بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الامام الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن اسحاق ابن موسى بن مهران الأصبهاني ﵀.
الحمد لله محدث الأكوان والأعيان، ومبدع الأركان والأزمان، ومنشئ الألباب والأبدان، ومنتخب الأحباب والخلان، مغور أسرار الأبرار بما أودعها من البراهين والعرفان ومكدر جنان الأشرار بما حرمهم من البصيرة والإيقان، المعبر عن معرفته المنطق واللسان، والمترجم عن براهينه الأكف والبنان، بالموافق للتنزيل والفرقان، والمطابق الدليل والبيان. فألزم الحجة بالقادة من المرسلين، وأبهج المنهج بالسادة من المحققين؛ الذين جعلهم خلفاء الأنبياء، وعرفاء الأصفياء. المقربين إلى الرتب الرفيعة، والمنزهين عن النسب الوضيعة، والمؤيدين بالمعرفة والتحقيق، والمقومين بالمتابعة والتصديق، معرفة تعقب لمعرفتهم (١) موافقة، وتوجب لحكم نفوسهم مفارقة، وتلزم لخدمة مشهودهم معانقة، وتحقق لشريعة رسولهم مرافقة (٢)
والصلاة على من عنه بلغ وشرع، وبأمره قام وصدع، ولمتبعيه غرس وزرع، محمد المصطفى المصطنع. وعلى إخوانه (٣) من النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحابته المنتخبين وسلم.
أما بعد أحسن الله توفيقك فقد استعنت بالله وأجبتك إلى ما ابتغيت، من جمع كتاب يتضمن أسامي جماعة وبعض أحاديثهم وكلامهم؛
стр. 2
من أعلام المتحققين من المتصوفة وأئمتهم، وترتيب طبقاتهم من النساك ومحجتهم، من قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم؛ ممن عرف الأدلة والحقائق، وباشر الأحوال والطرائق، وساكن الرياض والحدائق، وفارق العوارض والعلائق، وتبرأ من المتنطعين (١) والمتعمقين، ومن أهل الدعاوى من المتسوفين، ومن الكسالى والمتثبطين؛ المتشبهين بهم في اللباس والمقال، والمخالفين لهم في العقيدة والفعال.
وذلك لما بلغك من بسط لساننا ولسان أهل الفقه (٢) والآثار في كل القطر والأمصار، في المنتسبين اليهم من الفسقة الفجار، والمباحية والحلولية الكفار، وليس ما حل بالكذبة من الوقيعة والإنكار، بقادح في منقبة البررة الأخيار، وواضع من درجة الصفوة الأبرار، بل في إظهار البراءة من الكذابين والنكير على الخونة الباطلين نزاهة للصادقين ورفعة للمتحققين.
ولو لم نكشف عن مخازي المبطلين ومساويهم ديانة، للزمنا إبانتها وإشاعتها حمية وصيانة، إذ لأسلافنا في التصوف العلم المنشور، والصيت والذكر المشهور. فقد كان جدي محمد بن يوسف البنا ﵀ أحد من نشر الله به ذكر بعض المنقطعين إليه، وعمر به أحوال كثير من المقبلين عليه.
وكيف نستجيز نقيصة أولياء الله تعالى ومؤذيهم مؤذن بمحاربة الله.
وهو ما
• حدثنا إبراهيم بن محمد بن حمزة حدثنا أبو عبيدة محمد بن أحمد بن المؤمل. وحدثنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا محمد بن إسحاق السراج. قالا:
حدثنا محمد بن اسحاق بن كرامة حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إن الله قال من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه
стр. 3
الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، فلئن سألنى عبدى أعطيته، ولئن استعاذني لأعذته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره إساءته - أو مساءته -».
• حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا الحسن بن علي بن نصر قال قرأ على أبي محمد بن المثنى. وحدثنا الحسن بن سلمة بن أبي كبشة أن أبا عامر العقدي حدثهما قال حدثنا عبد الواحد عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ ويروى عن ربه : «قال من آذى لي وليا فقد استحل محاربتي».
• حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا نافع بن يزيد حدثني عياش بن عياش عن عيسى بن عبد الرحمن عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر. قال: وجد عمر ابن الخطاب معاذ بن جبل ﵁ قاعدا عند قبر رسول الله ﷺ يبكي. فقال: ما يبكيك؟ قال يبكيني شيء سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن يسير الرياء شرك وإن من عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة».
قال الشيخ ﵀: واعلم أن لأولياء الله تعالى نعوتا ظاهرة، وأعلاما شاهرة، ينقاد لموالاتهم العقلاء والصالحون ويغبطهم بمنزلتهم الشهداء والنبيون. وهو ما
• حدثنا محمد بن جعفر بن إبراهيم حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا مالك بن إسماعيل وعاصم بن علي. قالا: حدثنا قيس بن الربيع حدثنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ : «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله ».
فقال رجل: من هم وما أعمالهم؟ لعلنا نحبهم. قال: «قوم يتحابون بروح الله من غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها بينهم. والله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس». ثم قرأ ﴿(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)﴾.
стр. 4
ومن نعوتهم: أنهم المورثون جلاسهم كامل الذكر، والمفيدون خلانهم بشامل البر
• حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن علي الأبار حدثنا الهيثم ابن خارجة حدثنا رشدين بن سعد عن عبد الله بن الوليد التجيبي عن أبي منصور (١) مولى الأنصار أنه سمع عمرو بن الجموح يقول أنه سمع رسول الله ﷺ . يقول: «قال الله إن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكرى وأذكر بذكرهم».
• حدثنا أحمد ابن يعقوب المعدل حدثنا الحسن بن علوية حدثنا إسماعيل بن عيسى حدثنا الهياج بن بسطام عن مسعر بن كدام عن بكير بن الأخنس عن سعيد رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله ﷺ من أولياء الله؟ قال:
«الذين إذا رأوا ذكر الله ».
• حدثنا جعفر بن محمد بن عمر.
وحدثنا أبو حصين القاضي حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا داود العطار عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد. قالت قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخياركم» قالوا بلى! قال:
«الذين إذا رأوا ذكر الله ».
ومنها: أنهم المسلمون من الفتن الموقون من المحن
• حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن القاسم بن الحجاج حدثنا الحكم بن موسى حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنى مسلم بن عبيد الله نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . أنه قال: «إن لله ضنائن من عباده يغذيهم في رحمته ويحييهم فى عافيته إذا توفاهم إلى جنته أولئك الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها في عافية».
ومنها: أنهم المضرورون في الأطعمة واللباس، المبرورة أقسامهم عند النازلة والباس
• حدثنا أبو إسحاق بن حمزة حدثنا أحمد بن شعيب بن يزيد.
وحدثنا إسحاق بن أحمد حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا محمد بن عزيز حدثنا سلامة بن روح حدثنا عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك. قال قال
стр. 5
رسول الله ﷺ : «كم من ضعيف متضعف ذى طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك». ثم إن البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين. فقالوا له: يا براء إن النبي ﷺ قال لو أقسمت على ربك لأبرك فأقسم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، فمنحوا أكتافهم. ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين، فقالوا أقسم يا براء على ربك ، قال أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك ﷺ ، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد ابن نصر الصائغ حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري (١) حدثنا ابن أبي حازم عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «رب أشعث ذى طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره».
قال الشيخ رحمه الله تعالى ومنها: إن ليقينهم تنفلق الصخور، وبيمينهم تنفتق البحور
• حدثنا سهل بن عبد الله التستري حدثنا الحسين بن إسحاق حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله ابن هبيرة عن حنش الصنعاني عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ فى أذن مبتلى، فأفاق. فقال له رسول الله ﷺ : «ما قرأت في أذنه؟ قال: مبتلى، قرأت أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا» حتى ختم السورة. فقال رسول الله ﷺ : «لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال».
• حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن يزيد الكوفي حدثنا محمد بن فضيل حدثنا الصلت بن مطر عن قدامة بن حماظة بن أخت سهم بن منجاب (٢). قال سمعت سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي، فسرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا وبينهم. فقال:
يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم، إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك، اللهم
стр. 6
فاجعل لنا إليهم سبيلا. فتقحم بنا البحر، فخضنا ما يبلغ لبودنا الماء، فخرجنا إليهم.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا يعقوب بن إبراهيم الوليد بن شجاع قالا حدثنا عبد الله بن بكر عن حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بن حرب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيت في العلاء بن الحضرمي رضي الله تعالى عنه ثلاث خصال ما منهن خصلة إلا وهي أعجب من صاحبتها: انطلقنا نسير حتى قدمنا البحرين، وأقبلنا نسير حتى كنا على شط البحر. فقال العلاء: سيروا، فأتى البحر فضرب دابته، فسار وسرنا معه ما يجاوز ركب دوابنا، فلما رآنا ابن مكعبر، عامل كسرى، قال لا والله لا نقابل (١) هؤلاء، ثم قعد في سفينة فلحق بفارس.
قال الشيخ ﵀ ومنها: أنهم سباق الأمم والقرون، وبإخلاصهم يمطرون وينصرون
• حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «لكل قرن من أمتي سابقون».
• حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن الخزر الطبراني حدثنا سعيد بن أبي زيد (٢) حدثنا عبد الله بن هارون الصوري حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. قال قال رسول الله ﷺ : «خيار أمتي في كل قرن خمسمائة، والأبدال أربعون.
فلا الخمسمائة ينقصون، ولا الأربعون؛ كلما مات رجل أبدل الله من الخمسمائة مكانه، وأدخل من الأربعين مكانهم» قالوا يا رسول الله دلنا على أعمالهم. قال: «يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم ويتواسون فيما آتاهم الله ».
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن السري القنطري حدثنا قيس بن إبراهيم بن قيس السامري حدثنا عبد الرحمن بن يحيى الأرمني حدثنا عثمان بن عمارة حدثنا المعافى بن عمران عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله قال قال رسول الله
стр. 7
ﷺ : «إن لله في الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم ﵇، ولله تعالى في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى ﵇، ولله تعالى في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم ﵇، ولله تعالى في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل ﵇، ولله تعالى في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل ﵇، ولله تعالى في الخلق واحد قلبه على قلب إسرافيل ﵇. فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة، وإذا مات من الثلاثة أبدل الله تعالى مكانه من الخمسة، وإذا مات من الخمسة أبدل الله تعالى مكانه من السبعة، وإذا مات من السبعة أبدل الله تعالى مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل الله تعالى مكانه من الثلاثمائة، وإذا مات من الثلاثمائة أبدل الله تعالى مكانه من العامة. فيهم يحيي ويميت، ويمطر وينبت ويدفع البلاء». قيل لعبد الله بن مسعود: كيف بهم يحيي ويميت! قال «لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستسقون فيسقون، ويسألون فتنبت لهم الأرض. ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء».
• حدثنا محمد أبو عمرو بن حمدان حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك حدثنا ابن عباس حدثنا صفوان بن عمرو عن خالد بن معدان عن حذيفة بن اليمان. قال قال رسول الله ﷺ : «يا حذيفة. إن في كل طائفة من أمتي قوما شعثا غبرا، إياي يريدون، وإياي يتبعون، وكتاب الله يقيمون، أولئك مني وأنا منهم وإن لم يروني».
• حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا بكر بن سهل حدثنا عمرو بن هاشم حدثنا سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله ﷺ : «من سأل عني - أو سره أن ينظر إلى - فلينظر إلى أشعث شاحب مشمر، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، اليوم المضمار وغدا السباق، والغاية الجنة أو النار».
قال الشيخ أبو نعيم ﵀ ومنها: أنهم نظروا إلى باطن العاجلة
стр. 8
فرفضوها، وإلى ظاهر بهجتها وزينتها فوضعوها.
• حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر ابن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثني غوث بن جابر.
قال سمعت محمد بن داود يحدث عن أبيه عن وهب بن منبه. قال: قال الحواريون يا عيسى من أولياء الله الذين ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾؟ قال عيسى ﵇: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما يخشون أن يشينهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالا، وذكرهم إياها فواتا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنا فما عارضهم من نيلها رفضوه، وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، وخلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها، وخربت بيوتهم فليسوا يعمرونها، وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها بعد موتها، بل يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، ورفضوها فكانوا فيها هم الفرحين، ونظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات. وأحيوا ذكر الموت، وأماتوا ذكر الحياة. يحبون الله ، ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره، ويضيئون به. لهم خبر عجيب، وعندهم الخبر العجيب، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب وبه عملوا، وليسوا يرون نائلا مع ما نالوا، ولا أمانا دون ما يرجون، ولا خوفا دون ما يحذرون.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهم المصونون عن مرامقة حقارة الدنيا بعين الاغترار، المبصرون صنع محبوبهم بالفكر والاعتبار.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني سفيان بن وكيع حدثنا إبراهيم بن عيينة عن ورقاء (١). قال الشيخ أبو نعيم والصواب وفاء بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما بعث الله موسى وهارون ﵉ إلى فرعون قال: لا يغرنكما لباسه الذى ألبسته، فان ناصيته بيدي فلا ينطق ولا يطرف إلا باذنى، ولا يغرنكما
стр. 9
ما متع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين فلو شئت أن أزينكما من زينة الدنيا بشيء يعرف فرعون أن قدرته تعجز عن ذلك لفعلت، وليس ذلك لهوانكما علي ولكني ألبستكما نصيبكما من الكرامة على أن لا تنقصكما الدنيا شيئا، وإنى لأذود أوليائى عن الدنيا كما يذود الراعى إبله عن مبارك العرة، وإني لأجنبهم زهرتها كما يجنب الراعى إبله عن مراتع الهلكة، أريد أن أنور (١) بذلك مراتبهم وأطهر بذلك قلوبهم، فى سيماهم الذي يعرفون به، وأمرهم الذي يفتخرون به. واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالعداوة، وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة.
• حدثنا أحمد بن السري حدثنا الحسن بن علويه القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى حدثنا إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وحدثنا أبي حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا محمد ابن سهل بن عسكر حدثنا اسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول: لما بعث الله تعالى موسى وأخاه هارون ﵉ إلى فرعون. قال: لا يعجبنكما زينته ولا ما متع به، ولا تمدا أعينكما إلى ذلك، فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين فإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما لفعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديما ما خرت لهم في ذلك، فانى لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سلوتها وعيشتها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة (٢). وما ذلك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفورا لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى. واعلم أنه لم يتزين العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك هم أوليائي حقا حقا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك. واعلم أنه من أهان لى وليا أو
стр. 10
أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني، وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لى؟ أو يظن الذى يعادينى أن بعجزنى؟ أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ فكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري. زاد اسماعيل ابن عيسى في حديثه: فاعلم يا موسى أن أوليائي الذين أشعروا قلوبهم خوفي فيظهر على أجسادهم في لباسهم وجهدهم الذي يفوزون به يوم القيامة، وأملهم الذي به يذكرون، وسيماهم الذي به يعرفون، فإذا لقيتهم فذلل لهم نفسك.
حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم ثنا العباس بن يوسف الشكلي حدثني محمد بن عبد الملك قال قال عبد الباري: قلت لذي النون المصري ﵀: صف لي الأبدال فقال: إنك لتسألني عن دياجي الظلم، لأكشفنها لك عبد الباري. هم قوم ذكروا الله بقلوبهم تعظيما لربهم لمعرفتهم بجلاله. فهم حجج الله تعالى على خلقه، ألبسهم النور الساطع من محبته، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم الصبر عن مخالفته، وطهر أبدانهم بمراقبته وطيبهم بطيب أهل مجاملته، وكساهم حللا من نسج مودته، ووضع على رءوسهم تيجان مسرته، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب فهي معلقة بمواصلته، فهمومهم إليه ثائرة، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من قربه، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته. ثم قال: إن أتاكم عليل من فقري فداووه أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فأمنوه، أو آمن منى فخذروه، أو راغب في مواصلتي فهنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فعدوه، أو راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن بي فباسطوه، أو محب لي فواظبوه، أو معظم لقدري فعظموه. أو مستوصفكم نحوى فأرشدوه، أو مسئ بعد إحسان فعاتبوه ومن واصلكم في فواصلوه، ومن غاب عنكم فافتقدوه، ومن ألزمكم جناية فاحتملوه، ومن قصر في واجب حقي فاتركوه، ومن أخطأ خطيئة فناصحوه، ومن مرض من أوليائى فعودوه،
стр. 11
ومن حزن فبشروه، وإن استجار بكم ملهوف فأجيروه.
يا أوليائي لكم عاتبت وفي إياكم رغبت، ومنكم الوفاء طلبت، ولكم اصطفيت وانتخبت، ولكم استخدمت واختصصت، لأني لا أحب استخدام الجبارين، ولا مواصلة المتكبرين، ولا مصافاة المخلطين، ولا مجاوبة المخادعين، ولا قرب المعجبين، ولا مجالسة البطالين، ولا موالاة الشرهين.
يا أوليائي جزائي لكم أفضل الجزاء، وعطائي لكم أجزل العطاء، وبذلي لكم أفضل البذل، وفضلي عليكم أكثر الفضل، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة، ومطالبتي لكم أشد المطالبة، أنا مجتني القلوب، وأنا علام الغيوب، وأنا مراقب الحركات، وأنا ملاحظ اللحظات، أنا المشرف على الخواطر، أنا العالم بمجال الفكر، فكونوا دعاة إلي، لا يفزعكم ذو سلطان (١) سوائي، فمن عاداكم عاديته، ومن والاكم واليته، ومن آذاكم أهلكته، ومن أحسن إليكم جازيته، ومن هجركم قليته.
قال الشيخ ﵀: وهم الشغفون به وبوده، والكلفون بخطابه وعهده
• حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن منصور المدائنى حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي حدثنا عبد الله بن محمد بن الحسن بن عروة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﷺ : «إن موسى ﵇ قال: يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك. قال: الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه، والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالناس، والذي يغضب إذا انتهكت محارمي غضب النمر لنفسه، فإن النمر إذا غضب لم يبال أقل الناس أم كثروا». .
• حدثنا أبي حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الحناط حدثنا أبو الفيض ذو النون بن إبراهيم المصري قال: إن الله لصفوة من خلقه وإن لله لخيرة. فقيل له: يا أبا الفيض فما علامتهم؟ قال: إذا خلع العبد الراحة وأعطى المجهود في الطاعة وأحب سقوط المنزلة. ثم قال:
стр. 12
منع القران بوعده ووعيده … مقل العيون بليلها أن تهجعا (١)
فهموا عن الملك الكريم كلامه … فهما تذل له الرقاب وتخضعا
وقال له بعض من كان في المجلس حاضرا: يا أبا الفيض من هؤلاء القوم يرحمك الله؟ فقال ويحك هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا، والتراب لجنوبهم مهادا. هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم، فعزلهم عن الأزواج وحركهم بالإدلاج، فوضعوه على أفئدتهم فانفجرت، وضموه إلى صدورهم فانشرحت، وتصدعت هممهم به فكدحت، فجعلوه لظلمتهم سراجا، ولنومهم مهادا. ولسبيلهم منهاجا، ولحجتهم إفلاجا، يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون، ويفطر الناس ويصومون، ويأمن الناس ويخافون. فهم خائفون حذرون، وجلون مشفقون مشمرون، يبادرون من الفوت، ويستعدون للموت. لم يتصغر جسيم ذلك عندهم لعظم ما يخافون من العذاب وخطر ما يوعدون من الثواب، درجوا على شرائع القرآن، وتخلصوا بخالص القربان، واستناروا بنور الرحمن، فما لبثوا أن أنجز لهم القرآن موعوده، وأوفى لهم عهوده، وأحلهم سعوده، وأجارهم وعيده، فنالوا به الرغائب، وعانقوا به الكواعب، وأمنوا به العواطب وحذروا به العواقب، لأنهم فارقوا بهجة الدنيا بعين قالية، ونظروا إلى ثواب الآخرة بعين راضية، واشتروا الباقية بالفانية، فنعم ما اتجروا ربحوا الدارين، وجمعوا الخيرين، واستكملوا الفضلين، بلغوا أفضل المنازل، بصبر أيام قلائل، قطعوا الأيام باليسير، حذار يوم قمطرير، وسارعوا في المهلة، وبادروا خوف حوادث الساعات، ولم يركبوا أيامهم باللهو واللذات، بل خاضوا الغمرات للباقيات الصالحات، أو هن والله قوتهم التعب، وغير ألوانهم النصب، وذكروا نارا ذات لهب، مسارعين إلى الخيرات منقطعين عن اللهوات، بريئون من الريب والخنا، فهم خرس فصحاء، وعمي بصراء. فعنهم تقصر الصفات؛ وبهم تدفع النقمات، وعليهم تنزل البركات، فهم أحلى الناس منطقا ومذاقا، وأوفى
стр. 13
الناس عهدا وميثاقا، سراج العباد، ومنار البلاد، مصابيح الدجى، ومعادن الرحمة، ومنابع الحكمة، وقوام الأمة، تجافت جنوبهم عن المضاجع، فهم أقبل الناس للمعذرة، وأصفحهم للمغفرة، وأسمحهم بالعطية، فنظروا إلى ثواب الله بأنفس تائقة، وعيون رامقة، وأعمال موافقة، فحلوا عن الدنيا مطي رحالهم، وقطعوا منها حبال آمالهم، لم يدع لهم خوف ربهم من أموالهم تليدا ولا عتيدا، فتراهم لم يشتهوا من الأموال كنوزها، ولا من الأوبار خزوزها، ولا من المطايا عزيزها، ولا من القصور مشيدها، بلى! ولكنهم نظروا بتوفيق الله تعالى لهم وإلهامه إياهم، فحركهم ما عرفوا بصبر أيام قلائل فضموا أبدانهم عن المحارم، وكفوا أيديهم عن ألوان المطاعم، وهربوا بأنفسهم عن المآثم، فسلكوا من السبيل رشاده، ومهدوا للرشاد مهاده، فشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم، عزوا عن الرزايا، وغصص المنايا، هابوا الموت وسكراته وكرباته وفجعاته، ومن القبر وضيقه، ومنكر ونكير ومن ابتدارهما وانتهارهما وسؤالهما، ومن المقام بين يدي الله عز ذكره، وتقدست أسماؤه.
قال الشيخ أبو نعيم ﵀: وهم مصابيح الدجى، وينابيع الرشد والحجى، خصوا بخفي الاختصاص، ونقوا من التصنع بالإخلاص
• حدثنا عبد الله بن محمد وأبو أحمد محمد بن أحمد - في جماعة - قالوا حدثنا الفضل بن الحباب حدثنا شاذ بن فياض حدثنا أبو قحذم عن أبي قلابة عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: مر عمر بمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما وهو يبكي.
فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«أحب العباد إلى الله تعالى الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يعرفوا أولئك هم أئمة الهدى ومصابيح العلم».
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو موسى إسحاق بن إبراهيم الهروي حدثنا أبو معاوية عمرو بن عبد الجبار السنجاري حدثنا عبيدة بن حسان عن عبد الحميد بن ثابت بن ثوبان مولى رسول الله ﷺ
стр. 14
قال حدثني أبي عن جدي: شهدت من رسول الله ﷺ مجلسا فقال: «طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى تتجلى عنهم كل فتنة ظلماء.
قال الشيخ ﵀: وهم الواصلون بالحبل، والباذلون للفضل، والحاكمون بالعدل
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا بشر بن موسى حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قالت قال رسول الله ﷺ : «أتدرون من السابقون إلى ظل الله ؟» قالوا الله ورسوله أعلم! قال: «الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سألوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم». رواه أحمد بن حنبل عن يحيى بن إسحاق مثله.
قال الشيخ ﵀: وهم المنبسطون جهرا، المنقبضون سرا، يبسطهم روح الارتياح والاشتياق، ويقلقهم خوف القطيعة والفراق
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا الوليد بن إسماعيل الحراني حدثنا شيبان بن مهران عن خالد بن المغيرة بن قيس عن مكحول عن عياض بن غنم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن من خيار أمتي - فيما نبأني الملأ الأعلى، في الدرجات العلى - قوما يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم، ويبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم . يذكرون ربهم بالغداة والعشي، في بيوته الطيبة، ويدعونه بألسنتهم رغبا ورهبا، ويسألونه بأيديهم خفضا ورفعا، ويشتاقون إليه بقلوبهم عودا وبدءا، مئونتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة، يدبون في الأرض حفاة على أقدامهم دبيب النمل بغير مرح ولا بذخ ولا مثلة، يمشون بالسكينة، ويتقربون بالوسيلة، يلبسون الخلقان، ويتبعون البرهان، ويتلون الفرقان، ويقربون القربان. عليهم من الله تعالى شهود حاضرة، وأعين حافظة ونعم ظاهرة، يتوسمون العباد، ويتفكرون في البلاد، أجسادهم في الأرض وأعينهم في السماء. أقدامهم في الأرض وقلوبهم في السماء، وأنفسهم في الأرض وأفئدتهم عند العرش، أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة،
стр. 15
ليس لهم هم إلا أمامهم، قبورهم في الدنيا ومقامهم عند ربهم » ثم تلى هذه الآية ﴿(ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)﴾.
قال الشيخ ﵀: وهم المبادرون إلى الحقوق من غير تسويف والموفون الطاعات من غير تطفيف
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن موسى الأيلي ثنا عمر بن يحيى الأيلي ثنا حكيم بن حزام عن أبي جناب الكلبي عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إن من موجبات الله ثلاثا؛ إذا رأى حقا من حقوق الله لم يؤخره إلى أيام لا يدركها وأن يعمل العمل الصالح العلانية على قوام من عمله في السريرة وهو يجمع مع ما يعمل صلاح ما يأمل».
قال رسول الله ﷺ «فهكذا ولي الله وعدد بيده ثلاثا».
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا داود بن المحبر ثنا ميسرة بن عبد ربه عن حنظلة بن وداعة عن أبيه عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: «إن لله خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا أعقل الناس قلنا يا رسول الله وكيف كانوا أعقل الناس؟ قال كانت همتهم المسابقة إلى ربهم والمسارعة إلى ما يرضيه وزهدوا في فضول الدنيا ورياستها (١)
ونعيمها وهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا.
قال الشيخ ﵀: قد روينا بعض مناقب الأولياء ومراتب الأصفياء فأما التصوف: فاشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبئين عنه بالعبارات من الصفاء والوفاء، واشتقاقه من حيث الحقائق التي أوجبت اللغة فإنه تفعل من أحد أربعة أشياء من الصوفانة، وهي بقلة وغباء قصيرة، أو من صوفة وهي قبيلة كانت في الدهر الأول تجيز الحاج وتخدم الكعبة، أو من صوفة القفا وهي الشعرات النابتة في متأخره (٢) أو من الصوف المعروف على ظهور الضأن. وإن أخذ التصوف من الصوفانة التي هي البقلة فلاجتزاء القوم بما توحد الله بصنعه ومن به عليهم من غير تكلف بخلقه، فاكتفوا به عما فيه للآدميين، صنع كاكتفاء البررة الطاهرين، من جلة المهاجرين،
стр. 16
في مبادئ إقبالهم وأول أحوالهم.
وهو
• ما حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا اسماعيل بن أبى خالد بن أبى (١) عن قيس بن أبي حازم قال سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله ولقد كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة، وهذا السمر حتى قرحت أشداقنا وحتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط.
وإن أخذ من الصوفة التي هي القبيلة فلأن المتصوف فيما كفي من حاله ونعم من ماله وأعطي من عقباه وحفظ من حظ دنيا أحد أعلام الهدى لعدولهم عن الموبقات واجتهادهم في القربات. وتزودهم من الساعات وتحفظهم للأوقات. فسالك منهجهم ناج من الغمرات. وسالم من الهلكات
• حدثنا محمد بن الفتح ثنا الحسن بن أحمد بن صدقة ثنا محمد بن عبد النور الخزاز ثنا أحمد بن المفضل الكوفي ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال قال النبي ﷺ :
«يا علي إذا تقرب الناس إلى خالقهم في أبواب البر فتقرب إليه بأنواع العقل.
تسبقهم بالدرجات والزلفى عند الناس في الدنيا وعند الله فى الآخرة.
• حدثنا محمد ابن أحمد بن الحسن ثنا جعفر بن محمد الفريابي ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني ثنا أبي عن جدي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري.
قال: جلست إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم ﵇ فقال: «أمثال كلها وكان فيها: وعلى العامل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه تعالى، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله تعالى، وساعة يخلو فيها بحاجته من المطعم والمشروب».
وإن أخذ من صوف القفا فمعناه أن المتصوف معطوف به إلى الحق.
стр. 17
مصروف به عن الخلق، لا يريد به بدلا ولا يبغي عنه حولا
• حدثنا القاضي عبد الله بن محمد بن عمر ثنا عبد الله بن العباس الطيالسي (١) ثنا عبد الرحيم بن محمد ابن زياد أنبأنا أبو بكر بن عياش عن حميد عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «أنى بإبراهيم ﵇ يوم النار إلى النار فلما بصر بها قال حسبنا الله ونعم الوكيل». .
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن محمد بن سليمان ثنا سليمان بن توبة ثنا سلام (٢) بن سليمان الدمشقي ثنا إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : «لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال حسبي الله ونعم الوكيل.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن يزيد الرفاعي ثنا إسحاق بن سليمان ثنا أبو جعفر الرازي عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال النبي ﷺ : «لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال اللهم إنك واحد في السماء، وأنا فى الأرض واحد أعبدك».
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا عبد الله بن عمر القواريري ثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن عامر الأحول عن عبد الملك بن عامر عن نوف البكالي. قال: قال إبراهيم ﵇ يا رب إنه ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، فأنزل الله ثلاثة آلاف ملك فأمهم ثلاثة أيام.
• حدثنا أحمد ابن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا شيبان ثنا أبو هلال ثنا بكر بن عبد الله المزني. قال: لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار جأرت عامة الخليقة إلى ربها. فقالوا: يا رب خليلك يلقى في النار فائذن لنا أن نطفئ عنه قال هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره، وأنا ربه ليس له رب غيري فإن استغاثكم فأغيثوه، وإلا فدعوه. قال فجاء ملك القطر فقال يا رب خليلك يلقى في النار فائذن لي أن أطفئ عنه بالقطر قال هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره وأنا ربه ليس له رب غيري فإن استغاثك فأغثه وإلا فدعه فلما ألقي في النار دعا ربه فقال الله يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم. قال:
стр. 18
فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب فلم ينضج بها كراع». .
• حدثنا أحمد بن السندي ثنا الحسن بن علويه ثنا إسماعيل بن عيسى ثنا إسحاق بن بشر. قال قال مقاتل وسعيد: لما جئ بإبراهيم ﵇ فخلعوا ثيابه وشدوا قماطه ووضع فى المنجنيق بكت السموات، والأرض، والجبال، والشمس، والقمر، والعرش، والكرسي، والسحاب، والريح، والملائكة كل يقولون: يا رب إبراهيم عبدك يحرق بالنار فائذن لنا في نصرته. فقالت النار وبكت يا رب سخرتني لبني آدم وعبدك يحرق بي فأوحى الله إليهم إن عبدي إياي عبد وفي جنبي أوذي إن دعاني أجبته وإن استنصركم فانصروه. فلما رمي استقبله جبريل ﵇ بين المنجنيق والنار فقال: السلام عليك يا إبراهيم أنا جبريل ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا! حاجتي إلى الله ربي، فلما قذف في النار كان سبقه إسرافيل فسلط النار على قماطه وقال الله ﴿(يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم)﴾ فلو لم يخلطه بالسلام لكن فيها بردا.
• حدثنا الحسين ابن محمد بن علي ثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم ثنا يوسف القطان ثنا مهران ابن أبي عمر ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار كان فيها - ما أدري إما خمسين وإما أربعين يوما - قال ما كنت أياما وليالي قط أطيب عيشا مني إذ كنت فيها ووددت أن عيشى وحياتى كلها إذ كنت فيها.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وإن أخذ من الصوف المعروف فهو لاختيارهم لباس الصوف إذ لا كلفة للآدميين في إنباته وإنشائه وإن النفوس الشاردة تذلل بلباس الصوف وتكسر نخوتها وتكبرها به لتلتزم المذلة والمهانة وتعتاد البلغة والقناعة. وقد ذكرنا شواهده في كتاب لبس الصوف مجودا. وقد كثرت أجوبة أهل الإشارة في مائيته بأنواع من العبارة وجمعناها في غير هذا الكتاب. وأقرب ما أذكره ما
حدثت عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: من عاش في ظاهر الرسول فهو سني، ومن عاش في باطن الرسول فهو صوفي. وأراد جعفر بباطن الرسول ﷺ أخلاقه
стр. 19
الطاهرة واختياره للآخرة. فمن تخلق بأخلاق الرسول ﷺ وتخير ما اختاره ورغب فيما فيه رغب، وتنكب عما عنه نكب، وأخذ بما إليه ندب فقد صفا من الكدر، ونحى من العسكر، ونجي من الغير، ومن عدل عن سمته ونهجه، وعول على حكم نفسه وهرجه، وسعى لبطنه وفرجه، كان من التصوف خاليا، وفي التجاهل ساعيا، وعن خطير الأحوال ساهيا
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا داود بن المحبر ثنا نصر ابن طريف عن منصور بن المعتمر عن أبي وائل عن سويد بن غفلة: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه خرج ذات يوم فاستقبله النبي ﷺ .
فقال له: بم بعثت يا رسول الله؟ قال «بالعقل» قال فكيف لنا بالعقل؟ فقال النبي ﷺ : «إن العقل لا غاية له ولكن من أحل حلال الله وحرم حرامه سمي عاقلا، فإن اجتهد بعد ذلك سمي عابدا، فإن اجتهد بعد ذلك سمي جوادا فمن اجتهد في العبادة وسمح في نوائب المعروف بلا حظ من عقل يدله على اتباع أمر الله واجتناب ما نهى الله عنه فأولئك هم الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا».
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن عمران بن الجنيد ثنا محمد ابن عبدك ثنا سليمان بن عيسى عن ابن جريج عن عطاء عن أبي سعيد الخدري.
قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قسم الله العقل على ثلاثة أجزاء فمن كن فيه كمل عقله، ومن لم يكن فيه فلا عقل له: حسن المعرفة بالله ، وحسن الطاعة لله ، وحسن الصبر على ما أمر الله .
قال الشيخ ﵀: فكيف ينسب إلى التصوف من إذا عورض في حقيقة معرفة الله كل عنها وخلط فيها، وإذا طولب بموجب الطاعة فيها جهلها وتخبط فيها، وإذا امتحن بمحنة يجب الصبر عليها وعنها جزع (١) وعجز.
وسادة علماء المتصوفة تكلمت في التصوف وأجابت عن حدوده ومعانيه
стр. 20
وأقسامه ومبانيه. فقد كتب لى جعفر بن محمد بن نصير الخواص قال وحدثني عنه ازديار بن سليمان الفارسي قال سمعت الجنيد بن محمد رحمة الله عليه يقول وسئل عن التصوف. فقال: اسم جامع لعشرة معاني؛ التقلل من كل شيء من الدنيا عن التكاثر فيها، والثاني اعتماد القلب على الله من السكون إلى الاسبات، والثالث الرغبة في الطاعات من التطوع في وجود العوافي، والرابع الصبر عن فقد الدنيا عن الخروج إلى المسألة والشكوى، والخامس التمييز فى الأخذ عند وجود الشئ، والسادس الشغل بالله عن سائر الأشغال، والسابع الذكر الخفي عن جميع الأذكار، والثامن تحقيق الإخلاص في دخول الوسوسة، والتاسع اليقين في دخول الشك، والعاشر السكون إلى الله من الاضطراب والوحشة. فإذا استجمع هذه الخصال استحق بها الاسم وإلا فهو كاذب حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب ثنا عبد الله بن محمد ابن ميمون. قال سألت ذا النون رحمة الله عليه عن الصوفي. فقال: من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق، وإن سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق.
• حدثنا أبو محمد ازديار بن سليمان ثنا جعفر بن محمد. قال قال أبو الحسن المزين:
التصوف قميص قمصه الله أقواما، فإن ألهموا عليه الشكر وإلا كان خصمهم في ذلك الله . وسئل الخواص عن التصوف. فقال: اسم يغطى به عن الناس إلا أهل الدراية وقليل ما هم. سمعت أبا الفضل نصر بن أبي نصر الطوسي يقول سمعت أبا بكر بن المثاقف يقول سألت الجنيد بن محمد عن التصوف فقال: الخروج عن كل خلق دني، والدخول في كل خلق سني.
وسمعت أبا الفضل الطوسي يقول سمعت أبا الحسن الفرغاني يقول سألت أبا بكر الشبلي ما علامة العارف؟ فقال: صدره مشروح، وقلبه مجروح، وجسمه مطروح. قلت: هذا علامة العارف فمن العارف؟ قال: العارف الذي عرف الله وعرف مراد الله وعمل بما أمر الله، وأعرض عما نهى الله، ودعا عباد الله إلى الله . فقلت: هذا العارف فمن الصوفي؟
стр. 21
فقال: من صفا قلبه فصفى، وسلك طريق المصطفى ﷺ ، ورمى الدنيا خلف القفا، وأذاق الهوى طعم الجفا. قلت له: هذا الصوفي، ما التصوف؟ قال: التألف والتطرف، والإعراض عن التكلف. قلت له أحسن من هذا ما التصوف؟ قال: تسليم تصفية القلوب، لعلام الغيوب فقلت له:
أحسن من هذا ما التصوف؟ فقال: تعظيم أمر الله، وشفقته على عباد الله.
فقلت له: أحسن من هذا من الصوفي؟ قال: من صفا من الكدر، وخلص من العسكر، وامتلأ من الفكر، وتساوى عنده الذهب والمدر. وسمعت أبا الفضل نصر بن أبي نصر يقول سمعت علي بن محمد المصري يقول سئل السري السقطي عن التصوف. فقال: التصوف خلق كريم، يخرجه الكريم إلى قوم كرام. سمعت أبا همام عبد الرحمن بن مجيب الصوفي - وسئل عن الصوفي - فقال: لنفسه ذابح، ولهواه فاضح، ولعدوه جارح، وللخلق ناصح. دائم الوجل، يحكم العمل، ويبعد الأمل، ويسد الخلل، ويغضى على الذلل. عذره بضاعة، وحزنه صناعة، وعيشه قناعة. بالحق عارف، وعلى الباب عاكف، وعن الكل عازف. تربية بره، وشجرة وده، وراعي عهده.
قال الشيخ ﵀: وذكرنا في غير هذا الكتاب كثيرا من أجوبة مشيختهم في التصوف، واختلاف عباراتهم، وكل قد أجاب عن حاله.
ويشتمل كلام المتصوفة على ثلاثة أنواع؛ فأولها إشاراتهم إلى التوحيد (١)
والثاني كلامهم في المراد ومراتبه، والثالث في المريد وأحواله. ثم لكل نوع من الثلاثة مسائل وفروع يكثر تعدادها، فأول أصولهم (٢) العرفان، ثم إحكام الخدمة والإدمان
• حدثنا محمد بن أحمد بن حمدان ثنا الحسن بن أبي سفيان ثنا أمية بن بسطام ثنا يزيد بن زريع ثنا روح بن القاسم عن اسماعيل ابن أمية عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله
стр. 22
، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات فى يومهم وليلهم. فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم».
• حدثنا عبد الرحمن بن العباس ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير بن معاوية ثنا خالد ابن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله علمني من غرائب العلم. قال: «ما فعلت في رأس العلم فتطلب الغرائب؟!» قال وما رأس العلم؟ قال: «هل عرفت الرب؟» قال نعم! قال: «فما صنعت في حقه؟». قال ما شاء الله. قال: «عرفت الموت؟» قال نعم! قال: «ما أعددت له؟» قال: ما شاء الله. قال: «انطلق فاحكم ها هنا ثم تعال أعلمك من غرائب العلم.
قال الشيخ ﵀: فمباني المتصوفة المتحققة في حقائقهم على أركان أربعة؛ معرفة الله تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة النفوس وشرورها ودواعيها، ومعرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله، ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها، ثم ألزموا أنفسهم بعد توطئة (١) هذه الأبنية دوام المجاهدة، وشدة المكابدة وحفظ الأوقات، واغتنام الطاعات، ومغارقة الراحات، والتلذذ بما أيدوا به من المطالعات، وصيانة ما خصوا به من الكرامات (٢)، لا عن المعاملات انقطعوا ولا إلى التأويلات ركنوا، رغبوا عن العلائق، ورفضوا العوائق، وجعلوا الهموم هما واحدا، ومزايلة الأعراض طارفا وتالدا. اقتدوا بالمهاجرين والأنصار، وفارقوا العروض والعقار، وآثروا البذل والإيثار، وهربوا بدينهم إلى الجبال والقفار، احترازا من موامقة الأبصار، أن يومى إليها بالأصابع ويشار لما أنسوا به من التحف والأنوار، فهم الأتقياء الأخفياء والغرباء النجباء، صحت عقيدتهم فسلمت سريرتهم
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا محمد بن عمر الواقدي ثنا بكير بن مسمار عن عامر
стр. 23
ابن سعد بن أبي وقاص سمعه يخبر عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يحب العبد التقى الغنى الخفي».
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا سفيان بن وكيع ثنا عبد الله بن رجاء عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو. قال قال رسول الله ﷺ : «أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء». قيل ومن الغرباء؟ قال: «الفرارون بدينهم، يبعثهم الله يوم القيمة مع عيسى بن مريم ﵉».
• حدثنا أبو غانم سهل بن إسماعيل الفقيه الواسطي ثنا عبد الله بن الحسن ثنا إسحاق بن وهب ثنا عبد الملك بن يزيد ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود. قال: إذا أحب الله عبدا اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد. وقال ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا رجل يفر بدينه من قرية إلى قرية، ومن شاهق إلى شاهق، ومن حجر (١) إلى حجر».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا عباس بن الفضل ثنا عبد الله بن محمد بن عائشة. قال ثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي عن ليث عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: «إن من أغبط أوليائى عندى مؤمنا خفيف الحاذ، ذا حظ من صلاة وصيام، أحسن عبادة ربه، وأطاعه فى سره، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكانت معيشته كفافا وصبر على ذلك، فعجلت منيته، وقلت بواكيه، وقل تراثه.
قال الشيخ ﵀: لهم الأحوال الشريفة، والأخلاق اللطيفة، مقامهم منيف. وسؤالهم ظريف
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إبراهيم بن أحمد ابن برة الصنعاني ثنا هشام بن إبراهيم أبو الوليد المخزومى ثنا موسى بن جعفر ابن أبي كثير عن عبد القدوس بن حبيب عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال له: «يا غلام ألا أحبوك؟ ألا أنحلك؟ ألا أعطيك؟». قال: قلت بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال:
стр. 24
فظننت أنه سيقطع لى قطعة مال. فقال: «أربع تصليهن في كل يوم وليلة فتقرأ أم القرآن وسورة. ثم تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشرا، ثم ترفع فتقولها عشرا ثم تفعل في صلاتك كلها مثل ذلك. فإذا فرغت قلت بعد التشهد وقبل التسليم اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وجد أهل الخشية، وطلبة أهل الرغبة، وتعبد أهل الورع، وعرفان أهل العلم، حتى أخافك. اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك، وحتى أعمل بطاعتك عملا أستحق به رضاك، وحتى أناصحك في التوبة خوفا منك. وحتى أخلص لك النصيحة حبا لك، وحتى أتوكل عليك في الأمور حسن الظن بك، سبحان خالق النور. فإذا فعلت ذلك يا ابن عباس غفر الله لك ذنوبك صغيرها وكبيرها، قديمها وحديثها، سرها وعلانيتها، وعمدها وخطأها.
قال الشيخ ﵀: هم السفراء إلى الخلق، والأسراء لدى الحق أزعجهم الفرق، وهيمهم القلق
• حدثنا العباس بن محمد الكناني ثنا أبو الحريش الكلابي ثنا علي بن يزيد بن بهرام ثنا عبد الملك بن أبي كريمة عن أبي حاجب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير، يعلم أن عليه رقيبا، على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه، حتى اللمحة ببصره وفتات الطين (١) بأصبعه وكحل عينيه وجميع سعيه، إن المؤمن لا يأمن قلبه ولا يسكن روعته ولا يأمن اضطرابه، يتوقع الموت صباحا ومساء، فالتقوى رقيبه، والقرآن دليله، والخوف حجته، والشرف مطيته، والحذر قرينه، والوجل شعاره، والصلاة كهفه، والصيام جنته، والصدقة فكاكه، والصدق وزيره، والحياء أميره، وربه تعالى من وراء ذلك كله بالمرصاد، يا معاذ إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من هوى نفسه وشهواته، وحال بينه وبين أن
стр. 25
يهلك فيما يهوى بإذن الله. يا معاذ: إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأنهيت إليك ما أنهى إلي جبريل ﵇ فلا أعرفنك توافيني يوم القيامة وأحد أسعد بما أتاك الله منك».
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسين بن سفيان ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم ثنا الحسين بن محمد عن أبي عبد الله القشيري عن أبي حاجب عن عبد الرحمن عن معاذ. وعن غالب بن شهر عن معاذ وعن مكحول عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بلغ به النبي ﷺ أنه قال: «يا معاذ» فذكر نحوه.
قال الشيخ ﵀: حبهم للحق، وفي الحق يحييهم ويفنيهم، وعمن سواه من الخلق يلهيهم ويسليهم
• حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا شعبة أخبرني قتادة قال سمعت أنس بن مالك يحدث أن النبي ﷺ . قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ من يكن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يقذف الرجل في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، وأن يحب الرجل العبد لا يحبه الا الله - أو قال في الله »، شك أبو داود.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي ثنا عبد الوهاب ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله تعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها».
قال الشيخ ﵀: فقد ثبت بما روينا من حديث معاذ بن جبل وغيره: أن التصوف أحوال قاهرة، وأخلاق طاهرة، تقهرهم الأحوال فتأسرهم، ويستعملون الأخلاق فتظهرهم، تحلوا بخالص الخدمة، فكفوا طوارق الحيرة، وعصموا من الانقطاع والفترة. ولا يأنسون إلا به، ولا يستريحون إلا إليه. فهم أرباب القلوب المتسورون بصائب فراستهم على
стр. 26
الغيوب، المراقبون للمحبوب، التاركون للمسلوب، المحاربون للمحروب، سلكوا مسلك الصحابة والتابعين، ومن نحى نحوهم من المتقشفين والمتحققين، العالمين بالبقاء والفناء، والمميزين بين الإخلاص والرياء، والعارفين بالخطرة والهمة والعزيمة والنية، والمحاسبين للضمائر، والمحافظين للسرائر، المخالفين للنفوس، والمحاذرين من الخنوس (١) بدائم التفكر، وقائم التذكر، طلبا للتدانى، وهربا من التوانى، لا يستهين بحرمتهم (٢) إلا مارق، ولا يدعي أحوالهم إلا مائق، ولا يعتقد عقيدتهم إلا فائق، ولا يحن إلى موالاتهم إلا تائق (٣) فهم سرج الآفاق، والممدود إلى رؤيتهم بالأعناق، بهم نقتدي وإياهم نوالي إلى يوم التلاق.
قال الشيخ: ﵀: بدأنا بذكر من اشتهر من الصحابة بحال من الأحوال، وحفظ عنه حميد الأفعال، وعصم من الفتور والإكسال، وفصل له العهود والحبال، ولم يقطعه سآمة ولا ملال، فمن المهاجرين أولهم
أبو بكر الصديق
أبو بكر الصديق، السابق إلى التصديق، الملقب بالعتيق، المؤيد من الله (٤)
بالتوفيق، صاحب النبي ﷺ في الحضر والأسفار، ورفيقه الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار، وعامة الأبرار، وبقي له شرفه على كرور الأعصار، ولم يسم إلى ذروته همم أولي الأيد والأبصار، حيث يقول عالم الأسرار ﴿(ثاني اثنين إذ هما في الغار)﴾ إلى غير ذلك من الآيات والآثار، ومشهور النصوص الواردة فيه والأخبار، التي غدت كالشمس في الانتشار، وفضل كل من فاضل، وفاق كل من جادل وناضل، ونزل فيه ﴿(لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل)﴾ توحد الصديق، في الأحوال بالتحقيق، واختار الاختيار من الله دعاه إلى الطريق، فتجرد من الأموال،
стр. 27
والأعراض، وانتصب في قيام التوحيد للتهدف والأغراض، صار للمحن هدفا، وللبلاء غرضا، وزهد فيما عزله جوهرا كان أو عرضا، تفرد بالحق، عن الالتفات إلى الخلق، وقد قيل إن التصوف الاعتصام بالحقائق، عند اختلاف الطرائق
• حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ثنا يحيى بن بكير قال حدثني الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب: قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خرج حين توفي رسول الله ﷺ وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فقال اجلس يا عمر، فتشهد فقال: أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، إن الله تعالى قال ﴿(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)﴾ الآية. قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها (١) منه الناس كلهم، فما نسمع بشرا من الناس إلا يتلوها. قال ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت (٢) حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله ﷺ قد مات.
قال الشيخ ﵀: وكان رضي الله تعالى عنه يتوصل بعز الوفاء، إلى أسنى مواقف الصفا. وقد قيل: إن التصوف تفرد العبد، بالصمد الفرد
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما أنفذت قريش جوار ابن الدغنة قالوا له مر أبا بكر فليعبد ربه في داره. وليصل فيها ما شاء وليقرأ ما شاء. ولا يؤذينا ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره.
قال ففعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ثم بدا له فابقنى مسجدا بفناء داره.
فكان يصلي فيه ويقرأ. فتقصف (٣) عليه نساء المشركين وأبناؤهم يتعجبون
стр. 28
منه، وينظرون إليه. وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في عقد رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإنى أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله ورسوله، ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أحمد بن علي بن الجارود ثنا عبد الله ابن سعيد الكندي ثنا عبد الله بن إدريس الأودي. وحدثنا الحسين بن محمد ثنا الحسن ثنا حميد ثنا جرير ثنا أبو إسحاق الشيباني عن أبي بكر بن أبي موسى عن الأسود بن هلال. قال قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين؟ ﴿(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)﴾ و ﴿(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)﴾. قال قالوا: ربنا الله ثم استقاموا، فلم يدينوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم بخطيئة. قال لقد حملتموها على غير المحمل، ثم قال: قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يلتفقوا إلى إله غيره، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.
قال الشيخ ﵀: كان ﵁ من أحواله العزوف (١) عن العاجلة، والأزوف من الآجلة. وقد قيل إن التصوف تطليق الدنيا بتاتا، والإعراض عن منالها ثباتا
• حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ثنا الحسن بن علي والفضل بن داود. قالا: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا عبد الواحد بن زيد ثنا أسلم عن مرة الطيب (٢) عن زيد بن أرقم: أن أبا بكر رضى الله تعالى عنه: استسقى فأتي بإناء فيه ماء وعسل، فلما أدناه من فيه بكى وأبكى من حوله، فسكت وما سكتوا. ثم عاد فبكى حتى ظنوا أن لا يقدروا على مساءلته، ثم مسح وجهه وأفاق. فقالوا: ما هاجك على هذا البكاء؟ قال كنت مع النبي ﷺ ، وجعل يدفع عنه شيئا ويقول: «إليك عني، إليك عني» ولم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله أراك تدفع عنك شيئا
стр. 29
ولا أرى معك أحدا؟ قال: «هذه الدنيا تمثلت لي بما فيها؛ فقلت لها إليك عنى فتنحت وقالت أما والله لئن انفلت مني لا ينفلت مني من بعدك» فخشيت أن تكون قد لحقتني فذاك الذي أبكاني.
قال الشيخ ﵀: وكان ﵁ لا يفارق الجد، ولا يجاوز الحد. وقد قيل: إن التصوف الجد في السلوك إلى ملك الملوك
• حدثنا أبو عمرو ابن حمدان ثنا الحسن بن سفيان حدثني يعقوب بن سفيان قال حدثني عمرو بن منصور البصري ثنا عبد الواحد بن زيد عن أسلم الكوفي عن مرة الطيب عن زيد بن أرقم؛ قال: كان لأبي بكر الصديق رضى الله تعالى عنه مملوك يغل عليه فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة، فقال له المملوك: مالك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة؟! قال: حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني، فلما أن كان اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني قال إن كدت أن تهلكني، فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ، وجعلت لا تخرج، فقيل له إن هذه لا تخرج إلا بالماء، فدعا بطست (١) من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها. فقيل له يرحمك الله كل هذا من أجل هذه اللقمة؟! قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به» فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة. ورواه عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة نحوه، والمنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر نحوه.
قال الشيخ ﵀: وكان ﵁ يقدم على المضار، لما يؤمل فيه من المسار. وقد قيل إن التصوف السكون إلى اللهيب، في الحنين إلى الحبيب
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى قال ثنا الحميدي ثنا سفيان بن عيينة ثنا الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنه قالت: أتى الصريخ آل أبي بكر. فقيل له أدرك صاحبك. فخرج
стр. 30
من عندنا - وإن له غدائر - فدخل المسجد وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟! فلهوا عن رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: (١) كان رضي الله تعالى عنه يقدم الحقير، مفتادا (٢) للخطير. وقد قيل إن التصوف وقف الهمم، على مولى النعم
• حدثنا علي بن أحمد بن علي المصيصي ثنا أبو عطاء محمد بن إبراهيم بن الصلت الطائي ثنا داود بن معاذ ثنا عبد الوارث بن سعيد بن يونس بن عبيد عن الحسن البصري: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أتى النبي ﷺ بصدقته فأخفاها. قال: يا رسول الله هذه صدقتي، ولله عندي معاد وجاء عمر رضي الله تعالى عنه بصدقته فأظهرها. فقال: يا رسول الله هذه صدقتي ولي عند الله معاد، فقال رسول الله ﷺ : «يا عمر وترت قوسك بغير وتر. ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكما». ورواه زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر نحوه.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز.
وثنا أبو بكر الطلحي ثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة. قالا: ثنا أبو نعيم عن هشام بن سعد عن زيد بن أرقم عن أبيه قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق ووافق ذلك مال عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوما، قال فجئت بنصف مالي، قال فقال لي رسول الله ﷺ : «ما أبقيت لأهلك» قال فقلت مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده. فقال له رسول الله ﷺ : «ما أبقيت لأهلك» قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت:
لا أسابقك إلى شيء أبدا. ورواه عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر نحوه.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: كان رضي الله تعالى عنه في المصافات صافيا،
стр. 31
وفي المؤاخاة وافيا وقد قيل: إن التصوف استنفاد الطوق، في معاناة الشوق وتزجية الأمور، على تصفية الصدور
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن العباس بن أيوب ثنا أحمد بن محمد بن حبيب المؤدب ثنا أبو معاوية ثنا هلال بن عبد الرحمن ثنا عطاء بن أبي ميمونة أبو معاذ عن أنس بن مالك. قال: لما كان ليلة الغار، قال أبو بكر: يا رسول الله دعني فلأدخل قبلك فإن كانت حية أو شيء كانت لي قبلك (١) قال ادخل، فدخل أبو بكر فجعل يلتمس بيديه فكلما رأى جحرا جاء بثوبه فشقه ثم ألقمه الحجر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، قال فبقي جحر فوضع عقبه عليه، ثم أدخل رسول الله ﷺ . قال فلما أصبح قال له النبي ﷺ : «فأين ثوبك يا أبا بكر؟» فأخبره بالذي صنع، فرفع النبي ﷺ يده فقال: «اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة» فأوحى الله تعالى إليه «إن الله قد استجاب لك».
• حدثنا محمد بن أحمد بن محمد الوراق ثنا ابراهيم ابن عبد الله بن أيوب المخرمي ثنا سلمة بن حفص السعدي ثنا يونس بن بكير ثنا محمد بن إسحاق ثنا هشام بن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كانت يد النبي ﷺ في مال أبي بكر ويد أبي بكر واحدة حين حجا.
ومن مفاريد أقواله، لمراعاة أحواله.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا مصعب الزبيري حدثني مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر دخل على أبي بكر وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر مه؟ غفر الله لك، فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد.
• حدثنا أبي ثنا عبد الرحمن بن الحسن ثنا هارون بن إسحاق أنبأنا عبدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن طارق ابن شهاب. قال قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: طوبى لمن مات في النانات، قيل وما النانات؟ قال جدة الإسلام.
• حدثنا أبي ثنا عبد الرحمن ابن الحسن ثنا هارون بن إسحاق ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح:
стр. 32
لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر وسمعوا القرآن جعلوا يبكون، قال فقال أبو بكر: هكذا كنا، ثم قست القلوب.
قال الشيخ ﵀: ومعنى قوله قست القلوب قويت واطمأنت بمعرفة الله تعالى.
• حدثنا الحسين بن محمد بن سعيد ثنا محمد بن عزيز ثنا سلامة بن روح عن عقيل. قال قال ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير عن أبيه أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خطب الناس فقال: يا معشر المسلمين استحيوا من الله ، فو الذى نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط فى الفضاء متقنعا بثوبى استحياء من ربي . رواه ابن المبارك عن يونس نحوه (١).
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي ثنا وكيع عن مالك بن مغول عن أبي السفر. قال: مرض أبو بكر رضي الله تعالى عنه فعادوه، فقالوا: ألا ندعوا لك الطبيب؟ قال قد رآني. قالوا فأي شيء قال لك؟ قال قال (إني فعال لما أريد).
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أبو الزنباع ثنا سعيد بن عفير قال حدثني علوان (٢) بن داود البجلي عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف. وعن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه. قال: دخلت على أبي بكر رضي الله تعالى عنه في مرضه الذي توفي فيه، فسلمت عليه فقال: رأيت الدنيا قد أقبلت ولما تقبل، وهي جائية وستتخذون ستور الحرير، ونضائد الديباج، وتألمون ضجائع الصوف الأزري كأن أحدكم على حسك السعدان، وو الله لئن يقدم أحدكم فيضرب عنقه - فى غير حد - خير له من أن يسبح في غمرة الدنيا.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان يقول في خطبته: أين الوضاء، الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان، أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر فأصبحوا في ظلمات القبور، الوحا
стр. 33
الوحا، النجاء النجاء.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا محمد بن أبي سهل ثنا عبد الله بن أبي شيبة ثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الله القرشي عن عبد الله بن عكيم. قال: خطبنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله تعالى أثنى على زكريا وعلى أهل بيته فقال: ﴿(إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا، وكانوا لنا خاشعين)﴾ ثم اعلموا عباد الله! أن الله تعالى قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني، بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، فصدقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستبصروا فيه ليوم الظلمة، فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون، ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم، فيردكم إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسوا أنفسهم، فأنها كم أن تكونوا أمثالهم، الوحا الوحا، النجا النجا، إن وراءكم طالب حثيث، أمره سريع.
• حدثنا سليمان ابن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ثنا أزهر بن عمير - وكان بالثغر - قال حدثني أبو الهذيل عن عمرو بن دينار. قال: خطب أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: أوصيكم بالله لفقركم وفاقتكم أن تتقوه وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تستغفروه إنه كان غفارا. فذكر نحو حديث عبد الله ابن عكيم، وزاد: واعلموا أنكم ما أخلصتم لله فربكم أطعتم، وحقكم حفظتم، فأعطوا ضرائبكم في أيام سلفكم، واجعلوها نوافل بين أيديكم، تستوفوا سلفكم (١) حين فقركم وحاجتكم، ثم تفكروا عباد الله فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس، وأين هم اليوم؟ أين الملوك الذين كانوا أثاروا الأرض
стр. 34
وعمروها؟ قد نسوا ونسي ذكرهم، فهم اليوم كلا شيء ﴿(فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)﴾ وهم في ظلمات القبور ﴿(هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا)﴾
وأين من تعرفون من أصحابكم وإخوانكم؟ قد وردوا على ما قدموا، فحلوا الشقوة والسعادة، إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرا، ولا يصرف عنه سوءا، إلا بطاعته واتباع أمره، وإنه لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال ثنا أبو المغيرة ثنا حريز بن عثمان عن نعيم بن نمحة (١). قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون في أجل معلوم.
فذكر نحو حديث عبد الله بن عكيم - وزاد: ولا خير في قول لا يراد به وجه الله تعالى، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله ، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى ثنا فطر بن خليفة عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن سابط. قال: لما حضر أبا بكر الموت دعا عمر رضي الله تعالى عنهما فقال له: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم قلت إني لأخاف أن لا ألحق بهم، وأن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء، ليكون العبد راغبا راهبا لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمته
стр. 35
، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت - وهو آتيك - وإن أنت ضيعت وصيتى فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت - ولست بمعجزه -.
حدثنا أبي ثنا عبد الرحمن بن الحسن ثنا جعفر بن محمد الواسطى قال خالد بن مخلد حدثني سليمان بن بلال قال حدثني علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت سمعت عائشة تقول: لبست ثيابي فطفقت أنظر إلى ذيلي وأنا أمشي في البيت، وألتفت إلى ثيابي وذيلي، فدخل علي أبو بكر فقال يا عائشة أما تعلمين أن الله لا ينظر إليك الآن.
• حدثنا أحمد بن السندي ثنا الحسن بن علويه ثنا إسماعيل بن عيسى ثنا إسحاق بن بشر ثنا ابن سمعان عن محمد بن زيد عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لبست مرة درعا لي جديدا، فجعلت أنظر إليه وأعجبت به. فقال أبو بكر: ما تنظرين؟ إن الله ليس بناظر إليك!! قلت ومم ذاك؟ قال: أما علمت أن العبد إذا دخله العجب بزينة الدنيا مقته ربه حتى يفارق تلك الزينة؟ قالت فنزعته فتصدقت به. فقال أبو بكر: عسى ذلك أن يكفر عنك.
• حدثنا أبو بكر بن مالك ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي ثنا أبو المغيرة ثنا عتبة حدثنى أبو ضمرة - تعنى حبيب بن ضمرة - (١). قال: حضرت الوفاة ابنا لأبى بكر الصديق، فجعل الفتى يلحظ إلى وسادة، فلما توفي قالوا لأبي بكر رأينا ابنك يلحظ إلى الوسادة، قال فرفعوه عن الوسادة فوجدوا تحتها خمسة دنانير - أو ستة - فضرب أبو بكر بيده على الأخرى يرجع يقول ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، ما أحسب جلدك يتسع لها.
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن عمر ثنا محمد بن هشام ثنا أبو إبراهيم الترجماني ثنا عاصم بن طليق عن ابن سمعان عن أبي بكر بن محمد الأنصاري: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قيل له: يا خليفة رسول الله ﷺ ألا تستعمل أهل بدر؟ قال إني أرى مكانهم، ولكني أكره أن أدنسهم بالدنيا.
стр. 36
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا عمي أبو بكر وسعيد بن عمر. قالا: ثنا سفيان عن إسماعيل عن قيس. قال: اشترى أبو بكر بلالا وهو مدفون بالحجارة بخمس أواق ذهبا، فقالوا لو أبيت إلا أوقية لبعناكه، قال لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته.
عمر بن الخطاب
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وثاني القوم عمر الفاروق، ذو المقام الثابت المأنوق، أعلن الله تعالى به دعوة الصادق المصدوق، وفرق به بين الفصل والهزل، وأيد بما قواه به من لوامع الطول، ومهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد، وبدد به مواد التنديد (١) فظهرت الدعوة، ورسخت الكلمة، فجمع الله تعالى بما منحه من الصولة، ما نشأت لهم من الدولة، فعلت بالتوحيد أصواتهم بعد تخافت، وتثبتوا في أحوالهم بعد تهافت، غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين، لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم، ولا يكترث لمانعتهم وتعاطيهم، اتكالا على من هو منشئهم وكافيهم، واستنصارا بمن هو قاصمهم وشافيهم، محتملا لما احتمل الرسول، ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول، ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه، ومعانقا لما كلف من التشمر والتوجيه، المخصوص من بين الصحابة بالمعارضة للمبطلين، والموافقة في الأحكام لرب العالمين، السكينة تنطق على لسانه، والحق يجري الحكمة عن بيانه كان للحق مائلا، وبالحق صائلا، وللأثقال حاملا، ولم يخف دون الله طائلا.
وقد قيل: إن التصوف ركوب الصعب، في جلال الكرب
• حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا زهير عن أبي إسحاق عن البراء. قال: لما كان يوم أحد جاء أبو سفيان بن حرب فقال أفيكم محمد؟ فقال رسول الله ﷺ لا تجيبوه، ثم قال أفيكم
стр. 37
محمد؟ فلم يجيبوه، ثم قال الثالثة أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه، ثم قال أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه، قالها ثلاثا. ثم قال أفيكم عمر بن الخطاب؟ قالها ثلاثا فلم يجيبوه. فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، ها هو ذا رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وأنا أحياء ولك منا يوم سوء. فقال: يوم بيوم بدر والحرب سجال. وقال: اعل هبل فقال رسول الله ﷺ أجيبوه، قالوا يا رسول الله وما نقول؟ قال قولوا «الله أعلا وأجل» قال لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ أجيبوه، قالوا يا رسول الله وما نقول؟ قال قولوا «الله مولانا ولا مولى لكم».
• حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب ثنا أبو معشر الدارمي ثنا عبد الواحد بن غياث ثنا حماد بن سلمة البناني عن عكرمة: أن أبا سفيان بن حرب لما قال اعل هبل، قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: «قل الله أعلا وأجل» فقال أبو سفيان لنا عزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «قل الله مولانا والكافرون ﴿لا مولى لهم﴾».
• حدثنا فارق الخطابي ثنا زياد الخليلي ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا محمد بن فليح ثنا هارون ثنا موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري. قال:
لما كان يوم أحد قال أبو سفيان اعل هبل، يفخر بآلهته. فقال عمر: اسمع يا رسول الله ما يقول عدو الله!! فقال رسول الله ﷺ «ناده الله أعلا وأجل.
قال الشيخ ﵀: أمره الرسول ﷺ بالمجاوبة من بين أصحابه لما اختص به من الصولة والمهابة، وما عهد منه في ملازمته للتفريد، ومحاماته على معارضة التوحيد، وأنه لا ينهنهه عن مصاولتهم العدة والعديد.
قال الشيخ ﵀: كان رضي الله تعالى عنه للدين معلنا، ولأعمال البر مبطنا. وقد قيل: إن التصوف الوصول بما علن إلى ظهور ما بطن
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا عمي أبو بكر بن أبي شيبة ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير عن جابر. قال
стр. 38
قال عمر بن الخطاب: كان أول إسلامي أن ضرب أختى المخاض، فأخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة في ليلة قارة، فجاء النبي ﷺ فدخل الحجر وعليه نعلاه، فصلى ما شاء الله ثم انصرف، قال فسمعت شيئا لم أسمع مثله. قال فخرجت فاتبعته، فقال من هذا؟ قلت عمر، قال: «يا عمر ما تتركني ليلا ولا نهارا؟» فخشيت أن يدعو علي فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. قال فقال: «يا عمر استره». قال فقلت: والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا عبد الحميد بن صالح ثنا محمد بن أبان عن إسحاق بن عبد الله بن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس قال: سألت عمر رضي الله تعالى عنه لأي شيء سميت الفاروق. قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام، ثم شرح الله صدري للإسلام، فقلت: الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، فما في الأرض نسمة أحب إلي من نسمة رسول الله ﷺ ، قلت أين رسول الله ﷺ ؟ قالت أختي: هو في دار الأرقم بن الأرقم عند الصفا، فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار، ورسول الله ﷺ في البيت فضربت الباب فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة مالكم؟ قالوا عمر، قال فخرج رسول الله ﷺ فأخذ بمجامع ثيابه ثم نثره نثرة فما تمالك أن وقع على ركبته، فقال: «ما أنت بمنته يا عمر؟» قال فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد. قال فقلت يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال «بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم» قال فقلت ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن، فأخرجناه في صفين حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، قال فنظرت إلي قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله ﷺ يومئذ الفاروق. وفرق الله به بين الحق والباطل.
• حدثنا أبو بكر الطلحي ثنا أبو حصين القاضي الوادعي ثنا يحيى بن
стр. 39
عبد الحميد ثنا حصين بن عمرو ثنا مخارق عن طارق عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني وما أسلم مع النبي ﷺ إلا تسعة وثلاثون رجلا، وكنت رابع أربعين رجلا، فأظهر الله دينه، ونصر نبيه، وأعز الإسلام. قال يحيى وحدثني أبي عن عمه عبد الرحمن بن صفوان عن طارق عن عمر رضي الله تعالى عنه مثله.
• حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا علي بن ميمون العطار والحسن البزاز. قالا: ثنا اسحاق ابن إبراهيم الحنيني ثنا أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده. قال قال لنا عمر رضي الله تعالى عنه: أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي؟ قلنا نعم، قال كنت من أشد الناس عداوة إلى رسول الله ﷺ ، قال فأتيت النبي ﷺ في دار عند الصفا فجلست بين يديه، فأخذ بمجمع قميصي ثم قال: «أسلم يا ابن الخطاب، اللهم اهده» قال فقلت أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. قال فكبر المسلمون تكبيرة سمعت في طرق مكة، قال وقد كانوا مستخفين، وكان الرجل إذا أسلم تعلق الرجال به فيضربونه ويضربهم، فجئت إلى خالي فأعلمته، فدخل البيت وأجاف الباب. قال وذهبت إلى رجل من كبار قريش فأعلمته، ودخل البيت. فقلت في نفسي ما هذا بشيء، الناس يضربون وأنا لا يضربني أحد؟! فقال رجل: أتحب أن يعلم بإسلامك قلت نعم، قال إذا جلس الناس في الحجر فائت فلانا وقل له صبوت فإنه قل ما يكتم سرا، فجئته فقلت تعلم أنى قد صبوت، فنادى بأعلى صوته إن ابن الخطاب قد صبأ، فما زالوا يضربونى وأضربهم فقال خالي: يا قوم إني قد أجرت ابن أختي فلا يمسه أحد، فانكشفوا عني، فكنت لا أشاء أن أرى أحدا من المسلمين يضرب إلا رأيته، فقلت الناس يضربون ولا أضرب فلما جلس الناس في الحجر أتيت خالي، قال قلت تسمع؟ قال ما أسمع؟ قلت جوارك رد عليك، قال لا تفعل، قال فأبيت، قال فما شئت، قال فما زلت أضرب وأضرب حتى أظهر الله تعالى الإسلام.
قال الشيخ ﵀: كان رضي الله تعالى عنه مخصصا بالسكينة في
стр. 40
الإنطاق، ومحرزا من القطيعة والفراق، ومشهرا في الأحكام بالإصابة والوفاق وقد قيل: إن التصوف الموافقة للحق، والمفارقة للخلق.
• حدثنا محمد بن أحمد ابن مخلد ثنا محمد بن يونس الكديمي ثنا عثمان بن عمر ثنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، قال قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: كنا نتحدث أن ملكا ينطق على لسان عمر رضي الله تعالى عنه.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا الحسن بن علي بن الوليد ثنا عبد الرحمن بن نافع ثنا مروان ابن معاوية عن يحيى بن أيوب البجلي عن الشعبى عن أبى جحيفة، قال قال علي كرم الله وجهه: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله تعالى عنه.
• حدثنا سعد بن محمد بن إسحاق ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا طاهر ابن أبى أحمد ثنا أبى أحمد ثنا أبى ثنا أبو إسرائيل عن الوليد بن العيزار عن عمرو بن ميمون عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. قال: ما كنا ننكر - ونحن أصحاب رسول الله ﷺ متوافرون - أن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله تعالى عنه.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا عمرو بن أبي الطاهر ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا عبد الله بن عمر عن جهم بن أبي الجهم عن مسور بن مخرمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه».
• حدثنا محمد بن علي بن مسلم ثنا محمد بن يحيى بن المنذر ثنا سعيد بن عامر ثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: وافقت ربي في ثلاث؛ فى مقام إبراهيم، وفى الحجاب، وفي أسارى بدر. رواه حميد، وعلي بن زيد والزهري عن أنس مثله.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، قال حدثني أبي ثنا أبو نوح قراد ثنا عكرمة بن عمار ثنا سماك أبو زميل قال حدثني ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: لما كان يوم بدر فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون، استشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليا رضوان الله عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : «ما ترى يا ابن الخطاب؟»