← Адаб

Адаб · id 10512

روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار

الأماسي

Полный текст (440 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة [المحقق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١- ابن قاسم الأماسي (٨٦٤- ٩٤٠ ه ـ) اشتهر هذا العلّامة بأنه «ابن الخطيب» تارة و: «ابن الخطيب قاسم» و «الأماسيّ» و «ابن قاسم» تارات أخرى. وكل ذلك مستمدّ من اسم أبيه حينا، أو أحد أجداده حينا آخر. وهو محيي الدين، محمد بن الخطيب قاسم بن يعقوب بن أحمد الأماسي الحنفي. أما نسبته فهي إلى «أماسية» وهي بلدة في بلاد الروم (الترك) حيث ولد ابن الخطيب سنة ٨٦٤ هـ، الموافقة لسنة ١٤٦٠ م، وفي هذه المدينة كانت نشأته العلمية الأولى، إذ قرأ العلوم على أبيه، وعلى نخبة من العلماء، كالعلامة علي الطوسي، والمولى خضر بك. واستمرّ على ذلك حتى فرغ من قراءة الأصول والفروع سنة ٨٨٠ هـ وهو في السادسة عشرة من عمره، وهذا يدل على نبوغه مبكرا، وعلى دأبه في تحصيل مختلف العلوم المعروفة في عصره. وهكذا بدأ فضله يظهر، وشهرته تصعد، وراح يمارس التدريس في بلدته «أماسية» مدّة ثم ترقّى في عمله هذا، حتى أصبح مدرسا في إحدى المدارس الثماني المشهورة في القسطنطينية، وهكذا أمضى بقية حياته في هذه المهنة، متنقلا بين مختلف المدارس في بلاد الروم، كما نصبه السلطان بايزيد خان معلما لابنه السلطان أحمد.

стр. 2

وبقي على هذه الحال، يدرّس ويؤلف الكتب، حتى وافته المنيّة في مدينة «أدرنة» سنة ٩٤٠ هـ الموافقة لسنة ١٥٣٤ م. وصلّي عليه وعلى العلامة ابن كمال باشا صلاة الغائب في الجامع الأموي بدمشق، يوم الجمعة ثاني ذي القعدة من السنة المذكورة. كان الأماسيّ عالما صالحا متقشفا، مقبلا على العلم والعبادة طوال حياته التي امتدت ستا وسبعين سنة هجرية. وكان طليق اللسان، جريء الجنان، قويا على المحاورة مقتدرا على المناظرة فصيحا عند المباحثة، وكل ذلك جعله يتفوق على كثير من علماء عصره. وعرف عن الأماسيّ أنه كان ذا أنفة وإباء، وقانعا بما هو فيه، لا يتزلف ولا يتقرّب إلى أحد من الوزراء أو السلاطين، ويقول لطلابه: نحن المخدومون وهم الخدّام، ويقول عن السلطان العثماني: يكفيه فخرا أن يذهب إليه عالم مثل ابن الخطيب (يعني نفسه) . وقد ساعده ذكاؤه وحبّه للعلم والتعليم على أن يتقن كثيرا من علوم عصره. فكان عارفا بالحديث النبوي، ذا مهارة في القراءات والتفسير، والتواريخ، واطلاع عظيم على العلوم الغريبة: كالأوفاق والتعبير والجفر والموسيقا، مع المشاركة في علوم أخرى كثيرة، وهذا كله جعله قريبا من الناس، الذين يفدون عليه، أو يسعون إلى استماع دروسه في الحلقات العلمية والدينية، إذ كانت له أيضا يد طولى في الوعظ والتذكير. وكان- إلى ذلك- شاعرا ينظم القصائد بالعربية والتركية. ألّف الأماسيّ كتبا كثيرة ومختلفة، ومعظمها حواش على شروح بعض المؤلفات، ورسائل وتعليقات في موضوعات مختلفة، ولم يطبع منها سوى

стр. 3

كتاب «روض الأخيار» هذا الذي يجده القارىء بين يديه، وأما سائر كتبه الأخرى فمنها ما هو مفقود، ومنها ما هو مخطوط ومحفوظ في مكتبات العالم، ونذكر، فيما يلي، أشهر مؤلفاته وأهمّها: ١- أنباء الاصطفا، في حق آباء المصطفى (ص) . ٢- تحفة العشّاق. منظومة تركية لطيفة. ٣- حاشية على «شرح الفرائض السراجية للسيد الشريف الجرجاني» «١» ٤- حاشية على أوائل «شرح الوقاية» لصدر الشريعة. وقد حالت بعض العوائق دون إتمام هذه الحاشية. ٥- حاشية على رسالة «السبع أشكال على المواقف» وهذه الرسالة لمصلح الدين، مصطفى القسطلاني المتوفى سنة ٩٠١ هـ. ٦- حاشية على المقدّمات الأربع. ٧- رسالة في الرؤية والكلام. ٨- رسالة في «فضل الجهاد» . ٩- رسالة في «القبلة» ومعرفة سمتها. ١٠- رسالة في مختارات العلم. ١١- رسالة في موضوعات العلوم. ١٢- روض الأخيار وهو الذي نخصّه بالتعريف الآتي.

стр. 4

٢- روض الأخيار: العنوان الكامل لهذا الكتاب هو: «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» . وعنوانه هذا يدل على مضمونه ومحتواه. فقد انتخبه الأماسي من كتاب ضخم للزمخشري (٥٣٨ هـ) عنوانه «ربيع الأبرار» ، وهذا الكتاب- كما قال الأماسيّ- «بحر زاخر لا تدرك غايته، ولا ترجى نهايته» وهذا ما حفزه إلى الاختيار منه على وجه الاختصار مع الزيادة عليه. ويوضح الأماسي ذلك بقوله: «استخرجت من نخب فرائده، وكتبت من نكت فوائده ما استحسنته على وجه الاختصار، متجنّبا عن الإملال الحاصل من الإكثار، ليسهل ضبطه على الطالبين، ولتكثر فيه رغبة الراغبين. وألحقت به ما عثرت عليه في كتب الأدباء. وما سمعته من أفاضل العلماء من لطائف الحكايات وعجائب العبارات، وسمّيته بروض الأخيار، المنتخب من ربيع الأبرار..» . وقدّم الأماسيّ كتابه هذا هدية إلى سدّة السلطان سليمان بن السلطان سليم خان. وهذا الكتاب يعدّ من كتب الأدب والثقافة العامّة، أو ما يسمى قديما «علم المحاضرات» وهذه التسمية تطلق على الكتب التي تعنى بالأدب، شعره ونثره، وتسعى إلى تزويد القارىء بمختلف الموضوعات والعلوم التي عرفها العرب والمسلمون كالأغاني لأبي الفرج الأصفهاني والعقد الفريد لابن عبد ربّه وعيون الأخبار لابن قتيبة. وكثر هذا النوع من التأليف في عصري المماليك والعثمانيين وقد وصلت إلينا، من هذين العصرين، كتب كثيرة جدا. وهذه الكتب تضم نصوصا ونقولا من كتب المؤلفين السابقين، الذين فقدت معظم كتبهم على مرّ الزمن، بسبب الكوارث والكوائن التي اجتاحت البلاد إبان الخلافة الإسلامية أو

стр. 5

السلطنة المملوكية والعثمانية. ومن هنا تأتي أهمية تلك الكتب التي وصلت إلينا من عصري المماليك والعثمانيين، اللذين ظلمهما عدد من الباحثين حين أطلقوا عليهما اسم «عصور الانحطاط» أو «عصور الانحدار» . وهذا الحديث ذو شجون، ولا يتسع المقام هنا للإفاضة وبسط الكلام. وقد جعل ابن قاسم الأماسي كتاب «روض الأخيار» أشبه بمائدة كبيرة عليها صنوف كثيرة ومتنوعة من الأطعمة والحلويات، أو دوحة ذات ظلال وأشجار ومياه عذبة، وترك للقارىء الحريّة في الاختيار والانتقاء من تلك الروضة الفينانة، والحديقة الغنّاء، وإنك لتجد في رياض «الأماسيّ» الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والمختارات الشعرية والنثرية الجميلة والحكم، والرسائل والأخبار المشوّقة التي تدل على اتساع المخزون الأدبي والثقافي عند مؤلفه. وقد كسّره الأماسي على خمسين روضة، والروضة الواحدة هنا يقصد بها ما يسمّى عادة بالباب أو الفصل. ولكل منها عنوان يطول أو يقصر، بحسب ما تشتمل عليه كل روضة من رياضه. وهذا الكتاب بروضاته الخمسين لا يكاد يترك شيئا من شؤون الدين والدنيا، كالعبادات، والجهاد والقضاء، والصّبر والذكر، ومكارم الأخلاق والصناعات، والسماء بما فيها من سحاب ومطر، والأرض بما عليها من ثلج ورياح ونيران وسرج، وكذلك الصحة والمرض، والأجوبة المسكتة، والطعام والنساء والحبّ، والألحان والغناء والأضاحيك والمداعبات، والبكاء، والحزن، والملابس، فضلا عن اللغة واللحن في الكلام، والحماقة، والمكر والاحتيال، والسفر والغربة والفصاحة والبلاغة، وأحوال الجواري، والوصايا ... الخ.

стр. 6

وهذا كله جرّ المؤلف إلى إيراد أخبار وأشعار طابعها المجون الصريح، الذي ينافي آداب عصرنا اليوم، وليس ضروريا إثباته في مطاوي الكتاب لما فيه من الفحش وهجرا لقول، ولا فائدة من إذاعته ونشره، فإن لكلّ مقام مقالا، ولكل أيام كلاما. وهو قليل جدا، على كلّ حال. وقد انتهى الأماسي من تأليف كتابه هذا سنة ٩٢١ هـ، مؤرخا إياه بجملة «جاء بفضله» التي وردت في شعر له أثبته في آخر كتابه. والذي يقرأ هذا الكتاب، أو يتصفّحه يعجب جدا بما بذله مؤلفه من جهد ووقت، وبهذا المخزون الأدبي والثقافي الذي يطل علينا كلما أنعمنا النظر فيه، وهذا ما يجعل الكتاب ذا قيمة كبيرة، وقد أصبح اليوم نادر الوجود لأن آخر طبعة له كانت سنة ١٣٠٧ هـ أي مضى عليها أكثر من قرن. فقد طبع أربع مرات بمصر فيما سلف من السنين، وذلك في السنوات ١٢٧٩ هـ و ١٢٨٠ و ١٢٩٢ و ١٣٠٧ هـ» وهذا ما جعل الحاجة إلى نشره وطبعه ضرورية اليوم. هذا، وقد اعتمدت في قراءة الكتاب وتصحيحه على طبعتين اثنتين «١» هما: ١- طبعة بولاق بمصر سنة ١٢٨٠ هـ وعدد صفحاتها ٢٩٠ وحروفها متعبة للقارىء. ٢- طبعة المطبعة الميمنية بمصر في شعبان من سنة ١٣٠٧ هـ وصفحاتها ٢٥٦. وقد قابلت بين هاتين الطبعتين، اللتين تتشابهان في المضمون والمحتوى، والفرق بينهما ضئيل جدا، وقمت بضبط الكتاب وتصحيحه وتقسيم نصوصه إلى

стр. 7

فقرات مناسبة ووضع علامات الترقيم في أماكنها الملائمة، وكل ذلك خلا منه الكتاب، كما قمت بما تقتضيه النصوص والأخبار والأشعار من شرح وتعليق ضرورين، لئلا يضخم حجم الكتاب على ما فيه، هو نفسه، من ضخامة أيضا. وعسى أن يجد قارىء هذا الكتاب، في حلّته العصرية القشيبة، وفي موضوعاته الشائقة ما يجعله موقنا أنه من الكتب النفيسة النادرة. والله الموفّق إلى سواء السبيل. محمود فاخوري حلب في ا ٥/١/٢٠٠٠ م الموافق ٢٨ رمضان ١٤٢٠ هـ

стр. 8

[مقدمة الكتاب] بسم الله الرّحمن الرّحيم نحمدك اللهم على ما علّمتنا من البيان. وألهمتنا من التبيان. ونشكرك على ما أسبغت علينا من الإحسان. ونسألك المغفرة والرضوان. ونصلي على رسولك المبعوث إلى كافة الخلق بأعدل الأديان. محمد وعلى آله الكرام. وأصحابه العظام. ما دار دور الزمان. وحدث حوادث الأكوان. وبعد: فيقول العبد المتضرّع إلى فاتح القلوب وساتر العيوب، محمد بن قاسم بن يعقوب، دفع الله بلطفه وكرمه عنه وعن والديه كل الكروب، وغفر له ولهما بفضله جميع الذنوب: لمّا كان علم المحاضرات علما نافعا في أنواع المحاورات. وهو علم عال من العلوم العربية، وفن فاخر من الفنون الأدبية، يحتاج إليه طوائف الأنام، ويرغب فيه العلماء العظام، حتى المولى الفاضل العلامة، أجلّه الله تعالى في دار المقامة، الذي لا يرى مثله في الأنام، إلى انقراض الدهور والأيّام، ولا يسمع نظيره في الأدوار، ما دار الفلك الدوّار، قد صنّف فيه كتاب ربيع الأبرار، وأودعه ما لا يعدّ من الأسرار، إلّا أنه بحر زاخر لا تدرك غايته ولا ترجى نهايته، قد قصرت عن إحاطته الأوهام، وعجزت عن محافظته الأفهام، استخرجت من نخب فرائده، وكتبت من نكت فوائده، ما استحسنته على وجه الاختصار، متجنبا عن الإملال الحاصل من الإكثار، ليسهل ضبطه على الطالبين، ولتكثر فيه رغبة الراغبين، وألحقت به ما عثرت عليه في

стр. 9

كتب الأدباء، وما سمعته من أفاضل العلماء، من لطائف الحكايات، وعجائب العبارات، وسميته ب (روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار) ، ثم جعلته تحفة للعتبة العليا، وهدية للسّدّة العظمى لا زالت ملجأ لأعلام العلماء الكاملين، وملاذا لأعيان الأمراء والسلاطين، ما دامت الأرض ودارت أفلاك السماء، من قال آمين يسّر الله له ما يشاء، أعني عتبة من عمّ بفيض فضله طوائف الأيام، وسدّة من استنار بضياء عدله ظلم الظّلم في صفحات الأيام: أقامت في الرقاب له أياد ... هي الأطواق والناس الحمام لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنّك في فم الزمن ابتسام رافع رايات الخلافة الكبرى، وواضع أوضاع السلطنة العظمى، ماحي آثار الجهل والظلم والطغيان، وممهد قواعد العلم والعدل والإحسان، ظلّ الله تعالى في الأرضين قهرمان «١» الماء والطين، السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان سليمان ابن السلطان سليم خان ابن السلطان أبي يزيد ابن السلطان محمد خان، لا زالت ظلال رايات سلطنته ساطعة على مفارق العالمين، وشموس معدلته «٢» طالعة على سكان الآفاق والأرضين، ولا زالت الأيام طائعة لأوامره وأحكامه، والأجرام العالية جارية وفق مطلبه ومرامه، فلو وقع عليه من عين عنايته العميمة شيء من الالتفات، لكان هذا الكتاب نور العيون الكمّل وأعيان الثقات، ولو طلع عليه من شعاع سعادته سمة من النظر، لسار ذكره مسير الشمس والقمر.

стр. 10

والمأمول من كرم عالم الأسرار، أن يسهّل علينا الأوطار «١» ، ويضع عن ظهورنا الأوزار، إنه الكريم الغفار والمهيمن الستار، ومجيب الدعوات وقاضي الحاجات.

стр. 11

الروضة الأولى في الدين وما يتعلق به من العبادات عن النبي ﷺ أنه قال على المنبر: «أشعر كلمة قالتها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» «١» . علي ﵁: كل ما يتصور في الأفهام فالله خلافه. الشافعي رحمه الله تعالى: من انتهض لطلب مدبّره فإن اطمأنّ إلى موجود «٢» ينتهي إليه فكره فهو مشبّه «٣» وإن اطمأنّ إلى نفي محض فهو معطّل «٤» وإن اطمأنّ إلى موجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحّد. علي ﵁ «٥» : كيفية المرء ليس المرء يدركها ... فكيف كيفية الجبار ذي القدم هو الذي أنشأ الأشياء مبتدعا ... فكيف يدركه مستحدث النّسم «٦» وعنه ﵁: إن العقل لإقامة رسم العبوديّة لا لإدراك الربوبيّة. عن النبي ﷺ : «إنّ الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار وإنّ الملأ

стр. 12

الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم» . سأل رجل عليّا ﵁: هل رأيت ربّك؟ فقال: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: كيف تراه؟ قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان. حكيم: الواجب على المرء الإقرار بإنيّة «١» الله تعالى وعبادته وترك البحث عن طلبه فإنّ طالبه لا ينال غير الطلب شيئا. عليّ ﵁: ما يسرّني أن متّ طفلا وإن دخلت الجنّة ولم أكبر فأعرف ربّي. من عرف ربّه جلّ ومن عرف نفسه ذلّ. قال يعقوب ﵇ للبشير «٢» : على أيّ دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام. قال: الآن تمت النعمة على يعقوب وعلى آل يعقوب. وقال موسى ﵇: أين أجدك يا رب؟ قال: يا موسى إذا قصدت إليّ فقد وصلت إليّ. وسئل أعرابي عن دليل وجود الصانع، فقال: البعرة تدلّ على البعير، وآثار الأقدام تدلّ على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج «٣» وبحار ذات أمواج ألا تدلّ على العليم الخبير؟!. وسئل صوفيّ عن الدليل على أنّ الله تعالى واحد فقال: أغنى الصباح عن المصباح. عيسى ﵇: لا يجد العبد حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله. عن النبي ﷺ : «إنّ لكل بدعة كيد بها الإسلام وليّا يذبّ عنه» . الشعبيّ: أحبب آل محمد ولا تكن رافضيا، وأثبت وعيد الله ولا تكن مرجئيا، ولا تكفّر الناس بذنب فتكون خارجيا، وألزم الحسنة ربّك والسيئة نفسك ولا تكن قدريا.

стр. 13

خفّ الروافض مثل في السّعة لأنه لا يرى المسح على الخفين ويرى المسح على الرجل فيوسعه ليتمكّن من إدخال يده فيه ليمسح برجله. ابن مسعود ﵁ رفعه «١» : «ليس الجماعة بكثرة الناس، من كان معه الحق فهو الجماعة وإن كان وحده» . الثوري رحمة الله عليه: الجماعة العالم ولو على رأس جبل. عليّ ﵁: إن دين الله بين المقصّر والغالي «٢» فعليكم بالنمرقة الوسطى، فبها يلحق المقصّر، ويرجع إليها الغالي. سقراط: خير الأمور أوساطها. صوفيّ: هذا قلبي فتّشوه فإن وجدتم فيه غير الله فانبشوه. لمّا ظهر موسى ﵇ في أيام سقراط قال: نحن قوم مهذّبون لا حاجة لنا إلى تهذيب غيرنا «٣» . رأس الدين صحة اليقين. عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يحدّثنا ونحدّثه، فإذا جاءت الصلاة لم يعرفنا ولم نعرفه» . وقيل لبعضهم: ما بال المتهجّدين أحسن الناس وجها؟ قال: إنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره. وكانت رابعة رحمها الله تعالى تصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، وتقول: ما أريد بها ثوابا ولكن ليسرّ بها رسول الله ﷺ ، ويقول للأنبياء: انظروا إلى امرأة من أمتي، هذا عملها في اليوم والليلة. وصلّى الحجاج في جنب ابن المسيّب فرآه يرفع قبل الإمام ويضع رأسه، فلمّا سلّم أخذ بثوبه حتى فرغ من صلاته ودعائه، ثم رفع نعله على الحجاج فقال: يا سارق يا خائن تصلي هذه الصلاة؟ لقد هممت أن أضرب بها وجهك. وكان الحجاج حاجّا فرجع إلى الشام وجاء واليا على المدينة، ودخل من فوره

стр. 14

المسجد قاصدا مجلس سعيد بن المسيّب فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ قال: نعم أنا صاحبها. قال: جزاك الله تعالى من معلّم ومؤدّب خيرا، ما صلّيت بعدك إلّا ذاكرا قولك. وكان الحمام يقع على رأس ابن الزبير في المسجد الحرام ويحسبه جذعا منصوبا لطول قيامه في الصلاة. وكانت العصافير تقع على ظهر إبراهيم بن يزيد ابن شريك التيمي «١» ساجدا كما تقع على الحائط. قال رجل لرسول الله ﷺ : «ادع الله أن يرزقني مرافقتك في الجنة. قال: أعنّي بكثرة السجود» . وعن ابن عباس ﵄: بعث الله تعالى نبيّه ﷺ بشهادة أن لا إله إلّا الله، فلمّا صدّق زاد الصلاة، فلمّا صدّق زاد الزكاة، فلمّا صدّق زاد الحجّ ثم الجهاد، ثم أكمل لهم الدين. مقاتل «٢» ﵁: «كان النبيّ ﷺ يصلّي بمكة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشيّ. فلمّا عرج به إلى السماء أمر بالصلوات الخمس» . علي ﵁: إذا مات العبد بكى عليه مصلّاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. جابر ﵁: «قيل: يا رسول الله إنّ فلانا يصلّي بالليل، فإذا أصبح يسرق! فقال: لعلّ صلاته ستنهاه» . قال شيخ من تميم: صلّى بنا سفيان المغرب فقرأ الفاتحة، فلما بلغ نَسْتَعِينُ بكى حتى قطع القراءة، ثم عاد، فلمّا صلّى التفت فقال: لا ينبغي لمثلي أن يتقدّم. فما تقدم حتى مات. بعضهم: صليت خلف ذي

стр. 15

النون المصري «١» فلمّا أراد أن يكبّر رفع يديه فقال: الله. ثم بهت وبقي كأنه جسد لا روح فيه إعظاما لربّه. ثم قال: ظننت أن قلبي انخلع من هيبة تكبيره. بعضهم: لا يفوت أحدا صلاة بجماعة إلّا بذنب. أبو سليمان الداراني «٢» ﵀: أقمت عشرين سنة لم أحتلم. فدخلت مكة فأحدثت بها حدثا، فلما أصبحت احتلمت، وكان الحدث أن فاتتني صلاة العشاء بجماعة. سعيد بن المسيّب «٣» : حججت أربعين حجّة، وما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة. روي أنه صلّى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة. حاتم الأصمّ «٤» : فاتتني الصلاة بجماعة، فعزّاني أبو إسحاق النجاري وحده، ولو مات لي ولد لعزّاني أكثر من عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا. وكان السلف يعزّون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتهم التكبير الأول، وسبعا إذا فاتتهم الجماعة. وقيل لصوفيّ: أرفع اليدين في الصلاة أفضل أم إرسالهما؟ فقال: رفع القلب إلى الله أنفع منهما جميعا. وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود كذب من ادّعى محبتي، فإذا جنّه الليل نام عني، أليس كلّ حبيب يحب خلوة بحبيبه؟. الحسن: إذا بكيت من خشية الله فلا تمسح دموعك، فإنه أنور لوجهك، وإذا توضأت فلا تمسح وضوءك فإنه أنور لوجهك إذا قمت بين يدي ربك. يونس بن عبيد «٥» : ما اشتغل رجل بالتطوع إلّا استخفّ بالفرائض.

стр. 16

الثوري «١» : إذا رأيت رجلا يحب أن يؤمّ فأخّره. النبي ﷺ : «زكاة الجسد الصيام» . أبو هريرة رفعه: «من أفطر يوما من غير رخصة رخّصها الله لم يقض عنه صيامه الدهر» . الزّهري «٢» : عجبا للناس تركوا الاعتكاف، وكان رسول الله ﷺ يفعل الشيء ويتركه، ولم يترك الاعتكاف منذ دخل المدينة إلى أن فارق الحياة. عن عطاء الخراساني «٣» : مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي الله تعالى يقول: لا أبرح حتى تغفر لي. عائشة ﵂: ما خالطت الزكاة مالا إلّا أهلكته. «أمر رسول الله ﷺ عائشة أن تقسم شاة فقالت: يا نبيّ الله ما بقي منها غير عنقها، فقال ﷺ : كلّها بقي غير عنقها» . ومنه قوله: يبكي على الذاهب من ماله ... وإنما يبقى الذي يذهب وعنه ﷺ : «ردّوا مذمّة السائل ولو بمثل رأس الطائر من الطعام» . عيسى ﵇: من ردّ سائلا خائبا لم تغش الملائكة ذلك البيت سبعة أيام. كان نبيّنا ﷺ لا يكل خصلتين إلى غيره: كان يضع طهوره بالليل ويخمّره «٤» بيده، وكان يناول المسكين بيده. عن الشعبي «٥» : من لم ير نفسه أحوج إلى ثواب الصدقة من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته فضرب بها وجهه. النّخعي: كانوا يرون أن الرجل المظلوم إذا تصدّق بشيء دفع عنه الأخذ بالظلم.

стр. 17

وكان الرجل يضع الصدقة ويمثل قائما بين يدي الفقير يسأله قبولها، حتى يكون في صورة السائل. كان بعضهم يبسط كفّه ليأخذ الفقير الصدقة ويده هي العليا. عن النبي ﷺ : «الصدقة تسدّ سبعين بابا من الشرّ» . وقف السائل على امرأة تتعشّى فقامت ووضعت لقمة في فيه، ثم بكرت إلى زوجها في مزرعته فوضعت ولدها وقامت لحاجة لها، فاختلسه الذئب، فوقفت فقالت: يا ربّ ولدي. فأتى آت فأخذ بعنق الذئب فاستخرج ولدها من فيه بغير أذى ولا ضرر، وقال لها: هذه اللقمة التي وضعتها في فم السائل. وقف سائل على عليّ ﵁ فقال لأحد ولديه: قل لأمّك هاتي درهما من ستة دراهم، فقالت: للدّقيق، فقال: لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده، فتصدّق بالستة. ثم مرّ به رجل يبيع جملا، فاشتراه بمائة وأربعين وباعه بمائتين، فجاء بالستين إلى فاطمة، فقالت: ما هذا؟ فقال: ما وعدنا الله على لسان أبيك: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها «١» . وجّه رجل ابنه في تجارة، فمضى عليه شهر ولم يقف له على خبر، فتصدّق برغيفين وأرّخ ذلك اليوم، فلمّا كان بعد سنة رجع ابنه سالما رابحا، فسأله: هل أصابك بلاء؟ فقال: غرقت السفينة بنا في وسط البحر وغرقت، فإذا أنا بشابّين أخذاني وطرحاني على الشطّ وقالا: قل لوالدك: هذا برغيفين فكيف لو تصدّقت بزيادة؟. دخلت امرأة شلّاء على عائشة فسألتها، قالت: كان أبي يحبّ الصدقة وأمي تبغضها، لم تتصدّق في عمرها إلا بقطعة شحم وخلقان «٢» ، فرأيت في

стр. 18

المنام كأنّ القيامة قد قامت، وكأنّها قد غطّت عورتها بالخلقان، وفي يدها قطعة الشحم تلحسها من العطش، وذهبت إلى أبي فإذا هو على حافة حوض يسقي الناس، فطلبت منه قدحا فسقيته أمي «١» ، فنودي: من سقاها أشلّ الله يده.. فانتبهت كما ترين. فضيل «٢» : بلغني أن رجلا وامرأته كانا يعيشان بغزلها «٣» ، فانطلق به إلى السوق يوما فباعه بدرهم، ثم مرّ برجلين يختصمان فسأل: فيم يختصمان؟ فقيل: في درهم، فدفع درهمه إليهما، فقالت امرأته: أصبت ووفّقت، فذهب في اليوم الآخر بمثله فلقي بائع سمكة فاشتراها منه بغزله، فوجدت امرأته في بطنها درّة، فباعها بمائة وعشرين ألفا، فوقف السائل على الباب فشاطره «٤» فذهب ثم رجع فقال: أنا رسول ربك، فقد ابتلاك في الضرّاء فوجدك صبورا كريما، وفي السرّاء فوجدك شكورا حليما، وأعطاك بالدرهم الذي أعطيت أربعة وعشرين قيراطا، عجّل لك قيراطا واحدا وادّخر لك ثلاثة وعشرين قيراطا يعطيكها في الآخرة. ودخل على عليّ كرّم الله وجهه بعض أصحابه فرآه باكيا فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: سبع «٥» أتت عليّ ولم يرد عليّ فيها ضيف ولا سائل. عمر بن عبد العزيز: الصلاة تبلّغك نصف الطريق، والصوم يبلّغك دار

стр. 19

الملك، والصدقة تدخلك عليه. وفي الحديث: «أن آدم لما قضى مناسكه لقيته الملائكة فقالوا: برّ حجّك يا آدم قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام» . وفيه: «أن الله ينظر كل ليلة إلى أهل الأرض، فأوّل من ينظر إليه أهل الحرم وأوّل من ينظر إليه من أهل الحرم أهل المسجد، فمن رآه طائفا غفر له، ومن رآه مصلّيا غفر له، ومن رآه قائما مستقبل القبلة غفر له» . عن مجاهد «١» أن الحجّاج إذا قدموا إلى مكة تلقّتهم الملائكة فسلّموا على ركبان الإبل، وصافحوا ركبان الحمر، واعتنقوا المشاة اعتناقا. وكان من عادة السلف أن يشيّعوا الغزاة وأن يستقبلوا الحاجّ ويقبّلوا بين أعينهم ويسألوهم الدعاء لهم، ويبادروا ذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام. عن النبي ﷺ : «إنّ الله قد وعد هذا البيت أن يحجّه في كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كمّلهم الله من الملائكة، وإنّ الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة، وكل من حجّها يتعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة، فيدخلون معها» . وفي الحديث: «إن من الذنوب ذنوبا لا يكفّرها إلا الوقوف بعرفة» . وفيه: «أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن الله لم يغفر له» . بعض السلف: إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة غفر لكل أهل عرفة، وهو أفضل يوم في الدنيا، وفيه حجّ رسول الله ﷺ حجة الوداع وكان واقفا إذ نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «٢» . قال أهل الكتاب: لو أنزلت علينا هذه الآية لجعلناها يوم عيد. فقال عمر ﵁: أشهد لقد نزلت في يوم عيدين اثنين، يوم عرفة ويوم الجمعة، على رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة.

стр. 20

لمّا بنى آدم البيت قال: يا ربّ إنّ لكلّ عامل أجرا فما أجر عملي؟ قال: إذا طفت به غفرت لك ذنبك. قال: زدني. قال: جعلته قبلة لأولادك. قال: زدني. قال: أغفر لكل من استغفرني من الطائفين به من أهل التوحيد من أولادك. قال: يا رب حسبي. قيل للحسن: ما الحجّ المبرور؟ قال: أن ترجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة. مكحول «١» : قلت للحسن: أريد أن أخرج إلى مكة، قال: لا تصحب رجلا يكرم عليك فينقطع الذي بينك وبينه. عن عبّاد بن عبّاد «٢» : أردت أن أحجّ فأتاني ابن عون فقال: احفظ عني خلّتين: عليك بحسن الخلق، والبذل. فرأيت في المنام كأنّ حمّاد بن زيد «٣» أتاني بخلتين وقال: أهداهما إليك ابن عون فقلت: قوّمهما. قال: ليس لهما قيمة «٤» . عن عبد العزيز بن أبي داود: جاورت هذا البيت ستين سنة وحججت ستين حجّة فما دخلت في شيء من أعمال البرّ فخرجت فحاسبت نفسي إلّا وجدت نصيب الشيطان فيه أوفر من نصيب الله. عن عليّ ﵁: «القرآن فيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وحكم ما بينكم» . عن النبي ﷺ : «اتلوا القرآن وابكوا، وإن لم تبكوا فتباكوا» . «وأمر رسول الله ﷺ عبد الله بن عمر أن يختم القرآن في سبع ليال» . وعن عثمان ﵁: أنه كان يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة، وليلة السبت بالأنعام إلى هود، وليلة الأحد بيوسف إلى مريم، وليلة الإثنين بطه إلى (طسم)

стр. 21

موسى وفرعون «١» ، وليلة الثلاثاء بالعنكبوت إلى (ص) ، وليلة الأربعاء بتنزيل «٢» إلى الرحمن، ويختم ليلة الخميس. وقيل: أحزاب القرآن سبعة: الحزب الأول ثلاث سور، والثاني خمس سور، والثالث سبع سور، والرابع تسع سور، والخامس إحدى عشرة سورة، والسادس ثلاث عشرة سورة، والسابع المفصّل من (ق) . عن النبي ﷺ : «إذا قام أحدكم بالليل فليجهر بقراءته، فإن الملائكة وعمّار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته» . قالوا: قراءة القرآن في المصحف أفضل للنظر فيه وحمله. وعن عثمان ﵁: خرق مصحفين لكثرة قراءته فيهما. وكان الصحابة يكرهون أن يمضي يوم ولم ينظروا في مصحف. ودخل فقيه على الشافعي في وقت السحر وبين يديه المصحف فقال له: شغلكم الفقه عن القرآن إني لأصلي العتمة «٣» وأضع المصحف بين يديّ فما أطبقه حتى أصبح. وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان، سنين، ترك جميع العبادات وأقبل على قراءة القرآن في المصحف. وعن كل واحد من أبي حنيفة والشافعي أنه يختم في شهر رمضان ستين ختمة. علي ﵁: من قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة، ومن قرأه وهو جالس في الصلاة فله بكلّ حرف خمسون حسنة، ومن قرأه وهو في غير الصلاة، وهو على وضوء، فخمس وعشرون حسنة، ومن قرأه على غير وضوء فعشر حسنات. قالوا: أفضل التلاوة على الوضوء، والجلوس شطر القبلة وأن يكون غير متربّع ولا متكىء ولا جالس جلسة متكبر،

стр. 22

ولكن نحو ما يجلس بين يدي من يهابه ويحتشم منه. وقيل لابن عباس: أيجوز أن يحلّى المصحف بالذهب والفضة؟ قال: حليته في جوفه. وختم القرآن في ركعة واحدة أربعة من الأئمة: عثمان بن عفان، وتميم الداري «١» ، وسعيد بن جبير «٢» ، وأبو حنيفة. عيسى ﵇: العبودية ترك الدعوى واحتمال البلوى وحب المولى. عن عليّ ﵁: إنّ قوما عبدوا رغبة فتلك عبادة التجارة، وإن قوما عبدوا رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار. فضيل: أنا أعبد الله لحبّه ولا أستطيع أن لا أعبد. محمود الوراق «٣» رحمه الله تعالى: تعصي الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا وربّي في القياس بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع قيل: من أطاع الله جلّ وارتفع، ومن عصاه ذلّ واتّضع. في نوابغ الكلم: طهّرت فاك بمساويك لولا نجّسته بمساويك «٤» . خفّف أعرابيّ الصلاة ثم قال: اللهم زوّجني حور العين. فقال عمر: أسأت النقد وأعظمت الخطبة «٥» .

стр. 23

قال الأصمعي: كان أعرابيّ من بني ضبّة إذا توضأ بدأ بوجهه ثم يتذرّع ويتكوّع «١» ثم يغسل فرجه، وبعد ذلك كان يقول: لا أبدأ بالخبيثة قبل وجهي. وقال أيضا: خرجنا إلى البصرة فنزلنا على ماء لبني سعد، فإذا أعرابية نائمة فأنبهناها للصلاة فأتت الماء فوجدته باردا، فتركته وتوجّهت إلى القبلة ولم تمسّ الماء، ثم قالت: اللهمّ إني قمت وأنا عجلى، وصلّيت وأنا كسلى، فاغفر لي عدد الثرى. فقلنا لها: ما هذه؟ فقالت: إنّ صلاتي هذه لصلاتي منذ أربعين يوما. ورئي أعرابيّ في حزيران على شاطىء نهر يغوص غوصة، ثم يخرج فيعقد عقدة. فقيل له: ما هذا؟ قال: جنابات الشتاء أقضيها في الصيف. وتقدّم أعرابيّ يصلّي بالناس فقرأ الفاتحة بفصاحة وبيان ثم قال: ويوسف إذ دلّاه أولاد علّة ... فأصبح في قعر البؤيرة ثاويا «٢» أمّ رجل فقرأ سورة القارعة فقال بدل قوله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ : فأمه زانية. فقطع الجماعة الصلاة وضربوه فقال: لم تضربوني بسبب الكافرين؟. تقدّم رجل في صلاة الصبح فقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إلى قوله فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ فحصر فكرّرها حتى قرب أن تطلع الشمس، وفي الجمع رجل كان قد وضع جرابه أمامه، فرفع جرابه وقال: أنا أذهب إلى مكاني ولا أعرف أين يذهب هؤلاء القرطبانون «٣» . تقدّم رجل في صلاة وقرأ: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً فحصر فسكت زمانا طويلا.

стр. 24

وكان خلفه أعرابيّ قال: إن لم يذهب نوح أرسل أحدا مكانه وخلّصنا من هذا. وصلّى الهادي «١» الفجر بالناس فقرأ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ فلمّا بلغ إلى قوله: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً أرتج عليه «٢» فردّد مِهاداً ، ولم يجرؤ أحد أن يردّ عليه لكونه أهيب الناس. فعلم فقرأ: أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ففتح عليه. ويعدّ هذا من محاسنه. وقيل للحجّاج بن أرطاة «٣» : مالك لا تحضر الجماعة؟ فقال: أكره أن يزاحمني البقّالون. وخفّف أعرابي صلاته، فقام عمر إليه بالدّرّة فقال: أعدها. فلمّا فرغ قال: هذه خير أم الأولى؟ فقال: بل الأولى، قال: لم؟ قال: لأنّ الأولى صلّيتها لله وهذه خوفا من الدّرّة. فضحك. قال مؤذّن: حيّ على الصلاة، والناس يتبادرون إليه، فقال رجل: لو قال: حيّ على الزكاة، ما جاء إليه أحد. وسمعت امرأة مؤذنا يؤذن بعد طلوع الشمس ويقول: الصلاة خير من النوم. فقالت: النوم خير من هذه الصلاة. ومرّ سكران بمؤذن رديء الحنجرة فجلد به الأرض يدوس بطنه، فاجتمع الناس عليه فقال: ما بي رداءة صوته «٤» ولكن شماتة اليهود والنصارى بالمسلمين. وسمعت امرأة: «صوم يوم كفّارة سنة» فصامت إلى الظهر ثم أفطرت فقالت: يكفيني كفّارة ستة أشهر. أسلم مجوسيّ فثقل عليه الصوم، فنزل إلى سرداب له وقعد يأكل، فسمع ابنه حسّه فقال: من هذا؟ فقال: أبوك الشقيّ، يأكل خبز نفسه ويفزع من الناس. وشهد أعرابيّ عند حاكم فقال المشهود عليه: أتقبل شهادته وله من المال كذا وكذا ولم يحجّ؟ قال: بل والله حججت كذا حجّة،

стр. 25

قال: سله أصلحك الله عن مكان زمزم، فقال: إني حججت قبل أن تحفر زمزم. وقيل لمدنيّ: مالك من آلة الحجّ؟ قال: التلبية. وقيل لسائل: أما تستحي تسأل بالقرآن؟ قال: اسكتوا لو جعتم كما أجوع لبعتم جبرائيل وميكائيل فضلا عن القرآن. والله أعلم.

стр. 26

الروضة الثانية في العلم والحكمة والأدب والكتابة وما اتّصل بذلك عن النبي ﷺ : «يوزن مداد العلماء ودماء الشهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الآخر، ولغدوة في طلب العلم أحبّ إلى الله من مائة غدوة، ولا يخرج أحد في طلب العلم إلا وملك موكّل به يبشّره بالجنة، ومن مات وميراثه المحابر والأقلام دخل الجنة» . علي ﵁: أقلّ الناس قيمة أقلّهم علما. وقيل: قيام الدنيا بأربعة: بعلم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة البدلاء «١» ، وسخاوة الأسخياء. يقال: الأمم على اختلاف الأزمان والأديان متفقة على مدح أخلاق أربعة: العلم والزهد والإحسان والأمانة. قيل: الملوك حكّام على الناس والعلماء حكّام على الملوك. الأستاذ أبو إسماعيل الكاتب رحمه الله تعالى: لا تيأسنّ إذا ما كنت ذا أدب ... على خمولك أن ترقى إلى الفلك بينا ترى الذهب الإبريز مطّرحا ... في التّرب إذ صار إكليلا على الملك يقال: من غرس العلم اجتنى النباهة، ومن غرس الزهد اجتنى العزة، ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة، ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة، ومن غرس الوقار اجتنى المهابة، من غرس الكبر اجتنى المقت، ومن غرس الحرص اجتنى الذل، ومن غرس الطمع اجتنى الكمد. قيل:

стр. 27

ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... لدى الفضل حتى عدّ ألف بواحد وقيل: وما تخفى المكارم حيث كانت ... ولا أهل المكارم حيث كانوا في التاريخ: فيثاغورث أخذ الحكمة عن سليمان بن داود ﵉ بمصر، واستخرج بذكائه علم الألحان وتأليف النغم، وادّعى أنه استفاد ذلك من مشكاة النبوة «١» . وله مرتبة عالية بين الفلاسفة وكان سقراط تلميذا له. ذكر أفلاطون في كتاب «النواميس» أن النبيّ وما يأتي به لا يصل إليه الحكيم بحكمته ولا العالم بعلمه. وعنه: ما معي من العلم إلّا علمي بأني لست بعالم. عن جالينوس: إنّ أبي لم يزل يؤدّبني بما كان يحسنه من علم الهندسة والرياضيات إلى خمس عشرة سنة ثم تعلّمت الطب في ثلاث سنين. وسئل بعضهم: العلم أفضل أم المال؟ قال: العلم. قال: فما بال الناس يرون أهل العلم على أبواب أصحاب الأموال من غير عكس؟ قال: العلماء عارفون منفعة المال، وهم جاهلون منفعة العلم. عن سهل بن عبد الله التّستري «٢» : ما عصى الله أحد بمعصية أشدّ من الجهل، مطيّة من ركبها زلّ، ومن صحبها ذلّ. من الجهل صحبة الجهّال، ومن المحال محاولة ذوي المحال «٣» . خير المواهب العقل، وشرّ المصائب الجهل. الجاهل يطلب المال، والعاقل يطلب الكمال. الجهل بالفضائل من أقبح الرذائل. بعض الفضلاء:

стр. 28

لا تعجبنّ الجهول حلّته ... فذاك ميت وثوبه كفن سفيان: ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحّت فيه النية، يعني تريد به الدار الآخرة. وكان يقال: تعلّموا العلم وإن لم تنالوا به حظّا فلأن يذمّ الزمان لكم أحسن من أن يذمّ بكم. بعض السلف: العلوم أربعة: الفقه للأديان، والطّبّ للأبدان، والنجوم للأزمان، والنحو للّسان. قيل: العلم علمان: علم ينفع، وعلم يرفع، فالرافع هو الفقه في الدين، والنافع هو الطب. علي ﵁: من اقتبس علما من علوم النجوم من حملة القرآن ازداد به إيمانا ويقينا. ثم تلا: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ «١» . خصّ المتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى النظر والتدبير. بعضهم: النظر في النجوم، الذي يستدلّ به على توحيد الله وكمال قدرته، من أعظم الطاعات. ابن عباس ﵄: هو علم من علوم النبوة، وليتني كنت أحسنه. قد قيل: أول من نظر في النجوم والحساب إدريس ﵇. عن ميمون بن مهران «٢» : إياك والتكذيب بالنجوم فإنه من علوم النبوة. أبو هريرة عن النبي ﷺ : «بينا رجل مستلق ينظر إلى النجوم والسماء فقال: والله إني لأعلم أنّ لك خالقا وربّا، اللهم اغفر لي. فنظر الله إليه فغفر له» . وكان الرجل في بني إسرائيل إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلّته غمامة. ففعل ذلك رجل ولم تظلّه، فشكا إلى أمه فقالت: لعلك أذنبت في هذه السنين. قال: لا. قالت: فهل نظرت إلى السماء فردّدت طرفك وأنت غير مفكّر فيها؟ قال: نعم. قالت:

стр. 29

من ههنا «١» . وكان علماء بني إسرائيل يسترون من العلوم علمين: علم النجوم وعلم الطب، فلا يعلّمونهما أولادهم لحاجة الملوك إليهما لئلا يكونا سببا في صحبة الملوك والدنوّ منهم، فيضمحلّ دينهم. وقال ابن عباس لعكرمة مولاه: اذهب فانظركم بقي من الليل؟ فقال: إني لا أبصر النجوم. فقال ابن عباس: نحن نتحدّى بك فتيان العرب وأنت لا تبصر النجوم؟ وقال: وددت أن أعرف «الهفت دوازده» «٢» يريد النجوم السبعة السيارة والبروج الاثني عشر. قالوا: لا بأس بالاعتماد على قول المنجّمين في الغرّة. عن محمد بن مقاتل «٣» : أنه كان يسألهم «٤» ويعتمد على قولهم إذا اتفق جماعة منهم. عن بعض المنجّمين: موالد الأنبياء بالسنبلة والميزان «٥» . وكان طالع النبيّ ﷺ الميزان. وقال: ولدت بالسّماك «٦» ، وفي حساب المنجّمين هو السّماك الرامح. إذا طلع الدّبران «٧» يبست الغدران. إذا طلع سعد السّعود ذاب كل جمود واخضرّ كل عود وانتشر كل مصرود «٨» . إذا طلع الحوت خرج الناس من البيوت. الشمس في الحوت والبرد يموت: إذا ما مضى من آب عشرون ليلة ... أتاك رقيم البرد من كل جانب «٩»

стр. 30

إذا طلع القلب «١» جاء الشتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في الكرب. علي ﵁: يكره أن يسافر الرجل أو يتزوّج في محاق الشهر «٢» وإذا كان القمر في العقرب. قيل لابن دكين «٣» : ما الدليل على أن المشتري سعد؟ قال: حسّنه المنجّمون. النظر إلى زحل يورث حزنا، كما أن النظر إلى المشتري يفيد سرورا. وقيل لأعرابي: ما أعلمك بالنجوم؟ قال: من ذا الذي لا يعلم أجذاع «٤» بيته. وقيل لأعرابية: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله أما نعرف أشياخنا وقوفا علينا كلّ ليلة؟. قال معاوية لدغفل بن حنظلة «٥» العلّامة حين ضمّ إليه ابنه يزيد: علّمه العربية والأنساب والنجوم. فيلسوف: اضرع لمن فوقك في العلم ودونك في الجهل. أبو يوسف «٦» رحمه الله تعالى: تعلموا كلّ علم إلّا ثلاثة: النجوم فإنه يكثر الشؤم، والكيمياء فإنه يورث الإفلاس، والجدال في الدين فإنه يورث الزندقة. ثعلب: وددت أن الليل [يكون] نهارا حتى لا ينقطع عني أصحابي. قيل لابن شبرمة «٧» ، وكان كوفيا: أنتم أروى أهل الحديث أم أهل البصرة؟ فقال: نحن أروى لأحاديث القضاء، وهم أروى لأحاديث البكاء. علي ﵁: الحكمة ضالّة المؤمن، فالتقفها ولو من أفواه المشركين. وعن النبي ﷺ :

стр. 31

«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلا» . وروي: «كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» . أتى أبو حنيفة إلى حمّاد لطلب الفقه فقال: تعلّم في كلّ يوم ثلاث مسائل ولا تزد عليها شيئا حتى يتّفق لك العلم. ففعل ففقه حتى أشير إليه بالأصابع. وكان أبو حنيفة يقول: ما أتانا عن الله ورسوله فعلى الرأس والعين، وما أتانا عن الصحابة اخترنا أحسنه ولم نخرج عن أقاويلهم، وما أتانا عن التابعين فنحن رجال وهم رجال. سأل الأعمش أبا حنيفة عن مسائل فأجاب، فقال الأعمش: من أين لك هذا؟ قال: مما حدثتنا به. فقال: يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. وكان أبو يوسف إذا سئل عن مسألة أجاب فيها وقال: هذا قول أبي حنيفة، ومن جعله بينه وبين الله فقد استبرأ لدينه. الأئمة الأجلّة: الحنفيّة. الجود والحلم حاتميّ وأحنفيّ، والعلم والدين حنيفي وحنفي. كان يقال: أربعة لم يسبقوا ولم يلحقوا: أبو حنيفة في فقهه، والخليل في نحوه، والجاحظ في تأليفه، وأبو تمام في شعره. أحمد بن حرب: أبو حنيفة في العلماء كالخليفة في الأمراء. رئي واصل بن عطاء «١» يكتب من فتى حديثا، فقيل له: أتكتب من هذا؟ فقال: أما أنا فأحفظ «٢» له منه ولكني أردت أن أذيقه كأس الرياسة ليدعوه ذلك إلى الازدياد في العلم. قال أبو عبيدة: ما ينبغي أن يكون في الدنيا مثل النظّام «٣» سألته وهو صبي عن عيب الزجاج فقال: سريع الكسر بطيء الجبر. سأل رجل

стр. 32

رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال فقال: «العلم بالله، والفقه في دينه» وكرّرهما عليه. فقال: يا رسول الله أسألك عن العمل فتخبرني عن العلم. فقال: «إن العلم ينفعك معه قليل العمل، وإن الجهل لا ينفعك معه كثير العمل» . المتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يقطع المسافة. عن عيسى ﵇: من علم وعمل وعلّم عدّ في الملكوت الأعظم عظيما. كان مالك بن أنس رحمه الله تعالى إذا أراد أن يحدّث توضأ وسرّح لحيته وجلس في صدر مجلسه بوقار وهيبة تعظيما لحديث رسول الله ﷺ . وأراد الرشيد أن يسمع منه «الموطأ» مع ابنيه فاستخلى المجلس «١» ، فقال مالك: إنّ العلم إذا منع منه العامّة لم ينتفع به الخاصة. وأذن للناس فدخلوا. عن وهب: ابذل علمك لمن يطلبه، وادع إليه من لا يطلبه، وإلّا فمثلك مثل من أهدي إليه فاكهة فلم يطعمها ولم يطعمها حتى فسدت. لما أراد الإسكندر المضيّ إلى أقاصي البلاد قال لأرسطاطاليس: أوصني. قال: عليك بالعلم فاستنبط منه ما يحلو بألسنة الناطقين ويجذب قلوب السامعين، تنقد لك الرعية من غير حرب. حكيم: قوت الأجسام المطاعم والمشارب، وقوت العقل الحكمة والعلم. عليّ ﵁: أوضع العلم «٢» ما وقف على اللسان، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان. عن النبي ﷺ : «هلاك أمتي في شيئين: ترك العلم وجمع المال» . حكيم: علم المرء بأنه لا يعلم أفضل علمه. الخليل: العلوم أقفال

стр. 33

والسؤالات مفاتيحها. من لم يتعلم في صغره لم يتقدم في كبره. الزّهري: تعلّم سنة خير من عبادة سنتين، وثمرة الأدب العقل الراجح، وثمرة العلم العمل الصالح، وأفضل ما أعطي العبد في الدنيا الحكمة، وفي الآخرة الرحمة. الخليل: كنت إذا لقيت عالما أخذت منه وأعطيته. تخرّق كتاب سيبويه في كمّ المازني نيّفا وعشرين مرة. قال رجل لأفلاطون: كيف قويت على جمع هذا العلم كله؟ قال: أفنيت من الزيت في السراج أكثر من الشراب الذي شربته في عمري. وعن أبي يوسف: مات لي ابن فأمرت رجلا أن يتولى أمر دفنه، ولم أدع مجلس أبي حنيفة، خفت أن يفوتني منه يوم. ويقال: عليك بالدّرس، فإنّ الدّرس غرس. قيل: لم يطلب العلم من لم يطل درسه ولم يكدّ نفسه. قيل لابن عباس ﵄: بم أدركت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، وراو غير ملول. وقيل لبزرجمهر: بم نلت ما نلت؟ قال: ببكور كبكور الغراب، وحرص كحرص الخنزير، واحتمال كاحتمال الكلب، وتملّق كتملّق السّنور «١» . وعن أبي يوسف ﵁: اختلفت إلى أبي حنيفة ﵁ تسع عشرة سنة وما فاتني صلاة الغداة مع أبي ليلى «٢» . وعن زفر «٣» رحمه الله تعالى: اختلفت إلى أبي حنيفة خمسا وعشرين سنة وما فاتني فطر ولا أضحى «٤» .

стр. 34

وقيل: خزائن المنى على قناطر المحن. أحمد بن حنبل: كنت في مجلس أبي يوسف حين أمر ببشر المريسيّ «١» فجرّ برجله فأخرج. ثم رأيته في المجلس فقيل له: كيف رجعت إلى المجلس؟ فقال: لست أضيّع حظّي من العلم بما فعل بي في الأمس. وقيل: من أخلد إلى التواني حرم الأماني. ابن عباس ﵄: ذللت طالبا فعززت مطلوبا. وسئل الهندواني عن أهل بخارى حين عوده إلى أهل بلخ. فقال: رأيت فقيها ونصف فقيه، الفقيه: الميداني، ونصف الفقيه محمد بن فضيل، لأنه لا يعرف الحسابيات. فسمع محمد فاشتغل بها حتى صار قدوة بها. وروى صاحب «المحيط» عن أستاذه حسام الدين عن والده برهان الدين أنّ طريقة الخطّائين عرفت بالوحي. النّخعيّ: سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الأكياس. الحسن: من استتر عن الطلب بالحياء «٢» لبس للجهل سربالا، فاقطعوا سرابيل الحياء فإنه من رقّ وجهه رقّ علمه. عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين. مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. عليّ ﵁: من أفتى الناس بغير علم لعنته السماء والأرض. ويقال: كان الصحابة يتدافعون أربعة أشياء «٣» : الإمامة، والوديعة، والوصية، والفتوى. قيل: أسرع الناس إلى الفتوى أقلّهم علما، وأشدّهم دفعا

стр. 35

لها أورعهم. وعن النبي ﷺ : «أجرؤكم على النار أجرؤكم على الفتوى» . ابن مسعود ﵁: إنّ الذي يفتي الناس في كلّ ما يستفتونه لمجنون. سألت بنت عليّ البلخي أباها عن القيء إذا خرج إلى الحلق، فقال: يجب إعادة الوضوء، فرأى رسول الله ﷺ ، فقال: لا يا عليّ حتى يكون ملء الفم. فقال: علمت أن الفتوى تعرض على رسول الله ﷺ ، فآليت على نفسي أن لا أفتي أبدا. بعض أصحاب أبي حنيفة قال: سمعته يقول: من أبغضني جعله الله مفتيا. سأل رجل ابن عمر عن شيء فقال: لا أعلم. ثم قال بعد ما ولّى الرجل: نعم ما قال ابن عمر، قال لما لا يعلم: لا أعلم. ابن مسعود: جنّة العالم: «لا أدري» فإذا أخطأها فما أصاب. قال الهيثم بن جميل: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في ثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وكان عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده «لا أدري» حتى يكون أصلا منه في أيديهم إذا سئل أحدهم عمّا لا يعلم قال: لا أدري. وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أعلم. فقيل: ألا تستحيي وأنت فقيه العراقين؟ قال: ولم أستحيي مما لا تستحيي منه الملائكة حين قالت: لا علم لنا إلّا ما علّمتنا؟. سفيان بن عيينة: كنت في حلقة رجل من ولد عبد الله بن عمر، فسئل عن شيء فقال: لا أدري. فقال له يحيى بن سعيد: العجب منك كلّ العجب، تقول: لا أدري، وأنت ابن إمام الهدى. فقال: أعجب مني عند الله من قال بغير علم، أو حدّث بغير ثقة. وسئل عليّ ﵁ عن شيء على المنبر فقال: لا أدري. فقيل: ليس هذا مكان الجهّال. فقال: هذا مكان الذي يعلم شيئا ويجهل شيئا، وأما الذي يعلم ولا يجهل فلا مكان له. وسئل أبو يوسف عن شيء فقال: لا أدري. فقيل: تأكل من بيت المال كلّ يوم كذا

стр. 36

درهما وتقول: لا أدري؟ فقال: آكل بقدر علمي، ولو أكلت بقدر جهلي ما كفاني ما في الدنيا جميعا. سئل ثعلب عن شيء فقال: لا أدري، فقيل: إليك تضرب أكباد الإبل وأنت تقول: لا أدري؟ فقال للقائل: لو كان لأمّك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت. سئل أبو بكر القباطيّ وهو على المنبر فقال: لا أدري. فقيل: ليس هذا موضع الجهّال. فقال: إنما علوت بقدر علمي، ولو علوت بقدر جهلي لعلوت السماء. أعرابيّ: لا تقل فيما لا تعلم فتتّهم فيما تعلم. من فاته الأدب فاته أعظم الآداب. أرسطاطاليس: من ترك الأدب عقم عقله. من قعد به حسبه نهض به أدبه. حسن الأدب يستر قبيح النّسب. الفضل بالعلم والأدب لا بالأصل والنسب. من ساء أدبه ضاع نسبه. كل خير ينال بالطلب يزداد بالأدب. الأدب مال واستعماله كمال. النبي ﷺ : «ما نحل «١» والد ولده نحلا أفضل من أدب حسن» . قيل: من لم يؤدّبه الأبوان أدّبه الملوان «٢» . جالينوس: إن ابن الوضيع إذا كان أديبا كان نقص أبيه زائدا في شرفه، وإن ابن الشريف إذا كان غير أديب كان شرف أبيه زائدا في سقوطه. لقمان: اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامسة فتهلك. عليّ ﵁: الناس عالم أو متعلم وسائر الناس همج. الثوري: هتف العلم بالعمل، فإن أجابه استقرّ وإلا ارتحل. أبو حيان التوحيدي: لا تأنس بالعمل ما دمت متوحشا من العلم، ولا تثقنّ بالعلم ما دمت مقصرا في العمل، ولكن اجمع بينهما.

стр. 37

وكان يقال: العلم قائد والعمل سائق والنفس حرون «١» فإذا كان قائد بلا سائق بلدت، وإذا كان سائق بلا قائد عدلت يمينا وشمالا. وكان يقال: يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم واحد. وكتب رجل إلى أخ له: إنك قد أوتيت علما فلا تطفئنّ نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم. وعن أبي حنيفة ﵁: إني لأدعو الله لحمّاد «٢» فأبدأ به قبل أبويّ. ودخل على الواثق معلّمه فبالغ في إكرامه وإجلاله، فقيل له في ذلك فقال: هو أوّل من فتق لساني بذكر الله تعالى، وأدناني من رحمة الله. وسئل الإسكندر: مالك تعظّم مؤدّبك أشدّ من تعظيمك لأبيك؟ فقال: أبي حطّني من السماء إلى الأرض، ومؤدّبي رفعني من الأرض إلى السماء. وقيل لبزرجمهر: ما بالك تعظيمك لمعلّمك أشدّ من تعظيمك لأبيك؟ قال: لأن أبي سبب حياتي الفانية ومعلّمي سبب حياتي الباقية، فأنا من بحاره مغترف، ومن ثماره مخترف «٣» . قال النبي ﷺ : «النظر في وجوه العلماء عبادة» . وسئل محمد بن جعفر الصادق ﵁ عن ذلك فقال: الذي إذا نظرت إليه ذكّرك أمور الآخرة، ومن كان على خلاف ذلك فالنظر إليه فتنة. قال أبو الدرداء «٤» ﵁: ويل لمن لا يعلم، مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل، سبع مرات. قال الخليل: زلّة العالم مضروب بها الطبل، وزلة الجاهل يخفيها الجهل.

стр. 38

قال الأوزاعي «١» : ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا. سحنون: ما أسمج العالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد، فيسأل عنه فيقال: عند الأمير. فضيل: شرّ العلماء من يجالس الأمراء وخير الأمراء من يجالس العلماء. كان ابن المبارك «٢» يقول: الشرطيّ خير من أصحابنا. فقيل: يا أبا عبد الرحمن كيف ذلك؟ قال: الشرطيّ إذا كبر تاب، وهم إذا كبروا دخلوا في عمل السلطان. وقيل للضحّاك: مالك لا تأتي عمر بن عبد العزيز؟ قال: والله لأعرف أنه إمام عادل ولكنه لا يلبث بين أظهركم إلّا قليلا، وأمراء بني أمية لا يعرفوني فأكره أن آتيه فيشهرني فيولع بي أمراء بني أمية بعده. قال ابن عبد الحكم: كنت عند مالك أقرأ عليه، فحضرت الظّهر، فقمت لأصلي فقال: ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحّت النية. قال أبو بكر بن عيّاش: كنا عند الأعمش نكتب الحديث ونحن صبيان، فمرّ صديق له فقال: من هؤلاء؟ قال: هم الذين يحفظون عليك دينك. عن النبي ﷺ : «الفتنة تجيء فتنسف العباد نسفا وينجو العلماء منها» . وفقه العبادلة مثل، وهم: ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وابن العاص ﵃. قال أرسطاطاليس: الحكمة للأخلاق كالطب للأجساد. حكيم: تقول الحكمة: من التمسني ولم يجدني فليعمل أحسن ما يعلم وليترك أقبح ما يعلم، فإذا فعل ذلك فأنا معه. وقيل: حبّ السلطان العلم يلقّح الخواطر العقم. تلقّى

стр. 39

الرشيد الكسائي في بعض الطرقات، فوقف عليه فسأله عن حاله فقال: لو لم أجتن من ثمرة العلم والأدب إلّا ما وهب الله لي من وقوف أمير المؤمنين عليّ لكان كافيا. بقي أبو يوسف على باب الرشيد حولا لا يصل إليه، فوقعت واقعة وهي أن الرشيد كان يهوى جارية لزبيدة وحلفت بأن لا تبيعها ولا تهبها إياه، فأعضلت على الفقهاء «١» ، فسئل أبو يوسف فقال: يا أمير المؤمنين أفتيك وحدك أم بحضرة الفقهاء ليحصل اليقين ويزول الشك؟ فأحضروا فقال: المخرج أن تهبك نصفها وتبيعك نصفها. فصدّقوه. ثم قال: أريد أن أطأها اليوم. قال: أعتقها فتزوّجها. ففرح وعظم أمره عنده. المأمون: لولا الحرص لخربت الدنيا، ولولا الشهوة لانقطع النّسل، ولولا حبّ الرياسة لبطل العلم. ولما قدم الرشيد الرّقة أشرفت أمّ ولد له من قصره فرأت الغبار قد ارتفع وأسرع الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا: قدم من خراسان عالم يقال له ابن المبارك. قالت: هذا والله الملك لا هارون الذي لا يجمع الناس إلّا بالسّوط والخشب «٢» . نظر مزيد إلى امرأته تصعد في الدّرجة فقال: أنت طالق إن صعدت، وطالق إن وقفت، وطالق إن نزلت. فرمت نفسها من حيث بلغت، فقال لها: فداك أبي وأمي، إن مات مالك احتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم. وصنع عيسى ﵇ للحواريّين طعاما فلما أكلوا وضّأهم «٣» بنفسه، فقالوا: يا روح الله نحن أولى أن نفعله منك. قال: إنما فعلت هذا لتفعلوه بما تعلمون.

стр. 40

قال ذو النون المصري: إياك أن تطلب العلم بالجهل، قيل: كيف يطلب العلم بالجهل؟ قال: إذا قصدت العلم في غير وقته، وتخطّيت الرقاب، وتركت في طلبه حرمة الشيوخ، ولم تستعمل فيه السّكينة والوقار والأدب، فذلك طلب العلم بالجهل. قال أبو عبيدة: ما قرعت بابا على عالم قطّ. قال طاوس: ما حمل ماء العلم في مثل قرب «١» الحلم. قال وهب: إنّ للعلم طغيانا كطغيان المال. الحسن: لقيت قوما من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح. قيل: العامل بغير علم كالسائر على غير الطريق، فاطلب العلم طلبا لا يضرّ بالعبادة، واطلب العبادة طلبا لا يضرّ بالعلم. قال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، إذ هو أكثر فقها وأعظم حفيّة: إن أصحاب القرآن عنده، وأصحاب الفقه عنده، وأصحاب الشعر عنده، ويصدّرهم كلّهم في واد واسع. ورأى ابن كثير قارىء مكة رسول الله ﷺ في المنام جالسا والناس يسألونه، فقال: إني كنزت تحت المنبر كنزا وقد أمرت مالكا أن يقسمه فيكم، فاذهبوا إلى مالك. قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء، ولا فوق الأرض، أعلم بالحديث ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري. وكان يقال: حديث لا يرفعه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. وقال البخاري: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. قال: ما وضعت في كتاب «الصحيح» حديثا إلّا اغتسلت قبل ذلك وصلّيت ركعتين. كان ذلك بمكة شرّفها الله، والغسل بزمزم، والصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇،
следующие страницы →