Полный текст (117 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وبغلة ناجية. فأعطاه، أو فبعث بها إليه.
وقال بعض المحارفين «١» الفقراء، أو الطّياب الشعراء:
أتراني أقول يوما من الدّهر ... لبعض التّجار أفسدت مالي
أو تراني أقول: من أين جاءت ... لدوابي بذا الشّعير جمالي
أو تراني أقول: يا قهرماني ... سل غلامي موفّقا عن بغالي
أو تراني أمرّ فوق رواق ... لي عال في مجلس لي عالي
أسرجوا لي، فيسرجون دوابي ... فأقول: انزعوا السّروج، بدالي
هذيانا كما ترى وفضولا ... دائم النّوك «٢» من عظيم المحال
ومن هذا الباب قول الآخر:
أخيّ قد أوّب الحجيج وما ... أملك لا بغلة ولا فرسا
الله بيني وبين كلّ أخ ... يقول: اجدم وقائل: عدسا
وقال رجل من بني شيبان، واقترض، فندم بعد أن ركب البغال المقصّصة بدلا من النجائب والخيل:
بدّلت بعد نجائبي وركائبي ... أعواد سرج مقصّص هملاج
ووقعت في عدس كأنّي لم أزل ... شنقا «٣» لقولي للنّجائب: عاج
والله لولا أن أضيّع غزوتي ... لرجعت منقلبا لها أدراجي
وقال الحسن بن هانىء:
غنيت بمركب البرذون حتّى ... أطاح الكيس إغلاء الشّعير
стр. 37
فحلت إلى البغال فأعوزتني ... وحلت من البغال إلى الحمير
فأعيتني الحمير فصرت أمشي ... أزجّي المشي كالرّجل الكسير
وما بي، والحميد الله، كسر ... ولكن فقد حملان الأمير «١»
وقال ربيعة الرّقّيّ «٢» :
وبلائي أن أمّي ... أثقلتني بإزاري
فإذا ما قمت أمشي ... همّ خصري بانبتار
كلّ ذا أحمل وحدي ... أين من اّمّي فراري
أمّتا هذا وربّي ... حمل برذون بخاري
أمّتا لست ببرذو ... ن ولا بغل مكاري
وقال الحكم بن عبدل «٣» :
مررت على بغل تزفّك تسعة ... كأنّك ديك مائل الرّأس أعور
تخايلت في جنّيّة لتروعنا ... وأنت إلى وجه يزينك أفقر
وقال حنظلة بن عرادة «٤»
تخيرت الملوك فحطّ رحلي ... إلى سلم ولم يخط اختياري
يقولون اعتذر من حبّ سلمى ... إذن لا يقبل الله اعتذاري
إذا مرّت بجسركم بغالي ... فقوموا فانظروا في شأن داري
стр. 38
وقوموا ظالمين فهدموها ... والقوا من صحيفتكم صغاري
وحمل أبو دفافة بن سعيد بن سلم دعبلا الشاعر على بغل، فوجده- زعم- ذا عيوب فكتب إليه:
حملت على أعرج حارن ... فلا للرّكوب ولا للّثمن
حملت على زمن شاعرا ... فسوف تكافا بشكر زمن «١»
وخرج أبو هرمة الفزاريّ من منزله على بغلة فارهة، فشرب بكلّ ما معه واحتاج، فبادل بالبغلة حمارة، وقال:
خرجت ببغلة من عند أهلي ... فجئت بها وقد صارت حماره
فمن يك سائلا عنّي فإنّي ... أنا الغاوي خليع بني فزاره
وبادل محمد بن الحارث قينة ببرذون؛ فألفاه صديق له صلاة الغداة وقد ركبه، فقال:
عجت بالسّاباط يوما ... فإذا القينّة تلجم
قينة كانت تغنّي ... مسخت برذونا ادهم
وقال الآخر:
يا فتح لو كنت ذاخزّ أجرّره ... تحتي سليم الشّظا من نسل حلّاب
أو كنت ذا بغلة سفواء ناجية ... وشاكريّين لم أحبس عن الباب
أزري بنا أنّنا قلّت دراهمنا ... والفقر يزري بآداب وأحساب
стр. 39
وقال أبو العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة:
أخت بني شيبان مرّت بنا ... ممشوطة كورا على بغل
تكنى أبا الفضل فيامن رأى ... جارية تكنى أبا الفضل
وأشعار ذكروا فيها البغال بالتهجين، ولم يقصدوا إلى أعضائها بشيء، ومنها ما أرادوا بها من تحياز ركوبها، قال بعضهم في هجاء الموالي:
تأمّلت أسواق العراق فلم أجد ... دكاكينها إلّا عليها المواليا
جلوسا عليها ينفضون لحاهم ... كما نفضت عجف البغال المخاليا
وقال طارق بن أثال الطائي:
ما إن يزال ببغداد يزاحمنا ... على البراذين أمثال البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلة ... من الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجية ... ومن ثياب وقول غير موزون
وقال بعضهم في تشبيه الشيء بالشيء، وهذا شعر ينبغي أن يحفظ:
وهيّج صوت النّاعجات عشيّة ... نوائح أمثال البغال النّوافر «١»
يمخّطن أطراف الأنوف حواسرا ... يظاهرن بالسّوءات هدل المشافر
بكى الشّجو ما دون الّلهى من حلوقها ... ولم يبك شجوا ما وراء الحناجر
стр. 40
وما سمعنا في صفة النوائح المستأجرات، وفي اللواتي ينتحلن الحزن وهنّ خليّات بال، بأحسن من هذا الشعر.
وها هنا باب من الشعر حسن، وليس من هذا بعينه، ولكنه قد يشاكله من باب. قال الشاعر:
ألا لا يبالي البرد من جرّ فضله ... كما لا تبالي مهرة من يقودها
وقال آخر:
لا يحفل البرد من أبلى حواشيه ... ولا تبالي على من راحت الإبل
وقال آخر:
أهينوا مطاياكم فإنّي رأيته ... يهون على البرذون موت الفتى النّدب
وقال آخر:
وإنّي لأرثي للكريم إذا غدا ... إلى طمع عند الّلئيم يطالبه
وأرثي له من مجلس عند بابه ... كمرثيتي للطّرف والعلج راكبه
وقال مسلم بن الوليد في برذون ابن أبي أميّة «١» :
قل لابن أميّ: لا تكن جازعا ... لا يرجع البرذون باللّيت
طأمن من جأشك فقدانه ... وكنت فيه عالي الصّوت
وكنت لا تنزل عن ظهره ... ولو من الحشّ إلى البيت «٢»
ما مات من سقم ولكنّه ... مات من الشّوق إلى الموت
стр. 41
وأنشد:
بكت عيني لبرذوني السّمندي ... بكاء أخي محافظة وودّ
وكان لنا حمولة كلّ زقّ ... وكان لكلّ سكبان مؤدّي
стр. 42
[باب طباع البغال]
* قال: ركب صخر بن عثمان بغلا، ليبكّر عليه في حاجة، فقال له عثمان بن الحكم، وهو سيّد ثقيف في عصره: إن كنت تركبه على أنه عدوّ فاركبه، وإلا فدعه.
وقال أبو الحسين النخّاس- واسمه الحارث، وهو الذي يقال له مؤمن آل فرعون- إنما يجمح البرذون ليصرع راكبه فقط، ألا تراه إذا سقط عنه، أو رمى بنفسه عن ظهره، وقف البرذون؛ إلّا برذونا واحدا، فأنّي رأيته شدّ عليه بعد أن ألقاه، يكدمه ويرمحه، وكان الناس يشدّون عليه، فيتنحّي عنه ويشدّ عليهم، فإذا أجفلوا من بين يديه رجع إليه يكدمه ويرمحه.
وقال من يذم البغال: البغل كثير التلوّن، به يضرب المثل، وهو مع هذا قتّال لصاحبه. قال ابن حازم الباهليّ «١» :
ما لي رأيتك لا تدو ... م على المودّة للرّجال
стр. 43
متبرّما أبدا بمن ... آخيت، ودّك في سفال
خلق جديد كلّ بو ... م مثل أخلاق البغال
وقال آخر في تلوّن أخلاقه:
ومتى سبرت أبا العلاء وجدته ... متلوّنا كتلوّن البغل
قال آخر:
يزيد تزري به عندي سجيّته ... كالبغل، لا شاعر فحل ولا راوي
وقال عثمان بن الحكم: كان عندنا في الحيّ فتى ولدته امرأة مذكّرة، لرجل مؤنّث: فما رأيت ولا سمعت بخلق رديّ من أخلاق البغال، إلّا وقد رأيته فيه.
وقال آخر:
الشّؤم منها في ذوات الحجل ... وغرّة تصدع جمع الشّمل
وهو خلاف الفرس الهبلّ ... وكلّ طرف ذائل رفلّ «١»
قد حذر النّاس أذاه قبلي ... وعدّدوا كلّ قتيل بغل
من ناشىء غرّ وكهل جزل ... وسائس ورائض مدلّ
وكلّهم قال بقول عدل ... وليس يحصى عيبه ذو عقل
إلّا الّذي يعلم عدّ الرّمل ... منهم أبو الفضل أخي وشكلي
مجرّح الوجه كسير الرّجل ... ومزيد وجابر المستملي
كان معبد بن أخضر المازنيّ- وهو أخو عبّاد بن أخضر قاتل أبي بلال الخارجي «٢» - عند سعيد بن عبد الرحمن بن عتّاب، فخرج من
стр. 44
عنده يوما على بغل فصرعه، وكسر سرجه، فركبه عريا، وانصرف إلى أهله، فقال:
أما والله يابن أبي سعيد ... جزاك الله شرّا من عميد
فلو في دار طلحة دقّ سرجي ... لأدّاني على سرج جديد
فبعث إليه طلحة بسرج.
وأما ربيعة بن أبي الصّلت «١» ، فقتله بغل على باب عبد الله بن عبّاس. ومن ولده كلدة بن ربيعة، وكان شريفا شاعرا.
وممّن قتلته بغلته، خالد بن عثمان بن عفّان، ﵁؛ وذاك أن خالدا كان بالسّقيا، فقال: هذا يوم الجمعة، لئن لم أجمّع مع أمير المؤمنين إنها للسّوءة السّوءى! فركب بغلة له لا تساير، فسار سبعين ميلا، فأتى المدينة في وقت الصلاة: فخرّ ميّتا، ونجت البغلة.
وممن قتلته البغال، المنذر بن الزّبير، وكان يكنى أبا عثمان؛ حمل على أهل الشام وهو على بغلة وردة، بعد أن ألحّ عليه عبد الله بن الزّبير يذمره «٢» ؛ فلما سمعت البغلة قعقعة السّلاح نفرت، فتوقّلت «٣» به في الجبل، حتى أخرجته من حدود أصحابه؛ فاتّبعه أهل الشام؛ فناداه عبد الله: انج أبا عثمان، فداك أبي وأمّي! فعثرت البغلة، ولحقه أهل الشام، فقتلوه. ولذلك قال يزيد بن مفرّغ في هجائه لعبيد الله بن زياد:
لابن الزّبير غداة يمر منذرا ... أولى بغاية كلّ يوم دفاع
وأحقّ بالصّبر الجميل من آمرىء ... كزّ أنامله قصير الباع
стр. 45
قال: وأردف عبّاسا المشوق الشاعر، بعض الفتيان خلفه على بغلة له، ووعده أن يهب له ويكسوه، وحرن البغل، فسقط الرجل فاندقّت فخذاه، فقال المشوق:
ليت ما أمسى برجلي ... ك برجلي وبكفّي
ليس للبغلة ذنب ... إنّما الذّنب لحرفي
وممن صرعته بغلته: البردخت الشاعر، واسمه عليّ بن خالد- وهو الذي كان هجا جرير بن عطيّة، فقال جرير: من هذا الهاجي؟
قالوا: البردخت. قال: وأيّ شيء البردخت؟ قالوا: الفارغ. قال:
فلست أوّل من صيّر لهذا شغلا.
وكان زيد الضبّيّ هو الذي حمله على ذلك البغل الذي صرعه، فقال:
أقول للبغل لمّا كاد يقتلني ... لا بارك الله في زيد وما وهبا
أعطاني الحتف لمّا جئت سائله ... وأمسك الفضّة البيضاء والذّهبا
وهو الذي كان هجا زيدا بأنه حديث الغنى، وأتاه وهو أمير في يوم حفله، فقال:
ولست مسلّما ما دمت حيّا ... على زيد بتسليم الأمير
فقال زيد: لا أبالي والله! فقال هو:
أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير
قال: إي والله! قال:
فسبحان الّذي أعطاك ملكا ... وعلّمك الجلوس على السّرير
قال زيد: نعم، سبحانه! فخرج وعليه فضل.
стр. 46
قالوا: ونفر بغل كان تحت محمد بن هارون، أخي سهل بن هارون البليغ الكاتب الشاعر. قالوا: وإنما كان البغل ارتدّ فزعا، فقطع من جوفه بعض العلائق، فمات على ظهره، في وسط مربّعة باب عثمان نهارا.
وقد تصدم الدابّة الدابة، فيموت الراكبان والمركوبان.
وخبّرني سعيد بن أبي مالك أن غلاما كان لبعض أهل القطيعة ينيك بغلة لمولاه؛ وأنها في بعض الأيام وقد أدعم فيها، فاستزادته، فتأخّرت وتأخّر، حتى أسندته إلى زاوية من الإصطبل، فضغطته حتى مات. ودخل بعض الغلمان لبعض الحوائج، فرأى الباب عليهما مغلقا، فنادى باسم الغلام فلم يجبه؛ فقلع الباب، فإذا الغلام مسند إلى الزاوية وقد مات، وهي تضغطه، فصاح فتنحّت وسقط الغلام ميّتا.
ويقولون: إنها تفضح السائس الذي يكومها، لأنها تتلمّظ إذا عاينته، ولا تفعل ذلك بغيره، فهي إمّا أن تقتل، وإمّا أن تفضح.
وأنشدوا لقيس بن يزيد، في هجائه ابن أبي سبرة «١» حين رماه بنيك بغلته، قال:
نبئت بغلتك الّتي أتلدتها ... لا تستقرّ لديك ما لم تسفد «٢»
تدنو بمؤخرها إليك إذا رأت ... أن قد علوت لها جدار المذود
قالوا: ولما أخذ فتيان من فتيان بني كليب الفرزدق، وأتوه بأتان، وقالوا: والله لتنزونّ عليها، كما رميت عطّية بن الخطفي، أو لنقتلنّك! قال: إن كان فهاتوا الصخرة التي كان يقوم عليها إذا ناكها، حتى
стр. 47
أنالها! فضحكوا جميعا من ظرفه، وخلّوا سبيله.
وممن قتلته البغال: زيد بن حلق الرّائض، وولد حلق معروفون عندنا بالبصرة.
وممن قتلت البغال: محمد بن سعيد بن حازم المازنيّ، وعمرو ابن هدّاب أحد عمومته، قتله بغل بتستر.
ومات المهلّب بن أبي صفرة على ظهر دابّته بالطّالقان «١» .
ومات إياس بن هبيرة العبشميّ صاحب الحمالة، على ظهر حمار.
ولم يمت على ظهر حمار كريم.
وكانت بغلة أعين المتطبّب تصرع، وكان أعين يصرع، فصرعا مرّة معا قبالة دور بني السّمهريّ، فقام رجال منهم فأدخلوه الدار، فنوّموه على فراش، ووكّلوا بالبغلة من أدخلها الإصطبل، فلمّا أفاق وفتح عينيه أنكر موضعه، فقالوا: إنما أنت في دار بني السّمهريّ، وهم إخوتك وأهلك. فقال: كيف أشكركم وأنتم أعدّ وأيسر؟ ولكن أعلّمكم بعض ما لا غنى بكم عنه: إذا أتى أحدكم الغائط فليمتسح بشقق القصب، فإنّه إن كان هناك شيء من هذه الأورام حلقه واستأصله على الأيام، وإن لم يكن هناك شيء لم تعرض له هذه العلّة ما دام يستعمل القصب. وإن خرجت على أحد منكم بثرة فلا يحكّها، وإن دغدغته ووجد فيها أكالا، فإنّ ذلك الحكّ ربّما أنفر ذلك المكان، وجذب إلى مكانه من الفاسد ما يصير به بثرة، فإن حكّ البثرة فربّما صارت خراجا.
стр. 48
وقال لي كم شئت من أصحاب القصب والبواري: نحن لا تعترينا البواسير؛ لطول قعودنا على القصب والبواري.
стр. 49
* [باب ذكر الانتفاع بالبغال في البريد] * في الجاهلية والإسلام، وتعرّف حقائق الأخبار، وأنّها آلة من آلات السلطان عظيمة، ولا بدّ للسلطان والملوك من تعرّف الأخبار
قيل لشيخ ذي تجربة: ما أذهب ملك بني مروان؟ قال: ما زال ملكهم قائما حتى عميت عليهم الأخبار. وذلك أن نصر بن سيّار، كان صاحب خراسان، قبل خروج أبي مسلم وقوّة أمره، إلى أن قوي عليه حتى هرب منه. وذلك أنه، وإن كان واليا لأربعة خلفاء، فإنه كان مأمورا بمكاتبة صاحب العراق، وإن كان صاحب العراق لا يقدر على عزله، وقد كان يزيد ابن عمر يخاف أن يولّي مكانه نصر بن سيّار، أو مسور بن عمرو بن عباد، فاحتال لمسّور، ولم تمكنه الحيلة في نصر، فكان إذا كتب إليه بالرأي الذي يحسم به من أسباب قوّة المسوّدة، كتب بذلك إلى يزيد، فكان يزيد لا يرفع خبره ولا يمدّه بالرجال، طمعا في أن يهزم أو يقتل، ونسي يزيد أن غلبة أبي مسلم على خراسان، سبب لغلبته على الجبال، وإذا استحكم له ذلك، لم يكن له همّة إلا صاحب العراق. فلما طوى أخبار نصر سدّ وجه الرأي والتدبير على مروان، حتى كان الذي كان.
стр. 50
قالوا: ولما بلغ المأمون اختلاط من حال البريد، وجّه ثمامة بن أشرس «١» ، ليتعرّف له ذلك. فلما رجع إليه وسأله، قال: يا أمير المؤمنين، تركت بغلا على معلف كذا وكذا وهو يقرأ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها.
ومررت بسكّة أخرى، فإذا بغل قد عدا على رجل عليه طيلسان أخضر، يظنّه حزمة علف، فعدا الرجل وعدا خلفه البغل، فصحت بالرجل: اطرح الطيلسان! فلما طرحه وقف البغل يشمّه.
ومررت بسكّة أخرى، وإذا على المعلف بغل، وإذا هو يغنّي:
ولقد أبيت على الطّوى وأظّله ... حتّى أنال به كريم المأكل
ومما قالوا في شأن البريد وأصحابه، قول ابن أبي أميّة:
إنّ ابن شاهك قد ولّيته عملا ... أضحى وحقّك عنه وهو مشغول
بسكّة أحدثت ليست بشارعة ... من دونها غيضة في وسطها غيل «٢»
ترى فرانقها في الرّكض مندفعا ... تجري خريطته والبغل مشكول «٣»
وقال دعبل في بعض رجال العسكر، ممن كان ولي البريد:
ألا أبلغا عنّي الإمام رسالة ... رسالة ناء عن جنابك شاحط
بأنّ ابن زيد حين يسحج شاحج ... يمرّ على القرطاس أقلام غالط
стр. 51
أحبّ بغال البرد حبّا مداخلا ... يكلّفه إثباتها في الشّرائط
ولولا أمير المؤمنين لأصبحت ... أيور بغال البرد حشو الخرائط
وقال دعبل أيضا:
من مبلغ عنّي إمام الهدى ... قافية للعرض هتّاكه
لهذا جناح المسلمين الّذي ... قد قصّه بوليك الحاكه
أضحت بغال البرد منظومة ... إلى ابن زيد تحمل النّاكه
وذكر الفرزدق في مرثية وكيع بن أبي سود «١» البرد، فقال:
لتبك وكيعا خيل ليل مغيرة ... تساقى المنايا بالرّدينيّة السّمر
لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة ... دعوها وكيعا والجياد بهم تجري
وبين الّذي يدعو وكيعا وبينه ... مسيرة شهر للمقصّصة البتر
وقال ابن المعذّل «٢» في جارية لبعض ولد سعيد بن سلم، وقد ولي البريد:
دهتك بعلّة الحمّام فوز ... ومال بها الرّسول إلى سعيد
أرى أخبار دارك عنك تخفى ... فكيف وليت أخبار البريد
ولمّا فخّم ابن غسطة عظيم الروم شأن ملكه، ثم قال للرسول:
стр. 52
هل عندكم بعض ما تعارضوني به؟ قال: نعم، لملكنا أربعون ألف بغل موقوفة على إبلاغ رسائله وأخباره، من واسطة ملكه إلى أقطار سلطانه. فأفحمه.
يعني بغال البريد. قال هذا وحال البرد على غير هذه الحال، ولم يعرفوا توجيه الخرائط «١» في الماء، وعلى أيدي الرجال.
وابن غسطة هو الذي ذكره سلم الخاسر «٢» في قصيدته التي مدح فيها الرّشيد، قال:
منع ابن غسطة رأسه بخراجه ... ولقد يكون وما عليه خراج
قالوا: ولمّا رأى نصر أنّ يزيد بن عمر يميت أخباره، ليموت ذكره عند الخليفة كتب إليه:
أبلغ يزيد وخير القول أصدقه ... وقد علمت بأن لا خير في الكذب
وكتب إليه:
أرى تحت الرّماد وميض نار ... فيوشك أن يكون لها ضرام
فإنّ النّار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها الكلام
فقلت تعجّبا: يا ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام
حدثني عليّ بن المديني، قال: كان يزيد بن زريع «٣» إذا سمع
стр. 53
أصحاب الحديث يخوضون «١» في أبي حنيفة، وفي كيف عظم شأنه بعد خموله، قال: هيهات! طارت بفتياه البغال الشّهب! قالوا: ووجّه معاوية لما كلّموه في يزيد بن ربيعة بن مفرّغ رجلا مجرّدا، لإخراجه من السجن، فخرج حتى أتى سجستان فأخرجه، فبلغ ذلك عبّاد بن زياد، فأرسل إلى حمحام، فلما رأى عهد معاوية كفّ، وأقبل حمحام بابن مفرّغ على بغلة من بغال البريد، وأنشأ ابن مفرّغ يقول:
عدس ما لعبّاد إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
طليق الّذي نجّى من الكرب بعد ما ... تلاحم في درب عليك مضيق
قوله: «عدس ما لعبّاد عليك إمارة» ، فزعم ناس أن «عدس» اسم لكلّ بغلة كمن، وذهبوا إلى قول الشاعر:
إذا حملت بزّتي على عدس ... على الّتي بين الحمار والفرس
فما أبالي من غزا ومن جلس
قالوا: وإنما قوله: «عدس» على مثل قول خالد بن صفوان حين فاخر اليمانية، وقال: «والله ما منهم إلّا ناسج برد، أو سائس قرد، أو دابغ جلد، أو راكب عرد «٢» ، غرّقتهم فأرة، وملكتهم امرأة، ودلّ عليهم هدهد» .
وقال آخرون: قولهم: «عدس» للبغلة مثل قولهم: «سأسأ» للحمار، و «حا» للجمل، و «حل» للناقة. ألا تراه حين سخر
стр. 54
الأعرابيّ من صاحبه، وحين جهّله قال:
يقول للنّاقة قولا للجمل ... يقول حا ثمّ يثنّيه بحل
قالوا: ألا ترون أنّ الفرزدق لما خلع لجام بغلته، وأشرعها في ثغاب مسجد بني أسيّد، قال له جرنفش المجنون: نحّ بغلتك، جدّ الله ساقيك! قال الفرزدق: ولم عافاك الله؟ قال: لأنك زاني الكمرة «١» ، كذوب اللسان. فلما سمع ذلك منه ركب بغلته، وقال: عدس، كما يقال للفرس «اجدم» ، وللثور: «وح» .
وقد ذكر امرؤ القيس البريد، فقال:
ونادمت قيصر في ملكه ... فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكّة ... سبقت الفرانق سبقا بعيدا
ومما قالوا: في البريد، قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
طال ليلي وبت أسقي المداما ... إذ اتاني البريد ينعي هشاما
وأتاني بحلّة وقضيب ... وأتاني بخاتم ثم قاما
وذكر البريد الكميت في مديح أسماء بن خارجة، فقال:
إذا ما مات أسماء بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السّماء
ولا قام البريد بغنم جيش ... ولا حملت على الطّهر النّساء
قيوم منك خير من رجال ... يروح عليهم نعم وشاء
وقال أيمن بن خريم الأسديّ»
:
стр. 55
ركبت من المقطّم في جمادي ... إلى بشر بن مروان البريدا
فلو أعطاك بشر ألف ألف ... رأى حقا عليه أن يزيدا
وقال آخر:
إذا ما بريد الشّام أقبل نحونا ... ببعض دواهي الدّهر سار فأسرعا
فإن كان شرّا سار يوما وليلة ... وإن كان خيرا قصّد السّير أربعا «١»
سمعت أبا شعبة الأعمى المعبّر، ونحن بالنّهروان، سنة قدم الحسن بن سهل، وهو يقول لمويس بن عمران «٢» : اذكر لإخوانك هؤلاء رؤياك، وتعبيري لها. قال: نعم، قلت لك: رأيت فيما يرى النائم كأنّي على بغل بريد، فقلت لي: تحمّ يومين وثلثي يوم، فكان كما قلت؛ فسألتك عن العّلة، فقلت: لأن تشريف ذنب البغلة تشريفتان وثلثا تشريفة.
وقال الأصمعيّ: أرسل الحجّاج إلى الجرميّ المعبّر، ييسأله عن رجل رأى كأنّه على بغلة، وكأنه على شرف، وكأنه يستفّ ترابا، فقال له: أما البغل فطول عمر، وأما الشرف فشرف من شرف الدنيا، وأما التّراب ففيء تأكله.
وقالوا: وسأل بعض المصريّين الفرّاء المعبّر، فقال: رأيت كأنّ معي درهما بغليّا. قال: لست تمسي حتى تأكل شيئا طيّبا. فكان كذلك.
стр. 56
ثم أتاه بعد أيّام، فقال: رأيت فيما يرى النائم كأنّ معي درهما بخيّا. قال: لست تمسي حتى تضرب ضربا وجيعا! فكان كذلك.
فسأله عن العّلة، فقال: الدرهم البغليّ مكتوب عليه بالفارسيّة: «خش بخر» ترجمة هذه الكلمة: «كل طيّبا» . والدّرهم البخيّ مكتوب عليه: «ضرب هذا الدرهم» . وهما مختلفان.
وأنشد الحكم بن عبدل أسماء بن خارجة شعرا ذكر [فيه] أنه رآه في المنام، فقال:
أغفيت قبل الصّبح نوم مسهّد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنّك رعتني بوليدة ... مغنوجة حسن عليّ قيامها
وببدرة حملت إليّ وبغلة ... شهباء ناجية يصلّ لجامها
فدعوت ربّي أن يثيبك جنّة ... عوضا يصيبك بردها وسلامها
قال أسماء: كلّ ما رأيته في النوم فهو عندنا كما رأيت، إلّا البغلة فإنّها دهماء! قال: أعتق ما أملك إن كان رآها إلّا دهماء، ولكنّه غلط.
ومما اشتقّ من اسم البغل: «الدرهم البغليّ» . وفي بني تغلب «رأس البغل» وهو رئيس من رؤسائهم، وهو الذي كان إبراهيم بن هانىء الخليع نسب إليه.
وإذا كان الإنسان عظيم الرأس لقّبوه: «رأس البغل» .
والبغلات: جوار من رقيق مصر، نتاج ما بين الصّقالبة وجنس آخر، والواحدة منهنّ يقال لها: «بغلة» ، ولهنّ أبدان ووثارة وحدارة «١» .
стр. 57
ويروى عن بعض العراقيّين، قال: كنت عند قاضي مصر، وهو يقول لبعض جلسائه: عندي جارية أطؤها منذ حين، وقد اعتراني شبق، وأنا على أن أشترى بغلة. قلت: وما تصنع ببغلة؟ قال:
أطؤها، وأصيب منها. فقلت في نفسي: هذا أمجن الناس وأحمقهم، يتكلّم بهذا وهو قاض؟! ثم حكيت ذلك عند رجل من أهل مصر، فقال: عافاك الله، ما منّا من أحد إلّا وعنده بغلات ينيكهنّ! فتعجّبت، فلما رأى إنكاري ذلك، فسّر لي معنى البغلة عندهم.
قالوا: وإذا عظمت المرأة، وعظم بطنها، قالوا: «ما هي إلّا بغلة» ، وما رأس فلان إلّا رأس بغل، وما أيره إلّا أير بغل، وما خلقه إلّا من أخلاق البغال.
والمثل السائر: «كأنه جاء برأس خاقان «١» » ، «ورأس الجالوت» «٢» ، و «رأس الفاعوس «٣» » ، و «رأس الكيتبة والقبيلة» .
فلذلك قال عمرو بن كلثوم:
برأس من بني جشم بن بكر ... ندقّ به السّهولة والحزونا
وقال أبو المهوّش الأسديّ «٤» :
تراه يطوّف الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
ورأس بن أبي الرأس القائد، مشهور معروف.
ويقولون: «هذا على رأس الثّمام» .
стр. 58
وبالشّام موضع يقال له: «بيت رأس» تباع فيه الخمر؛ ولذلك قال الشاعر:
مجاجة كرمة من بيت رأس
وبيت رأس بالشام مثل.... أبيات، وبيت لهيا.
ويقال: فلان رأس من الرؤوس.
والرأس: رئيس السّوّاس.
ومن سير الإبل سير يسمّى: «التبغيل «١» » ، قال الراعي:
وإذا ترقّصت المفاوز غادرت ... ربذا يبغّل خلفها تبغيلا
والبغيلة: اسم ناقة كانت لجميل بن معمر، ولذلك قال:
أضرّ بأخفاف البغيلة أنّها ... حذار ابن ربعيّ بهنّ تحوم
ولذلك قال الرّقاشيّ «٢» في صفة ناقة له تسمّى «سروة» :
لعمرك ما البغيلة حين تغدو ... وصيدح حين تسرح في الرّحاب
كسروة حين تذرع عرض خرق ... بعيد الآل مشتيه الظّراب
ومما قالوا في البريد، قال رجل من الأنصار عند ولاية عمر بن عبد العزيز، ﵁:
ثمّ جاء البريد يخبر أنّ ال ... قوم طرّا لم يحرموا التوفيقا
стр. 59
من سكون وألفة واجتماع ... لم يفارق منهم فريق فريقا
قلّدوا الأمر سيّد النّاس كلّ ال ... نّاس نفسا وأسرة وعروقا
من أبوه عبد العزيز بن مروا ... ن ومن كان جدّه الفاروقا
وقال ابن أذينة اللّيثيّ «١» :
أتانا البريد التّغلبيّ فراعنا ... له خبر شفّ الفؤاد فأنعما
بموت أبي حفص فلا آب راكب ... بموت أبي حفص أخبّ وأرسما «٢»
وذكر يزيد بن معاوية البريد، فقال:
جاء البريد بقرطاس يخبّ به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم ... قالوا: الخليفة أمسى مدنفا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأنّ أغبر من أركانها انقلعا
وقد كان أيضا بالكوفة [نتاج «٣» ] بين الخراسانيّة والهنديّات، وكان أملح وأحسن قدودا من البغلات اللواتي بمصر؛ وكانت ألوانهنّ تجيء ذهبيّة، لها حلاوة الهندية، وروعة الخراسانية.
وكذلك مطهّمات جواري الكوفة، زرقا تجدهنّ، إلّا الواحدة بعد
стр. 60
الواحدة، وإنّما الثمينات المرتفعات، والغوالي الخطيرات بصريّات، مثل عجوز عمير، ومتيّم، وبذل، وعريب، وبذل: جارية المراكبيّ، وشارية: جارية إبراهيم بن المهدي، وزرياب الكبرى، وعساليج:
جارية الأحدب، وفضل: جارية العبديّ. وقبل هذا سلسل وأشباه سلسل.
وبرد كتب الملوك كانت تختلف ما بين فرغانة القصيا إلى السّوس الأقصى، وكانت البرد منظومة إلى كسرى، من أقصى بلاد اليمن إلى بابه، أيام وهرز «١» ، وأيام قتل مسروق «٢» ، عظيم الحبشة. وكذلك كان عظيم الروم. قال امرؤ القيس:
ونادمت قيصر في ملكه ... فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكّة ... سبقت الفرانق سبقا بعيدا
وكذلك كانت برد كسرى إلى الحيرة: إلى النعمان وإلى آبائه.
وكذلك كانت برده إلى البحرين: إلى المكعبر مرزبان الزّارة «٣» ، وإلى مشكاب، وإلى المنذر بن ساوى، وكذلك كانت برده إلى عمان، إلى الجلندى ابن المستكبر. فكانت بادية العرب وحاضرتها مغمورتين ببرده، إلّا ما كان من ناحية الشام؛ فإنّ تلك الناحية من مملكة خثعم وغسّان إلى الروم، إلّا أيّام غلبت فارس على الروم. ولذلك صرنا نرى النواويس بالشّامات إلى قسطنطينية «٤» .
стр. 61
وهل كانت برد كسرى إلى وهرز، وباذام، وفيروز ابن الدّيلميّ، وإلى اليمن، وإلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى النّعمان بالحيرة، إلّا البغال؟ وهل وجدوا شيئا لذلك أصلح منها؟.
ومما ذكروا به شأن البغال في الشعر وغيره، قول الشاعر:
جعل ابن حزم حاجبين لبابه ... سبحان من جعل ابن حزم يحجب
وعجبت أن ركب ابن حزم بغلة ... وركوبه فوق المنابر أعجب
وقال أعشى همدان، في خالد بن عتّاب بن ورقاء «١» - وكنية خالد أبو سليمان، اكتنى بكنية خالد بن الوليد، فقال:
تمنّيني إمارتها تميم ... وما أمّي بأمّ بني تميم
وكان أبو سليمان خليلي ... ولكنّ الشّراك من الأديم
أنينا أصبهان فهزّلتنا ... وكنّا قبل ذلك في نعيم
أتذكرنا ومرّة إذ غزونا ... وأنت على بغيلك ذي الوشوم
ويركب رأسه في كلّ وهد ... ويعثر في الطّريق المستقيم
وليس عليك إلّا طيلسان ... نصيبيّ وإلّا سحق نيم «٢»
وكان عكرمة بن ربعيّ التّيميّ، الذي يقال له «الفيّاض» ، يعجب ببغلة عنده، وكان على شرط الحجّاج، وكان لا يأتي الحجّاج في موكبه مع الأشراط والوجوه إلّا عليها، وفيها يقول عكرمة:
стр. 62
لم أر شيئا بين شيئين مثله ... أشدّ انتزاعا للتّشابه في الأصل
تقسّمه أطرافه فاستزالها ... بقسمة عدل من يدي حكم عدل
وأنشد أبو زيد النحويّ:
فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح «١»
стр. 63
ومؤنته في الصّيف والشّتو واحد ... ولا خير في المؤنات من حامل الكلّ
ولا تركب الأرماك والحجر دونها ... لدى المصر والبغلات تركب كالبغل
وقد فرّق الرّحمن بين شكولها ... كما بين عير الوحش والآخر الأهلي
وفي البغل في كلّ الأمور مرافق ... ومركب قاض أو شيوخ ذوي فضل
فيركبها والخيل محدقة به ... ويؤثرها يوم المباهاة والحفل
وقد جاوزت في السوّم كلّ مثمّن ... من الرّائع المنسوب والجامل البزل «١»
يفوت هماليج البراذين سيرها ... على قحة الأعيار من شبه النّجل
стр. 64
* [باب ركوب البغلة والطمع في القضاء] *
ونحن بالبصرة إذا رأينا الرجل يطلب الرأي، ويركب بغلا، ويردف خلفه غلاما، قضينا بأنه يطمع في القضاء. قال ابن الممزّق:
إذا ركب الشّيخ الشّريف بغيلة ... وناظر أهل الرّأي عند هلال
فذاك الّذي يبغي القضاء بسمته ... ....... الذّئب أمّ غزال
فإن أردف العبد الصّغير وراءه ... فويل لأيتام وإرث رجال
وإن ركب البرذون واشتدّ خلفه ... فصاحب أشراط وحمل إلال «١»
وقال ابن مناذر في واحد من هذا الشكل:
رأيت أبا موسى يغرّ بسمته ... ويقسم في الجيران كرّ طعام «٢»
ويخدعهم والله غالب أمره ... بقدّ كقدّ المشرفيّ حسام
يريد قضاء المصر والمصر منكر ... لكلّ مراء مهتر بغلام
стр. 65
ببشر وسمت واكتئاب وخشعة ... وكثرة تسبيح ولين كلام
ويركب بغلا ثمّ يردف خلفه ... غلاما كما أبصرت شقّ جلام
يريد هلالا لا يحاول غيره ... وقدما سما للرّأي غير مام
سواء لذي الرّأي الشّريف وغيره ... إذا كنت ذا حفظ فلج بسلام
يصير فقيها في شهور يسيرة ... فيالك حفظا لم يشب بغرام
ولو كان خيرا كدّ ... ... كما كدّ ذا الآثار بعد مرام
وما ضرّ سلمانا «١» وكعبا «٢» وبعده ... شريحا وسوّارا «٣» ورهط هشام «٤»
وياسا وياسا والغلابيّ بعده ... ألآك الأولى كانوا نجوم ظلام
وما عرفوا النّعمان.... ... ولا زفر المسقيّ صوب غمام
لقد تاب ممّا أحدث القوم توبة ... لساعة إخلاص ووقت حمام
قالوا: ويشبّهون الأسد بالبغل، إذا كان الأسد تامّ الخلق. قال نهشل بن حرّيّ:
وما سبق الحوادث ليث غاب ... يجرّ لعرسه جزر الرّفاق
стр. 66
كميت تعجز الخلعاء عنه ... كبغل السّرج خطّ من الوثاق
وقال أبو زبيد الطائيّ:
من الأسد عاديّ ... بصوته ... رءوس الجبال الرّاسيات ...
كأنّ اهتزام الرّعد خيط بجوفه ... إذا جرّ فيه الخيزران المعتّر «١»
فأبصر ركبا رائحين عشيّة ... فقالوا: أبغل مائل الرّجل أشقر
أم اللّيث؟ فاستنجوا.... ... فهذا وربّ الرّاقصات المزعفر «٢»
ولأبي زبيد مثلها، في قصيدته التي ذكر فيها شأن كلبه، وشأن الأسد، فقال:
فجال أكدر مشتالا كعادته ... حتّى إذا كان بين البئر والعطن
لاقى لدى ثلل الأطواء داهية ... أسرت وأكدر تحت الّليل في درن
إلى مقابل خطو السّاعدين له ... فوق السّراة كذفرى الفالج الغضن
رئبال غاب فلا قحم ولا ضرع ... كالبغل حطّ من المحلين في شطن
стр. 67
* [باب تأثير البيئة في الحيوانات] *
وزعم ناس من العلماء أنّ الحمير الأخدريّة، وهي أعظم حمير الوحش وأتمّها، زعموا أنّ أصل ذلك النّتاج أن خيلا لكسرى توحّشت، وضربت في العانات، فكان نتاجها هذه الحمير التي لها هذا التمام.
وقال آخرون: الأخدريّة هي الحمر التي تكون بكاظمة ونواحيها، فهي كأنها برّيّة بحريّة.
قالوا: ولا يجيء، فيما بين الخيل والحمير إلّا البغال، وليس للبغل نسل يعيش، ولا نجل يبقى، فكيف لقحت هذه الأتن من تلك الخيل حميرا، ثمّ طبّقت تلك الصحارى بالحمر الخالصة؟.
وقالوا: كان الملك من الأكاسرة إذا اصطاد عيرا وسمه باسمه، وبيومه الذي اصطاده فيه، وأطلقه، فإن تهيّأ أن يصطاد ذلك العير بعينه ملك من بعده، وسمه مع وسم الملك الذي قبله بمثل تلك السّمة وخلّاه يذهب، فكان هذا الصنيع بعض ما كانوا يعرفون به حمير الوحش. فعسى أن تكون هذه الحمير أو بعضها صار في ذلك الصّقع الذي هذا صفته، فإنّ للماء والتربة والهواء في هذا عملا ليس يخفى على أهل التجربة.
стр. 68
[و] كلّ عربيّ بخراسان أصهب السّبال، أحمر اللون، مفطوح القفاء، فإنّ الأعرابيّ الذي انتقل إلى ما هناك كان على ضدّ ذلك.
وقد رأينا بلاد التّرك، فرأينا كلّ شيء فيها تركيّا. ومن رأى دوابّهم وإبلهم علم أنّها تركيّة. وحرّة بني سليم التي جميع طيرها، وسباعها وهوامّها وأهلها كلّهم سود. وهذا كثير جدّا.
وقد نرى جراد البقل وديدانه خضرا، ونرى قمل رأس الشابّ [الأسود الشعر: أسود] ، و [نراه في رأس] الشيخ [الأبيض الشعر:
أبيض] ، و [نراه في] رأس الخاضب بالحمرة. [أحمر] . نعم حتى إنّك لترى في القملة شكلة «١» إذا كان خضاب الشيخ ناصلا.
وهكذا طبع الله الأشياء.
стр. 69
* [باب سفاد البغل وسائر الحيوانات] *
قال أبو شراعة «١» :
[أير حمار في حرامّ شعري ... وأير بغل في حرامّ قدري
لو كنت ذا مال دعاني السّدري
وقال أبو فرعون «٢» :
أير حمار في حرامّ عدنان ... وأير بغل في حرامّ قحطان
ما النّاس إلّا نبط وخوزان ... ككهمس أو عمر بن مهران
ضاق جرابي عن رغيف سلمان
وأنشد:
وعظم أير البغل في رهز فرس ... وطول دحس جمل إذا دحس
стр. 70
والمذكور بطول الكوم»
: الخنزير، والورل، والذّباب، والجمل.
وأنشد:
وما الخنزير والورل المذكّى ... ولا كوم الذّباب ككوم بشر
والعصفور وإن كان كثير عدد السّفاد، فإن الإنسان أكثر منه إذا حصّلت الأمور؛ لأنّ الإنسان إذا كان يهيج الليل والنهار، والصّيف والشتاء، فليس ذلك لشيء غيره؛ ويطأ الحبالى، ويريدها وتريده.
وقيل لشيخ أعرابيّ: امرأتك حبلى؟ فقال: «لا والذي في السماء بيته، ما لها ذنب تشتال «٢» به، لا أتيتها إلّا وهي ضبعة «٣» .
ومن النوادر في غير هذا، قال مسعدة: قيل لأبي القماقم بن بحر السّقّاء: ويحك! متى دخلت بامرأتك، ومتى حبلت؟ وإنما كان هذا أمس! قال: «كان الإناء ضاريا» .
وقيل لحفص مولى البكرات: بامرأتك حمل؟ قال: شيء ليس بشيء!.
وقال [ابن] النّوشجاني: جئت من خراسان، فسرت في بعض الصحارى في غبّ مطر، فكنت قد أرى في الطين الذي قد قبّ «٤» آثار أرجل البهائم والسبّاع الميل والميلين، وكنت لا أزال أرى أثر دابّة لها ستّ أرجل، فلما طال ذلك عليّ سألت الجمّال- أو المكاري- فقلت:
стр. 71
ويلك، تعرف دابة لها ستّ أرجل؟ وأشرت بيدي إلى تلك الآثار.
فقال: إنّ الخنزير طويل المكث في سفاده، وربّما مكث على الخنزيرة طويلا وهي ترتع، ويداه على كتفيها، ورجلاه خلف رجليها، فلا يكاد أن يقضي وطره إلّا بعد أن يقطع من الأرض شيئا كثيرا، فمن هناك ترى ستّ قوائم.
وقال الفرزدق في هجائه عمر بن يزيد الأسيّدي «١» ، وكان طلب منه وقر بغل رطبة «٢» ، فلم يفعل، فقال:
يا عمر بن يزيد إنّني رجل ... أكوى من المسّ أقفاء المجانين
يا ليت رطبتك المهتزّ ناضرها ... كانت أيور بغال في البساتين
حتّى تحبّل منها كلّ كوسلة ... قنفاء خارجة من أوسط الطّين «٣»
وقال آخر:
عراد، إن كنت تحبّين الغزل ... والنّيك حتّى تأجميه والقبل «٤»
فإنّ عمرا قد أتاك أو أظل ... يحمل أيرا مثل جردان الجمل
لو دسّ في متن صفاة لدخل
قال: نرى أنّه إنّما أراد الصلابة.
وقالوا: أير الثّور أطول وأصلب.
قال صاحب البغل: ليس بأطول، ولو كان أطول كانت البقرة لا تقف للثور، وإنما يكومها وهي تعدو، وهو لا يدخل قضيبه في حياء
стр. 72
البقرة. والبغلة تقف للبغل، وتطلب ذلك منه، لسوس شديد «١» ، وإرادة تامّة.
وقال صاحب الثور: إنّ أصل غرمول البغل لا ينطبق على ظبية البغلة كانطباق أير الرجل على فرج المرأة حتّى لا يبقى منه قليل ولا كثير، ويفضل من أير البغل نحو من نصفه، وذلك أنّ مقاديم أيور الحافر فيها الإسترخاء، وأصولها لا تصير إلى أجواف الإناث، وإنما يصل من الصّلب المتوتّر مقدار نصفه فقط. والثور أوّل قضيبه وآخره عصب مدمج، وعقب مصمت، وأنت تقرّ أنها لو وقفت لخرقها.
والبقرة في وقت نزو الثّور عليها كأنها تكرهه.
قال صاحب البغل: أليس قد أقررت أنّه وإن كان في غاية الصّلابة، أنه إنما يدخل فيها بعض قضيبه، وهذا المفخر إنما هو للإنسان. قال: رأيت ثورا نزا على بقرة، فأخطأ قضيبه المسلك، فمرت البقرة من بين يديه، ومرّ قضيبه على ظهرها؛ فما كان بين طرفه وبين سناسنها «٢» إلّا القليل. وفي رأسه عجرة، ودون ذلك تخصّر قد دقّ جدّا.
قال بعض الشعراء، وهجا معلّم كتّاب:
كأنّه أير بغل في تهكّمه ... وفي الصّرامة سيف صارم ذكر
قالوا: وشكت امرأة مؤرّج الأزدي «٣» عظم أير زوجها إلى
стр. 73
الوالي، واسمها خوصاء، [فقالت] :
إنّي أعوذ بالأمير العدل ... من منتن خبيث وغل
يحمل أيرا مثل أير البغل
ويقال لأير الإنسان: ذكر، وأير.
وجردان الحمار والبغل و [غرمولهما] ، والجمع: جرادين وغراميل.
ويقال: نضيّ الفرس، ومقلم البعير. ووعاء مقلمه يقال له:
الثّيل. ووعاء الجردان وجميع الحافر يقال له: القنب.
ويقال: قضيب التيس، وقضيب الثور، وعقدة الكلب.
وتقول العرب: صرفت البقرة، فهي صارف؛ وسوست البغلة.
ويقال: هي امرأة هدمىّ، وغلمة. وقال أكثر العلماء: ما يقال مغتلمة. وشاة حرمى، وناقة ضبعة، وفرس وديق، وكلبة مجعل.
ويقال: حر المرأة، والفرج، وظبية الفرس، وكذلك من الحافر. وحياء الشّاة، وكذلك من الخفّ كلّه. وثفر الكلبة، وكذلك من السبّاع كلّها. وتستعير الشعراء بعض هذه من بعض، إذا احتاجت إلى إقامة الوزن.
فإذا حملت الشاة فهي: حامل، والبقرة كذلك. والفرس عقوق، وكذلك الرّمكة. والأتان جامع، وبغلة جامع. وكلبة مجحّ، وكذلك السّباع.
ويقال: إن أكبر الأيور أير الفيل، وأصغرها أير الظبي، وليس في الأرض حجم أير ظاهر في كلّ حال، إلّا أير الإنسان والقرد والكلب.
стр. 74
وأمّا البطّ فقضيبه يظهر عند القمط. وأطول أيور الناس ما كان ثلاثة عشر إصبعا.
ورووا عن ابن لجعفر بن يحيى كان صيرفيّا، وقد كان ولّاه المأمون طساسيج عدّة «١» ، أنه خرج من الدنيا وما كام امرأة قطّ.
وخبّروا عن أبي زيد الكتاف- وتأويل الكتّاف أنه كان ينظر في الأكتاف، وهو إفريقيّ- وكان هرثمة «٢» قدم به على الرشيد، يعجّبه من كبر خلقه وعظم بدنه؛ فرأيت ناسا زعموا أنّه قال: غبرت طول عمري لا أقدر على امرأة تحتمل ما عندي، حتّى دللت على امرأة؛ فلما دخلت بها أدخلت من أيري قدر نصفه، وقلت في نفسي: هي وإن احتملت نصف الطّول فإنها لا تحتمل الغلظ! فلمّا لم أرها توجّعت منه زدتها، ثم زدتها حتى أدخلته، ثم قلت لها: قد دخل كلّه، فتأذنين في إدخاله وإخراجه؟ قالت: وقد دخل منه شيء بعد؟!.
وقال أبو السّريّ بكر بن الأشقر: بلغني أنّها قالت له: سقطت بعوضة على نخلة، وقالت للنخلة: استمسكي فإني أريد أن أطير! فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك، فكيف أشعر بطيرانك؟!.
قال: وذمّ رجل البغل، فقال: لا لحم ولا لبن، ولا أدب ولا لقن، ولا فوت ولا طلب؛ إن كان فحلا قتل صاحبه، وإن كانت أنثى لم تنسل.
وكلّ مركّب من جميع الأجناس له نجل غيره، كالبخت بين
стр. 75
العراب والفوالج، وكالراعبيّ من بين الحمام والورشان، وكالإبل منها الصّرصرانيّ والبهوانيّ، وهما اللذان أبوهما عربيّ وأمّهما بختيّة، وهو من أقوى الإبل على الحمل، وأشدّها سيرا، على قبح خلقته، وسماجة في مقاديمه، وكالشّهريّ والهجين.
وإذا صرت إلى البغال؛ صرت إلى سوس «١» في الأنثى لا ينادى وليده، وإلى غلمة في الذّكر لا توصف، ثم هي مع هذا لا تتلاقح.
وزعم أهل التجربة أنّ الكوم الذي يخلق الله تعالى منه الولد من بين الرجل والمرأة، أنّ سبب التلاقح [ما يحضرهما] [من] إفراط الشهوة، في ذلك الكوم، فإذا أفرطت الشّهوة دنت الرحم وانفتح المهبل، وهو فم الرّحم، فتصير تلك النّطفة أكثر وأحدّ، فيصير زرق الإحليل ومجّه لها أبعد غاية.
وقال أهل التجربة: قلّ ما تلقح منهن امرأة إلّا لرجّة.
والبغلة والبغل يعتريهما من الشّبق ما لا يعتري إناث السنانير، ثم هي مع ذلك لا تتلاقح، فإن لقحت في النّدرة أخدجت «٢» .
وقال الشاعر في سوس البغلة:
وقد سوست حتّى تقاصر دونها ... هياج سنانير القرى في الصّنابر «٣»
وذلك من عيوبها.
قالوا: ولم تأخذ صهيل الأخوال، ولا نهيق الأعمام، وخرجت مقادير غراميلها عن غراميل أعمامها وأخوالها. فإن زعمتم أنّ أعمارها
следующие страницы →