله إنما كان ينزل على النبى فيه الوحى، ويعلم بما لم يعلم قبل ذلك، كما قال له تعالى: (قل ما أدرى ما يفعل بى ولا بكم) [الأحقاف: ٤٦] ، ثم أعلمه بعد ذلك أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان يخبر أمته على حسب ما يوحى إليه، ولم ينطق عن الهوى، فكذلك تضعيف ثواب صلاة الجماعة، والله أعلم. وفيه وجه آخر يحتمل أن يكون السبع والعشرون الدرجة للعشاء والصبح، ويكون لسائر الصلوات خمس وعشرون درجة، وسأذكر وجه ذلك فى الباب بعد هذا إن شاء الله.

стр. 739

وأما ما روى عن الأسود أنه كان يتبع المساجد إذا فاتته الجماعة، فقد روى ذلك عن حذيفة، وسعيد بن جبير، وذكر الطحاوى، عن الكوفيين ومالك: إن شاء صلى فى مسجده وحده، وإن شاء أتى مسجدًا آخر فطلب فيه الجماعة، إلا أن مالكًا قال: إلا أن يكون فى المسجد الحرام، أو مسجد الرسول فلا يخرجوا منه، ويصلوا فيه وحدانًا؛ لأن هذين المسجدين للفذ أعظم أجرًا ممن صلى فى جماعة. وقال الحسن البصرى: ما رأينا المهاجرين يتبعون المساجد، قال الطحاوى: والحجة لمالك أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، والصلاة فى المسجد الحرام، ومسجد الرسول أفضل من الصلاة فى غيرهما؛ فلذلك لا يتركهما ابتغاء الصلاة فى غيرهما، وفى مختصر ابن شعبان عن مالك: أنه من صلى فى جماعة فلا يعيد فى جماعة إلا فى مسجد مكة والمدينة. وأما صلاة اثنين جماعة فى مسجد قد جمع فيه، فإن العلماء اختلفوا فى ذلك، فروى عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود فى مسجد قد جمع فيه، وهو قول عطاء، والحسن البصرى فى رواية، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وأشهب صاحب مالك. وروى ابن مزين عن أصبغ قال: دخلت المسجد مع أشهب وقد صلى الإمام، فقال: يا أصبغ ائتم بى وتنحى إلى زاوية، فائتممت به، واحتج أحمد فى ذلك بقوله ﵇: (صلاة الجمع تزيد على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) . وقالت طائفة: لا تجمع فى مسجد مرتين، روى ذلك عن سالم،

стр. 740

والقاسم، وأبى قلابة، وهو قول مالك، والليث، والثورى، والأوزاعى، وأبى حنيفة، والشافعى. وقال بعضهم: إنما كره ذلك خشية افتراق الكلمة، وأن أهل البدع يتطرقون إلى مخالفة الجماعة، وقال مالك، والشافعى: إذا كان مسجد على طريق ولا إمام له، أنه لا بأس أن يجمع فيه قوم بعد قوم. - باب فَضْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ / ٤١ - فيه: أَبَو هُرَيْرَةَ أن نبى الله قَالَ: (تَفْضُلُ صَلاةُ الْجَمْعِ صَلاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ) ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء ٧٨] . / ٤٢ - وفيه: أَبُو الدَّرْدَاء قال: مَا أَعْرِفُ مِنْ مُحَمَّدٍ ﵇، شَيْئًا إِلا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا. / ٤٣ - وفيه: أَبِي مُوسَى، قَالَ رسول الله: (أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ مَمْشًى) . قال المؤلف: قد بيَّن فى هذا الباب المعنى الذى أوجب التفضيل لشهود الفجر فى جماعة، وهو اجتماع ملائكة الليل، والنهار
следующие страницы →