Полный текст (3 891 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
ممكنا من النظر والتصفح والإقدام والإحجام، سببا للبلاء ومجري للاختبار الموجب للولاية المظهر للعداوة. ثم رأيت المقامات في ذلك مختلفة، والأحوال متباينة، والمعارف متفاوتة. فمن بين مقصر قد أحاطت به رؤية التقصير واعترف بتخلفه وأزرى على نفسه، وبين سابق قد بذل في العبادة لله جهده فلم يبلغ من ذلك إربه، متعلق بعبادته ناظر إلى مجاهدته وتحصيل محاسبته لنفسه. وآخر مع جهده مأخوذ عن أحواله، وقد وصل به آماله وصدقه في أعماله وأخلص في قصده واستفرغ جهده، فبلغ من ذلك حظه، فأعرضت عن ذكر هؤلاء أجمعين.
وفرقة أخرى من العارفين أشرفت على عجائبهم في مقاماتهم وعظيم طرقهم في سيرهم وسيرهم، وقطع مفازهم في تيه مضلة العقول، وتنسم عقاب الحيرة، وقطع لجة الهلكة وصراط الاستقامة، فرأيتهم بعين لا يستتر عنها متوار فى حجا به، قد خدع المغرور منهم بمكانه، فمن بين صريع تحت إشارته في بحر عميق بين علم الجمع والتفريق. فرأيته أسوأ حالا ممن خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح فى مكان سحيق
وفرقة أخرى قد أنس بالفناء في مكانه، واستبطن البقاء مع أهل زمانه، فلا هو بعلم الفناء يقوم، ولا على روح البقاء يدوم، فعمه في طغيانه ولم تختلف عليه أحكامه، ولم يعرف الحق من الباطل، ولا فرق بين المخلوق والخالق، ولا الفاعل، والمفعول، ولا الفعل من الانفعال ولا تميز له الظاهر من الباطن، ولا العاجز من القادر، فكان كمن ﴿(اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله)﴾.
وفرقة منهم رأت أنه مكن في مقامه ولاحت له الأحكام فلم يكن عنده لها مكان إلا ما علق منها على الخلق، وإنما كانت الأحكام عندهم معلقة على الخلق لرؤية آثارهم وحضور إراداتهم واختلاف أحوالهم والمشاهدة منهم في أنفسهم من بين عقل متين وهوى مائل، فلذلك علق عليهم لأمره عندهم، وقصدوا بالنهي وبعثت إليهم الرسل فتمكن منهم الجهل واستوثق منهم العجب، فلم يمكن
стр. 3782
فيها علاج العلماء، ولم يصل إليها لطيف حكمة الحكماء. لتعلقهم بفقد من الوجد ولو حلت من وجود الحق هذا المحل لأجرت الأحكام مجاريها، وسلمت من سكرة المعرفة ودواهيها
وأما الفرقة التي علت بها الإشارة إلى علم التوحيد فهم الذين صحبوا الأحوال في أوقاتها بالوفاء، والأعمال بالإخلاص والصفاء، فلم يرتقوا إلى مقام قبل إحكام المقام قبله، ولم يتعلقوا بعلم لم يحلوا منه مقام أهله، وينزلوه نزول المتحققين له حتى يعلو إلى غاية الأحوال الزاكية، وتفقهوا بعلمها إلى أن أداهم ذلك إلى علم المعرفة فأذعنوا لله إذ عان المحققين، وهم في ذلك كله خالون منها بعلاقة الحق التي عنها نشأت العلوم الزاكية، غلبت عليهم الحقيقة في كل ما أثبته عليهم من الأفعال فلم يحلوا منها من مقام رفيع ونفس مختلسة وطبع منتزع، إلا بعلاقة الحقيقة الأزلية والعين الألوهية والعلوم الربانية، بما منحت في ذلك من القوة، وأعطيت فيه من الصفوة وتجديد الوحدانية، وفناء البشرية، فكانت العلوم فيه والاختيارات بتلك العلاقة المبدية لتلك الحقيقة التي أبدعت الحق فأحقت الحق وأبطلت الباطل وبذلك أخبر الله أولياءه إذ يقول:
﴿(ليحق الحق ويبطل الباطل)﴾. وقال تعالى: ﴿(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)﴾ فلم يتجرد الحق على حقيقة لولي من أوليائه، ولا صفي من أصفيائه، إلا ظهر به على كل باطل فقهره ودفعه، وإن كان الحق أبدعه واخترعه، فلم يكن الحق في مكان فيبقى فيه أثر لباطل، أو سلطان لأن من أفنى الحق حركاته البشرية ونفسه الطبيعية وأهواءه النفسانية وأوهامه الآرائية استولى عليه من الحقيقة التى عنها وبها كان التصرف والاختيار والإقدام والإحجام، والسكون والحركات، فله علامة موجبة بصحة مقامه وعلو شأنه لا يختلف عليه منه الأفعال ولا تضطرب عليه الأقوال ولا تتفاوت منه الأفعال كاختلافها على من بقيت عليه آثاره في أفعاله، وغلب هواه بهاءه فأسر عقله جهله، فهو مغرور بما تعلق من اعتقاد علوم لم يسعه بالنزول في حقائقها، ولا تلحظ مثقال ذرة مما روى منها أهلها من علم التوحيد ومذاق التجريد، وهو غير موحد وطمع في التجريد وهو غير مجرد. قد اتخذ إلهه
стр. 3783
هواه وأضله الله على علم. طمعا فيما لم يسعد به بحقيقة. هيهات إن أهل هذه الإشارة ناس لم تبق لهم همة تومى إلى ذكر فعل مذموم دون أن يجري ذلك عليهم بعلم من العلوم، إذ كانت حركاتهم عن الحق بالحق في جميع الأحكام لا تعترضها خواطر البشرية ولا يليق فيها فعل الأفعال الطبيعية، لا يقولون إلا بالحق ولا ينطقون عن الهوى. بذلك خبرنا عن المصطفى ﷺ فقال ﴿(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى﴾.
فأما الفرقة التي اغترت بما لم تؤت ولم تفارق العلل المستولية عليهم من حركات طباعهم الداعية إلى حاجتها وشهواتها فأولئك مثلهم كما قال الله تعالى:
﴿(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون)﴾ وقوله: ﴿(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء)﴾ فهم رهائن أعمالهم لزم كل عبد منهم طائره في عنقه إذ يقول ﴿(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)﴾ الآية وقال: ﴿(كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين)﴾. جعلنا الله وإياكم من أصحاب اليمين.
وهم أهل القوة.
• وفيما كتب إلي جعفر وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت رويما يقول:
الصبر ترك الشكوى، والرضاء استلذاذ البلوى، واليقين المشاهدة، والتوكل إسقاط رؤية الوسائط، والتعلق بأعلى الوثائق، والأنس أن تستوحش من سوى محبوبك. وسئل عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد:
ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة … وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا
وقيل له: كيف حالك؟ فقال: كيف يكون حال من دينه هواه وهمته شقاؤه ليس بصالح نقي ولا عارف تقي.
قال الشيخ: ذكرنا لجده حديثا مسندا لموافقة اسمه اسمه
• حدثنا محمد بن جعفر بن الهيثم ثنا جعفر بن محمد الصائغ ثنا رويم بن يزيد المقرئ ثنا إسماعيل بن يحيى التيمى عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال:
«رأى النبي ﷺ أبا الدرداء يمشي قدام أبي بكر فقال: يا أبا الدرداء
стр. 3784
أتمشي قدام رجل ما طلعت الشمس على رجل مسلم خير عنه؟». قال: فما رئي أبو الدرداء بعد هذا يمشي إلا خلف أبي بكر.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن العباس الأخرم ثنا الحسن بن ناصح المخرمي ثنا رويم بن يزيد ثنا إسماعيل عن ابن جريج مثله.
أحمد بن محمد بن عطاء
• ومنهم العامل الظريف والكامل النظيف كان مودع القرآن شعاره، وظاهر البيان دثاره له اللسان المبسوط والبيان بالحق مربوط. أوقف على مراتب المأسورين ومقامات أهل البلاء من المأخوذين فتمنى ما خصوا به من الصفاء والاعتلاء فعومل بما تمنى من المحن والابتلاء، أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء
• سمعت أبا الحسين محمد بن علي بن حبيش - صاحب الجنيد بن محمد - يقول:
صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدبا بآدابه وكان له كل يوم ختمة وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وبقي في ختمه يستنبط مودع القرآن بضع عشرة سنة يستروح إلى معاني مودعها فمات قبل أن يختمها. وسمعته يقول في قوله ، ﴿(إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة)﴾ فقال في البيت مقام إبراهيم وفي القلب آثار رب إبراهيم، وللبيت أركان وللقلب أركان، فأركان البيت الصم من الصخور وأركان القلب معادن النور.
• سمعت أبا سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن نصير الرازى - بنيسابورى صاحب يوسف بن الحسين - يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول من ألزم نفسه آداب السنة غمر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه والتأدب بآدابه قولا وفعلا ونية وعقدا.
• سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: قرن ثلاثة أشياء بثلاث قرنت الفتنة بالمنية وقرنت المحنة بالاختيار وقرنت البلوى بالدعاوى. وسئل إلى م تسكن قلوب العارفين؟ قال إلى قوله: بسم الله الرحمن
стр. 3785
الرحيم، لأن في بسم الله هيبته، وفي اسمه الرحمن عونه ونصرته، وفي اسمه الرحيم مودته ومحبته: ثم قال. سبحان من فرق بين هذه المعاني في لطافتها في هذه الأسامي في غوامضها.
• سمعت أبي يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: إذا كانت نفسك غير ناظرة لقلبك فأدبها بمجالسة الحكماء فمن أراد أن يستضئ بنور الحكمة فليلاق بها أهل الفهم والعقل. وسمعته يقول: القلب إذا اشتاق إلى الجنة أسرعت إليه هدايا الجنة وهي المكروه لأن المكاره هدايا الجنة إلى أبدان الصادقين ومن فر بنفسه إلى حصن المكروه رحلت شهوات الطمع عن قلبه. وقال من علامة الصدق رضى القلب بحلول المكروه.
• سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن مقسم يقول قال أبو العباس بن عطاء من تأدب بآداب الصالحين فإنه يصلح لبساط الكرامة، ومن تأدب بآداب الأولياء فانه يصلح لبساط القربة، ومن تأب بآداب الأنبياء فإنه يصلح لبساط الأنس والانبساط، وسمعته يقول قال أبو العباس بن عطاء: لم تزل الشفقة بالمؤمن حتى أو فدته على خير أحواله، ولم تزل الغفلة بالفاجر حتى أوفدته على شر أحواله.
• سمعت محمد بن علي بن حبيش يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول:
أدن قلبك من مجالسة الذاكرين لعله ينتبه عن غفلته، وأقم شخصك في خدمة الصالحين لعله يتعود ببركتها طاعة رب العالمين. قال: وسئل أبو العباس وأنا حاضر عن أقرب شيء إلى مقت الله والعياذ بالله. فقال: رؤية النفس وأفعالها وأشد من ذلك مطالبة الأعواض عن أفعالها. قال وسمعته يقول: من علامات الأولياء أربعة صيانة سره فيما بينه وبين الله. وحفظ جوارحه فيما بينه وبين الله، واحتمال الأذى فيما بينه وبين خلق الله، ومداراته مع الخلق على تفاوت عقولهم.
• سمعت أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول:
من شاهد الحق بالحق انقطعت عنه الأسباب كلها، وما دام ملاحظا لشيء فهو
стр. 3786
غير مشاهد لحقيقة الحق، وهذا مقام من صفت له الولاية فلم يحجب عنه المنتهى والغاية. وسئل عن قوله تعالى ﴿(تتجافى جنوبهم عن المضاجع)﴾ فقال المضطجعون على مراتب: مضطجع على فراشه، ومضطجع في نفسه، ومضطجع في دنياه.
فالمضطجع على فراشه فهو الظالم متى انتبه ذكر الله تعالى أعطي ثوابه عشرة أمثالها. والمضطجع في دنياه فهو المقتصد متى انتبه وجل من مطالعة الدنيا واستغفر أعطي ثوابه سبعمائة ضعف. وأما المضطجع في نفسه فهو السابق متى شاهد نفسه ورأى ضلالتها ظن أنه من الهالكين. حينئذ يفتقر إلى الله بطلب السلامة من نفسه فهذا ممن ثوابه ﴿(فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)﴾ قال أبو العباس: ذكر الثواب عن ذكر الله غفلة عن الله.
• أنشدني محمد بن علي بن حبيش قال أنشدنى أحمد بن سهل بن عطاء.
بالله أبلغ ما أسعى وأدركه … لابى ولا بشفيع الى الناس
إذا يئست وكاد اليأس يقلقنى … جاء الغنى عجبا من جانب اليأس
قال ابن حبيش: فزدته ثالثا بين يديه:
أعود في كل أمر جل مطلبه … عندي إلى كاشف الضر والبأس
ل: وأنشدنى ابن عطاء:
دبوا إلى المجد والساعون قد بلغوا … جهد النفوس وشدوا نحوه الازرا
وساوروا المجد حتى مل أكثرهم … وعانق المجد من وافى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرا أنت تأكله … لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
قال وأنشدني ﵀:
ذكرك لي مؤنس يعارضني … يوعدني عنك منك بالظفر
فكيف أنساك يا مداهمي … وأنت مني بموضع من النظر
وسئل: ما العبودية؟ قال: ترك الاختيار، وملازمة الافتقار. وقال:
إياك أن تلاحظ مخلوقا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا.
قال الشيخ: كان كثير الحديث:
• حدثنا محمد بن علي بن حبيش ثنا أبو العباس بن عطاء الصوفي ثنا
стр. 3787
يوسف بن موسى القطان ثنا الحسن بن بشر البلخى ثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أبي مليح عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله ﷺ : «يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم».
• حدثنا محمد بن علي ثنا أبو العباس بن عطاء ثنا الفضل بن زياد ثنا ابن أبي ليلى قال حدثنى أبى عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس قال: «قضم الملح فى جماعة خير من أكل الفالوذج في فرقة».
قال الشيخ: ذكر جماعة من أعلام البغداديين كان المفزع إلى أدعيتهم عند المحن والنوازل لصفاء أحوالهم، ووفاء أقوالهم، فكانت آثارهم فى الاجابة مشهورة، وأوقاتهم بالمشاهد والمسامرة معمورة، صحبوا بشر بن الحارث الحافي وأصحاب معروف الكرخي. حماهم الحق عن التبدل، وحلاهم بخلوة الذكر والاشتهار. لقينا أصحابهم وكانوا على سمتهم مشتهرين بالذكر شاهدين مغتنمين، للوقت مجاهدين: منهم إبراهيم بن السري السقطي. وبدر بن المنذر المغازلي، وأبو أحمد القلانسي، وخير النساج، وأبو بكر بن مسلم بن حمزة البصري، عداده في البغداديين.
إبراهيم بن السري
• سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول سمعت إبراهيم بن السري السقطي يقول سمعت أبى يقول: عجبت لمن غدا أو راح في طلب الأرباح وهو مثل نفسه نواح لا يربح أبدا.
• سمعت إبراهيم بن محمد يقول سمعت أبا العباس يقول سمعت إبراهيم ابن السري يقول سمعت أبي يقول: لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على أولادها للاقت السرور في معادها.
بدر المغازلي
وأما بدر المغازلي فأطبقت الألسنة من الحنبلية وأصحاب الحديث أنه كان يعد من البدلاء، عرف له أحوال عجيبة.
стр. 3788
• حدثنا عنه أبو بكر بن خلاد ثنا بكر بن المنذر أبو بكر المغازلي الشيخ الصالح ثنا معاوية بن عمرو ثنا زهير بن معاوية عن العلاء بن المسيب أن سهيلا بن أبي صالح حدثه عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا قال لجبريل: إني أحب فلانا فأحبه. فيحبه جبريل، ثم يقول لأهل السماء: إن الله يحب عبده فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول» قال العلاء: فقلت: ما القبول؟ قال: المودة في الأرض.
القلانسي
قال الشيخ: وأما أبو أحمد القلانسي فمخصوص بالتواضع والفتوة والاحتمال وطيبة القلب والابتذال. صحب أبا حمزة وتخرج عليه.
• سمعت عمر بن أحمد بن شاهين يقول: سمعت علي بن محمد المصري يقول سمعت عمرو بن سعيد القلانسي يقول سمعت يحيى بن الحسن القلانسي يقول:
رأيت ربي في النوم فقلت: يا رب اغفر لي ما مضى، قال: إن أردت أن أغفر لك ما مضى فأصلح لي ما بقي. قال: قلت: يا رب فأعني عليه.
• سمعت عبد المنعم بن عمر يقول قال أبو سعيد بن الأعرابي سمعت الكتاني يقول قال منية البصري: سافرت مع أبي أحمد القلانسي فجعنا جوعا شديدا، ففتح علينا بشيء من طعام فآثرني به، وكان معنا سويق، فقال لي كالمازح:
تكون جملى؟ فقلت: نعم. فكان يوجرنى ذلك السويق يحتال بذلك أن يؤثرني على نفسه. وكان قد صحب أبا محمد الرباطي المروزي وسلك معه البادية، وورث عنه هذه الأخلاق الحميدة، وذلك أن أبا محمد اشترط عليه أن يكون هو الأمير في سفرهما. فحكى عنه أنه كان يطعمه ويجوع، ويسقيه ويعطش، ويؤثره بأسباب الرفق. وذكر أن مطرا أصابهما في رياح وظلمة شديدة بالبادية، فقال: يا أحمد اطلب الميل، فلما صرنا إلى الميل أقعدني في أصله ووضع يده عليه وهو قائم، وجللني بكساء كان معه فوق ظهره وعلى رأسه، حتى صرت كأني في بيت لا يصيبني المطر ولا الرياح. فكلما قلت له قال: لا تعترض علي
стр. 3789
وأنا الأمير. وكان أبو حمزة وابن وهب وجماعة المشايخ يكرمونه ويقدمونه على غيره قال أبو سعيد بن الأعرابي: ولقد صحبته إلى أن مات فما رأيته قط يبيت ذهبا ولا فضة كان يخرجه من الليل ويذهب مذهب شقيق في التوكل وكان يقول: بناء مذهبنا على شرائط ثلاث: لا نطالب أحدا من الناس بواجب حقنا، ونطالب أنفسنا بحقوق الناس، ونلزم أنفسنا التقصير في جميع ما نأتي به.
خير النساج
وأما أبو الحسن خير النساج. كان من أهل سامرا، سكن بغداد وصحب أبا حمزة والسري السقطي. له الحظ الجسيم في الكرامات.
• سمعت علي بن هارون - صاحب الجنيد - يحكي عن غير واحد من أصحابه ممن حضر موته قال: غشي عليه عند صلاة المغرب ثم أفاق فنظر إلى ناحية من باب البيت فقال: قف عافاك الله، فإنما أنت عبد مأمور، ما أمرت به لا يفوتك، وما أمرت به يفوتني، فدعني أمضي لما أمرت به ثم امض أنت لما أمرت به. فدعا بماء فتوضأ للصلاة وصلى ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد فمات ﵀، فرآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: لا تسألني عن هذا ولكن استرحت من دنياكم الوضرة.
• أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه قال: سألت خيرا النساج: أكان النسج حرفتك؟ قال: لا. قلت: فمن أين سميت به؟ قال كنت عاهدت الله واعتقدت أن لا آكل الرطب أبدا، فغلبتني نفسي يوما فأخذت نصف رطل، فلما أكلت واحدة إذا رجل نظر إلى وقال: يا خير يا آبق هربت مني؟ - وكان له غلام هرب اسمه خير - فوقع علي شبهه وصورته، فخنقني فاجتمع الناس فقالوا: هذا والله غلامك خير. فبقيت متحيرا وعلمت بماذا أخذت، وعرفت جنايتي. فحملني إلى حانوته الذي فيه كان ينسج غلمانه وقالوا: يا عبد السوء تهرب من مولاك؟ ادخل واعمل عملك الذي كنت تعمل. وأمرني بنسج الكرباس، فدليت رجلي على أن أعمل فأخذت بيدي آلته، فكأني كنت أعمل من سنين، فبقيت معه شهرا أنسج له، فقمت ليلة فتمسحت وقمت إلى
стр. 3790
صلاة الغداة، فسجدت وقلت في سجودي: إلهي لا أعود إلى ما فعلت.
فأصبحت وإذا الشبه ذهب عني وعدت إلى صورتي التي كنت عليها، فأطلقت فثبت علي هذا الاسم، فكان سبب النسج اتباعي شهوة عاهدت الله أن لا آكلها، فعاقبني الله بما سمعت. وكان يقول: لا نسب أشرف من نسب من خلقه الله بيده فلم يعصمه، ولا علم أرفع من علم من علمه الله الأسماء كلها فلم تنفعه في وقت جريان القضاء عليه، ولا عبادة أتم ولا أكثر من عبادة إبليس فلم ينجه ذلك من أن صار إلى ما سبق له من الله تعالى. وقال: توحيد كل مخلوق ناقص بقيامه بغيره، وحاجته إلى غيره. قال الله تعالى: ﴿(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله)﴾ المحتاجون إليه في كل نفس ﴿(والله هو الغني)﴾ عنكم وعن توحيدكم وأفعالكم ﴿(الحميد)﴾ الذي يقبل منك ما لا يحتاج إليه ويثيب على ما تحتاج إليه.
• أخبر الحسن بن جعفر قال أخبرني عبد الله بن إبراهيم الجريري قال قال أبو الخير الديلمي: كنت جالسا عند خير النساج فأتته امرأة وقالت: أعطني المنديل الذي دفعته إليك. قال: نعم. فدفعه إليها. فقالت: كم الأجرة؟ قال:
درهمان. قالت: ما معي الساعة شيء، وأنا قد ترددت إليك مرارا ولم أرك، آتيك به غدا إن شاء الله، فقال لها خير إن أتيتني به ولم ترني فارم به في الدجلة فإني إذا رجعت أخذته. فقالت المرأة: كيف تأخذ من الدجلة؟ فقال خير: التفتيش فضول منك، افعلي ما أمرتك. فقالت إن شاء الله.
فمرت المرأة. قال أبو الخير: فجئت من الغد - وكان خير غائبا - فإذا بالمرأة جاءت ومعها خرقة فيها درهمان، فلم ترخيرا فقعدت ساعة ثم قامت ورمت بالخرقة في الدجلة، فإذا بسرطان قد تعلقت بالخرقة وغاصت، فبعد ساعة جاء خير وفتح باب حانوته وجلس على الشط يتوضأ، وإذا بسرطان خرجت من الماء تمشي نحوه والخرقة على ظهرها. فلما قربت من الشيخ أخذها. فقلت له: رأيت كذا وكذا. فقال: أحب أن لا تبوح به في حياتي، فأجبته إلى ذلك وقلت: نعم.
١
стр. 3791
أبو بكر بن مسلم
وأما أبو بكر بن مسلم فمن المستأنسين بالله لا ينفك عن مشاهدته ومذاكرته. كان الجنيد من تلامذته.
• أخبر جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: عبرت يوما إلى أبي بكر بن مسلم في نصف النهار فقال لي: ما كان لك في هذا الوقت عمل يشغلك عن المجيء إلى؟ قلت: إذا كان مجيء إليك العمل فما أعمل.
• سمعت أبا عمرو العثماني يقول سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد يقول سمعت الحسن بن علي بن خلف البربهاري يقول: مرض أبو بكر بن مسلم فعاده المروزي في خلق من الناس، فكأن أبا بكر بن مسلم كره ذلك لأجل الجماعة الذين جاءوا معه، فكتب إليه يعاتبه على ذلك. وكتب في آخر الرقعة:
يا من يريد بزعمه الاخمالا … إن كان حقا فاستعد خصالا
اترك التذاكر والمجالس كلها … واجعل خروجك للصلاة خيالا
بل كن بها حيا كأنك ميت … لا ترتجى عند القريب وصالا
وأنس بربك واعلمن بأنه … عون المريد يسدد العمالا
من ذا يريد مع الحبيب مؤانسا … من ذا يريد بغيره أشغالا؟
لا تأنسن مع الحياة بغيره … وابذل قواك وقطع الأوصالا
فلئن سلمت لأنت أكرم من يشا … ولئن هلكت فما ظلمت خلالا
من ذاق كأس الخوف ضاق بذرعه … حتى ينال مراده إن نالا
حاشا مؤمل سيدي من بخسه … جل الجواد إلهنا وتعالى.
سمنون بن حمزة
قال الشيخ: ومنهم سمنون بن حمزة أبو الحسن الخواص. وقيل أبو بكر بصري، سكن بغداد ومات قبل الجنيد، سمى نفسه سمنون الكذاب وكان سبب ذلك أبياته التي قال فيها:
стр. 3792
فليس لي في سواك حظ … فكيف ما شئت فامتحني
فحصر بوله من ساعته، فسمى نفسه سمنون الكذاب
• أخبر عبد المنعم عن أبي بكر الواسطي قال قال سمنون: يا رب قد رضيت بكل ما تقضيه علي. فاحتبس بوله أربعة عشر يوما، فكان يلتوي كما تلتوي الحية على الرمل يتقلب يمينا وشمالا، فلما أطلق بوله قال: يا رب تبت إليك وأنشدت عن جعفر عن سمنون:
أنا راض بطول صدك عني … ليس إلا لأن ذاك هواكا
فامتحن بالجفا صبرى على … الود ودعني معلقا برجاكا
ومن أبياته التي امتحن فيها ما حدثناه عثمان بن محمد العثمان قال أنشدني علي بن عبد الله بن سويد قال أنشدنا محمد بن أحمد أن ابن الصباح قال أنشدنا علي بن غياث البزاز قال أنشدنا سمنون أبو الحسن أو أبو بكر البصرى
أفديك بل قل أن يفديك ذو دنف … هل فى المذلة للمشتاق من عار
بي منك شوق لو أن الصخر يحمله … تفطر الصخر عن مستوقد النار
قد دب حبك في الأعضاء من جسدي … دبيب لفظى من روحى وإضمارى
ولا تنفست إلا كنت مع نفسي … وكل جارحة من خاطري جاري
قال: وأنشدنا أيضا سمنون لنفسه:
شغلت قلبي عن الدنيا ولذتها … فأنت والقلب شيء غير مفترق
وما تطابقت الأحداق من سنة … إلا وجدتك بين الجفن والحدق
وأنشدني عثمان بن محمد قال أنشدنى أبو على الحسن بن أحمد الصوفى لسمنون:
ولو قيل طأ في النار أعلم أنه … رضى لك أومدن لنا من وصالكا
لقدمت رجلي نحوها فوطئتها … سرورا لأني قد خطرت ببالكا.
وأنشدني عثمان قال أنشدني علي بن عبد الله بن سويد قال حدثني محمد بن حمدان قال: رأيت سمنونا وقد أدخل رأسه فى زرنافقته وعليه جربان من أدم ثم أخرج رأسه بعد ساعة وزفر وقال
стр. 3793
تركت الفؤاد عليلا يعاد … وشردت نومي فما لي رقاد.
• وأنشدني محمد بن الحسين بن موسى قال أنشدنا محمد بن عبد الله بن عبد العزيز قال أنشدنا أبو جعفر الفرغانى قال أنشدنا سمنون البصرى
أحن بأطراف النهار صبابة … وبالليل يدعوني الهوى فأجيب
وأيامنا تفنى وشوقي زائد … كأن زمان الشوق ليس يغيب.
• سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا بكر العجان يقول سمعت سمنونا يقول: إذا بسط الجليل غدا بساط المجد دخل ذنوب الأولين والآخرين في حاشية من حواشيه، وإذا أبدى عينا من عيون الجود ألحق المسيئ بالمحسن.
• أخبرت عن عمر بن رفيل - وقد لقيته بجرجوايا - قال سمعت أبا القاسم الهاشمي يقول: كنت في بيت المقدس في برد شديد وعلى جبة وكساء وأخذ البرد والثلج يسقط، فرأيت شابا عليه خرقتان في صحراء يمشي، فقلت: يا حبيبي لو استترت ببعض هذه الأروقة فتكنك من البرد، فقال لي يا أخي سمنون:
ويحسن ظني أنني في فنائه … وهل أحد فى كنه يجد القرا.
• أخبر جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال قال أبو أحمد القلانسي: فرق رجل ببغداد على الفقراء أربعين ألف درهم فقال لي سمنون: يا أبا أحمد ما ترى ما أنفق هذا وما قد عمله نحن ما نرجع إلى شيء ننفقه فامض بنا إلى موضع نصلي فيه بكل درهم أنفقه ركعة فذهبنا إلى المدائن فصلينا أربعين ألف ركعة وزرنا قبر سلمان وانصرفنا.
وكان يقول: أول وصل العبد هجرانه لنفسه وأول هجران العبد للحق تعالى مواصلته لنفسه. وكان يقول. مضى الوقت فصار الوقت مقتا وقتك خراب وقلبك في المحراب، ومن كانت عبادته عناء كانت ثمرته ضناء.
ومنهم المشهورون بالنسك والتعبد السالكون مسلك أوليائهم من المتعبدين، الذين تخرجوا على المتحققين، وراضوا أنفسهم رياضة العلماء
стр. 3794
المتقين، كعلي بن الموفق، وأبي عثمان الوراق، وأيوب الحمال، وأبي عبد الله الجلاء ﵏.
كانت بواطنهم بالمشاهدة عامرة، وظواهرهم عن المناظرة والمذاكرة شاغلة، فلم ينقل عنهم غير الأحوال المكنية اللطيفة:.
علي بن الموفق
• حدثنا إبراهيم بن محمد النيسابوري قال سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبدويه العبدي قال حدثني أبو عمر عبد الرحمن بن أبي قرصافة العسقلاني قال سمعت أبا القاسم البزاز يقول قال لي علي بن الموفق: حججت نيفا وخمسين حجة فجعلت ثوابها للنبي ﷺ ، ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ولأبوي. وبقيت حجة فنظرت إلى أهل الموقف بعرفات وضجيج أصواتهم، فقلت: اللهم إن كان في هؤلاء أحد لم تقبل منه حجته فقد وهبت له هذه الحجة، ليكون ثوابها له. قال: فبت تلك الليلة بالمزدلفة فرأيت ربي في المنام فقال لي: يا علي بن الموفق علي تتسخى؟ قد غفرت لأهل الموقف ومثلهم وأضعاف ذلك، وشفعت كل رجل منهم في أهل بيته وخاصته وجيرانه، وأنا أهل التقوى وأهل المغفرة.
• وحكي لي عن أبي عبد الله الخواص المصري قال سمعت علي بن الموفق يقول: خرجت يوم الجمعة إلى الرواح فسألتني أهلي حاجة فخرجت وأنا مغموم بها، فهتف بي هاتف: يا ابن الموفق تحزن وأنا لك؟.
• سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: يحكى عن العباس بن يوسف الشكلي قال سمعت علي بن الموفق يقول: حججت سنة من السنين في محمل فرأيت رجالة فأحببت المشي معهم، فنزلت وأقعدت واحدا في محملي ومشيت معهم، فتقدمنا إلى البريد وعدلنا عن الطريق فنمنا فرأيت في منامي جواري معهن طسوت ذهب وأباريق فضة يغسلن أرجل المشاة، فبقيت أنا، فقالت إحداهن لصاحبتها:
ليس هذا منهم، هذا له محمل. فقالت: بل هو منهم لأنه أحب المشي معهم فغسلن رجلي فذهب عني كل تعب كنت أجده.
стр. 3795
أبو عثمان الوراق
وأما أبو عثمان الوراق فله العبادة المشهورة. كان الإمام أحمد بن حنبل يحمد سيرته. كان للفقر معتنقا ولا يرى الإمساك والادخار. يتبع آثار ما درج عليه الصدر الأول من صفوة الصحابة وأهل الصفة، ويقول بالإيثار والمواساة. أكثر نجوم البغداديين به تخرجوا، وعنه أخذوا التجرد وسياسة النفوس ورياضتها. كان يجمع المتعبدين في مسجده يقرئهم القرآن ويعلمهم الأحكام، ويحثهم على الورع والتقلل، ويواخى بين أصحابه فيضيف الضعيف إلى القوى، ويواخى بين المتكسب ومن لا حرفة له، وبين البصير والضرير وبين القارئ وبين من لا يقرأ ليعلمه ويلقنه. لا يمنع المكتسب من الكسب. فإذا كان الليل اجتمع أمرهم واحد فأكلوا موضعا واحدا، وهو كأحدهم، إن كان عنده شيء أحضره، كان لا يبيت شيئا، كان إذا سافر وغزا هو وأصحابه ينزلون المساجد لا يحضرون الدعوات والاجتماع إن فتح عليهم في المسجد قبلوه وبذلوه، وكان يصون أصحابه عن التعرض والمسألة، فإن جاءه ممن تسكن إليه نفسه قبله لهم. كانت طريقته طريقة السلف المرضية.
أبو أيوب الحمال
وأما أبو أيوب الحمال فمن المجتهدين ومن الأسخياء، له كرامات عجيبة
• أخبر جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: أخبرني محمد بن وهب عن بعض أصحابه أنه حج مع أيوب الحمال. قال: فلما دخلنا البادية وسرنا منازل إذا بعصفور تحوم حولنا، فرفع أيوب رأسه إليه وقال له: قد جئت إلى هاهنا؟ فأخذ كسرة خبز ففتته فى كفه فانحط العصفور وقعد على كفه يأكل منها، ثم صب له ماء فشربه. ثم قال: اذهب الآن. فطار العصفور، فلما كان من الغد رجع العصفور ففعل أيوب مثل فعله في اليوم الأول. فلم يزل كل يوم يفعل به ذلك إلى آخر السفر، ثم قال أيوب: تدري ما قصة هذا العصفور؟ كان يجيئنى
стр. 3796
في منزلي كل يوم فكنت أفعل به ما رأيت، فلما خرجنا تبعنا يقتضي مني ما كنت أفعل به في المنزل.
• وحكى جعفر بن محمد عن محمد بن خالد قال سمعت أيوب يقول: عقدت على نفسي أن لا أمشى غافلا ولا أمشى إلا ذكرا، فمشيت مشية غفلة فأخذتني عرجة فعلمت من أين أتيت، فبكيت واستغثت فتبت فزالت العلة والعرجة فرجعت إلى الموضع الذي غفلت فيه فرجعت إلى الذكر فمشيت سليما.
أبو عبد الله الجلاء
وأما أبو عبد الله الجلاء أحمد بن يحيى فهو بغدادي سكن الرملة.
صحب ذا النون وأبا تراب وأباه يحيى الجلاء. له النكت اللطيفة. أحد أئمة القوم. لم يكن بالشام في حاله له شبيه مذكور. تخرج به جماعة من المذكورين.
• سمعت والدي يذكر عن بعض أصحابه أنه كان يقول: يحتاج العبد أن يكون له شيء يعرف به كل شيء، وكان يقول: من استوى عنده المدح والذم فهو زاهد، ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد. ومن رأى الأفعال كلها من الله فهو موحد.
• سمعت محمد بن الحسن بن علي اليقطيني يقول: حضرت أبا عبد الله فقيل له: هؤلاء الذين يدخلون البادية بلا عدة ولا زاد يزعمون أنهم متوكلة فيموتون. قال: هذا فعل رجال الحق، فإن ماتوا فالدية على القاتل.
• سمعت محمد بن الحسن بن موسى يقول سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أحمد بن علي يقول: سئل أبو عبد الله الجلاء عن الحق فقال:
إذا كان الحق واحدا يجب أن يكون طالبه واحدانى الذات. وقال سمت همم المريدين إلى طلب الطريق إليه فأفنوا نفوسهم في الطلب. وسمت همم العارفين إلى مولاهم فلم تعطف على شيء سواه.
• سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا عمرو الدمشقي يقول سمعت أبا عبد الله الجلاء يقول: الحق استصحب أقواما للكلام واستصحب أقواما للخلة، فمن استصحبه الحق لمعنى ابتلاه
стр. 3797
بأنواع المحن، فليحذر أحدكم طلب رتبة الأكابر. وكان يقول: من بلغ بنفسه إلى رتبة سقط عنها، ومن بلغ به ثبت عليها. وكان إذا سئل عن المحبة قال: ما لي وللمحبة، أنا أريد أن أتعلم التوبة. وسئل كيف تكون ليالى الاحباب فأنشأ يقول:
من لم يبت والحب حشو فؤاده … لم يدر كيف تفتت الأكباد.
• حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت محمد بن عبد العزيز الطبري يقول سمعت أبا عمرو الدمشقي يقول سمعت ابن الجلاء يقول: قلت لأبي وأمي: أحب أن تهبانى لله قالا: قد وهبناك لله. فغبت عنهما مدة فرجعت من غيبتي - وكانت ليلة مطيرة - فدققت عليهما الباب فقالا: من؟ قلت: ولدكما. قالا: كان لنا ولد فوهبناه لله، ونحن من العرب لا نرجع فيما وهبنا. وما فتحا لي الباب.
ابن أبي الورد
• وأما محمد بن محمد بن أبي الورد، وقيل أحمد، فمن جلة المشايخ وكبارهم.
صحب بشرا الحافي والحارث بن أسد المحاسبي، وسريا السقطي. محله في الورع محل شيوخه وأئمته.
• أخبر جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال قال ابن أبي الورد: بساط المجد بسط للأولياء ليأنسوا به، وليرفع عنهم حشمة بديهة المشاهدة. وبساط الهيبة بسط للأعداء ليستوحشوا من قبائح أفعالهم ولا يشاهدوا ما يستريحون إليه في المشهد الأعلى. وقال أحمد ابن أبي الورد: وصل القوم بخمس: بلزوم الباب، وترك الخلاف، والنفاذ في الخدمة، والصبر على المصائب، وصيانة الكرامات. وقال: إن ولي الله إذا أراد ثلاثة أشياء زاد منها ثلاثة أشياء، إذا زاد جاهه زاد تواضعه، وإذا زاد ماله زاد سخاؤه، وإذا زاد عمره زاد اجتهاده. وكان يقول: طرح الدنيا إلى المقبلين عليها والإعراض عنها وعن المقبلين عليها من عمل الأكياس، لأن من عزفت نفسه عن محبة الدنيا أحبه أهل الأرض، ومن أعرض بقلبه عن محبة الدنيا أحبه أهل السماء.
стр. 3798
• سمعت محمد بن الحسين اليقطيني يقول سمعت علي بن عبد الحميد يقول سمعت ابن أبي الورد يقول: آفة الخلق في حرفين: اشتغال بنافلة وتضييع فريضة، وعمل جوارح بلا مواطأة القلب، وإنما منعوا الوصول بتضييع الأصول.
أسند الكثير عن بشر بن الحارث وغيره.
• حدثنا أبو أحمد الغطريفي - من أصله - ثنا أبو إسحاق بن يزيد الهاشمي ثنا محمد بن محمد بن أبي الورد العابد قال سمعت بشر بن الحارث الحافي يقول ثنا المعافى بن عمران عن إسرافيل عن مسلم عن حبة العوفى عن علي قال قال رسول الله ﷺ : «كل الثوم نيئا فلولا أن الملك يأتينى لأكلته».
• حدثنا أبو أحمد ثنا أبو إسحاق بن يزيد - إملاء - ثنا محمد بن أبي الورد قال سمعت بشر بن الحارث يقول: رحلت إلى عيسى بن يونس ماشيا على قدمي فأكرمني وأدناني وقال لي: ما الذي أقدمك؟ قلت: أحببت لقاءك والنظر إليك. قال: يا أخي ومن أنا وأي شيء عندي، وما أحسن؟ ثم قال:
معك شيء تسأل عنه؟ قلت: نعم، حديثان: حديث عبد الله بن عراك بن مالك، وحديث الحسن عن عائشة أم المؤمنين. فقال عيسى: نعم! حدثنا عبد الله بن عراك بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة». ثم قال عيسى: حدثنا عمرو بن عبيد المحدث المذموم عن الحسن عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله هل على النساء قتال؟ فقال: «نعم! جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة».
• حدثنا علي بن محمد بن إسماعيل الطوسي - بمكة - ثنا علي بن عبد الحميد الجرجاني ثنا محمد بن محمد بن أبي الورد قال حدثني سعيد بن منصور ثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود. قال قال رسول الله ﷺ : «أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد: أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحة نفسك
стр. 3799
وأما انقطاعك إلي فتعززت بي، فماذا عملت فيما لي عليك؟ قال يا رب وما لك علي؟ قال: هل واليت لي وليا، أو عاديت لى عدوا.
صدقة المقابري
وأما صدقة المقابري فمن أقران المتقدمين كبشر بن الحارث وطبقته وكان من التحقق والتحفظ بالمحل العالي.
• سمعت أبا الفضل نصر بن أبي نصر الطوسي يحكي عن بعض مشايخه قال:
كان صدقة المقابري من المبالغين فى التحقق، كان يقول: أتى علي عشرون سنة لم أكلم أحدا حتى أومر بكلامه، ولا تركت بكلامى أحدا حتى أو مر بترك كلامه.
• حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم ثنا عبد الله بن إسحاق ثنا سعدان قال قال صدقة المقابري لرجل كان يواخيه ويصحبه: كيف تجدك؟ فقال إن الذي بي من البلاء أقل مما أصبت من لذة الهوى، ولو أصابني من البلاء بقدر ما نلت من لذة الهوى إذا لاجتمع علي جميع البلاء. وكان كثيرا ينشد أبياتا للثقفى:
أما ترى الموت ما ينفك مختطفا … من كل ناحية نفسا فيحوبها
قد نغصت أملا كانت تؤمله … وقام في الحى ناعيها وباكيها
وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم … بعد النضارة ثم الله يحييها
وصار ما جمعوا منها وما دخروا … من الأقارب يحويه أدانيها
فامهد لنفسك في أيام مدتها … واستغفر الله مما أسلفته فيها.
طاهر المقدسى
ومنهم طاهر المقدسى: صحب ذا النون وأعلام النساك من الشاميين وغيرهم.
• سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول سمعت طاهرا المقدسي يقول - وسئل لم سميت الصوفية بهذا الاسم؟ - فقال:
لاستتارها عن الخلق بلوائح الوجد، وانكشافها بشمائل القصد. وكان يقول:
حد المعرفة التجرد من النفوس وتدبيرها فى ما يجل أو يصغر. وكان يقول:
стр. 3800
لا يطيب العيش إلا لمن وطئ بساط الأنس بالقدس، والقدس بالأنس. ثم غاب عن مشاهدتها بمطالعة القدوس.
• سمعت محمد بن الحسين قال أنشدني عبد الله بن محمد الدمشقي قال أنشدني طاهر المقدسي لبعضهم:
أراعي النجوم ولا علم لي … بعد النجوم بحيث الظلام
وكيف ينام فتى لا ينام … إذا نام عنه عيون الحمام
أسير يسير إليه هواه … فيضحى الأسير قتيل الغرام
فلم يبق منه سوى اسمه … يقال له عاشق والسلام
بفرط التحول وحب القليل … وحزن مذيب يطول السقام
وقال طاهر: المفاوز عنه منقطعة، والطريق إليه منطمسة، توق من علالاته واحذر أماكن الاتصال فإنها خدع، وقف حيث وقف القوم تسلم. وأنشد:
وكذبت طرفي فيك والطرف صادق … وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع
ولم أسكن الأرض التي تسكنونها … لكي لا يقولوا: إننى بك مولع
فلا كبدي تهدأ ولا لك رحمة … ولا عنك إقصار ولا فيك مطمع.
• سمعت محمدا يقول سمعت أحمد بن علي بن جعفر الفارسي يقول سمعت علي بن الحسين بن حمدان يقول سمعت أبي يقول قال طاهر المقدسي: لو عرفت الناس قدر أنوار العارفين لاحترقوا فى أنوارهم، ولو بدا الأهل الأحوال لاحترقت أحوالهم.
• سمعت عثمان بن محمد العثماني يقول سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد يقول قال أبو عبيد البسري: سألت رجلا بالكام: ما الذي أجلسك في هذا الموضع؟ قال: وما سؤالك عن شيء إن طلبته لم تدركه، وإن لحقته لم تقع عليه؟ قلت:
تخبرني ما هو؟ قال: علمي بأن مجالستي مع الله تستغرق نعيم الجنان كلها. ثم قال أوه، قد كنت أظن أن نفسي قد ظفرت، ومن الخلق هربت، فإذا أنا كذاب في مقامي، لو كنت محبا له صادقا ما اطلع علي أحد. فقلت: أما علمت أن المحبين خلفاء الله في أرضه مستأنسون بخلقه يبعثونهم على طاعته؟ قال: فصاح بى
стр. 3801
صحية وقال: يا مخدوع لو شممت رائحة الحب وعاين قلبك ما وراء ذلك من القرب ما احتجت أن ترى فوق ما رأيت. ثم قال: يا سماء ويا أرض اشهدا على أنه ما خطر على قلبي ذكر الجنة والنار قط، إن كنت صادقا فأمتني. قال:
فو الله ما سمعت له كلاما بعدها وخفت. فخفت أن يسبق إلي الظن من الناس في قتله فتركته ومضيت، فبينا أنا كذلك إذا أنا بجماعة فقالوا: ما فعل الفتى؟ فكنيت عن ذلك فقالوا: ارجع فإن الله قد قبضه. فصليت معهم عليه، فقلت لهم: من هذا الرجل ومن أنتم؟ قالوا: ويحك هذا رجل كان به يمطر المطر، قلبه على قلب إبراهيم الخليل، أما رأيته يخبر عن نفسه أن ذكر النار ما خطر على قلبه قط، فهل كان أحد هكذا إلا إبراهيم ﵇؟ قلت: فمن أنتم؟ قالوا: نحن السبعة المخصوصون من الأبدال. قلت: علموني شيئا.
قالوا: لا تحب أن تعرف ولا تحب أن يعرف أنك ممن لا يحب أن يعرف.
قال الشيخ: كذا حدثناه العثماني عن البسري. ورأيت من رواية بعضهم عن طاهر المقدسي: سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن جعفر يقول: قال طاهر: إن الانقطاع إلى الله لا يكون بمشاركة الدنيا، ومن ألجأ نفسه إلى الانقطاع إليه اتخذ أنس الناس وحشة عند ما أنس بالانقطاع إلى نفسه.
• حدثنا عثمان بن محمد ثنا محمد بن أحمد البغدادي ثنا عباس بن يوسف عن طاهر قال: خرجت من عسقلان أريد غزة في طلب البدلاء فاذا أنا بفتى عليه أطمار رثة مارا على ساحل البحر، قال: فكأني لم أعبا به، فالتفت إلى فقال:
لا تنأ عني بأن ترى خلقي … فإنما الدر داخل الصدف
علمى جديد وملبسى خلق … ومنتهى اللبس منتهى الصدف.
نصر الصامت
ومنهم المبالغ في الرياضة المتابع في السياسة قمع هواه وكفي عناه العابد القانت المعروف بنصر الصامت.
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المعدل ثنا أحمد بن محمد بن عمر ثنا إسحاق
стр. 3802
ابن سفيان ثنا نصر بن الحريش الصامت قال: حججت أربعين حجة ما كلمت فيها أحدا فسمي الصامت -.
أسند الحديث الكثير
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا الحسن بن علي بن الوليد الفسوي ثنا نصر بن الحريش الصامت ثنا المشمعل بن ملحان عن الحسن بن دينار عن أيوب عن أبي قلابة عن عائشة قالت. «كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير ويفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين».
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا إسحاق بن سنين ثنا نصر بن الحريش الصامت ثنا المشمعل بن ملحان عن سويد بن عمر عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : «صلوا على من قال لا إله إلا الله وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله».
محمد بن إبراهيم البغدادي
• ومنهم المتوكل السابح والمتجرد الرائح، كان لفنون العلم جامعا وكلامه للقلوب نافعا، شيخ القوم ولسانهم في المحبة والشوق والأنس والقرب وموارد القلوب ومعاني الخطوب، وصفاء الذكر ونقاء السر، يحث على تصحيح الأعمال والتخفف عن الأثقال. جالس الإمام أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث، وكان يقول لا يكون الصوفي صوفيا حتى لا يسمع له صوت ولا يوطأ له عقب ولا تكون له رئاسة. أبو حمزة محمد بن إبراهيم البغدادي. كان مولى عيسى بن أبان القاضي، عرف له آيات وكرامات تقدم له ذكر.
• حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم حدثني أبو بكر الخياط الصوفي قال سمعت أبا حمزة يقول: سافرت سفرة على التوكل، فبينا أنا أسير ذات ليلة والنوم في عيني إذ وقعت في بئر فرأيتني قد حصلت فيها فلم أقدر على الخروج لبعد مرتقها وطولها فجلست فيها. فبينا أنا جالس إذ وقف على رأسها رجلان فقال أحدهما لصاحبه: لا نجوز ونترك هذه في طريق السابلة والمارة. فقال
стр. 3803
الآخر فما نصنع؟ قال: نطمسها قال فبدرت نفسي أن تقول أنا فيها فتوقفت فنوديت تتوكل علينا وتشكو بلاءنا إلى سوانا؟ فسكت، فمضيا ثم رجعا ومعهما شيء جعلاه على رأسها غطوها به. فقالت لي نفسي: أمنت طمها ولكن حصلت مسجونا فيها فمكثت يومي وليلتي، فلما كان الغد ناداني شيء يهتف بي ولا أراه: تمسك بي شديدا، فظننت أنه جني فمددت يدي ألتمس ما أريد أن أتمسك به فوقعت يدي على شيء خشن فتمسكت فعلاها وطرحني فتأملت فوق الأرض فإذا هو سبع، فلما رأيته لحق نفسي من ذلك ما يلحق من مثله، فهتف بي هاتف: يا أبا حمزة استنقذناك من البلاء بالبلاء وكفيناك ما تخاف قال الشيخ هذه الحكاية قد تقدمت فيما رويته عن عمرو بن نفيل عن الشبلي وأعدتها لأن رواية ابن مقسم أعلى.
• أخبر جعفر بن محمد بن نصير في كتابه قال: حدثني أبو بكر الكتاني قال قال أبو الأزهر وجماعة من إخواننا: اجتمع نفر على باب يفتحونه فلم ينفتح فقال لهم أبو حمزة: تنحوا فأخذ الغلق بيده فحركه وقال بكذا إلا فتحته فانفتح. وكان يقول: اللهم إنك تعلم أني من أفقر خلقك إليك فإن كنت تعلم أن فقري إليك بمعنى هو غيرك فلا تسد فقري. وكان يقول: إذا صاح المحب للدنيا فإنما ذاك شيطان يصيح في جوفه.
وحكى لي عبد الواحد بن بكر قال حدثني محمد بن عبد العزيز قال سمعت أبا عبد الله الرملي يقول: تكلم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه فبينا هو ذات يوم يتكلم إذ صاح غراب على سطح الجامع فزعق أبو حمزة وقال: لبيك لبيك. فنسبوه إلى الزندقة وقالوا: حلولي زنديق فشهدوا وأخرج وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع: هذا فرس الزنديق. فذكر أبو عمرو البصرى قال اتبعته والناس وراءه يخرجونه من باب الشام فرفع رأسه إلى السماء وقال.
لك من قلبي المكان المصون … كل صعب علي فيك يهون.
• وأخبرني جعفر بن محمد بن نصير في كتابه عن أبي بكر الكتاني قال سمعت أبا حمزة يقول: لولا الغفلة لمات الصديقون من روح ذكر الله.
وحكى
стр. 3804
عنه خير النساج قال قال أبو حمزة: إني لأستحي من الله أن أدخل البادية على شبع وأنا معتقد للتوكل فيكون شبعي زادا تزودته. وسئل عن الأنس فقال:
ضيق الصدر من معاشرة الخلق. وكان يقول: من استشعر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان. ومن استوحش من نفسه أنس قلبه بموافقة مولاه.
وقال لبعض أصحابه: خف سطوة العدل وارج دقة الفضل، ولا تأمن مكره وإن أنزلك الجنان، ففي الجنة وقع لأبيك آدم ﵇ ما وقع وقد يقطع بقوم فيها فيقال لهم ﴿(كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية)﴾ فشغلهم عنه بالأكل والشرب، ولا مكر فوق هذا ولا حسرة أعظم منه. وسئل: أيفزع المحب إلى شيء سوى محبوبه؟ فقال لا إنه بلاء دائم وسرور منقطع وأوجاع متصلة لا يعرفها إلا من باشرها وأنشد:
يلاقي الملاقي شجوه دون غيره … وكل بلاء عند لاقيه أوجع
وكان يقول: من نصح لنفسه كرمت عليه، ومن تشاغل عن نصيحتها هانت عليه، ومن خصه الله بنظر شفقة فإن تلك النظرة تنزله منازل أهل السعادة، وتزينه بالصدق ظاهرا وباطنا، والعارف يخاف زوال ما أعطي، والخائف يخاف نزول ما وعد، والعارف يدافع عيشه يوما بيوم ويأخذ عيشه ليوم.
حسن المسوحي
ومنهم حسن المسوحي كان من العاملين بالتحقيق والقائمين بالتصديق أحكم علم الأصول وسهل له سبيل الوصول.
• سمعت أبا عمرو العثماني وذكر أنه كان يتكلم على الناس ولم يكن يجاوز علم الأصول في العبادات والأحوال. وحكى عن الجنيد بن محمد بن مسروق أنه لم يكن له منزل يأوي إليه. وكان يأوي باب الكناس في مسجد يكنه من الحر والبرد. وحكى عنه أنه استلقى يوما في مسجده فكظه الحر فغلبته عيناه فرأى كأن سقف المسجد انشق فنزلت منه جارية عليها قميص فضة يتخشخش، ولها ذؤابتان، فجلست عند رجلي فقبضت رجلي عنها فمدت يدها ومست رجلي فقلت لها: يا جارية أنت لمن؟ قالت: أنا لمن دام على مثل ما أنت عليه.
стр. 3805
أبو عبد الله البراثي
ومنهم أبو عبد الله البراثي صاحب النكت المرضية والأحوال الزكية، من كبار المشايخ ومتقدميهم.
• أخبر أبو بكر محمد بن أحمد المفيد فيما كتب إلي وحدثني عنه العثماني ثنا أحمد بن مسروق حدثني البرجلاني قال سمعت أبا عبد الله البراثي يقول:
حملتنا المطامع على أسوأ الصنائع، نذل لمن لا يقدر لنا على ضر ولا نفع، ونخضع لمن لا يملك لنا رزقا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فكيف أزعم أني أعرف ربي حق معرفته، هيهات هيهات، للمعرفة تحقيق ولكن المؤمن على جملة معرفة التوحيد. وأهل التحقيق للمعرفة هم المجتهدون المجدون لله في طاعته.
• أخبرنا محمد في كتابه ثنا أحمد بن مسروق ثنا محمد بن الحسين حدثني حكيم بن جعفر قال سمعت أبا عبد الله البراثي يقول: بالمعرفة هانت على العاملين عبادتهم، وبالرضا عن تدبيره زهدوا في الدنيا ورضوا لأنفسهم بتدبيره. وكان يقول: كرمك سيدي أطمعنا في عفوك، وجودك أطمعنا في فضلك وذنوبنا تؤيسنا من ذلك وتأبى قلوبنا لمعرفتها بك أن تقطع رجاءها منك، فتفضل بها يا كريم وجد بعفوك يا رحيم. وكان يقول أما بينك وبين ملاقاة السرور ومجالسة الأبرار فى كل لذة وحبور إلا أن تحرج نفسك من بين جنبيك والمولى عنك راض.
ثم يبكي ويقول: وأنى لنا بالرضا ونحن نعلم ما عندنا من الخطايا والآثام ثم يبكي.
أبو شعيب البراثي
ومنهم أبو شعيب البراثي ذو الأحوال العالية من متقدمي شيوخ بغداد.
• أخبر جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول: كان أبو شعيب البراثى أول من سكن براثى في كوخ يتعبد فيه فمرت بكوخه جارية من بنات الكبار من أبناء الدنيا، كانت ربيت في قصور الملوك فنظرت إلى أبي شعيب فاستحسنت حاله وما كان عليه، فصارت كالأسير له فعزمت على التجرد عن الدنيا والاتصال
стр. 3806
بأبي شعيب، فجاءت إليه وقالت: أريد أن أكون لك خادما. فقال لها: إن أردت ذلك فغيري من هيئتك وتجردي عما أنت فيه حتى تصلحين لما أردت.
فتجردت عن كل ما تملكه ولبست لبسة النساك وحضرته فتزوجها، فلما دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف وكان يجلس عليها أبو شعيب تقيه من الندى.
فقالت ما أنا بمقيمة فيها حتى تخرج ما تحتك لأني سمعتك تقول: إن الأرض تقول: «يا ابن آدم تجعل اليوم بيني وبينك حجابا وأنت غدا في بطني» فما كنت لأجعل بيني وبينها حجابا. فأخذ أبو شعيب الخصاف ورمى به فمكثت معه سنين كثيرة يتعبدان أحسن عبادة وتوفيا على ذلك متعاونين.
بنان البغدادي
ومنهم بنان البغدادي وقيل واسطي سكن مصر، كان بالمعروف أمارا وللاديان ذكارا، أمر أمير مصر ابن طولون بمعروف فوجد عليه فأغراه أبو عبد الله القاضي عليه حتى ضربه سبع درر وألقاه إلى السبع فدعا على أبي عبيد الله فحبسه ابن طولون بدل كل درة سنة.
• سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت الحسين بن أحمد الرازي يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول: كان سبب دخولي مصر حكاية بنان وذلك أنه أمر ابن طولون بالمعروف فأمر أن يلقى بين يدي السبع فجعل السبع يشمه ولا يضره، فلما أخرج من بين يدى السبع قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شمك السبع؟ قال كنت أتفكر فى اختلاف الناس فى سؤر السباع ولعابها.
واحتال عليه أبو عبيد الله القاضي حتى ضرب سبع درر فقال: حبسك الله بكل درة سنة، فحبسه ابن طولون سبع سنين. وحكى أبي عن أبي علي الروذباري قال سمعت بنانا يقول: دخلت بادية تبوك فاستوحشت فهتف بي هاتف نقضت العهد لم تستوحش أليس حبيبك معك؟.
• سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله بن علي يقول سمعت محمد بن الفضل يقول سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول سمعت بنانا يقول: الحر عبد ما طمع والعبد حر ما قنع.
стр. 3807
• سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت الحسين بن عبد الله القرشي يقول سمعت بنانا يقول: من كان يسره ما يضره متى يفلح.
• سمعت أحمد بن عمر ان الهروي يقول سمعت الرقي يقول سمعت بنانا يقول: إن أفردته بالعبودية أفردك بالعناية والأمر بيدك إن نصحت صافوك، وإن خلطت خلوك. وإن كان رؤية الأسباب على الدوام قاطعة عن مشاهدة المسبب والإعراض عن الأسباب جملة تؤدي بصاحبه إلى ركوب الفواضل.
أسند الحديث.
• حدثنا محمد بن علي بن حبيش ثنا إسحاق بن سلمة الكوفي ثنا بنان - بمصر - ثنا محمد بن الحكم من ولد سعيد بن العاص قال حدثني محمد بن خفتان ثنا يحيى بن أبي زائدة عن بنان عن قيس عن أبي بكر قال سمعت النبي ﷺ يقول في سعد: «اللهم سدد رميته وأجب دعوته».
• حدثنا محمد بن عبيد الله بن المرزبان ثنا علي بن سعيد ثنا بنان الصوفي ثنا عبيد الله بن عمرو الجشمي ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي ثنا يحيى بن أبي كثير قال: «خطب أبو بكر الصديق فقال: أين الوضأة الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب: تضعضع بهم الدهر فأصبحوا في ظلمات القبور الوحا الوحا ثم النجاء النجاء».
إبراهيم الخواص
ومنهم المتبتل المتوكل، تبتل عن الخلق وتوكل على الحق، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص له في التوكل الحال المشهور والذكر المنشور
• سمعت أبا محمد بكر بن أحمد بن المفيد يقول سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الأنصاري يقول سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص يقول:
من لم يصبر لم يظفر، وإن لإبليس وثاقين ما أوثق بنو آدم بأوثق منهما: خوف الفقر والطمع.
стр. 3808
• وسمعت أبا بكر يقول سمعت محمدا يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول:
من صفة الفقير أن تكون أوقاته مستوية في الانبساط لفقره صائنا له محتاطا لا تظهر عليه فاقة ولا تبدو منه حاجة، أقل أخلاقه الصبر والقناعة، راحته في القلة وتعذيبه في الكثرة، مستوحش من الرفاهات متنعم بالخشونات فهو بضد ما فيه الخليقة يرى ما هو عليه معتمده وإليه مستراحه ليس له وقت معلوم ولا سبب معروف، فلا تراه إلا مسرورا بفقره فرحا بضره، مئونته على نفسه ثقيلة وعلى غيره خفيفة يعز الفقر ويعظمه، ويخفيه بجهده ويكتمه، حتى عن أشكاله يستره. قد عظمت من الله تعالى عليه فيه المنة، وجل قدرها في قلبه من نعمة فليس يريد بما اختار الله تعالى عليه فيه المنة، وجل قدرها في قلبه من نعمة فليس يريد بما اختار الله له بدلا ولا يبغي عنه حولا، فمن نعوتهم اثنتى عشرة خصلة: أولها أنهم كانوا بوعد الله مطمئنين. والثانية من الخلق آيسين. والثالثة عداوتهم للشياطين. والرابعة كانوا من حيث الحق في الأشياء خارجين. والخامسة كانوا على الخلق مشفقين. والسادسة كانوا لأذى الناس محتملين. والسابعة كانوا لمواضع العداوة لا يدعون النصيحة لجميع المسلمين.
والثامنة كانوا في مواطن الحق متواضعين. والتاسعة كانوا بمعرفة الله مشتغلين.
والعاشرة كانوا الدهر على طهارة. والحادية عشر كان الفقر رأس مالهم.
والثانية عشر كانوا في الرضا فيما قل أو كثر وأحبوا أو كرهوا عن الله واحدا.
فهذه جملة من صفاتهم يقصر وصف الواصفين عن أسبابهم. وكان يقول:
أربع خصال عزيزة: عالم مستعمل لعلمه. وعارف ينطق عن حقيقة فعله، ورجل قائم لله بلا سبب، ومريد ذاهب عن الطمع. وقال: الحكمة تنزل من السماء فلا تسكن قلبا فيه أربعة: الركون إلى الدنيا، وهم غد، وحب الفضول، وحسد أخ. قال: ولا يصح الفقر للفقير حتى تكون فيه خصلتان: إحداهما الثقة بالله، والأخرى الشكر لله فيما زوى عنه مما ابتلى به غيره من الدنيا. ولا يكمل الفقير حتى يكون نظر الله له في المنع أفضل من نظره له في العطاء. وعلامة صدقه في ذلك أن يجد للمنع من الحلاوة ما لا يجد للعطاء، لا يعرفه غير بارئه الذي خصه بمعرفته وأياديه، فهو لا يرى سوى مليكه ولا يملك إلا ما كان من
стр. 3809
تمليكه، فكل شيء له تابع، وكل شيء له خاضع. قال وسمعت أبا إسحاق يقول: من أراد الله لله بذل له نفسه وأدناه من قربه، ومن أراده لنفسه أشبعه من جنانه وأرواه من رضوانه. وقال:
عليل ليس يبرئه الدواء … طويل الضر يفنيه الشفاء
سرائره بواد ليس تبدو … خفيات إذا برح الخفاء.
• أخبر محمد بن نصير في كتابه وأخبرني عنه أبو الفضل الطوسي قال:
بت ليلة مع إبراهيم فانتبهت فاذا هو يناجى إلى الصباح وهو يقول
برح الخفاء وفى التلاقى راحة … هل يشتفى خل بغير خليله
قال وسمعت إبراهيم بن أحمد يقول: من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة له.
• سمعت محمد بن أحمد يقول سمعت أبا بكر الأنصاري يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول: علم العبد بقرب قيام الله على العبد يوحشه من الخلق ويقيم له شاهد الأنس بالله. وعلم العبد بأن الخلق مسلطين مأمورين يزيل عنه خوفهم ويقيم في قلبه خوف المسلط لهم.
• سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سمعت الأزدي يقول سمعت إبراهيم الخواص يقول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. وقال إبراهيم: على قدر إعزاز المؤمن لأمر الله يلبسه الله من عزه ويقيم له العز في قلوب المؤمنين. فذلك قوله تعالى: ﴿(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)﴾ وقال إبراهيم: عقوبة القلب أشد العقوبات، ومقامها أعلى المقامات، وكرامتها أفضل الكرامات، وذكرها أشرف الاذكار، وبذكرها تستجلب الأنوار عليها وقع الخطاب وهي المخصوصة بالتنبيه والعتاب.
• سمعت أبا بكر محمد بن أحمد يقول سمعت محمد بن عبيد الله الأنصاري يقول سمعت إبراهيم بن أحمد الخواص يقول: الفقير يعمل على الإخلاص وجلاء القلب وحضوره للعمل، والغني يعمل على كثرة الوساوس وتفرقة القلب
стр. 3810
فى مواضع الأعمال. والفقير ضعف بدنه في العمل قوة معرفته وصحة توكله، والفقير يعمل على إدراك حقيقة الإيمان وبلوغ ذروته، والغني يعمل على نقصان في إيمانه وضعف من معرفته. والفقير يفتخر بالله ويصول به، والغني يفتخر بالمال ويصول بالدنيا، والفقير يذهب حيث شاء والغني مقيد مع ماله، والفقير يكره إقبال الدنيا والغني يحب إقبالها، والفقير فوق ما يقول والغني دون ما يقول. والناس رجلان رجل وعبد فالرجل مهموم بتدبير نفسه متعوب بالسعي في مصلحته، والعبد طرح نفسه في ظل الربوبية وكان من حيث العبودية، وعلى قدر حسن قبول العبد عن الله تكون معونة الله له. والمتوكلون الواثقون بضمانه غابوا عن الأوهام وعيون الناظرين فعظم خطر ما أوصلهم إليه وجل قدر ما حملهم عليه وعظمت منزلتهم لديه. فيا طيب عيش لو عقل ويا لذة وصل لو كشف ويا رفعة قدر لو وصف وفى ذلك يقول.
معطلة أجسامهم لا عيونهم … ترى ما عليهم من قضاياه قد يجرى
جوارحهم عن كل لهو وزينة … محجبة ما أن تمر إلى أمر
فهم أمناء الله في أهل أرضه … ملوك كرام فى البرارى وفى البحر
رءوسهم مكشوفة في بلادهم … وهم بصواب الأمر أسبابهم تجرى
عدول ثقات في جميع صفاتهم … أرق عباد الله مع صحة السر
هنيئا لمغبوط يصول بسيد … يعادل قرب الأمر والبعد فى الفكر
فيا زلفة للعبد عند مليكه … فصار كمن فى المهد ربى وفى الحجر
ويا حسرة المحجوب عن قدر ربه … بأدناسه في نفسه وهو لا يدري
قال: والعارف بالله يحمله الله بمعرفته، وسائر الناس تحملهم بطونهم، ومن نظر الأشياء بعين الفناء كانت راحته في مفارقتها ولم يأخذ منها إلا لوقته. قال والرزق ليس فيه توكل إنما فيه صبر حتى يأتي الله به في وقته الذي وعد، وإنما يقوى صبر العبد على قدر معرفته بما صبر له أو لمن صبر، والصبر ينال بالمعرفة وعلى الصابر حمل مئونة الصبر حتى يستحق ثواب الصابرين، لأن الله تعالى جعل الجزاء بعد الصبر قال الله تعالى: ﴿(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾
стр. 3811
﴿قال إني جاعلك للناس إماما)﴾ فالجزاء إنما وقع له ﵇ بعد ما أتم حمل البلوى. قال وسمعت أبا إسحاق يقول: الحركة للمريدين طهارة ولسائر الناس إباحة، وللمخصوصين عقوبة لهم إذا مالوا إلى ما فيه الحظ لأنفسهم لأن الأسباب إنما تبطئ على العارفين وتمتنع عن الحركة إليهم لما فيهم من الحركة إليها فإذا فنيت آثارها تحركت إليهم وأقبل الملك بكليته عليهم. وكفى بالثقة بالله مع صدق الانقطاع إليه حياطة من العبد لنفسه وأهله وولده. وكل مريد يتوجه إلى الله وهموم الأرزاق قائمة في قلبه فإنه لا يفلح ولا ينفذ في توجهه. قال وسمعت أبا إسحاق يقول: علامة حقيقة المعرفة بالقلب خلع الحول والقوة وترك التملك مع الله في شيء من ملكه، ودوام حضور القلب بالحياء من الله وشدة انكسار القلب من هيبة الله، فهذه الأحوال دلائل المعارف والحقيقة، فمن لم يكن على هذه الأحوال فإنما هو على الأسماء والصفات. قال وسمعته يقول: التوكل على ثلاث درجات على الصبر والرضى والمحبة، لأنه إذا توكل وجب عليه أن يصبر على توكله بتوكله لمن توكل عليه، وإذا صبر وجب عليه أن يرضى بجميع ما حكم عليه، وإذا رضي وجب عليه أن يكون محبا لكل ما فعل به موافقة له.
قال الشيخ: كان أبو إسحاق من المحققين في التوكل المنخلعين من حظوظهم التاركين لأحكام نفوسهم. فكان الحق يحملهم ويلطفهم بلطائف لطفه. من ذلك ما أخبرنيه
عبد الواحد بن بكر حدثني محمد بن عبد العزيز قال سمعت أبا بكر الحربي يقول قلت لإبراهيم الخواص: حدثني بأحسن شيء مر عليك فقال: خرجت من مكة عن طريق الجادة واعتقدت فيما بيني وبين الله تعالى ألا أذوق شيئا أو أنظر إلى القادسية، فلما صرت بالربذة إذا أنا بأعرابى يعدو وبيده السيف مسلول وبيده الاخرى قعب لبن. فصاح بي يا إنسان فلم ألتفت إليه، فلحقني فقال: اشرب هذا وإلا ضربت عنقك. فقلت: هذا شيء ليس لي فيه شيء فأخذت فشربته فلا والله ما عارضني شيء بعد ذلك إلى أن بلغت القادسية.
• وفيما حدث به عبد الواحد عن همام بن الحارث قال سمعت إبراهيم
стр. 3812
الخواص يقول: ركبت البحر وكان معي في المركب رجل يهودي فتأملته أياما كثيرة لا أراه يذوق شيئا ولا يتحرك ولا ينزعج من مكانه ولا يتطهر ولا يشتغل بشيء وهو ملتف بعباء مطروح في زاوية ولا يفاتح أحدا ولا ينطق، فسألته وكلمته فوجدته مجردا متوكلا يتكلم فيه بأحسن كلام ويأتي بأكمل بيان.
فلما أنس بي وسكن إلي قال لي: يا أبا إسحاق إن كنت صادقا فيما تدعيه فالبحر بيننا حتى نعبر إلى الساحل - وكنا في اللجج - فقلت في نفسي: واذلاه إن تأخرت عن هذا الكافر، فقلت له: قم بنا، فما كان بأسرع بأن زج بنفسه في البحر ورميت بنفسي خلفه فعبرنا جميعا إلى الساحل، فلما أن خرجنا قال: يا إبراهيم نصطحب على شريطة ألا نأوي المساجد ولا البيع ولا الكنائس ولا العمران فنعرف. فقلت: لك ذلك حتى أتينا مدينة فأقمنا على مزبلة ثلاثة أيام فلما كان يوم الثالث أتاه كلب في فمه رغيفان فطرحهما بين يديه وانصرف فأكل ولم يقل لي شيئا، ثم أتاني شاب ظريف نظيف حسن الوجه والبزة طيب الرائحة ومعه طعام نظيف في منديل فوضعه بين يدي وقال لي: كل وغاب عني فلم ار له أثرا، فقلت لليهودى: هلم. فلم يفعل ثم أسلم وقال لي: يا إبراهيم أصلنا صحيح إلا أن الذي لكم أحسن وأصلح وأظرف. وحسن إسلامه وصار أحد أصحابنا المتحققين بالتصوف.
• حدثنا عبد الواحد ثنا أحمد بن العلاء قال سمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت إبراهيم الخواص وقد سأله بعض أصحابنا وهو يتأوه: ما هذا التأوه؟ فقال: أوه، كيف يفلح من يسره ما يضره؟ ثم أنشأ يقول:
تعودت مس الضر حتى ألفته … وأحوجني طول البلاء إلى الصبر
وقطعت أيامى من الناس آيسا … لعلمي بصنع الله من حيث لا أدري
وذكر خير النساج قال قال لي إبراهيم الخواص: عطشت عطشا شديدا بالحاجر فسقطت من شدة العطش، فإذا أنا بماء قد سقط على وجهي وجدت برده على فؤادي ففتحت عيني فإذا أنا برجل ما رأيت أحسن منه قط على فرس أشهب عليه ثياب خضر وعمامة صفراء وبيده قدح - أظنه قال من ذهب
стр. 3813
أو من جوهر - فسقاني منه شربة وقال لى: ارتدف خلفى فارتدفت، فلم يبرح من مكانه حتى قال لي: ما ترى؟ قلت: المدينة. قال: انزل واقرأ على رسول الله ﷺ السلام وقل له: أخوك رضوان يقرأ عليك السلام.
• يحكى عن أبي إسحاق لطائف من صنع الله للمتحققين المخلصين في التوكل اقتصرنا منها على ما ذكرنا. ومن وثق بالله وسكن إلى ضمانه فيما ضمن من الكفاية فالألطاف عنه لا تنقطع، ومواد إنعامه عليه غير ممتنع.
أبو الله عبد خاقان
ومنهم من يسبى بسره الفتيان، ويجذب بدعوته من الخسران إلى الرجحان وكان ذا بيان وبرهان أبو عبد الله خاقان.
• سمعت والدى قال سمعت جعفر الحذاء الشيرازي يقول - وذكر خاقان - فقال: إنه كان صاحب آيات وكرامات. وذكر أن ابن فضلان الرازي قال:
كان أبي أحد الباعة ببغداد، وكنت على سرير حانوته جالسا فمر إنسان فظننت أنه من الفقراء البغداديين - وأنا حينئذ لم أبلغ الحلم - فجذب قلبي وقمت إليه وسلمت عليه، ومعي دينار فدفعته إليه فتناوله ومضى ولم يقبل علي، فقلت في نفسي: ضيعت الدينار فإنه مهوس، فتبعته حتى انتهى إلى مسجد الشونيزية، فرأى فيه ثلاثة من الفقراء فدفع الدينار إلى أحدهم واستقبل هو القبلة يصلي، فخرج الذي أخذ الدينار وأنا أتبعه وراءه أراقبه، فاشترى طعاما وحمله، فأكله الثلاثة، والشيخ مقبل على صلاته يصلي. فلما فرغوا أقبل عليهم فقال: أتدرون ما حبسني عنكم؟ قالوا: لا يا أستاذ. قال: شاب ناولني الدينار فكنت أسأل الله أن يعتقه من رق الدنيا، وقد فعل. فلم أتمالك أن قعدت بين يديه وقلت: صدقت يا أستاذ. فلم أرجع إلى والدي إلا بعد حجتين، وكان هذا الشيخ خاقان.
إبراهيم المارستاني
• ومنهم المعلم المفهم، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المارستاني.
стр. 3814
كان الجنيد له مواخيا، وعليه حاميا وحانيا. وذلك أن الجنيد بلغه أن بعض المتأولين زين له تأويلا فمال إليه فكتب إليه الجنيد رسالة:
• أخبرنا بها أبو بكر محمد بن أحمد بن المفيد وحدثنا بها عنه أبو عمرو العثماني ثنا عبد الصمد بن محمد الجبلي قال: كتب الجنيد إلى إبراهيم بن أحمد المارستاني رسالة فيها: يا أبا إسحاق لا ضيع الله ميلي إليك، ولا إقبالي عليك أنا عليك عاتب واجد، ولما تقدم من فعلك غير حامد، أرضيت أن تكون لبعض عبيد الدنيا عبدا؟ أو يكون بطاعتك له عليك مهيمنا وربا، يتخولك ببعض ما يعطيك، ويمتهنك بيسير ما يزريك مبتذلا لك، ثم يدنسك بأوساخ وضره ويجتذبك بمأثور ضرره؟ فسبحان من بسط إليك به رحمته ورأفته فاستنقذك بذلك من وبال ما اخترته لنفسك وملت إليه، لقد كدت أن تغرق في خلجان بحرها، أو تهلك في بعض مفاوزها. ولقد أوجب علي من الشكر لما جدد من النعمة عليك ووهب لي من السلامة فيك. ما لا أقوم به عجزا عن واجب حقه إلا أن يقوم به لي عني، وأنا أسأل المنان المتطول بفضله المبتدي بكرمه وامتنانه، أن يقوم لى عنى بما قصر له به شكري، بادئا في ذلك بالحمد والجود كما هو أهله، بل ما لا أحصيه من نعمه، فليت شعري أبا إسحاق كيف معرفتك بما جدد لك من نعمه وآلائه، وزوى عنك من عطب فرط بلائك، وكيف علمك بعد معرفتك فيما ألزمك المنعم عليك والمنان بفضله وإحسانه فيما أسدى إليك. ألك ليل ترقده، أم نهار تمهده أم مستراح عن الجد تجده، أم طعام تعهده، أم سبب من الأسباب دون ذلك تقصده؟ على أن ذلك غير نائب عنك في وجوب حق النعمة عليك فيما جدد به من عتيد البر لديك، لكنه الغاية الممكنة من فعلك، والاجتهاد في بلوغ الأجر من عملك، فكن له بأفضل ما هيأ لك عاملا، وعليه به في سائر أوقاتك مقبلا. ثم كن له بعد ذلك خاضعا مذعنا ضارعا معترفا، فان ذلك يسير من كثير وجب له عليك.
وبعد يا أخي فاحذر ميل التأويل عن الحقائق، وخذ لنفسك بأحكم الوثائق.
فإن التأويل كالصفاء الزلال الذي لا تثبت عليه الأقدام، وإنما هلك من
стр. 3815
هلك من المنسوبين إلى العلم والمشار إليهم بالفضل بالميل إلى خطأ التأويل واستيلاء ذلك على عقولهم، وهم في ذلك على وجوه شتى، وإني أعيذك بالله وأستعينه لك، وأعيذك به من ذلك كله، وأسأله أن يجعل عليك جنة من جنته، وواقية من واقيته وإحسانه. وبعد يا أخي كيف أنت في ترك مواصلة من عرضك للتقصير ودعاك إلى النقص والفتور؟ وكيف ينبغي أن تكون مباينتك له وهجرانك، وكيف إعراض سرك ونبو قلبك وعزوف ضميرك عنه؟ وحقيق عليك ما وهبه الله لك وخصك به من العلم الجليل والمنزل الشريف أن تكون عن المقبلين على الدنيا معرضا، وأن تكون لهم في بلائهم إلى الله شافعا، فذلك بعض حقك لك، وحري بك أن تكون للمذنبين ذائدا وأن تكون لهم بفهم الخطاب إلى الله رائدا، وفي استنقاذهم وافدا، فتلك حقائق العلماء، وأماكن الحكماء. وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده، وأعمهم نفعا لجملة خلقه.
جعلنا الله وإياك من أخص من أخلصه بالإخلاص إليه وأقربهم في محل الزلفى لديه.
• سمعت أبا الحسن بن مقسم يحكي عن أبي محمد الجريري قال سمعت أبا إسحاق المارستاني يقول: رأيت الخضر ﵇ فعلمنى عشر كلمات - وأحصاها بيده - اللهم إني أسألك الإقبال عليك، والإصغاء إليك، والفهم عنك، والبصيرة في أمرك، والنفاذ في طاعتك، والمواظبة على إرادتك، والمبادرة في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك، والتسليم والتفويض إليك.
أبو جعفر المجذوم
• ومن الأتقياء الأبرياء، والضعفاء الأقوياء، الأخفياء الأولياء المجذوم أبو جعفر. كان مسكينا خاضعا، فكان الحق له معينا صانعا.
• سمعت أبا الفضل أحمد بن عمران الهروي يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا الحسين الدراج يقول: كان يصحبني كل سنة حججت جماعة من المشاة من الفقراء وغيرهم - لمعرفتي بالطرق والمياه - فكنت أتولى اليقام بأمرهم فعزمت سنة من السنين أن أحج منفردا لا يصحبني أحد ولا أصحب أحدا فخرجت فدخلت مسجد القادسية فرايت رجلا مجذوما مبتلى في المحراب فسلم
стр. 3816
علي وقال: يا أبا الحسين عزمت الحج فأجبته مغتاظا عليه فقلت: نعم. فقال لي: فالصحبة فقلت في نفسي: هربت من الأصحاء الأقوياء ابتلى بمجذوم مبتلى فقلت: لا. فقال لي: افعل فقلت: والله لا فعلت. فقال لي: يصنع الله للضعيف حتى يتعجب القوي. فقلت نعم - كالمنكر عليه - فتركته فصليت العصر ومشيت نحو المغيثة فبلغتها من الغد ضحوة فدخلت مسجدها فإذا الشيخ جالس في المحراب فسلم علي وقال لي: يا أبا الحسين يصنع الله بالضعيف حتى يتعجب القوي. فاعترضني الوسواس فى أمره ولم أجلس وغدوت ماشيا حتى بلغت القرعاء مع الصبح فدخلت المسجد فإذا بالشيخ قاعد فقال لي:
يا أبا الحسين يصنع الله بالضعيف حتى يتعجب القوي. قال: فبادرت إليه ووقعت على وجهي بين يديه، وقلت: المعذرة إلى الله وإليك. فقال لى:
مالك؟ قلت: أخطأت. قال: وما هو؟ قلت؟ الصحبة قال: قد حلفت وأكره أن أحنثك. قلت: فأراك في كل منزل؟ قال: هذا نعم. قال: فطارعنى ما كان من التعجب والجزع، وما كان بي إلا أن يجمعني وإياه المنازل، فكنت ألقاه في المنازل إلى أن بلغت المدينة فغاب عني فلم أره، فلما قدمت مكة ذكرت ذلك لمشايخنا أبي بكر الكتاني وأبي الحسن المزين وغيرهما، فاستحمقوني وقالوا: ذاك أبو جعفر المجذوم ما منا أحد إلا ويسأل الله رؤيته ولقاءه منذ كذا. فقلت: قد كان ذاك، فقالوا: إن لقيته فتلطف له وأعلمنا لعلنا نراه. فقلت: نعم. فطلبته بمنى وعرفات فلم أره، فلما كان يوم النحر وأنا أرمي الجمرة جذبني إنسان وقال: السلام عليك أبا الحسين. فنظرت فإذا هو، فلحقني من رؤيته أن صحت وغشي علي وسقطت فذهب، فقصدت مسجد الخيف وأخبرت أصحابي فعاتبوني. فكنت أصلى يوم الوداع خلف المقام ركعتين رافعا يدي فجذبني إنسان من خلفي فالتفت فقال: يا أبا الحسين عزمت عليك أن لا تصيح. فقلت: نعم، لكن أسألك الدعاء لي. فقال: سل ما شئت.
فسألت الله ثلاثا فأمن على دعائي وغاب عني فلم أره. قال منصور: فسألت أبا الحسين الدراج عن سؤالاته قال: أحدهما قلت: رب حبب إلي الفقر. فليس
стр. 3817
شيء أحب إلي منه، والثاني قلت: اللهم لا تجعلني أبيت عندي ما أدخره لغد، فأنا من تلك السنة أبيت وليس لي شيء أدخره. والثالثة قلت: اللهم إذا أذنت لأوليائك في النظر إليك فارزقني ذلك واجعلني منهم. فانا أرجو أن يمن الله على بالثالثة إن شاء الله.
أبو عبد الله المغربى
• ومنهم أبو عبد الله المغربى. كان من المعمرين. صحب علي بن رزين، قيل إنه توفي عن مائة وعشرين سنة وقبره بجبل طور سينا، عند قبر أستاذه علي بن رزين. كان من المحققين له النكت الوثيقة والاستغاثة على الطريقة.
• سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن دينار الدينوري - بمكة - يقول سمعت إبراهيم بن شيبان يقول سمعت أبا عبد الله المغربي يقول: أهل الخصوص مع الله على ثلاث منازل: قوم ضن بهم عن البلاء لكيلا يستغرق البلاء صبرهم فيكرهون حكمه ويكون فى صدورهم حرج من قضائه. وقوم ضن بهم عن مجاورة العصاة لتسلم صدورهم للعالم فيستريحون ولا يغتمون. وقوم صب عليهم البلاء صبا فصبرهم ورضاهم، فازدادوا بذلك له حبا ورضى بحكمه. وله عباد منحهم نعما تجدد عليهم وأسبغ عليهم باطن العلم وظاهره وأخمل ذكرهم.
وكان يقول: أفضل الأعمال عمارة الأوقات في الموافقات. وكان يقول: الفقير الذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقره ليغنيه بالاستغناء به كما عززه بالافتقار إليه. وقال: أعظم الناس ذلا فقير داهن غنيا أو تواضع له. وأعظم الخلق عزا غني تذلل لفقير أو حفظ حرمته. وقال:
الراضون بالفقرهم أمناء الله في أرضه، وحجته على عباده، بهم يدفع البلاء عن الخلق.
• وأنشدني محمد بن الحسين قال أنشدني الورثاني لأبي عبد الله المغربى:
يا من يعد الوصال ذنبا … كيف اعتذاري من الذنوب
إن كان ذنبي إليك حبي … فإنني منه لا أتوب
.
стр. 3818
عبد الرحيم بن عبد الملك
ومنهم عبد الرحيم بن عبد الملك: كان من المتحققين الواثقين. صحب المتقدمين من أصحاب السري وبشر.
• ذكر لي أبو بكر المفيد عن إبراهيم الخواص قال: دخلت مسجد التوبة فرأيت عبد الرحيم مستندا إلى سارية، فقلت للقيم: متى قعد هذا الرجل هاهنا؟ فقال: اليوم ثلاثة أيام قاعدا على ما تراه، لم يخرج ولم يتكلم. فقعدت بحذائه، فلما أمسينا قلت له: أي شيء تريد حتى أحمله ونأكل؟ فسكت عني فكررت عليه فقال: أريد مصلية معقدة وخبزا حارا. فخرجت إلى باب الشام فطلبت ذلك فلم أجده، فعاتبت نفسي وقلت: يا فضول من دعاك إلى أن تستدعي شهوته؟ لو اشتريت خبزا وإداما وحملت استغنيت عن ذلك. ورجعت مغتما إلى المسجد، فإذا رجل يدق باب المسجد فقلت: من؟ فقال: افتح، ففتحت فإذا على رأسه زنبيل فحطه وقال لي: أسألك أن يأكل أهل المسجد من هذ الطعام. فأخرج منه خبزا حارا ومصلية معقدة في قدر، فبهت وقلت لا نمسه حتى تخبرني به. فقال: أنا رجل صانع واشتهيت مصلية معقدة وخبزا حارا فاشتريت اللحم وما يصلحه، وأمرتهم بطبخه وأن يخبزوا خبزا حارا وجئت العتمة من الدكان. وبعد ما فرغ منه ما كان خبز الخبز، فحلفت بالطلاق أن لا يأكل من هذا الخبز أو المصلية أحد إلا من في مسجد التوبة، فأحب أن تأكلوه. قال إبراهيم: فرفعت رأسي وقلت: يا سيدي أنت أردت أن تطعمه لم غممتني في الوسط؟.
محمد السمين
ومنهم الفاتك الأمين، القوي المكين، المعروف بمحمد السمين.
• أخبر جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول قال محمد السمين: كنت في وقت من أيامي محمولا أعمل على
стр. 3819
الشوق وأنا أجد من ذلك وأنا مستقبل، فخرج الناس فى غزاة وخرجت معهم فاشتدت شوكة الروم على المسلمين والتقوا، ولحق المسلمين من ذلك خوف لكثرتهم، فرأيت نفسي مروعا تضطرب، فكبر ذلك على فوبخت نفسى ألومها وأقول لها: أين ما كنت تدعينه من الشوق؟ وأعاتبها أقول لها لما ظفرت بما كنت تؤملين تغيرت واضطربت؟ فبينا أنا في عتابي وتوبيخي لها وقع لي أن أنزل إلى هذا البحر وأغتسل وبحضرتنا نهر من أنهار الروم فخلعت ثيابي واتزرت ودخلت البحر فاغتسلت فأعطيت قوة وذهب عنى الروع والاضطراب بتلك القوة واشتدت بي العزيمة فخرجت ولبست ثيابي وأخذت سلاحي وأتيت الصف فحملت حملة لا أحس من نفسي شيئا، فخرقت صفوف المسلمين وصفوف الروم وصرت من وراء صفوف الروم، فكبرت تكبيرة فسمع العدو تكبيرتي وقدروا أن كمينا للمسلمين قد خرج عليهم من ورائهم فولوا منهزمين، وحمل عليهم المسلمون فقتل منهم نحو أربعة آلاف رجل، وجعل الله ذلك التكبير سببا للفتح والنصر.
• سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول سمعت مؤملا المغازلى يقول:
كنت أصحب محمد السمين فسافرت معه حتى بلغنا ما بين تكريت وموصل، فبينا نحن في برية نسير إذا زأر السبع من قريب فجزعت وتغيرت وظهر ذلك على صفتي، وهممت أبادر، فضبطني محمد وقال: يا مؤمل، التوكل هاهنا ليس في مسجد الجامع.
محمد بن سعيد القرشي
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سعيد القرشي. ذو البيان الشافي واللسان الموافى.
• سمعت أبا عمرو عثمان بن محمد العثماني يقول قال أبو عبد الله القرشي - في كتابه شرح التوحيد في نعت المتحقق بالله في وجده به -: إن لله عبادا اختارهم من خلقه واصطفاهم لنفسه، وانتخبهم لسره وأطلعهم على غامض وحيه ولطيف حكمته، ومخزون علمه، أبانهم عن أوصافهم المنتشئة عن طبائعهم، ولم يردهم إلى علومهم المردودة إلى استخراجهم بحكم عقولهم، ولم يخرجهم إلى المرسوم من
стр. 3820
حكمة حكمائهم، بل كان هو لسانهم الذي به ينطقون، وبصرهم الذي به يبصرون، وأسماعهم التي بها يسمعون، وأيديهم التي بها يبطشون، وقلوبهم التي بها يفكرون، وبه في جميع أوصافهم يتصرفون. بائن عن الحلول في ذواتهم وأبدأ الأشياء فيما بينه وبينهم. قهر كل موجود، وغمر كل محدود، وأفنى كل معهود. ظهر لأهل صفوته فلم يعترضهم الشك في ظهوره، وحققهم به فلم يطلبوا الإدراك في تحصيله، ألبس حقائقهم لبسة البقاء، وأشهدهم نفسه بعد الفناء. فلم يجعل للعلم إلى كيفيته سبيلا، ولا إلى نعت ذلك تمثيلا، بل جعل في الأصول وحكم العقول على صحة ذلك علما ودليلا، ليهديه الحق إلى ذي العقل الأصيل، والسالك في الوجه الجميل، وذلك قول السيد الجليل في ذكره الرسول ﷺ بقوله: ﴿(ما زاغ البصر وما طغى)﴾
(وقوله ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى)﴾ فقال ابن عباس - وهو من المختصين بالحكمة في التنزيل - وأسماء بنت أبي بكر: إن محمدا ﷺ رأى ربه. وكذلك رواه أنس وغيره. وأقول فى ذلك:
لنعت لحاظ العين إن كان لحظها … إلى وصفها حقا يليق ويرجع
وأثبت لحظ العين منك بلبسة … إلهية يعنى بها الطبع أجمع
فأشهدنا مالا يحد ظهوره … وليس له علم به اللفظ يصدع
فلم يعترضها الشك فيما تحققت … ولم يبق منها ما يشك ويجزع
كذا من بجمع الحق كان ظهوره … يخلصه من طبعه ثم يجمع.
• أخبرنا عبد الواحد بن بكر قال حدثني أحمد بن سعيد قال سمعت أبا عبد الله القرشي وسئل عن البكاء الذي يعتري العبد من أي وجه يعتريه؟ فقال:
الباكي في بكائه مستريح إلى لقائه، إلا أنه منقطع راجع عما كان بينه وبينه، فدخل عليه استراحة وشفاء ثم أنشأ يقول:
بكيت بعين ليس تهدي دموعها … وأسعدها قلب حزين متيم
فنوديت كم تبكي فقلت لأنني … فقدت أوانا كنت فيه أكلم
следующие страницы →