Полный текст (1 139 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
٥٨ - العيد
يقول السائل: ما هو المشروع من الأعمال في ليلة عيد الأضحى؟
الجواب: لم يصح عن رسول الله ﷺ شيء في إحياء ليلة العيد سواء كان ذلك ليلة عيد الفطر أو ليلة عيد الأضحى وما ورد من روايات فهي أحاديث ضعيفة جداً وبعضها مكذوب على رسول ﷺ كما سأبين بعد قليل. لذا فإن إحياء ليلة العيد بدعة غير مشروعة فلا يشرع إحياؤها بصلاة خاصة أو أذكار خاصة أو غير ذلك من الطاعات قال العلامة ابن القيم في وصف هدي النبي ﷺ ليلة عيد الأضحى: [ثم نام حتى أصبح ولم يحي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيد شيء] زاد المعاد ٢/٢٤٧. بل ليلة العيد كغيرها من الليالي ليس لها خاصية تمتاز بها على غيرها وأما ما ورد من أحاديث فقد بين أهل الحديث حالها ودرجتها وأذكر بعضها: ١. ما روي عن أبي أمامه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من قام ليلتي العيدين محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وفي رواية (من أحيا) رواه ابن ماجة وذكره الدارقطني في العلل وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية وفي سنده متهم بالوضع وقال الحافظ ابن حجر: [حديث مضطرب الإسناد وذكر أن فيه متهماً بالوضع قاله المناوي في فيض القدير ٦/٣٩، وقال الألباني: موضوع انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١. ٢. ما روي عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر) رواه الأصبهاني ونصر المقدسي وفي إسناده عبد الرحيم بن زيد العمي وهو متروك كما قال النسائي والحافظ ابن حجر وقال يحيى ابن معين كذاب وحكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه موضوع كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١. ٣. ما روي عن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفي سنده عمر بن هارون البلخي وهو كذاب كما قال يحيى بن معين وابن الجوزي انظر السلسلة الضعيفة ٢/. وحكم عليه الألباني بأنه حديث موضوع في المصدر السابق وكذا في ضعيف الترغيب والترهيب ١/٣٣٤. ٤. ما روي عن كردوس أن النبي ﷺ قال: (من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) قال ابن الجوزي: [هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وفيه آفات ثم ذكر من آفاته مروان بن سالم قال فيه النسائي والدارقطني والأزدي متروك العلل المتناهية ٢/٥٦٢. وقال الحافظ ابن حجر عنه: [ومروان هذا متهم بالكذب] . الإصابة ٥/٥٨٠. وقال الحافظ عنه في لسان الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٤/٣٩١. وقال الذهبي في الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٥/٣٧٢. ومن أهل العلم من قوى هذه الأحاديث بمجموع طرقها كما في مصباح الزجاجة ٢/٨٥. حيث قال: [فيقوى بمجموع طرقه] ومن أهل العلم من قال يتسامح في هذه الأحاديث لأنها في فضائل الأعمال كما قال الحافظ ابن حجر: [اعلم أنه يستحب إحياء ليلتي العيدين في ذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات للحديث الوارد في ذلك: (من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وروي: (من قام ليلتي العيدين لله محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) هكذا جاء في رواية الشافعي وابن ماجة وهو حديث ضعيف رويناه من رواية أبي أمامه مرفوعاً وموقوفاً وكلاهما ضعيف لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها كما قدمناه في أول الكتاب] الأذكار ص ١٤٥. وما قاله الحافظ ابن حجر من التساهل في أحاديث الفضائل سبق له وأن قيده في أول كتابه الأذكار كما أشار إليه فقال [يجوز العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا] الأذكار ص ٥. وهذه الأحاديث المذكورة في إحياء ليلتي العيد قد حكم عليها جماعة من المحدثين بأنها موضوعة أو فيها من هو كذاب أو متهم بالوضع فلا تنطبق عليها القاعدة السابقة. وخلاصة الأمر أن إحياء ليلتي العيدين بدعة لم يثبت فيه حديث يصلح للاحتجاج به أو الاعتماد عليه. السؤال الثاني: يقول السائل: إنه صاحب محل لبيع الورود وأنه يحضر الأزهار والورود لبيعها في يوم ١٤شباط بمناسبة عيد الحب فما حكم ذلك؟ الجواب: إن الأمة الإسلامية أمة مستقلة في شخصيتها وأعيادها وأمة الإسلام لها عيدان معروفان عيد الفطر وعيد الأضحى وليس لها أعياد سواهما. وقضية العيد جزء من شعائر الإسلام لا يجوز أخذها عن غيرها من الأمم أو الملل قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: (إن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) وقال: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه) كالقبلة والصلاة والصيام فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره , ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه. وأما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية وإلى هذا الاختصاص أشار النبي ﷺ بقوله: (إن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا) اقتضاء الصراط المستقيم ١/٥٢٨-٥٢٩. والحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه البخاري ومسلم ولفظه (عن عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) فهذا الحديث أوجب اختصاص الأمة الإسلامية بأعيادها فقط وعليه لا يجوز للمسلمين أن يحتفلوا بأي عيد آخر. وعيد الحب لا علاقة للمسلمين به لا من قريب ولا من بعيد بل أصله من أعياد الرومان الوثنيين وله في تاريخهم أساطير موروثة. ومما قيل في سبب هذا العيد أنه لما دخل الرومان في النصرانية بعد ظهورها وحكم الرومان الإمبراطور الروماني (كلوديوس الثاني) في القرن الثالث الميلادي منع جنوده من الزواج لأن الزواج يشغلهم عن الحروب التي كان يخوضها فتصدى لهذا القرار (القديس فالنتين) وصار يجري عقود الزواج للجند سراً فعلم الإمبراطور بذلك فزج به في السجن وحكم عليه بالإعدام وفي سجنه وقع في حب ابنة السجان وكان هذا سراً فنفذ فيه حكم القتل يوم ١٤ فبراير عام ٢٧٠ ميلادي ليلة ١٥ فبراير عيد (لوبر كيليا) ومن يومها أطلق عليه لقب قديس. وعيد الحب هذا له مظاهر كثيرة في أوروبا وأمريكا حيث يتم تبادل الورود الحمراء وتوزيع بطاقات التهنئة وتبادل كلمات الحب والعشق وتقام الحفلات الراقصة المختلطة ويقع فيها من المنكرات ما الله به عليم. وبناء على ما سبق فإنه يحرم على المسلمين الاحتفال بعيد الحب لأنه من الشعائر الوثنية ولأنه مرتبط بالقديس فالنتين وهو مرتبط بخرافات وأساطير باطلة ونحن أمة الإسلام قد نهينا عن التشبه بغيرنا وقد قال الله تعالى: (ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة آل عمران الآية ١٠٥. وصح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع الصغير الحديث رقم ٦٠٢٥. وكذلك يحرم بيع كل ما له علاقة بهذا العيد أو الاستعداد له بتحضير الورود الحمراء أو المناديل الحمراء وغير ذلك مما هو مختص بهذا العيد ولا يجوز للمسلم المشاركة بهذا العيد بأي شكل من الأشكال. وينبغي أن يعلم أن الإسلام قد بين أسس وقواعد للحب فالإسلام هو دين المحبة المبنية على أسس سليمة متفقة مع الفطرة الإنسانية فالزوج يحب زوجته والزوجة تحب زوجها والمسلم يحب والديه والعكس صحيح والمسلم يحب أخاه وهكذا فالحب أشمل وأعم من هذا الحب المزعوم في عيد الحب فالحقيقة أن الحب في عيد الحب هو العشق واتخاذ الأخدان والعشيقات خارج نطاق الزواج والأسرة إنه دعوة للتحلل والإباحية. وختاماً فإن عدداً من علماء المسلمين المعاصرين قد أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الحب فمن ذلك ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية جواباً على السؤال التالي (يحتفل بعض الناس في اليوم الرابع عشر من شهر فبراير ١٤/٢، من كل سنة ميلادية بيوم الحب (فالنتين داي) ، ويتهادون الورود الحمراء ويلبسون اللون الأحمر ويهنئون بعضهم وتقوم بعض محلات الحلويات بصنع حلويات باللون الأحمر ويرسم عليها قلوب وتعمل بعض المحلات إعلانات على بضائعها التي تخص هذا اليوم فما هو رأيكم؟ فأجابت اللجنة: ... يحرم على المسلم الإعانة على هذا العيد أو غيره من الأعياد المحرمة بأي شيء من أكلٍ أو شرب أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك لأن ذلك كله من التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول والله جل وعلا يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) . ويجب على المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة في جميع أحواله لاسيما في أوقات الفتن وكثرة الفساد، وعليه أن يكون فطناً حذراً من الوقوع في ضلالات المغضوب عليهم والضالين والفاسقين الذين لا يرجون لله وقاراً ولا يرفعون بالإسلام رأساً، وعلى المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى بطلب هدايته والثبات عليها فإنه لا هادي إلا الله ولا مثبت إلا هو سبحانه وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
стр. 1017
٥٩ - التنجيم
يقول السائل: يلاحظ في هذه الأيام ظهور المنجمين على المحطات الفضائية ومعهم أجهزة كمبيوتر ويتصل بهم المشاهدون ويعطونهم تواريخ ميلادهم ومعلومات أخرى فيقوم المنجمون بإدخال ذلك على الكمبيوتر ثم يذكرون نبوءاتهم فما حكم الشرع في ذلك؟
الجواب: لا بد أولاً من التذكير بأن التنجيم قد عرف قديماً وكانت العرب تؤقت بطلوع النجوم لأنهم ما كانوا يعرفون الحساب وإنما يحفظون أوقات السنة بالأنواء. المصباح المنير ص٥٩٤. وأما التنجيم في اصطلاح علماء الشريعة فينقسم إلى قسمين: الأول: حسابي وهو تحديد أوائل الشهور بحساب سير النجوم فبواسطة هذا الحساب يعرفون الأوقات والأزمنة والفصول واتجاه القبلة ونحو ذلك. الموسوعة الفقهية ١٤/٥٣. مجموع الفتاوى ٣٥/١٨١. حاشية ابن عابدين ١/٤٣-٤٤. وهذا النوع من التنجيم هو أحد فروع علم الفلك وما زال كثير من الناس يسمون علم الفلك بالتنجيم مع أن [ثمة فرق كبير بين المنجمين والفلكيين وبين التنجيم وعلم الفلك. فالمنجم أو (النجام) هو الذي يزعم معرفة حظوظ الناس ومستقبلهم ومصير حياتهم بحسب مواقع النجوم عند ولادتها وهو الذي ينظر إلى النجوم ويحسب مواقيت شروقها وغروبها وسيرها فيتوهم من خلالها أحوال الناس والعالم وعملية التنجيم المعروفة بـ (اوسترولوجي) هي عملية ربط مواقع النجوم وحركاتها بسلوك وأعمال ومصير الإنسان ويعتقد المنجم ويعلن أن النجوم تؤثر في حياة وموت الناس ويقف رجال العلم بمن فيهم علماء الفلك مع الفقهاء في رفض عمليات التنجيم وأقوال المنجمين ... ] محاضرة بعنوان علم الفلك وأوائل الشهور القمرية للدكتور يوسف مروة. وهذا النوع أجازه علماء الشريعة على تفصيل عندهم في اعتماده في دخول شهر رمضان وخروجه قال الشيخ ابن رسلان: [وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقي فغير داخل فيما نهي عنه] نيل الأوطار ٧/٢٠٦. الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية. مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢. وهذا النوع يقوم على تأثير التشكلات الفلكية في الحوادث التي تقع على الأرض. حاشية ابن عابدين ١/٤٣. وهو المقصود بصناعة التنجيم. والتنجيم حرام شرعاً وقد نهي عنه حيث إن المنجمين يزعمون ربط الحوادث التي تقع للناس بحركات الكواكب والنجوم وأن لها تأثيراً في الحوادث بذاتها. وقد اتفق علماء الإسلام على تحريم التنجيم بهذا المعنى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكي والقوابل الأرضية صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل] مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢. وقال الشيخ ابن رسلان في شرح السنن: [والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها وهذا تعاط لعلم استأثر الله بعلمه] نيل الأوطار ٧/٢٠٦. وقال العلامة ابن عثيمين: [والتنجيم نوع من السحر والكهانة وهو محرم لأنه مبني على أوهام لا حقيقة لها فلا علاقة لما يحدث في الأرض لما يحدث في السماء ولهذا كان من عقيدة أهل الجاهلية أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم فكسفت الشمس في عهد النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم ﵁ فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم فخطب النبي ﷺ الناس حين صلى الكسوف وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) فأبطل النبي ﷺ ارتباط الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية وكما أن التنجيم بهذا المعنى نوع من السحر والكهانة فهو أيضاً سبب للأوهام والانفعالات النفسية التي ليس لها حقيقة ولا أصل فيقع الإنسان في أوهام وتشاؤمات ومتاهات لا نهاية لها] فتاوى العقيدة ص٣٣٦. والأدلة على تحريم التنجيم كثيرة منها: ١. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبةً من السحر زاد ما زاد) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/١٧٣ وانظر السلسلة الصحيحة ٢/٤٣٥. قال الشوكاني: [قوله: (زاد ما زاد) أي زاد من علم النجوم كمثل ما زاد من السحر والمراد أنه إذا ازداد من علم النجوم فكأنه ازداد من علم السحر وقد علم أن أصل علم السحر حرام والازدياد منه أشد تحريماً فكذا الازدياد من علم التنجيم] نيل الأوطار ٧/٢٠٧. ٢. وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: من اقتبس باباً من علم النجوم لغير ما ذكر الله فقد اقتبس شعبة من السحر. المنجم كاهن والكاهن ساحر والساحر كافر) رواه رزين في مسنده. انظر مشكاة المصابيح ٢/١٢٩٦. ٣. وعن أبي محجن مرفوعاً أن النبي ﷺ قال: (أخاف على أمتي من بعدي ثلاثاً: حيف الأئمة وإيماناً بالنجوم وتكذيباً بالقدر) رواه ابن عساكر وابن عبد البر في جامع بيان العلم وصححه الألباني في صحيح الجامع ١/١٠٣. ٤. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) رواه مسلم. ٥. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أتى عرافا ً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٣/١٧٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [العراف اسم للكاهن والمنجم والرَّمَّال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق) مجموع الفتاوى ٣٥/١٧٣. ونلاحظ في الحديثين الأخيرين أن مجرد إتيان الكاهن وسؤاله عن شيء يعاقب المسلم عليه بأن لا تقبل له صلاة أربعين يوماً وأما إذا صدقه فيما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ وذلك لأنه مما أنزل على محمد قوله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) سورة النمل الآية ٦٥. وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) سورة الجن الآيات ٢٦-٢٧. ٦. وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أخاف على أمتي من بعدي خصلتين: تكذيباً بالقدر وتصديقاً بالنجوم) رواه أبو يعلى وابن عدي والخطيب وصححه الألباني في المصدر السابق وانظر السلسلة الصحيحة ٣/١١٨-١٢٠. وخلاصة الأمر أن التنجيم يقوم على الكذب والدجل وليس له أي أساس علمي صحيح وإن استخدام المنجمين للكمبيوتر على الفضائيات ما هو إلا من باب الكذب والدجل وخداع الناس ليوهموهم بأن القضية قضية علمية والحقيقة أن العلم بريء من هذا الدجل والسخف فقد أثبت العلم أنه لا يوجد أي دليل علمي قاطع يثبت وجود علاقة بين مواقع الكواكب في وقت معين وشخصية وتصرفات ومستقبل شخص ولد في هذا الوقت ولقد كذب التاريخ المنجمين قديماً وحديثاً في وقائع كثيرة من أشهرها ما حدث للمعتصم الخليفة العباسي عندما أراد فتح عمورية فنصحه المنجمون بوقت غير الوقت الذي أراده فلم يصدقهم فسار بجيشه إلى عمورية وفتحها وفي ذلك قال أبو تمام قصيدته المشهورة ومطلعها: السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب والعلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية أم أين النجوم وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب وفي العصر الحديث تنبأ المنجمون بحدوث أشياء كثيرة وكل ذلك ثبت أنه دجل وكذب فقد تنبأ بعض المنجمين بنهاية العالم بحلول سنة ١٩٨٦ وتنبأ بعضهم بحدوث براكين وزلازل وحروب وكل ذلك لم يقع فدلّ على كذبهم وجهلهم. وأخيراً أقول ما النجوم والكواكب إلا آية من آيات الله وليس لها أدنى تأثير على سعادة الناس أو شقائهم وصدق من قال: كذب المنجمون ولو صدقوا)
стр. 1018
٦٠ - الطائفة الظاهرة
يقول السائل: من هي الطائفة الظاهرة التي أخبر عنها النبي ﷺ في الحديث (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) وأين توجد هذه الطائفة؟
الجواب: صح عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة ذكر الطائفة الظاهرة التي تبقى في هذه الأمة المحمدية متمسكةً بدينها وقائمةً على أمر الله حتى قيام الساعة، وهذه مجموعة عطرة من هذه الأحاديث: ١. عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين والله المعطي وأنا القاسم ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون. رواه البخاري. ٢. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا يزال ناسٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون. رواه البخاري ومسلم. ٣. وعن عمير بن هانئ أنه سمع معاوية ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك. قال عمير فقال مالك بن يخامر: قال معاذ وهم بالشام، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام. رواه البخاري. ٤. وعن حميد قال سمعت معاوية بن أبي سفيان ﵁ يخطب قال سمعت النبي ﷺ يقول: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسمٌ ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله ٥. وعن جابر بن عبد الله ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة. رواه مسلم. إن أحاديث النبي ﷺ الواردة في ذكر الطائفة الظاهرة تؤكد لنا أن هذه الطائفة كانت موجودة على مر العصور والأيام ولم ينقطع وجودها في أي عصر من العصور. [اعلم أن أول صفة تتميز بها الطائفة المنصورة عن الطوائف الضالة الأخرى هي: صفة الاستمرارية أي إن الطائفة المنصورة مستمرة بوجودها ومقوماتها وأصولها ودعوتها ومنهجها ورجالها من لدن رسول الله ﷺ إلى ساعتنا هذه بل إلى يوم القيامة ودليل هذا قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) سورة التوبة الآية ١٠٠، ففي قوله تعالى: (السابقون الأولون) إشارة إلى تاريخ بدء هذه الجماعة ... وفي قوله تعالى: (والذين اتبعوهم) إشارة إلى استمرارية هذا الوجود وعموميته وعدم انقطاعه وأن ثمة رجالاً مستمرين على هذا السبيل وأن قوام هذا الاستمرار هو الاتباع (اتبعوهم) ... ويؤيد هذا ويوضحه قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) ففي قوله ﷺ : (لا تزال) دلالة واضحة وبينة ناصعة على صفة الاستمرارية للطائفة المنصورة] صفات الطائفة المنصورة ص١٣-١٤. وهذه أقوال العلماء في بيان هذه الطائفة الظاهرة: ١. قال الإمام البخاري: [باب قول النبي ﷺ : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم أهل العلم] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/٣٥٨. ٢. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟] فتح الباري ١٣/٣٥٩. ٣. وقال عبد الله بن المبارك: [هم عندي أصحاب الحديث] . ٤. وقال أحمد بن سنان الثقة الحافظ: [هم أهل العلم وأصحاب الآثار] سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٣/١٣٦-١٣٧. ٥. وقال القاضي عياض: [إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث] إتحاف الجماعة ١/٣٣٠. ٦. وقال الإمام النووي: [وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم , وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٥٨-٥٩. ٧. وقال الإمام ابن العربي المالكي: [وأما الطائفة المنصورة فقيل هم أصحاب الحديث وقيل هم العباد وقيل هم المناضلون على الحق بألسنتهم وقيل هم المجاهدون في الثغور بأسنتهم] عارضة الأحوذي ٥/٣٤. وانظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٣/٧٦٣. وأما محل هذه الطائفة فقد جاء في الروايات أنها في الشام: فقد ورد في صحيح البخاري في حديث معاوية أن معاذ بن جبل قال: هم بالشام. صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٥٤٧. وورد أنهم أهل الغرب ففي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) . قال الإمام النووي: [قوله: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) قال علي بن المديني: المراد بأهل الغرب العرب، والمراد بالغرب الدلو الكبير لا ختصاصهم بها غالباً. وقال آخرون: المراد به الغرب من الأرض، وقال معاذ: هم بالشام. وجاء في حديث آخر هم ببيت المقدس، وقيل: هم أهل الشام وما وراء ذلك. قال القاضي: وقيل: المراد بأهل الغرب أهل الشدة والجلد، وغرب كل شيء حده] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٦٠. وورد أنها في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس فقد ورد في حديث أبي أمامة عند الطبراني قوله ﷺ : (هم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) . وورد أنها في دمشق وبيت المقدس فعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم خذلان من خذلهم إلى يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط وفيه الوليد بن عبّاد وهو مجهول كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٨٨. قال الشيخ حمود التويجري: [وقد اختلف في محل هذه الطائفة: فقال ابن بطال: [إنها تكون في بيت المقدس كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة ?: (قيل: يا رسول الله أين هم؟ قال بيت المقدس) وقال معاذ ?: هم بالشام. وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائماً، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة ... فعلى هذا فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها. قلت: الظاهر من حديث أبي أمامة وقول معاذ أن ذلك إشارة إلى محل هذه الطائفة في آخر الزمان عند خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵊ ويدل على ذلك ما تقدم ذكره من حديث أبي أمامة الذي رواه ابن ماجة وفيه: (فقالت أم شريك: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل وجلهم يومئذ ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح ... فأما في زماننا وما قبله فهذه الطائفة متفرقة في أقطار الأرض كما يشهد له الواقع من حال هذه الأمة منذ فتحت الأمصار في عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم وتكثر في بعض الأماكن أحياناً ويعظم شأنها ويظهر أمرها ببركة الدعوة إلى الله تعالى وتجديد الدين] اتحاف الجماعة ١/٣٣٢-٣٣٤. قال الإمام النووي: (... ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٥٨-٥٩.
стр. 1019
٦١ - التوبة
يقول السائل: ما هي الأعمال التي تكفر الذنوب؟
الجواب: ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن أعمالاً صالحة تكفر الذنوب وتمحها ومنها ما يلي: أولاً: الوضوء وقد جاء فيه أحاديث كثيرة منها: عن حمران أنه قال فلما توضأ عثمان قال والله لأحدثنكم حديثا والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه إني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها قال عروة الآية إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله اللاعنون. رواه مسلم وعن عثمان أنه دعا بطهور ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله رواه مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه قالوا لا يبقي من درنه شيئا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا رواه البخاري. ثانياً: الصلوات الخمس: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر رواه مسلم وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن رواه مسلم ثالثاً: موافقة تأمين المأموم لتأمين الملائكة: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وقال بن شهاب وكان رسول الله ﷺ يقول آمين رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه رواه مسلم رابعاً: المشي إلى المساجد: وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلاً) رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وقال الألباني: صحيح. خامساً: المحافظة على صلاة الجمعة: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقول الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر باب الذكر المستحب عقب الوضوء رواه مسلم سادساً: صيام نهار رمضان وقيام ليله: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه البخاري ومسلم سابعاً: صيام عاشوراء: عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صومه قال فغضب رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁ رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا وببيعتنا بيعة قال فسئل عن صيام الدهر فقال لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر قال فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم قال ومن يطيق ذلك قال وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين قال ليت أن الله قوانا لذلك قال وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم قال ذاك صوم أخي داود ﵇ قال وسئل عن صوم يوم الإثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه قال فقال صوم ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر قال وسئل عن صوم يوم عرفة فقال يكفر السنة الماضية والباقية قال وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال يكفر السنة الماضية. رواه مسلم ثامناً: صيام يوم عرفه: عن أبي قتادة رجل أتى النبي ﷺ فقال كيف تصوم فغضب رسول الله ﷺ فلما رأى عمر ﵁ غضبه قال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله فجعل عمر ﵁ يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه فقال عمر يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله قال لا صام ولا أفطر أو قال لم يصم ولم يفطر قال كيف من يصوم يومين ويفطر يوما قال ويطيق ذلك أحد قال كيف من يصوم يوما ويفطر يوما قال ذاك صوم داود ﵇ قال كيف من يصوم يوما ويفطر يومين قال وددت أني طوقت ذلك ثم قال رسول الله ﷺ ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله رواه مسلم. تاسعاً: الحج والعمرة: عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه رواه البخاري وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة رواه البخاري ومسلم عاشراً: الصدقة عن أبي وائل عن حذيفة قال قال عمر ﵁ من يحفظ حديثا عن النبي ﷺ في الفتنة قال حذيفة أنا سمعته يقول فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة قال ليس أسأل عن هذه إنما أسأل عن التي تموج كما يموج البحر قال وإن دون ذلك بابا مغلقا قال فيفتح أو يكسر قال يكسر قال ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة فقلنا لمسروق سله أكان عمر يعلم من الباب فسأله فقال نعم كما يعلم أن دون غد الليلة رواه البخاري ومسلم. أحد عشر: الحمد بعد الطعام عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال من أكل طعاما ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب. ثاني عشر: المرض والتعب عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت قال رسول الله ﷺ ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها رواه البخاري وعن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه رواه البخاري. ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأعمال الصالحة تكفر صغائر الذنوب وأما الكبائر فلا تُكَفَر بمجرد فعل الأعمال الصالحة بل لا بد من التوبة بشروطها حتى تُكَفَر. نيل الأوطار ٣/٥٧. قال القاضي عياض: [هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٤٤٦. وانظر نيل الأوطار ٣/٥٧. وقال الإمام ابن العربي المالكي: [الخطايا المحكوم بمغفرتها هي الصغائر دون الكبائر لقول النبي ﷺ : (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فإذا كانت الصلاة مقرونة بالوضوء لا تكفر الكبائر فانفراد الوضوء بالتقصير عن ذلك أحرى) عارضة الأحوذي ١/١٣.
стр. 1020
٦٢ - التوبة
يقول السائل: قرأت في كتاب فقه كلاماً عن الحقوق وأن منها ما هو حق لله تعالى ومنها ما هو حق للناس فأرجو بيان الفرق بينهما وما أثر ذلك على المعاصي التي ارتكبها الإنسان ثم تاب منها؟
الجواب: قسم جمهور أهل العلم الحق باعتبار صاحب الحق إلى أربعة أقسام وهي: أولاً: حق الله تعالى ويسمى الحق العام: وهو ما قصد به التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه، أو قصد به تحقيق النفع العام دون اختصاص بأحد، ونسب هذا الحق لله تعالى لعظم خطره وشمول نفعه كما قال ابن نجيم الحنفي في فتح الغفار ٣/٥٩. وحق الله تعالى يشمل الإيمان به ﷻ والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وإقامة الحدود والكفارات وغير ذلك. انظر الفروق ١/١٤٠-١٤١ الموسوعة الفقهية ١٨/١٤-١٩. ثانياً: حق العبد المحض: وهو ما كان متعلقاً بمصالح الإنسان الخالصة، قال القرافي: [وحق العبد مصالحه] الفروق ١/١٤٠. وحق العبد المحض يشمل الحقوق المالية، قال الشيخ محمد أبو زهرة: [حقوق العباد الخالصة وذلك كالديون والأملاك وحق الوراثة وغير ذلك مما يتعلق بالأموال نقلاً وبقاءً، فهذه كلها حقوق العباد خالصة والاعتداء على حقوق العباد ظلم، ولا يقبل الله تعالى توبة عبد قد أكل حقاً من حقوق العباد إلا إذا أداه أو أسقطه صاحبه وعفا] أصول الفقه ص٣٢٤. وحق العبد يقبل الإسقاط، فإذا أسقط إنسان حقاً له على غيره فله ذلك، قال القرافي: [ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط] الفروق ١/١٤١. ثالثاً: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد وحق الله غالب: ومثاله حد القذف فهو من جهة أن فيه مساً بأعراض الناس علناً فهو حق لله تعالى، ومن جهة أن المقذوف بالزنى قد اتهم في عرضه فهو حق له ولكن حق الله غالب فيه. وكذلك حد السرقة بعد أن يبلغ الإمام، وكذلك عدة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها، فحق الله فيها صيانة الأنساب عن الاختلاط وحماية المجتمع من الفوضى، وأما حق العبد فيها فهو المحافظة على نسب أولاد الزوج وحق الله غالب. نظرية الحكم القضائي ص ٢٤٢، الفقه الإسلامي وأدلته ٤/١٥ رابعاً: ما اجتمع فيه حق الله وحق العبد وحق العبد الغالب: ومثاله القصاص وعقوبات الدماء بشكل عام كالديات. [فالقصاص لله فيه حق لأنه اعتداء على المجتمع واعتداء على مخلوق الله وعبده الذي حرم دمه إلا بحق ولله في نفس العبد حق الاستعباد حيث قال : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات الآية ٥٦. وللعبد في القصاص حق لأن القتل العمد اعتداء على شخصه لأن للعبد المقتول في نفسه حق الحياة وحق الاستمتاع بها فحرمه القاتل من حقه وهو اعتداء على أولياءالمقتول لأنه حرمهم من رعاية مورثهم واستمتاعهم بحياته فكان القتل العمد اعتداء على حق الله وحق العبد ولذلك كان في شرعية القصاص إبقاء للحقين وإخلاء للعالم من الفساد، تصديقاً لقول الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة الآية ١٧٩. وغلب حق العبد لأن ولي المقتول يملك رفع دعوى القصاص أو عدم رفعها وبعد المطالبة بالقصاص والحكم على الجاني القاتل يملك التنازل عنه والصلح على مال أو الصلح بغير عوض كما يملك تنفيذ حكم القصاص على القاتل إن أراد ذلك وكان يتقن التنفيذ ولا يجوز ذلك إلا بإذن الحاكم لئلا يفتات عليه فلو فعل وقع القصاص موقعه واستحق التعزير] الموسوعة الفقهية ١٨/ ١٨-١٩. وأما إذا ارتكب الإنسان المعاصي ثم تاب منها فإن العلماء قد بينوا ما هو أثر التوبة على حقوق الله وحقوق العباد فإذا كانت المعصية متعلقة بحقوق الله المالية فلا بد للتائب منها أن يؤدي حقوق الله تعالى ولا يكفي مجرد الإقلاع عن المعصية. قال الإمام النووي: [... ثم إن كانت المعصية لا يتعلق بها حق مالي لله تعالى ولا للعباد كقبلة الأجنبية ومباشرتها فيما دون الفرج فلا شيء عليه سوى ذلك، وإن تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه] روضة الطالبين ١١/٢٤٥- ٢٤٦. وذكر الخطيب الشربيني أن حق الله تعالى كالزكاة والكفارات لابد من أدائها. مغني المحتاج ٤/٤٤٠. وقال الإمام النووي أيضاً: [وإن تعلق بالمعصية حق ليس بمالي فإن كان حدا لله تعالى بأن زنى أو شرب الخمر فإن لم يظهر عليه فله أن يظهره ويقر به ليقام عليه الحد ويجوز أن يستر على نفسه وهو الأفضل، فإن ظهر فقد فات الستر فيأتي الإمام ليقيم عليه الحد] روضة الطالبين ١١/ ٢٤٦- ٢٤٧ وكلام النووي يدل على أن الحدود المختصة بالله تعالى كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر لا تسقط بمجرد التوبة ولا بد من إقامة الحد وهذا مذهب جمهور الفقهاء. انظر الموسوعة الفقهية ١٨/١٨-١٩. وكذلك فإنه من المقرر عند العلماء أن من شروط التوبة من المعصية المتعلقة بالناس رد الحقوق لأصحابها قال الإمام النووي: [وإن تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه بأن يؤدي الزكاة ويرد أموال الناس إن بقيت، ويغرم بدلها إن لم تبق، أو يستحل المستحق فيبرئه، ويجب أن يعلم المستحق إن لم يعلم به، وأن يوصله إليه إن كان غائباً إن كان غصبه منه هناك، فإن مات سلَّمه إلى وارثه، فإن لم يكن له وارث وانقطع خبره، دفعه إلى قاضٍ تُرضى سيرتهُ وديانته، فإن تعذر تصدق به على الفقراء بنية الغرامة له إن وجده ... وإن كان معسرا نوى الغرامة إذا قدر، فإن مات قبل القدرة فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة. قلت - أي النووي - ظواهر السنن الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة، وإن مات معسراً عاجزاً إذا كان عاصياً بالتزامها، فأما إذا استدان في مواضع يباح له الاستدانة واستمر عجزه عن الوفاء حتى مات، أو أتلف شيئاً خطأً وعجز عن غرامته حتى مات، فالظاهر أن هذا لا مطالبة في حقه في الآخرة إذ لا معصية منه والمرجو أن الله تعالى يعوض صاحب الحق] . روضة الطالبين ١١/٢٤٥- ٢٤٦. وقال النووي أيضاً: [وإن كان حقاً للعباد كالقصاص وحد القذف فيأتي المستحق ويمكنه من الاستيفاء فإن لم يعلم المستحق وجب في القصاص أن يعلمه فيقول أنا الذي قتلت أباك ولزمني القصاص، فإن شئت فاقتص وإن شئت فاعف ... وأما الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب فرأيت في فتاوى الحناطي أنه يكفيه الندم والاستغفار وإن بلغته ... فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه فإن تعذر لموته أو تعسر لغيبته البعيدة استغفر الله تعالى ولا اعتبار بتحليل الورثة هكذا ذكره الحناطي] . روضة الطالبين١١/ ٢٤٧. وقال الشيخ أحمد النفراوي المالكي: [وأما تبعات العباد فلا يكفرها التوبة بل لا بد من استحلال أربابها لأن حقوق العباد لا يقال لها ذنوب] الفواكه الدواني ٢/ ٣٠٢.
стр. 1021
٦٣ - الشهداء
يقول السائل: هل تأكل الأرض أجساد الشهداء أم لا؟
الجواب: الثابت عند أهل العلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط وهذا هو ما ورد به النص فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء) رواه أبو داود وغيره وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٩٦. هذا هو الثابت وهو أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأما غيرهم من الناس فإن الأرض تأكل أجسادهم سواء أكانوا أولياء أم شهداء أم غيرهم ولكن هذا لا ينفي أن بعض الناس تكون لهم كرامة بأن لا تأكل الأرض أجسادهم وهذا أمر وقع قديماً وحديثاً في أشخاص بأعيانهم فمن ذلك ما رواه البخاري عن جابر ﵁ قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ وإني لا أترك بعدي أعز عليَّ منك غير نفس رسول الله ﷺ وإن عليَّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك خيراً فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه. فتح الباري ٣/٢٧٣. وذكر الحافظ ابن حجر أن ذلك كان كرامة لوالد جابر: [وكرامته بكون الأرض لم تبل جسده مع لبثه فيها والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة] فتح الباري ٣/٢٧٧. وقد وردت قصة والد جابر وهو عبد الله بن عمرو الأنصاري عند الإمام مالك في الموطأ بلاغاً: أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده عل جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة] موطأ مالك ١/٣٧٤. قال الحافظ ابن عبد البر عن الحديث السابق إنه متصل من وجوه صحاح بمعنى واحد متقارب فتح المالك ٦/٣٥٨. وقال الإمام الباجي معلقاً على هذه الحادثة: [وقوله فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وهذه على ما نعتقده كرامة من الله تعالى خصهما بها ولعله قد خص بذلك أهل أحد ومن كان له مثل فضلهما فإن تلك الأرض تسرع التغيير إلى من دفن فيها ولو كان ذلك أمراً معتاداً في تلك الأرض لما ذكره في هذا الحديث على وجه التعجب منه] المنتقى وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: [استصرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد وأجرى معاوية بن أبي سفيان العين فاستخرجهم بعد ستة وأربعين سنة لينة أجسادهم تنثني أطرافهم. قال أبو عمر _ ابن عبد البر -: هذا هو الصحيح – والله أعلم – انهم استخرجوا بعد ست وأربعين سنة لأن معاوية لم يجر العين إلا بعد اجتماع الناس عليه خليفة وكان اجتماع الناس عليه عام أربعين من الهجرة في آخرها وقد قيل: عام إحدى وأربعين وذلك حين بايعه الحسن بن علي وأهل العراق فسمي عام الجماعة وتوفي سنة ستين. وقد روى أبو مسلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر أنهم أخرجوا بعد ستة أشهر فإن صح هذا فمرتين أخرج والد جابر من قبره وأما خروجه وخروج غيره في حين إجراء معاوية العين فصحيح وذلك بعد ستة وأربعين عاماً على ما في حديث مالك وغيره] فتح المالك ٦/٣٥٩. وفي رواية أخرى عن جابر قال: [لما أراد معاوية أن يجري العين بأحد نودي بالمدينة من كان له قتيل فليأت قتيله قال جابر: فأتيناهم فأخرجناهم رطاباً يتثنون فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانفطرت دماً قال أبو سعيد الخدري لا يَنكر بعد هذا منكرٌ أبداً. قال أبو عمر: الذي أصابت المسحاة إصبعه هو حمزة ﵁ رواه عبد الأعلى بن حماد قال: حدثنا عبد الجبار يعني ابن الورد قال: سمعت أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت الشهداء يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال نوم حتى إذا أصابت المسحاة قدم حمزة ﵁ فانبثقت دماً وبالله التوفيق] المصدر السابق ٦/٣٦٠. قال الحافظ ابن حجر (وقد ذكر ابن إسحق القصة في المغازي حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما - يعني عمراً وعبد الله – وعليهما بردتان قد غطي بهما وجوههما وعلى أقدامهم شيء من نبات الأرض فأخرجناهما يتثنيان تثنياً كأنهما دفنا بالأمس] وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر] فتح الباري ٣/٢٧٦. وذكر ابن قتيبة في المعارف وغيره أن طلحة بن عبد الله أحد العشرة ﵃ دفن فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام فشكا إليهما النز فأمرت به فاستخرج طرياً فدفن في داره بالبصرة قال غيره قال الراوي كأني انظر إلى الكافور في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فمالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي النز] المجموع ٥/٣٠٣. وقد روى الترمذي في قصة أصحاب الأخدود حديثاً طويلاً وذكر في آخره: [فأما الغلام فإنه دفن قال: فذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل] وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب، سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٩/١٨٦ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٠. ونقل المباركفوري عن ابن إسحق قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلاً من أهل نجران كان زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبد الله بن التامر تحت دفن فيها قاعداً واضعاً يده على ضربة في رأسه ممسكاً عليها بيده فإذا أخذت يده عنها انبعث دماً وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الذي كان عليه ففعلوا] تحفة الأحوذي ٩/١٨٦. وخلاصة الأمر أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط وأما الشهداء فتأكل الأرض أجسادهم كغيرهم من الأموات ولكن هنالك كرامات لبعض الشهداء بأن الأرض لا تأكل أجسادهم. وهذا الكلام لا يعني أن من أكلت الأرض أجسادهم ليسوا شهداء.
стр. 1022
٦٤ - شروط الفتوى في دين الإسلام
يقول السائل: ما قولكم فيمن يفتون في دين الله بغير علم ولا هدى؟
الجواب: كثر المجترئون من طلبة العلم الشرعي وغيرهم على الإفتاء في دين الله ، ويظنون أن الأمر هين، وهو عند الله عظيم، وكثر الخائضون في دين الله بغير علم، حتى إنك إذا جلست في مجلس وطرحت مسألة شرعية، ترى كثيراً من الجالسين يدلون برأيهم من غير أن يُطلب منهم، ويعضهم قد لا يحسن الوضوء. وصار دين الله وشرعه مع الأسف الشديد حمىً مستباحاً لأشباه المتعلمين، وظن كثيرٌ من طلبة العلم الشرعي، أنهم بمجرد حصولهم على الشهادة الجامعية الأولى يحق لهم الإفتاء في دين الله، وما دروا أن شهادة (البكالوريوس) في الشريعة الإسلامية في زماننا هذا، تعني محو أمية في العلوم الشرعية فقط، هذا إذا وزناها بالميزان الصحيح ولا يشذ عن هذا إلا القليل جداً. وإلى المجترئين على الفتوى في أيامنا هذه، أسُوق بعض كلام أهل العلم في الفتيا لعل أحدهم يعرف قدره وحده فيقف عنده فلا يتجاوزه. قال العلاّمة ابن القيم في بيان الشروط التي تجب فيمن يبلغ عن الله ورسوله: " ولما كان التبليغ عن الله يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ صادقاً فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟ ، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، ويتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) سورة النساء /١٢٧، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالة إذ يقول في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) سورة النساء /١٧٦، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً وموقوف بين يدي الله " إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/١١. ولكن كثيراً من المجترئين على الفتوى لا يفهم هذا الكلام لا من قريب ولا من بعيد، والمهم عندهم أن يظهروا أمام العامة بمختلف الوسائل ليشار إليهم بالبنان، فيجيبوا عن كل مسألة توجه لهم ولا يعرفون قول (لا أدري) ، لأنهم يعتبرون ذلك عاراً وشناراً أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل لأن الناس يصفونهم بالجهل إن فعلوا ذلك، وما دروا أن سلفنا الصالح كانوا يحرصون على قول لا أدري، كحرص هؤلاء المتعالمين على الإجابة، وقديماً قال العلماء: " لا أدري نصف العلم "، قال ابن أبي ليلى: " أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه. وقال عمر بن الخطاب: " أجرؤكم على الفتيا، أجرؤكم على النار. وقال ابن عباس: " إذا أخطأ العالم (لا أدري) أصيبت مقاتله ". فلا ينبغي لأحد أن يقتحم حمى الفتوى ولما يتأهل لذلك، وقد قرر أهل العلم أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على أدعياء العلم الذين يتصدرون للفتيا فقال له بعضهم يوماً: أجعلت محتسباً على الفتوى؟ فقال له: " يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب " انظر الفتوى - د. يوسف القرضاوي ص٢٤. وأدعياء العلم هؤلاء اقتحموا هذه العقبة الكؤود، ولم يستعدوا لها، فلو سألت أحدهم عن مبادئ وقواعد أصول الفقه، لما عرفها، فلو سألته ما العام؟ وما الخاص؟ وما المطلق وما المقيد؟ وما القياس؟ وما الحديث المرسل؟ لما أحرى جواباً. ولو سألته عن أمهات كتب الفقه المعتبرة لما عرفها، ولو سألته عن آيات الأحكام من كتاب الله وعن أحاديث الأحكام من سنة رسول الله ﷺ ، لما عرف شيئاً. ويزداد الأمر سوءاً عندما نرى هؤلاء الناس المتعالمين يجعلون واقع الناس حاكماً على النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فترى وتسمع من الفتاوى الغريبة والعجيبة، فترى من يحلل الربا المحرم في كتاب الله وسنة رسوله، لأنه ضرورة اقتصادية كما يدعي، أو لأن ربا الجاهلية لا ينطبق على ربا البنوك الربوية كما يزعم. وهكذا ترى من هؤلاء العجب العجاب في اتباع الأهواء وإرضاء الأسياد، ونسوا أو تناسوا قول الله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) سورة الجاثية /١٨. وقوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) سورة المائدة /٤٩. وختاماً، فعلى كل من يتصدى للفتوى أن يتق الله ، وأن يأخذ للأمر عدته، وليعلم أنه يوقع عن رب العالمين، ويبلغ عن الرسول الأمين ﷺ . *****
стр. 1023
٦٥ - حكم الاحتفال بعيد الحب
يقول السائل: إنه صاحب محل لبيع الورود وأنه يحضر الأزهار والورود لبيعها في يوم ١٤شباط بمناسبة عيد الحب فما حكم ذلك؟
الجواب: إن الأمة الإسلامية أمة مستقلة في شخصيتها وأعيادها وأمة الإسلام لها عيدان معروفان عيد الفطر وعيد الأضحى وليس لها أعياد سواهما. وقضية العيد جزء من شعائر الإسلام لا يجوز أخذها عن غيرها من الأمم أو الملل قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: (إن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) وقال: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه) كالقبلة والصلاة والصيام فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره , ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه. وأما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية وإلى هذا الاختصاص أشار النبي ﷺ بقوله: (إن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا) اقتضاء الصراط المستقيم ١/٥٢٨-٥٢٩. والحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه البخاري ومسلم ولفظه (عن عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد. فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا) فهذا الحديث أوجب اختصاص الأمة الإسلامية بأعيادها فقط وعليه لا يجوز للمسلمين أن يحتفلوا بأي عيد آخر. وعيد الحب لا علاقة للمسلمين به لا من قريب ولا من بعيد بل أصله من أعياد الرومان الوثنيين وله في تاريخهم أساطير موروثة. ومما قيل في سبب هذا العيد أنه لما دخل الرومان في النصرانية بعد ظهورها وحكم الرومان الإمبراطور الروماني (كلوديوس الثاني) في القرن الثالث الميلادي منع جنوده من الزواج لأن الزواج يشغلهم عن الحروب التي كان يخوضها فتصدى لهذا القرار (القديس فالنتين) وصار يجري عقود الزواج للجند سراً فعلم الإمبراطور بذلك فزج به في السجن وحكم عليه بالإعدام وفي سجنه وقع في حب ابنة السجان وكان هذا سراً فنفذ فيه حكم القتل يوم ١٤ فبراير عام ٢٧٠ ميلادي ليلة ١٥ فبراير عيد (لوبر كيليا) ومن يومها أطلق عليه لقب قديس. وعيد الحب هذا له مظاهر كثيرة في أوروبا وأمريكا حيث يتم تبادل الورود الحمراء وتوزيع بطاقات التهنئة وتبادل كلمات الحب والعشق وتقام الحفلات الراقصة المختلطة ويقع فيها من المنكرات ما الله به عليم. وبناء على ما سبق فإنه يحرم على المسلمين الاحتفال بعيد الحب لأنه من الشعائر الوثنية ولأنه مرتبط بالقديس فالنتين وهو مرتبط بخرافات وأساطير باطلة ونحن أمة الإسلام قد نهينا عن التشبه بغيرنا وقد قال الله تعالى: (ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة آل عمران الآية ١٠٥. وصح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع الصغير الحديث رقم ٦٠٢٥. وكذلك يحرم بيع كل ما له علاقة بهذا العيد أو الاستعداد له بتحضير الورود الحمراء أو المناديل الحمراء وغير ذلك مما هو مختص بهذا العيد ولا يجوز للمسلم المشاركة بهذا العيد بأي شكل من الأشكال. وينبغي أن يعلم أن الإسلام قد بين أسس وقواعد للحب فالإسلام هو دين المحبة المبنية على أسس سليمة متفقة مع الفطرة الإنسانية فالزوج يحب زوجته والزوجة تحب زوجها والمسلم يحب والديه والعكس صحيح والمسلم يحب أخاه وهكذا فالحب أشمل وأعم من هذا الحب المزعوم في عيد الحب فالحقيقة أن الحب في عيد الحب هو العشق واتخاذ الأخدان والعشيقات خارج نطاق الزواج والأسرة إنه دعوة للتحلل والإباحية. وختاماً فإن عدداً من علماء المسلمين المعاصرين قد أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الحب فمن ذلك ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية جواباً على السؤال التالي (يحتفل بعض الناس في اليوم الرابع عشر من شهر فبراير ١٤/٢، من كل سنة ميلادية بيوم الحب (فالنتين داي) ، ويتهادون الورود الحمراء ويلبسون اللون الأحمر ويهنئون بعضهم وتقوم بعض محلات الحلويات بصنع حلويات باللون الأحمر ويرسم عليها قلوب وتعمل بعض المحلات إعلانات على بضائعها التي تخص هذا اليوم فما هو رأيكم؟ فأجابت اللجنة: ... يحرم على المسلم الإعانة على هذا العيد أو غيره من الأعياد المحرمة بأي شيء من أكلٍ أو شرب أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك لأن ذلك كله من التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول والله جل وعلا يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) . ويجب على المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة في جميع أحواله لاسيما في أوقات الفتن وكثرة الفساد، وعليه أن يكون فطناً حذراً من الوقوع في ضلالات المغضوب عليهم والضالين والفاسقين الذين لا يرجون لله وقاراً ولا يرفعون بالإسلام رأساً، وعلى المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى بطلب هدايته والثبات عليها فإنه لا هادي إلا الله ولا مثبت إلا هو سبحانه وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
стр. 1024
٦٦ - دعاء غير مشروع
يقول السائل: ما قولكم في الدعاء المسمى دعاء سيدنا عكاشة حيث أنه مطبوع في كتيب صغير ويوزع؟
الجواب: قرأت الدعاء المشار إليه ومقدمته فوجدته من جملة الأدعية المبتدعة التي احتوت على مبالغات ومجازفات فارغة وفيه أنواع من الضلال والشرك. وأول ما يلفت النظر فيه أنه منسوب إلى الصحابي الجليل عكاشة وأن الذي جمعه هو منشئ ضريح الصحابي عكاشة كما جاء على صفحة الغلاف ومن المعلوم أن الصحابي الجليل عكاشة بن محصن الأسدي ﵁ استشهد في حروب الردة في خلافة أبي بكر ﵁ وذلك في موقعة بزاخة وقاتله هو طليحة الأسدي. انظر سير أعلام النبلاء ١/٣٠٧-٣٠٨. وعكاشة بن محصن الأسدي ﵁ هو الذي بشره النبي ﷺ بدخول الجنة بغير حساب كما هو ثابت في الصحيحين في حديث طويل: (أن النبي ﷺ عرضت عليه الأمم فرأى سواداً عظيماً فقيل له هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم فسرهم النبي ﷺ فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال النبي ﷺ : سبقك بها عكاشة) تهذيب الأسماء واللغات ١/٣٣٨. فعكاشة لم يمت في بيت المقدس حتى يكون له ضريح منسوب إليه ولا يعرف أحد غيره من الصحابة اسمه عكاشة مات في بيت المقدس فيما أعلم. والدعاء المنسوب إلى عكاشة جاء في مقدمته في ثواب من قرأه أمور لا يقبلها شرع ولا عقل فقد جاء فيها ما يلي: [أما بعد فهذادعاء كامل عظيم ومنافعه كثيرة حملا وتلاوة لا يعلم ثواب هذا الدعاء إلا الله تعالى ولو كانت الأشجار أقلاماً والبحار مداداً والأولون والآخرون كُتَّاباً لعجزوا أن يكتبوا ثواب هذا الدعاء ومن قرأه فكأنما قرأ الدعوات كلها ويغفر الله ذنوبه جميعاً وإذا قرأه مريض شفاه الله تعالى ومن قرأه لدفع الجوع والقحط دفع الله عنه ذلك وإذا قرأه عطشان روي وإذا قرأه مديون قضى الله دينه وحمله ينفع إن شاء الله تعالى من جميع الأمراض والأرياح والآلام والأسقام ونافع إن شاء الله تعالى للدخول على الملوك والوزراء وأرباب الأقلام للمحبة والقبول والسفر في الليل والنهار وكذا البحار ومنع السحر عن حامله في البر والبحر ونافع إن شاء الله من لدغة الحية والعقرب والثعبان ونافع من الضرب بالسيف والنشاب والخناجر بإذن الله تعالى ولدفع شر الشياطين وكيدهم ومن كتبه في إناء صيني بماء وزعفران سبعة أيام وشربه على الريق رزقه الله ذهناً بليغاً وفهماً واسعاً وإن شرب منها المريض شفي ومن قرأه في عمره مرة واحدة جعل الله له ثواباً مثل ثواب الأولياء والأصفياء والزهاد من الرجال والنساء وينال ما يطلب من أمر الدنيا وتقضى حوائجه بإذن الله تعالى ومن علَّقه في محل بيعه تروج بضاعته وتكثر أرباحه ويحفظ المحل الذي هو فيه من الحرق والسرق وإذا وضع في سفينة نجت من الغرق إن شاء الله تعالى وحامله يفتح له أبواب الرزق من حيث لا يحتسب وتكون مقاصده ناجحة وإذا وضع في مزرعة بمحل طاهر بارك الله في محصولها وزاد نموها وحفظت من العاهات والآفات كما جرب ذلك مراراً ومع ذلك فإن فوائده لا تحصى ومنافعه لا تستقصى ومن عظيم فوائده أنه ينفع لكل شيء وإنما يلزم ذلك كله أن يستعمل بكل احترام واعتقاد ونية خالصة ولا يستعمل إلا فيما يرضي الله تعالى والله أعلم] . وهذا الثواب المزعوم المرتب على هذا الدعاء لم يرد مثله في الشرع حتى للقرآن الكريم ولا للأدعية النبوية الثابتة عن النبي ﷺ . فهذا دجل وكذب وافتراء على الله وعلى رسوله ﷺ . كما أن هذا الدعاء فيه من الأمور الباطلة كقوله: [بحق عزرائيل وقبضته] فمن المعلوم أنه لم يثبت لا في الكتاب ولا في السنة تسمية ملك الموت بعزرائيل وإنما هذا من الإسرائيليات. وكذلك قوله: [وبحق نوح وسفينته] ولا أدري ما هو حق سفينة نوح؟ وقوله: [وبحق يوسف وغربته ... وبحق صالح وناقته ودانيال وكرامته ... إلخ ما ورد فيه من الترهات والخرافات. فهذا الدعاء وأمثاله من الأدعية المبتدعة التي ألزم دعاة التصوف أنفسهم ومريديهم بها ليست مشروعة وقد صح في الحديث قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس من أمرنا فهو رد) وهذا الدعاء وأمثاله ليس من أمر النبي ﷺ يقول الشيخ الإمام أبو بكر بن العربي في معرض رده على الذين يخترعون أدعية من عند أنفسهم ويأمرون الناس أن يدعوا بها الله عند تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) . قال ﵀: [ويقال ألحد ولحد إذا مال والإلحاد يكون بوجهين بالزيادة فيها أو النقصان منها كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله إلى غير ذلك مما لا يليق به فحذار منها ولا يدعونَّ أحدٌ منكم إلا بما في الكتب الخمسة وهي كتاب البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي فهذه الكتب هي بدء الإسلام وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف وذروا سواها ولا يقولنَّ أحدٌ أختار دعاء كذا فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك الخلق رسوله] . أحكام القرآن ٢/٨١٦. ويقول الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ، قال: [فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه ولا يقولنَّ أختار كذا فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون] تفسير القرطبي ٤/٢٣١.. ويقول القرطبي أيضاً عند تفسير قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) . بعد أن ذكر وجوهاً من الاعتداء في الدعاء قال: [ومنها أن يدعو الله بما ليس في الكتاب العزيز ولا في السنة فيتخير ألفاظاً مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لهؤلاء (يعني المشايخ) لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله ﷺ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء] تفسير القرطبي ٧/٢٢٦. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية منكراً على الذين يبتدعون أشياء من عند أنفسهم ويعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى: [وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة أو طاعة فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به ولا اتخاذه ديناً فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرماً لا ينهى عنه بل يقال إنه جائز ولا يفرق بين اتخاذه ديناً وطاعة وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة ومعلوم أن اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو بالقول أو بالعمل من أعظم المحرمات وأكبر السيئات وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم المعاصي التي يعلم أنها معاصٍ وسيئات] مجموعة الرسائل والمسائل ١/١٣٨ نقلاً عن مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية ٣/١١٨٣-١١٨٥. وخلاصة الأمر أن هذا الدعاء المسمى دعاء عكاشة دعاء مبتدع لا يجوز لأحد أن يأتي به ولا يعتقد صحته ومن أراد الدعاء فعليه بالأدعية القرآنية والأدعية النبوية ففيها الكفاية.
стр. 1025
٦٧ - احاديث ثابتة
يقول السائل: ما صحة ما ورد في بعض الأحاديث أن من يتمسك بدينه في آخر الزمان له أجر خمسين من الصحابة ﵃؟
الجواب: وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ يشد بعضها بعضاً تدل على أن المتمسك بدينه له أجر خمسين من الصحابة ﵃ فمن ذلك: ما جاء في الحديث عن عتبة بن غزوان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم) أخرجه ابن نصر في كتاب السنة وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة المجلد الأول حديث رقم ٤٩٤. وله شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل فيها أجر خمسين قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم أو خمسين منا. قال: خمسين منكم) قال الهيثمي رواه البزار والطبراني بنحوه إلا أنه قال (للمتمسك أجر خمسين شهيداً فقال عمر: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال منكم) ورجال البزار رجال الصحيح غير سهيل بن عامر البجلي وثقه ابن حبان. مجمع الزوائد ٧/٢٨٢. وقال الشيخ الألباني عن إسناد الطبراني: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. السلسلة الصحيحة المجلد الأول حديث رقم ٤٩٤. وعن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني ﵁ فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) سورة المائدة الآية ١٠٥؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألت رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله قال: وزادني غيره يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: خمسين منكم) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي حسن غريب ورواه ابن حبان وصححه ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره الشيخ الألباني شاهداً لحديث عتبة بن غزوان المتقدم انظر المصدر السابق. وعن عتبة بن غزوان ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم - ثلاث مرات أو أربع -) رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن شيخه بكر بن سهل عن عبد الله بن يوسف قال الهيثمي وكلاهما قد وثق وفيهما خلاف. فمجموع هذه الأحاديث يدل على الأجر العظيم لمن يتمسك بدينه وأنه يعادل أجر خمسين من الصحابة وانظر إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة ٢/٩٠ - ٩١.
стр. 1026
٦٨ - القرآن الكريم
يقول السائل: ما حكم استعمال الآيات القرآنية في التعليقات الساخرة والمزاح؟
الجواب: إن القرآن الكريم كلام الله ولا يجوز للمسلم أن يتلاعب بكلام الله بأي حال من الأحوال لأن ذلك من الاستهانة بالقرآن، وكلام الله يجب احترامه وصيانته عن كل ما لا يليق به وبالتالي لا يجوز استعماله في المزاح أو التعليقات والرسوم الساخرة لأن ذلك يتضمن إستخفافاً واستهانة بل على المسلم عندما يقرأ كلام الله أن يقرأه بتدبر وتفكر وأن يكون على طهارة لأن قراءة كلام الله عبادة من العبادات والقرآن أنزل ليكون دستوراً ومنهج حياة، يقول : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) سورة القمر الآية ١٧. وقال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) سورة الحشر الآية ٢١. وقال تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) سورة مريم الآية ٥٨. *****
стр. 1027
٦٩ - التوبة
التوبة الصادقة, يقول السائل: أنا شاب عصيت الله أربعة أعوام فأهملت الصيام وشتمت هذا وضربت ذاك، ووقعت في النميمة والغيبة والرياء والآن تبت إلى الله دون أن أعتذر لأصحاب الحقوق وما زلت أقع في الغيبة ولكن بشكل أقل من السابق فماذا أصنع؟
الجواب: لا شك أن التوبة من المعاصي والآثام واجبة على المسلم استجابة لأمر الله : (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ولقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) . وهذا الأخ السائل عليه أن يحمد الله على توبته ولكن هذه التوبة ليست توبة نصوحاً لأن التوبة النصوح لا بد أن تتحقق فيها شروط أربعة وهي: الأول: أن يقلع الإنسان عن المعاصي والآثام فإذا كان يغتاب الناس فعليه أن يترك ذلك. الثاني: أن يندم ندماً حقيقاً وصادقاً على ما مضى. الثالث: أن يعزم عزماً أكيداً على أن لا يعود للمعاصي. الرابع: إذا كانت المعصية تتعلق بحق من حقوق الناس فلا بد من إعادتها لأصحابها. فعلى هذا السائل أن يحقق هذه الشروط في نفسه حتى تكون توبته صادقة وأما أن يتوب الإنسان من الذنب اليوم ويعود إليه غداً فما هذه بتوبة. وأما بالنسبة لتركك الصوم لأربعة أعوام فيلزمك القضاء فعيلك الصيام ولا تبرئ ذمتك إلا بالقضاء. كما أن عليك أن تكثر من فعل الخيرات والأعمال الصالحات فهذه تمحو السيئات بإذن الله حيث يقول: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) وقال ﷺ : (أتبع السيئة الحسنة تمحها) رواه أحمد والترمذي وهو حديث حسن. *****
стр. 1028
٧٠ - الغش
يقول السائل: يغش بعض الطلبة في الامتحان ويزعمون أن في الغش تحقيق مصلحة لهم فما حكم ذلك؟
الجواب: لا شك أن الغش حرام مطلقاً سواء كان في المعاملات أو في الامتحانات أو غيرها ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن الرسول ﷺ مر على صبرة طعام-كومة قمح أو شعير-فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بلللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله- أي المطر-قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس منا) رواه مسلم وغيره. ومن المعلوم عند أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فألفاظ الحديث تعم كل غش سواء كان في الامتحانات أو غيرها. وأما زعمهم بأن الغش يحقق مصلحة لهم فهذا زعم باطل وكلام مردود لا يصح أبداً فإن المصلحة المعتبرة عند أهل العلم يجب أن لا تعارض نصاً-من الكتاب أو السنة-أو إجماعاً أو قياساً صحيحاً. وما يسمونه مصلحة هنا هو في الحقيقة مصلحة موهومة وملغاة بنص الشارع، فأين هي المصلحة في غش؟ إنها كمصلحة المرابي في زيادة أمواله عن طريق الربا وينبغي أن يعلم أن كثيراً من الناس يحملون المصلحة أكثر مما تحتمل ويقومون بتصرفات كثيرة معارضة لكتاب الله وسنة رسوله ويزعمون أن دليلهم هو المصلحة، وهم في الحقيقة والواقع لا يعرفون المصلحة على حقيقتها فالمصلحة هي المنفعة التي يقصدها الشرع من أجل حفظ مقاصد الشريعة ولا ينطبق هذا الكلام على الغش في الامتحانات لأن الغش محرم بالنص ولأن الغش يتعارض مع مقاصد الشريعة المطهرة. *****
стр. 1029
٧١ - العيد
يقول السائل: كيف تكون التهنئة بحلول العيد؟
الجواب: إن أصل التهنئة مشروع في الجملة فقد ثبت في الحديث الصحيح في قصة توبة كعب بن مالك ﵁ حين تاب الله عليه بعد تخلفه عن غزوة تبوك حيث ورد في قصة توبته: (قال سمعت صوت صارخ يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك، أبشر فذهب الناس يبشروننا وأنطلقت أتأمم رسول الله ﷺ أقصده - يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنؤني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني وكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث في التهنئة بشكل عام وأما التهنئة بالعيد والدعاء فيه فقد ورد في الحديث عن محمد بن زياد قال: [كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب الرسول ﷺ فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض يتقبل الله منا ومنك] قال الإمام أحمد بن حنبل إسناده إسناد جيد وجوَّده أيضاً العلامة ابن التركماني، الجوهر النقي ٣/٣١٩. ونقل ابن قدامة عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ قال: [ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد تقبل الله منا ومنك] . وقال حرب: [سئل أحمد عن قول الناس في العيدين: تقبل الله منا ومنكم قال: لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة قيل وواثلة بن الأسقع؟ قال: نعم، قيل فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد: قال: لا] المغني ٢/٢٩٥-٢٩٦. وسئل الإمام مالك عن قول الرجل لأخيه يوم العيد تقبل الله منا ومنك يريد الصوم فقال: ما أعرفه ولا أنكره، قال ابن حبيب المالكي معناه لا يعرفه سنة ولا ينكره على من يقوله لأنه قول حسن ولأنه دعاء. وقد عقد الإمام البيهقي باباً في سننه الكبرى بعنوان: [باب ما روي في قول الناس يوم العيد بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك] . ثم ساق فيه بعض الأحاديث الواردة في ذلك وضعّفها وساق فيه أيضاً أثراً عن عمر بن عبد العزيز فقال: [عن أدهم مولى عمر بن عبد العزيز قال: كنا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيد تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين فيرد علينا ولا ينكر ذلك علينا] سنن البيهقي ٣/٣١٩. وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فلا بأس أن يعمل بها في مثل هذا الأمر الذي يعد من فضائل الأعمال وخاصة إذا أضفنا إليها الحديث الذي لم يذكره البيهقي وهو حديث أبي أمامة المذكور ساباً، وخلاصة الأمر أنه لا بأس أن يقال في التهنئة بالعيد تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال أو نحوها من العبارات. *****
стр. 1030
٧٢ - العلم
يقول السائل: ما هي الأمور التي يجب على المسلم أن يعلمها من أمر دينه؟
الجواب: إن العلماء قسموا العلم الشرعي إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما هو فرض عين والمقصود بفرض العين ما يجب على كل مسلم مكلف أن يحصله ولا يعذر بجهله، وحد هذا القسم هو ما تتوقف عليه صحة العبادة أو المعاملة فيجب على المسلم أن يتعلم كيفية الوضوء والصلاة والأحكام الأساسية في الصوم والزكاة وإن كان عنده نصاب والأحكام الأساسية في الحج إن كان من أهل الاستطاعة وكذلك يجب عليه أن يتعلم أحكام المعاملات التي يحتاج إليها فمثلاً لو كان شخص يعمل في الصرافة مثلاً فيجب عليه أن يتعلم أحكام الصرف في الشرعية الإسلامية وهكذا بالنسبة للأمور التي يحتاج لها في عباداته ومعاملاته. قال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن العلامي في فصوله: [من فرائض الإسلام تعلم ما يحتاج إليه العبد في إقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى ومعاشرة عباده وفرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه علم الدين والهداية تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم وعلم الزكاة لمن له نصاب والحج لمن وجب عليه والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات وكذا أهل الحرف وكل من اشتغل بشيء يفترض عليه علمه وحكمه ليمتنع عن الحرام فيه] حاشية ابن عابدين ١/٤٢. وقال الإمام النووي: [ ... فرض العين وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به، ككيفة الوضوء والصلاة ونحوها وعليه حمل جماعات الحديث المروي في مسند أبي يعلى الموصلي عن أنس عن النبي ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وهذا الحديث وإن لم يكن ثابتاً فمعناه صحيح ... ] المجموع ١/٢٤. والحديث الذي ذكره الإمام النووي وهو: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) حديث مختلف فيه فمن العلماء من يرى أنه حديث ضعيف، قال الإمام البيهقي: [وهذا حديث متنه مشهور وإسناده ضعيف وقد روي من أوجه كلها ضعيف] وضعفه الإمام أحمد أيضاً كما قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين. ويرى بعض أهل الحديث أن الحديث يصلح للاحتجاج لتعدد طرقه كالسيوطي والألباني وعلى كل حال فالمقصود بالعلم في الحديث هو العلم الذي يكون فرض عين فقط وليس مطلق العلم. الثاني: فرض الكفاية وهو ما إذا قام به البعض كفى، وعرّفه الإمام النووي بقوله: [وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحايث وعلومهما والأصول والفقه والنحو واللغة والتصريف ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف. وأما ما ليس علماً شرعياً ويحتاج إليه في قوام أمر الدنيا كالطب والحساب ففرض كفاية أيضاً ... ] المجموع ١/٢٦. الثالث: النفل: وهو كالتوسع في العلوم الشرعية. ويجب أن يعلم أن طلب العلم الشرعي أفضل من نوافل العبادات، قال الإمام النووي: [فصل في ترجيح الاشتغال بالعلم على الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات القاصرة على فاعلها] ثم ذكر عدداً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين والعلماء التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: (ِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ومنها ما رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (خرج رسول الله ﷺ فإذا في المسجد مجلسان مجلس يتفقهون ومجلس يدعون الله ويسألونه فقال: كلا المجلس إلى خير وأما هؤلاء فيدععون الله تعالى وأما هؤلاء فيتعلمون ويفقهون الجاهل هؤلاء أفضل بالتعليم أرسلت ثم قعد معهم) . وقال عطاء: [مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا] . وقال أبو هريرة: [باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع] . وسأل رجل بان المبارك: [يا أبا عبد الرحمن في أي شيء أجعل فضل يويم في تعلم القرآن أو في تعلم العلم؟ فقال: هل تحسن من القرآن ما تقوم به صلاتك؟ قال: نعم. قال: عليك بالعلم] الآداب الشرعية ٢/٣٤. وينبغي أن يعلم أيضاً أنه لا يصح قول من يقول بوجوب ترك الصلاة النافلة أو ترك قراءة القرآن ووجوب الإنصات عندما يبدأ مدرس بإعطاء درس في المسجد احتجاجاً بالحديث السابق: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ولأن طلب العلم فرض والصلاة النافلة وقراءة القرآن مندوبة، فهذا الكلام لا يصح لأن العلم المقصود بالحديث هو ما كان فرض عين فقط كما بينت سابقاً وأما مطلق العلم فليس كذلك. وما قررته هنا لا يتنافى مع ما سبق من أن طلب العلم الشرعي بشكل عام أفضل من نافلة الصلاة وقراءة القرآن. وأما أنه يجب على كل مصلي قطع صلاته أو أنه يجب على كل قارئ للقرآن قطع قراءته والاستماع للدرس فهذا مما لا دليل عليه وليس بصحيح. *****
стр. 1031
٧٣ - من البدع
الاحتفال بالإسراء والمعراج لا أصل له في الشرع, يقول السائل: متى أسري بالنبي ﵊ وما حكم الاحتفال بمناسبة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من رجب؟
الجواب: إن حادثة الإسراء والمعراج حق وصدق ولا شك في ذلك ولا ريب وقد ثبت ذلك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأشارت إلى ذلك أول آية من سورة الإسراء حيث يقول تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) . وأما أنه ﷺ أسري به في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب فلم يثبت ذلك بسند صحيح وقد اختلف العلماء في وقت الإسراء والمعراج وعلى أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: [وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث ثم اختلفوا فقيل قبل الهجرة بسنة قاله ابن سعد وغيره وبه جزم النووي وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه وهو مردود فإن في ذلك اختلافاً كثير يزيد على عشرة أقوال] فتح الباري ٨/٢٠١. ثم ذكر الحافظ هذه الأقوال وهي: - قبل الهجرة بثمانية أشهر. - قبل الهجرة بستة أشهر. - قبل الهجرة بسنة. - قبل الهجرة بأحد عشر شهراً. - قبل الهجرة بسنة وشهرين. - قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر. - قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر. - قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً. - قبل الهجرة بثلاث سنوات. - قبل الهجرة بخمس سنوات. وكما أنهم اختلفوا في تحديد السنة التي وقعت فيها حادثة الإسراء والمعراج فكذلك اختلفوا في الشهر الذي وقعت فيه فقيل كان ذلك في السابع والشعرين من رجب، وقيل في شهر رمضان، وقيل في شهر شوال، وقيل في شهر ربيع الأول، وقيل في شهر ربيع الثاني وقد ذكر هذه الأقوال كلها الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٨/٢٠٨. وقد بحث المسألة أيضاً الإمام القرطبي في تفسيره وذكر الاختلاف الكبير في تحديد وقت الإسراء والمعراج وزاد أنه قد روي أن الإسراء كان بعد مبعثه بخمس سنين. تفسير القرطبي ١٠/٢١٠. وأضاف الحافظ ابن كثير أن من العلماء من يرى أن الإسراء والمعراج وقع قبل الهجرة بستة عشر شهراً وكان ذلك في شعر ذي القعدة وذكر أن بعض الناس ادعى أن ذلك كان أول ليلة جعة من شهر رجب وعقب على ذلك بأنه لا أصل له. البداية والنهاية ٣/١٠٧. وقال العلامة أبو شامة المقدسي: [وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب] الباعث ص ١١٦. وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ولم يصح شيء من ذلك فروي أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه وأنه بعص في السابع والعشرين منه وقيل في الخامس والعشرين ولا يصح شيء من ذلك وروي بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي ﷺ كان في سابع وعشرين من رجب وأنكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره وروي عن قيس بن عباد قال: في اليوم العاشر من رجب ... ] لطائف المعارف ص ٢٣٣. وبعد هذا العرض للأقوال الواردة في وقت حادثة الإسراء والمعراج أقول إن لم يثبت بحديث صحيح توقيت هذه الحادثة لا في السابع والعشرين من رجب ولا غيره وبناء على ذلك فإن تحديد السابع والعشرين من رجب على أنه وقتها غير صحيح وينقصه الدليل الثابت وقد رأينا أن أهل العلم لم يثبتوا تلك الروايات الواردة في تعيين وقت هذه الحادثة وحتى لو سلمنا جدلاً أن وقت حادثة الإسراء والمعراج معلوم لا يجوز للمسلمين الاحتفال بهذه المناسبة لأن ذلك لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا يجوز لهم أن يعتبروها عيداً من أعياد المسلمين تعطل فيه الأعمال وتقام فيه الاحتفالات لأن ذلك زيادة في الدين وشرع لم يأذن به الله قال بعض أهل العلم: [وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصّوها بشيء من العبادات فلم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول ﷺ للأمة إما بالقول أو بفعل ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر ولنقله الصحابة ﵃ فقد نقلوا عن نبيهم ﷺ كل شيء تحتاجه الأمة ولم يفرطوا في شيء من الدين بل هم السابقون إلى كل خير فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه والنبي ﷺ هو أنصح الناس للناس وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ وأدى الأمانة فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي ﷺ ولم يكتمه فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليس من الإسلام في شيء وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله قال في كتابه المبين من سورة المائدة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) وقال في سورة الشورى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وثبت عن رسول ﷺ في الأحاديث الصحيحة التحذير من البدع والتصريح بأنها ضلالة تنبيهاً للأمة على عظم خطرها وتنفيراً لهم من اقترافها ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وفي صحيح مسلم عن جابر ﵂ قال: (كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) فتاوى الهيئة الدائمة للبحوث العلمية ٣/٤٥. *****
стр. 1032
٧٤ - احاديث مكذوبة
حوار مكذوب بين الرسول ﷺ وإبليس تقول السائلة: هناك ورقة مطبوعة يقوم بعض الناس بتوزيعها بعنوان: " حوار بين الرسول ﷺ وإبليس لعنه الله " وذكر تحت هذا العنوان حديث عن معاذ بن جبل عن ابن عباس قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بيت رجل من الأنصار في جماعة فنادى مناد يا أهل المنزل أتأذنون لي بالدخول ولكم إلي حاجة؟ قال رسول الله ﷺ : أتعلمون من المنادي؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : هذا إبليس لعنه الله تعالى ... الخ. ثم ساق حديثاً طويلاً جداً على شكل حوار بين الرسول ﷺ وإبليس وذكر في آخره أنه مأخوذ من كتاب شجرة الكون لمحي الدين بن عربي، وتسأل السائلة عن صحة هذا الحديث وهل ثبت ذلك عن الرسول ﵊؟
الجواب: لا شك أن هذا الحديث المشار إليه مكذوب مختلق ورسول الله ﷺ منه بريء وهو محض اختلاق وعلامات الوضع عليه ظاهرة جداً فإن للحديث النبوي نوراً يدل عليه، قال بعض أهل العلم: [إن للحديث ضوءاً كضوء النهار يعرفه وظلمة كظلمة الليل تنكره] وقال ابن الجوزي: [الحديث المنكر يقشعر له جلد طالب العلم وينفر منه قلبه في الغالب] . وهذا الكلام وما قبله ينطبق على الحديث المشار إليه ويضاف إلى ذلك طوله المستغرب وركاكة ألفاظه كما أن المصدر الذي نقل منه لا يعتبر ولا يعتد به ولا بمؤلفه فهو دجال من الدجاجلة ومخرف من المخرفين وشيطان من شياطين الإنس والعياذ بالله. قال عنه العز بن عبد السلام سلطان العلماء: [شيخ سوء كذّاب] . وقال الحافظ الذهبي عنه: [ ... ومن أردأ مؤلفاته كتاب " الفصوص " فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر ... ] سير أعلام النبلاء ٢٣/٤٨. *****
стр. 1033
٧٥ - احاديث مكذوبة
يقول السائل: ينتشر بين الناس حديث منسوب إلى الرسول ﷺ ونصه: سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه همهم بطونهم ودينهم دراهمهم وقبلتهم نسائهم. فهل هذا حديث ثابت عن الرسول ﷺ ؟
الجواب: لقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة ويتناقله كثير من الناس مع تفاوت في ألفاظه وعباراته وقد طبعه بعض الناس في نشرات وزعت على الناس وعلقت في بعض المساجد وهذا حديث باطل غير ثابت عن الرسول ﷺ وقد روى بعض ألفاظه الديلمي في مسند الفردوس وهو موطن الروايات الواهية والموضوعة المكذوبة وذكر بعض ألفاظه صاحب كنز العمال وغيرهما وخلاصة الأمر أن الحديث غير ثابت عن الرسول ﷺ .
стр. 1034
٧٦ - خاتم النبوة
يقول السائل: ما قولكم في هذه الورقة المطبوعة والتي توزع في المساجد ومكتوب عليها ما يلي: هذا مثال خاتم النبوة الذي كان بين كتفيه ﷺ ومكتوب من الشعر بقلم القدرة: توجه حيث شئت فإنك منصور الله وحده لا شريك له محمد رسول الله فإنك منصور. ثم كتب في أسفل الورقة ما يلي: ومن خواصه ما نقله الترمذي أن من توضأ ونظر إليه وقت الصبح حفظه الله تعالى إلى وقت المغرب ومن نظر إليه وقت المغرب حفظه الله تعالى إلى وقت الصبح ومن نظر إليه أول الشهر يحفظه الله إلى آخره ومن نظر إليه أول السنة يحفظه الله إلى آخرها من البلاء والآفات ومن نظر إليه أول الشهر يصير ذلك مباركاً عليه وإن مات في تلك السنة يختم له بالإيمان.
الجواب: إن خاتم النبوة حق وصدق وكان بين كتفي النبي ﷺ وهو من علامات النبوة التي كان أهل الكتاب يعرفونه بها وقد ورد ذكر خاتم النبوة في أحاديث كثيرة منها: عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن ابن أختي وجع، فنمسح رأسي ودعا لي بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: (فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة) . وعن جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته ... ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده) رواه مسلم. وعن عاصم بن عبد الله بن سرجس قال: (رأيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزاً ولحماً أو قال ثريداً قال: فقلت له: أستغفر لك النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولك ثم تلا هذه الآية: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) قال: ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل) رواه مسلم. وعن أبي نضرة العوقي قال: سألت أبي سعيد الخدري عن خاتم رسول الله ﷺ ؟ يعني خاتم النبوة فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة) رواه الترمذي في مختصر الشمائل وقال الشيخ الألباني: وسنده جيد. ثم قال الألباني: [أي كان الخاتم في ظهره الشريف قطعة لحم ظاهرة] . هذه بعض الأحاديث التي وردت في إثبات خاتم النبوة وصفته ومحله من جسده الشريف ﵊، وقد ورد في الخاتم أحاديث أخرى لا يعول عليها ولا يعتمد عليها وهي إما ضعيفة أو مكذوبة باطلة. ومن الأحاديث الباطلة الحديث المذكور في آخر الصفحة المشار إليها فإنه حديث باطل لم يروه الترمذي صاحب السنن ولعل الترمذي المذكور هو الحكيم الترمذي صاحب النوادر وكتابه موطن للأحاديث الضعيفة والواهية. وأما ما ذكر من أن خاتم النبوة مكتوب من الشعر بقلم القدرة وذكروا الكلمات التي كتبت على ظهر الرسول ﷺ بالشعر فهذا كلام باطل من الخرافات التي لا تصح. قال الحافظ ابن حجر: [وأما ما ورد من أنها-أي خاتم النبوة-كانت كأثر محجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء أو مكتب عليها محمد رسول الله أو سر فأنت منصور أو نحو ذلك فلم يثبت منها شيء وقد أطنب الحافظ قطب الدين في استيعابها في شرح السيرة وتبعه مغلطاي في الزهر الباسم ولم يبين شيئاً من حالها. والحق ما ذكرته ولا تغتر بما وقع في صحيح ابن حبان فإنه غفل حيث صحح ذلك والله أعلم] فتح الباري ٧/٣٧٤. وقال الحافظ الهيثمي: [اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به الكتب] يعني أن الخاتم الذي اتخذه الرسول ﵊ وكان يختم به الكتب نقش عليه محمد رسول الله كما ورد في بعض الأحاديث، فظنوا أن تلك الكلمات كانت على خاتم النبوة الذي كان في ظهره الشريف ﵊ وليس الأمر كذلك. *****
стр. 1035
٧٧ - إحذروا هذه الخرافة
وصية الشيخ أحمد المكذوبة: يسأل كثير من الناس في هذه الأيام عن صحة الوصية المذكورة لاحقاً والمنسوبة إلى الشيخ أحمد حامل مفاتيح الحرم النبوي والتي توزع بكثرة وتداولها الناس وهذا هو نص الوصية وبعض نسخها يختلف عن البعض الآخر بزيادة أو نقصان. تقول الوصية: [هذه التوصية من المدينة المنورة من الشيخ أحمد حامل مفاتيح حرم الرسول ﷺ في مشارق الأرض ومغاربها إليكم هذه التوصية: يقول الشيخ أحمد: إنه كان في ليلة يقرأ القرآن في حرم الرسول وفي تلك اللحظة غلبني النوم ورأيت في نومي رسول الله أتى إلي وقال: إنه قد مات هذا الأسبوع أربعون ألفاً من الناس على غير إيمانهم وإنهم ماتوا ميتة الجاهلية وإن النساء لا يطيعون أزواجهن ويظهرن أمام الرجال بزينتهن من غير ستر ولا حجاب عاريات الجسد ويخرجن من بيوتهن من غير علم أزواجهن وأن الأغنياء من الناس لا يؤدون الزكاة ولا يحجون إلى بيت الله الحرام ولا يساعدون الفقراء ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر. وقال لي رسول الله أن تبلغ الناس أن يوم القيامة قريب قريباً يظهر لكم نجمة في السماء ترونها جلياً وتقترب الأرض إلى السماء. ويقول الشيخ أحمد أن رسول الله قال إنه إذا قام أحد الناس بنشر هذه الوصية بين المسلمين فإنه سيحظى بشافعة رسول الله يوم القيامة ويحصل على الخير الكثير ويقضي حوائجه في الدنيا ويصونه من جميع البليات وشرور نفسه ويقضي الله دينه ويحصل على الخير الكثير والرزق الوفير ... أما إذا اطلع أحد على هذه الوصية ورماها بعيداً فإنه آثم إثماً كبيراً أو إذا اطلع عليها وما قام بنشرها فإنه يحرم من رحمة الله يوم القيامة ... ولهذا أطلب من الذين يقرأون هذه الوصية أن يقوموا بقراءة الفاتحة للنبي هذا وقد طلب مني رسول الله أن أبلغ أحد خدم الحرم الشرف أن القيامة قريبة فاستغفروا الله ... وحلمت يوم الإثنين بأنه من قام بنشر ثلاثون ورقة من هذه الوصية بين المسلمين فإن الله يزيل عنه الهم والغم ويوسع الله عليه في رزقه ويحل كل مشاكله ويرزقه خلال أربعين يوماً تقريباً وقد علمت أن أحدهم قام بنشره فرزقه الله بستة آلاف روبية ... وأن شخصاً كذب الوصية فقد ابنه في نفس اليوم وأشهد أن هذه المعلومات لا شك فيها ولا عفو فآمنوا بالله واعملوا صالحاً حتى يوفقنا الله في أعمالنا ويصلح شأننا في الدنيا والآخرة ويرحمنا برحمته. ويقول الله تعالى: (فَالَّذِينَءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) سورة الأعراف الىية ١٥٧. (الَّذِينَءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) سورة يونس الآية ٦٣-٦٤. (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) سورة إبراهيم الآية ٢٧. لقد وزعت هذه التوصية حول العالم سبع مرات علماً أن هذه الوصية ستجلب لك بعد توزيعها الفلاح والخير بع أربعة أيام بإذن الله من وصولها إليك وليس الدين لهواً أو لعباً ... لذلك عليك أن تنشر نسخاً من هذه الوصية بعد ستة وتسعون ساعة من قرائتك لها ... وسبق أن وصلت هذه الوصية إلى أحد رجال الأعمال فوزعها فوراً ومن ثم جاءته أخبار بنجاح صفقة تجارية بتسعين ألف دينار بحيرني زيادة عما كان يتوقعه وأن أحد الأطباء وصلته هذه الوصية فأهملها فجاء مصرعه في حادث سيارة وغدا جثة هامدة تحدث عنها الجميع ... كما اغفلها أحد المقاولين توفي ابنه الأكبر في بلد عربي شقيق ... لذا يرجى إرسال خمسة وعشرين نسخة من هذه الوصية وينشر المرسل بما يحصل له في اليوم الرابع ... وحيث إن مهمة هذه الوصية الطواف حول العالم كله ... فيجب إرسال خمسة وعشرين نسخة متطابقة إلى أحد أصدقائك إلى معارفك ... وبعد أيام إن شاء الله ستفاجئ بالأخبار الطيبة وكما أسلفنا فإن من سبق ذكره ليس هواجس أو وساوس ... فآمنوا بالله واعملوا صالحاً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته] . الجواب: إن هذه الوصية معروفة لدى أهل العلم منذ زمن طويل وليست جديدة وقد بين كثير من أهل العلم كذب هذه الوصية المزعومة ونشروا في ذلك فتاوى خاصة ولا بأس من توضيح بعض الأمور المتعلقة بهذه الوصية المكذوبة: أولاً: ذكر في الوصية المكذوبة أن عدد من مات من الناس خلال أسبوع بلغ أربعين الفاً ماتوا على غير الإيمان وهذا الكذب الصراح والتقول على الله لأن معرفة عدد الأموات سواء كانوا مؤمنين أو غيرهم لا يعلمه إلا الله وهو من الغيب وطريق معرفة الغيب من الوحي ولا وحي بعد وفاة الرسول ﷺ . ثانياً: ما ورد في الوصية المكذوبة من أخبار عن قرب يوم القيامة وعن تحلل الناس من الأحكام الشرعية ونحو ذلك عن الأمور المعروفة والثابتة في الكتاب والسنة ولا يحتاج الأمر إلى هذه الوصية المكذوبة. ثالثاً: ما ورد في الوصية المكذوبة من الأجر العظيم على كتابتها وأنه يحظى بشفاعة الرسول ﷺ فهو من أعظم الكذب والدجل لأن الأجر والثواب لا يعلمه إلا الله وشفاعة رسول الله ﷺ لا تنال بمجرد كتابة القرآن كله فضلاً عن كتابة هذه الوصية المكذوبة وكذلك ما ورد من الوعيد الشديد لمن لم يكتبها أو ينشرها وأنه يحرم من رحمة الله فهو كذب على الله وافتراء عظيم. رابعاً: إن الله أتم الإسلام وأكمله قبل وفاة الرسول ﷺ قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ففي كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ يغني عن هذه الخزعبلات والترهات الفارغة. خامساً: يحرم على المسلم نشر هذه الوصية المكذوبة وتداولها ويجب تنبيه الناس إلى أنها كذب وافتراء على دين الله. *****
стр. 1036
٧٨ - السحر والشعوذة والاستعانة بالحن
يقول السائل: ما هي الآيات التي تنفع في إبطال السحر؟
الجواب: لا شك أن القرآن الكريم فيه شفاء للناس وقد ذكر العلماء عدداً من الآيات القرآنية على وجه الخصوص تنفع وتفيد في إبطال السحر بإذن الله وهذه الآيات هي: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ، (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ) ، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ، (قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) ، بسم الله الرحمن الرحيم (يس وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) ، بسم الله الرحمن الرحيم (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) ، (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) آمين، اللهم إني أعيذ ... باسمائك وصفاتك العليا أن تحفظ من كل سوء وإني أعيذ ... بكلمات الله التامات من شر ما خلق. *****
стр. 1037
٧٩ - السحر والشعوذة والاستعانة بالحن
يقول السائل في رسالة طويلة ما ملخصه: أنه يوجد عندهم امرأة تستعين بالجن في علاج المرضى فما حكم ذلك؟
الجواب: استعانة الإنس بالجن على أحوال كما فصلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: [فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ويأمر الإنس بذلك فهذا من أفضل أولياء الله تعالى وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه. ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك وإما في قتل معصوم الدم أو في العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم وإما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص إما فاسق وإما مذنب غير فاسق وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات، مثل أن يستعين بهم على الحج أو أن يطيروا به عند السماع البدعي أو أن يحملوه إلى عرفات ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكرا به] مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٣٠٧ -٣٠٨.
стр. 1038
٨٠ - السحر والشعوذة والاستعانة بالحن
فك السحر بالسحر, تقول السائلة: هل يجوز الذهاب إلى العراف لسؤاله هل فلان من الناس مسحور أم لا؟ وهل يجوز أن نطلب منه فك السحر أم لا؟
الجواب: يحرم شرعاً الذهاب إلى العرافين والسحرة والكهنة وأمثالهم ولا يجوز للمسلم أن يصدقهم فيما يقولون ويخبرون به فقد ثبت في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) رواه مسلم. وورد في حديث آخر أن الرسول ﷺ قال: (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه أصحاب السنن وغيرهم وهو حديث صحيح. ولا يجوز فك السحر بالسحر وهو المعروف بالنشرة أي حل السحر وإبطاله بسحر آخر ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ : (ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له) رواه الطبراني وهو حديث حسن كما قال الألباني. وقد سئل الرسول ﷺ عن النشرة-فك السحر بالسحر-فقال: (هي من الشيطان) رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد. والطريق المشروع لفك السحر وإبطاله يكون بالقرآن الكريم والأدعية الشرعية الثابتة عن الرسول ﷺ ومن ذلك قراءة آية الكرسي من سورة البقرة و (قل يا أيها الكافرون) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) و (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ) سورة الأعراف الآيات ١١٧-١١٩. وقوله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) سورة يونس الآيات ٧٩-٨٢. والآيات من سورة طه:، (قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) سورة طه ٦٥-٦٩. ومن الأدعية الثابتة عن الرسول ﷺ في علاج السحر وغيره: (اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً) . ومنه رقية جبريل التي رقى بها النبي ﷺ وهي: (باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك) ويكرر ذلك ثلاث مرات وغير ذلك من الأدعية والأذكار. *****
стр. 1039
٨١ - الزمن والمواقيت
الأشهر الحرم, يقول السائل: ما هي الأشهر الحرم وما هي الأمور التي لا يجوز فعلها فيها؟
الجواب: يقول الله : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) سورة التوبة الآية ٣٦. الأشهر الحرم المقصودة في الآية هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب الذي هو بين جمادى الآخرة وشعبان وقد حدد الرسول ﷺ رجباً بهذا لأن بعض العرب كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجباً فقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) رواه البخاري ومسلم. والأشهر الحرم لها فضل عظيم فضلها الله على سائر الأشهر ولله حكمة عظيمة في ذلك قال ابن عباس ﵄ خص الله من شهور العام أربعة أشهر فجعلهن حرماً وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن والعمل الصالح والأجر أعظم. وعن قتادة قال: [الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواها وإن كان الظلم في كل حال عظيماً ولكن الله يعظم من أمره إن شاء فإن الله تعالى اصطفى صفايا من خلقه اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً واصطفى من الكلام ذكره-جل وعلا-واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر] . قال قتادة: [فعظموا ما عظم الله إنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم والعقل] . وقد كان العرب في الجاهلية يحرمون القتال في الأشهر الحرم وأقر الإسلام هذا الحكم يقول الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) سورة البقرة الآية ٢١٧، ثم نسخ هذا الحكم كما قال جماعة من المفسرين بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) سورة التوبة الآية ٣٦. وقد حث النبي ﷺ على صيام الأشهر الحرم كما ورد في الحديث عن رجل من باهلة قال: (أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنا الرجل الذي أتيتك عام الأول. فقال: مالي أرى جسمك ناحلاً؟ قال: يا رسول الله، ما أكلت طعاماً بالنهار ما أكلت إلا بالليل. قال: من أمرك أن تعذب نفسك؟ قلت: يا رسول الله إني أقوى. قال: صم شهر الصبر ويوماً بعده. قلت: إني أقوى. قال: صم شهر الصبر ويومين بعده. قلت: إني أقوى. قال صم شهر الصبر وثلاثة ايام بعده وثم أشهر الحرم) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وسنده جيد. وجاء في الحديث أن النبي ﷺ سئل: (أي الصيام بعد رمضان أفضل؟ قال: شهر الله المحرم) رواه البخاري ومسلم. ونظراً لتعظيم هذه الأشهر وفضلها قال جماعة من الفقهاء بتغليظ الدية على من قتل في الأشهر الحرم خطأ. قال الإمام الشافعي: [تغلظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وذوي الرحم] والصحيح عدم التغليظ. وأخيراً فإني أنبه على أن بعض الناس يظنون أن الصيد في الأشهر الحرم ممنوع والصحيح أن الصيد لا يحرم في الأشهر الحرم ما عدا من يصيد في مكة والمدينة لأن كلا منها حرم فلا يحل الصيد فيهما وكذلك من كان محرماً بحج أو عمرة فلا يحل له صيد البر وأما ما عدا ذلك فيجوز الصيد سواء كان في الأشهر الحرم أو في غيرها. *****
стр. 1040
٨٢ - الزمن والمواقيت
يقول السائل: ما قولكم في أن كثيراً من الناس والمؤسسات الرسمية وغيرها تستعمل الأشهر الميلادية في التأريخ لمراسلاتها وكتاباتها وقد أدى هذا الأمر إلى أن كثيراً من الناس لا يكادون يعرفون الأشهر الهجرية وكذلك فهنالك دعاوى لتغيير الأرقام العربية إلى أرقام أوروبية، أفيدونا وجزاكم الله خيراً؟
الجواب: مما يؤسف له أن هجمة التغريب التي تعرضت لها الأمة المسلمة قد امتدت إلى كل ما يتعلق بالأمة الإسلامية، دينها ولغتها وعاداتها وتقاليدها. وقد لقيت دعوات التغريب آذاناً صاغيةً وأيادٍ منفذة لهذه الأفكار ولم يسلم شيء تقريباً من هذه الهجمات التغريبية ومن ضمن ذلك اعتماد التأريخ الميلادي في مختلف شؤون الحياة والدعوة إلى استبدال رسم الأرقام العربية بالأرقام الأوروبية. أما بالنسبة لاعتماد التأريخ الميلادي فيجب أن يعلم أن التاريخ الهجري هو سمة من سمات الأمة الإسلامية لا يجوز الاستغناء عنه واستبداله بالتاريخ الميلادي بشكل تام. ومن المعلوم أن عمر بن الخطاب هو الذي سن فكرة التأريخ من أول محرم، قال ابن الأثير: [والصحيح المشهور أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بوضع التأريخ والسبب في ذلك: أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ. فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم: أرخ بمبعث النبي ﷺ وقال بعضهم: بمهاجرة رسول الله ﷺ ، فقال عمر: بل نؤرخ بمهاجرة رسول الله ﷺ فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل، قال الشعبي: وقال محمد بن سيرين: قام رجل إلى عمر، فقال: أرخوا، فقال عمر: ما أرخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر حسن فأرخوا فاتفقوا على الهجرة ثم قالوا: من أي الشهور؟ فقالوا: من رمضان، ثم قالوا: فالمحرم هو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا عليه] التشبه المنهي عنه ص ٥٤٣-٥٤٤. إن علماء الأمة كرهوا استعمال التقويم الميلادي لما له من ارتباط ديني عند النصارى وهو ميلاد عيسى ﵇ ولا يجوز التشبه بهم في أمر دينهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب في المعاملات وهو التكلم بغير العربية إلا لحاجة كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد. بل قال مالك من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها ولكن سوغوها للحاجة وكرهوها لغير الحاجة. ولحفظ شعائر الإسلام فإن الله أنز كتابه باللسان العربي وبعث نبيه العربي وجعل الأمة العربية خير الأمم فصار حفظ شعارهم من تمام حفظ الإسلام] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣٢/٢٥٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وأما الرطانة وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية فقال أبو محمد الكرماني - المسمى بحرب -: باب تسمية الشهور بالفارسية: قلت لأحمد: فإن للفرس أياماً وشهوراً يسمونها بأسماء لا تعرف؟ فكره ذلك أشد الكراهة وروى فيه عن مجاهد حديثاً أنه كره أن يقال: آذرماه، وذي ماه - أسماء شهور فارسية - قلت: فإن كان اسم رجل أسميه به؟ فكرهه. قال: وسألت إسحاق قلت: تاريخ الكتاب يكتب بالشهور الفارسية مثل: آذرماه، وذي ماه؟ قال: إن لم يكن في تلك الأسامي اسم يكره فأرجو. قال وكان ابن المبارك يكره إيزدان يحلف به، وقال: لا آمن أن يكون أضيف إلى شيء يعبد وكذلك الأسماء الفارسية قال: وكذلك أسماء العرب كل شيء مضاف. قال: وسألت إسحاق مرة أخرى قلت: الرجل يتعلم شهور الروم والفرس؟ قال: كل اسم معروف في كلامهم فلا بأس. فما قاله أحمد من كراهة الأسماء له وجهان: أحدهما: إذا لم يعرف معنى الاسم جاز أن يكون معنى محرماً فلا ينطق المسلم بما لا يعرف معناه ولهذا كرهت الرقى العجمية كالعبرانية أو السريانية أو غيرها خوفاً أن يكون فيها معان لا تجوز. وهذا المعنى هو الذي اعتبره إسحاق لكن إن علم أن المعنى مكروه فلا ريب في كراهته وإن جهل معناه فأحمد كرهه وكلام إسحاق يحتمل أنه لم يكرهه. الوجه الثاني: كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون] اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٥١٨-٥١٩. وكذلك فإن في اعتماد التأريخ الميلادي ربطاً لأجيال المسلمين بتأريخ النصارى وأعيادهم وإبعاداً لهم عن تأريخهم الهجري الذي ارتبط برسولهم ﵊ وبشعائر دينهم وعبادتهم. قال القرطبي: تعليقاً على قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) سورة التوبة الآية ٣٦. قال: [هذه الآية تدل على أن تعلق الأحكام في العبادات وغيرها إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط وإن لم تزد على اثني عشر شهراً لأنها مختلفة الأعداد منها ما يزيد على ثلاثين ومنها ما ينقص وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين وإن كان منها ما ينقص] التشبه المنهي عنه ص ٥٤٤-٥٤٥. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز إهمال استعمال التقويم الهجري واستعمال التقويم الميلادي بدلاً عنه. والأصل أن نستعمل التقويم الهجري ولا بأس باستعمال التقويم الميلادي إلى جانبه. وأما بالنسبة لتغيير الأرقام العربية إلى الأرقام الأوروبية فيجب أن يعلم أن الزعم بأن الأرقام التي نستعملها حالياً " ١، ٢، ٣ ... " هي أرقام هندية وأن الأرقام الأوروبية " ١,٢,٣ ... " هي الأرقام العربية كلام غير صحيح لم تقم عليه أدلة معتبرة وإنما ذلك مجرد دعوى وقد بحث هذه المسألة المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي وكذلك هيئة كبار العلماء السعودية وقد صدر عن المجمع القرار التالي: [فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد نظر في الكتاب الوارد ... المتضمن أن هناك نظرية تشيع بين بعض المثقفين مفادها أن الأرقام العربية في رسمها الراهن هي أرقام هندية وأن الأرقام الأوروبية هي الأرقام العربية الأصلية ويقودهم هذا الإستنتاج إلى خطوة أخرى هي الدعوة إلى اعتماد الأرقام في رسمها الأوروبي في البلاد العربية داعمين هذا المطلب بأن الأرقام الأوروبية أصبحت وسيلة للتعامل الحسابي مع الدول والمؤسسات الأجنبية التي باتت تملك نفوذاً واسعاً في المجالات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية وإن ظهور أنواع الآلات الحسابية والكمبيوتر التي لا تستخدم إلا هذه الأرقام يجعل اعتماد رسم الأرقام الأوروبي في البلاد العربية أمراً مرغوباً فيه إن لم يكن شيئاً محتوماً لا يمكن تفاديه. واطلع المجلس على قرار مجلس هيئة كبار العلماء ... في هذا الموضوع والمتضمن أنه لا يجوز تغيير رسم الأرقام العربية المستعملة حالياً إلى رسم الأرقام المستعملة في العالم الغربي للأسباب التالية: أولاً: أنه لم يثبت ما ذكره دعاة التغيير من أن الأرقام المستعملة في الغرب هي الأرقام العربية بل إن المعروف غير ذلك والواقع يشهد له كما أن مضي القرون الطويلة على استعمال الأرقام الحالية في مختلف الأحوال والمجالات يجعلها أرقاماً عربيةً وقد وردت في اللغة العربية كلمات لم تكن في أصولها عربية وباستعمالها أصبحت من اللغة العربية حتى أنه وجد شيء منها في كلمات القرآن الكريم - وهي التي توصف بأنها كلمات معربة -. ثانياً: إن الفكرة لها نتائج سيئة وآثار ضارة فهي خطوة من خطوات التغريب للمجتمع الإسلامي تدريجياً يدل لذلك ما ورد في الفقرة الرابعة من التقرير المرفق بالمعاملة ونصها: [صدرت وثيقة من وزراء الإعلام في الكويت تفيد بضرورة تعميم الأرقام المستخدمة في أوروبا لأسباب أساسها وجوب التركيز على دواعي الوحدة الثقافية والعلمية وحتى السياحية على الصعيد العالمي] . ثالثاً: إنها- أي هذه الفكرة - ستكون ممهدة لتغيير الحروف العربية واستعمال الحروف اللاتينية بدل العربية ولو على المدى البعيد. رابعاً: إنها أيضاً مظهر من مظاهر التقليد للغرب واستحسان طرائقه. خامساً: إن جميع المصاحف والتفاسير والمعاجم والكتب المؤلفة كلها تستعمل الأرقام الحالية في ترقيمها أو ف الإشارة إلى المراجع وهي ثروة عظيمة هائلة وفي استعمال الأرقام الإفرنجية الحالية - عوضاً عنها - ما يجعل الأجيال القادمة لا تستفيد من ذلك التراث بسهولة ويسر. سادساً: ليس من الضروري متابعة بعض البلاد العربية التي درجت على استعمال رسم الأرقام الأوروبية فإن كثيراً من تلك البلاد قد عطلت ما هو أعظم من هذا وأهم وهو تحكيم شريعة الله كلها مصدر العز والسيادة والسعادة في الدنيا والآخرة فليس عملها حجة. وفي ضوء ما تقدم يقرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ما يلي: أولاً: التأكيد على مضمون القرار الصادر عن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في هذا الموضوع والمذكور آنفاً والمتضمن عدم جواز تغيير رسم الأرقام العربية المستعملة حالياً برسم الأرقام الأوروبية المستعملة في العالم الغربي للأسباب المبينة في القرار المذكور. ثانياً: عدم جواز قبول الرأي القائل بتعميم رسم الأرقام المستخدمة في أوروبا بالحجة التي استند إليها من قال ذلك، وذلك أن الأمة لا ينبغي أن تدع ما اصطلحت عليه قروناً طويلة لمصلحة ظاهرة وتتخلى عنه تبعاً لغيرها. ثالثاُ: تنبيه ولاة الأمور في البلاد العربية إلى خطورة هذا الأمر والحيلولة دون الوقوع في شرك هذه الفكرة الخطيرة العواقب على التراث العربي والإسلامي] قرارات المجمع الفقهي والإسلامي ص ١٢٩-١٣١. وخلاصة الأمر أن استعمال رطانة الأعاجم في شهورهم وسنينهم وحساباتهم وغيرها تضعف الأمة بجعلها تابعة لغيرها مفضلة له على نفسها وتضعف لغتها وسائر روابطها كما هو مشاهد في الأمصار التي قلدت الإفرنج في هذه الأمور وأمثالها حتى ضاع استقلالهم وعزهم. الآداب الشرعية ٣/٤٣٢. ?????
стр. 1041
٨٣ - فتوى حول الهجرة من فلسطين
يقول السائل: ما رأيكم فيما نقل عن الشيخ ناصر الدين الألباني في فتواه حول دعوته لأهل فلسطين للهجرة، وما رأيكم فيما نشر من ردود على تلك الفتوى؟
الجواب: لا شك لدي بأن ما نقل عن الشيخ الألباني-إن صح ذلك عنه-أنه خطأ واضح وأن الشيخ الألباني قد جانب الصواب في هذه الفتوى. ولا أريد أن أناقش هذه الفتوى لأن الحق فيها واضح ولكني أريد أن أتحدث عن بعض الردود وخاصة أن بعضها قد صدر عمن ينتسبون للعلم الشرعي ولا أعتب على بعض الصحافيين الذين وصفوا الشيخ الألباني بأوصاف لا تليق واستخدموا عبارات مجانبة للحوار والاختلاف البناء ولكني أسفت لما صدر عن بعض المشايخ من تفوهات وألفاظ مؤسفة وصف الشيخ الألباني بها بل أن بعضهم قد جرده من كل مؤهل وأنه يهرف بما لا يعرف وأنه دعي من الأدعياء ونقول لهؤلاء وأولئك: أنى لأي عالم مهما بلغ في العلم أن ينجو من الوقوع في الخطأ؟ فكل العلماء معرضون للوقوع في الأخطاء وكما يقال لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة ولا عصمة لغير رسول الله ﷺ . ولله در الإمام مالك إمام جار الهجرة ﵀ عندما قال: [كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر] وأشار بيده إلى قبر المصطفى ﷺ ، ولو ذهبنا نحصي أخطاء علماء المسلمين لما سلم من ذلك إلا من رحم الله منهم. إن وقوع أي عالم في خطأ ما مهما كان هذا الخطأ لا يعني أن نجرده من كل علم وأن نصفه بأقبح الأوصاف وأن نلصق به شتى التهم ومختلف النقائص فإن هذا ليس من منهج علماء المسلمين في نقد آراء العلماء لأن النقد العلمي يجب أن يبنى على الحجج والبراهين والأدلة بأسلوب يتضمن الأدب والخلق الرفيع وينطوي على احترام الآخرين فالتهجم والتجريح ليس من شيم علماء المسلمين وكذلك الطعن في المخالفين وتجريدهم من الدين والعلم والفضل والخلق ليس من منهج النقد العلمي البناء. إن علماء المسلمين لهم احترامهم ولهم مكانتهم في قلوب المسلمين وينبغي التعامل معهم بكل أدب واحترام يليق بهم وإن صدرت عنهم آراء مجانبة للحق والصواب ولا يحق لأحد مهما كان أن يتناول العلماء بلسانه فإن لحوم العلماء مسمومة كما قال الحافظ ابن عساكر في كلمته النيرة التي تستحق أن تكتب بحروف من ذهب: [اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب] . وأود ان أذّكر من لا يعرف الشيخ الألباني وفضله وخدمته الجليلة لسنة المصطفى ﷺ ببعض ذلك فأقول: لا شك أن الشيخ الألباني هو محدث الديار الشامية في القرن الرابع عشر الهجري بلا منازع وأن جهوده الضخمة في خدمة السنة النبوية لا ينكرها إلا مكابر ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل فالشيخ الألباني قام ومنذ سنين طويلة بالعمل على خدمة السنة النبوية وأصدر عشرات المؤلفات التي استفاد منها طلبة العلم الشرعي في الجامعات والمعاهد وفي حلقات العلم في المساجد وأذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر: ١. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وهو كتاب ضخم يقع في ثمانية مجلدات خرج فيه أحاديث كتاب منار السبيل من كتب فقه الحنابلة وبلغ عدد أحاديثه أكثر من ٢٧٠٠ حديث. ٢. سلسلة الأحاديث الصحيحة وصدر منها إلى الآن خمس مجلدات بلغت أحاديثها ٢٥٠٠ حديث. ٣. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة صدر منها إلى الآن أربع مجلدات بلغت أحاديثها ٢٠٠٠ حديث. ٤. صحيح الجامع الصغير وزيادته في ثلاثة مجلدات كبيرة مع ضعيف الجامع وبلغت أحاديثه أكثر من أربعة عشر ألف حديث. ٥. صفة صلاة النبي ﷺ . ٦. أحكام الجنائز. ٧. جلباب المرأة المسلمة. ٨. تخريج أحاديث الحلال والحرام. ٩. الأجوبة النافعة. هذه بعض مؤلفات الشيخ الألباني وله غيرها كثير. وفي الختام أدعو المنتسبين للعلم الشرعي أني يراعوا أدب الأسلام في الاختلاف وأن يتبعوا المنهج العلمي في النقد وأن يرتفعوا عن المهاترات وأن يلتزموا بقول الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) . *****
стр. 1042
٨٤ - السباب
يقول السائل: سبَّ شخص الدين في حالة غضب فقال له بعض الناس إنك قد كفرت وخرجت من ملة الإسلام والمسلمين وإن زواجك قد صار مفسوخاً فما قولكم في ذلك؟
الجواب: إن من الأمور المقلقة في المجتمع انتشار سب الدين وسب الرب بشكل ظاهر وواضح حيث إن هذه الظاهرة المنكرة أصبحت دارجة على ألسن كثير من الناس صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً ونسمعها باستمرار كلما تصايح اثنان وهذه الظاهرة المنكرة تحتاج إلى علاج شامل لتستأصل من أوساط الناس وعلاج هذه الظاهرة يحتاج إلى تضافر الجهود من أئمة المساجد والخطباء والمربين والمدرسين والآباء والأمهات وغيرهم. ولا بد أن نغرس معاني الإيمان في نفوس أبنائنا وبناتنا ونعلمهم أن سب الدين وشتم الذات الإلهية من نواقض الإيمان. والأسرة والبيت لهما دور كبير في ذلك وكذلك المدرسة فالمربون من المدرسين والمدرسات عليهم واجب كبير في هذه القضية وخاصة نحو صغار الأطفال الذين قد يسمعون هذه الشتائم لأول مرة في المدرسة من زملائهم أو في الشارع والحق يقال إن هذه الظاهرة منتشرة في بلادنا بشكل واضح مع الأسف الشديد بخلاف كثير من بلاد المسلمين فلا تكاد توجد عندهم ولا يعرفونها. ويجب أن يعلم أن العلماء قد بينوا أن سب الدين أو سب الرب أو سب الرسول ﷺ يعد كفراً مخرجاً من الملة وهو ردة عن دين الإسلام إذا كان الساب يعلم ما يصدر عنه حتى لو كان مستهزئاً. يقول الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) سورة التوبة الآيات ٦٥-٦٦. قال القاضي عياض: [لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/٢٦٧. وقال القاضي عياض أيضاً: [قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ما يجب من الحقوق للنبي ﷺ وما يتعين له من بر وتوقير وتعظيم وإكرام وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه وأجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) سورة الأحزاب الآية ٥٧. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة التوبة الآية ٦١. وقال الله تعالى (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) سورة الأحزاب الآية ٥٣. وقال تعالى في تحريم التعريض به: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ١٠٤. وذلك أن اليهود كانوا يقولون راعنا يا محمد أي أرعنا سمعك واسمع منا ويعرضون بالكلمة يريدون الرعونة فنهى الله المؤمنين عن التشبه بهم وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها لئلا يتوصل بها الكافر والمنافق إلى سبه والاستهزاء به] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/٢١٧. وقال القاضي عياض أيضاً: [اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه والعيب له فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كما نبينه ولا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب على هذا المقصد ولا نمتري فيه تصريحاً كان أو تلويحاً. وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرَّا] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/٢٢٠. ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام اسحق بن راهوية أحد الأئمة الأعلام (أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله ﷺ أو دفع شيئاً مما أنزل الله أو قتل نبياً من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله] . الصارم المسلول على شاتم الرسول ص٩. إذا تقرر أن سب الذات الإلهية وسب الرسول ﷺ وسب الدين كفر مخرج من الملة فيجب الانتباه إلى الفرق بين كون الشيء كفراً وتكفير الشخص الذي حصل منه ذلك بعينه فلا نستطيع أن نحكم بكفر كل إنسان إذا صدر منه ما يحكم العلماء أنه كفر لأن تكفير المعين يحتاج إلى معرفة أن موانع التكفير منتفية عن هذا الشخص المعين وقد ذكر أهل العلم أن موانع التكفير هي الخطأ والجهل والعجز والإكراه. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين: [للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر. الثاني: إنطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له فإن كان جاهلاً لم يكفر لقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) سورة النساء الآية ١١٥. وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) سورة التوبة الآية ١١٥. وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) سورة الإسراء الآية ١٥. لكن إن فرط بترك التعلم والتبين لم يعذر مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر فلا يتثبت ولا يبحث فإنه لا يكون معذوراً حينئذ. وإن كان غير قاصد لعمل ما يكفر لم يكفر بذلك مثل أن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ومثل أن ينغلق فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح ونحوه كقول صاحب البعير الذي أضلها ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطامها متعلقاً بالشجرة فأخذه فقال: [اللهم أنت عبدي وأنا ربك] أخطأ من شدة الفرح] فتاوى العقيدة ص٢٦٣-٢٦٤. وقد سئل الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي عن سب الدين أو الرسول ﷺ أو القرآن العظيم هل يكفر ولو كان جاهلاً؟ فقال: [هذا الباب كغيره من أبواب الكفر يعلّم ويؤدب فإن علّم وعاند بعد التعليم والبيان كفر وإذا قيل لا يعذر بالجهل فمعناه يعلم ويؤدب وليس معناه أنه يكفر] فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ص٣٧٢. وبناء على ما تقدم فإن كثيراً من الناس الذين يسبون الدين والرب في بلادنا وتجري هذه الكلمة على ألسنتهم لا نستطيع أن نحكم عليهم بالكفر وبانفساخ زواجهم لأن هؤلاء يجهلون ما يترتب على التلفظ بالسب والشتم من نتائج وكذلك فإن السب والشتم يصدر منهم من غير قصد ولا إرادة وما كان كذلك فإن الله لا يؤاخذ عليه كما في يمين اللغو التي يتلفظ بها الإنسان ولكنه لا يقصد اليمين فهو غير مؤاخذ بذلك، يقول الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) سورة المائدة الآية ٨٩. ويضاف إلى ذلك أن السب والشتم إذا صدر عن الإنسان وهو في حالة من الغضب الشديد بحيث أنه لا يدري ما يصدر منه فأرجو أن لا يؤاخذ على كلامه. ولا يفهمن أحد أن في هذا الكلام تهويناً من هذه الجريمة المنكرة والعادة القبيحة ألا وهي سب الدين والذات الإلهية والرسول ﷺ فعلى من وقع منه ذلك أن يتوب إلى الله توبة صادقة وأن يكثر من الاستغفار ومن فعل الخيرات فلعل الله أن يتوب عليه يقول : (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) سورة الزمر الآية ٥٣. وخلاصة الأمر أن سب الدين والرب ردة في حق من ارتكبه عامداً قاصداً عالماً به غير جاهل ولا مكره. وأما من لم يتحقق فيه ذلك فهو مرتكب لذنب عظيم وعليه التوبة بشروطها ولا ينفسخ زواجه.
стр. 1043
٨٥ - التدخين
القول المبين في حكم التدخين, يقول السائل: القول المبين في حكم التدخين, يقول السائل: هل لكم أن تبينوا لنا حكم التدخين بياناً شافياً؟
الجواب: إن نبتة الدخان لم تكن معروفة في ديار الإسلام لذلك لم يتعرض لها الفقهاء المتقدمون في مؤلفاتهم وأول ما عرف الدخان في بلاد المسلمين في حوالي الألف للهجرة كما ذكر بعض العلماء ولما شاع التدخين اختلف الفقهاء في حكمه فمنهم من رأى أنه مباح ومنهم من رأى أنه حرام وخلافهم هذا كان قبل وقوفهم على أضرار التدخين أما الآن فقد أصبحت أضرار التدخين معلومة علماً تاماً ومقطوعاً بها. فقد اتفقت على أضراره الهيئات العلمية والمجامع الطبية وقرروا أنه سبب رئيس للسرطان وتليف الكبد وأمراض الشريان التاجي والذبحة الصدرية وسرطان الفم وغيرها من الأمراض الخبيثة لذلك رأى كثير من العلماء المعاصرين أن التدخين حرام وهذا هو القول الصحيح إن شاء الله وهذا التحريم مستند لما يلي: أولاً: ضرر التدخين المؤكد لصحة الإنسان المدخن وغيره: وهذا ما أكده أهل الخبرة والاختصاص من الأطباء والكيميائين وغيرهم فالدخان يتكون من مجموعة كثيرة من المواد منها أكثر من خمسة عشر نوعاً من السموم الفتاكة كالنيكوتين الذي يعد من السموم القوية والفعالة وله أثر سيء على الكلية والجهاز العصبي والدم، ومنها أول أكسيد الكربون وهو معروف بتأثيره السام وله تأثير سيء على الدم. ومنها القطران وهو المادة اللزجة الصفراء التي تؤدي إلى اصفرار الأسنان ونخرها وإلى التهابات اللثة وهو أخطر محتويات الدخان على الصحة ويسبب السرطان والتهابات الشعب الهوائية وغير ذلك من المواد الضارة التي تلحق الضرر والأذى بصحة المدخن فالتدخين يضر بالفم وبالشفاه واللثة والأسنان واللسان واللوزتين والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والأعصاب والدورة الدموية والجهاز البولي كما أن للتدخين ضرراً على النسل لذلك تُنصح الحوامل بعدم التدخين وما كان ضرره كذلك فلا شك في حرمته لأن الإسلام يحرم كل ضار يقول ﵊: (لاضرر ولا ضرار) رواه البيهقي وغيرهما وهو حديثٌ صحيح. وقال الإمام النووي: كل ما أضر أكله كالزجاج والحجر والسم يحرم أكله] . ثانياً: ضرر التدخين المالي: لا شك أن الملايين تنفق على التدخين وما يتعلق به وكذلك فإن الملايين تنفق في علاج الأمراض التي تنتج عن التدخين وأن الأرقام التي تذكر في هذا المجال أرقام كبيرة جداً مما يؤكد الضرر البالغ للتدخين على الناحية الإقتصادية على مستوى الأفراد الشعوب والإسلام لا يقر أبداً إنفاق الأموال في هذه الجوانب فإن إنفاق المال في التدخين إنفاق له فيما لا ينفع لا في الدنيا ولا في الآخرة. ثالثاً: يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله: [وهناك ضرر آخر يغفل عنه عادة الكاتبون في هذا الموضوع وهو الضرر النفسي وأقصد به أن الإعتياد على التدخين وأمثاله يستعبد إرادة الإنسان، ويجعلها أسيرة لهذه العادة السخيفة بحيث لا يستطيع أن يتخلص منها بسهولة إذا رغب في ذلك يوماً لسببٍ ما. كظهور ضررها على بدنه أو سوء أثرها في تربية ولده أو حاجته إلى ما ينفق فيها لصرفه في وجوه أخرى أنفع وألزم أو نحو ذلك من الأسباب لهذا الإستعباد النفسي لدى بعض المدخنين يجور على قوت أولاده والضروري من نفقة أسرته ومن أجل إرضاء مزاجه هذا لأنه لم يعد قادراً على التحرر منه وإذا عجز مثل هذا يوماً عن التدخين لمانع داخلي أو خارجي فإن حياته تضطرب وميزانه يختل وحاله تسوء وفكره يتشوش وأعصابه تثور لسبب أو لغير سبب] ولا ريب في أن مثل هذا الضرر جدير بالإعتبار في إصدار حكم على التدخين. رابعاً: إن التدخين خبيث عند ذوي الطباع السليمة ولا ينكر ذلك إلا مكابر ولا يقول أحد من العقلاء إنه من الطيبات والله يقول: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) والدخان خبيث فهو من المحرمات. خامساً: إن الدخان مفتر من المفترات وهذا معروف عند المدخنين وكونه لا يفتر المدمنين عليه فهذا لا يعتبر في إثبات التحريم لأن بعض المدمنين على الخمر لا يسكر من كأس أو كأسين ويحتاج إلى كمية أكبر حتى يسكر فلا يقال إن الخمر في حقه غير محرم وكذلك الحال في الدخان وقد ثبت في الحديث عن أم سلمة ﵂: (أن الرسول ﵊ نهى عن كل مسكر ومفتر) حديثٌ صحيح رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، والأصل في النهي أنه يفيد التحريم ما لم ترد قرينه تصرفه عن ذلك. وبعد هذا العرض الموجز لأهم الأدلة الدالة على تحريم التدخين أقرر ما قاله بعض العلماء المعاصرين من حرمة التدخين بلا شك ولكن حرمته ليست كحرمة الخمر أو الزنا فالمحرمات تتفاوت فهي على درجات فبعضها يعد من الكبائر وبعضها صغائر وأظن أن التدخين من الأخيرة ومع ذلك فينبغي الإقلاع عن هذه العادة السيئة ولا يجوز التعامل مع كل ما يتعلق بالتدخين كصناعته وبيعه وتوزيعه والدعاية له وتقديمه للناس وغير ذلك. وأخيراً ينبغي أن تعلم أن قول من يرى أن التدخين مباح قول ضعيف لا وجه له بعد أن ثبت الضرر المؤكد للتدخين عند العامة والخاصة يقول الدكتور القرضاوي: [ويتبين من هذا التمحيص الذي ذكرناه أن إطلاق القول بإباحة التدخين لا وجه له بل هو غلط صريح وغفلة عن جوانب الموضوع كله ويكفي ما فيه من إضاعة لجزء من المال فيما لا نفع فيه وما يصحبه من نتن الرائحة المؤذية وما فيه من ضرر بعضه محقق وبعضه مظنون أو محتمل] . وإن كان لهذا القول وجه فيما مضى عند ظهور استعمال هذا النبات في سنة ألف من الهجرة حيث لم يتأكد علماء ذلك العصر من ثبوت ضرره فليس له أي وجه في عصرنا بعد أن أفاضت الهيئات العلمية الطبية في بيان أضراره وسيء آثاره وعلم بها الخاص والعام وأيدتها لغة الأرقام. *****
стр. 1044
٨٦ - أهل البيت
يقول السائل: إنه قرأ في إحدى الصحف تعليقاً حول حديث الرسول ﷺ : (تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله وأهل بيتي) وقال المعلق على الحديث: بأن النص الصحيح عند أهل السنة وهم أهل هذه البلاد وبالمنطق السليم هو: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي) فهل صحيح ما قاله المعلق؟
الجواب: إن الحكم على الحديث لا يخضع لشيء اسمه المنطق السليم أو المنطق غير السليم وإنما الحكم على الحديث يكون خاضعاً للقواعد والضوابط التي وضعها أهل الحديث المتخصصون في الحكم على الحديث من حيث الثبوت أو الرد. والحديث الذي أنكره المعلق هو حديثٌ صحيح ثابت عن الرسول ﷺ ورد برواياتٍ كثيرةٍ أذكر بعضها: ١. عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله ﷺ فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر ثم قال: (أما بعد ... ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأذكركم الله في أهل البيت ... ) رواه الإمام مسلم في صحيحه حديث رقم ١٤٠٨. وعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : (إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض) رواه الإمام أحمد في المسند ورواه الطبراني وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح. وغير ذلك من الروايات وهي كثيرة وقد صححها جماعة من المحدثين كالحاكم والذهبي والطبراني وغيرهم، والمراد بالحديث إن عملتم بالقرآن واهتديتم بهدي عترتي العلماء العاملين لم تضلوا ومثلهم العلماء العاملون من غير العترة فالتمسك بهديهم يوصل إلى المقصود وإنما خص أهل بيته ﷺ لأن التمسك بالعلماء منهم أقوى من علماء غيرهم في التأثير بالقلوب. انظر الفتح الرباني ١/١٨٦. ولعل الكاتب أنكر صحة الحديث لورود عبارة (أهل بيتي) أو (عترتي) فيه، وقد استكشل الكاتب ذلك مع أن المشهور من الحديث (وسنتي) كما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي) رواه الحاكم وغيره وهو حديث صحيح. وقد أجاب الشيخ الألباني عن هذا الإشكال من وجهين فقال: [الأول: إن المراد من الحديث في قوله ﷺ : (عترتي) أكثر مما يريده الشيعة ولا يرده أهل السنة بل هم مستمسكون به وألا وهو أن العترة فيه هم أهل بيته ﷺ وقد جاء ذلك موضحاً في بعض طرقه كحديث: (وعترتي أهل بيتي) وأهل بيته في الأصل هم نساؤه ﷺ وفيهن الصديقة عائشة ﵅ جميعاً كما هو صريح قوله تعالى في الأحزاب: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) وتخصيص الشيعة: (أَهْلَ الْبَيْتِ) في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ دون نسائه ﷺ من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصاراً لأهوائهم كما هو مشروح في موضعه وحديث الكساء وما في معناه غاية ما فيه توسيع دلالة الآية ودخول علي وأهله فيها كما بينه الحافظ ابن كثير وغيره وكذلك حديث العترة قد بيّن النبي ﷺ أن المقصود أهل بيته ﷺ بالمعنى الشامل لزوجاته وعلي وأهله، ولذلك قال التوربشتي، كما قال في المرقاة ٥/٦٠٠: عترة الرجل: أهل بيته رهطه الأدنون ولاستعمالهم (العترة) على أنحاء كثيرة بيّنها رسول الله ﷺ بقوله: (أهل بيتي) ليعلم أنه أراد بذلك نسله وعصابته الأدنين وأزواجه. الوجه الآخر: إن المقصود من أهل البيت إنما هم العلماء الصالحون منهم والمتمسكون بالكتاب والسنة، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: (العترة) هم أهل بيته ﷺ الذين هم على دينه وعلى التمسك بأمره) وذكر نحوه الشيخ علي القاري في الموضع المشار إليه آنفاً ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله: إن أهل البيت غالباً ما يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته والواقفون على طريقته العارفون بحكمه وحكمته وبهذا يصلح أن يكون مقابلاً لكتاب الله سبحانه كما قال: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .
стр. 1045
٨٧ - حقوق الناس
يقول السائل: هل يجوز الأكل من ثمار البساتين بدون إذن أصحابها؟
الجواب: إن من القواعد المقررة شرعاً أنه لا يجوز أخذ مال المسلم إلا بإذنه ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) سورة النساء الآية ٢٩. ويدل على ذلك أيضاً قول الرسول ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وقوله ﵊: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري ومسلم. وقوله ﵊: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه الحاكم وابن حبان وصححاه وقوله ﵊: (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس رواه البيهقي بإسناد صحيح، وقوله ﷺ : (لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فينتقل طعامه وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه) رواه البخاري ومسلم والمشربة بضم الراء الغرفة. قال الإمام النووي: [ومعنى الحديث أنه ﷺ شبه اللبن في الضرع بالطعام المخزن المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه بغير إذنه، وفي الحديث فوائد منها تحريم أخذ مال الإنسان بغير إذنه والأكل منه والتصرف فيه، وأنه لا فرق بين اللبن وغيره وسواء المحتاج وغيره إلا المضطر ... فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدل عندنا وعند الجمهور ... ] شرح صحيح مسلم ٤/٣٩١. وقال ابن عبد البر: [في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئاً إلا بإذنه وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه فنبه به على ما هو أولى منه] فتح الباري ٦/١٤. وبناء على ما تقدم لا يجوز الأكل من ثمار الأشجار في البساتين أو على جوانب الطرقات إلا بإذن أصحابها وكذلك الأكل من الزروع لا يجوز إلا بإذن أصحابها وهذا القول الذي ذكرته هو الأقوى دليلاً والأحوط ديناً وأبعد عن الشبهات. قال ابن قدامة بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: [والأولى في الثمار وغيرها ألا يأكل إلا بإذن لما فيه من الخلاف والأخبار الدالة على التحريم) المغني ٩/٤١٨. *****
стр. 1046
٨٨ - يحرم الطعن في العلماء
يقول السائل: ما حكم من سب وشتم فقهاء المسلمين وما حكم الصلاة خلف ذلك الشخص؟
الجواب: لا شك أن سب وشتم فقهاء الإسلام من المعاصي الكبيرة وأن الطعن في علماء الإسلام طعن في دين الله وإن شتم الفقهاء والعلماء يدل على جهل وضاح وينبئ عن قلة تقوى ودين ويشير إلى جهل هذا الطاعن بمكانة العلماء في الإسلام، يقول الله : (ِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) سورة الزمر الآية ٩، ويقول الله : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) سورة المجادلة الآية ١١. وروى ابو الدرداء عن الرسول ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ليلة البدر والعلماء هم ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهم إنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود والترمذي وهو حديث حسن. ويجب أم يعلم أن احترام العلماء وتقديرهم واجب على المسلم، قال الإمام الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية المشهورة: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل] شرح العقدية الطحاوية ص ٥٥٤. وقال الشاعر: أبوهم آدم والأم حواء يفاخرون به فالطين والماء على الهدى لمن استهدى أدلاء والجاهلون لأهل العلم أعداء الناس من جهة التمثال أكفاء فإن يكن لهم في أصلهم نسب ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم وقدر كل امرئ ما كان يحسنه وقال الحافظ ابن عساكر ﵀: [اعلم يا أخي-وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته-أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب] . وأخيراً فإن على هذا الطاعن في الفقهاء والعلماء أن يتوب إلى الله توبة صادقة بأن يكف لسانه عن الوقيعة في أعراض العلماء ويستغفر ربه ويتوب إليه ويكثر من الدعاء والاستغفار للعلماء، وأما بالنسبة للصلاة خلف من يسب العلماء ويقع فيهم فالصلاة خلفه تصح وإن كان هذا وأمثاله لا ينبغي أن يكونوا من أئمة المساجد بل يجب أن يزجروا وينهروا حتى يرتدعوا عن ضلالتهم. *****
стр. 1047
٨٩ - الوقف
صرف المال الموقوف في غير ما وقف له, يقول السائل: إن شخصاً دفع مبلغاً من المال لفرش مسجد ولكن المسجد مفروش ولا يحتاج لفرش آخر فهل يجوز صرف المبلغ في شراء كتب للمسجد وهل تجب استشارة صاحب المال؟
الجواب: إن الأولى والأحوط في هذه المسألة أن يصرف المال فيما خصصه له من دفعه وأما إذا كان الواقع كما ذكر في السؤال من أن المسجد لا يحتاج إلى فرش فلا بأس بشراء كتب شرعية نافعة للمسجد وإذا أمكن استشارة ذلك الشخص فهو الأفضل وإن لم يمكن فلا بأس بفعل ذلك دون استشارته. *****
стр. 1048
٩٠ - الوقف
قدم شخص بيته للصلاة فيه مؤقتاً ثم استرده, يقول السائل: إن شخصاً قدم بيتاً له ليصلي فيه أهل الحي حتى يتمكنوا من بناء مسجد وشرط عليهم إعادة البيت في الوقت الذي يطلبه، وبعد مضي سنوات طلب ذلك الشخص بيته فما حكم ذلك؟
الجواب: ما دام أن الاتفاق تم كذلك بين صاحب البيت وأهل الحي فيجب إعادة البيت لصاحبه حيث أنه لم يوقفه مسجداً وإنما قدمه لهم ليصلوا فيه مدة من الزمان حتى يطلبه فلما طلبه وجبت إعادته إليه والرسول ﵊ يقول: [المسلمون على شروطهم] رواه أصحاب السنن وغيرهم وهو حديث صحيح. وجاء في رواية أخرى: (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وأما لو وقفه مسجداً فلا يحق له الرجوع في وقف المسجد كما اتفق على ذلك أكثر الفقهاء. *****
стр. 1049
٩١ - الوقف
لا يجوز استرداد الأرض الموقوفة على المسجد, يقول السائل: أوقف رجل قطعة أرض لبناء مسجد وبعد أن تم البناء اقتطع الواقف جزءاً من الأرض الموقوفة وضمها إلى أرضه فما حكم ذلك؟
الجواب: إن الوقف من الأعمال الخيرية التي يتقرب بها العبد إلى الله وهو داخل في عموم قوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. ولا شك أن الوقف على المساجد فيه أجر عظيم وأجر مستمر لا ينقطع وهذا الرجل الذي أوقف الأرض لبناء المسجد فعل خيراً ولكنه أخطأ عندما تراجع عن بعض ما وقف وضم جزءاً من الأرض الموقوفة لأرضه الخاصة وما فعله هذا الشخص لا يجوز لأن الوقف على المساجد باتفاق الفقهاء لا يجوز نقضه فهو وقف لازم فلا يجوز الرجوع في وقف المسجد سواء كان الرجوع من الواقف أو من ورثته لأن الوقف حين يتم يصير حقاً خالصاً لله تعالى لأن المساجد لله وخلوصه لله تعالى يقتضي عدم الرجوع فيه. ويدل على ذلك قول الرسول ﷺ في الحديث السابق: (صدقة جارية) فهذا يشعر بأن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه ولو جاز فيه الرجوع لكان صدقة منقطعة وقد وصفه الرسول ﷺ في الحديث بعدم الانقطاع وبالتالي على هذا الشخص أن يعيد ذلك الجزء من الأرض ويلحقه بأرض المسجد حتى لا يبطل عمله. *****
стр. 1050
٩٢ - كتابة البسملة على الأوراق الرسمية
يقول السائل: كثيراً ما نرى أوراقاً كتبت عليها البسملة وقد رميت في الطرقات والشوارع وغيرها فهل يجوز كتابة البسملة على مثل هذه الأوراق التي تُرمى؟
الجواب: لا بأس بكتابة البسملة والحمدلة في الكتب والنشرات والأوراق الرسمية وغير ذلك لما روي في الحديث أنه ﵊ قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع) وفي رواية أخرى: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر) والحديث ورد بروايات أخرى غير ما ذكر وقد رواه أحمد ,وأبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وفي سنده كلام كثير وضعفه الألباني وجماعة من المحدثين. وحسنه ابن الصلاح والنووي حيث قال بعد أن ذكر الحديث السابق بألفاظه المختلفة: [روينا هذه الألفاظ كلها في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي وهو حديث حسن ... ] الأذكار ص ٩٤. وبعد هذا أقول يستحب كتابة البسملة والحمدلة في أول الكتب والنشرات وغيرها وكل من وقعت في يده ورقة أو نشرة كتب فيها شيء من ذكر الله كالبسملة والحمدلة وغيرها يجب عليه أن يحافظ عليها محافظة تامة ولا يجوز له رميها في الطرقات والشوارع وأماكن القاذورات وإذا لم يكن له حاجة بها فليلقها في مكان لائق وإن استغنى عنها فلا بأس بدفنها في مكان طاهر أو حرقها. *****
стр. 1051
٩٣ - حكم اقتناء الكلاب في البيوت
يقول السائل: إن لهم جيراناً يقتنون كلباً في بيتهم ويعتنون به عناية كبيرة وينتقل الكلب في غرف البيت ويلعب مع أهل البيت ويركبونه في سيارتهم عند خروجهم من البيت ويشترون له طعاماً خاصاً فما قولكم في ذلك؟
الجواب: إن اقتناء الكلاب في البيوت لغير حاجة مشروعة من التقليد الأعمى لحضارة الغرب التي صارت تعتني بالكلاب في بلادها أكثر من عنايتها بالإنسان في آسيا وإفريقيا فالكلاب في أوروبا وأمريكا لها قيمة كبيرة فتراهم يهتمون بشؤونها اهتماماً عظيماً وينفقون عليها المليارات من الدولارات فقد جاء في إحصائية نشرت قبل حوالي عشر سنوات أن ما أنفق على الكلاب والقطط في أمريكا قد بلغ ثلاثة مليارات من الدولارات؟!! والكلاب في الغرب محترمة ومرفهة وتجد الكلاب من الطعام ما لا يجده ملايين البشر في إفريقيا وآسيا وتقام للكلاب الحفلات والمسابقات لاختيار أجمل كلب وتنشأ لها فنادق ومستشفيات وتستعمل الكلاب في ديار الغرب لأمور كثيرة ومنها أمور تتعلق بالشذوذ الجنسي؟!! وأمور يندى الجبين من ذكرها. هذا شيء قليل من اهتمام الغربيين بالكلاب والذي أصبح مثلاً يحتذى به في ديار المسلمين مع الأسف الشديد. ومعلوم أن الإسلام قد بين ووضح الأحكام الشرعية المتعلقة بالكلاب واقتنائها. فقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو ضارٍ نقص من عمله كل يوم قيراطان) رواه مسلم، والكلب الضاري هو كلب الصيد كما قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ٤/١٨٣. وفي رواية أخرى عند مسلم: [من اتخذ كلباً إلا كلب زرع أو غنم أو صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط] . وعن سفيان بن أبي زهير وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: (من اقتنى كلباً لا يغني عنه زرعاً ولا ضرعاً نقص من عمله قيراط) رواه البخاري ومسلم، وغير ذلك من الأحاديث. وقد أخذ جمهور أهل العلم من هذه الأحاديث تحريم اقتناء الكلاب لغير حاجة مشروعة. انظر المغني ٤/١٩١. ككلاب الصيد والحراسة وكلاب تتبع أثر اللصوص أو التي تكشف عن المخدرات ونحوها وأما عدا ذلك فيحرم اقتناؤها كما تدل على ذلك الأحاديث السابقة. قال الحافظ أبو العباس القرطبي: [واختلف في معنى قوله: (نقص من عمله كل يوم قيراطان) وأقرب ما قيل في ذلك قولان: أحدهما: أن جميع ما عمله من عمل ينقص لمن اتخذ ما نهي عنه من الكلاب بإزاء كل يوم يمسكه فيه جزءان من أجزاء ذلك العمل وقيل: من عمل ذلك اليوم الذي يمسكه فيه وذلك لترويع الكلب للمسلمين وتشويشه عليهم بنباحه ومنع الملائكة من دخول البيت ولنجاسته على ما يراه الشافعي. الثاني: أن يحبط من عمله كله عملان أو من عمل يوم إمساكه - على ما تقدم - عقوبة له على ما اقتحم من النهي والله تعالى أعلم] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/٤٥١-٤٥٢. والكلب نجس العين على الراجح من أقوال أهل العلم وهو قول الشافعية والحنابلة وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وغيرهم. انظر المجموع ٢/٥٦٧، المغني ١/٣٦. ويدل على ذلك قول النبي ﷺ : (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) رواه مسلم. فهذا الحديث يدل على نجاسة الكلب لأنه لا غسل إلا من حدث أو نجس وليس هنا حدث فتعين النجس كما قال الصنعاني في سبل السلام ١/٢٢. ويجب أن يعلم أن النبي ﷺ قد أخبر وخبره صدق وحق أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب فقد ثبتت الأحاديث في ذلك ومنها عن أبي طلحة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: (واعد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في ساعة يأتيه فيها فجاءت تلك الساعة ولم يأته وفي يده عصا فألقاها من يده وقال: ما يخلف الله وعده ولا رسله. ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: يا عائشة متى دخل هذا الكلب ههنا؟ فقالت: والله ما دريت فأمر به فأخرج فجاء جبريل، فقال رسول اله ﷺ : واعدتني فجلست لك فلم تأت. فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة) رواه مسلم. وعن ابن عباس قال: (أخبرتني ميمونة أن رسول الله ﷺ أصبح يوماً واجماً، فقالت ميمونة: يا رسول الله لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم. قال رسول الله ﷺ : إن جبريل كان وعدني أن يلقاني فلم يلقني أم والله ما أخلفني. قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا فأمر به فأخرج ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه فلما أمسى لقيه جبريل فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة. قال: أجل ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ فأمر بقتل الكلاب حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ويترك كلب الحائط الكبير) رواه مسلم. قال الإمام النووي قوله ﷺ : [ (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى. وسبب امتناعهم من بيت فيه كلب لكثرة أكله النجاسات ولأن بعضها يسمى شيطاناً كما جاء به الحديث والملائكة ضد الشياطين ولقبح رائحة الكلب والملائكة تكره الرائحة القبيحة ولأنها منهي عن اتخاذها فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه واستغفارها له وتبريكها عليه وفي بيته ودفعها أذى للشيطان وأما هؤلاء الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه كلب أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبريك والاستغفار وأما الحفظة فيدخلون في كل بيت ولا يفارقون بني آدم في كل حال لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٦٩-٢٧٠. وقد أيد العلم الحديث ما ورد في السنة النبوية من النهي عن اقتناء الكلاب لما في ذلك من أضرار كثيرة على صحة الإنسان. [فالكلب ناقل لبعض الأمراض الخطيرة إذ تعيش في أمعائه دودة تدعى المكورة المقنفذة تخرج بيوضها مع برازه وعندما يلحس دبره بلسانه تنتقل هذه البيوض إليه ثم تنتقل منه إلى الأواني والصحون وأيدي أصحابه ومنها تدخل إلى معدتهم فأمعائهم فتنحل قشرة البيوض وتخرج منها الأجنة التي تتسرب إلى الدم والبلغم وتنتقل بهما إلى جميع أنحاء الجسم وبخاصة إلى الكبد لأنه المصفاة الرئيسة في الجسم فتتوضع فيه كما قد تتوضع في الدماغ أو الرئتين أو العظام أو العضلات أيضاً. ولكن توضعها في الكبد أكثر ثم تنمو في العضو الذي تتوضع فيه وتشكل كيساً مملوءً بالأجنة الأبناء وبسائل صاف كماء الينبوع وقد يكبر الكيس حتى يصبح بحجم رأس الجنين وقد تكون الأكياس متعددة. ويسمى المرض داء الكيسة المائية وتكون أعراضه على حسب العضو الذي تتوضع فيه وأخطرها ما كان في الدماغ أو في عضلة القلب. ولم يكن له علاج سوى العملية الجراحية ثم ظهرت بعض الأدوية التي تفيد فيه وإن كانت لا تزال تحت التجربة وثمة داء آخر خطر ينقله الكلب وهو داء الكلب الذي سببه حمة راشحة فيروس - يصاب به الكلب أولاً ثم ينتقل منه إلى الإنسان عن طريق لعاب الكلب بالعض أو بلحسه جرحاً في جسم الإنسان وقد ينتقل المرض قبيل ظهور أعراض المرض على الكلب أو بعد ظهورها ومتى ظهرت أعراض الداء على الإنسان أصبح الموت محتماً ١٠٠% إلا بمشيئة الله تعالى لذلك يلجأ إلى إعطاء الإنسان اللقاح الواقي من المرض منذ أن يعضه كلب حتى يثبت عدم إصابته الكلب بداء الكلب] الحقائق الطبية في الإسلام ص ١٠٦. ونشرت مجلة العربي في عددها رقم ٣٩٥ لسنة ١٩٩١ تحت عنوان " في بيتنا كلب " ما يلي: من ضمن الأمراض التي يصاب بها الكلب ما يأتي: ١. الكَلَبْ: مرض يصيب الكلب بفعل فيروس خاص تستهويه الأنسجة العصبية في الجسم فيصاب بالجنون أو السعار من مظاهره التيه والشرود واحمرار في العينين مع فك متدل ولعاب يسيل فإذا أصاب الإنسان يصبه بتشنجات وهذيان وتكون خاتمته الموت الزؤام حيث لا علاج إلا الوقاية. ٢. داء اللينتمانيا: طفيليات وحيدة الخلية إذا ما أصابت الإنسان تمرضه بإحدى صورتين: أ. جلدية فينفرج الجلد ويعاني من قرحة مزمنة. ب. إصابة الأحشاء فيعاني المريض بها من حمى وصداع وتضخم في الكبد والطحال. وهذه الطفيليات تنقلها بعوضة صغيرة والكلب أحد ضحايا المرض لجانب الإنسان فلهذا هو مصدر خطر كامن لهذا الداء. ٣. الديدان الشرطية. وخلاصة الأمر أنه لا يجوز اقتناء الكلاب إلا للحاجات التي أقرها الشرع.
стр. 1052
٩٤ - تكره الأسئلة التي لا يترتب عليها عمل
يقول السائل: يسألني بعض الناس أسئلة لا يترتب عليها عمل ولا نفع فيها للسائل كالسؤال عن المدة التي مكثها يونس ﵇ في بطن الحوت وأمثال ذلك، فما الحكم في السؤال عن مثل هذه الأمور؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أن أهل العلم والفتوى قد بينوا ووضحوا أن على المسلم إن أراد السؤال والاستفتاء فعليه أن يسأل عما ينفعه في دينه ودنياه فلا بأس بالسؤال عما يعترض المسلم في شؤونه كلها فيسأل عن أمور العبادات والمعاملات وعن قضايا العقيدة وما يتعلق بذلك. وأما السؤال عما لا نفع فيه للمسلم في حياته وآخرته فلا ينبغي السؤال عن ذلك ولا يجب على المسؤول أي العالم أو المفتي أن يجيبه على أمثال هذه الأسئلة كأن يسأل كيف هبط جبريل؟ وعلى أي صورة رآه النبي ﷺ ؟ وحين رآه على صورة البشر هل بقي ملكاً أم لا؟ وأين الجنة وأين النار؟ ومتى الساعة ونزول عيسى ﵇؟ وإسماعيل أفضل أم إسحاق؟ وأيهما الذبيح؟ وفاطمة أفضل من عائشة أم لا؟ وأبوا النبي ﷺ كانا على أي دين؟ وما دين أبي طالب؟ ومن المهدي؟ إلى غير ذلك مما لا حاجة بالإنسان إليه ولا ينبغي أن يسأل عنه لأنه ليس تحته عمل ولا تجب عليه معرفته ولم يرد التكليف به. كما ذكره العلامة ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار. وقد أرشد ابن عباس ﵁ مولاه عكرمة إلى قاعدة هامة في أمر الفتوى حين أمره أن يفتي الناس فقال له: (انطلق فأفت الناس وأنا عون لك فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته) . وقال القاضي إياس بن معاوية: من المسائل ما لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها ولا للمسؤول أن يجيب فيها. ومن سؤال الفراغ والفضول ما وقع للإمام الشعبي فقد أتاه رجل فقال له: ما اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك عرس ما شهدته! . ومن سؤال الفراغ أيضاً ما وقع لأحد كبار السادة المالكية (زياد بن عبد الرحمن القرطبي الملقب بشبطون) تلميذ مالك حكى القاضي عياض في ترجمته في " ترتيب المدارك " ما يلي: قال حبيب: كنا جلوساً عند زياد فأتاه كتاب من بعض الملوك ... فكتب فيه ثم طبع الكتاب ونفذ به الرسول فقال زياد: أتدرون عما سأل صاحب هذا الكتاب؟ سأل عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة أمن ذهب هي أم من ورق؟ - أي فضة - فكتبت إليه: حدثنا مالك عن ابن شهاب قال: قال رسول الله ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) وسترد فتعلم. وجاء في " ترتيب المدارك " للقاضي عياض في باب تحري مالك في العلم والفتيا والحديث وورعه فيه وإنصافه، وسأل مالكاً رجل عن رجل وطئ بقدمه دجاجة ميتة فأخرجت منها بيضة فأفقست البيضة عنده عن فرخ أيأكله؟ فقال مالك: سل عما يكون ودع ما لا يكون، وسأله آخر عن نحو هذا فلم يجبه فقال له: لم لا تجيبني يا أبا عبد الله؟ فقال له: لو سألت عما تنتفع به لأجبتك. وسأله رجل عمن قال للآخر: يا حمار؟ قال: يجلد. قال: فإن قال له يا فرس؟ قال: تجلد أنت، ثم قال: يا ضعيف! وهل سمعت أحداً يقول لآخر: يا فرس؟! . وجاء في " الآداب الشرعية " لابن مفلح الحنبلي: قال أحمد بن حنبل سألني رجل مرة عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم؟ فقلت له: أحكمت العلم - كله - حتى تسأل عن ذا؟! قال الحافظ ابن حجر: وقد ذم السلف البحث عن أمور معينة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس كالسؤال عن الساعة والروح ومدة هذه الأمة إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف وأكثر ذلك لم يثبت فيه شيء فيجب الإيمان به بغير بحث] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص ٢٦٤-٢٦٦ الهامش. وقد فصل الإمام الشاطبي المواضع التي يكره السؤال عنها فقال: [ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع نذكر منها عشرة مواضع: أحدها السؤال عما لا ينفع في الدين، كسؤال عبد الله بن حذافة: من أبي وروي في التفسير أنه ﵇ الصلاة والسلام: (سئل ما بال الهلال يدو رقيقاً كالخيط ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدراً ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) الآية، فإنما أجيب بما فيه منافع الدين. والثاني: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته كما سأل الرجل عن الحج أكل عام؟ مع أن قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) قاض بظاهره أنه للأبد لإطلاقه، ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) . والثالث: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت وكأن هذا - والله أعلم - بما لم ينزل فيه حكم وعليه يدل قوله: (ذروني ما تركتمكم) وقوله: (وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها) . والرابع: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها كما جاء في النهي عن الأغلوطات. والخامس: أن يسأل عن علة الحكم وهو من قبيل التعبدات التي لا يعقل لها معنى أو السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة. والسادس: أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق وعلى ذلك يدل قوله تعالى: (مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ولما سأل الرجل: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. الحديث. والسابع: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي ولذلك قال سعيد: أعراقي أنت؟ وقيل لمالك بن أنس الرجل يكون عالماً بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت. والثامن السؤال عن المتشابهات وعلى ذلك يدل قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) الآية. وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضا للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال من سأل مالكاً عن الاستواء فقال الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة. والتاسع: السؤال عما شجر بين السلف الصالح وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين فقال: تلك الدماء كف الله عنها يدي فلا أحب أن يلطخ بها لساني. والعاشر: سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام وفي القرآن في ذم نحو هذا: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) وقال: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) وفي الحديث: (أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) . هذه جملة المواضع التي يكره السؤال فيها يقاس عليها ما سواها وليس النهي فيها واحداً بل فيها ما تشتد كراهيته ومنها ما يخف، ومنها ما يحرم ومنها ما يكون محل اجتهاد وعلى جملة منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء (إن المراء في القرآن كفر) وقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) الآية! وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه والجواب بحسبه] الموافقات ٤/٣١٩-٣٢١. وقد روى أحمد عن ابن عباس ﵄ أنه قال عن الصحابة ﵃: (ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم) . الفتوى في الإسلام ص ١٧٥. وقال الشيخ القرافي: [وينبغي للمفتي: إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله ﷺ أو فيما يتعلق بالربوبية يسأل عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجلف أو يسال عن المعضلات ودقائق أصول الديانات ومتشابه الآيات والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء ويعلم أن الباعث له على ذلك إنما هو الفراغ والفضول والتصدي لما لا يصلح له: فلا يجيبه أصلاً ويظهر له الإنكار على مثل هذا، ويقول له: اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك ولا تخض فيما عساه يهلكك لعدم استعدادك له. وإن كان الباعث له شبهة عرضت له: فينبغي أن يقبل عليه ويتلطف به في إزالتها بما يصل إليه عقله فهداية الخلق فرض على من سئل. والأحسن أن يكون البيان له باللفظ دون الكتابة فإن اللسان يفهم ما لا يفهم القلم لأنه حي والقلم موات فإن الخلق عيال الله وأقربهم إليه أنفعهم إلى عياله لا سيما في أمر الدين وما يرجع إلى العقائد] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص ٢٦٤-٢٦٦. وخلاصة الأمر أن المسلم لا يسأل إلا عن الأمور التي يتعلق بها عمل وتكليف وأما الأمور التي لا يترتب عليها عمل فلا ينبغي السؤال عنها.
стр. 1053
٩٥ - السباب
حكم سب الصحابة, يقول السائل: ما قولكم فيمن يسب واحداً من الصحابة وينتقص منه كالذين يسبون معاوية بن أبي سفيان ويتهمونه باتهامات باطلة فما حكم الشرع في ذلك؟
الجواب: حب الصحابة الكرام جزء من عقيدة المسلم عقيدة أهل السنة والجماعة، قال صاحب العقيدة الطحاوية ص ٦٨٩: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ] شرح العقيدة الواسطية ص ١٤٢. وقد قامت على صحة هذه العقيدة ألا وهي حب الصحابة ﵃ أجمعين وحرمة سبهم وحرمة بغضهم عشرات الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وانعقد إجماع الصحابة على ذلك. فمن الآيات الكريمات الدالة على ذلك وفيها ثناء الله على الصحابة ﵃ قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) سورة التوبة الآية ١٠٠. وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) سورة آل عمران الآية ١١٠ وقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) سورة الفتح الآية ٢٩. وقال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) سورة الحديد الآية ١٠. وقال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجُِونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَايَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر الآيات ٨-١٠. وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) سورة الأنفال الآية ٦٤. وأما الأحاديث النبوية فمنها عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري ومسلم. وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم فقال: (استوصوا بأصحابي خيراً ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... الخ) رواه أحمد والبيهقي والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ورواه ابن حبان وقال محققه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. صحيح ابن حبان ١٦/٢٤٠. ونص أهل العلم على وجوب احترام الصحابة ﵃ أجمعين وأنه يحرم الطعن فيهم أو سبهم أو الانتقاص منهم. قال أبو زرعة الرازي: [إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق] ولتكن ممن يقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَايَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) سورة الحشر الآية ١٠] انظر صب العذاب على من سب الأصحاب للألوسي ص ٣٩١-٣٩٢. وقال الإمام أحمد: [وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان ووقف قوم وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته ليس له - أي الحاكم - أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلّده في الحبس حتى يموت أو يراجع] الصارم المسلول ص ٥٧٠. وقال الإمام النووي: [واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون ...] ثم نقل عن القاضي عياض قوله: [وسب أحدهم - أي الصحابة - من المعاصي الكبائر] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٧٢-٧٣. وقال الحافظ ابن حجر: [اتفق أهل السنة على أن الجميع - أي جميع الصحابة - عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم فمن ذلك قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) وقوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) وقوله: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) إلى قوله: (إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) في آيات كثيرة يطول ذكرها وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على تعديلهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم كافة أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله، ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤلاء (وهم) يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة انتهى. والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة من أدلها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه، وقال أبو محمد ابن حزم الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً قال الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) فثبت أن الجميع من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون بالآية السابقة] الإصابة في تمييز الصحابة ص ٦-٧ إذا تقرر هذا في فضل الصحابة وحرمة سبهم فإن معاوية بن أبي سفيان ﵄ واحد من الصحابة بل هو من فضلائهم فيحرم سبه وشتمه واتهامه بالاتهامات الباطلة. قال الإمام النووي: [وأما معاوية ﵁ فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء ﵁] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٥٣٠. وقد وردت أحاديث نبوية في فضل معاوية ﵁ منها عن عبد الرحمن بن أبي عميرة وكان من أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: (اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به) رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: صحيح كما في السلسلة الصحيحة ١٩٦٩ وصحيح سنن الترمذي ٣/٢٣٦. وعن أبي إدريس الخولاني قال: [لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن حمص ولى معاوية فقال الناس: عزل عميراً وولى معاوية!؟ فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم اهد به] رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٢٣٦. وروى الإمام البخاري بسنده عن ابن أبي مليكة قال: [أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس فأتى ابن عباس فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله ﷺ . وروى البخاري أيضاً بسنده: قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: إنه فقيه] صحيح البخاري مع الفتح ٨/١٠٤-١٠٥. قال الحافظ ابن حجر: [وقوله دعه: أي اترك القول فيه والإنكار عليه فإنه قد صحب أي فلم يفعل شيئاً إلا بمستند وفي قوله في الرواية الأخرى أصاب إنه فقيه ما يؤيد ذلك] فتح الباري ٨/١٠٥. وقال الإمام الذهبي في حق معاوية: [حسبك بمن يؤمره عمر ثم عثمان على إقليم وهو ثقة فيضبطه ويقوم به أتم قيام ويرضي الناس بسخائه وحلمه وإن كان بعضهم تألم مرة منه وكذلك فليكن الملك وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيراً منه بكثير وأفضل وأصلح فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفرط حلمه وسعة نفسه وقوة دهائه ورأيه وله هنات وأمور والله الموعد] سير أعلام النبلاء ٣/١٣٢-١٣٣. وقال الذهبي أيضاً: [ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم وما هو ببرئ من الهنات والله يعفو عنه] سير أعلام النبلاء ٣/١٥٩. وينبغي أن يعلم أن معاوية ﵁ هو أحد كتبة الوحي الذين استكتبهم رسول الله ﷺ لكتابة القرآن الكريم. انظر الإصابة ٦/١١٣، معاوية بن أبي سفيان لمحمود شاكر ص ٨٨
стр. 1054
٩٦ - السباب
حكم سب العلماء
لا ريب أن احترام العلماء وتقديرهم من الأمور الواجبة شرعاً وإن خالفناهم الرأي فالعلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء قد ورثوا العلم وأهل العلم لهم حرمة. وقد وردت نصوص كثيرة في تقدير العلماء واحترامهم، قال الإمام النووي: [باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم] . ثم ذكر قول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) سورة الزمر الآية ٩، ثم ساق الإمام النووي طائفة من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار وأحيل القارئ إلى كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ص ١٨٧-١٩٢. ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن والوقوع في أعراض المسلمين إلا أن بعض الناس من أشباه طلبة العلم ليس لهم شغل إلا شتم العلماء وسبهم على رؤوس الأشهاد في المساجد وفي الصحف والمجلات ويحاول هؤلاء الصبية تشويه صورة العلماء وتنفير عامة الناس منهم لأن هؤلاء العلماء علماء السلاطين - كما يزعم هؤلاء النكرات - ومن العلماء الفضلاء الذين تعرضوا وما زالوا يتعرضون لهذه الهجمة الشرسة العلامة الفقيه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ورعاه، فالشيخ القرضاوي لا ينكر علمه وفضله إلا حاقد أو جاهل. والشيخ القرضاوي لا يحبه ويقدره إلا من تأدب بأدب الإسلام ولا يبغضه ولا يشتمه إلا سفيه أو جاهل أو حاقد ليس له نصيب من أدب الإسلام. إن أدعياء الوعي وأدعياء الفكر والثقافة يشتمون الشيخ القرضاوي بغير وعي ولا يعرفون ماذا يصدر منهم من فظائع لا يجوز أن تقال في حق واحد من عامة الناس فضلاً أن تقال في حق عالم من علماء الأمة كالشيخ القرضاوي. إن هجمتهم الشرسة على العلامة القرضاوي تثير التساؤل، فهذه الهجمة تخدم أعداء الأمة الذين طالبوا بإغلاق السبل أمام الشيخ القرضاوي كيلا يخاطب الأمة الإسلامية. وأتسائل لمصلحة من يهاجم علماء الأمة؟ ولمصلحة من يشتم العلماء؟ هل هذه هي الطريق لإقامة الخلافة؟ هل علماء الأمة حالوا دون إقامة دولة الخلافة؟ أم أن بعض الناس يعلق فشله وعجزه على الآخرين؟ لماذا يوصف العلماء بالخيانة أو السذاجة والبلاهة؟ هل يصح أن يقال في علماء الأمة: " ومن الملمَّعين المنافقين "؟ كيف عرفتم أنهم منافقون؟ هل شققتم على قلوبهم؟ ألم تسمعوا قول النبي ﷺ لأسامة بن زيد ﵁ لما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله: (أفلا شققت على قلبه؟) رواه مسلم. ألم تسمعوا قول النبيصلى الله عليه وسلم: (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) رواه البخاري ومسلم. هل علمتم دخيلة الشيخ القرضاوي ونيته وأنه لا يريد من برامجه إلا المحافظة على مكاسب الشهرة؟! هل كلام الشيخ القرضاوي ينضح بالجهل أو التجاهل؟ أم أن كل إناء بما فيه ينضح؟ إن الشيخ القرضاوي محل ثقة أهل العلم وجماهير الناس شرقاً وغرباً والشيخ القرضاوي ليس بحاجة لينال ثقة أشباه طلبة العلم وصغارهم. فالناس يأخذون علمهم عن الشيخ القرضاوي وأمثاله من العلماء الكبار ولا يأخذون عن الأصاغر فإن الأخذ عن الأصاغر هَلَكَةٌ في الدين. قال عبد الله بن مسعود ﵁: (لا يزال الناس مشتملين بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا) رواه أبو عبيد والطبراني في الكبير والأوسط، وقال الهيثمي رجاله موثقون. ورواه أبو نعيم في الحلية ولفظه قال عبد الله بن مسعود ﵁ (لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من علمائهم وكبرائهم وذوي أسنانهم فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفهائهم فقد هلكوا) . وورد في رواية أخرى عند الخطيب في تاريخه بلفظ (فإذا أتاهم العلم عن صغارهم وسفلتهم فقد هلكوا) . إتحاف الجماعة ٢/ ١٠٥. إن الأمة بحاجة ماسة لعلم الشيخ القرضاوي وفهمه النير لأحكام الإسلام، وليست بحاجة إلى العلم بطلب النصرة من الكفرة وأعداء الدين حتى يقدموا الخلافة على طبق من ذهب لبعض الناس! وهم فقط ينتظرون حدوث ذلك الأمر البعيد إن لم يكن المستحيل. إن مبدأ طلب النصرة من غير المقتنعين بالفكرة مبدأ خاطئ ليس عليه دليل صحيح من سيرة النبي ﷺ ومنهجه وإن حاولوا إثباته. إن الأمة لن تنظر إن شاء الله بارتياب إلى فتاوى وآراء العلامة القرضاوي، بل تتقبلها قبولاً حسناً، ولكن الأمة لتنظر بارتياب لمن يهاجم القرضاوي ويسبه ويشتمه لأن هؤلاء السابين الشاتمين هم الذين خرجوا عن أدب الحوار والخلاف ووصل بهم الأمر إلى اتهام نيات العلماء وطعنهم في إيمانهم!! أهكذا يكون النقد العلمي؟ قال الإمام الذهبي يرحمه الله: [ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضاً ويرد هذا على هذا ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل] سير أعلام النبلاء ١٩/٣٤٢. أيها الناس تأدبوا مع العلماء، واعرفوا لهم مكانتهم، فما فاز من فاز إلا بالأدب وما سقط من سقط إلا بسوء الأدب. واعلموا أن الأمة لا تحترم ولا تقدر إلا من يحترم العلماء والأئمة. قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء: [إنما نحترمك ما احترمت الأئمة] وأخيراً أختم بكلمة نيرة مضيئة قالها الحافظ ابن عساكر يرحمه الله: [اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
стр. 1055
٩٧ - السباب
حكم سب الأموات, يقول السائل: ما حكم سب الأموات وذكر مساوئهم؟
الجواب: وردت أحاديث عن النبي ﷺ تنهى عن سب الأموات عامة كما في حديث عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) رواه البخاري في باب ما ينهى عن سب الأموات. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/٥٠٢. وورد في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحيائنا) رواه أحمد والنسائي. وفي رواية عند ابن حبان: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) وقال محقق صحيح ابن حبان: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وذكر أن الحديث رواه أحمد والطبراني. انظر صحيح ابن حبان ٧/٢٩٢. ورواه الترمذي أيضاً وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/١٩٠. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات صاحبكم فدعوه) رواه أبو داود والترمذي وابن حبان وفي رواية أبي داود: (إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه) وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ٣/٩٢٦. وجاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم) رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحديث فيه اختلاف فقد سكت عنه أبو داود وصححه ابن حبان، وقال الحافظ ابن حجر: إنه من شرط الحسن. شرح ابن علان على الأذكار ٤/٢١١، وذكر محقق الأذكار أن الحديث حسن بشواهده ص ١٤١. وعن عائشة ﵂: (أنه ذكر عند النبي ﷺ هالك - أي ميت - بسوء فقال: لا تذكروا هلكاكم إلا بخير) رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/٤١٧. ويرى كثير من أهل العلم أن عموم هذه الأحاديث مخصوص ويرى بعض شراح صحيح البخاري أن ترجمة البخاري للباب بما ذكر أعلاه يشير إلى ذلك. قال الحافظ ابن حجر: [قال الزين بن المنير: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقاً، والجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير وبالشر: (وجبت وأنتم شهداء الله في الأرض) ولم ينكر عليهم. ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية والمراد به المسلمون لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبهم. وقال القرطبي في الكلام على حديث وجبت: يحتمل أجوبة: الأول: أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهراً به فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقاً ثانيها: يحمل النهي على ابعد الدفن والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. ثالثها: يكون النهي العام متأخراً فيكون ناسخاً وهذا ضعيف. وقال ابن رشيد ما محصله: إن السب ينقسم في حق الكفار وفي حق المسلمين أما الكافر فيمنع إذا تأذى به الحي المسلم. وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة وقد يجب في بعض المواضع وقد يكون فيه مصلحة للميت كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم أن ذلك المال يرد إلى صاحبه. قال ولأجل الغفلة عن هذا التفصيل ظن بعضهم أن البخاري سهى عن حديث الثناء بالخير والشر وإنما قصد البخاري أن يبين أن ذلك الجائز كان على معنى الشهادة وهذا الممنوع وهو على معنى السب ... وتأول بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصة والوجه عندي حمله على العموم إلا ما خصصه الدليل بل لقائل أن يمنع ما كان على جهة الشهادة، وقصد التحذير يسمى سباً في اللغة. وقال ابن بطال: سب الأموات يجري مجرى الغيبة فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع وإن كان فاسقاً معلناً فلا غيبة له فكذلك الميت ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن ليتعظ بذلك فسّاق الأحياء فإذا صار إلى قبره أمسك عنه لإفضاءه إلى ما قدم وقد عملت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حق من استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حي فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه ... قوله: (أفضوا) أي وصلوا إلى ما عملوا من خير أو شر واستدل به على منع سب الأموات مطلقاً وقد تقدم أن عمومه مخصوص وأصح ما قيل في ذلك أن أموات الكفار والفساق يجوز ذكر مساوئهم للتحذير منهم والتنفير عنهم. وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين من الرواة أحياءاً وأمواتاً] فتح الباري ٣/٥٠٢-٥٠٣. وقال الإمام النووي: [قال العلماء يحرم سب الميت المسلم الذي ليس معلناً بفسقه وأما الكافر والمعلن بفسقه من المسلمين ففيه خلاف للسلف وجاءت فيه نصوص متقابلة وحاصله أنه ثبت في النهي عن سب الأموات ما ذكرناه في هذا الباب وجاء في الترخيص في سب الأشرار أشياء كثيرة منها ما قصه الله علينا في كتابه العزيز وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته ومنها أحاديث كثيرة في الصحيح كالحديث الذي ذكر فيه ﷺ عمرو بن لحي وقصة أبي رغال الذي كان يسرق الحاج بمحجنه وقصة ابن جدعان وغيرهم. ومنها الحديث الصحيح الذي قدمناه لما مرّت جنازة فأثنوا عليها شراً فلم ينكر عليهم النبي ﷺ بل قال: (وجبت) . واختلف العلماء في الجمع بين هذه النصوص على أقوال أصحها وأظهرها أن أموات الكفار يجوز ذكر مساوئهم وأما أموات المسلمين المعلنين بفسق أو بدعة أو نحوهما فيجوز ذكرهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه للتحذير من حالهم والتنفير من قبول ما قالوه والاقتداء بهم فيما فعلوه وإن لم تكن حاجة لم يجز، وعلى هذا التفصيل تنزل هذه النصوص. وقد أجمع العلماء على جرح المجروح من الرواة والله أعلم] الأذكار ص ١٤١. وخلاصة ما يؤخذ من هذه الأحاديث ما يلي: ١. تحريم سب الأموات لأنهم قد أفضوا إلى ما قدموا من خير أو شر فلا فائدة من سبهم ولأن ذلك يؤذي الأحياء. ٢. حرمة الأموات من المسلمين كحرمة الأحياء منهم. ٣. يجوز ذكر الأموات بما فيهم إن كان لمصلحة شرعية لا تتحقق إلا بذلك كتحذير الناس من بدعته والاقتداء بآثاره والتخلق بأخلاقه. ٤. الكافر والمنافق معلوم النفاق كلام أهل الإيمان فيه شهادة عليه فمن ذكره المؤمنون بشر فقد وجبت له. انظر موسوعة المناهي الشرعية ٢/٤٩-٥٠.
следующие страницы →