← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 104

المدخل إلى صحيح البخاري

محمد أبو الهدى اليعقوبي

Полный текст (291 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَرَّاقُ البخاري: الوراق: هو الناسخ الذي يكتب للعالم ويعتني بكتبه، ويحفظها، وينسخ كتبه، للناس. وكان للبخاري وراق لازمه وخدمه في أخريا عمره اسمه أبو جعفرٍ محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق. كان أبو حاتم شابًّا، لازم البخاري مدة طويلة في الحضر والسفر، وكان يخدمه، وروى عنه الحديث، وألف كتابًا في سيرته سماه: شمائل البخاري، وهو جزء ضخم رواه الذهبي بإسناده ونقل منه. وكان البخاري رحمه الله تعالى يبالغ في إكرامه، ويرفُق به. روى أن البخاري كان يقوم في الليل يصلي ويكت الحديث ولا يوقظه، فسأله، فقال البخاري له: "أنت شابٌّ، فلا أحب أن أفسد عليك نومك". مُسْتَمْلي البخاري: المستملي: هو الذي يطلب من المحدث الإملاء ويستزيده، ويُملي على الناس حديثه، ويُبلِّغ الناسَ صوته. ويبدو أنه كان للإمام البخاري جماعة يستملون منه الحديث في كل بلد يحدث فيه إذا كثر الجمع. وكان مستملي الإمام البخاري في بغداد في بعض رحلاته الإمام الحافظ الحجة أبو علي صالح بن محمد الأسدي البغدادي الملقبُ جَزَرَة (٢٠٥ - ٢٩٣)، استملى منه الحديث في جمع بلغ عشرين ألفًا. وهو أحد كبار المحدثين، استوطن بخارى بعد وفاة الإمام البخاري سنة ٢٦٦. وقال محمد بن يوسف بن عاصم: رأيت لمحمد بن إسماعيل ثلاثة مستملين ببغداد. وأحد هؤلاء المستملين أبو معشر الضرير واسمه حمدويه بن الخطاب بن إبراهيم البخاري وهو حافظ ثقة من أهل بخارى. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: بقي إلى حدود الثمانين، أي ومائتين.

стр. 37

مذهب البخاري في الفقه: تفقه الإمام البخاري في نشأته على مذهب أبي حنيفة، وهو مذهب أهل بلده بخارى.، ومذهب أصحاب أبيه وبعض رفقائه. وقد تجاذبه أهل كل مذهب لإثبات أنه كان على مذهبهم، ولكن الصواب أنه بلغ رتبة الاجتهاد، وكان مجتهدًا مطلقًا في الفقه، فقد ملك أدواته، فصار يستنبط الأحكام بنفسه من الكتاب والسنة، وله اختيارات خاصة في الفقه. ولا شك أنه فقيه كبير، ويظهر جانب من فقهه في ترجمات أبواب الصحيح. مذهب البخاري في الاعتقاد: كان الإمام البخاري في الاعتقاد على مذهب المحدثين الذين اتبعوا خيار السلف الصالحين، يُثبت ما أثبته الله تعالى لذاته من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تصرف في اللفظ بالاشتقاق، ولا توسع في الاستعمال. وكان يفوض علم المتشابه لله تعالى، ولا يرى حرجًا في تأويل ما يجب تأويله، كما يُعلم مِن تتبُّع ما خرَّجه في كتابه. وفي الصحيح من الكتب المتعلقة بالاعتقاد كتاب الإيمان في أوله، وكتاب التوحيد في آخره.، وقد ذكر في كتاب التفسير وغيره كثيرًا مما يتعلق بالاعتقاد. ومن الشواهد على ذهابه إلى التأويل قوله في أول تفسير سورة القصص: " ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص: ٨٨] إلا مُلْكَهُ، ويقال: إلا ما أُريدَ به وجه الله" (٦/ ١١٢). وتعرض البخاري إلى محنة شديدة، بسبب خلافه مع شيخ خراسان الإمام محمد بن

стр. 38

يحيى الذُّهلي في مسألة (لفظي بالقرآن مخلوق)، فإن الذهلي كان متشدِّدًا يرمي بالبدعة كل من يقول بذلك. ومع أن الإمام البخاري صرح مرارًا بأنه لم يقل ذلك، إلا أن خصومه اتهموه بالقول باللفظ، وحشدوا العامة ضده، وحذروا الناس منه، حتى خرج من نيسابور وحيدًا. وبقي البخاري صامدًا يحاول أن يوقف هذا المدَّ الذي سلك مسلكًا خطأً، وأبى أن يتراجع لأجل تسكين العامة وإرضاء خصومه، وفضل أن يرحل من بلد إلى بلد، إلى أن ضاقت به الأرض، ولم ينحرف عن الحق قِيد شعرة. وكان جوابه أن أفعالنا مخلوقة وأن ألفاظنا من أفعالنا، وهو مذهب أهل السنة الذي تمسك به بعد ذلك الإمام أبو الحسن الأشعري ومن تبعه من أهل السنة. وكان البخاريُّ يرى أن أفعال العباد مخلوقة، وتصدى في هذه المسألة للمعتزلة، فألف كتابًا في الرد عليهم. وكان يرى أن الإيمان قولٌ وعمل، وأنه يزيد وينقص. صفة البخاري: وردت صفة البخاري عن الحسن بن الحسين البزاز قال: " رأيت محمد بن إسماعيل بن إبراهيم شيخًا، نحيف الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير ".وربما سبب نحوله ما روي أنه كان قليل الأكل جدًّا، فقد مكث أربعين عامًا يأكل الخبز وحده لا يأكل معه الإدام. فلما مرض ذكر الأطباء أن دواءه الإدام، فامتنع حتى ألح عليه العلماء والطلبة، فقبل أن يأكل مع الخبز سُكَّرًا. وكان يحب القثاء ويؤثره على البطيخ أحيانًا. أخلاق البخاري: كان الإمام البخاري واسع الكرم، كثير الإنفاق على الطلبة، شديد الورع في المال والكسب، يصون لسانه عن الغيبة، لا يتكلف التواضع، بل هو فيه سجية. ولم يكن يغضب لذم ولا يفرح بمدح، فقد كان يحلف أن المادح له والذام من الناس هما عنده

стр. 39

سواء. ومع تواضعه الشديد فقد كان مترفعًا بالعلم، متعززًا به، يعرف قدر العلم الذي شرفه الله تعالى به، يعز العلم، ويبذله لأهله، ويصونه عن غير أهله. ولم يكن البخاري يتكسَّب بالحديث، أو يتقاضى أجرًا عليه من الناس، ولا يقبل عليه عطاءً، بل كان يحسن إلى طلبة الحديث، ويتعاهدهم بالنفقة، ويوصيهم بكتمان ذلك. ولم يؤلف كتبه للملوك، ولم يحدِّث بين أيديهم. ومن أمثلة تواضعه أنه كان مرةً يبني رباطًا خارج بخارى، فكان ينقل اللَّبِنَ بنفسه، رغم أنه اجتمع كثيرٌ من الناس لإعانته على ذلك. فقال له ورَّاقه: يا أبا عبد الله إنك تُكفى ذلك، فقال: هذا الذي ينفعني. وكانت للبخاري جاريةٌ فأرادت مرةً الدخول عليه، فعثرت بمِحبرة بَين يديه، فقال لها.: كيف تمشين.؟ فقالت: إِذا لم يكن طريقٌ كيف أمشي؟ فبسط يديه وقال: اذهبي فقد أعتقتُكِ. فقيل له: أغضبتك وأعتقتها! فقال: أرْضيتُ نفسي بما فعلت. وكأن البخاري أراد أن يعمل هنا بقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٤]، ولكنه ستر أمره بقوله: "أرضيتُ نفسي بما فعلت". وتميَّز البخاري من بين كثير من الفضائل بثلاث خصال: ١. كان قليل الكلام. ٢. كان لا يطمع فيما عند الناس. ٣. كان لا يشتغل بأمور الناس، بل كان كل شغله في العلم. وكان شديد الثبات على الحق، لا يعدل عنه مهما لقي في سبيل ذلك من الصعاب

стр. 40

والشدائد. ومن أمثلة ذلك موقفه من قضية خلق أفعال العباد وأن ألفاظنا من جملة أفعالنا. فقد روي أنه لما دخل البخاريُّ مدينة مروَ استقبله عالمُ مروَ الإمام الحافظ أحمد بن سيار المروزي (-٢٦٨) فيمن استقبله، فقال له: يا أبا عبد الله، نحن لا نخالفك فيما تقول، ولكن العامة لا تحمِل ذا منك. فقال البخاري: إني أخشى النار: أُسألُ عن شيءٍ أعلمه حقًّا أن أقول غيره. وكان البخاري شديد الزهد مقبلًا على الآخرة معرضًا عن زخارف الدنيا. دعاه أحد أصحابه إلى بستانٍ جميل قد أجرى الماءَ في أنهاره، وكان صاحب البستان مُعجَبًا به.، فسأل الإمامَ البخاريَّ: كيف ترى؟ فأجابه: هذه الحياة الدنيا. وكان البخاري متعبدًا، يختم القرآن في رمضان في كل يوم ختمة. ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. وكان يجتمع إليه أصحابه في رمضان فيصلي بهم إمامًا.، ويقرأ في كل ركعة قدر عشرين آية، يلازم ذلك إلى أن يختم. وكان يحرص على تحرير نيته في كل عملٍ، يقول وراقه: رأيته استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث، فقلت له: يا أبا عبد الله! سمعتك تقول يومًا: إني ما أتيت شيئًا بغير علمٍ قطُّ منذ عقلت، فأي علم في هذا الاستلقاء؟ فقال: أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم، وهذا ثغرٌ من الثغور، خشيت أن يَحدثَ حدثٌ من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ أُهبةَ ذلك، فإن غافصنا العدوُّ كان بنا حَراك. قوله: غافصنا.: أي أخذنا على حين غِرَّةٍ.

стр. 41

محنة البخاري في نيسابور: تعرض الإمام البخاري لحسد بعض أقرانه، بسبب ما وصل إليه من العلم والشهرة، فبدأوا يبحثون عن موضع نقد في كلامه ومصنفاته يتعلقون به فما وجدوا إلى ذلك سبيلًا. وكانت فتنة خلق القرآن التي انتهت بانتصار أهل السنة، غير أن من آثارها انقسام أهل السنة إلى فريقين في مسألة التصريح بأن اللفظ مخلوق، أي اللفظ الذي ينطق به الإنسان عند تلاوته للقرآن الكريم. فريق يرى أن اللفظ مخلوق بلا شك، لأنه من الأعمال، وأعمال العبد حادثة مخلوقة، وهو الحق. وفريق يمتنع من الخوض في هذه المسألة، ويعتبر التصريح بالقول بأن اللفظ بالقرآن مخلوق بدعةً. وكان الإمام البخاري يمتنع عن التصريح بأن اللفظ مخلوق، ولكنه مع الفريق الأول يعتقد بأن الأفعال مخلوقة، وألفاظ الإنسان من جملة أفعاله. وكان شيخه محمد بن يحيى الذُّهْليُّ مع الفريق الثاني من أتباع الإمام أحمد بن حنبلٍ، يرى أن كل من يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق" مبتدع .. وربما لم تكن هذه القضية في حقيقة الأمر إلا غطاءً.، والدافع الأول للنقد هو الحسد بسبب الشهرة التي وصل إليها البخاري. كان محمد بن يحيى الذُّهْليُّ (-٢٥٨) إمام أهل الحديث بخراسان، وأعلم الناس بحديث الزهري، وكان مهابًا مطاعًا، عظيم الجاه، وهو شيخ نيسابور، وأحد شيوخ البخاري. ولكن قدوم البخاري إلى نيسابور كان حدثًا عظيمًا زلزل البلد، فقد تلقاه الآلاف من الناس خارج البلدة عندما سمعوا بمقدمه، وتهافت عليه الطلبة. يقول تلميذه الإمام مسلم بن الحجاج: "لمَّا قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليًا ولا عالمًا فَعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثةً. فقال محمد بن يحيى في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدًا

стр. 42

فليستقبله .. فاستقبله محمد بن يحيى وعامة العلماء، فنزل دار البخاريين". وكان موقف الذهلي في أول الأمر حسنًا، إذ حث الناس على الذهاب إلى البخاري والسماع منه، وقال: "اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه". ونهى تلاميذه أن يسألوا البخاري عن شيء من مسائل علم الكلام، وقال: "لا تسألوه عن شيء من الكلام، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه وقع بيننا وبينه، ثم شمت بنا كل ناصبيٍّ وكل رافضيٍّ وكل جهميٍّ وكل مُرجئٍ بخراسان". فأقبل الناس على البخاري حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، قالوا: فحسده بعد ذلك وتكلم فيه". وازدحم الناس على باب البخاري وامتلأت الدور والسطوح، وفي اليوم الثالث سأله رجل عن اللفظ بالقرآن: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن، أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري، وأعاد السائل السؤال ثلاث مرات، فأجابه البخاري بقوله: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة .. وفي رواية أنه أجاب بقوله: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا. وكلا الجوابين يدل على تمكن البخاري في العلم وتمسكه بمذهب أهل السنة وتمكنه في العلم، لكن الناس في المجلس اختلفوا، فادعى بعضهم أنه قال: "لفظي بالقرآن مخلوق" وأنكر بعضهم، وقام بعضهم إلى بعض، فأخرجهم أصحاب الدار. وشاع في نيسابور أن البخاري يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق" .. فقال الذهلي: "القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجلس إلينا، ولا نكلم بعد هذا من يذهب إلى محمد بن إسماعيل". واتهم الذهلي البخاري صراحةً

стр. 43

بالقول باللفظية، فقال: "قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية، واللفظية عندي شرٌّ من الجهمية". وقال: "من ذهب إلى محمد بن إسماعيل فاتهِموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه" فانقطع الناس عن مجلس البخاري إلا اثنين: هما الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ورفيقه أبو الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري (-٢٨٦). وبلغ الذهلي أن مسلمًا يحضر عند البخاري فقال مرةً في مجلسه: "ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا"، فقام مسلمٌ من المجلس على رؤوس الأشهاد ووضع رداءه فوق عمامته وغادره، وبعث إلى الذهليِّ ما كان كتبه عنه من الحديث، وكانت أحمالًا من الكتب .. ودخل الإمامُ المقرئ محمد بن شادِلٍ النيسابوريُّ (-٣١١) على البخاري وقال له: - يا أبا عبد الله، أَيْشِ الحيلةُ لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى؟ كلُّ من يختلفُ إليكَ [أي يحضر مجلسك] يُطرَد؟ . فقال البخاري: - كم يعتري محمدَ بن يحيى الحسدُ في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء" فقال له ابن شادلٍ: - هذه المسألة التي تُحكى عنك؟ فقال له البخاري: - يا بنيَّ، هذه المسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبلٍ وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها. وقد أكد البخاري في مناسبات متعددة على أنه لم ينطق بالجملة التي نسبت إليه وهي "لفظي بالقرآن مخلوق"، روى محمد بن نصر المروزي عنه أنه قال: - من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو كذابٌ، فإني لم أقله. فقلت له:

стр. 44

- يا أبا عبد الله، قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: - ليس إلا ما أقول. وقال أبو عمرو أحمد بن نصر الخفَّاف (-٢٩٩) للبخاري: - يا أبا عبد الله، هاهنا أحدٌ يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: - يا أبا عمرٍو، احفظ ما أقول لك. من زعم من أهل نيسابور وقومسَ والرَّيِّ وهمَذانَ وحُلوانَ وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: "لفظي بالقرآن مخلوقٌ" فهو كذابٌ. فإني لم أقله، إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقةٌ. وقال له أحمد بن سلمة النيسابوري (-٢٨٦): يا أبا عبد الله، هذا رجل مقبول بخراسان، خصوصًا في هذه المدينة، وقد لجَّ في هذا الحديث، حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة غافر: ٤٤]. اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابورَ أشرًا ولا بَطَرًا ولا طلبًا للرئاسة، وإنما أَبَتْ عليَّ نفسي في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين .. وقد قصدني هذا الرجل حسدًا لما آتاني الله لا غير. ثم قال له: يا أحمد، إني خارجٌ غدًا لتخلصوا من حديثه لأجلي. قال أحمد بن سلمة: فأخبرت جماعةً من أصحابنا، فوالله ما شيَّعه غيري. كنت معه حين خرج من البلد، وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره. وقال الذهلي بعد تلك الفتنة: "لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد". فخشي البخاري على نفسه وخرج من نيسابور، ورحل إلى مروَ وغيرها من مدن خراسان يحدث بها.

стр. 45

ومن إنصاف البخاري وعدله وخلقه الرضيِّ أنه لم يحذف الأحاديث التي رواها عن شيخه الذهلي في الجامع الصحيح، بل أبقاها وأبقى اسمه فيه. وثمة أخبار تفيد بأن البخاري تعرض في شبابه لبعض المضايقات من والي نيسابور، فقام اثنان من مشايخ البخاري بالتوسط له عند الوالي واسمه يعقوب بن عبد الله، وذهب لأجل ذلك الإمام إسحاق بن راهَوَيهِ (١٦١ - ٢٣٨) والحافظ عمرو بن زُرارة (-٢٣٨) فكَلَّما الوالي وعرَّفاه بمنزلة البخاري، فاعتذر إليهم عما جرى قائلًا: مذهبنا إذا رُفع إلينا غريبٌ لم نعرفه حبسناه حتى يَظهر لنا أمرُه". آثار المحنة: من آثار هذا الخلاف بين الإمام البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي، أن الذهليَّ كان يحذِّر منه تلاميذه وأصحابه، ومن هؤلاء أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (١٩٥ - ٢٧٧)، وأبو زُرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (-٢٦٤)، فقد كتب الذهلي إليهما يحذرهما من البخاري أنه يقول بمسألة اللفظ، فتركا حديثه من غير تثبت. ذكر ذلك عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (-٢٤٠ - ٣٢٧) في كتابه الجرح والتعديل فقال: "سمع منه أبي وأبو زرعة، ثم تركا حديثَه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري أنه أظهر عندهم أن لَفْظَه بالقرآن مخلوقٌ". وكلاهما كان من تلاميذ الذهلي، وكانا متعصبَين له. ومن الأدلة على تعصب أبي زرعة الرازي للذهلي ما رواه الحافظ أبو قريش محمد بن جمعة القُهُستانيُّ (-٣١٣) قال: "كنا عند أبي زُرعة الرازي، فجاء مسلم بن الحجاج، فسلم عليه، وجلس ساعة، وتذاكرا. فلما ذهب قلت لأبي زرعة: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح! فقال.: ولم ترك الباقي؟ ليس لهذا عقل، لو دارى محمدَ بن يحيى لصار رجلا". أقول:

стр. 46

ولكن الإمام مسلمًا صار رجلًا لا كالرجال بملازمته للإمام البخاري، ولم يحتج إلى مداراة الذهلي، بل إن الذي خرَّج مسلمًا في صناعة الحديث هو البخاري. وقال البخاري متحدثًا عن آثار هذه الفتنة، كاشفًا عن بشارات النصر التي كانت تأيته من الله تعالى: "لم يكن يتعرض لنا قط أحد من أفناء الناس إلا رُمي بقارعة ولم يَسلَمْ.، وكلَّما حدَّث الجهال أنفسهم أن يمكُروا بنا رأيت من ليلتي في المنام نارًا توقَد ثم تُطفأ من غير أن يُنتفَع بها، فأتأول قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤] ". محنة البخاري في بلده: لما رجع البخاريُّ إلى بلده بخارى نُصبت له القباب على مسافة فرسخ من البلد، وخرج الناس لاستقباله، ونُثرت عليه الدراهم والدنانير. واستقر بها مدةً إلى أن حدثت بينه وبين واليها وحشةٌ، اضطرته إلى الخروج منها. وسبب ذلك أن أمير البلد خالد بن محمد الذهلي أرسل إليه رسولًا يسأله أن يأتي بالصحيح ويحدث به في قصره. فامتنع البخاري، وقال: أنا لا أُذل العلم. وفي رواية أن سبب امتناعه هو أنه لم يرد منع العلم عن العامة، وقال: لا يسعني أن أخص بالعلم قومًا دون قوم، ومراده أن يحضر الأمير وأبناؤه المسجد ويسمعوا مع الناس. وفي قول آخر أن سبب إخراج الأمير له هو كتاب ورده من محمد بن يحيى الذهلي يحذره فيه من البخاري واعتقاده في مسألة اللفظ، وأن الكتاب قُرئ على العامة. فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج البخاري. ولكن البخاري دعا على الأمير،

стр. 47

ولم يمض شهر حتى عُزل الأمير وسُجن وطيف به في البلد على أتانٍ، ونكَّل الله تعالى بكل من سعى في إخراج البخاري. ثروة البخاري: كان والد الإمام البخاري ذا نعمة حسنة، فورث الإمام البخاري منه ثروة عظيمة، أموالًا وأراضي، فكانت له أرض يُكريها كل سنة بسبعمائة درهم. وله غَلة من أراض أخرى يأتيه من ريعها كل شهر خمسمائة درهم، ولكنه كان ينفقها في طلب العلم والرحلة. وكانت للبخاري أموال يدفعها إلى شركاء له يتجرون بها له مضاربةً، ولم يكن يباشر التجارة بنفسه، وذلك لورعه. ولم يكن يشتري حوائجه، وصرح أنه ما اشترى بنفسه ولا باع شيئًا ولو بدرهم واحد، حتى الكاغد والحبر. روي عنه أنه قال: ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه، كنت آمر إنسانًا فيشتري لي. قيل له: ولم؟ قال: لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط. تأخرت نفقة الإمام البخاري مرة وهو في بعض أسفاره، فصار يأكل من حشيش الأرض.، حتى جاءه أحد الأثرياء وأهداه صرةً دنانير. وقطع له أحد الغرماء مرةً خمسة وعشرين ألف درهم، فنصحه بعض أصحابه بالاستعانة بالوالي، فأبى خشية أن يطمع الوالي في دينه وقال: لن أبيع ديني بدنياي، وصالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله. مقتنيات البخاري: كان عند البخاري شيءٌ من شعر رسول الله ﷺ ، يحمله معه في السفر، ويجعله في قلنسوته يتبرك به .. وهذا يدل على أشياء: منها أنه يرى جواز التبرك بالآثار النبوية الشريفة، وعلى هذا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم. ومنها أنه كان عظيم

стр. 48

المحبة للنبي ﵊ شديد التعلق به، فلم يكن التأليف في الحديث نتاج حب للبحث وشغف بالعلم فحسب، بل كان نتاج محبة صادقة للنبي ﷺ ، ورغبة في خدمة هذا الدين من خلال حفظ السنة وتمييز الصحيح منها. وكانت للبخاري كتبٌ، منها ما ورثه من أبيه، ومنها ما كتبه من سماعاته، ومنها ما ألَّفه خلال مراحل حياته. وقد ورد في خبر نادرٍ أن الإمام البخاريَّ أوصى بكتبه إلى أبي عمرٍو المستنير بن عَتيقٍ البكري البخاري، وكان يعُدُّه من الأبدال، إن كان أحدٌ منهم بما وراء النهر. وهي رواية نادرة نقلها الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الله ابن ناصر الدين القيسي الدمشقي (-٨٤٢) في ;كتابه توضيح المشتبه، عن كتاب تاريخ بخارى للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمدالبخاريِّ الملقبِ بغُنْجارٍ (-٤١٢). البخاريُّ والرماية: كان الإمام البخاري يحب الرماية وكثيرًا ما كان يخرج لممارسة الرمي، وكان راميًا ماهرًا .. قال وراقه: ما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمُه الهدفَ إلا مرتين.، بل كان يصيب في كل ذلك ولا يُسبَق. ومن قصصه في الرمي التي رواها وراقه، وكان معه: أنه كان يمارس الرمي خارج مدينة فربر، فأصاب سهمه وتِدَ القنطرة التي على نهر وَرَّادةَ، فانشق الوتد، فلما رآه البخاري نزل عن دابته، فأخرج السهم من الوتد وترك الرمي، وقال لأصحابه: ارجعوا. فرجعوا إلى المنزل. ثم قال لوراقه: يا أبا جعفر لي إليك حاجة، تقضيها؟ ، فقال له: أمرك مطاع، فقال وهو يتنفس الصعداء: حاجة مهمة! ثم قال لمن معه: اذهبوا مع أبي جعفر حتى تُعينوه على ما سألته، فقال: أي حاجة هي؟ قال: تضمن لي قضاءها؟ قلت.: نعم، على الرأس والعين. قال: ينبغي أن تصير إلى صاحب القنطرة فتقول: إنا

стр. 49

قد أخللنا بالوتِد، فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله، أو تأخذَ ثمنه وتجعلنا في حل مما كان منا. يقول وراقه: وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر الفربري فقال لي: أبلغ أبا عبد الله السلام وقل له: أنت في حِلٍّ مما كان منك، فإنَّ جميع ملكي لك الفداء ... قال: فأبلغته الرسالة فتهلل وجهه، وأظهر سرورًا كثيرًا، وقرأ ذلك اليوم للغرباء خمسمائة حديث، وتصدق بثلاثمائة درهم. مؤلفات البخاري: بدأ الإمام البخاري التأليف وهو ابن ثماني عشرة سنة، فصنف كتاب قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، ولم ينقطع عن التأليف إلى أواخر عمره، وكان يكتب بنفسه أو يملي على وراقه. وكان يراجع مصنفاته ويحررها ويزيد فيها، المرة بعد الأخرى. وقد صنَّف سوى الجامع الصحيح العديد من الكتب والأجزاء التي ربما يصل عدد ما نُسب إليه منها إلى نحو أربعين. وليس غرضنا في هذا المدخل استقصاء مؤلفاته، وأماكن وجودها وطبعاتها، وتوثيق نسبة كل كتاب إليه، فإن ذلك ينبغي أن يكون موضوع دراسة خاصة بعنوان: (مؤلفات الإمام البخاري). وسنكتفي هنا بالإشارة إلى مؤلفاته المطبوعة التي يمكن أن يستفيد منها القارئ، وهي: ١. كتاب الأدب المفرد. ٢. كتاب بر الوالدين. ٣ - ٤ التاريخ الأوسط والتاريخ الصغير: طبع أحدهما أولًا باسم التاريخ الصغير في جزءين، ثم طبع باسم التاريخ الأوسط، وما زال في الأمر مجال للبحث والتحقيق. ٥. التاريخ الكبير: طبعته دائرة المعارف العثمانية في مدينة حيدر آباد بالهند في ثمانية

стр. 50

مجلدات، وهو من أوائل ما صنفه الإمام البخاري، وروي عنه أن صنفه عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة. وقال فيه: "وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة.، إلا أني كرهت تطويل الكتاب". وقال أيضًا: "لو نُشر بعض أستاذِيَّ هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب التاريخ ولا عرفوه". ٦. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه وهو المشتهر باسم صحيح البخاري. ٧. كتاب خلق أفعال العباد. ٨. جزء رفع اليدين في الصلاة. ٩. كتاب الضعفاء الصغير. ١٠. كتاب الضعفاء الكبير. ١١. جزء القراءة خلف الإمام. ١٢. كتاب الكُنى. وفاةُ البخاري: كتب إليه أهل سمرقندَ يدعونه، فسار إليهم بعد خروجه من بخارى. وبلغه وهو على مسافة فرسخين من سمرقند أن أهلها اختلفوا بسببه، منهم من يريد دخوله ومنهم من يكره ذلك، فنزل بقرية خَرْتَنْكَ عند أبي منصور غالب بن جبريل الخَرتَنْكيِّ السمرقندي. ويروي لنا عبد القدوس بن عبد الجبار السمرقندي، وهو أحد تلاميذه الذين صحبوه في تلك المدة أنه سمعه يدعو الله تعالى في جوف الليل يقول: "اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رَحُبت فاقبضني إليك"، قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله

стр. 51

تعالى. والسبب الظاهر لوفاته هو المرض، فقد مرض بضعة أيام، وقدَّمنا أنه كان قليل الأكل جدًّا، زد على هذا ما كان يلازمه من قلة النوم ومداومة السهر وطول السفر. سوى ما توالى عليه من الهموم، فلا شك أن هذا قد أوهن جسمه، ونال من صحته. ثم اتفق أهل سمرقند على مجيئه وأتاه الرسول يدعوه، فأجاب وتهيأ للركوب، ولبس خفيه وعمامته، فلما مشى قدر عشرين خطوة، قال: أرسلوني فقد ضعُفت، فأرسلوه فدعا بدعوات ثم اضطجع وتوفي. وكانت وفاته بعد صلاة العشاء من ليلة يوم الفطر الأول من شهر شوال، سنة مائتين وست وخمسين للهجرة.، عمره اثنتان وستون سنةً إلا ثلاثة عشر يومًا. وقد وافق شهر وفاة الإمام البخاري - وهو شوال - شهر ولادته. وتولى غالب بن جبريل أسباب دفنه، وكان غالب بن جبريل هذا من أهل العلم، وقد توفي بعد البخاري بمدة يسيرة وأوصى أن يُدفن إلى جانبه. ولما صُلِّي عليه ووُضع في حفرته فاحت من تراب قبره رائحةٌ طيبة كالمسك، ودامت أيامًا، وتردد الناس إلى قبره مدة يزورونه، ويأخذون من تراب القبر. قال عبد الواحد بن آدم الطواويسي: "رأيت النبي ﷺ في النوم، ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقف في موضع، فسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت: ما وقوفك يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري. فلما كان بعد أيام. بلغني موته.، فنظرت فإذا قد مات في الساعة التي رأيت النبي ﷺ فيها". الخلفاء العباسيون الذين عاصرهم البخاري: الأمين بن هارون الرشيد (١٩٣ - ١٩٨).

стр. 52

المأمون بن هارون الرشيد (١٩٨ - ٢١٨) وفي آخر عهده سنة ٢١٨ ابتدءت فتنة خلق القرآن، وقُبض على الإمام أحمد وأُدخل الحبس. المعتصم بن هارون الرشيد (٢١٨ - ٢٢٧): - أَطلق المعتصم سراح الإمام أحمد بن حنبلٍ من السجن سنة ٢٢١. - وفي زمان المعتصم كانت وقعة عمورية الشهيرة، في رمضان سنة ٢٢٣. الواثق بالله بن المعتصم (٢٢٧ - ٢٣٢). - وفي آخر زمان الواثق اضطُرَّ الإمام أحمد إلى الاختفاء بعد أن أراد الواثق نفيه من بغداد، فكان لا يخرج من بيته. وبوفاة الواثق ينتهي العصر الأول للدولة العباسية وهو عصر القوة، ويبدأ عصر الضعف والتمزق. المتوكل على الله بن المعتصم (٢٣٢ - ٢٤٧). قال السيوطي: فأظهر السنة ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك في سنة أربع وثلاثين. المنتصر بالله بن المتوكل (٢٤٧ - ٢٤٨). المستعين بالله ابن المنتصر (٢٤٨ - ٢٥٢). المعتز بالله بن المتوكل (٢٥٢ - ٢٥٥). المهتدي بالله بن الواثق (٢٥٥ - ٢٥٦) قُتل في منتصف شهر رجب. المعتمد على الله بن المتوكل (٢٥٦ - ٢٧٩).

стр. 53

الفصل الثاني: ثناء العلماء على الإمام البخاري ١. رجلٌ بحضرة شيخه أبي عاصم النبيل الضحاكِ بن مَخْلَدٍ (-٢١٢): هذا الغلامُ يناطحُ الكباش، يعني يزاحم الشيوخ لِمَا وصل إليه من العلم. ٢. شيخه أبو حفصٍ الكبير أحمد بن حفصٍ البخاري (-١٥٠ - ٢١٧) هذا شابٌّ كيِّسٌ، أرجو أن يكون له صيتٌ وذِكرٌ. ٣. شيخه عبدان بن عثمان المروزيُّ (-٢٢١): ما رأيت بعيني شابًّا أبصرَ من هذا، أي أدقَّ علمًا بالحديث. ٤. شيخه سليمان بن حربٍ (-٢٢٤): هذا يكون له صِيتٌ. ٥. شيخه محمد بن سَلَام البيكنَدي (-٢٢٥): صبيٌّ يحفظ سبعين ألفَ حديثٍ. ٦. شيخه نعيم بن حماد (-٢٢٨): محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. ٧. شيخه عبد الله بن محمد المُسنَدي (-٢٢٩): محمد بن إسماعيل إمامٌ، فمن لم يجعله إمامًا فاتَّهِمْهُ.

стр. 54

٨. شيخه علي بن المَديني (-٢٣٤): إن محمد بن إسماعيل لم يَرَ مثل نفسه. ٩. شيخه إسحاق بن راهويه (-٢٣٨): يا معشرَ أصحابِ الحديثِ انظروا إلى هذا الشَّابِّ واكتبوا عنه، فإنَّه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن [أي البصري] لاحتاج إليه، لمعرفته بالحديث وفقهه. ١٠. شيخاه أبو بكر بن أبي شيبة (-٢٣٥) ومحمد بن عبد الله بن نمير (-٢٤٠): ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل البخاري. ١١. شيخه قتيبة بن سعيدٍ (١٤٩ - ٢٤٠): جالست الفقهاء والزهاد والعباد، فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة. لو كان محمد بن إسماعيل في الصحابة لكان آية. لقد رحل إلي من شرق الأرض ومن غربها، فما رحل إلي مثل محمد بن إسماعيل. ١٢. شيخه الإمام أحمد بن حنبل (-٢٤١): ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل. ١٣. شيخه الإمام المجاهد أبو إسحاق أحمد بن إسحاق السُّرْمارِيُّ (-٢٤٢): من أراد أن ينظر إلى فقيه بحقه وصدقه فلينظر إلى محمد بن إسماعيل. ١٤. شيخه الحافظ يحيى بن جعفر البِيكنَدي (-٢٤٣):

стр. 55

لو قدَرتُ أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موتَ رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم. ١٥. شيخه الحسين بن حُريث (-٢٤٤): لا أعلم أني رأيت مثله، كأنه لم يُخْلَق إلا للحديث. ١٦. شيخه الحسن بن شجاعٍ البلخي (-٢٤٤): من أين يفوتك حديثٌ وأنت وقعتَ على كنزٍ - يعني شيخَه عبد الله بن محمدٍ المُسْنَدي .. ١٧. شيخه عمرو بن علي الفَلَّاس (-٢٤٩): حديثٌ لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. ١٨. الحافظ رجاء بن مُرَجَّى (-٢٤٩): البخاري آية من آيات الله تمشي على الأرض. ١٩. شيخه محمد بن بشار الملقب بِبُندارٍ (-٢٥٢): ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل، سيد الفقهاء. هو أفقه خلق الله في زماننا. ٢٠. الحافظ عبدُ الله بنُ عبد الرَّحمن الدَّارميُّ (-٢٥٥): قد رأيتُ العلماءَ بالحرمينِ والحجازِ والشَّامِ والعراقِ، فما رأيتُ فيهم أَجْمَعَ مِن محمَّد ابن إسماعيل.

стр. 56

ابن إسماعيل لا يقرأ على الناس إلا الحديث الصحيح. ٢١. سُلَيم بن مجاهد بن بَعِيش (-٢٥٥): لو أنَّ وكيعًا وابن عيينة وابن المبارك كانوا في الأحياء لاحتاجوا إلى محمد بن إسماعيل. ما رأيت بعيني منذ ستين سنةً أفقه، ولا أورعَ، ولا أزهد في الدنيا من محمد بن إسماعيل. ٢٢. تلميذه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (-٢٦١): دَعْني أُقبِّلْ رجلَيك يا أستاذ الأُستاذين، وسيِّدَ المحدِّثين، وطبيب الحديث في عِلَلِهِ. لا يبغضك إلا حاسدٌ، وأشهد أنَّه ليس في الدنيا مثلُك. ٢٣. عبدُ الله بن حَمَّادٍ الآمُلي (-٢٧٣): وَدِدْتُ أنِّي شعرةٌ في صدر محمد بن إسماعيل. ٢٤. الإمام أبو حاتم الرازي (-٢٧٧): محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق. ٢٥. تلميذه الإمام محمد بن عيسى الترمذي (-٢٧٩): لم أرَ بالعراق ولا بخراسان في معنى العِلل، والتاريخ، ومعرفة الأسانيد كثيرَ أحدٍ أعلمَ من محمدِ بنِ إسماعيل. ٢٦. أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخوَّاث (-٢٩١):

стр. 57

رأيت أبا زُرعةَ كالصبي جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن العلل. ٢٧. الحافظ صالح بن محمد الملقب جَزَرَةً الأسدي (-٢٩٣): كان أحفظَهُمْ للحديث. ٢٨. الحافظ موسى بنُ هارون الحمَّال (-٢٩٤): لو أنَّ أهلَ الإسلام اجتمَعوا على أن يُنَصِّبُوا آخَرَ مثلَ محمَّد بن إسماعيل لما قَدَروا عليه .. ٢٩. أبو عمرٍو أحمد بن نصر النيسابوري الخَفَّاف (-٢٩٩): حدثنا التقيُّ النقيُّ، العالم الذي لم أَرَ مثلَه: محمدُ بنُ إسماعيل. لو دخل محمد بن إسماعيل من هذا الباب لمُلئتُ منه رعبًا - يعني لا أقدر أن أحدِّث بين يديه. ٣٠. الحافظ أبو بكر ابن خُزيمة (-٣١١): ما رأيتُ تحت أديمِ السماء أعلمَ بحديث رسول الله ﷺ وأحفظَ له من محمدِ بنِ إسماعيل. ٣١. محمد بن يوسف الفربري (-٣٢٠): رأيت النبيَّ ﷺ في النوم فقال: «أين تريد؟ » قلت: أريد محمدَ بن إسماعيلَ البخاري. فقال ﷺ .: «أَقرِئْهُ مني السلام». رأيت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ في النوم خلف النبيِّ ﷺ .،

стр. 58

والنبيُّ ﷺ يمشي، كلما رفع قدمَه وضع البخاريُّ قدمه في ذلك الموضع. ٣٢. أبو إسحاق إبراهيم بن شيخ البخاري محمد بن سَلَامٍ البِيكَنْدِي: "كان الرُّتُوتُ من أصحاب الحديث، مثل سعيد بن أبي مريم (١٤٤ - ٢٢٤)، وحجاج بن منهال (-٢١٧)، وإسماعيل بن أبي أويس (-٢٢٦)، والحُميدي (-٢١٩)]، ونُعيم بن حمّاد (-٢٢٩)، و [محمد بن يحيى] العَدَني (-٢٤٣)، والخلال (-٣١١)، ومحمد بن ميمون (-٢٦٢)]، وإبراهيم بن المنذر (-٢٣٦)، وأبي كريب محمد ابن العلاء (-٢٤٨)، وأبي سعيد عبد الله بن سعيد الأشج (-٢٥٧)، وإبراهيم بن موسى (- نحو سنة ٢٣٠)، وأمثالهم يَقْضون لمحمد بن إسماعيل على أنفسهم في النظر والمعرفة". والرُّتُوتُ: الرؤساء، جمع رَتٍّ. ٣٣. أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (٣٠٦ - ٣٨٥): "لولا البخاريُّ لما راح مسلمٌ ولا جاء". ٣٤. الحاكم الكبير أبو أحمد محمد بن محمد (-٣٧٨): كان أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو قلت: إني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في المبالغة والحسن، أو لم أسمع بآدميٍّ يسرول في باب الحديث مثله رجوتُ أن أكون صادقًا في قولي. هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل. ٣٥. أبو بكر محمد بن موسى الحازمي (٥٤٨ - ٥٨٤): وأما البُخارِيُّ فكان وحيدَ دهره، وقريعَ عصره إتقانًا وانتقادًا، وبحثًا وسَبْرًا، وبعد

стр. 59

إحاطة العِلم بمكانته من هذا الشأن، لا سبيلَ إلى الاعتراض عليه في هذا الباب. ٣٦. أبو الفتوح العجلي (-٦٠٠) كأن البخاريَّ في جمعِهِ ... تلقَّى من المُصطفى ما اكْتَتَبْ فللهِ خاطرُهُ إذ وَعَى ... وساقَ فرائدَهُ وانتخَبْ جزاهُ ... الإلهُ ... بما ... يرتضي ... وبلَّغهُ ... عالياتِ ... القُرَبْ ٣٧. الحافظ عبد الغني المقدسي (-٦٠٠): الإمام أبو عبد الله الجُعفي - مولاهم - البخاريُّ صاحب الصحيح، إمامُ هذا الشأن.، والمُقتدى به فيه، والمعوَّلُ على كتابه بين أهل الإسلام. ٣٨. الإمام النوويُّ (-٦٧٦): فهذه أحرفٌ من عيون مناقبه وصفاته، ودررِ شمائله وحالاته، أشرتُ إليها إشارات، لكونها من المعروفات الواضحات، ومناقبُه لا تُستقصى، لخروجها على أن تُحصى، وهي منقسمةٌ إلى حفظ ودراية، واجتهادٍ في التَّحصيل ورواية، ونُسك وإفادة، وورع وزهادة.، وتحقيقٍ وإتقانٍ، وتمكُّن وعرفان، وأحوال وكرامات، وغيرها من أنواع المكرمات. ٣٩.تاج الدين السبكي (٧٢٧ - ٧٧١): إمام المسلمين، وقدوة المؤمنين، وشيخ الموحدين، والمعوَّلُ عليه في أحاديث سيد المرسلين".

стр. 60

٤٠. الحافظ ابن كثير (-٧٧٤): هو إمام أهل الحديث في زمانه، والمُقْتَدَى به في أوانه، والمقدَّمُ على سائر أضرابه وأقرانه. ٤١. الحافظُ أبو الفضل العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢): ولو فتحتُ بابَ ثناءِ الأئمة، ممَّن تأخر عن عصره لفني القرطاس، ونفِدت الأنفاس، فذاك بحرٌ لا ساحلَ له. وبعد ما تقدم من ثناءِ كبار مشايخه عليه لا يُحتاج إلى حكاية مَن تأخر، لأن أولئك إنما أثنوا بما شاهدوا، ووصفوا ما علِموا. ٤٢. الحافظ بدر الدين العيني (-٨٥٥): الحافظ الحفيظُ الشهير، المميز الناقد البصير، الذي شهِدتْ بحفظه العلماءُ الثقات.، واعترف بضبطه المشايخُ الأثبات، ولم يُنكِر فضله علماء هذا الشان، ولا تنازَع في صحة تنقيده اثنان، الإمام الهمام، حجةُ الإسلام. ٤٣. شهاب الدين القسطلاني (-٩٢٢): هو الإمام، حافظ الإسلام، خاتمة الجهابذة النقاد الأعلام، شيخ الحديث، وطبيب علله في القديم والحديث، وإمام الأمة عُجمًا وعُربًا، ذو الفضائل التي سارت السَّراة بها شرقًا وغَربًا، الحافظ الذي لا تغيب عنه شاردة، والضابط الذي استوى لديه الطارفة والتالدة.

стр. 61

الفصل الثالث: من أقوال الإمام البخاري * رأيتُ النبيَّ ﷺ وكأنِّي واقف بين يديه، وبيدي مِروحةٌ أذُبُّ بها عنه، فسألتُ بعض المعبِّرين فقال لي: أنتَ تَذُبُّ عنه الكذبَ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح .. * دخلتُ على الحُمَيْدِيِّ (وهو من أبرز شيوخه) وأنا ابنُ ثماني عشْرة سنَة، وبينه وبين آخر اختلافٌ في حديث، فلما بَصُرَ بي الحُمَيْدِيُّ، قال: جاء مَنْ يفصِلُ بيننا. فعرضا عليَّ، فقضيتُ للحُميديِّ، وكان الحقُّ معه. * ما قدمت على شيخ إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به. * ما اغتبتُ أحدًا قطُّ منذ علمت أن الغيبة حرام. * إنِّي لأرجو أن ألقى اللهَ ولا يحاسبُني أنِّي اغتبت أحدًا من هذه الأمة. * ما أتيتُ شيئًا بغير علم قطُّ منذ عقلت. * ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلا بدأتُ بحمد الله تعالى والثناء عليه .. * وقال لورَّاقه محمد بن أبي حاتم، بعد ما أملى عليه كثيرًا من الحديث وخشي أن يكون قد ملَّ: طِبْ نفْسًا، فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبي ﷺ وأصحابه. * ذكر عمر بن مجاهد أنه دخل على محمد بن سَلَامٍ البِيكَنْدِيِّ (-٢٢٥) بعد انصراف البخاري، فقال له: لو جئت قبل ذلك لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألفَ حديثٍ. قال:

стр. 62

فخرجت في طلبه حتى لحقتُه، وسألته: - أنت الذي يقول: إني أحفظ سبعين ألف حديث؟ فأجاب البخاري: - نعم، وأكثر. ولا أحدِّثك بحديثٍ عن الصحابة والتابعين إلا عرَّفتُكَ مولدَ أكثرهم، ووفاتَهم، ومساكنَهم. ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي من ذلك أصلٌ أحفظه حفظًا عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . * ومن جواهر كلام الإمام البخاري هذه النصيحة التي نصح بها أبا العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهمذاني، وهذه قصتها كما ساقها الحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المِزِّيُّ (٦٥٤ - ٧٤٢) في تهذيب الكمال: عن أبي المظفر محمد بن أحمد بن حامد بن إبراهيم بن الفضل البخاري، قال: لما عزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهمذاني عن قضاء الري، ورد بخارى سنة ثماني عشرة وثلاث مائة لتجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل محمد بن عبيد الله البلعمي، سماه أبو الحسن التميمي، فنزل في جوارنا، قال: فحملني معلمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الختلي إليه. وقال له: أسألك أن تحدث هذا الصبي بما سمعت من مشايخك ﵏، فقال: مالي سماع، قال: فكيف وأنت فقيه، فما هذا؟ قال: لأني لما بلغت مبلغ الرجال تاقت نفسي إِلَى طلب الحديث، ومعرفة الرجال، ودراية الأخبار، وسماعها، فقصدت مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ , ببخارى صاحب التاريخ والمنظور إليه في معرفة الحديث، فأعلمته مرادي وسألته الإقبال علي بذلك. فقال لي: يا بني، لا تدخل في أمر إِلا بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره. قال: فقلت له.: عَرِّفني حدود مَا قصدت له ومقادير مَا سألتك عنه. قال: "اعلم أن الرجل لا يصير محدثًا كاملًا في حديثه إلا بعد أن يكتب أربعًا، مع أربع.،

стр. 63

كأربع، مثل أربع، في أربع، عند أربع، بأربع، على أربع، عن أربع، لأربع. وكل هذه الرباعيات لا تتم له، إلا بأربع، مع أربع. فإذا تمت له كلها هان عليه أربع، وابتلي بأربع. فإذا صبر على ذلك أكرمه الله في الدنيا بأربع، وأثابه في الآخرة بأربع. أما الأربعة التي تحتاج إلى كتابتها فهي: أخبار رسول الله ﷺ وشرائعه، والصحابة ومقاديرهم، والتابعين وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم. مع أسماء رجالهم، وكناهم، وأمكنتهم، وأزمنتهم. كالتحميد مع الخطب، والدعاء مع الترسُّل، والبسملة مع السورة، والتكبير مع الصلوات .. مثل المسندات.، والمرسلات، والموقوفات، والمقطوعات. في صغره. وفي إدراكه، وفي كهولته، وفي شبابه. عند فراغه، وعند شغله، وعند فقره، وعند غناه. بالجبال، والبحار، والبلدان، والبراري. على الأحجار، والأصداف، والجلود، والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق. عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه.، وعن كتاب أبيه يتيقن أنه بخط أبيه دون غيره .. لوجه الله تعالى طالبًا لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله منها، ولنشرها بين طالبيها ومجتنيها، والتأليف في إحياء ذكره بعده. ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع من كسب العبد أعني: معرفة الكتابة، واللغة، والصرف، والنحو. مع أربع هي من إعطاء الله تعالى أعني: القدرة، والصحة، والحرص.، والحفظ. فإذا تمت له هذه الأشياء هان عليه أربع: الأهل، والولد، والمال، والموطن. وابتلي بأربع: شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء ..

стр. 64

فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله في الدنيا بأربع: بعز القناعة، وبهيبة النفس، ولذة العلم، وحياة الأبد. وأثابه في الآخرة بأربع: بالشفاعة لمن أراد من إخوانه، وبظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، ويسَقي من أراد من حوض نبيه ﷺ .، وبجوار النبيين في أعلى عليين في الجنة. فقد أعلمتك يَا بني مجملًا جميع ما كنت سمعت من مشايخي متفرقًا في هذا الباب، فأقبلِ الآن على ما قصدتني له، أو دع". قال: فهالني قوله وسكتُّ متفكرًا، وأطرقت نادمًا، فلما رأى ذلك مني قال: "فإن لا تطق احتمال هذه المشاق كلها فعليك بالفقه الذي يمكنك تعلُّمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكنٌ، لا تحتاج إلى بُعد الأسفار وطي الديار وركوب البحار، وهو مع ذا ثمرة الحديث.، وليس ثواب الفقيه بدون ثواب المحدث في الآخرة، ولا عزه بأقل من عز المحدث". فلما سمعت ذلك نقض عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على علم ما أمكنني من علمه بتوفيق الله ومَنِّه، فلذلك لم يكن عندي ما أمليه على هذا الصبي يا أبا إبراهيم. فقال أبو إبراهيم: إن هذا الحديث الذي لا يوجد عند أحد غيرك خير من ألفٍ حديث يوجد مع غيرك.

стр. 65

الفصل الرابع: التعريف بالجامع الصحيح العنوان التام للجامع الصحيح: الجَامِعُ المُسْنَدُ الصَّحِيحُ المُخْتَصَرُ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَنِهِ وَأيَّامِهِ. وهذا العنوان عندنا هو الصواب. وهو الذي ذكره الحافظ أبو نصر أحمد بن محمد البخاري الكَلاباذي (٣٢٣ - ٣٩٨) في طالعة كتابه أسماء رجال الصحيح المُسَمَّى الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد، وهو مصدرٌ قديم معتبر قريب العصر من المؤلف وقد وصفه الذهبي في ترجمته بأنه "عارف بصحيح البخاري". وقد أثبت هذا الاسم جماهير العلماء كالقاضي عياض (-٥٤٤) والنووي (-٦٧٦) وابن الصلاح (-٦٤٣) وابن رُشيدٍ السبتي، وغيرهم. ويروى: الجامع الصَّحيح المختصر المسند من أمور رسول الله ﷺ وسُنَنه وأيَّامه، كما ورد على بعض النسخ الخطية المسنَدة، ولكننا نرى أن هذا العنوان بهذا الشكل قد دخله شيء من الغلط في ترتيب الكلمات، والصواب ماأثبتناه لسببين: السبب الأول: أن من القواعد في ذكر الصفات تقديم العام على الخاص، ليكون في ذكر الخاص بعد ذلك زيادة فائدة بنوع من التخصيص. مثال ذلك في النِّسب وصف إنسان بأنه عربي هاشمي، فلا يصح هنا تقديم الهاشمي على العربي، لأن الهاشمي لا يكون إلا عربيًّا، فلا يكون في الكلمة زيادة فائدة، وكلام العقلاء مَصونٌ عن ذلك. فإذا قلنا (العربي) فإن السائل يستفيد معرفة ذلك وربما يتساءل من أي القبائل أو البطون هو، فيأتيه الجواب مخصِّصًا بكونه هاشميًّا.

стр. 66

وكذلك الأمر هنا، فإن وصف المسنَد أعمُّ من وصف الصحيح، وبينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلق، فكل صحيحٍ مسنَدٌ، وليس كل مسندٍ صحيحًا، فالصحيح أخصُّ من المسند مطلقًا، والمسند لفظ عامٌّ يشمل الصحيح وغيره، فتقديمه على الصحيح واجب. ونحن ننزه من هو دون الإمام البخاري بمئات المراحل عن الوقوع في مثل ذلك، فكيف بالإمام البخاري وقد وصل في العلم إلى أعلى المراتب، وتمكن في العربية، ونظم الشعر، وحفظ مائة ألف حديث من الصحيح من كلام أفصح الفصحاء ﷺ . فلا بد أن يكون وضع العنوان على هذا الشكل: الجامع المسند الصحيح، بتقديم العام على الخاص، لتكون كل كلمة في موضعها من العنوان مفيدة. السبب الثاني: أن الجار والمجرور (من أمورِ) متعلقان بقوله (المختصر) لا بقوله (المسند)، ولو كان الجار والمجرور متعلقًا بقوله: (المسند) لوجب استعمال حرف الجر (إلى) أو (عن)، فالحديث إما أن يُسند إلى فلان، أو يُسند عنه، أما أن يُسند من أموره فهذا ما لا يصح في كلام الناس. ولا يُقال: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، أو في المسند تضمين، لأن ذلك بعيدٌ في العناوين، ويحتاج إلى تكلّفٍ وتمحُّلٍ يُخرج الكلام عن أسلوب العرب الفصحاء. فلا محيد عن تأخير كلمة (المختصر) لتجاور معمولها وهو الجار والمجرور فيكون الكلام هكذا متسقًا: (المختصر من أمور رسول الله ﷺ ). ومما يؤيد ذلك أن أمور رسول الله ﷺ وسُننه وأيامه واسعة، وأن البخاري لم يقصد في هذا الكتاب إلى جمعها، وأنه قد انتخب الصحيح من ستمائة ألف حديث، وأنه قد ألف الجامع الكبير والمسند الكبير، وقد قصد في الصحيح إلى الاختصار مما قد حفظه وجمعه من تلك الأمور والسنن والأيام. ولا حرج في اختصار العنوان عند تداول الكتاب على نحو: (الجامع الصحيح) أو

стр. 67

(صحيح البخاري) أو (البخاري الشريف) كما يسميه الأتراك، فقد درج على ذلك الحفاظ في اختصار اسم هذا الكتاب وغيره من المصنفات، مع وجوب التذكير بعنوانه التام الذي وضعه له مؤلفه، لكي لا يُنسى. معنى الجامع وموضوعاتُه: قَصَدَ الإمامُ البخاري عندما سمَّى كتابه: (الجامع) معنًى دقيقًا متعلقًا بفنون الحديث، ذلك أن الكتب قبله كانت مقتصرة غالبًا على فنون خاصة من الحديث، فأدخل البخاري جميع الفنون في كتابه، فصار لذلك جامعًا. وكانت هذه الفنون فيما ذكره وليُّ الله الدهلوي (-١١٧٦) أربعةً هي: فن السنة ويُراد بها الفقه، ولذلك اقتصرت كتب السنن عليه .. وفن التفسير، وفن السير، وفن الزهد والرقائق. وقال ابنه عبد العزيز الدهلوي (-١٢٣٩): "والجامع في اصطلاح المحدثين ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث: أي أحاديث العقائد وأحاديث الأحكام وأحاديث الرقائق، وأحاديث آداب الأكل والشرب، وأحاديث السفر والقيام والقعود، والأحاديث المتعلقة بالتفسير والتاريخ والسير، وأحاديث الفتن وأحاديث المناقب والمثالب. وقد صنف أهل العلم بالحديث في كل فنٍّ من هذه الفنون الثمانية تصانيف مفردة ... فالجامع هو ما يوجد فيه أنموذجُ كلِّ فنٍّ من هذه الفنون الثمانية المذكورة، كالجامع الصحيح للبخاري والجامع للإمام الترمذي. وأما صحيح مسلم فإنه وإن كانت فيه أحاديث تلك الفنون لكن ليس فيه ما يتعلق بفن التفسير والقراءة ولهذا لا يقال له الجامع كما يقال لأخويه" [نقله من الفارسية العلامة عبد الرحمن المباركفوري (-١٣٥٣) في مقدمة تحفة الأحوذي]. وبذلك تتضح لنا الموضوعات التي أدرجها الإمام البخاري في كتابه، إذ لم يقتصر على

стр. 68

أبواب السنن المتعلقة بالأحكام، بل جمع كل ما يتعلق بأمور الدين. لكنه لم يكن أول كتاب جامع، فقد سبق الإمامَ البخاريَّ في استعمال كلمة الجامع في العنوان جماعة من المحدثين، ألَّفوا كتبًا بعنوان: الجامع، منهم: معْمرُ بن راشد (-١٥٤) وسفيان الثوري (-١٦١) وعبد الله بن وهبٍ (-١٩٧) وسفيان بن عيينة (-١٩٨). وأوليته هي في التزام الصحيح من الحديث. وقد أوضح الإمام أبو سليمان الخطابيُّ تنوع موضوعات صحيح البخاري في مقدمة شرحه، وعدَّها من جملة محاسنه، فقال: "وغرضُ صاحب هذا الكتاب إنما هو ذِكرُ ما صحَّ عن رسول الله ﷺ من حديث جليل من العلم أو دقيقٍ. ولذلك أدخل فيه كل حديث صحَّ عنده في تفسير القرآن، وذكرِ التوحيد والصفات، ودلائل النبوة ومبدأ الوحي وشأن المبعث، وأيام رسول الله ﷺ وحروبه ومغازيه، وأخبار القيامة والحشر والحساب والشفاعة وصفة الجنة والنار، وما ورد منها في ذكرِ القرون الماضية، وما جاء من الأخبار في المواعظ والزهد والرقاق، إلى ما أودعه بعدُ من الأحاديث في الفقه والأحكام والسنن والآداب ومحاسن الأخلاق وسائر ما يدخل في معناها من أمور الدين .. فأصبح هذا الكتاب كنزًا للدين وركازًا للعلوم". مؤلف الجامع الصحيح: هو الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجُعفي (١٩٤ - ٢٥٦). ونسبة الكتاب إلى مؤلفه متواترة، واشتهر في زمانه أنه له، وعرضه على بعض شيوخه، وحدَّث به أمام الآلاف في مدن عديدة.، ولم يشكَّ أحدٌ في نسبته له. فالشكُّ في نسبة الجامع الصحيح إلى الإمام البخاري يخرج الشاكَّ من دائرة العقل إلى دائرة الجنون،

стр. 69

ويكون كالذي يشك في وجود ما تواترت الأدلة على وجوده، وما نَقلَ جمعٌ من الثقاتِ رؤيته بالعين هو في قوة المرئيِّ بالعين، فإنكار وجود البخاريِّ أو نسبة الصحيح إليه هو كإنكار وجود الشمس والقمر. سبب تأليف الجامع الصحيح: أول سبب باعث للبخاري على تأليف الجامع الصحيح كان رغبةً أظهرها شيخه الإمام إسحاق بن راهَوَيْهِ الحنظليِّ (١٦١ - ٢٣٨)، يقول الإمام البخاري فيما رواه عنه تلميذه إبراهيم بن مَعْقِلٍ النسفي (-٢٩٥): "كنت عند إسحاق بن راهَوَيْهِ، فقال: لو جمعتم كتابًا لسنة النبي ﷺ . فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع هذا الكتاب". ومن الأسباب التي حملت البخاريَّ على تأليف الصحيح أنه رأى النَّبيَّ ﷺ في المنام قال.: وكأنَّني واقفٌ بين يديه، وبِيدي مِروحةٌ أَذُبُّ بها عنه، فسألتُ بعض المعبِّرين، فقال لي: أنتَ تَذُبُّ عنه الكذِبَ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصَّحيح. وقت ابتداء تأليف الجامع الصحيح: لا نعلم على وجه التحديد في أي وقت بدأ البخاري تأليف الصحيح، ولكننا سنحاول تتبُّع أخبار الجامع الصحيح من الروايات التي وصلت إلينا عن تأليفه. ١. بين أيدينا نص يفيد أن البخاري قضى في تأليفه ست عشرة سنة، وهذا يدل على أنه ابتدأ تأليفه قبل سنة ٢٤٠. ٢. كما أن النص الذي يبين ابتداء تأليفه بسبب حث شيخه ابن راهَوَيْهِ له، يفيد أنه ابتدأ تأليفه قبل سنة ٢٣٨ وهي سنة وفاة ابن راهويه. ٣. كما أنه حدَّث بالصحيح سنة ٢٤٨ بفربر، مما يفيد أنه ابتدأ تأليفه قبل سنة ٢٣٢.

стр. 70

٤. وثمة نصٌّ يفيد أنه عرض الصحيح على أحمد بن حنبل وعلي بن المَديني ويحيى بن معين، مما يشير إلى أن الكتاب كان مكتملًا سنة ٢٣٣، وهي سنة وفاة يحيى بن مَعين، وإذا كان قد قضى ست عشرة سنة في تأليفه، فلا يَبْعُد أنه بدأ جمعه نحو سنة ٢١٥ خلال رحلاته. وأمضى في تأليفه أربعين سنة، وهو يحرره ويزيد فيه، فالكتاب حصيلة عمر من العلم والبحث والاستقصاء. نصل من هذه الشذرات إلى أن البخاري قد ابتدأ تأليف كتابه في فترة مبكرة من حياته خلال إقامته في الحجاز، وجمعه وهو يتنقل خلال رحلاته، مع علمنا أنه بَيَّض تراجم أبوابه - أي عناوينه - في المسجد النبوي الشريف بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلِّي لكل ترجمة ركعتين. وقد اشتهر البخاري بعد ذلك بالصحيح، وطاف البلدان يحدث به. ولكنه مع ذلك كان يزيد فيه، شأنَ كل مؤلِّف يتاح له الوقت. وثمة نص نقله الذهبي من كتاب شمائل البخاري يفيد أن البخاري كان يملي الصحيح على وراقه أبي جعفر محمد بن أبي حاتم، ويبدو أن هذا الوراق لازمه وخدمه في أخريات حياته، مما يعني أن البخاري قضى نحو أربعين سنةً - هي جل عمره بعد أن أيفع، في تأليف هذا الكتاب.، ست عشرة منها في جمعه وتأليفه، وسائرُها في تهذيبه وترتيبه والزيادة فيه .. ويؤكد ذلك ما روي أن البخاري ألف كتبه ثلاث مرات. النسخة الأصلية للجامع الصحيح: انتقلت النسخة الأصلية للجامع الصحيح بعد وفاة الإمام البخاري إلى تلميذه محمد ابن يوسف الفربري. ومنها نقلت النسخ الأولى للجامع الصحيح. وممن نقل نسخته من الأصل الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البلخي المُسْتَمْلي (-٣٧٦).

стр. 71

هل استوعب البخاري جميع الصحيح: لم يقصد البخاريُّ من تأليفه الجامع الصحيح استيعابَ جميع الأحاديث الصحيحة، وإنما جمع ما اعتقد أنه أصح الصحيح. وقد قال فيه: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح خشية أن يطول الكتاب". فعدم وجود الحديث في صحيح البخاري لا يدلُّ على أنه مردود أو أنه ليس بصحيح.، ولكن وجوده في صحيح البخاري يشير إلى أنه في أعلى درجات الصحة، فإن وُجد حديث خارج البخاري بإسناد يشبه إسناد البخاري في اجتماع الشرائط كان مثيلًا في الصحة لما أخرجه البخاري أو قريبًا منه. مثال ذلك: أن البخاري ومسلمًا اتفقا على تخريج أحاديثَ من صحيفة همَّام بن منبِّهٍ (-١٣٢) عن أبي هريرة ﵁، وانفرد كل واحد منهما بأحاديث منها، مع أن الإسناد واحد. وقد تابع أئمة الحديث بعد البخاري عمله في جمع الأحاديث الصحيحة، فوصلت إلينا مصنفات في الصحيح جليلة، ولكنها دون صحيح البخاري في الرتبة.، منها: - المسند الصحيح: للإمام مسلمِ بن الحجاج القشيري النيسابوري (٢٠٦ - ٢٦١)، ويعرف بصحيح مسلم. وقد حققنا اسمه في رسالتنا: لطائف التواشيح فيما يحتاج إليه قارئ المسند الصحيح التي طبعت أيام قراءتنا لصحيح مسلمٍ بدمشق سنة ١٤٢٦. - صحيح الإمام أبي بكرٍ محمد بن إسحاق ابن خزيمةَ (-٣١١). - صحيح الإمام أبي حاتم محمد بن حِبَّانَ البُستي (-٣٥٤). - كتاب الإلزامات لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (-٣٨٥) وهو كالمستدرك، جمع فيه ما وجده على شرطه البخاري ومسلم ولم يخرِّجاه، ورتبه على المسانيد. - كتاب المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري (-٤٠٥).

стр. 72

حرص البخاري في الجامع الصحيح: من نظر في الجهد الذي بذله الإمام البخاري في تأليف الجامع الصحيح خلال أربعين سنةً يتيقن بأنه استفرغ غاية وُسعه لكي لا يقع في الخطأ، فكان يؤلف، ويراجع، ويعرض كتابه على العلماء، ثم يعود إلى تحريره، ويمليه على الناس ثم يزيد فيه. مع أنه وصل إلى الغاية في الحفظ والتحرير ومعرفة الأسانيد وكشف خفايا علل الحديث. ولكنه مع كل هذا العلم الذي حصل له، مما يينبغي يورث لمثله اليقين بالوصول إلى الصواب، لم يكتف بذلك، وسلك مسلكًا آخر، وهو تحقيق شروط أخرى تجعل الوقوع في الخطأ بعيدًا، ذلك هو جانب الاستخارة والالتزام بالطهارة قبل الاشتغال بالتأليف. يقول الإمام البخاري في بيان ما كان يصنعه عند تأليف الصحيح: "خرَّجتُه من ستِّمائة ألف حديثٍ، وجعلتُه حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى". وقال: "ما أدخلتُ في الصحيح حديثًا إلا بعد أن استخرتُ الله تعالى، وتيقنتُ صحته". وصحَّ عنه أنه قال: "ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". وقد أخطأ جماعةٌ في فهم هذا الكلام، فاعترضوا على البخاري بكثرة عدد الأحاديث التي في الصحيح، وأن تكرار الغُسل بعدد الأحاديث مستبعَدٌ عادةً وإن كان الوقت يتسع له، فأراد أحد الفضلاء الدفاع عن البخاري فأجاب بتقليل عدد الأحاديث المقصودة، وردَّ العدد إلى الأحاديث بغير تكرار، وهي نحو ألفين وستمائة حديث. أقول: وكلاهما أخطأ قَصْدَ البخاري في مقالته، لأن مراده أنه كان يغتسل ويصلي ركعتين قبل البدء بالكتابة في الصحيح لا قبل كل حديث، فإذا قصد الكتابة بعد العشاء مثلًا اغتسل وصلى ركعتين وقعد يكتب ليلته تلك، وقد يستمر على ذلك إلى

стр. 73

الفجر لا يقوم من مجلسه، وقد يكتب في تلك الليلة مائة حديث أو مائتين بغُسل واحدٍ وركعتين قدَّمهما قبل البدء. ويصح له الإخبار حينئذٍ بأنه ما وضع حديثًا في الصحيح إلا اغتسل قبل ذلك". والبخاري رحمه الله تعالى إمام في البلاغة، ولو أراد أن يخبر عن أنه كان يغتسل قبل كل حديث لقال: "ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبله وصليت ركعتين"، ولكنه عدل عن ذلك إلى عبارة تفيد ما أراده من المعنى. وبهذا يندفع اعتراض المستخِفِّ بالبخاري، ويستبين خطأ من تصدى للدفاع عنه وتفسير كلامه، فجعل مراتِ غُسله بعدد مرات الأحاديث غير المكررة. وثمة أمرٌ آخر هنا، وهو أنه قال: "ما وضعتُ"، ولم يقل "ما كتبتُ"، وما ذلك إلا لأنه لم يكتب جميع الصحيح بخط يده، بل كان يُملي في الأعوام الأخيرة على ورَّاقه أبي جعفرٍ، ولفظ الوضع عامٌّ يشمل الإملاء، فإذا أملى فقد وضع حديثًا وأدخله في الصحيح وإن لم يكتبه بيده، ويكون قد اغتسل وصلى ركعتين قبل الجلوس للإملاء.، وهو ما كان يفعله عدد من المحدثين كالإمام مالك، الذي كان يغتسل قبل أن يقعد لإملاء الحديث تعظيمًا لحديث النبيِّ ﷺ . ولقد استبهم علي المرادُ من قول البخاري هذا مدةً، واستنكفت عن إدخاله في هذا الكتاب، وتوجهت إلى الله تعالى ففتَح الله علي في فهمه، وله الحمد والشكر. شرط البخاري في الجامع الصحيح: لم يخرِّج البخاري في كتابه الجامع الصحيح إلا الصحيح من الحديث، بل تحرَّى أعلى مراتب الصحيح. ولذلك وصلت أحاديث الجامع الصحيح إلى أعلى درجات الصحة،

стр. 74

ووُصف بأنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وسبب ذلك الشروط التي نظر إليها وتقيد بها عند جمعه. ولكن البخاري لم يصرِّح بأي شرط في كتابه، وإنما استنبط العلماء شرطه من سَبْرِ أسانيده، ومن بعض كلامه المرويِّ عنه في غير الصحيح. وشرط البخاري في الحديث الصحيح الذي هو مقصود كتابه أن يكون إسناده من شيوخه إلى الصحابي متصلًا من غير شذوذ ولا علة. وأن يكون كل راوٍ ثقةً، مشهورًا بالعدالة في نفسه، والضبط لما يرويه، وأن يكون في أعلى درجات الضبط والإتقان بين الرواة عن شيخه. وأن يكون كل راوٍ قد ثبت لقاؤه بشيخه الذي يروي عنه إذا لم يصرح بالسماع منه مرةً، ولا يروي حديثًا خالف راويه الثقاتِ الأثبات. وبين الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي (-٥٠٧) ذلك فقال: "شرط البخاري أن يخرِّج الحديث المتفقَ على ثقةِ نَقَلَتِهِ إلى الصحابيِّ المشهور، من غير اختلافٍ بين الثقات الأثبات، ويكونُ إسناده متصلًا غيرَ مقطوع. وإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ، وإن لم يكن إلا راوٍ واحدٌ وصحَّ الطريقُ إليه كفى". كيف وصل إلينا الجامع الصحيح: هذا سؤال هامٌ طرحه في سياق التشكيك بعض الغرباء عن العلوم الإسلامية، ومن تكلم في غير فنه واختصاصه أتى بالعجائب. ذلك أن لكل كتاب في الإسلام طريقًا للرواية.، إما بالسماع من المؤلف أو القراءة عليه أو الإجازة منه. وبما أن صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وهو عمدة الأمة في السنة المطهرة، فقد لقي من الاهتمام بنقله وروايته وحفظه ما يليق به، وسنؤجل الحديث عن أوجه الاعتناء به إلى فصل خاص، ونقصر الكلام هنا على نقله وروايته، لنصل إلى أن الأسانيد التي نُقل بها صحيح البخاري إلينا أسانيدُ متواترةٌ، وصلت إلى

стр. 75

أعلى درجات الثبوت واليقين والاطمئنان. وبيان ذلك: أن نسبة الكتاب إلى مؤلفه قد اشتهرت في حياته من عدة أوجه: ١. عرض البخاريُّ كتابه على جماعة من شيوخه، منهم الإمام علي بن المديني والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبو زُرعة الرازي. ٢. حدَّث البخاريُّ بكتابه في عدة بلاد أمام جموع تصل إلى الآلاف. ٣. روى عن البخاريِّ كتابه عدد كبيرٌ من التلاميذ نقلوه إلى الطبقة التي بعدهم. ٤. وهكذا رُوي طبقةً بعد طبقة من قبل جمع عن جمع، حتى وصل إلينا بطريق التواتر .. وما يزال الكتاب من زمان مؤلفه إلى هذا اليوم يُقرأ ويُدرَّس في المساجد والمدارس الإسلامية في كل مدينة من مدن الإسلام الكبرى. وقد عقدنا فصلًا لأشهر رواة الصحيح عن مؤلفه، وفصلًا لبيان أسانيدنا في روايته عن مؤلفه. منهج البخاري في تبويب الجامع الصحيح: قال الحافظ العسقلاني: "قال الشيخ محيي الدين نفع الله به: ليس مقصود البخاري الاقتصارَ على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها، والاستدلال لأبوابٍ أرادها.، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فيه فلان عن النبي ﷺ أو نحو ذلك. وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقًا. وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسئلة التي ترجم لها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا. ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديثٌ واحدٌ، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، وبعضها لا شيء فيه ألبتة. وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين
следующие страницы →