Полный текст (1 139 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٩٨ - صلاة الجمعة
رفع اليدين عند الدعاء في خطبة الجمعة,
يقول السائل: نرى كثيراً من الخطباء حين يدعون في خطبة الجمعة يرفعون أيديهم فهل هذا من السنة؟ الجواب: إن الدعاء خلال خطبة الجمعة من السنة فيدعو الخطيب للمسلمين والمسلمات ويستغفر لهم فقد ورد في الحديث عن سمرة بن جندب: (أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة) رواه الطبراني في الكبير والبزار بإسناد ضعيف كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/١٩١. ولكن رفع الخطيب يديه أثناء الدعاء ليس من السنة بل هو بدعة عند كثير من أهل العلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة لأن النبي ﷺ إنما كان يشير بإصبعه إذا دعا] الاختيارات العلمية ص ٤٨. وقال العلامة ابن القيم: [وكان ﷺ يشير بإصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله ودعائه] زاد المعاد ١/٤٢٨. ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث أن عمارة بن رؤيبة رأى بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة فقال: [قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبِّحة] رواه مسلم. قال الإمام النووي: [هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة] شرح النووي على صحيح مسلم ٦ /١٦٢. وقد اعتبر كثير من العلماء رفع الخطيب يديه أثناء الدعاء بدعة ومنهم الشيخ جلال الدين السيوطي في كتابه الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٢٤٧. والعلامة أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٨٤.
стр. 177
٩٩ - صلاة الجمعة
الخطبة على المنبر,
يقول السائل: إن الخطيب في مسجدهم يرفض أن يخطب على المنبر ويخطب واقفاً على الأرض
فما قولكم؟ الجواب: من السنة أن يخطب الخطيب على المنبر ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن عبد العزيز بن حازم عن أبيه: (أن نفراً جاؤوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر من أي عود هو؟ فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو ومن عمله ورأيت رسول الله ﷺ أول يوم جلس عليه قال: فقلت له: يا أبا عباس فحدثنا قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة قال أبو حازم: إنه ليسميها يومئذ انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إني إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: [فيه صلاته ﷺ على المنبر ونزوله القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته. قال العلماء: كان المنبر الكريم ثلاث درجات كما صرّح به مسلم في روايته فنزل النبي ﷺ بخطوتين إلى أصل المنبر ثم سجد في جنبه ففيه فوائد منها استحباب اتخاذ المنبر واستحباب كون الخطيب ونحوه على مرتفع كمنبر أو غيره] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٠٠. فعلى هذا الخطيب أن يقتدي بالرسول الله فيرقى المنبر لخطبة الجمعة فإذا كان المنبر على خلاف السنة كما هو الحال في كثير من المساجد رقي الخطيب ثلاث درجات فقط من المنبر ليخطب.
стр. 178
١٠٠ - صلاة الجمعة
حكم صلاة الظهر بعد الجمعة,
السؤال: أحضر لي أحد طلبة العلم نشرة وزعت في بعض المساجد حول صلاة الظهر بعد الجمعة ذكر فيها كاتبها كلاماً كثيراً في المسألة وذكر عنواناً يقول: تاريخ صلاة الظهر بعد الجمعة في الإسلام، وما جاء بشيء يشير إلى العنوان السابق ثم ذكر أقوال المذاهب الأربعة في حكم تعدد الجمعة في البلد الواحد ثم خلص إلى القول [أخيراً أخي المسلم ينبغي أن نعلمك أن صلاة الظهر بعد الجمعة استنبطت من السنة المطهرة باحتياط المرء لدينه من قبل الأئمة الأربعة وهي مدونة في كتبهم جميعاً وكتب التاريخ وهي دائرة بينهم في فلك الواجب والمندوب حيث إنها لم تصل في زمنه ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين والتابعين من بعدهم إلا في مسجد واحد] وسألني طالب العلم عن صحة هذا الكلام. الجواب: إن مما ابتلي به المسلمون في هذا الزمان أن يتسور على العلم الشرعي من ليس له بأهل حتى صارت الفتوى في أمور الدين حمىً مستباحاً للذين ليس بينهم وبين العلم نسب ولا علاقة مودة أو قربى، إن ما جاء في هذه النشرة في جعل صلاة الظهر بعد الجمعة إما واجبة وإما مندوبة كلام باطل لم يقم عليه دليل والزعم بأن صلاة الظهر بعد الجمعة استنبطت من السنة المطهرة باحتياط المرء لدينه فرية عظيمة على السنة النبوية ولم يذكر الكاتب دليلاً واحداً من السنة يثبت صحة زعمه وأقول في رد هذه الفرية: يجب أن يعلم أن هذه المسألة وهي صلاة الظهر بعد الجمعة قد بنيت على مسألة أخرى وهي حكم تعدد الجمعة في البلد الواحد فأقول إن تعدد صلاة الجمعة في البلد الواحد جائز عند أهل العلم نظراً للحاجة الداعية إلى تعدد الجمعة فإذا كان البلد كبيراً وأهله كثير لا يسعهم مسجد واحد فلا مانع من تعدد الجمعة. وبهذا قال المحققون من العلماء من أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم قال السرخسي: [والصحيح من قول أبي حنيفة في هذه المسالة أنه يجوز إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين وأكثر] المبسوط ٢/١٠٢. وقال الزيلعي شارحاً ومحللاً لقول النسفي: [وتؤدى في مصر في مواضع أي تؤدى الجمعة في مصر واحد في مواضع كثيرة وهو قول أبي حنيفة ومحمد وهو الأصح لأن في الاجتماع في موضع واحد في مدينة كبيرة حرجاً بيناً وهو مدفوع] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ١/٢١٨. وأجاز فقهاء المالكية تعدد الجمعة للضرورة كما في شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه ٢/٧٤-٧٥. وذكر المام النووي أن الصحيح من مذهب الشافعية جواز تعدد الجمعة في موضعين وأكثر وقال: [وقد دخل الشافعي بغداد وهم يقيمون الجمعة في موضعين وقيل في ثلاثة فلم ينكر ذلك واختلف أصحابنا في الجواب عن ذلك وفي حكم بغداد في الجمعة على أربعة أوجه ذكر المصنف الثلاثة الأولى منها هنا وكلامه في التنبيه يقتضي الجزم بالرابع، أحدها أن الزيادة على جمعة في بغداد جائزة وإنما جازت لأنه بلد كبير يشق اجتماعهم في موضع منه قال أصحابنا فعلى هذا تجوز الزيادة على جمعة في جميع البلاد التي يكثر الناس فيها ويعسر اجتماعهم في موضع وهذا الوجه هو الصحيح وبه قال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي، قال الرافعي: واختاره أكثر أصحابنا تصريحاً وتعريضاً وممن رجحه ابن كج والحناطي بالحاء المهملة والقاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني والغزالي وآخرون، قال الماوردي وهو اختيار المزني ودليله قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ] المجموع ٤/٥٨٥-٥٨٦. وقال الخرقي من الحنابلة: [وإذا كان البلد كبيراً يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة] وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحاً كلام الخرقي السابق: [وجملته: أن البلد متى كان يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده عن أهله كبغداد وأصبهان ونحوهما من الأمصار الكبيرة جازت إقامة الجمعة فيما يحتاج إليه من جوامعهما وهذا قول عطاء وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها، لأن الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله: أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين جازت إقامة الجمعة في موضعين منه. لأن الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك ... ولنا: أنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد. وقد ثبت أن علياً ﵁ كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويستخلف على ضَعَفَةِ الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم. فأما ترك النبي ﷺ إقامة جمعتين فلغناهم عن إحداهما ولأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم. لأنه المبلغ عن الله تعالى وشارع الأحكام ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار إجماعاً] المغني ٢/٢٤٨. وبهذا يظهر لنا أن المعتمد في المذاهب الأربعة جواز تعدد الجمعة للحاجة وهذا القول هو الصواب الموافق لقواعد الشرع المطهر ولعمل المسلمين فيما مضى من الأعصار في جميع الأمصار. وكيف يصنع المسلمون في المدن الكبيرة التي تغص بالسكان وقد يبلغ سكانها الملايين وكيف يجتمعون في مسجد واحد فمدينة كالقاهرة مثلاً فيها أكثر من عشرة ملايين نسمة، كيف يصلون في مكان واحد؟! إن نصوص الشريعة وقواعدها القاضية برفع الحرج ودفع المشقة تجيز تعدد الجمعة في مساجد كثيرة مهما بلغ عددها ما دامت الحاجة تدعو لذلك. إذا تقرر هذا نعود إلى مسألة صلاة الظهر بعد الجمعة فأقول إن إقامة صلاة الظهر بعد الجمعة بدعة منكرة ليس لها أصل في الدين وهي تشريع لما لم يأذن به الله. ولم تثبت عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الأئمة المهديين وزعم كاتب النشرة أنها ثبتت بالسنة المطهرة زعم باطل ليس عليه أدنى دليل بل هو لم يقدم أي دليل على ذلك. وهذه البدعة وإن قال بها بعض متأخري أتباع المذاهب ليس عليها دليل صحيح فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) رواه مسلم. وقد ثبت أن الإمام الشافعي ﵀ قد دخل بغداد وأقام بها مدة من الزمن وكانت الجمعة تقام بأكثر من موضع ولم ينقل عنه أنه كان يصلي الظهر بعد الجمعة. القول المبين ص ٣٨٤. قال الشيخ القاسمي: [والذي اعتمده الإمام ابن نجيم والعلامة ابن عبد الحق الأخير ووافقه غيره من أن لا وجوب للظهر - أي بعد الجمعة - هو الحق لما فيه من رفع الحرج وهل يطالب مكلف بفريضتين في وقت واحد مع ما في أدائه جماعة من صورة نقض الجمعة وإيقاع العامة في اعتقاد أن ليوم الجمعة بعد زواله فرضين صلاة الجمعة وصلاة الظهر بل هو الذي لا يرتابون فيه ويزيدون عليه أنه لا يصح إلا جماعة بل تنطع بعض الغلاة المتصولحين مرة فقال لي: كيف السبيل إلى سنة الظهر القبلية قبل فرض يوم الجمعة وهي تفوتني بعجلة أداء الظهر. فتأمل كيف رحم الله العباد ففرض عليهم ركعتين في ذلك اليوم وأمرهم إذا قضوهما أن ينتشروا في الأرض ويبتغوا من فضله تيسيراً عليهم إذ يحتاجون لصرف حصة في سماع الخطبة، وانظر كيف شددوا على أنفسهم وربما المتنطع منهم يطالب بأداء اثنتين وعشرين ركعة بعد الزوال إذا يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً كالظهر وكلاهما مع الجمعة عشر، ثم يتطوع بأربع قبل الظهر وأربع بعدها وكلاهما مع الظهر اثنا عشر أيضاً، فالجملة ما ذكرنا ولا يخفى أن محو اعتقاد غير الصواب من صدور العامة لتمحيص الحق باب عظيم من أبواب الدعوة إلى سبيل الله وهدى نبيه ﵇، وقد اتفق في عهد حسين باشا والي مصر المذاكرة لديه في بدعة الظهر جماعة بعد الجمعة فمنع أهل الأزهر منها، نقله الشبراملسي في رسالته التي ألفها في سبب صلاة الظهر يومئذ فرحمه الله على منعه من هذه البدعة وأثابه خيراً ووفق من تنبه لمنعها بمنّه وكرمه] إصلاح المساجد ص ٥٠-٥١. وقال الشيخ الغلايني: [ومن الأدلة على عدم طلب الظهر بعد الجمعة بل على عدم مشروعيتها يوم الجمعة مطلقاً صليت الجمعة أم لم تصل ما ورد من اجتماع عيد وجمعة في عهد الرسول الأكرم فصلى العيد ورخص في الجمعة ولم يرد أنه أمرهم بالظهر لأنه لم يثبت ذلك وهاك النصوص: عن زيد بن أرقم ﵁ وسأله معاوية: (هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا؟ قال: نعم، صلى العيد أول النهار ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يجمع فليجمع) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزئه من الجمعة وإنا مجمعون) رواه أبو داود وابن ماجة. وعن وهب بن كيسان قال: (اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم خرج فخطب ثم نزل ثم صلى ولم يصل للناس بوم الجمعة فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أصاب السنة) رواه النسائي وأبو داود بنحوه لكن من رواية عطاء. ولأبي داود عن عطاء قال: (اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر على ابن الزبير في يوم واحد فجعلهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر) .
فهذه الأحاديث ناطقة بلسان فصيح على منبر الحق بأنه لا ظهر بعد الجمعة بل إن الظهر لم تشرع ذلك اليوم أقيمت الجمعة أم لم تقم] البدعة في صلاة الظهر بعد الجمعة ص ١٣٨-١٣٩. وأما ما احتج به بعضهم على مشروعية الظهر بعد الجمعة بأن الجمعة لمن سبق فقد قال الشيخ الألباني: [وأما ما اشتهر على الألسنة في هذه الأزمنة وهو قولهم الجمعة لمن سبق فلا أصل له في السنة وليس بحديث وإنما هو رأي لبعض الشافعية ظنه من لا علم عنده حديثاً نبوياً] الأجوبة النافعة ص ٤٦. وقال د. وهبة الزحيلي: [وينبغي العمل على منع الظهر بجماعة بعد الجمعة حفاظاً على وحدة المسلمين ولا يصح قياس حالة البلدان وكثرة سكانها على حالة المدينة في صدر الإسلام حيث كان المسلمون قلة والخليفة خطيب المسلمين وخبره وسيلة إعلام جميع المسلمين في الجهاد وعلاج أزمة القحط والوباء ونحو ذلك من الأحداث الكبرى] الفقه الإسلامي وأدلته ٢/٣١١.
стр. 179
١٠١ - صلاة الجمعة
اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد,
يقول السائل: قد يوافق يوم الجمعة القادم عيد الفطر فماذا نفعل بالنسبة لصلاة الجمعة حيث أنني أنوي أن أصلي العيد إن شاء الله تعالى؟ الجواب: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة اختلافاً كبيراً، فقال الحنفية يجب إقامة صلاة الجمعة ولا تسقط عمن شهد العيد وهذا هو المشهور عن المالكية كما في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/٣٩١. وهؤلاء العلماء يرون أن عموم الأدلة التي أوجبت الجمعة لم يقم دليل على تخصيصها وما ورد من أحاديث وآثار في المسألة لا يصح تخصيصها للعموم عندهم لما فيها من مقال. وذهب الشافعية إلى أن الجمعة تسقط عن أهل القرى والبوادي الذين يصلون العيد مع أهل البلد، وأما أهل البلد فمطالبون بصلاة الجمعة وهذا أيضاً رواية عن الإمام مالك ويدل لهذا القول ما ورد عن عثمان ﵁ أنه قال في خطبته: (أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليصل ومن أراد أن ينصرف فلينصرف) رواه مالك في الموطأ. وذهب الحنابلة وعامة أهل الحديث إلى أن الجمعة تسقط عمن حضر العيد سواء أكان من البلد أو من القرى إلا الإمام فينبغي أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ويدل على هذا القول ما ورد في الحديث عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: (شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلمعيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يصلي فليصلِ) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وفي سنده اختلاف فصححه جماعة من أهل الحديث وضعّفه آخرون. وعن عطاء بن أبي رباح قال: [صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له. فقال: أصاب السنة] رواه أبو داود والنسائي. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وصحح الإمام أحمد والدارقطني إرساله وقال الخطابي: [في إسناد حديث أبي هريرة مقال ويشبه أن يكون معناه لو صح أن يكون المراد بقوله (فمن شاء أجزأه من لجمعة) أي عن حضور الجمعة ولا يسقط عنه الظهر] عون المعبود شرح سنن أبي داود ٣/٢٨٩. وضعّفه الحافظ ابن عبد البرّ، فتح المالك ٣/٣٣٧، وقال الإمام النووي: إسناده ضعيف، المجموع ٤/٣٩٢. وانظر أيضاً التلخيص الحبير ٢/٨٧-٨٨، إعلاء السنن ٤/٩٣-٩٨، الفتح الرباني ٦/٣٢-٣٦. وهذه الأحاديث والآثار لو صحّت ينبغي المصير إليها ولكن في النفس من صحتها شيء نظراً للخلاف فيها بين المحدثين. قال الحافظ ابن عبد البرّ: [فقد اختلف العلماء في تأويل قول عثمان هذا واختلفت الآثار في ذلك أيضاً عن النبي ﷺ واختلف العلماء في تأويلها والأخذ بها] فتح المالك ٣/٣٣٥. وقال الحافظ ابن عبد البرّ أيضاً بعد أن ذكر حديث أبي هريرة السابق وضعّفه وذكر روايات أخرى له قال: [فقد بان في هذه الرواية ورواية الثوري لهذا الحديث أن رسول الله ﷺ جمع ذلك اليوم بالناس وفي ذلك دليل على أن فرض الجمعة والظهر لازم وأنها غير ساقطة وأن الرخصة إنما أريد بها من لم تجب عليه الجمعة ممن شهد العيد من أهل البوادي والله أعلم وهذا تأويل تعضده الأصول وتقوم عليه الدلائل ومن خالفه فلا دليل معه ولا حجة له] فتح المالك ٣/٣٣٧. وقال الحافظ ابن عبد البرّ أيضاً: [وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) سورة الجمعة الآية ٩. ولم يخص الله ورسوله يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث] فتح المالك ٣/٣٣٨-٣٣٩. وقد رجحّ جماعة من العلماء القول بسقوط الجمعة عمن صلى العيد كشيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني والصنعاني وغيرهم.
وخلاصة الأمر أنه ينبغي على من صلى العيد أن يصلي الجمعة خروجاً من خلاف العلماء فإن مراعاة الخلاف مطلوبة لأن المسألة فيها احتمالات قوية ومن لم يفعل فأخذ بقول من قال بسقوط الجمعة عمن صلى العيد فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 180
١٠٢ - صلاة الكسوف
يقول السائل: ما قولكم فيما تنشره وسائل الإعلام عن ظاهرة كسوف الشمس وكيف كان هدي النبي ﷺ عند حدوث الكسوف؟
الجواب: اهتمت وسائل الإعلام المختلفة بظاهرة كسوف الشمس وبينت أسبابها وحذرت الناس من آثارها الضارة على العين عند نظرهم إلى الشمس في حال الكسوف. وأغفلت جانباً هاماً يتعلق بكسوف الشمس وهو أن هذه الحادثة هي جزء من النظام العجيب والدقيق الدال على قدرة الله : قال الله تعالى: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) سورة الزمر الآية ٥. وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) سورة النحل الآية ١٢. وقال تعالى: (وَيُرِيكُمْءَايَاتِهِ فَأَيَّءَايَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) سورة غافر الآية ٨١. وقال تعالى: (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) سورة يس الآية ٤٠. وقال تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) سورة فاطر الآية ١٣. وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) سورة لقمان ٢٩. وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) سورة الحج ٤٦. وقد قرر علماء الفلك أسباباً معينة لكسوف الشمس وظن كثير من الناس أن هذا يتنافى مع كون الكسوف آية من آيات الله يخوف الله بهما عباده. فقد ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده وإنهما لا ينخسفان لموت أحد من الناس فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام ابن دقيق العيد: [وفي قوله ﵊ (يخوف بهما عباده) إشارة إلى أنه ينبغي الخوف عند وقوع التغيرات العلوية. وقد ذكر أصحاب الحساب لكسوف الشمس والقمر أسباباً عادية. وربما يعتقد معتقد أن ذلك ينافي قوله ﵇ (يخوف الله بهما عباده) وهذا الاعتقاد فاسد. لأن لله تعالى أفعالاً على حسب الأسباب العادية وأفعالاً خارجة عن تلك الأسباب. فإن قدرته تعالى حاكمة على كل سبب ومسبب فيقطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض فإذا كان ذلك كذلك فأصحاب المراقبة لله تعالى ولأفعاله الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته وعموم قدرته على خرق العادة واقتطاع المسببات عن أسبابها إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم في فعل الله تعالى ما شاء. وذلك لا يمنع أن يكون ثمة أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله تعالى خرقها. ولهذا كان النبي ﷺ عند اشتداد هبوب الريح يتغير ويدخل ويخرج خشية أن تكون كريح عاد وإن كان هبوب الريح موجوداً في العادة. والمقصود بهذا الكلام: أن يعلم أن ما ذكره أهل الحساب من سبب الكسوف لا ينافي كون ذلك مخوفاً لعباد الله تعالى. وإنما قال النبي ﷺ هذا الكلام لأن الكسوف كان عند موت ابنه إبراهيم. فقيل: إنها إنما كسفت لموت إبراهيم. فرد النبي ﷺ ذلك] إحكام الأحكام ١/٣٤٩-٣٥٠. على أن في ظاهرة الكسوف أمراً يتنبه له المؤمن ويلتفت إليه إذا كان غيره لا يلتفت إليه وهو التذكير بقيام الساعة وانتهاء هذا العالم فإن مما ثبت بطريق الوحي اليقيني أن هذا الكون سيأتي عليه يوم ينفرط فيه عقده وينتثر نظامه فإذا سماؤه قد انفطرت وكواكبه قد انتثرت وشمسه قد كورت وجباله قد سيرت وأرضه قد زلزلت زلزالها وأخرجت أثقالها وآذن ذلك كله بتبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبروز الخلق لله الواحد القهار. إن الشمس والقمر ليسا أبديين ككل شيء في هذا العالم إنهما يجريان كما قال الله خالقهما إلى أجل مسمى، نعم مسمى معلوم عند الله خفي مجهول عند الناس ولكن المؤمن يوقن به ولا يغفل عنه فإذا شاهد ظاهرة كالكسوف والخسوف انتقل قلبه من اليوم إلى الغد ومن الحاضر إلى المستقبل وخصوصاً إذا تذكر قول الله تعالى: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) ولعل هذا سر ما جاء في رواية بعض الصحابة في حديث الكسوف أن النبي ﷺ قام فزعاً يخشى أن تكون الساعة - مع أن للساعة مقدمات وعلامات وأشراط كثيرة اخبر عنها النبي ﷺ بنفسه ولم تقع بعد - ولهذا استشكل بعض العلماء هذه الرواية ولكن يمكن حملها على أنه ﷺ فعل ذلك تعليماً لأمته وإرشاداً لها لتكون على ذكر من أمر الساعة على كل حال ولا سيما إذا تأخر الزمان وظهرت معظم الأشراط والأمارات. فتاوى معاصرة ١/٢٤٢. وبهذا يظهر لنا أنه لا إشكال في كون الكسوف يقع حسب أسباب فلكية معروفة لتوسط القمر بين الأرض والشمس فيحجب ضوء الشمس وأنه يحدث في مواعيد معروفة مسبقاً ومحسوبة بدقة وبين كون الكسوف آية من آيات الله يخوف الله بها عباده فإن المؤمن يتيقن أن كل سبب ومسبب خاضع لإرادته تعالى مخلوق بقدرته سبحانه فإذا وقع شيء غريب حدث عند المؤمن الخوف لقوة اعتقاده بأن الله تعالى يفعل ما يشاء وأنه ذو العظمة الباهرة التي لا نهاية لها وذلك لا يمنع أن يكون ثمة أسباب أدت إلى تلك الحادثة الغريبة التي خرقت النظام المعتاد. وذلك كمثل من ضبط الساعة ذات الجرس المنبه كي يرن جرسها في وقت معين فهل يمتنع عن الاستيقاظ والانتباه لكونه يعلم ذلك من قبل؟ فكذلك أعلمنا النبي ﷺ أن هذه التغييرات جعلها الله لحكمة عظيمة ألا وهي العظة والذكرى فهل من مدكر) هدي النبي ﷺ في الصلوات الخاصة ص ١٦٣. هدي النبي ﷺ في صلاة الكسوف: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ في السنة العاشرة للهجرة خرج النبي ﷺ إلى المسجد فزعاً يجر رداءه فتقدم فصلى ركعتين قرأ في الأولى فاتحة الكتاب وسورة طويلة جهر بالقراءة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه من الركوع فأطال القيام وهو دون القيام الأول وقال لما رفع رأسه سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ثم أخذ في القراءة ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه من الركوع ثم سجد سجدة طويلة فأطال السجود ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الأولى فكان في كل ركعة ركوعان وسجودان ... ثم انصرف فخطب بهم خطبة بليغة حفظ منها قوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) . وقال: (لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني أتقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت) . وفي لفظ: (ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع منها. ورأيت أكثر أهل النار النساء. قالوا: وبم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن. قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط) زاد المعاد ١/٤٥٠-٤٥١. أحكام صلاة الكسوف وما يتعلق بها: ١. صلاة الكسوف سنة مؤكدة عند أكثر أهل العلم. ٢. صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان تصلى جماعة في المسجد يقرأ الإمام جهراً الفاتحة ثم سورة طويلة كالبقرة ثم يركع ركوعاً طويلاً ثم يقوم من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة كآل عمران ثم يركع ركوعاً طويلاً ثم يرفع ثم يسجد وفي الركعة الثانية يفعل مثلما فعل في الأولى. ٣. يشرع للإمام أن يخطب بعد انتهاء صلاة الكسوف اقتداء برسول الله ﷺ قال الإمام البخاري باب خطبة الإمام في الكسوف وقالت عائشة وأسماء: (خطب النبي ﷺ ثم ساق الإمام البخاري حديث عائشة ﵂ وفيه: (ثم قام - أي النبي ﷺ فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: هما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة) ورواه مسلم أيضاً. وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم، أيضاً عن عائشة ﵂ ذكرت أن النبي ﷺ بعد انتهائه من صلاة الكسوف: (خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا ثم قال: يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) . ٤. علّمنا النبي ﷺ أنه عند حدوث الكسوف فعلينا أن نفزع إلى الصلاة وإلى ذكر الله والتكبير والصدقة والتعوذ من عذاب القبر ودعانا إلى الإقلاع عن المعاصي وخاصة الزنا وما أدى إليه لما في هذه الفاحشة من خطورة وفظاعة وتدمير للمجتمع وتحطيم للقيم والأخلاق.
فعلى المسلمين أن يتذكروا هذه التوجيهات النبوية وأن يعملوا بمقتضاها وأن يقلعوا عن الذنوب والمعاصي التي عمت وطغت وانتشرت وظهرت في كل مكان.
стр. 181
١٠٣ - صلاة الجنازة
حكم رفع اليدين في صلاة الجنازة،
يقول السائل: هل يرفع المصلي في صلاة الجنازة يديه مع كل تكبيرة أم لا؟ وما قولكم فيما يفعله إمام المسجد عندهم حيث إنه ينكر على من يرفع يديه؟ الجواب: لم يثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح في رفع اليدين مع كل تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة سوى التكبيرة الأولى فلذلك قالت طائفة من أهل العلم ترفع الأيدي مع التكبيرة الأولى فقط وهذا مذهب أبي حنيفة في ظاهر الرواية عنه وهو اختيار ابن حزم الظاهري وهوقول الشوكاني ونقل عن جماعة من السلف كابن عباس وابن مسعود وسفيان الثوري وغيرهم. وقد روى الترمذي بإسناده عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى) ورواه أيضاً الدارقطني والبيهقي وهو حديث ضعيف. وقال الشيخ الألباني: [يشهد له الحديث الآتي وهو: (عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود) ] أحكام الجنائز ص ١١٦. وقال ابن حزم: [وأما رفع الأيدي فإنه لم يأت عن النبي ﷺ في رفع شيء من تكبير الجنازة إلا في أول تكبيرة فقط فلا يجوز فعل ذلك لأنه عمل في الصلاة لم يأت به نص] المحلى ٣/٣٥١. وقال الشوكاني: [والحاصل أنه لم يثبت في غير التكبيرة الأولى شيء يصلح للاحتجاج به عن النبي ﷺ ] نيل الأوطار ٤/٧١. وقال الشيخ الألباني: [ولم نجد في السنة ما يدل على مشروعية الرفع في غير التكبيرة الأولى فلا نرى مشروعية ذلك وهو مذهب الحنفية وغيرهم واختاره الشوكاني وغيره من المحققين وإليه ذهب ابن حزم] أحكام الجنائز ص ١١٦. وقد عارض ما تقدم آثار وردت عن بعض الصحابة كابن عمر تنص على رفع الأيدي مع كل تكبيرة وهي مستند العلماء القائلين بذلك إلا أنه قد ورد عنه خلافه فتعارضت. ولا ينبغي لإمام المسجد أن ينكر على المصلين الذين يرفعون أيديهم مع كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة لأن هؤلاء المصلين يقلدون العلماء القائلين بذلك كالشافعي وأحمد وغيرهما. والمسألة خلافية ولا ينبغي الإنكار في مسائل الخلاف ما دام أن المخالف من العلماء أهل الاجتهاد وله أدلته وليس في المسألة نص عن رسول الله ﷺ وعلى إمام المسجد إن كان لا يأخذ برفع اليدين أن يبين قوله للناس وأدلته فقط ولا ينكر عليهم مخالفته فإن الأمر فيه سعة. قال الإمام سفيان الثوري: [إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه] . وقال الإمام أحمد: [لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس عل مذهب ...] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [... وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً] الآداب الشرعية ١/١٦٩، دراسات في الاختلافات الفقهية ١٠٣/١٠٤.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٠/٢٠٧. *****
стр. 182
١٠٤ - سنن الصلاة
يقول السائل: هل ورد عن النبي ﷺ قراءة آية الكرسي بعد الصلاة المفروضة؟
الجواب: نعم وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ في قراءة آية الكرسي عقب الصلوات المكتوبات ولكن هذه الأحاديث مختلف في أسانيدها وأمثلها حديث أبي أمامه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) رواه النسائي في السنن الكبرى والطبراني في الكبير وابن السني وغيرهم. وهذا الحديث اختلف المحدثون فيه اختلافاً كبيراً فصححه أو حسنه جماعة وضعفه آخرون وقد اعتبره ابن الجوزي من الأحاديث الموضوعة أي المكذوبة ولم يسلم له ذلك قال العلامة ابن القيم: [وهذا الحديث تفرد به محمد بن حمير عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامه ورواه النسائي عن الحسين بن بشر عن محمد بن حمير. وهذا الحديث من الناس من يصححه ويقول الحسين بن بشر قد قال فيه النسائي: [لا بأس به وفي موضع آخر ثقة. وأما المحمدان فاحتج بهما البخاري في صحيحه قالوا فالحديث على رسمه ومنهم من يقول: هو موضوع وأدخله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه في الموضوعات وتعلق على محمد بن حمير وأن أبا حاتم الرازي قال: لا يحتج به وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقوي وأنكر ذلك عليه بعض الحفاظ ووثقوا محمداً وقال: هو أجل من أن يكون له حديث موضوع وقد احتج به أجل من صنف في الحديث الصحيح وهو البخاري ووثقه أشد الناس مقالة في الرجال يحيى بن معين وقد رواه الطبراني في معجمه أيضاً من حديث عبد الله بن حسن عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى) . وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامه وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وفيها كلها ضعف ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها واختلاف مخارجها دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع. وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه أنه قال: ما تركتها عقيب كل صلاة] زاد المعاد ١/٣٠٣-٣٠٤. وقال الحافظ المنذري بعد أن ذكر الحديث: [رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط البخاري وابن حبان في الصلاة وصححه] وصححه الألباني أيضاً. صحيح الترغيب الترهيب ٢/٢٥٨ وانظر السلسلة الصحيحة ٢/٦٩٧ – ٧٠١. وقال الحافظ المناوي: [وقال ابن حجر في تخريج المشكاة: غفل ابن الجوزي في زعمه وضعه وهو من أسمج ما وقع له. وقال الدمياطي: له طرق إذا انضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة ونقل الذهبي في تاريخه عن السيف ابن أبي المجد الحافظ قال صنف ابن الجوزي كتاب الموضوعات فأصاب في ذكره أحاديث مخالفة للعقل والنقل ومما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعضهم في أحد رواتها كفلان ضعيف أو لين أو غير قوي وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه ولا يعارض الكتاب والسنة ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام رجل في رواته وهذا عدوان ومجازفة فمن ذلك هذا الحديث] فيض القدير ٦/٢٥٦. ومعنى قول النبي ﷺ : (إلا الموت) أي الموت حاجز بينه وبين دخول الجنة فإذا تحقق وانقضى حصل دخوله. وقيل معنى الحديث أنه لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت فكأن الموت يمنع ويقول لا بد من حضوري أولاً ليدخل الجنة. انظر المرقاة شرح المشكاة ٣/٥٦. فهذا الحديث حديث صالح للاحتجاج ولذلك فإن العلماء أنكروا على ابن الجوزي إيراده في الموضوعات كما سبق في كلام الحافظ ابن حجر. ومن الأحاديث الضعيفة الواردة في قراءة آية الكرسي عقب الصلوات المكتوبات ما روي أن النبي ﷺ قال (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى) رواه الطبراني وضعفه الألباني في تمام المنة ص٢٢٧ وفي ضعيف الترغيب والترهيب ١/٤٩٠. وسبق ذكره في كلام ابن القيم. ومنها ما روي في الحديث: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة كان بمنزلة من قاتل عن أنبياء الله حتى يستشهد) رواه ابن السني وهو حديث ضعيف. ومنها ما ورد في الحديث (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة خرقت سبع سموات فلم يلتئم خرقها حتى ينظر الله إلى قائلها فيغفر له ثم يبعث الله ملكاً فيكتب حسناته ويمحو سيئاته إلى الغد من تلك الساعة) . رواه ابن عدي عن جابر مرفوعاً وإسناده باطل وله سند آخر فيه مجاهيل. وقد رواه الحكيم الترمذي عن أنس مرفوعاً] الفوائد المجموعة ص٢٩٩-٣٠٠. ومنها ما روي في الحديث: (من قرأ آية الكرسي وكتب بزعفران على راحة كفه اليسرى بيده اليمنى سبع مرات ويلحسها بلسانه لم ينس أبداً) في إسناده: وضاع. ومنها (من قرأ آية الكرسي لم يتول قبض نفسه إلا الله تعالى) قال تقي الدين السبكي: منكر ويشبه أن يكون موضوعاً. ومنها (من قرأ آية الكرسي على أثر وضوئه أعطاه الله ثواب أربعين عاماً ورفع له أربعين درجة وزوجه أربعين حوراء) في إسناده مقاتل بن سليمان كذاب] الفوائد المجموعة ص٣١١-٣١٢. وغير ذلك من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي لا يصح الاحتجاج بها. وأخيراً ينبغي التنبيه على أمرين: الأول أنه قد ورد أيضاً قراءة: [قل هو الله أحد والمعوذتين بعد الصلوات المكتوبات] كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: [أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة] رواه أحمد وأبو داود والنسائي وهو حديث صحيح كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/١٩. وفي صحيح سنن الترمذي ٣/٨. الثاني: نقل العلامة ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أن المراد بدبر الصلاة آخرها قبل التسليم فقال: [ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان] زاد المعاد ١/٣٠٥. وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من كون ذلك قبل السلام غير مسلم فإن لفظ الدبر يستعمل أيضاً في العقب بمعنى بعد كما يقال أعتق عبده عن دبر أي بعد وفاته. وما ورد في الأحاديث من قوله ﷺ دبر الصلاة أي بعد التسليم كما ورد في الحديث عن عبد الله بن الزبير ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يهلل دبر كل صلاة حين يسلم بهؤلاء الكلمات: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) . رواه مسلم. ومثل قوله ﷺ : (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم. وهكذا في الأحاديث الأخرى الواردة في الذكر دبر الصلاة أي بعد التسليم. قال الحافظ ابن حجر: [وأما رواية " دبر " فهي بضمتين، قال الأزهري: دبر الأمر يعني بضمتين ودبره يعني بفتح ثم سكون آخره. وادعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة ورد بمثل قولهم أعتق غلامه عن دبر ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيراً بحيث لا يعد معرضاً أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر) فتح الباري ٢/٤٢٤. وقال المناوي عن قول ابن تيمية السابق: [وفيه بعد] فيض القدير ٦/٢٥٦. ومما يدل على أن المراد بدبر الصلاة أنه بعد التسليم ما ورد في رواية أخرى للحديث: [من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة] أي بعد السلام. انظر الوابل الصيب ص ٢٢١، فيض القدير ٦/ ٢٥٦.
وقد أيدت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية أن دبر الصلاة يكون بعد التسليم فقالت: [تسن قراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين وتكون القراءة سراً ويكون بعد الانتهاء من الذكر بعد السلام] فتاوى اللجنة الدائمة ٧/١٠٨.
وخلاصة الأمر أنه يستحب قراءة آية الكري وقل هو الله أحد والمعوذتين بعد انتهاء الصلاة ويقرؤها سراً.
стр. 183
١٠٥ - صلاة الجمعة
يقول السائل: إذا صليت سنة الجمعة البعدية أربع ركعات فهل أصليها اثنتين بتسليمة ثم اثنتين بتسليمة أم أصليها أربعاً متصلة بتسليمة واحدة؟
الجواب: الثابت عند أهل العلم أن الجمعة لها سنة تصلى بعدها ولا سنة معينة تصلى قبلها. وقد ورد في صلاة السنة بعد الجمعة أنها ركعتان وورد أنها أربع ركعات وورد أنها ست ركعات ومن الأحاديث والآثار الواردة في ذلك ما يلي: عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر ﵄ أنه وصف تطوع صلاة رسول الله ﷺ قال: (فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) رواه مسلم. وعن ابن عمر ﵄: (أنه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد فقيل له، فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك) رواه أبو داود والترمذي وقال العراقي إسناده صحيح. وروى الطحاوي بإسناده عن عطاء قال أبو إسحق حدثني غير مرة قال: صليت مع ابن عمر ﵄ يوم الجمعة فلما سلم قام فصلى ركعتين ثم قال: فصلى أربع ركعات ثم انصرف. فهذا ابن عمر ﵁ قد كان يتطوع بعد الجمعة بركعتين ثم أربع فيحتمل أن يكون فعل ذلك لما قد كان ثبت عنده من قول رسول الله ﷺ في ذلك وفعله وروى عن علي ﵁ أنه قال: من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل ستاً. وروى عن أبي عبد الرحمن قال: علَّم ابن مسعود ﵁ الناس أن يصلوا بعد الجمعة أربعاً فلما جاء علي بن أبي طالب ﵁ علمهم أن يصلوا ستاً. ثم قال الطحاوي: [فثبت بما ذكرنا أن التطوع الذي لا ينبغي تركه بعد الجمعة ست وهو قول أبو يوسف إلا أنه قال: أحب إليَّ أن يبدأ بالأربع ثم يثني بالركعتين لأنه هو أبعد من أن يكون قد صلى بعد الجمعة مثلها على ما قد نهي عنه.] شرح معاني الآثار ١/٣٣٧. وقد قال بمقتضى هذه الأحاديث أهل العلم فقد ذكر الترمذي بعد أن روى حديث ابن عمر أنه ﵊ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين: [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وأحمد] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٣/٤٦. ونقل ذلك عن عمر وعمران بن حصين والنخعي. وقال الترمذي بعد أن روى حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: (من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعاً) : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم] ثم ذكر الترمذي أن عبد الله بن مسعود كان يصلي بعد الجمعة أربعاً وذكر أن علياً أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم أربعاً. انظر المصدر السابق ٣/٤٧-٤٩. ونقل عن علقمة وأبي حنيفة أنه يصلي أربعاً. وقال طائفة أخرى من أهل العلم يصلي بعدها ركعتين ثم أربعاً وروي ذلك عن علي وابن عمر وأبي موسى وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف من الحنفية. ومن أهل العلم من خير المصلي بين هذه الثلاثة فإما أن يصلي ركعتين أو أربعاً أو ستاً فقد ذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي عن الإمام أحمد أنه قال إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء أربعاً وفي رواية وإن شاء ستاً. واستدل ابن قدامة على ذلك بقوله: [ولنا أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك كله بدليل ما روي من الأخبار وروي عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين) متفق عليه وفي لفظ لمسلم: (وكان لا يصلي في المسجد حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته) وهذا يدل على أنه مهما فعل من ذلك كان حسناً. قال أحمد في رواية عبد الله: ولو صلى مع الإمام ثم لم يصل شيئاً حتى صلى العصر كان جائزاً قد فعله عمران بن حصين وقال في رواية أبي داود: يعجبني أن يصلي يعني بعد الجمعة] المغني ٢/٢٦٩-٢٧٠. وقال إسحق بن راهويه إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعاً وإن صلى في بيته صلى ركعتين ذكره الترمذي في سننه والعراقي في طرح التثريب ٣/٣٨. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال ابن القيم: [قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعاً وإن صلى في بيته صلى ركعتين قلت: وعلى هذا تدل الأحاديث وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعاً وإذا صلى في بيته صلى ركعتين] زاد المعاد ١/٤٤٠. واختارته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية فقالت: [ويجمع بين ما يدل على مشروعية أربع ركعات وما يدل على مشروعية ركعتين بعد الجمعة أن المصلي يصلي أربعاً إذا صلى في المسجد ويصلي ركعتين إذا صلى في بيته وهناك جمع آخر بين الحديثين وهو أن الراتبة بعد الجمعة أقلها ركعتان وأكثرها أربع سواء فعلها في البيت أو في المسجد] غاية المرام ٧/٢٥٧. وقال الحافظ ابن عبد البر بعد أن ذكر تعدد الروايات في سنة الجمعة البعدية: [الاختلاف عن السلف في هذا الباب اختلاف إباحة واستحسان لا اختلاف منع وحظر وكل ذلك حسن إن شاء الله] فتح المالك ٣/٢٤٥. وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: [وقال ابن عبد البر: قال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعاً وقال في موضع آخر ستاً وقال الثوري: إن صليت أربعاً أو ستاً فحسن وقال الحسن بن حي: يصلي أربعاً وقال أحمد ابن حنبل أحب إلي أن يصلي بعد الجمعة ستاً وإن صلى أربعاً فحسن فلا بأس به قال ابن عبد البر وكل هذه الأقاويل مروية عن الصحابة قولاً وعملاً ولا خلاف بين العلماء أن ذلك على الاختيار وقال ابن بطال: قالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين روي عن ابن عمر وعمران بن حصين والنخعي وقالت طائفة يصليي بعدها ركعتين ثم أربعاً روي عن علي وابن عمر وأبي موسى وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف إلا ان أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين وقالت طائفة يصلي أربعاً لا يفصل بينهن بسلام روي ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والنخعي وهو قول أبي حنيفة وإسحق انتهى ... وقال النووي في شرح مسلم نبه بقوله من كان منكم مصلياً على أنها سنة ليست واجبة وذكر الأربع لفضلها وفعله للركعتين في أوقات بياناً لأن أقلها ركعتان قال ومعلوم أنه ﷺ كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً لأنه أمرنا بهن وحثنا عليهن بقوله: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) وهو أرغب في الخير وأحرص عليه وأولى به انتهى. وقال والدي ﵀ أي الحافظ العراقي - في شرح الترمذي: وما ادعاه من أنه معلوم كان يصلي في أكثر الأوقات أربعاً فيه نظر فليس ذلك بمعلوم ولا مظنون لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته ولا يلزم من كونه أمر به أن يفعله وكلام ابن عمر المتقدم إنما أراد به رفع فعله بالمدينة وحسب كما تقدم لأنه لم يصح أنه صلى الجمعة بمكة وعلى تقدير وقوعه بمكة منه فليس ذلك في أكثر الأوقات بل نادر وربما كانت الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض الأوقات فإنه ﷺ كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم الحديث عند مسلم فربما لحقه تعب من ذلك فاقتصر على الركعتين في بيته وكان يطيلهما كما ثبت في رواية النسائي وأفضل الصلاة طول القنوت أي القيام فلعلها كانت أطول من أربع خفاف أو متوسطات] طرح التثريب ٣/٣٩-٤٠. وأما بالنسبة للأربع إذا صلاها بعد الجمعة فإنه يصليها بتسليمة واحدة على الراجح من أقوال أهل العلم، قال الشوكاني: [وقد اختلف في الأربع الركعات هل تكون متصلة بتسليم في آخرها أو يفصل بين كل ركعتين بتسليم فذهب إلى الأول أهل الرأي وإسحق بن راهويه وهو ظاهر حديث أبي هريرة. وذهب إلى الثاني الشافعي والجمهور كما قال العراقي واستدلوا بقوله ﷺ : (صلاة النهار مثنى مثنى) أخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه وقد تقدم. والظاهر القول الأول لأن دليله خاص ودليل القول الآخر عام وبناء العام على الخاص واجب] نيل الأوطار ٣/٣١٩-٣٢٠. وروى محمد بن الحسن في كتابه الآثار عن إبراهيم النخعي قال: أربع بعد الظهر وأربع بعد الجمعة لا يفصل بينهن بتسليم] . الاثار ١/٢٨٠.
وخلاصة الأمر أن المصلي بعد الجمعة في سعة من أمره إن شاء صلى ثنتين وإن شاء صلى أربعاً، فإن صلى أربعاً صلاها بتسليم واحد.
стр. 184
١٠٦ - صلاة الجمعة
يقول السائل: ما هو فضل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟
الجواب: وردت أحاديث كثيرة في فضائل سورة الكهف بشكل عام وعلى وجه الخصوص في فضل قراءتها في يوم الجمعة فمن فضائلها العامة ما ثبت في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: (كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال تلك السكينة تنزلت بالقرآن) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يسلط عليه ومن توضأ ثم قال سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) رواه الحاكم ثم قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وعن ثوبان أنه ﷺ قال: (من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه عصمة له من الدجال) رواه النسائي في السنن الكبرى وإسناده صحيح. وأما ما ورد من فضل قراءة سورة الكهف في ليلة الجمعة ويومها فمنه ما ورد عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن خرج الدجال عصم منه) قال الضياء المقدسي في المختارة في إسناده: من لم أقف له على ترجمة. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ : (من قرأ سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره ومن توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا أن النسائي قال بعد تخريجه في اليوم والليلة: هذا خطأ والصواب موقوفاً ثم رواه من رواية الثوري وغندر عن شعبة موقوفا قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ١ / ٢٣٩. وقال الألباني: صحيح لغيره، انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/١٩٠. وعن معاذ بن أنس عن رول ﷺ أنه قال: (من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين الأرض إلى السماء) رواه أحمد والطبراني وفي إسناد أحمد ابن لهيعة وهو ضعيف وقد يحسن قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٥٢ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يضره) رواه الطبراني في الأوسط في حديث طويل وهو بتمامه في كتاب الطهارة ورجاله رجال الصحيح قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٥٣. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه النسائي والبيهقي مرفوعاً والحاكم مرفوعاً وموقوفاً أيضا وقال صحيح الإسناد. ورواه الدارمي في مسنده موقوفاً على أبي سعيد ولفظه قال: (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق) وفي أسانيدهم كلها إلا الحاكم أبو هاشم يحيى بن دينار الروماني والأكثرون على توثيقه وبقية الإسناد ثقات وقال الألباني: صحيح، انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٤٥٥. وقد نص الإمام الشافعي على استحباب قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة ويوم الجمعة، انظر المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح ص١١٩. وقد علل العلماء سبب فضيلة قراءة سورة الكهف بعدة تعليلات قال الإمام النووي: [سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتن بالدجال وكذا آخرها قوله تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا) سورة الكهف الآية ١٠٢. شرح صحيح مسلم ٢/٤١٨. وقال القرطبي المحدث: [وقوله ﷺ : (من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) وفي الرواية الأخرى: من آخر الكهف. واختلف المتأولون في سبب ذلك فقيل: لما في قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات فمن علمها لم يستغرب أمر الدجال ولم يهله ذلك فلا يفتنن به. وقيل: لما في قوله تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ) إلى آخر السورة من المعاني المناسبة لحال الدجال وهذا على رواية من روى: من آخر الكهف. وقيل: لقوله تعالى: (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) سورة الكهف الآية ٢. تمسكاً بتخصيص البأس بالشدة واللدنية وهو مناسب لما يكون من الدجال من دعوى الإلهية واستيلائه وعظيم فتنته ولذلك عظم النبي ﷺ أمره وحذر منه وتعوذ من فتنته فيكون معنى هذا الحديث: أن من قرأ هذه الآيات وتدبرها ووقف على معناها حذره فأمن من ذلك وقيل: هذا من خصائص هذه السورة كلها فقد روي: (من حفظ سورة الكهف ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه) وعلى هذا تجتمع رواية من روى: (من أول سورة الكهف) ورواية من روى: (من آخرها) ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها وقيل: إنما كان ذلك لقوله: (قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ) فإنه يهون بأس الدجال. وقوله: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) سورة الكهف الآية ٢. فإنه يهون الصبر على فتن الدجال بما يظهر من جنته وناره وتنعيمه وتعذيبه. ثم ذمه تعالى لمن اعتقد الولد يفهم منه أن من ادعى الإلهية أولى بالذم وهو الدجال ثم قصة أصحاب الكهف فيها عبرة تناسب العصمة من الفتن وذلك أن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: (رَبَّنَاءَاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) سورة الكهف الآية ١٠. فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا وسألوا إصلاح أحوالهم فأصلحت لهم وهذا تعليم لكل مدعو إلى الشرك ومن روى من آخر الكهف فلما في قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) سورة الكهف الآية ١٠٠ فإن فيه ما يهون ما يظهره الدجال من ناره] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/٤٣٩-٤٤٠.
وقال الطيبي: [كما أن أولئك الفتية عصموا من ذلك الجبار كذلك يعصم الله القاري أي قارئ سورة الكهف من الجبار واللام للعهد وهو الذي يخرج في آخر الزمان ويدعي الألوهية لخوارق تظهر على يديه كقوله للسماء أمطري فتمطر لوقتها وللأرض أنبتي فتنبت لوقتها زيادة في الفتنة ولذلك لم توجد فتنة على وجه الأرض أعظم من فتنته وما أرسل من نبي إلا حذره قومه أو للجنس فإن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس ومنه الحديث: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون) أي مموهون وفي حديث: (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالاً) ] عمل اليوم والليلة لابن السني ص٤١٠.
стр. 185
١٠٧ - صلاة الاستخارة
يقول السائل: هل تشرع صلاة الاستخارة لمن أراد أن يتقدم لخطبة فتاة مع أن الزواج كما يقولون قسمة ونصيب. وإذا صلى الاستخارة فمتى يدعو وهل يصح أن يستخير عن غيره أو يستخير له غيره؟
الجواب: من الثابت عند أهل العلم أنه يشرع للمسلم قبل الإقدام على أمر لم يظهر له فيه وجه الصواب أن يستخير وأن يستشير والاستخارة ثابتة عن رسول الله ﷺ وأجمع حديث ورد فيها هو حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول لنا: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ثم يسميه بعينه خير لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت أتعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به قال: ويسمي حاجته] رواه البخاري والنسائي والترمذي. ووردت أحاديث أخرى في الاستخارة فيها كلام لأهل الحديث منها: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سعادة ابن آدم استخارته الله ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله رواه أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١١/٢١٩. ومنها ما ورد في الحديث عن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أراد أمراً قال: (اللهم خر لي واختر لي) رواه الترمذي وضعفه. ومنها عن أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال له: (اكتم الخطبة ثم توضأ فأحسن وضوءك وصلِّ ما كتب الله لك ثم احمد ربك ومجده ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب فإن رأيت لي في فلانة - تسميها – خيراً في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها لي وإن كان غيرها أحب إلي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي بها أو قل: فاقدرها لي) رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر. وهذه الأحاديث وإن كان في سند كل منها كلام لأهل الحديث إلا أنها تتقوى بحديث جابر السابق وغيره من الشواهد. وهذه الأحاديث تدل على مشروعية الاستخارة. والاستخارة هي البديل الشرعي عن التوجه إلى المنجمين والسحرة والكهنة الذين يزعمون معرفة الغيب. قال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر حديث جابر السابق: [فعوَّض رسول الله ﷺ أمته بهذا الدعاء عما كان عليه أهل الجاهلية من زجر الطير والاستقسام بالأزلام الذي نظيره هذه القرعة التي كان يفعلها إخوان المشركين يطلبون بها علم ما قسم لهم في الغيب ولهذا سمي ذلك استقسام وهو استفعال من القسم والسين فيه للطلب وعوضهم بهذا الدعاء الذي هو توحيد وافتقار وعبودية وتوكل وسؤال لمن بيده الخير كله الذي لا يأت بالحسنات إلا هو ولا يصرف السيئات إلا هو الذي إذا فتح لعبده رحمة لم يستطع أحد حبسها عنه وإذا أمسكها لم يستطع أحد إرسالها إليه من التطير والتنجيم واختيار الطالع ونحوه. فهذا الدعاء هو الطالع الميمون السعيد طالع أهل السعادة والتوفيق الذين سبقت لهم من الله الحسنى لا طالع أهل الشرك والشقاء والخذلان الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون. فتضمن هذا الدعاء الإقرار بوجوده سبحانه والإقرار بصفات كماله من كمال العلم والقدرة والإرادة والإقرار بربوبيته وتفويض الأمر إليه والاستعانة به والتوكل عليه والخروج من عهدة نفسه والتبري من الحول والقوة إلا به واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها وإرادته لها وأن ذلك كله بيد وليه وفاطره وإلهه الحق] زاد المعاد ٢/٤٤٣-٤٤٤. والاستخارة مشروعة في الأمور المباحة التي يشكل على الإنسان فيها وجه الخير ومنها الزواج فيشرع للإنسان قبل أن يقدم على الزواج الاستخارة ويدل على ذلك حديث أبي أيوب السابق ويدل عليه أيضاً ما ورد في قصة زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش كما رواها أنس ﵁: [لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: فاذكرها عليَّ، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك، قالت ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن ... إلخ الحديث) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قولها (ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها) أي موضع صلاتها من بيتها، وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن همَّ بأمر سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا وهو موافق لحديث جابر في صحيح البخاري قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها يقول: (إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة إلى آخره) ولعلها استخارت لخوفها من تقصيرٍ في حقه ﷺ ] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٥٦٦. والاستخارة في الزواج من باب التوكل على الله ولا تعارض بين الاستخارة وأن الزواج مقدر من الله فإن الإنسان لا يدري ما هو المقدر له إلا بعد وقوعه. قال العلامة ابن القيم: [فتأمل كيف وقع المقدور مكتنفاً بأمرين: التوكل الذي هو مضمون الاستخارة قبله والرضى بما يقضي الله له بعده وهما عنوان السعادة وعنوان الشقاء يكتنفه ترك التوكل والاستخارة قبله والسخط بعده والتوكل قبل القضاء فإذا أبرم القضاء وتم انتقلت العبودية إلى الرضى بعده كما في المسند وزاد النسائي في الدعاء المشهور: (وأسألك الرضى بعد القضاء) وهذا أبلغ من الرضى بالقضاء فإنه قد يكون عزماً فإذا وقع القضاء تنحل العزيمة فإذا حصل الرضى بعد القضاء كان حالاً أو مقاماً. والمقصود أن الاستخارة توكل على الله وتفويض إليه واستقسام بقدرته وعلمه وحسن اختياره لعبده وهي من لوازم الرضى به رباً الذي لا يذوق طعم الإيمان من لم يكن كذلك وإن رضي بالمقدور بعدها فذلك علامة سعادته] زاد المعاد ٢/٤٤٤-٤٤٥. وأما بالنسبة لمحل الدعاء في صلاة الاستخارة فيكون بعد الانتهاء من صلاة الركعتين مباشرة وهو ظاهر في قوله ﷺ في حديث جابر: (... فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول) وكون الدعاء بعد الصلاة هو الأولى. وأجاز بعض أهل العلم أن يكون الدعاء أثناء السجود في الصلاة قال الحافظ ابن حجر: [هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة فلو دعا به في أثناء الصلاة احتمل الإجزاء ويحتمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلاة قبل الدعاء فإن موطن الدعاء في الصلاة السجود أو التشهد. وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب الملك ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مآلاً وحالاً] والأصل في الاستخارة أن يفعلها كل إنسان لنفسه فإنها صلاة والأصل أن كل إنسان يصلي لنفسه ولا يصلي أحد عن أحد، ويدل على ذلك ما ورد في حديث جابر من قوله ﷺ : (إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين) ، ولكن يجوز للإنسان أن يدعو لغيره والدعاء أمره واسع. وأخيراً أنبه أن بعض الناس يظن أنه بعد الاستخارة لا بد أن يرى رؤية وهذا الكلام ليس بصحيح فإن العلماء قد نبهوا قديماً وحديثاً على أنه لا يشترط في الاستخارة أن يرى المستخير رؤيا ولكن الله تعالى يحدث في قلبه جنوحاً أو ميلاً إلى جانب ينشرح به صدره ويستقر عليه. انظر حديث صلاة الاستخارة ص٦٢.
وخلاصة الأمر أن الاستخارة مشروعة عند الزواج وغيره من الأمور وأن الاستخارة في حقيقتها من باب التوكل على الله .
стр. 186
١٠٨ - سنن الصلاة
يقول السائل: حصل نقاش بين المصلين في مسألة رفع اليدين في الصلاة عند الرفع من السجدة الأولى وعند الهوي إلى السجدة الثانية فهل ثبت رفع اليدين في هذين الموطنين من الصلاة؟ يقول السائل: حصل نقاش بين المصلين في مسألة رفع اليدين في الصلاة عند الرفع من السجدة الأولى وعند الهوي إلى السجدة الثانية فهل ثبت رفع اليدين في هذين الموطنين من الصلاة؟
стр. 187
١٠٩ - الجمع بين الصلوات
سألني الشيخ رائد إمام مسجد عثمان بن عفان في قرية كفر برا عن الأحكام المتعلقة بالجمع بين الصلاتين بسبب المطر وطلب توضيح هذه الأحكام بالتفصيل وأفاد بأن أئمة المساجد يتساهلون في الجمع فيجمعون بدون سبب شرعي معتبر؟
الجواب: إن الأصل في الصلوات الخمس أن تؤدى في الأوقات المخصصة لها شرعاً قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. ويدل على ذلك أيضاً حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ وهو حديث صحيح مروي في دواوين السنة. والجمع بين الصلاتين رخصة حيث وجدت أسبابها. وإن من المؤسف أن بعض أئمة المساجد وكذا بعض عامة الناس يتساهلون في الجمع بين الصلاتين بسبب المطر فنرى بعضهم يجمع بدون سبب موجب كأن يكون المطر صباحاً فيجمع الإمام بين المغرب والعشاء وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر ثم ينطلقون إلى أعمالهم وأسواقهم ولا يمنعهم المطر عنها وإنما منعهم عن الصلاة فقط. ومثل هذا التساهل جمع المنفرد في بيته بين الصلاتين بسبب المطر كما يزعمون ونحو ذلك من التساهل في هذه العبادة المؤقتة بمواقيت معروفة وثابتة. وقد أجاز جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة الجمع بين الصلاتين بسبب المطر على تفصيل عندهم أوضحه بما يلي: الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بسبب المطر أجازه الشافعية في القول المعتمد عندهم ومنعه المالكية والحنابلة. والجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر أجازه المالكية والشافعية والحنابلة والأدلة في الجمع بين المغرب والعشاء أقوى منها في الجمع بين الظهر والعصر ومن المعلوم أن لا جمع عند الحنفية إلا في عرفة ومزدلفة فقط. وعلى كل حال فإن الجمع بين الصلاتين للمطر عند القائلين به هو رخصة شرعية مقيدة بسبب وهو المطر فلا بد من التقيد بذلك ومن المعلوم أن هذه الرخصة شرعت من أجل دفع الحرج والمشقة عن المصلين لتحصيل صلاة الجماعة. وعليه فمن أخذ برأي العلماء القائلين بالجمع بين الصلوات للمطر فلا بد أن يلتزم بما قرره هؤلاء العلماء من سبب لهذا الجمع. فالشافعية الذين يقولون بالجمع بين الظهر والعصر للمطر وكذا المغرب والعشاء نصوا على أن سبب الجمع وجود مطر يبل الثياب ولا يجمع لأجل مطر لا يبل الثياب. انظر المجموع٤/٣٨١. وقال الشيخ ابن عثيمين: [قوله المطر يبل الثياب يعني إذا كان هناك مطر يل الثياب لكثرته وغزارته فإنه يجوز الجمع بين العشائين فإن كان المطر قليلاً لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز لأن هذا النوع من المطر لا يلحق المكلف فيه مشقة بخلاف الذي يبل الثياب ولا سيما إذا كان في أيام الشتاء فإنه يلحقه مشقة من جهة البلل ومشقة أخرى من جهة البرد ولا سيما إذا انضم إلى ذلك ريح فإنها تزداد المشقة] الشرح الممتع ٤/٥٥٥. كما أن العلماء القائلين بالجمع للمطر نصوا على وجود العذر وهو المطر عند الإحرام بالصلاة الأولى ومنهم من اعتبره حال الإحرام بالثانية أيضاً قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا والمطر مقيم في الوقت الذي تجمع فيه فإن صلى إحداهما ثم انقطع المطر لم يكن له أن يجمع الأخرى إليها] الأم ١/٩٥. وقال الإمام النووي: [ويشترط وجود المطر في أول الصلاتين باتفاق الأصحاب] المجموع ٤/٣٨٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومتى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع] المغني ٢/٢٠٧. وقد نص العلماء القائلون بالجمع للمطر على أن الجمع رخصة لمن يصلي في المسجد جماعة وهذا قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة وعليه لا يجوز الجمع للمنفرد الذي يصلي في بيته. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه قرب المسجد أو كثر أهله أو قلوا أو بعدوا ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/٩٥. وانظر الجمع بين الصلاتين في المطر ص٢٢٦. وعلل ذلك الماوردي بأن الجمع يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع. الحاوي الكبير ٢/٣٩٩. وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/٣٨١. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية ما نصه: [المشروع أن يجمع أهل المسجد إذا وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع المطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٣٥. وهذا هو الموافق للحكمة من مشروعية الجمع وهي رفع الحرج ودفع المشقة عمن يصلي في المسجد فأي حرج أو مشقة في حق من صلى في بيته؟ وأخيراً أنبه على بعض الأحكام المتعلقة بالجمع: ١. لا يشترط تقدم نية الجمع على الراجح من أقوال العلماء ولا يشترط للجمع أن يخبر الإمام المأمومين أنه يجمع فإن أخبرهم فحسن. ٢. إذا جمعوا بين المغرب والعشاء فإنهم يصلون سنة المغرب بعد انتهائهم من الجمع ثم يصلون سنة العشاء ولهم أن يصلوا الوتر أيضاً. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة الثانية ويوتر قبل دخول وقت الثانية لأن سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها والوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته] المغني ٢/٢٠٧. وقال الإمام النووي في كيفية صلاة سنة الظهر والعصر إذا جمع بينهما: [والصواب الذي قاله المحققون أنه يصلي سنة الظهر التي قبلها ثم يصلي الظهر ثم العصر ثم سنة الظهر التي بعدها ثم سنة العصر] روضة الطالبين ١/٥٠٣. ٣. إن حضر المصلي إلى المسجد فوجدهم في صلاة العشاء وهو لم يصلِ المغرب فيدخل معهم بنية صلاة المغرب فإذا قام الإمام إلى الرابعة فالمأموم مخير بين حالين إما أن ينوي المفارقة فيسلم وإما أن يبقى جالساً منتظراً الإمام حتى يتم فيسلم معه والانتظار أفضل كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٢٧٠. وأخيراً أنبه على أن كثيراً من أهل العلم يرون أن ترك الجمع أفضل وأولى بسبب خلاف من رأى عدم جواز الجمع. قال الإمام النووي: [وترك الجمع أفضل بلا خلاف فيصلي كل صلاة في وقتها للخروج من الخلاف فإن أبا حنيفة وجماعة من التابعين لا يجوِّزونه. وممن نص على أن تركه أفضل الغزالي وصاحب التتمة. قال الغزالي في البسيط: لا خلاف أن ترك الجمع أفضل] روضة الطالبين ١/٥٠٥. وقال ابن مفلح: [وتركه أفضل] الفروع ٢/٦٨. وقال المرداوي: [يؤخذ من قول المصنف " ويجوز الجمع " أنه ليس بمستحب وهو كذلك بل تركه أفضل على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب] الإنصاف ٢/٣٣٤.
وخلاصة الأمر فإني أنصح أئمة المساجد بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع لأنه قد يوقع في معصية ألا وهي الجمع بين الصلاتين بدون عذر وقد ورد في بعض الآثار عن عمر ﵁ أنه قال: [الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر] رواه البيهقي وذكر أنه مرسل ثم روى بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له: ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً] ٣/١٦٩. وقوى الأثرين صاحب الجوهر النقي.
стр. 188
١١٠ - الجمع بين الصلوات
توضيح حكم الجمع بين الصلاتين بعذر المطر
إن الأصل في الصلوات الخمس أن تؤدى في الأوقات المخصصة لها شرعاً قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. ويدل على ذلك أيضاً حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ وهو حديث صحيح مروي في دواوين السنة. والجمع بين الصلاتين رخصة حيث وجدت أسبابها. وإن من المؤسف أن بعض أئمة المساجد وكذا بعض عامة الناس يتساهلون في الجمع بين الصلاتين بسبب المطر فنرى بعضهم يجمع بدون سبب موجب كأن يكون المطر صباحاً فيجمع الإمام بين المغرب والعشاء وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر ثم ينطلقون إلى أعمالهم وأسواقهم ولا يمنعهم المطر عنها وإنما منعهم عن الصلاة فقط. ومثل هذا التساهل جمع المنفرد في بيته بين الصلاتين بسبب المطر كما يزعمون ونحو ذلك من التساهل في هذه العبادة المؤقتة بمواقيت معروفة وثابتة. وقد أجاز جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة الجمع بين الصلاتين بسبب المطر على تفصيل عندهم أوضحه بما يلي: الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بسبب المطر أجازه الشافعية في القول المعتمد عندهم ومنعه المالكية والحنابلة. والجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر أجازه المالكية والشافعية والحنابلة والأدلة في الجمع بين المغرب والعشاء أقوى منها في الجمع بين الظهر والعصر ومن المعلوم أن لا جمع عند الحنفية إلا في عرفة ومزدلفة فقط. وعلى كل حال فإن الجمع بين الصلاتين للمطر عند القائلين به هو رخصة شرعية مقيدة بسبب وهو المطر فلا بد من التقيد بذلك ومن المعلوم أن هذه الرخصة شرعت من أجل دفع الحرج والمشقة عن المصلين لتحصيل صلاة الجماعة. وعليه فمن أخذ برأي العلماء القائلين بالجمع بين الصلوات للمطر فلا بد أن يلتزم بما قرره هؤلاء العلماء من سبب لهذا الجمع. فالشافعية الذين يقولون بالجمع بين الظهر والعصر للمطر وكذا المغرب والعشاء نصوا على أن سبب الجمع وجود مطر يبل الثياب ولا يجمع لأجل مطر لا يبل الثياب. انظر المجموع٤/٣٨١. وقال الشيخ ابن عثيمين: [قوله المطر يبل الثياب يعني إذا كان هناك مطر يبل الثياب لكثرته وغزارته فإنه يجوز الجمع بين العشائين فإن كان المطر قليلاً لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز لأن هذا النوع من المطر لا يلحق المكلف فيه مشقة بخلاف الذي يبل الثياب ولا سيما إذا كان في أيام الشتاء فإنه يلحقه مشقة من جهة البلل ومشقة أخرى من جهة البرد ولا سيما إذا انضم إلى ذلك ريح فإنها تزداد المشقة] الشرح الممتع ٤/٥٥٥. كما أن العلماء القائلين بالجمع للمطر نصوا على وجود العذر وهو المطر عند الإحرام بالصلاة الأولى ومنهم من اعتبره حال الإحرام بالثانية أيضاً قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا والمطر مقيم في الوقت الذي تجمع فيه فإن صلى إحداهما ثم انقطع المطر لم يكن له أن يجمع الأخرى إليها] الأم ١/٩٥. وقال الإمام النووي: [ويشترط وجود المطر في أول الصلاتين باتفاق الأصحاب] المجموع ٤/٣٨٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومتى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع] المغني ٢/٢٠٧. وقد نص العلماء القائلون بالجمع للمطر على أن الجمع رخصة لمن يصلي في المسجد جماعة وهذا قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة وعليه لا يجوز الجمع للمنفرد الذي يصلي في بيته. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه قرب المسجد أو كثر أهله أو قلوا أو بعدوا ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/٩٥. وانظر الجمع بين الصلاتين في المطر ص٢٢٦. وعلل ذلك الماوردي بأن الجمع يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع. الحاوي الكبير ٢/٣٩٩. وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/٣٨١. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية ما نصه: [المشروع أن يجمع أهل المسجد إذا وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع المطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٣٥. وهذا هو الموافق للحكمة من مشروعية الجمع وهي رفع الحرج ودفع المشقة عمن يصلي في المسجد فأي حرج أو مشقة في حق من صلى في بيته؟ وأخيراً انبه على بعض الأحكام المتعلقة بالجمع: ١. لا يشترط تقدم نية الجمع على الراجح من أقوال العلماء ولا يشترط للجمع أن يخبر الإمام المأمومين أنه يجمع فإن أخبرهم فحسن. ٢. إذا جمعوا بين المغرب والعشاء فإنهم يصلون سنة المغرب بعد انتهائهم من الجمع ثم يصلون سنة العشاء ولهم أن يصلوا الوتر أيضاً. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة الثانية ويوتر قبل دخول وقت الثانية لأن سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها والوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته] المغني ٢/٢٠٧. وقال الإمام النووي في كيفية صلاة سنة الظهر والعصر إذا جمع بينهما: [والصواب الذي قاله المحققون أنه يصلي سنة الظهر التي قبلها ثم يصلي الظهر ثم العصر ثم سنة الظهر التي بعدها ثم سنة العصر] روضة الطالبين ١/٥٠٣. ٣. إن حضر المصلي إلى المسجد فوجدهم في صلاة العشاء وهو لم يصلِ المغرب فيدخل معهم بنية صلاة المغرب فإذا قام الإمام إلى الرابعة فالمأموم مخير بين حالين إما أن ينوي المفارقة فيسلم وإما أن يبقى جالساً منتظراً الإمام حتى يتم فيسلم معه والانتظار أفضل كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٢٧٠. وأخيراً أنبه على أن كثيراً من أهل العلم يرون أن ترك الجمع أفضل وأولى بسبب خلاف من رأى عدم جواز الجمع. قال الإمام النووي: [وترك الجمع أفضل بلا خلاف فيصلي كل صلاة في وقتها للخروج من الخلاف فإن أبا حنيفة وجماعة من التابعين لا يجوِّزونه. وممن نص على أن تركه أفضل الغزالي وصاحب التتمة. قال الغزالي في البسيط: لا خلاف أن ترك الجمع أفضل] روضة الطالبين ١/٥٠٥. وقال ابن مفلح: [وتركه أفضل] الفروع ٢/٦٨. وقال المرداوي: [يؤخذ من قول المصنف " ويجوز الجمع " أنه ليس بمستحب وهو كذلك بل تركه أفضل على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب] الإنصاف ٢/٣٣٤. وخلاصة الأمر فإني أنصح أئمة المساجد بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع لأنه قد يوقع في معصية ألا وهي الجمع بين الصلاتين بدون عذر وقد ورد في بعض الآثار عن عمر ﵁ أنه قال: [الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر] رواه البيهقي وذكر أنه مرسل ثم روى بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له: ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً] ٣/١٦٩. وقوى الأثرين صاحب الجوهر النقي.
стр. 189
١١١ - الجمع بين الصلوات
يقول السائل: متى يكون الجمع بين الصلاتين بسبب المطر صحيحاً وأرجو بيان شروطه؟
الجواب: إن الأصل في الصلوات الخمس أن تؤدى في الأوقات المخصصة لها شرعاً قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) سورة النساء الآية ١٠٣. ويدل على ذلك أيضاً حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ وهو حديث صحيح مروي في دواوين السنة. والجمع بين الصلاتين رخصة حيث وجدت أسبابها. وإن من المؤسف أن بعض أئمة المساجد وكذا بعض عامة الناس يتساهلون في الجمع بين الصلاتين بسبب المطر فنرى بعضهم يجمع بدون سبب موجب كأن يكون المطر صباحاً فيجمع الإمام بين المغرب والعشاء وكذلك يجمعون بين الظهر والعصر ثم ينطلقون إلى أعمالهم وأسواقهم ولا يمنعهم المطر عنها وإنما منعهم عن الصلاة فقط.
ومثل هذا التساهل جمع المنفرد في بيته بين الصلاتين بسبب المطر كما يزعمون ونحو ذلك من التساهل في هذه العبادة المؤقتة بمواقيت معروفة وثابتة. وقد أجاز جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة الجمع بين الصلاتين بسبب المطر على تفصيل عندهم أوضحه بما يلي: الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بسبب المطر أجازه الشافعية في القول المعتمد عندهم ومنعه المالكية والحنابلة. والجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر أجازه المالكية والشافعية والحنابلة والأدلة في الجمع بين المغرب والعشاء أقوى منها في الجمع بين الظهر والعصر ومن المعلوم أن لا جمع عند الحنفية إلا في عرفة ومزدلفة فقط. وعلى كل حال فإن الجمع بين الصلاتين للمطر عند القائلين به هو رخصة شرعية مقيدة بسبب وهو المطر فلا بد من التقيد بذلك ومن المعلوم أن هذه الرخصة شرعت من أجل دفع الحرج والمشقة عن المصلين لتحصيل صلاة الجماعة. وعليه فمن أخذ برأي العلماء القائلين بالجمع بين الصلوات للمطر فلا بد أن يلتزم بما قرره هؤلاء العلماء من سبب لهذا الجمع. فالشافعية الذين يقولون بالجمع بين الظهر والعصر للمطر وكذا المغرب والعشاء نصوا على أن سبب الجمع وجود مطر يبل الثياب ولا يجمع لأجل مطر لا يبل الثياب. انظر المجموع٤/٣٨١. وقال الشيخ ابن عثيمين: [قوله المطر يبل الثياب يعني إذا كان هناك مطر يبل الثياب لكثرته وغزارته فإنه يجوز الجمع بين العشائين فإن كان المطر قليلاً لا يبل الثياب فإن الجمع لا يجوز لأن هذا النوع من المطر لا يلحق المكلف فيه مشقة بخلاف الذي يبل الثياب ولا سيما إذا كان في أيام الشتاء فإنه يلحقه مشقة من جهة البلل ومشقة أخرى من جهة البرد ولا سيما إذا انضم إلى ذلك ريح فإنها تزداد المشقة] الشرح الممتع ٤/٥٥٥. كما أن العلماء القائلين بالجمع للمطر نصوا على وجود العذر وهو المطر عند الإحرام بالصلاة الأولى ومنهم من اعتبره حال الإحرام بالثانية أيضاً قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا والمطر مقيم في الوقت الذي تجمع فيه فإن صلى إحداهما ثم انقطع المطر لم يكن له أن يجمع الأخرى إليها] الأم ١/٩٥. وقال الإمام النووي: [ويشترط وجود المطر في أول الصلاتين باتفاق الأصحاب] المجموع ٤/٣٨٢. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومتى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع] المغني ٢/٢٠٧.
وقد نص العلماء القائلون بالجمع للمطر على أن الجمع رخصة لمن يصلي في المسجد جماعة وهذا قول المالكية والشافعية وقول عند الحنابلة وعليه لا يجوز الجمع للمنفرد الذي يصلي في بيته. قال الإمام الشافعي: [ولا يجمع إلا من خرج من بيته إلى المسجد يجمع فيه قرب المسجد أو كثر أهله أو قلوا أو بعدوا ولا يجمع أحد في بيته لأن النبي ﷺ جمع في المسجد والمصلي في بيته مخالف المصلي في المسجد] الأم ١/٩٥. وانظر الجمع بين الصلاتين في المطر ص٢٢٦. وعلل ذلك الماوردي بأن الجمع يجوز لأجل المشقة وما يلحقه من أذى المطر وإذا عدم هذا المعنى امتنع جواز الجمع. الحاوي الكبير ٢/٣٩٩. وقال الإمام النووي: [قال أصحابنا والجمع بعذر المطر وما في معناه من الثلج وغيره يجوز لمن يصلي جماعة في مسجد يقصده من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه] المجموع ٤/٣٨١. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية ما نصه: [المشروع أن يجمع أهل المسجد إذا وجد مسوغ للجمع كالمطر كسباً لثواب الجماعة ورفقاً بالناس وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة أما جمع جماعة في بيت واحد من أجل العذر المذكور فلا يجوز لعدم وروده في الشرع المطهر وعدم وجود العذر المسبب للجمع] فتاوى اللجنة الدائمة ٨/١٣٥. وهذا هو الموافق للحكمة من مشروعية الجمع وهي رفع الحرج ودفع المشقة عمن يصلي في المسجد فأي حرج أو مشقة في حق من صلى في بيته؟ وأخيراً أنبه على بعض الأحكام المتعلقة بالجمع: ١. لا يشترط تقدم نية الجمع على الراجح من أقوال العلماء ولا يشترط للجمع أن يخبر الإمام المأمومين أنه يجمع فإن أخبرهم فحسن. ٢. إذا جمعوا بين المغرب والعشاء فإنهم يصلون سنة المغرب بعد انتهائهم من الجمع ثم يصلون سنة العشاء ولهم أن يصلوا الوتر أيضاً. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة الثانية ويوتر قبل دخول وقت الثانية لأن سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها والوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته] المغني ٢/٢٠٧. وقال الإمام النووي في كيفية صلاة سنة الظهر والعصر إذا جمع بينهما: [والصواب الذي قاله المحققون أنه يصلي سنة الظهر التي قبلها ثم يصلي الظهر ثم العصر ثم سنة الظهر التي بعدها ثم سنة العصر] روضة الطالبين ١/٥٠٣. ٣. إن حضر المصلي إلى المسجد فوجدهم في صلاة العشاء وهو لم يصلِ المغرب فيدخل معهم بنية صلاة المغرب فإذا قام الإمام إلى الرابعة فالمأموم مخير بين حالين إما أن ينوي المفارقة فيسلم وإما أن يبقى جالساً منتظراً الإمام حتى يتم فيسلم معه والانتظار أفضل كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٢٧٠. وأخيراً أنبه على أن كثيراً من أهل العلم يرون أن ترك الجمع أفضل وأولى بسبب خلاف من رأى عدم جواز الجمع. قال الإمام النووي: [وترك الجمع أفضل بلا خلاف فيصلي كل صلاة في وقتها للخروج من الخلاف فإن أبا حنيفة وجماعة من التابعين لا يجوِّزونه. وممن نص على أن تركه أفضل الغزالي وصاحب التتمة. قال الغزالي في البسيط: لا خلاف أن ترك الجمع أفضل] روضة الطالبين ١/٥٠٥. وقال ابن مفلح: [وتركه أفضل] الفروع ٢/٦٨. وقال المرداوي: [يؤخذ من قول المصنف " ويجوز الجمع " أنه ليس بمستحب وهو كذلك بل تركه أفضل على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب] الإنصاف ٢/٣٣٤.
وخلاصة الأمر فإني أنصح أئمة المساجد بأن يلتزموا بما قرره أهل العلم وأحذرهم من التساهل في الجمع لأنه قد يوقع في معصية ألا وهي الجمع بين الصلاتين بدون عذر وقد ورد في بعض الآثار عن عمر ﵁ أنه قال: [الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر] رواه البيهقي وذكر أنه مرسل ثم روى بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل له: ثلاث من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا في عذر والفرار من الزحف والنهبى) أبو قتادة العدوي أدرك عمر ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قوياً] ٣/١٦٩. وقوى الأثرين صاحب الجوهر النقي.
стр. 190
١١٢ - السهو في الصلاة
يقول السائل: إن إمام مسجدهم قد سها في صلاة العشاء فقام من الركعة الثانية إلى الثالثة دون أن يجلس للتشهد الأوسط ولم يقم المصلون معه بل سبحوا ثم رجع الإمام إلى الجلوس وأتمَّ الإمام الصلاة وسجد للسهو. وبعد الانتهاء من الصلاة قام أحد المصلين وقال إن الصلاة باطلة ثم أعادوا الصلاة جميعاً. فما قولكم؟
الجواب: النسيان والسهو من الأمور الملازمة للإنسان والسهو في الصلاة واقع فقد سها النبي ﷺ أكثر من مرة في صلاته كما ثبت ذلك في عدة أحاديث منها: عن عبد الله بن بحينة ﵁ أنه قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمساً فسجد سجدتين بعدما سلم) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (صلَّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها مغضباً وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي ﷺ يميناً وشمالاً فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلَّم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. وسجود السهو واجب في الصلاة إذا وُجد المقتضي له على الراجح من أقوال أهل العلم كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٣/٢٧-٢٨. إذا تقرر هذا فأعود إلى جواب السؤال فأقول: إذا سها الإمام بعد الركعتين الأوليين فقام إلى الثالثة فينبغي أن لا يرجع ويتم صلاته ثم يسجد للسهو. وأما إذا عاد إلى الجلوس بعد أن استتم قائماً فقد أساء وأتى مكروهاً وصلاته لا تبطل بل صحيحة وهذا قول جمهور أهل العلم.
قال الحافظ ابن عبد البر شارحاً لحديث عبد الله بن بحينة المذكور أولاً ما نصه: [وفي هذا الحديث من الفقه أن المصلي إذا قام من اثنتين واعتدل قائماً لم يكن له أن يرجع وإنما قلنا واعتدل قائماً لأن الناهض لا يسمى قائماً حتى يعتدل على الحقيقة وإنما القائم المعتدل وفي حديثنا هذا: ثم قام وإنما قلنا لا ينبغي له إذا اعتدل قائماً أن يرجع لأنه معلوم أن من اعتدل قائماً في هذه المسألة لا يخلو من أن يذكر بنفسه أو يذكره من خلفه بالتسبيح ولا سيما قوم قيل لهم: من نابه شيء في صلاته فليسبح وهم أهل النهى وأولى من عمل بما حفظ ووعى وأي الحالين كانت فلم ينصرف رسول الله ﷺ إلى الجلوس بعد قيامه فكذلك ينبغي لكل من قام من اثنتين أن لا يرجع فإن رجع إلى الجلوس بعد قيامه لم تفسد صلاته عند جمهور العلماء وإن اختلفوا في سجود سهوه وحال رجوعه وقد قال بعض المتأخرين: تفسد صلاته وهو قول ضعيف لا وجه له لأن الأصل ما فعله وترك الرجوع رخصة وتنبيه على أن الجلسة لم يكن فرضاً والله أعلم] فتح المالك ٢/٢٠٤. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما القيام في موضع الجلوس ففي ثلاث صور إحداها: أن يترك التشهد الأول ويقوم وفيه ثلاث مسائل: الأولى ذكره قبل اعتداله قائماً فيلزمه الرجوع إلى التشهد وممن قال يجلس: علقمة والضحاك وقتادة والأوزاعي والشافعي وابن المنذر وقال مالك: إن فارقت أليتاه الأرض مضى وقال حسان ابن عطية: إذا تجافت ركبتاه عن الأرض مضى. ولنا: ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (فإذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس فإذا استتم قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو) رواه أبو داود وابن ماجة ولأنه أخل بواجب ذكره قبل الشروع في ركن مقصود فلزمه الإتيان به كما لو لم تفارق أليتاه الأرض. المسألة الثانية: ذكره بعد اعتداله قائماً وقبل شروعه في القراءة فالأولى له أن لا يجلس وإن جلس جاز نص عليه – أي الإمام أحمد - قال النخعي: يرجع ما لم يستفتح القراءة وقال حماد بن أبي سليمان: إن ذكر ساعة يقوم جلس. ولنا: حديث المغيرة وما نذكره فيما بعد ولأنه ذكره بعد الشروع في ركن فلم يلزمه الرجوع كما لو ذكره بعد الشروع في القراءة ويحتمل أنه لا يجوز له الرجوع لحديث المغيرة ولأنه شرع في ركن فلم يجز له الرجوع كما لو شرع في القراءة. المسألة الثالثة: ذكره بعد الشروع في القراءة فلا يجوز له الرجوع ويمضي في صلاته في قول أكثر أهل العلم وممن روي عنه أنه لا يرجع عمر وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود والمغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير وابن الزبير والضحاك بن قيس وعقبة بن عامر وهو قول أكثر الفقهاء] المغني ٢/٢٠. والحديث الذي ذكره الشيخ ابن قدامة رواه أبو داود وابن ماجة وقال أبو داود بعد أن ذكره: [وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث] وجابر الجعفي ضعيف لا يحتج به عند كثير من أهل الحديث. انظر عون المعبود ٣/٢٤٧ والتلخيص الحبير ٢/٤. وكلام أبو داود يشير إلى أن الحديث ضعيف. ولكن الشيخ الألباني صحح الحديث لشواهده. انظر السلسلة الصحيحة الجزء الأول حديث رقم ٣٢١. وقد ذكر العلامة ابن عثيمين أن المصلي إن عاد بعد أن استتم قائماً فقد أتى مكروهاً ولم تبطل صلاته لأنه لم يفعل محرماً. الشرح الممتع على زاد المستقنع ٣/٥١٢.
وأخيراً أنبه على أن جماعة من العلماء كالحنفية والشافعية ذهبوا إلى إبطال صلاة من عاد من القيام إلى الجلوس ولكن قولهم مرجوح. ويضاف إلى ما سبق أن عدداً ليس قليلاً من أئمة المساجد والمصلين الذين يقعون في هذا السهو يجهلون الحكم الشرعي له وقد قال جمهور العلماء إن المصلي إذا عاد للتشهد الأوسط بعد أن استتم قائماً ناسياً أو جاهلاً فإن صلاته لا تبطل لما ورد في الحديث من قول النبي ﷺ : (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. انظر الموسوعة الفقهية ٢٤/٢٤٥. وقال الحطاب الفقيه المالكي معلقاً على كلام الشيخ خليل: [ولا تبطل إن رجع ولو استقل يعني أن من فارق الأرض بيديه وركبتيه إذا قلنا إنه لا يرجع فرجع فلا تبطل صلاته وسواء رجع عمداً أو سهواً أو جهلاً] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٢/٣٣٨.
وخلاصة الأمر أنه لا ينبغي إبطال صلاة المصلين ما دام يمكن حملها على الصحة. لأن إبطال صلاة المصلين ليس أمراً هيناً.
стр. 191
١١٣ - صلاة العيد
يقول السائل: ما هو المشروع من الأعمال في ليلة عيد الأضحى؟
الجواب: لم يصح عن رسول الله ﷺ شي في إحياء ليلة العيد سواء كان ذلك ليلة عيد الفطر أو ليلة عيد الأضحى وما ورد من روايات فهي أحاديث ضعيفة جداً وبعضها مكذوب على رسول ﷺ كما سأبين بعد قليل. لذا فإن إحياء ليلة العيد بدعة غير مشروعة فلا يشرع إحياؤها بصلاة خاصة أو أذكار خاصة أو غير ذلك من الطاعات قال العلامة ابن القيم في وصف هدي النبي ﷺ ليلة عيد الأضحى: [ثم نام حتى أصبح ولم يحي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيد شيء] زاد المعاد ٢/٢٤٧. بل ليلة العيد كغيرها من الليالي ليس لها خاصية تمتاز بها على غيرها وأما ما ورد من أحاديث فقد بين أهل الحديث حالها ودرجتها وأذكر بعضها: ١. ما روي عن أبي أمامه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من قام ليلتي العيدين محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وفي رواية (من أحيا) رواه ابن ماجة وذكره الدارقطني في العلل وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية وفي سنده متهم بالوضع وقال الحافظ ابن حجر: [حديث مضطرب الإسناد وذكر أن فيه متهماً بالوضع قاله المناوي في فيض القدير ٦/٣٩، وقال الألباني: موضوع انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١. ٢. ما روي عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة ليلة التروية وليلة عرفة وليلة النحر وليلة الفطر) رواه الأصبهاني ونصر المقدسي وفي إسناده عبد الرحيم بن زيد العمي وهو متروك كما قال النسائي والحافظ ابن حجر وقال يحيى ابن معين كذاب وحكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه موضوع كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ١١. ٣. ما روي عن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: (من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفي سنده عمر بن هارون البلخي وهو كذاب كما قال يحيى بن معين وابن الجوزي انظر السلسلة الضعيفة ٢/١١. وحكم عليه الألباني بأنه حديث موضوع في المصدر السابق وكذا في ضعيف الترغيب والترهيب ١/٣٣٤. ٤. ما روي عن كردوس أن النبي ﷺ قال: (من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) قال ابن الجوزي: [هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وفيه آفات ثم ذكر من آفاته مروان بن سالم قال فيه النسائي والدارقطني والأزدي متروك العلل المتناهية ٢/٥٦٢. وقال الحافظ ابن حجر عنه: [ومروان هذا متهم بالكذب] . الإصابة ٥/٥٨٠. وقال الحافظ عنه في لسان الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٤/٣٩١. وقال الذهبي في الميزان: [هذا حديث منكر مرسل] ٥/٣٧٢.
ومن أهل العلم من قوى هذه الأحاديث بمجموع طرقها كما في مصباح الزجاجة ٢/٨٥. حيث قال: [فيقوى بمجموع طرقه] ومن أهل العلم من قال يتسامح في هذه الأحاديث لأنها في فضائل الأعمال كما قال الحافظ ابن حجر: [اعلم أنه يستحب إحياء ليلتي العيدين في ذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات للحديث الوارد في ذلك: (من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وروي: (من قام ليلتي العيدين لله محتسباً لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) هكذا جاء في رواية الشافعي وابن ماجة وهو حديث ضعيف رويناه من رواية أبي أمامه مرفوعاً وموقوفاً وكلاهما ضعيف لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها كما قدمناه في أول الكتاب] الأذكار ص ١٤٥.
وما قاله الحافظ ابن حجر من التساهل في أحاديث الفضائل سبق له وأن قيده في أول كتابه الأذكار كما أشار إليه فقال [يجوز العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعا] الأذكار ص ٥. وهذه الأحاديث المذكورة في إحياء ليلتي العيد قد حكم عليها جماعة من المحدثين بأنها موضوعة أو فيها من هو كذاب أو متهم بالوضع فلا تنطبق عليها القاعدة السابقة. وخلاصة الأمر أن إحياء ليلتي العيدين بدعة لم يثبت فيه حديث يصلح للاحتجاج به أو الاعتماد عليه.
стр. 192
١١٤ - صلاة العيد
يقول السائل: إن إمام المسجد عندهم يصلي صلاة العيد على مذهب أبي حنيفة فيكبر في الأولى ثلاثاً بعد تكبيرة الإحرام ثم يقرأ، وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر ثلاثاً ثم يكبر للركوع. وإنه لاحظ أن كثيراً من المصلين يخطئون في الصلاة فيركعون عند تكبير الإمام التكبيرة الأولى من التكبيرات الزوائد في الركعة الثانية فما قولكم في ذلك؟
الجواب: اختلف أهل العلم في التكبير في صلاة العيدين اختلافاً كبيراً في عدد التكبيرات الزوائد وفي موضعها وقد ذكر الشوكاني عشرة أقوال في المسألة في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ٣/٣٣٩-٣٤٠. وذكر غيره من العلماء أكثر من ذلك. ولكن يجب أن يعلم أن التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين من السنن المستحبة عند جمهور أهل العلم ولا تبطل الصلاة بتركها عمداً أو سهواً. الروضة الندية ١/٣٨٣. وأرجح أقوال أهل العلم أن السنة في تكبيرات صلاة العيد أن يكبر سبعاً في الأولى قبل القراءة وخمساً في الثانية قبل القراءة قال الحافظ العراقي: [هو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة قال وهو مروي عن عمر وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وزيد بن ثابت وعائشة وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد واسحق] نيل الأوطار ٣/٣٣٩. وانظر المجموع ٥/٩-٢٠. المغني ٢/٢٨٢. وقد استدل لهذا القول بالأدلة التالية: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ : (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الأخرى والقراءة بعدهما كلتيهما] رواه أبو داود وابن ماجة. وفي رواية عند أحمد وابن ماجة (أن النبي ﷺ كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة ولم يصل قبلها ولا بعدها) قال الإمام أحمد وأنا أذهب إلى هذا.
وحديث عمرو بن شعيب حديث صحيح، صححه أحمد وعلي بن المديني والبخاري فيما حكاه الترمذي قاله الحافظ في التلخيص الحبير ٢/٨٤. وقال الإمام النووي: [وحديث عمرو بن شعيب هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة] المجموع ٥/١٦. وقال الحافظ العراقي: [إسناده صالح ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال إنه حديث صحيح] نيل الأوطار ٣/٣٣٨. وقال الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن أبي داود ١/٢١٣. وعن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي وقال الشيخ الألباني حديث صحيح. انظر إرواء الغليل ٣/١٠٧. وعن عمرو بن عوف المزني ﵁: (أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي ﷺ . سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٣/٦٦. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/١٦٦. وعن سعد القرظ مؤذن النبي ﷺ : (أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الآخرة خمساً قبل القراءة) رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي وصححه الألباني بشواهده في صحيح سنن ابن ماجة ١/٢١٥. وعن ابن عمر ﵁ مرفوعاً: (التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الآخرة خمس تكبيرات) رواه الدارقطني والبزار وهو حديث ضعيف. وعن جابر ﵁ قال: [مضت السنة أن يكبر للصلاة في العيدين سبعاً وخمساً] رواه البيهقي. وغير ذلك من الأحاديث.
ويلاحظ على هذه الأحاديث أن كل حديث منها لم يسلم من النقد ولكن مجموع هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً قال الشيخ الألباني بعد أن فصَّل الكلام على حديث عائشة السابق: [وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح ويؤيده عمل الصحابة به منهم أبو هريرة فيما رواه نافع مولى ابن عمر قال: [شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة] . أخرجه مالك ومن طريقه الفريابي والبيهقي. ثم أخرجاه وكذا ابن أبي شيبة من طرق أخرى عن نافع به. وزاد البيهقي: " وهي السنة " ... ومنهم عبد الله بن عمر مثل حديثه المرفوع المتقدم، أخرجه الطحاوي وسنده صحيح. ومنهم عبد الله بن عباس " أنه كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح وفي الآخرة ستاً بتكبيرة الركعة كلهن قبل القراءة ". رواه ابن أبي شيبة عن ابن جريح عن عطاء عنه وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ...إلخ] إرواء الغليل ٣/١١٠-١١١. وقد رجح جماعة من أهل العلم أن السنة في التكبير في صلاة العيد سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية منهم الحافظ ابن عبد البر حيث قال: [وروي عن النبي ﷺ من طرق حسان أنه كبر في العيدين سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية من حديث عبد الله بن عمر وابن عمرو وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني ولم يرد عنه في وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا وهو أولى ما عمل به] المنهل العذب المورود ٦/٣٣١ وانظر أيضاً فتح المالك ٣/٣٤٦- ٣٤٧ حيث فصَّل الحافظ ابن عبد البر الكلام على روايات الأحاديث الواردة في التكبيرات ثم قال عن مذهب الحنفية: [ليس يروى عن النبي ﷺ من وجه قوي ولا ضعيف مثل قول هؤلاء] فتح المالك ٣/٣٤٧. وقال الشوكاني: [وأرجح هذه الأقوال أولها في عدد التكبير وفي محل القراءة] نيل الأوطار ٣/٣٤١.
والأول الذي ذكره أنه يكبر في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الثانية خمساً قبل القراءة. وقال الحافظ المباركفوري: [فالأولى للعمل هو ما ذهب إليه أهل المدينة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم لوجهين: الأول أنه قد جاء فيه أحاديث مرفوعة عديدة وبعضها صالح للاحتجاج والباقية مؤيدة لها وأما ما ذهب إليه أهل الكوفة فلم يرد فيه حديث مرفوع غير حديث أبي موسى الأشعري وقد عرفت أنه لا يصلح للاحتجاج.
والوجه الثاني أنه قد عمل به أبو بكر وعمر ﵄ وقد تقدم في كلام الحافظ الحازمي أن أحد الحديثين إذا كان عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني فيكون آكد وأقرب إلى الصحة وأصوب بالأخذ. هذا ما عندي والله تعالى أعلم] تحفة الأحوذي ٣/٧١. وممن رجح هذا القول الصنعاني في سبل السلام ٢/٦٨. وصديق حسن خان كما في الروضة الندية ١/٣٨٢. ومما ينبغي التنبيه عليه أن السنة أن يرفع المصلي يديه مع كل تكبيرة من التكبيرات قال العلامة ابن عثيمين: [لأن هذا ورد عن الصحابة ﵃ ولم يرد عن النبي ﷺ خلافه ومثل هذا العمل لا مدخل للاجتهاد فيه لأنه عبادة فهو حركة في عبادة فلا يذهب إليه ذاهب من الصحابة إلا وفيه أصل عن رسول الله ﷺ وقد صح عن ابن عمر (أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة في كل تكبيرة) بل إنه روي عنه مرفوعاً ومنهم من صححه مرفوعاً عن النبي ﷺ . وكذلك هنا فعن عمر (أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة والعيد) وكذلك عن زيد رواهما الأثرم) الشرح الممتع على زاد المستقنع ٥/١٨٢. ورفع اليدين مع كل تكبيرة هو قول عطاء والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي ومحمد وداود وابن المنذر وغيرهم. ويستحب أن يحمد الله ويسبحه ويكبره ويصلي على النبي ﷺ بين كل تكبيرتين. ومن العلماء من قال يستحب أن يقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً. ومن العلماء من قال يستحب أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد اللهم اغفر لي وارحمني. ومنهم من قال يستحب أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وإن أحب قال غير ما ذكر إذ لم يثبت فيه عن النبي ﷺ ذكر مؤقت والأمر فيه سعة. انظر غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام ١/٣٤٤ –٣٤٥. ملاحظة: وقع خطأ مطبعي عند ذكر مسأل تكبيرات العيد الزوائد في الجزء الأول من يسألونك حيث وردت العبارة التالية: [ويكون التكبير سبعاً في الأولى بعد القراءة وخمساً في الثانية بعد القراءة] والصواب هو (قبل القراءة) في الموضعين فينبغي أن يصحح.
стр. 193
١١٥ - صلاة العيد
يقول السائل: إنه قرأ في كتاب فقه السنة في مسألة اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد أن الحنابلة أوجبوا صلاة الظهر في حق من تخلف عن صلاة الجمعة وأن الشيخ سيد سابق رجح عدم وجوب صلاة الظهر واحتج على ذلك بما ورد عن الصحابي عبد الله بن الزبير أنه قال: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. فما قولكم في ذلك؟
الجواب: مسألة اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد محل اختلاف بين أهل العلم سبق وأن فصلتها وألخص أقوال العلماء فيها وهي ثلاثة فأكثر أهل العلم يرون أنه لا تجزي واحدة منهما عن الأخرى فينبغي على المسلم أن يصلي العيد وأن يصلي الجمعة لأن عموم الأدلة التي أوجبت الجمعة لم تخص بدليل يصلح لذلك عندهم. وقالت الشافعية تسقط الجمعة عن أهل البوادي والقرى إذا صلوا العيد مع أهل البلد. وقالت الحنابلة وأكثر أهل الحديث تسقط الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام ومن لم يصلِ الجمعة فيجب عليه أن يصلي الظهر ونقل عن بعض العلماء إسقاط الظهر أيضاً. والقول الأول هو أولى الأقوال خروجاً من الخلاف وأما القول بسقوط صلاة الظهر فقد نسب إلى عبد الله ابن الزبير من الصحابة وعطاء بن أبي رباح من كبار التابعين إن صح الخبر عنهما وما أظنه يصح عنهما ففي صحته نظر وبيان ذلك كما يلي: روى أبو داود بسنده عن عطاء قال: [اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة ولم يزد عليهما حتى صلى العصر] وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٢٠٠ ورواه ابن أبي شيبة عن وهب بن كيسان وإسناده حسن على شرط مسلم كما قال الإمام النووي في الخلاصة ٢/٨١٦ وفي رواية أخرى عند أبي داود عن عطاء قال: [صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً وكان ابن عباس في الطائف فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال: أصاب السنة] قال النووي: رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم الخلاصة ٢/٨١٧. وقال الشيخ الألباني صحيح انظر صحيح سنن أبي داود ١/٢٠٠. وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عطاء قال: [اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فصلى بهم العيد ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعاً] مصنف ابن أبي شيبة ٢/١٨٧.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء فذكر ما حدث في عهد ابن الزبير ثم قال عطاء: [... وصليت أنا الظهر يومئذ ...] مصنف عبد الراق ٣/٣٠٣. هذه هي الآثار التي وقفت عليها فيما ورد عن ابن الزبير وعن عطاء وهذه الآثار لا يؤخذ منها أنهما قالا بإسقاط الظهر عمن صلى العيد وإنما قالا بأن الجمعة تسقط عمن صلى العيد. والرواية الأولى التي احتج بها من قال إن ابن الزبير أسقط الظهر لا تدل على ذلك قال الصنعاني: [ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة يكون عيداً على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله بل في قول عطاء أنهم صلوا وحداناً أي الظهر ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه ولا يقال إن مراده صلوا الجمعة وحداناً فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعاً] سبل السلام ٢/٥٣. والرواية الثانية تثبت أنهم صلوا الظهر وحداناً. والرواية الثالثة تثبت أنهم صلوا الظهر أربعاً. والرواية الرابعة تثبت أن عطاء صلى الظهر. وبهذا يظهر أن نسبة القول بإسقاط الظهر إلى ابن الزبير وعطاء نسبة غير صحيحة. قال الشيخ محمود خطاب السبكي: [قوله صلى بنا ابن الزبير إلخ. أي صلى بنا عبد الله ابن الزبير صلاة العيد في يوم جمعة أول النهار ثم لم يخرج إلى صلاة الجمعة فصلينا وحداناً يعني صلوا الظهر منفردين لا الجمعة لأنها لا تصح إلا في جماعة كما تقدم في باب الجمعة للمملوك والمرأة في قوله ﷺ (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة) ولما حكاه النووي من الإجماع على أنها لا تصح إلا في جماعة] المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود ٦/٢٢١. وقال الحافظ ابن عبد البر: [وأما إذن عثمان لأهل العوالي وقوله: قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان يعني الجمعة والعيد قال: فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له، فقد اختلف العلماء في تأويل قول عثمان هذا واختلفت الآثار في ذلك أيضاً عن النبي ﷺ واختلف العلماء في تأويلها والأخذ بها: فذهب عطاء ابن أبي رباح إلى أن شهود العيد يوم الجمعة يجزئ عن الجمعة إذا صلى بعدها ركعتين على طريق الجمع. وروي عنه أيضاً أنه يجزيه وإن لم يصل غير صلاة العيد ولا صلاة بعد صلاة العيد حتى العصر وحكي ذلك عن ابن الزبير وهذا القول مهجور لأن الله افترض صلاة الجمعة في يوم الجمعة على كل من في الأمصار من البالغين الذكور الأحرار فمن لم يكن بهذه الصفات ففرضه الظهر في وقتها فرضاً مطلقاً لم يختص به يوم عيد من غيره.
وقول عطاء هذا ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج قال: [قال عطاء بن أبي رباح: إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد فليجمعهما وليصلهما ركعتين فقط حتى يصلي صلاة الفطر ثم هي هي حتى العصر ثم أخبرنا عند ذلك قال: اجتمعا يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد في زمن ابن الزبير فقال ابن الزبير: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً جعلهما واحداً فصلى يوم الجمعة ركعتين بكرة صلاة الفطر لم يزد عليهما حتى صلى العصر قال: فأما الفقهاء فلم يقولوا في ذلك وأما من لم يفقه فأنكر ذلك عليه قال: ولقد أنكرت أنا ذلك عليه وصليت الظهر يومئذ قال: حتى بلغنا بعد أن العيدين كانا إذا اجتمعا صليا كذلك واحداً] فتح المالك ٣/٣٣٥. وقال ابن عبد البر أيضاً: [وأما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهراً ولا جمعة فقول بين الفساد وظاهر الخطأ متروك مهجور لا يعرج عليه لأن الله يقول: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) . ولم يخص يوم عيد من غيره وأما الآثار المرفوعة في ذلك فليس فيها بيان سقوط الجمعة والظهر ولكن فيها الرخصة في التخلف عن شهود الجمعة وهذا محمول عند أهل العلم على وجهين أحدهما: أن تسقط الجمعة عن أهل المصر وغيرهم ويصلون ظهراً. والآخر أن الرخصة إنما وردت في ذلك لأهل البادية ومن لا تجب عليه الجمعة] وضعف الحافظ ابن عبد البر الرواية الواردة عن ابن الزبير وفيها أنه لم يخرج إلى الجمعة ثم قال: [وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ولم يخص الله ورسوله يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث] فتح المالك ٣/٣٣٨-٣٣٩.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب عن سؤال حول اجتماع الجمعة والعيد فذكر أن لأهل العلم فيها ثلاثة أقوال فذكر الأولين ثم قال: [والقول الثالث: وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة. لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد وهذا هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف. وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي ﷺ لما اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة وفي لفظ أنه قال: (أيها الناس إنكم قد أصبتم خيراً فمن شاء أن يشهد الجمعة فليشهد فإنا مجمعون) . وأيضاً فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة فتكون الظهر في وقتها] مجموع الفتاوى ٢٤/٢١١. وأفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية بوجوب صلاة الظهر على من لم يحضر الجمعة في يوم عيد فقد جاء في فتواا: [من صلى العيد يوم الجمعة رخص له في الحضور لصلاة الجمعة ذلك اليوم إلا الإمام فيجب عليه إقامتها بمن حضر لصلاتها ممن قد صلى العيد وبمن لم يكن صلى العيد فإن لم يحضر إليه أحد سقط وجوبها عنه وصلى ظهراً ... ومن لم يحضر الجمعة فمن شهد صلاة العيد وجب عليه أن يصلي الظهر عملاً بعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الظهر على من لم يصل الجمعة] فتاوى إسلامية ١/٢٤٨. وخلاصة الأمر في حال اجتمع الجمعة والعيد أن الأولى في حق من صلى العيد أن يصلي الجمعة خروجاً من الخلاف فإن لم يحضر الجمعة فيجب عليه أن يصلي الظهر ولا يصح القول بإسقاط الظهر فإن القول بسقوط الظهر ظاهر البطلان ولا متمسك لمن زعم ذلك فيما ورد عن ابن الزبير وعطاء فليس هذا دليلاً على إسقاط الظهر الثابتة بأدلة قوية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 194
١١٦ - سنن الصلاة
يقول السائل: هل لصلاة العصر سنة راتبة؟
الجواب: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي قبل العصر ركعتين وأحياناً أربع ركعات ولكن الراجح من أقوال أهل العلم أن هذه الصلاة لم تكن راتبة لذا لم يعتبرها المحققون من العلماء من السنن الرواتب بل اعتبروها من السنن المستحبة وبعضهم يعتبرها من السنن غير المؤكدة وهي السنن التي لم يواظب عليها النبي ﷺ ومن الأحاديث الواردة في الصلاة قبل العصر ما يلي: عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رحم الله امرءً صلى قبل العصر أربعاً) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ورواه ابن خزيمة وابن حبان وصححاه وحسنه الألباني انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٣٨٢. وعن علي ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين) رواه الترمذي وحسنه وقال الألباني سنده حسن. مشكاة المصابيح ١/٣٦٨. وعن علي ﵁ أيضاً قال: (كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر ركعتين) رواه أبو داود وإسناده صحيح كما قال الإمام النووي في المجموع ٤/٨. وقال الألباني إسناده حسن انظر المصدر السابق. ومما يؤيد صلاة ركعتين قبل العصر عموم قول النبي ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) وهو حديث صحيح. والمقصود بالأذانين الأذان والإقامة. وبناء على هذه الأحاديث المتقدمة فإن المصلي مخير بين أن يصلي ركعتين أو أربعاً قبل العصر جمعاً بين هذه الأحاديث والأربع أفضل انظر عون المعبود ٤/١٠٥.
واختار الحنفية والإمام أحمد في رواية صلاة أربع ركعات قبل العصر انظر غاية المرام ٥/٣٩١. قال الشوكاني: [والأحاديث المذكورة تدل على استحباب أربع ركعات قبل العصر والدعاء منه ﷺ بالرحمة لمن فعل ذلك والتصريح بتحريم بدنه على النار مما يتنافس فيه المتنافسون) نيل الأوطار ٣/٢١.
стр. 195
١١٧ - الإعتكاف
يقول السائل: ما قولكم فيما ذهب إليه بعض أهل العلم من أن الاعتكاف لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال؟
الجواب: الاعتكاف من السنن الثابتة عن النبي ﷺ وقد صح أن النبي ﷺ اعتكف في رمضان في العشر الأواخر منه. رواه البخاري ومسلم. ويشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في المسجد وقد قال الله تعالى: (ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. ولم يعتكف النبي ﷺ إلا في المسجد فلا يصح الاعتكاف في البيوت. واتفق العلماء على أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال أفضل من الاعتكاف في غيرها من المساجد وجمهور أهل العلم لا يرون أن الاعتكاف خاص بالمساجد الثلاثة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء ونصره الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني ودافع عنه في أكثر من كتاب من كتبه. قال الشيخ الألباني: [ثم وقفت على حديث صحيح صريح يخصص المساجد المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وهو قوله ﷺ : (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) وقد قال به من السلف فيما اطلعت حذيفة بن اليمان وسعيد بن المسيب وعطاء إلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقاً وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته ولا يخفى أن الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه والله أعلم] قيام رمضان للألباني ص٣٦. وقال الشيخ الألباني أيضاً: [واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية المسجد للاعتكاف وصفته كما تراه مبسوطاً في (المصنفين) المذكورين و (المحلى) وغيرهما وليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) سورة البقرة الآية ١٨٧. وهذا الحديث الصحيح والآية عامة والحديث خاص ومقتضى الأصول أن يحمل العام على الخاص وعليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها وعليه يدل كلام حذيفه وحديثه والآثار في ذلك مختلفة أيضاً فالأولى الأخذ بما وافق الحديث منها كقول سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي. أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند صحيح عنه] سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد السادس القسم الأول ص٦٧٠. وقد تابع الشيخ الألباني بعض تلاميذه كما جاء في كتاب صفة صوم النبي ﷺ في رمضان ص ٩٣: [لا يشرع الاعتكاف إلا في المساجد لقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) وليست هذه المساجد على الاطلاق فقد ورد تقييدها في صحيح السنة المشرفة وذلك قوله ﷺ : (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) ] .
وقد أطال الشيخ الألباني الكلام على الحديث السابق في الموقع المشار إليه في السلسلة الصحيحة وحكم على الحديث بالصحة ورأى أنه مخصص لعموم الآية السابقة. وما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم اشتراط المساجد الثلاثة لصحة الاعتكاف هو القول الراجح بل هو القول الصحيح من حيث الدليل وبيان ذلك فيما يلي: إن قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) عام في كل مسجد ولا يصلح الحديث المذكور سابقاً لتخصيص الآية لأنه يشترط في المخصص من السنة أن يكون صحيحاً لا شك فيه والحديث المذكور محل خلاف بين المحدثين فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه ومنهم من أوَّله كما سيأتي وما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون مخصصاً لعموم الكتاب. قال الإمام مالك: [الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه لا يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمع فيه ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة أو يدعها فإن كان مسجداً لا يجمع فيه الجمعة ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه فإني لا أرى بأساً بالاعتكاف فيه لأن الله ﵎ قال: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فعمَّ الله المساجد كلها ولم يخص شيئاً منها قال مالك: فمن هنالك جاز له أن يعتكف في المساجد التي لا يجمع فيها الجمعة] الموطأ ١/٢٨٥. وقال الإمام البخاري: [باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها لقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ] . قال الحافظ ابن حجر: [قوله باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد .... واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان.
وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه وفيه قول للشافعي قديم وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأما النفل ففي كل مسجد وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقاً. وأومأ إليه الشافعي في القديم وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة] فتح الباري ٥/١٧٦. وقال العيني: [وقالت طائفة الاعتكاف يصح في كل مسجد روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة وأبي ثور وداود وهو قول مالك في الموطأ وهو قول الجمهور والبخاري أيضاً حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد] عمدة القاري ٨/٢٨٦. وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن سعيد بن جبير أنه اعتكف في مسجد قومه ومثله عن همام بن الحارث ومثله عن إبراهيم النخعي وعن أبي الأحوص وعن يحيى بن أبي سلمة وعن عامر الشعبي. وروى ابن أبي شيبة أيضاً بإسناده عن شداد بن الأزمع قال اعتكف رجل في المسجد الأعظم وضرب خيمته فحصبه الناس فبلغ ذلك ابن مسعود فأرسل إليه رجلاً فكف الناس عنه وحسَّن ذلك] انظر المصنف ٣/٩-٩١. وانظر أيضاً مصنف عبد الرزاق ٤/٣٤٦ -٣٤٨. قال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في مسجد الاعتكاف قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط المسجد لصحة الاعتكاف وأنه يصح في كل مسجد وبه قال مالك وداود وحكى ابن المنذر عن سعيد ابن المسيب أنه قال إنه لا يصح إلا في مسجد النبي ﷺ وما أظن أن هذا يصح عنه وحكى هو وغيره عن حذيفه بن اليمان الصحابي أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى وقال الزهري والحكم وحماد ولا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور يصح في كل مسجد يصلى فيه الصلوات كلها وتقام فيه الجماعة واحتج لهم بحديث عن جويبر عن الضحاك عن حذيفة ﵁ هـ عن النبي ﷺ قال: (كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح) رواه الدارقطني وقال الضحاك لم يسمع من حذيفه قلت وجويبر ضعيف باتفاق أهل الحديث فهذا الحديث مرسل ضعيف فلا يحتج به واحتج أصحابنا بقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ووجه الدلالة من الآية لاشتراط المسجد أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لأنها منافية للاعتكاف فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد وإذا ثبت جوازه في المساجد صح كل مسجد ولا يقبل تخصيص من خصه ببعضها إلا بدليل ولم يصح في التخصيص شيء صريح] المجموع ٦/٤٨٣. وقال ابن حزم الظاهري: [والاعتكاف جائز في كل مسجد ... وبرهان ذلك قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فعمَّ الله تعالى ولم يخص] . ثم قال ابن حزم: [أما من حدَّ مسجد المدينة وحده أو مسجد مكة ومسجد المدينة أو المساجد الثلاثة أو المسجد الجاع فأقوال لا دليل على صحتها فلا معنى لها وهو تخصيص لقوله تعالى: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ... فإن قيل فأين أنتم عمَّا رويتموه من طريق سعيد بن منصور...: قال حذيفه لعبد الله بن مسعود قد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) أو قال: (مسجد جماعة) ؟ . قلنا: هذا شك من حذيفه أو ممن دونه ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك ولو أنه ﵇ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لحفظه الله تعالى علينا ولم يدخل فيه شكاً. فصح يقيناً أنه ﵇ لم يقله قط] المحلى ٣/٤٢٨ - ٤٣١. وقال الشوكاني معلقاً على حديث حذيفه أنه قال لابن مسعود: [لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال في مسجد جماعة) ] . قال الشوكاني: [الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة ولكن لم يذكر المرفوع منه واقتصر على المراجعة التي فيه بين حذيفه وابن مسعود ولفظه: (إن حذيفه جاء إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قوم عكوف بين دارك ودار الأشعري يعني المسجد قال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت) فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي ﷺ وآله وعلى أن عبد الله يخالفه ويجوز الاعتكاف في كل مسجد ولو كان ثم حديث عن النبي ﷺ ما خالفه وأيضاً الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج أحد شقيه. وقد استشهد بعضهم لحديث حذيفه بحديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مرفوعاً بلفظ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) وهو متفق عليه ولكن ليس فيه ما يشهد لحديث حذيفة لأن أفضلية المساجد الثلاثة واختصاصها بشد الرحال إليها لا تستلزم اختصاصها بالاعتكاف وقد حكى في الفتح عن حذيفة أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة] نيل الأوطار ٤/٣٠١ وقال العلامة صديق حسن خان: [وإنما اختلفوا هل يجزئ الاعتكاف في كل مسجد؟ أم في الثلاثة المساجد فقط؟ أو في المسجد الحرام فقط؟ والظاهر أنه يجزئ في كل مسجد قال تعالى:: (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ولا حجة في قول عائشة ولا في قول حذيفه في هذا الباب] الروضة الندية ٢/٤١. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: [فكل مساجد الدنيا يسن فيها الاعتكاف وليس خاصاً بالمساجد الثلاثة كما روي ذلك عن حذيفه بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لااعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) فإن هذا الحديث ضعيف. ويدل على ضعفه أن ابن مسعود ﵁ وهنه حين ذكر له حذيفه ﵁ أن قوماً يعتكفون في مسجد بين بيت حذيفه وبيت ابن مسعود ﵁ فجاء إلى ابن مسعود زائراً له وقال إن قوماً كانوا معتكفين في المسجد الفلاني فقال له ابن مسعود ﵁: [لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت] فأوهن هذا حكماً ورواية. أما حكماً ففي قوله: [أصابوا فأخطأت] وأما رواية: [فذكروا ونسيت] والإنسان معرض للنسيان وإن صح هذا الحديث فالمراد به: لا اعتكاف تام أي أن المساجد الأخرى الاعتكاف فيها دون المساجد الثلاث كما أن الصلاة في المساجد فيها دون الصلاة في المساجد الثلاثة. ويدل على أنه عام في كل مسجد قوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) . فقوله: في المساجد (ال) هنا للعموم فلو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لقلنا: إن (ال) هنا للعهد الذهني ولكن أين الدليل؟ وإذا لم يقم دليل على أن (ال) للعهد الذهني فهي للعموم هذا الأصل ثم كيف يكون هذا الحكم في كتاب الله للأمة من مشارق الأرض ومغاربها ثم نقول لا يصح إلا في المساجد الثلاثة فهذا بعيد أن يكون حكم مذكور على سبيل العموم للأمة الإسلامية ثم نقول: إن هذه العبادة لا تصح إلا في المساجد الثلاثة كالطواف لا يصح إلا في المسجد الحرام. فالصواب: أنه عام في كل مسجد لكن لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل] الشرح الممتع على زاد المستقنع ٦/٥٠٤-٥٠٥.
ويضاف لما سبق أن اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية قد اختارت أن الاعتكاف يصح في كل مسجد تقام فيه صلاة الجماعة انظر فتاوى اللجنة الدائمة ١٠/٤١٠. وخلاصة الأمر أن الاعتكاف يصح في كل مسجد تقام فيه صلاة الجماعة وليس مقصوراً على المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال.
стр. 196
١١٨ - المساجد
يقول السائل: هل يجوز تعليق الصور في المساجد خاصة أنه يكثر في أيامنا هذه تعليق صور الشهداء في المساجد؟
الجواب: إن مكان الصلاة سواء كان البيت أو المسجد يجب أن يكون خالياً من كل ما يشغل المصلي عن صلاته ويشوش عليه ويخل بخشوعه في صلاته سواء كان ذلك صوراً أو زخرفة أو غير ذلك. والرسول ﷺ يقول (لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي) رواه أبو داود بسند صحيح كما قال الشيخ الألباني. وورد في الحديث عن عائشة: (أن النبي ﷺ صلى في خميصة (نوع من الثياب) لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم ... فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) رواه البخاري ومسلم. وفي روايةٍ أخرى قال ﵊: (كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة فأخاف أن تفتنني) رواه البخاري. وعن أنس قال كان قرام (ستر رقيق من صوف ذو ألوان) لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي ﷺ : (أميطي عني قرامك فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) رواه البخاري.
وبناءً على ذلك فإني أرى أنه لا يجوز تعليق الصور مهما كانت في قبلة المسجد وكذلك تعليق اللوحات سواء كانت لوحات قرآنية أو مجلات حائط أو نحوها في قبلة المسجد وأمام المصلين لأنها بالتأكيد تشغلهم عن صلاتهم وينبغي بشكل عام تنزيه المسجد عن مثل هذه الأمور فالمساجد ليست معارض ولا متاحف لتعليق الصور أو اللوحات الفنية أو الزخرفات المختلفة.
وقد قام بعض الناس بكتابة آيات القرآن الكريم على شكل انسان وهو ساجد وهذا من التلاعب بكتاب الله الكريم فالقرآن لم ينزل لهذا. وكذلك يجب تنزيه المساجد عن كل ما يشوش على المصلين والذاكرين مثل إقامة الاحتفالات التي تكون مصحوبة بفرق الإنشاد مع ضرب الدفوف أو فرق الكشافة المصحوبة بالطبول والأجراس لأن هذا يشكل إساءة بالغة ومخالفة واضحة لمنهج الإسلام.
стр. 197
١١٩ - الأذان
يقول السائل: إنه مؤذن مسجد وعندما يؤذن للفجر كان يقول في أذانه الصلاة خير من النوم مرتين ثم قال له بعض المصلين إن الصواب أن تقال عبارة الصلاة خير من النوم في الأذان الأول الذي يسبق أذان صلاة الفجر فما قولكم في ذلك؟
الجواب: قول المؤذن في أذان صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين يسمى التثويب على قول جماعة من أهل العلم، قال الإمام الترمذي: [وقد اختلف أهل العلم في تفسير التثويب، قال بعضهم: التثويب أن يقول في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وهو قول ابن المبارك وأحمد] ثم ذكر الترمذي قولاً آخر ثم قال: [والذي فسر ابن المبارك وأحمد أن التثويب أن يقول المؤذن في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وهو قول صحيح ويقال له التثويب أيضاً وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١/٥٠٦-٥٠٧. والتثويب سنة مشروعة عند جمهور أهل العلم وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأنس ﵃ والحسن البصري ومحمد بن سيرين والزهري ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والشافعي في الصحيح عنه وكثير من أهل العلم. انظر المجموع ٣/٩٤ المغني ١/٢٩٦ نيل الأوطار ٢/٤٣. وقد ورد إثبات مشروعية التثويب المذكور في عدة أحاديث منها: عن أبي محذورة ? قال: (كنت أؤذن لرسول الله ? وكنت أقول في أذان الفجر الأول حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) رواه النسائي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ١/١٤٠. وفي رواية عند أبي داود: (عن أبي محذورة عن النبي ?، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٠. وفي رواية أخرى عند أبي داود عن أبي محذورة قال: (قلت يا رسول الله علمني سنة الأذان قال: فمسح مقدم رأسي وقال: تقول الله أكبر ... إلى أن قال: فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) وهي رواية صحيحة كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٠. وفي رواية أخرى عند أبي داود أيضاً عن أبي محذورة قال: (قال ألقى عليَّ رسول الله ? الأذان حرفاً حرفاً) وفي آخر الحديث: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) وهو حديث صحيح كما قال لشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠١. وعن انس ? قال: (من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم) رواه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/٢٠١. وعن سعيد بن المسيب عن بلال ? أنه أتى النبي ? يؤذنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم فقال: (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، فأقرت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك) رواه ابن ماجة. وقال في الزوائد: إسناده ثقات إلا أن فيه انقطاعاً سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال. سنن ابن ماجة ١/٢٣٧، ونحوه قال الحافظ ابن حجر وذكر له طرقاً أخرى التلخيص الحبير ١/٢٠١. إذا ثبت أن التثويب مشروع في أذان الفجر فإن الراجح من أقوال العلماء أن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة وليس محله الأذان الذي يكون قبل دخول وقت الفجر كما قال بعض أهل العلم وليس محله في الأذانين كما قال آخرون من أهل العلم.
والذي يرجح أن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ما ورد في حديث أبي محذورة: [فإن كان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم) ، وفي الرواية الأخرى: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) . وما ورد عن أنس أنه قال: (من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم) . فالمقصود بهذه الروايات هو أذان صلاة الفجر وليس الأذان الذي يكون قبل ذلك لأن ذلك الأذان لا يسمى أذان الفجر أو أذان الصبح لأن صلاة الفجر لا يدخل وقتها به وإنما يدخل وقتها بأذان الفجر ويدل على ذلك ما ورد في الحديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم) رواه البخاري ومسلم. وأما ما ورد في رواية حديث أبي محذورة وفيها: (في أذان الفجر الأول) وفي الرواية الأخرى: (الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) فالمراد بذلك أيضاً هو أذان الفجر أي أذان الصلاة لأنه هو المقصود بالأذان الأول وأما الأذان الثاني فهو الإقامة لما ورد في الحديث أن النبي ? قال: (بين كل أذانين صلاة) فالأذان الأول هو أذان الصلاة والأذان الثاني هو الإقامة. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله: [كلمة (الصلاة خير من النوم) في الأذان الأول كما جاء في الحديث: فإذا أذنت أذان الصبح الأول فقل (الصلاة خير من النوم) فهي في الأذان الأول لا الثاني ولكن يجب أن تعلم ما هو الأذان الأول في هذا الحديث؟ هو الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت والأذان الثاني هو الإقامة لأن الإقامة تسمى أذاناً قال النبي ?: (بين كل أذانين صلاة) والمراد الأذان والإقامة. وفي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان زاد الأذان الثالث في الجمعة، إذن الأول الذي أمر فيه بلالاً أن يقول: (الصلاة خير من النوم) هو الأذان لصلاة الفجر. أما الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس أذاناً للفجر فالناس يسمون أذان آخر الليل بأنه الأذان الأول لصلاة الفجر والحقيقة أنه ليس لصلاة الفجر لأن النبي ? قال: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم) أي لأجل النائم يقوم ويتسحر والقائم يرجع ويتسحر. وقال النبي ? أيضاً لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد طلوع الفجر.
إذن الأذان الذي قبل طلوع الفجر ليس أذاناً للفجر. وعليه فعمل الناس اليوم وقولهم (الصلاة خير من النوم) في الأذان الذي للفجر هذا هو الصواب. وأما من توهم بأن المراد هو الأذان الأول في الحديث هو الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس له حظ من النظر] دروس وفتاوى في الحرم المكي ص ١١٣-١١٤. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله جواباً على سؤال نصه: [ما المانع من الإتيان بسنة المصطفى ? في التثويب في الأذان الأول للفجر كما جاء في سنن النسائي وابن خزيمة والبيهقي؟ الجواب: نعم ينبغي الإتيان بالتثويب في الأذان الأول للفجر امتثالاً لأمر النبي ? وواضح من الحديث أنه الأذان الذي يكون عند طلوع الفجر الصادق وسمي أولاً بالنسبة للإقامة فإنها أذان شرعاً كما في حديث (بين كل أذانين صلاة) وليس المراد بالأذان الأول ما ينادى به قبل ظهور الفجر الصادق فإنه شرع ليلاً ليستيقظ النائم وليرجع القائم وليس أذاناً للإعلام بالفجر ومن تدبر أحاديث التثويب لم يفهم منها إلا أن التثويب في أذان الإعلام بوقت الفجر لا الأذان الذي يكون ليلاً قبيل الفجر] . فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٦/٦١. واختارت لجنة الموسوعة الفقهية الكويتية هذا الرأي أيضاً فقالت: [اللجنة ترى أن المعمول به الآن من تخصيص الأذان الثاني للفجر بالتثويب أقوى لما فيه من تتابع عمل المسلمين وهو مرجح] الموسوعة الفقهية ١٠/١٥٠. وقد ذهب الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني يرحمه الله إلى أن التثويب يكون في الأذان الأول للصبح الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة وذكر الأدلة على ما ذهب إليه وهو اجتهاد له حظ من النظر والأثر إلا أنه قول مرجوح كما أنني أخالفه فيما قاله بعد ذلك: [ومما سبق يتبين أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة مخالفة للسنة] انظر تمام المنة ص ١٤٦- ١٤٨. أقول ما ذهب إليه القائلون بأن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ليس بدعة وليس مخالفاً للسنة النبوية لأن المسألة اجتهادية وليس فيها نص صريح عن النبي ? حتى يقال: إن قولهم بدعة مخالف للسنة النبوية كما قال الشيخ الألباني. بل إن الإمام النووي يرى أن الظاهر أن التثويب يشرع في كل أذان للصبح سواء ما قبل الفجر وبعده، أي في الأذانين. المجموع ٣/٩٢. ويرى نحو ذلك بعض الشافعية والحنابلة. انظر غاية المرام شرح مغني ذوي الإفهام ٣/١٠٨-١٠٩.
وكذلك فإن القول بأن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ليس فيه مخالفة للسنة لأنه لم يثبت عن النبي ? نص صريح في محل التثويب وإنما المسألة محل بحث واجتهاد وفي مثل هذه المسألة لا يقال إنه مخالف للسنة وخاصة أن من كبار العلماء من أهل الحديث والفقه قالوا بذلك الرأي كالعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز والعلامة محمد صالح العثيمين والعلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي من المعاصرين وغيرهم. يقول العلامة عبد العزيز بن باز يرحمه الله: [الأفضل أن يقال ذلك في الأذان الأخير الذي هو الثاني: الذي يقال بعد طلوع الفجر كما جاء في حديث عائشة أن المؤذن كان يقوله فإذا فرغ المؤذن قام النبي ? لصلاة الفجر ثم أدى سنة الفجر ثم خرج للناس فهذا يقال في الأذان الأخير لأنه هو محل الإيقاظ الواجب أما الأول فهو للتنبيه لإنهاء التهجد وإيقاظ النائم وصلاة الوتر ونحو ذلك] مجلة الدعوة العدد١٥٤٧ بتاريخ ١١/٢/١٤١٧ هـ. وخلاصة الأمر أن عبارة الصلاة خير من النوم تقال في أذان الفجر الذي يكون عند دخول وقت صلاة الفجر ولا تقال في الأذان الذي يسبق الوقت.
стр. 198
١٢٠ - الأذان
يقول السائل: إنه مؤذن مسجد وعندما يؤذن للفجر كان يقول في أذانه الصلاة خير من النوم مرتين ثم قال له بعض المصلين إن الصواب أن تقال عبارة الصلاة خير من النوم في الأذان الأول الذي يسبق أذان صلاة الفجر فما قولكم في ذلك؟
الجواب: قول المؤذن في أذان صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين يسمى التثويب على قول جماعة من أهل العلم، قال الإمام الترمذي: [وقد اختلف أهل العلم في تفسير التثويب، قال بعضهم: التثويب أن يقول في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وهو قول ابن المبارك وأحمد] ثم ذكر الترمذي قولاً آخر ثم قال: [والذي فسر ابن المبارك وأحمد أن التثويب أن يقول المؤذن في أذان الفجر الصلاة خير من النوم وهو قول صحيح ويقال له التثويب أيضاً وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١/٥٠٦-٥٠٧. والتثويب سنة مشروعة عند جمهور أهل العلم وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأنس ﵃ والحسن البصري ومحمد بن سيرين والزهري ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والشافعي في الصحيح عنه وكثير من أهل العلم. انظر المجموع ٣/٩٤ المغني ١/٢٩٦ نيل الأوطار ٢/٤٣. وقد ورد إثبات مشروعية التثويب المذكور في عدة أحاديث منها: عن أبي محذورة ? قال: (كنت أؤذن لرسول الله ﷺ وكنت أقول في أذان الفجر الأول حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) رواه النسائي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ١/١٤٠. وفي رواية عند أبي داود: (عن أبي محذورة عن النبي ﷺ ، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٠. وفي رواية أخرى عند أبي داود عن أبي محذورة قال: (قلت يا رسول الله علمني سنة الأذان قال: فمسح مقدم رأسي وقال: تقول الله أكبر ... إلى أن قال: فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) وهي رواية صحيحة كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠٠. وفي رواية أخرى عند أبي داود أيضاً عن أبي محذورة قال: (قال ألقى عليَّ رسول الله ﷺ الأذان حرفاً حرفاً) وفي آخر الحديث: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/١٠١. وعن انس ? قال: (من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم) رواه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١/٢٠١. وعن سعيد بن المسيب عن بلال ? أنه أتى النبي ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم فقال: (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، فأقرت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك) رواه ابن ماجة. وقال في الزوائد: إسناده ثقات إلا أن فيه انقطاعاً سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال. سنن ابن ماجة ١/٢٣٧، ونحوه قال الحافظ ابن حجر وذكر له طرقاً أخرى التلخيص الحبير ١/٢٠١. إذا ثبت أن التثويب مشروع في أذان الفجر فإن الراجح من أقوال العلماء أن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة وليس محله الأذان الذي يكون قبل دخول وقت الفجر كما قال بعض أهل العلم وليس محله في الأذانين كما قال آخرون من أهل العلم. والذي يرجح أن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ما ورد في حديث أبي محذورة: [فإن كان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم) ، وفي الرواية الأخرى: (وكان يقول في الفجر الصلاة خير من النوم) . وما ورد عن أنس أنه قال: (من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم) . فالمقصود بهذه الروايات هو أذان صلاة الفجر وليس الأذان الذي يكون قبل ذلك لأن ذلك الأذان لا يسمى أذان الفجر أو أذان الصبح لأن صلاة الفجر لا يدخل وقتها به وإنما يدخل وقتها بأذان الفجر ويدل على ذلك ما ورد في الحديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم) رواه البخاري ومسلم. وأما ما ورد في رواية حديث أبي محذورة وفيها: (في أذان الفجر الأول) وفي الرواية الأخرى: (الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح) فالمراد بذلك أيضاً هو أذان الفجر أي أذان الصلاة لأنه هو المقصود بالأذان الأول وأما الأذان الثاني فهو الإقامة لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (بين كل أذانين صلاة) فالأذان الأول هو أذان الصلاة والأذان الثاني هو الإقامة. قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله: [كلمة (الصلاة خير من النوم) في الأذان الأول كما جاء في الحديث: فإذا أذنت أذان الصبح الأول فقل (الصلاة خير من النوم) فهي في الأذان الأول لا الثاني ولكن يجب أن تعلم ما هو الأذان الأول في هذا الحديث؟ هو الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت والأذان الثاني هو الإقامة لأن الإقامة تسمى أذاناً قال النبي ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) والمراد الأذان والإقامة. وفي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان زاد الأذان الثالث في الجمعة، إذن الأول الذي أمر فيه بلالاً أن يقول: (الصلاة خير من النوم) هو الأذان لصلاة الفجر.
أما الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس أذاناً للفجر فالناس يسمون أذان آخر الليل بأنه الأذان الأول لصلاة الفجر والحقيقة أنه ليس لصلاة الفجر لأن النبي ﷺ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم) أي لأجل النائم يقوم ويتسحر والقائم يرجع ويتسحر. وقال النبي ﷺ أيضاً لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد طلوع الفجر. إذن الأذان الذي قبل طلوع الفجر ليس أذاناً للفجر. وعليه فعمل الناس اليوم وقولهم (الصلاة خير من النوم) في الأذان الذي للفجر هذا هو الصواب. وأما من توهم بأن المراد هو الأذان الأول في الحديث هو الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس له حظ من النظر] دروس وفتاوى في الحرم المكي ص ١١٣-١١٤. وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية برئاسة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله جواباً على سؤال نصه: [ما المانع من الإتيان بسنة المصطفى ﷺ في التثويب في الأذان الأول للفجر كما جاء في سنن النسائي وابن خزيمة والبيهقي؟
الجواب: نعم ينبغي الإتيان بالتثويب في الأذان الأول للفجر امتثالاً لأمر النبي ﷺ وواضح من الحديث أنه الأذان الذي يكون عند طلوع الفجر الصادق وسمي أولاً بالنسبة للإقامة فإنها أذان شرعاً كما في حديث (بين كل أذانين صلاة) وليس المراد بالأذان الأول ما ينادى به قبل ظهور الفجر الصادق فإنه شرع ليلاً ليستيقظ النائم وليرجع القائم وليس أذاناً للإعلام بالفجر ومن تدبر أحاديث التثويب لم يفهم منها إلا أن التثويب في أذان الإعلام بوقت الفجر لا الأذان الذي يكون ليلاً قبيل الفجر] . فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٦/٦١. واختارت لجنة الموسوعة الفقهية الكويتية هذا الرأي أيضاً فقالت: [اللجنة ترى أن المعمول به الآن من تخصيص الأذان الثاني للفجر بالتثويب أقوى لما فيه من تتابع عمل المسلمين وهو مرجح] الموسوعة الفقهية ١٠/١٥٠. وقد ذهب الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني يرحمه الله إلى أن التثويب يكون في الأذان الأول للصبح الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة وذكر الأدلة على ما ذهب إليه وهو اجتهاد له حظ من النظر والأثر إلا أنه قول مرجوح كما أنني أخالفه فيما قاله بعد ذلك: [ومما سبق يتبين أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة مخالفة للسنة] انظر تمام المنة ص ١٤٦- ١٤٨. أقول ما ذهب إليه القائلون بأن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ليس بدعة وليس مخالفاً للسنة النبوية لأن المسألة اجتهادية وليس فيها نص صريح عن النبي ﷺ حتى يقال: إن قولهم بدعة مخالف للسنة النبوية كما قال الشيخ الألباني.
بل إن الإمام النووي يرى أن الظاهر أن التثويب يشرع في كل أذان للصبح سواء ما قبل الفجر وبعده، أي في الأذانين. المجموع ٣/٩٢. ويرى نحو ذلك بعض الشافعية والحنابلة. انظر غاية المرام شرح مغني ذوي الإفهام ٣/١٠٨-١٠٩. وكذلك فإن القول بأن التثويب يكون في أذان الفجر وهو أذان الصلاة ليس فيه مخالفة للسنة لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ نص صريح في محل التثويب وإنما المسألة محل بحث واجتهاد وفي مثل هذه المسألة لا يقال إنه مخالف للسنة وخاصة أن من كبار العلماء من أهل الحديث والفقه قالوا بذلك الرأي كالعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز والعلامة محمد صالح العثيمين والعلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي من المعاصرين وغيرهم.
يقول العلامة عبد العزيز بن باز يرحمه الله: [الأفضل أن يقال ذلك في الأذان الأخير الذي هو الثاني: الذي يقال بعد طلوع الفجر كما جاء في حديث عائشة أن المؤذن كان يقوله فإذا فرغ المؤذن قام النبي ﷺ لصلاة الفجر ثم أدى سنة الفجر ثم خرج للناس فهذا يقال في الأذان الأخير لأنه هو محل الإيقاظ الواجب أما الأول فهو للتنبيه لإنهاء التهجد وإيقاظ النائم وصلاة الوتر ونحو ذلك] مجلة الدعوة العدد١٥٤٧ بتاريخ ١١/٢/١٤١٧ هـ.
وخلاصة الأمر أن عبارة الصلاة خير من النوم تقال في أذان الفجر الذي يكون عند دخول وقت صلاة الفجر ولا تقال في الأذان الذي يسبق الوقت.
стр. 199
١٢١ - الأذان
حكم الخروج من المسجد بعد الأذان,
يقول السائل: ورد في الحديث أن أبا هريرة ?: (رأى رجلاً قد خرج من المسجد بعد الأذان فقال: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ فما معنى قول أبي هريرة بأن الرجل قد عصى النبي ﷺ بخروجه من المسجد بعد الأذان؟
الجواب: وردت عدة أحاديث عن النبي ﷺ في النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان منها ما ذكره السائل في سؤاله وهو ما رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي الشعثاء قال: (كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وجاء في رواية أخرى عند مسلم عن أبي الشعثاء قال: (سمعت أبا هريرة ورأى رجلاً يجتاز المسجد خارجاً بعد الأذان فقال: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وعن أبي هريرة ? قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق) رواه الطبراني في الأوسط وروايته محتج بها في الصحيح كما قال المنذري في الترغيب والترهيب ١/٢٦٠.
وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح. انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٢٢٤. وورد عن عثمان ? أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق) رواه ابن ماجة وقال الشيخ الألباني صحيح لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٢٢٤. وعن سعيد بن المسيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق إلا أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع) رواه أبو داود في مراسيله، وقال الشيخ الألباني: صحيح لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ١/٢٢٤. فهذه الاحاديث تدل على النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لحاجة وقد حمل بعض أهل العلم النهي في هذه الأحاديث على التحريم ويؤكد ذلك على حسب حملهم أن أبا هريرة اعتبر الخروج من المسجد بعد الأذان عصياناً لأبي القاسم ﷺ . قال القرطبي المحدث: [قول أبي هريرة في الخارج من المسجد: (أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم) محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله ﷺ بدليل ظاهر نسبته إليه في معرض الاحتجاج به وما كان يليق بواحد منهم للذي علم من دينهم وأمانتهم وضبطهم وبعدهم عن التدليس ومواقع الإيهام وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان فأطلق لفظ المعصية فإذا ثبت هذا استثمر منه أن من دخل المسجد لصلاة فرض فأذن مؤذن ذلك الوقت حرم عليها أن يخرج منه لغير ضرورة حتى يصلي فيه تلك الصلاة لأن ذلك المسجد تعين لتلك الصلاة أو لأنه إذا خرج قد يمنعه مانع من الرجوع إليه أو إلى غيره فتفوته الصلاة] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/٢٨١ ولكن أكثر أهل العلم يرون أن النهي في هذه الأحاديث محمول على الكراهة، قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب هل يخرج من المسجد لعلة] ثم روى بسنده عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال: على مكانكم فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه وقد اغتسل) .
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: [قوله باب هل يخرج من المسجد لعلة أي ضرورة وكأنه يشير إلى تخصيص ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق أبي الشعثاء عن أبي هريرة: (أنه رأى رجلاً خرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ فإن حديث الباب يدل على أن ذلك مخصوص بمن ليس له ضرورة. فيلحق بالجنب المحدث والراعف والحاقن ونحوهم وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر ومن في معناه] فتح الباري ٢/٢٦١. وقال الإمام الترمذي بعد أن ذكر حديث أبي هريرة: [وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه. ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، قال أبو عيسى - الترمذي -: وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ١/٥١٨. وقال الإمام النووي: [يكره الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي إلا لعذر لحديث أبي الشعثاء قال: (كنا قعوداً مع أبي هريرة ? في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي ... ) ] المجموع ٢/١٧٩. وقال الإمام النووي في شرح حديث أبي هريرة: [فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٩٠. وذهب إلى القول بكراهة الخروج من المسجد بعد الأذان الحنفية والمالكية والشافعية. وقال مالك: بلغني أن رجلاً قدم حاجاً وأنه جلس إلى سعيد بن المسيب وقد أذن المؤذن وأراد أن يخرج من المسجد واستبطأ الصلاة فقال له سعيد: لا تخرج فإنه بلغني أنه من خرج بعد الأذان خروجاً لا يرجع إليه أصابه أمر سوء. قال: فقعد الرجل ثم إنه استبطأ الإقامة فقال: ما أراه إلا قد حبسني فخرج فركب راحلته فصرع فكسر فبلغ ذلك ابن المسيب فقال: قد ظننت أنه سيصيبه ما يكره قال ابن رشد: قول ابن المسيب بلغني معناه عن النبي ﷺ إذ لا يقال مثله بالرأي وهي عقوبة معجلة لمن خرج بعد الأذان من المسجد على أنه لا يعود إليه لإيثاره تعجيل حوائج دنياه على الصلاة التي أذن لها وحضر وقتها.
قال أبو عمر بن عبد البر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل وكان على طهارة وكذا إن كان قد صلى وحده إلا ما لا يعاد من الصلوات فلا يحل الخروج من المسجد بإجماع إلا أن يخرج للوضوء وينوي الرجوع. أهـ ملخصاً ومن الأعذار المبيحة أيضاً الخروج من المسجد بعد الأذان ما أحدث أهل زماننا في المساجد من البدع كرفع الصوت بقراءة قرآن أو ذكر لأنه يشوش على المتعبدين وكالتبليغ لغير حاجة إليه ... ويدل لذلك ما يأتي للمصنف في باب التثويب عن مجاهد قال كنت مع عبد الله بن عمر ﵄ فثوب رجل أي قال الصلاة خير من النوم في الظهر أو العصر فقال ابن عمر لمجاهد: اخرج بنا فإن هذه بدعة] المنهل العذب المورود ٤/٢١٨-٢١٩.
стр. 200
١٢٢ - الأذان
يقول السائل: إنه سمع الأذان على إحدى المحطات التلفزيونية الفضائية وسمع عبارة: [حي على خير العمل] فما حكم ذكر هذه العبارة في الأذان؟
الجواب: ألفاظ الأذان محفوظة ومعروفة عن رسول الله ﷺ وقد ثبتت هذه الألفاظ في عدد من الأحاديث منها ما جاء في حديث عبد الله بن زيد ? قال: (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك، فقلت له بلى، قال: فقال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. قال ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال وتقول إذا أقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى فقال رسول الله ﷺ فلله الحمد) رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حسن صحيح واللفظ لأبي داود، وقال الشيخ الألباني حسن صحيح. صحيح سنن أبي داود ١/٩٨-٩٩.
وعن أبي محذورة قال لما خرج رسول الله ﷺ من حنين خرجت عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم فقال رسول الله ﷺ قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت فأرسل إلينا فأذنا رجل رجل وكنت آخرهم فقال حين أذنت تعال فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي وبرك علي ثلاث مرات ثم قال اذهب فأذن عند البيت الحرام قلت كيف يا رسول الله فعلمني كما تؤذنون الآن بها الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله أهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح قال وعلمني الإقامة مرتين الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن النسائي ١/ ١٣٦-١٣٧. وغير ذلك من الأحاديث. هذه هي ألفاظ الأذان المحفوظة عن النبي ﷺ . إذا تقرر هذا فإن زيادة [حي على خير العمل] ليست من ألفاظ الأذان وإنما هي من زيادة الشيعة على ألفاظ الأذان وليس لهم مستند صحيح يعتمد عليه وقد عقد الإمام البيهقي فصلاً في سننه بعنوان: [باب ما روي في حي على خير العمل] . وذكر فيه بعض الآثار عن ابن عمر وعلي بن الحسين وبلال ﵃ فيها عبارة (حي على خير العمل) ثم قال الإمام البيهقي: [وهذه اللفظة لم تثبت عن النبي ﷺ فيما علَّم بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه] سنن البيهقي ١/٤٢٤-٤٢٥. وذكر ابن حزم أن هذه الجملة لم تصح عن النبي ﷺ . المحلى ٢/١٩٤. وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية. مجموع الفتاوى ٢٣/١٠٣.
وقال الإمام النووي: [يكره أن يقال في الأذان حي على خير العمل لأنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ وروى البيهقي فيه شيئاً موقوفاً على ابن عمر وعلي بن الحسين ﵃ قال البيهقي: لم تثبت هذه اللفظة عن النبي ﷺ فنحن نكره الزيادة في الأذان والله أعلم] المجموع ٣/٩٨. وقال الشوكاني في أثناء شرحه لحديث عبد الله بن زيد المتقدم ما نصه: [والحديث ليس فيه ذكر حي على خير العمل وقد ذهبت العترة إلى إثباته وأنه بعد قول المؤذن حي على الفلاح قالوا: يقول مرتين حي على خير العمل ونسبه المهدي في البحر إلى أحد قولي الشافعي وهو خلاف ما في كتب الشافعية فإنا لم نجد في شيء منها هذه المقالة بل خلاف ما في كتب أهل البيت، قال في الانتصار: إن الفقهاء الأربعة لا يختلفون في ذلك، يعني في أن حي على خير العمل ليس من ألفاظ الأذان وقد أنكر هذه الرواية الإمام عز الدين في شرح البحر وغيره ممن له اطلاع على كتب الشافعية. احتج القائلون بذلك بما في كتب أهل البيت كأمالي أحمد بن عيسى والتجريد والأحكام وجامع آل محمد من إثبات ذلك مسنداً إلى رسول الله ﷺ . قال في الأحكام: وقد صح لنا أن حي على خير العمل كانت على عهد رسول الله ﷺ يؤذن بها ولم تطرح إلا في زمن عمر. وهكذا قال الحسن بن يحيى روى ذلك عنه في جامع آل محمد وبما أخرج البيهقي في سننه الكبرى بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر أنه كان يؤذن بحي على خير العمل أحياناً. وروى فيها عن علي بن الحسين أنه قال: هو الأذان الأول وروى المحب الطبري في أحكامه عن زيد بن أرقم أنه أذن بذلك، قال المحب الطبري: رواه ابن حزم ورواه سعيد بن منصور في سننه عن أبي أمامة بن سهل البدري ولم يرو ذلك من طريق غير أهل البيت مرفوعاً. وقول بعضهم: وقد صحح ابن حزم والبيهقي والمحب الطبري وسعيد بن منصور ثبوت ذلك عن علي بن الحسين وابن عمر وأبي أمامة بن سهل موقوفاً ومرفوعاً ليس بصحيح اللهم إلا أن يريد بقوله مرفوعاً قول علي بن الحسين هو الأذان الأول ولم يثبت عن ابن عمر وأبي أمامة الرفع في شيء من كتب الحديث.
وأجاب الجمهور عن أدلة إثباته بأن الأحاديث الواردة بذكر ألفاظ الأذان في الصحيحين وغيرهما من دواوين الحديث ليس في شيء منها ما يدل على ثبوت ذلك، قالوا: وإذا صح ما روي من أنه الأذان الأول فهو منسوخ بأحاديث الأذان لعدم ذكره فيها وقد أورد البيهقي حديثاً في نسخ ذلك ولكنه من طريق لا يثبت النسخ بمثلها] نيل الأوطار ٢/٤٣-٤٤. وقال الشوكاني أيضاً معلقاً على قول صاحب حدائق الأزهار [حي على خير العمل] قال الشوكاني: [أقول هذا اللفظ قد صار من المراكز العظيمة عند غالب الشيعة ولكن الحكم بين المختلفين من العباد هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فما جاءنا فيهما فسمعاً وطاعة وما لم يكن فيهما فإن وضح فيه وجه قياس بمسلك من المسالك المقبولة التي لا ترفع ولا تنقض كالنص على العلة أو دلالة الدليل على ثبوت الحكم في المسكوت عنه بفحوى الخطاب كان للمتمسك بذلك أن يقول به على ما فيه من خلاف وهكذا إذا صح الإجماع على حكم ولكن دون تصحيح الإجماع مفاوز متلوية وطرائق متشعبة وعقاب شامخة كما أوضحنا ذلك في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. وإذا كان اختلاف المختلفين في حكم ثابت من السنة فالمرجع دواوينها التي وضعها علماء الرواية وهي الأمهات وما يلتحق بها من المسانيد ونحوها ولم يثبت رفع هذا اللفظ إلى رسول الله ﷺ في شيء من كتب الحديث على اختلاف أنواعها وغاية ما يروى في ذلك ما أخرجه الطبراني والبيهقي عن بلال أنه كان يؤذن للصبح فيقول: حي على خير العمل، فأمره رسول الله ﷺ أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم وترك حي على خير العمل، وفي إسناده عبد الرحمن بن عمار بن سعد وهو ضعيف، وقد قال البيهقي بعد إخراجه: هذا اللفظ لم يثبت فيما علم النبي ﷺ بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزبادة فيه، انتهى. ومع هذا ففي هذا التصريح بأن النبي ﷺ أمر بلالاً أن يترك ذلك فلو قدرنا ثبوته لكان منسوخاً] السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ١/٢٠٥.
وأجابت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز حول زيادة هذه الجملة في الأذان بقولها: [الأذان عبادة من العبادات والأصل في العبادات التوقيف وأنه لا يقال: إن هذا العمل مشروع إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع والقول بأن هذه العبادة مشروعة بغير دليل شرعي قول على الله بغير علم فقد قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وقال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) وقال النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) إذا علم ذلك فالأذان الشرعي الثابت عن رسول الله ﷺ هو خمس عشرة جملة هي: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) هذا هو الثابت أن رسول الله ﷺ أمر بلالاً أن يؤذن به كما ذكر ذلك أهل السنن والمسانيد إلا في أذان الصبح فإنه ثبت أن مؤذن النبي ﷺ كان يزيد فيه بعد الحيعلة (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) واتفق الأئمة الأربعة على مشروعية ذلك لأن إقرار الرسول ﷺ لهذه الكلمة من بلال يدل على مشروعية الإتيان بها وأما قول المؤذن في أذان الصبح حي على خير العمل فليس بثابت ولا عمل عليه عند أهل السنة وهذا من مبتدعات الرافضة فمن فعله ينكر عليه بقدر ما يكفي للامتناع عن الإتيان بهذه الزيادة في الأذان] فتاوى اللجنة الدائمة ٦/٩٤. وخلاصة الأمر أن ذكر عبارة [حي على خير العمل] في الأذان بدعة لا يجوز أن تكون من ضمن ألفاظ الأذان.
стр. 201
١٢٣ - الأذان
يقول السائل: إنه يصلي أحياناً منفرداً في بيته بدون إقامة للصلاة فما حكم صلاته؟
الجواب: الإقامة من السنن المؤكدة الثابتة عن رسول الله ﷺ وهي مشروعة في صلاة الجماعة ولمن صلى منفرداً من الرجال دون النساء فليس على النساء أذان ولا إقامة. فقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) متفق عليه. وعن عقبة بن عامر ? قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: يَعْجَبُ ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل يؤذن ويصلي فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن أبي داود ١/٢٢٣. وإذا صلى المنفرد بدون إقامة فصلاته صحيحة ولا شيء عليه، قال الإمام النووي: [فرع في مذاهب العلماء في الأذان والإقامة: مذهبنا المشهور أنهما سنة لكل الصلوات في الحضر والسفر للجماعة والمنفرد لا يجبان بحال فإن تركهما صحت صلاة المنفرد والجماعة وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهويه ونقله السرخسي عن جمهور العلماء] المجموع ٣/٨٢. وقال الخرقي الحنبلي: [ومن صلى بلا أذان ولا إقامة كرهنا له ذلك ولا يعيد] وذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي في شرحه لكلام الخرقي أنه لا يعرف مخالف في ذلك إلا عطاء ثم قال: [والصحيح قول الجمهور لما ذكرنا ولأن الإقامة أحد الأذانين فلم تفسد الصلاة بتركها كالأخر) المغني ١/٣٠٢-٣٠٣. ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن إبراهيم النخعي عن الأسود وعلقمة قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره فقال: أصلى هؤلاء خلفكم. فقلنا: لا. قال: فقوموا فصلوا فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة ... ] رواه مسلم. وخلاصة الأمر أن من صلى منفرداً بدون إقامة فصلاته صحيحة ولكن الأولى والأفضل أن يقيم الصلاة خروجاً من خلاف من أوجبها من أهل العلم.
стр. 202
١٢٤ - المحافظة على الصلاة
يقول السائل: ما قولكم في ظاهرة السهر التي يعاني منها كثير من الناس حيث إنهم يسهرون إلى ساعة متأخرة من الليل ثم ينامون وتضيع عليهم صلاة الفجر فلا يصلونها في وقتها الشرعي؟
الجواب: إن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة الوقت أو الزمن، يقول الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَءَاتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) سورة إبراهيم الآيات ٣٢-٣٤. وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) سورة النحل الآية ١٢.
وقد اعتنى الإسلام عناية فائقة بالوقت وحث المسلم على تنظيم وقته فكثير من الأحكام الشرعية مرتبطة بالوقت ارتباطاً وثيقاً قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀: [وقد رسم الشرع الحنيف: التوقيت في تكاليف كثيرة غير الصلاة، فوقت في أحكام الحج والزكاة والصوم وزكاة الفطر والأضحية والسفر والتيمم والمسح على الخفين، والرضاع والطلاق والعدة والرجعة والنفقة والدين والرهن والضيافة والعقيقة والحيض والنفاس وغيرها. وما ذلك إلا لمعنى هام رتب الشرع التوقيت عليه ولحظ المصلحة والنفع به. وقد غفل كثير من المسلمين اليوم عن هذا التوجيه الإسلامي الدقيق لهم من جانب الشرع الأغر، فجعلوا يأخذون ويتعلمون أهمية ربط الأعمال بالتوقيت المناسب، من غيرهم! وكأنهم لم يمرنوا أو يربوا على ذلك من أول يوم كلفوا فيه بأحكام الشريعة الغراء وفي أولها الصلاة. فيجب على المسلم أن ينتبه إلى الوقت في حياته وإلى تنفيذ كل عمل من أعماله في توقيته المناسب، فالوقت من حيث هو معيار زمني: من أغلى ما وهب الله تعالى للإنسان وهو في حياة العالم وطالب العلم رأس المال والربح جميعاً فلا يسوغ للعاقل أن يضيعه سى، ويعيش فيه هملاً سبهللاً ومن أجل هذا دونت هذه الصفحات حافزاً لنفسي ولأبناء جنسي رجاء الانتفاع بما فيها من أخبار آبائنا وسلفنا الماضين والله ولي التوفيق] قيمة الزمن عند العلماء ص١٠-١١. وعلى الرغم من عظم نعمة الوقت وأهميتها في حياة المسلم إلا أن أكثر المسلمين عنها غافلون وصدق رسول الله ﷺ عندما قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) رواه البخاري. فقول النبي ﷺ : (مغبون فيهما كثير من الناس) يدل على أن المنتفعين من أوقاتهم وصحتهم قلة قليلة. ويجب على المسلم ان يستفيد من وقته وينتفع به، قال العلامة الشيخ القرضاوي: [وأول واجب على الإنسان المسلم نحو وقته أن يحافظ عليه كما يحافظ على ماله بل أكثر منه، وأن يحرص على الاستفادة من وقته كله، فيما ينفعه في دينه ودنياه، وما يعود على أمته بالخير والسعادة والنماء الروحي والمادي. وقد كان السلف ﵃ أحرص ما يكونون على أوقاتهم، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها. يقول الحسن البصري: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم! ومن هنا كان حرصهم البالغ على عمارة أوقاتهم بالعمل الدائب والحذر أن يضيع شيء منه في غير جدوى، يقول عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما! وكانوا يقولون: من علامة المقت إضاعة الوقت. ويقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك. وكانوا يحاولون دائماً الترقي من حال إلى حال أحسن منها، بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه وغده أفضل من يومه ويقول في هذا قائلهم: من كان يومه كأمسه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون! وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمان وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح أو مجاهدة للنفس أو إسداء نفع إلى الغير حتى لا تتسرب الأعمار سدى وتضيع هباء وتذهب جفاء وهم لا يشعرون. وكانوا يعتبرون من كفران النعمة ومن العقوق للزمن: أن يمضي يوم لا يستفيدون منه لأنفسهم ولا للحياة من حولهم نمواً في المعرفة ونموا في الإيمان ونمواً في عمل الصالحات. يقول ابن مسعود ?: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي! وقال آخر: كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علماً يقربني من الله فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم] الوقت في حياة المسلم ص١٢-١٣. وبعد هذا الكلام الموجز في بيان أهمية الوقت في حياة المسلم أعود إلى إجابة السؤال فأقول بأنه قد صح في الحديث عن أبي برزة الأسلمي ? أن النبي ﷺ : (كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: (كان النبي ﷺ لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها) . ورواه الترمذي بلفظ: (كان النبي ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها) وقال الترمذي بعد رواية الحديث السابق: [وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها ورخص في ذلك بعضهم] سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١/٤٣٥. ورود في الحديث عن عائشة ? قالت: (ما نام رسول الله قبل العشاء ولا سمر بعدها) رواه ابن ماجة وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن ابن ماجة ١/١١٧. وعن عبد الله بن مسعود ? قال: (جدب لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء يعني زجرنا) رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١/١١٧، وانظر السلسلة الصحيحة ٥/٥٦٢. قال الإمام النووي: [وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو وفي وقتها المختار أو الأفضل ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا. قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها. أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك، فكل هذا لا كراهة فيه وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه والباقي في معناه] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٨٢. وقال الإمام النووي أيضاً: [ويكره لمن صلى العشاء الآخرة أن يتحدث بالحديث المباح في غير هذا الوقت وأعني بالمباح الذي استوى فعله وتركه فأما الحديث المحرم في غير هذا الوقت أو المكروه فهو في هذا الوقت أشد تحريماً وكراهة وأما الحديث في الخير كمذاكرة العلم وحكايات الصالحين ومكارم الأخلاق والحديث مع الضيف فلا كراهة فيه بل هو مستحب وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة به وكذلك الحديث للعذر والأمور العارضة لا بأس به وقد اشتهرت الأحاديث بكل ما ذكرته] الأذكار ص ٣٢١. ثم ذكر الإمام النووي طائفة من الأحاديث التي تدل على جواز السمر في الأمور النافعة وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه ليدل على جواز ذلك بقوله: [باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء] . ثم ذكر حديث أنس ? قال: (نظرنا النبي ﷺ ذات ليلة حتى كان شطر الليل يبلغه فجاء فصلى لنا ثم خطبنا فقال: ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة؟ قال الحسن: وإن القوم لا يزالون بخير ما انتظروا الخير. قال قرة: هو من حديث أنس عن النبي صى الله عليه وسلم) صحيح البخاري مع الفتح ٢/٢١٣-٢١٤. ثم ذكر البخاري حديثاً آخر. ثم ترجم في الباب الذي بعده بقوله: [باب السمر مع الأهل والضيف] ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في قصة أصحاب الصفة. المصدر السابق ٢/٢١٥-٢١٦.
وخلاصة الأمر أن السهر بعد صلاة العشاء مكروه بشكل عام إلا إذا كان في الأمور النافعة كما سبق. وأما السهر في الأمور التافهة كالسهر لمتابعة الأفلام والتمثيليات الساقطة وفي غيرها من الأمور المنكرة فهو محرم. كما أن السهر الذي يؤدي إلى ضياع صلاة الفجر محرم لأن ما أدى إلى الحرام فهو حرام. وإذا حصل أن بعض الناس لا يستطيع أن ينام مبكراً ولا بد له من السهر فعليه أن ينتفع بوقته في الأمور النافعة كما ويجب عليه ان يأخذ بالأسباب التي تعينه على أداء صلاة الفجر في وقتها الشرعي.
стр. 203
١٢٥ - الصلاة الوسطى
يقول السائل: إنه سمع أحد العلماء على إحدى القنوات الفضائية يذكر أن الصلاة الوسطى المذكورة في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) أنها صلاة الجمعة لما لها من فضائل وأن المسلم يتهيأ لها ويتطيب ويلبس أجمل ثيابه ونحو ذلك فما قولكم فيما قال؟
الجواب: لقد أمر الله بالمحافظة على الصلوات جميعاً والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه فينبغي للمسلم أن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها بجميع أركانها وشروطها وسننها وآدابها وخص الصلاة الوسطى بالذكر لأهميتها وفضلها والوسطى تأنيث الأوسط ووسط الشيء خيره وأعدله. انظر تفسير القرطبي ٣/٢٠٨-٢٠٩. وقد اختلف أهل العلم على أقوال عديدة في المراد بالصلاة الوسطى المذكورة في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) سورة البقرة الآية ٢٣٨. وأرجح الأقوال وأصحها أنها صلاة العصر ويدل على هذا ما يلي: عن علي ? أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: (حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله قبورهم وبيوتهم أو أجوافهم ناراً) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم عن علي ? قال: (لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) . وفي رواية أخرى لمسلم: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً ثم صلاها بين العشائين بين المغرب والعشاء) . وعن عبد الله بن مسعود ? قال: (حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول الله: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً أو قال: حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً) رواه مسلم. وروى الترمذي بإسناده عن عبد الله بن مسعود ? قال: (قال رسول الله ﷺ صلاة الوسطى صلاة العصر) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى الترمذي أيضاً عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: (صلاة الوسطى صلاة العصر) . وقال الترمذي: [وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعائشة وحفصة وأبي هريرة وأبي هاشم بن عتبة، قال أبو عيسى - الترمذي - قال محمد - هو البخاري - قال علي بن عبد الله حديث الحسن عن سمرة بن جندب حديث صحيح وقد سمع منه. وقال أبو عيسى الترمذي: (حديث سمرة في صلاة الوسطى حديث حسن وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم) سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١/٤٥٦. وعن علي ? قال كنا نراها الفجر فقال رسول الله ﷺ هي صلاة العصر يعني صلاة الوسطى. رواه أحمد وسنه جيد. الفتح الرباني ٢/٢٦١. وعن عبيدة السلماني قال كنا نرى أن صلاة الوسطى صلاة الصبح قال فحدثنا علي ? أنهم يوم الأحزاب اقتتلوا وحبسونا عن صلاة العصر فقال النبي ﷺ اللهم املأ قبورهم نارا أو املأ بطونهم نارا كما حبسونا عن صلاة الوسطى قال فعرفنا يومئذ أن صلاة الوسطى صلاة العصر. رواه أحمد وعن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها ما شاء الله أن نقرأها ثم نسخها الله فنزلت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) فقال رجل كان جالساً عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى والله أعلم. رواه مسلم. وغير ذلك من الأدلة. وقد اختار هذا القول جماعة من أهل العلم. قال الإمام النووي: [اختلف العلماء من الصحابة ﵃ فمن بعدهم في الصلاة الوسطى المذكورة في القرآن فقال جماعة: هي العصر ممن نقل هذا عنه علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبو أيوب وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبيدة السلماني والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم ﵃. قال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم ﵃. وقال الماوردي من أصحابنا: هذا مذهب الشافعي ﵀ لصحة الأحاديث فيه، قال وإنما نص على أنها الصبح لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر ومذهبه اتباع الحديث] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٦٨.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى في قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم منهم علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو أيوب وأبو سعيد وعبيدة السلماني والحسن والضحاك وأبو حنيفة وأصحابه] المغني ١/٢٧٤. وقال المرداوي: [قوله عن العصر وهي الوسطى هو المذهب نص عليه الإمام أحمد وقطع به الأصحاب ولا أعلم عنه خلافاً ولا فيه خلافاً] الإنصاف ١/٤٣٢. وقد عدد الحافظ ابن حجر أقوال العلماء في المسألة وأوصلها إلى عشرين قولاً وذكر القول الثالث أنها العصر فقال: [قول علي بن أبي طالب فقد روى الترمذي والنسائي من طريق زر بن حبيش قال: قلنا لعبيدة سل علياً عن الصلاة الوسطى فسأله فقال: كنا نرى أنها الصبح حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر.. انتهى، وهذه الرواية تدفع دعوى من زعم أن قوله صلاة العصر مدرج من تفسير بعض الرواة وهي نص في أن كونها العصر من كلام النبي ﷺ وأن شبهة من قال إنها الصبح قوية لكن كونها العصر هو المعتمد وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه، قال الترمذي هو قول أكثر علماء الصحابة. وقال الماوردي هو قول جمهور التابعين وقال ابن عبد البر هو قول أكثر أهل الأثر وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية ويؤيده أيضاً ما روى مسلم عن البراء بن عازب قال نزل حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخت فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فقال رجل فهي إذن صلاة العصر. فقال أخبرتك كيف نزلت] فتح الباري ٩/٢٦٢. ثم قال الحافظ: [وأقوى شبهة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديث البراء الذي ذكرته عند مسلم فإنه يشعر بأنها أبهمت بعدما عينت كذا قاله القرطبي قال: وصار إلى أنها أبهمت جماعة من العلماء المتأخرين قال وهو الصحيح لتعارض الأدلة وعسر الترجيح. - قال الحافظ -وفي دعوى أنها أبهمت ثم عينت من حديث البراء نظر بل فيه أنها عينت ثم وصفت ولهذا قال الرجل فهي إذن العصر ولم ينكر عليه البراء. نعم جواب البراء يشعر بالتوقف لما نظر فيه من الاحتمال وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث علي. ومن حجتهم أيضاً ما روى مسلم وأحمد من طريق أبي يونس عن عائشة أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً فلما بلغت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى قال فأملت علي وصلاة العصر قالت سمعتها من رسول الله ﷺ .
وروى مالك عن عمرو بن رافع قال: قال كنت أكتب مصحفاً لحفصة فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر.... ثم ذكر الحافظ عدة روايات لهذا الحديث ثم قال: فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة فتكون صلاة العصر غير الوسطى. وأجيب بأن حديث علي ومن وافقه أصح إسناداً وأصرح وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها وهي العصر فيحتمل أن تكون الواو زائدة ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر بغير واو أو هي عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات وبأن قوله والصلاة الوسطى والعصر لم يقرأ بها أحد ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولاً والعصر ثم نزلت ثانياً بدلها والصلاة الوسطى فجمع الراوي بينهما ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال فكيف يكون مقدماً على النص الصريح بأنها صلاة العصر؟ قال شيخ شيوخنا الحافظ صلاح الدين العلائي: حاصل أدلة من قال أنها غير العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع: أحدها تنصيص بعض الصحابة وهو معارض بمثله ممن قال منهم إنها العصر ويترجح قول العصر بالنص الصريح المرفوع وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره فتبقى حجة المرفوع قائمة. ثانيها معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحث على المواظبة على الصبح والعشاء ... وهو معارض بما هو أقوى منه وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر ... ثالثها ما جاء عن عائشة وحفصة من قراءة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر فإن العطف يقتضي المغايرة وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد وهو ممتنع وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلف فيه. سلمنا لكن لا يصلح معارضاً للمنصوص صريحا وأيضاً فليس العطف صريحاً في اقتضاء المغايرة لوروده في نسق الصفات كقوله تعالى: (الأول والآخر والظاهر والباطن) ] فتح الباري ٩/٢٦٣-٢٦٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [فقد ثبت بالنصوص الصحيحة عن النبي ﷺ أن الصلاة الوسطى هي العصر وهذا أمر لا يشك فيه من عرف الأحاديث المأثورة ولهذا اتفق على ذلك علماء الحديث وغيرهم وإن كان للصحابة والعلماء في ذلك مقالات متعددة فإنهم تكلموا بحسب اجتهادهم] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٣/١٠٦. وقد رجح هذا القول الإمام ابن دقيق العيد وقال هذا هو القول الصحيح في المسألة كما في إحكام الأحكام شرح عمدة الحكام ١/١٧١. وقال الشوكاني: [وهو المذهب الحق الذي يتعين المصير إليه ولا يرتاب في صحته من أنصف من نفسه واطرح التقليد والعصبية وجوًّد النظر إلى الأدلة] نيل الأوطار ١/٢٦٤. وخلاصة الأمر أن ما قاله الشيخ المذكور بأن الصلاة الوسطى هي الجمعة قول ضعيف ليس معه دليل كما أنه مخالف للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المسألة.
стр. 204
١٢٦ - صلاة الجماعة
متى يقوم المسبوق لإتمام صلاته,
يقول السائل: هل يقوم المسبوق في الصلاة لإتمام صلاته بعد تسليم إمامه التسليمتين أم بعد التسليمة الأولى، وما حكم صلاة المسبوق إذا قام بعد التسليمة الأولى ولم ينتظر التسليمة الثانية؟
الجواب: اتفق أكثر أهل العلم على أن التسليم فريضة من فرائض الصلاة وقد ثبتت الأحاديث بذلك ومنها عن علي ? أن النبي ﷺ قال: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريها التكبير وتحليلها التسليم) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم وصححه الترمذي والنووي وابن حجر والألباني، انظر إرواء الغليل ٢/٩. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يختم الصلاة بالتسليم) رواه مسلم. وعن سعد بن أبي وقاص ? قال: (كنت أرى النبي ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده) رواه مسلم. وبعد اتفاق جمهور أهل العلم على أن التسليم فرض اختلفوا هل المطلوب تسليمة واحدة أو تسليمتان؟ فذهب جمهور العلماء إلى أن التسليمة الأولى واجبة والثانية سنة، قال ابن المنذر: [أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة) المجموع ٣٢/٤٨٢. وقال الإمام النووي: [وأجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة] شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٣٦. وقال الداودي: [وأجمع العلماء على أن من سلم واحدة فقد تمت صلاته] المفهم ٢/٢٠٤. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والواجب تسليمة واحدة والثانية سنة، قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة] المغني ١/٣٩٦. ثم استدل الشيخ ابن قدامة لما قرره بقوله: [والصحيح: ما ذكرناه.
وليس نص أحمد بصريح بوجوب التسليمتين، إنما قال: التسليمتان أصح عن رسول الله ﷺ حديث ابن مسعود وغيره أذهب إليه، ويجوز أن يذهب إليه في المشروعية والاستحباب دون الإيجاب كما ذهب إلى ذلك غيره، وقد دل عليه قوله في رواية مهنا: أعجب إليَّ التسليمتان، ولأن عائشة وسلمة بن الأكوع وسهل بن سعد قد رووا: (أن النبي ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة) وكان المهاجرون يسلّمون تسليمة واحدة، ففيما ذكرناه جمع بين الأخبار وأقوال الصحابة ﵃ في أن يكون المشروع والمسنون تسليمتين والواجب واحدة. وقد دل على صحة هذا: الإجماع الذي حكاه ابن المنذر فلا معدل عنه، وفعل النبي ﷺ يُحملُ على المشروعية والسنة فإن أكثر أفعال النبي ﷺ في الصلاة مسنونة غير واجبة فلا يمتنع حمل فعله لهذه التسليمة على السنة عند قيام الدليل عليها والله أعلم. ولأن التسليمة الواحدة يخرج بها من الصلاة فلم يجب عليه شيء آخر فيها] المغني ١/٣٩٦-٣٩٧. إذا تقرر هذا فنعود إلى السؤال حيث إن صلاة المسبوق مرتبطة بصلاة الإمام في المتابعة فأقول: الأكمل في حق المسبوق أن لا يقوم إلى قضاء ما فاته من الصلاة إلا بعد أن يفرغ إمامه من التسليمتين لأن الإمام جعل ليؤتم به كما هو ثابت في الحديث والمسبوق يأتي بما فاته بعد انتهاء الإمام من الصلاة. فقد جاء في الحديث عن المغيرة بن شعبة ? قال: (تخلفت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فتبرز، وذكر وضوءه ثم عمد الناس وعبد الرحمن يصلي بهم فصلى مع الناس الركعة الأخيرة فلما سلّم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ يتم صلاته فلما قضاها أقبل عليهم فقال: قد أحسنتم وأصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها) متفق عليه. فيؤخذ من هذا الحديث أن المسبوق يقوم لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه والظاهر من الحديث أن النبي ﷺ قام لقضاء الركعة الفائتة بعد أن سلم الإمام التسليمتين وهذا مستحب. قال الحافظ ابن عبد البر: [ولم يختلف قول مالك أن المسبوق لا يقوم إلى القضاء حتى يفرغ الإمام من التسليمتين إذا كان ممن يسلم التسليمتين] الاستذكار ٤/٢٩٠. وأما إذا قام المسبوق لقضاء ما فاته من صلاته بعد فراغ إمامه من التسليمة الأولى ولم ينتظر التسليمة الثانية فصلاته صحيحة ولا شيء عليه لأن صلاة الإمام ينقضي الواجب فيها بالتسليمة الأولى والتسليمة الثانية سنة.
نقل الحافظ ابن عبد البر عن الليث بن سعد فقيه مصر أنه قال في المسبوق ببعض الصلاة: [لا أرى بأساً أن يقوم بعد التسليمة الأولى] الاستذكار ٤/٢٩١. وقال الإمام النووي: [اتفق أصحابنا على أنه يستحب للمسبوق أن لا يقوم ليأتي بما بقي عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين وممن صرح به البغوي والمتولي وآخرون ونص عليه الشافعي ﵀ في مختصر البويطي فقال ومن سبقه الإمام بشيء من الصلاة فلا يقوم لقضاء ما عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين. قال أصحابنا فإن قام بعد فراغه من قوله السلام عليكم في الأولى جاز لأنه خرج من الصلاة] المجموع ٣/٤٨٣. وقال الإمام النووي أيضاً: [إذا سلم الإمام التسليمة الأولى انقضت قدوة المأموم الموافق والمسبوق لخروجه من الصلاة] المجموع ٣/٣٨٤.
стр. 205
١٢٧ - القراءة في الصلاة
يقول السائل: إنه يصلي أحياناً في بيته فهل يجهر أم يسر في القراءة؟
الجواب: من الثابت عن النبي ﷺ أنه كان يجهر في صلاة الفجر وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء وهذا الجهر مشروع في حق الإمام. وأما المنفرد فالراجح من أقوال أهل العلم أنه يجهر وهذا قول المالكية والشافعية ورواية في مذهب الحنابلة. ومن العلماء من خيَّر المنفرد بين الجهر والإسرار وهذا قول الحنفية ورواية أخرى في مذهب الحنابلة. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [الجهر في مواضع الجهر والإسرار في مواضع الإسرار لا اختلاف في استحبابه والأصل فيه فعل النبي ﷺ وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السف فإن جهر في موضع الإسرار أو أسر في موضع الجهر ترك السنة وصحت صلاته ... وهذا الجهر مشروع للإمام ولا يشرع للمأموم بغير اختلاف وذلك لأن المأموم مأمور بالإنصات والاستماع له، بل قد منع من القراءة لأجل ذلك. وأما المنفرد فظاهر كلام أحمد أنه يخير، وكذلك من فاته بعض الصلاة فقام ليقضيه، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - أي للإمام أحمد -: رجل فاتته ركعة مع الإمام من المغرب أو العشاء فقام ليقضي أيجهر أو يخافت؟ قال: إن شاء جهر وإن شاء خافت ثم قال إنما الجهر للجماعة. وكذلك قال طاووس فيمن فاته بعض الصلاة وهو قول الأوزاعي ولا فرق بين القضاء والأداء] المغني ١/٤٠٧-٤٠٨. وقال الإمام النووي: [وأما المنفرد فيسن له الجهر عندنا وعند الجمهور، قال العبدري: هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال: جهر المنفرد وإسراره سواء. دليلنا أن المنفرد كالإمام في الحاجة إلى الجهر للتدبر فسن له الجهر كالإمام وأولى لأنه أكثر تدبراً لقراءته لعدم ارتباط غيره وقدرته على إطاقة القراءة ويجهر بها للتدبر كيف شاء] المجموع ٣/٣٨٩-٣٩٠. ويؤيد ذلك ما رواه مالك في الموطأ أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة أنه إذا سلَّم الإمام قام عبد الله بن عمر فقرأ لنفسه فيما يقضي وجهر] موطأ مالك ١/٩٠. ومع أن الحنفية خيَّروا المنفرد بين الإسرار والجهر إلا أن الجهر أفضل عندهم، قال الزيلعي: [... أي إن شاء جهر وهو أفضل ليكون الأداء على هيئة الجماعة] تبيين الحقائق ١/١٢٧.
стр. 206
١٢٨ - القراءة في الصلاة
يقول السائل: هل يقرأ المصلي في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية سورة بالإضافة إلى سورة الفاتحة؟
الجواب: إن الأصل في الصلاة هو اتباع الرسول ﷺ وأن نفعل مثلما فعل بغير زيادة ولا نقصان فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري. وقد اتفق أهل العلم على أن المصلي إذا كان إماماً أو منفرداً فإنه يقرأ في الركعتين الأوليين الفاتحة وسورة بعدها فقد ثبت في الحديث عن أبي قتادة ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا ويطول في الركعة الأولى مالا يطيل في الركعة الثانية وهكذا في العصر وهكذا في الصبح) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحياناً ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب) .
وقد بوب الإمام البخاري لحديث أبي قتادة ﵁ بقوله باب (يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [يعني بغير زيادة وسكت عن ثالثة المغرب رعاية للفظ الحديث مع أن حكمهما حكم الأخريين من الرباعية ...] فتح الباري ٢/٤٠٣. وبناءاً على هذه الأحاديث فإن المصلي يقتصر على قراءة الفاتحة فقط في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية وكذا الثالثة من الصلاة الثلاثية وهذا في معظم صلاته وهو مذهب جماعة كثيرة من أهل العلم. وإن قرأ المصلي في الثالثة والرابعة وكذا في ثالثة المغرب سورة مع الفاتحة فلا بأس ولكن دون أن يداوم على ذلك. فقد ثبت أن النبي ﷺ كان أحياناً يقرأ السورة في الثالثة والرابعة بعد الفاتحة كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية وفي الأخريين قدر نصف ذلك) رواه مسلم. فقول أبي سعيد ﵁: (وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية) يدل على أنه ﷺ كان يقرأ في الأخريين من الظهر بزيادة لى الفاتحة لأنها ليست إلا سبع آيات. انظر نيل الأوطار ٢/٢٥٤ والفتح الرباني ٣/٢٠٩. وقال الشيخ الألباني معلقاً على هذا الحديث: [وفي الحديث دليل على أن الزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين سنة وعليه جمع من الصحابة منهم أبو بكر الصديق ﵁ وهو قول الإمام الشافعي سواء ذلك في الظهر أو غيرها ...] صفة صلاة النبي ﷺ ص ٩٤.
قال الإمام الماوردي بعد أن ذكر أن في المسألة قولين للإمام الشافعي: [والقول الثاني إنها سنة في الأخريين كما كانت سنة في الأوليين وهو في الصحابة قول أبي هريرة وابن عمر ﵄ لرواية رفاعة بن رافع ﵁ أن الرسول ﷺ قال للرجل حين علمه الصلاة: (ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ به ثم اصنع ذلك في كل ركعة) الحاوي الكبير ٢/١٣٥. وذكر الإمام النووي أن القول الثاني للشافعي في سنية قراءة سورة مع الفاتحة في الأخريين هو نص الشافعي في الأم وقد صححه جماعة من فقهاء الشافعية. المجموع ٤/٣٨٦. *****
стр. 207
١٢٩ - القراءة في الصلاة
ما حكم تحريك اللسان أثناء القراءة في الصلاة غير الجهرية وما دليل ذلك؟
الجواب: إن القراءة في الصلاة وكذلك الأذكار المطلوبة في الصلاة كالتكبير والتسبيح ونحوهما لا بد فيها من التلفظ ولا يحسب منها شيء ولا تكون مجزئة حتى يحرك المصلي لسانه ويتلفظ بها وأقل ذلك أن يسمع المصلي نفسه قال الإمام النووي ﵀: [اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها واجبة كانت أو مستحبة لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له] الأذكار للنووي ص ١٠. وقال الإمام النووي أيضاً موضحاً معنى الإسرار في الصلاة وأقله: [وأدنى الإسرار أن يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض عنده من لغط وغيره وهذا عام في القراءة والتكبير والتسبيح في الركوع وغيره والتشهد والسلام والدعاء سواء واجبها ونفلها لا يحسب شيء منها حتى يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض فإن لم يكن كذلك رفع بحيث يسمع لو كان كذلك لا يجزيه غير ذلك هكذا نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب] المجموع ٣/٢٩٥. ويدل على ذلك أننا قد أُمرنا بقراءة القرآن في الصلاة كما قي قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ) وكما في قوله ﵊ في حديث المسيء صلاته: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) والقراءة لا تسمى قراءة حتى يتلفظ بها ويحرك اللسان وأقل ذلك أن يسمع الإنسان نفسه فإن لم يفعل ذلك فلا تسمى حينئذ قراءة وقد أجاز أهل العلم للجنب وللحائض وللنفساء تمرير القرآن على القلب دون قراءته هذا يدل على أنهما أمران مختلفان لأن قراءة الجنب والحائض والنفساء لا تجوز. *****
стр. 208
١٣٠ - من البدع في الصلاة
السؤال: أعطاني أحد طلبة العلم نشرات وزعت في بعض المساجد باسم نشرات فقهية وتضمنت إحداها كلاماً حول لفظ السيادة في الصلاة الإبراهيمية أي زيادة لفظ " سيدنا "، وطلب مني بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة؟
الجواب: قرأت هذه النشرة وغيرها مما وزع في بعض المساجد وقبل الجواب التفصيلي عن السؤال أقول: إن هذه النشرات غفل عن ذكر اسم الفقيه!!! الذي كتبها والفقه لا يؤخذ عن النكرات والمجاهيل، فلا بد من معرفة كاتب هذه النشرات لنعرف هل هو من أهل هذا الشأن أم لا؟ إن الفقه له أهله ورجاله وليس من أهله ولا رجاله طلبة العلم المبتدئون ولا الدراويش الذين لا يعرفون ألف باء الفقه، أما أن تسود الصفحات وتنشر ويكذب فيها على رسول الله ﷺ باسم الفقه فهذا منكر من القول وزور. بعد هذا أعود إلى المسألة المتعلقة بزيدة لفظ " سيدنا " في الصلاة الإبراهيمية فأقول: من المعلوم عند أهل العلم أن الأصل في العبادات هو التلقي عن رسول الله ﷺ فقد صح في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري وغيره، وقد علّم النبي ﷺ الصحابة رضوان الله عليهم الصلاة وكيفيتها وهيئتها وأذكارها ونقل الصحابة ﵃ ذلك لمن بعدهم ومن ضمن ما نقلوه الصلاة الإبراهيمة في التشهد ولم يثبت في أي حديث من الأحاديث الواردة في ذلك زيادة لفظ " سيدنا " مع أن هذه الأحاديث كثيرة العدد فلم يرد في أي منها زيادة لفظ " سيدنا " لذلك يجب الاقتصار على الألفاظ النبوية كما وردت في الصلاة الإبراهيمية ولا يجوز زيادة لفظ " سيدنا " في الصلاة.
ويجب أن يعلم أن ما جاء في النشرة المشار إليها أن: [رعاية الأدب خير من الامتثال] كلام مغلوط بل إن كمال الأدب هو في الامتثال لأن من كان متؤدباً مع غيره يكون ممتثلاً لكلامه وهذا حال المسلم مع رسول الله ﷺ فمن التزم بهديه ﷺ فهو في غاية الأدب معه ﷺ . كما ينبغي أن يعلم أننا عندما نقول لا تجوز زيادة لفظ " سيدنا " في الصلاة الإبراهيمية فهذا لا يعني أن النبي ﷺ ليس هو سيدنا بل هو سيدنا ﷺ . ولكن في العبادة لا بد من الاتباع ولو فتح باب الزيادة في العبادة بهذه الحجة وهي احترام النبي ﷺ وتقديره لكان ينبغي زيادة لفظ " سيدنا " في الأذان وفي الإقامة فلا فرق بين الصلاة وبين الأذان والإقامة فكلها عبادات. فهل يقول هؤلاء أن نزيد لفظ سيدنا في الأذان فنقول: [أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله] ولو كان هذا الاحترام مشروعاً بهذه الزيادة لسبقنا إليها من هم أشد احتراماً وحباً لرسول الله ﷺ من هؤلاء أعني الصحابة رضوان الله عليهم. إذا ثبت هذا فأقول إن أهل الفقه وأهل العلم الحقيقين وليس الأدعياء قد قرروا أنه لا تجوز زيادة لفظ " سيدنا " لا في الصلاة الإبراهيمية ولا في الأذان ولا في الإقامة وهذا لا يتنافى مع تقدير النبي ﷺ واحترامه لأن احترامه ﷺ يكون باتباعه والتزام سنته ﷺ .
قال العلامة الشيخ الألباني بعد كلام طويل حول المسألة وأنه لم يثبت في شيء من الأحاديث زيادة لفظ السيادة قال: [والمسألة مشهورة في كتب الفقه والغرض منها أن كل من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة لم يقع في كلام أحد منهم " سيدنا " ولو كانت هذه الزيادة مندوبة ما خفيت عليهم كلهم حتى أغفلوها والخير كله في الاتباع والله أعلم. قلت - الألباني -: وما ذهب إليه الحافظ ابن حجر ﵀ من عدم مشروعية تسويده ﷺ في الصلاة عليه اتباعاً للأمر الكريم هو الذي عليه الحنفية وهو الذي ينبغي التمسك به لأنه الدليل الصادق على حبه ﷺ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) سورة آل عمران الآية ٣١. ولذلك قال الإمام النووي في الروضة: وأكمل الصلاة على النبي ﷺ : اللهم صلى على محمد ... الخ ... فلم يذكر فيه السيادة!] صفة صلاة النبي ﷺ ص ١٥٥. وقال الشيخ الدكتور بكر أبو زيد حفظه الله: [من استقرأ صيغ الصلاة على النبي ﷺ الواردة لم يجد فيها لفظ السيادة لا داخل الصلاة ولا خارجها ومن استقرأ أحاديث الأذان لم يجدها في ذكر الشهادة بأن محمداً رسول الله. والمحدثون كافة في كتب السنة لا يذكرون لفظ السيادة عند ذكر النبي ﷺ . وقد استقرأ جماعة من المحققين ومنهم الحافظ ابن حجر كما نقله عنه السخاوي في " القول البديع "، والقاسمي في " الفضل المبين في شرح الأربعين " للعجلوني إذ قرر رحمه الله تعالى أن لفظ السيادة لم يثبت في الصلاة على النبي ﷺ ولا في الشهادة له بالرسالة ﷺ وأنها داخل الصلاة لا تشرع لعدم التوقيف بالنص وأما خارجها فلا بأس] معجم المناهي اللفظية ص ٣٠٤-٣٠٥. ثم نقل عن الفضل المبين ما يلي: [سئل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصلاة سواء قيل بوجوبها أو بندبها هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة بأن يقول مثلاً: صل على سيدنا محمد، أو على سيد الخلق أو سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللهم صل على محمد؟ وأيهما أفضل: الإتيان بلفظ السيادة، لكونها صفة ثابتة له ﷺ أو عدم الاتيان لعدم ورود ذلك في الآثار؟ فأجاب ﵁: نعم اتباع الألفاظ المأثورة أرجح ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعاً منه ﷺ كما لم يكن يقول عند ذكره ﷺ : وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر، لأنا نقول: لو كان ذلك راجحاً لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه قال ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك وهذا الإمام الشافعي - أعلى الله درجته - وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبي ﷺ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: اللهم صل على محمد إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده وهو قوله: كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه سبحان الله عدد خلقه وقد ثبت أنه ﷺ قال لأم المؤمنين ورأها قد أكثرت التسبيح وأطالته: (لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن. وذكر ذلك وكان ﷺ يعجبه الجوامع في الدعاء) ] معجم المناهي اللفظية ص ٣٠٥-٣٠٦.
وقال الشيخ العلامة القاسمي: [رأيت أيام رحلتي إلى بيت المقدس من يقيم الصلاة وأحياناً يؤم بالقوم وكالة فيزيد لفظ " سيدنا " في قوله أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله. فقلت له بعد الصلاة: لم تزيد هذه اللفظة وهي سيدنا وليست مشروعة في الإقامة؟ فقال لي: هذه مسألة كان وقع فيها نزاع بين علماء القدس ويافا - يعني أحدثها مبتدع - فمن قائل ينبغي الاقتصار في ألفاظ الأذان والإقامة على الوارد دون زيادة ومن قائل تستحب زيادة سيدنا عند ذكر النبي ﷺ قال: ثم اشتد النزاع وتراسلوا وكاد الأمر يفضي إلى تجاوز الحد والآن نحن نقولها اتباعاً لمن استحبها وقطعاً للقالة فيها. فقلت: يا أخي إن ألفاظ الأذانيين مأثورة متعبد بها رويت بالتواتر خلفاً عن سلف في كتب الحديث الصحاح والحسان والمسانيد والمعاجم ولم يرو أحد قط استحباب هذه الزيادة عن صحابي ولا تابعي بل ولا فقيه من فقهاء الأمة ولا أتباعهم وهذه كتبهم بين أيديكم وأنتم تقلدونهم ولا تخالفونهم فما هذا الابتداع وليس تعظيمه صلوات الله عليه بزيادة ألفاظ في عبارات مشروعة لم يسنها هو ولم يستحبها خلفاؤه الراشدون مما يرضاه صلوات الله عليه لأن لكل مقام مقالاً على أنه ثبت أنه نهى من خاطبه بقوله: يا سيدنا وابن سيدنا، روى النسائي بإسناد جيد عن أنس ? أن ناساً قالوا: (يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ] والحديث صححه الشيخ الألباني في تخريجه، إصلاح المساجد من البدع والعوائد ص ١٣٨-١٣٩.
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز إضافة لفظة " سيدنا " في الصلاة الإبراهيمية في التشهد ولا في الأذان ولا في الإقامة، لأن هذه عبادات والأصل في العبادات الاتباع.
стр. 209
١٣١ - ما الذي يقطع الصلاة ؟
يقول السائل: ما حكم من ضحك في الصلاة؟
الجواب: إن الصلاة من مقامات وقوف العبد بين يدي ربه وهذا المقام يقتضي الخشوع والخضوع لله تعالى وقد قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) سورة المؤمنون الآيتان ١-٢. قال ابن كثير: [ ... عن ابن عباس (خَاشِعُونَ) خائفون ساكنون وكذا روي عن الحسن ومجاهد وقتادة والزهري ... وقال الحسن البصري كان خضوعهم في قلوبهم فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح ... والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عمن عداها وآثرها على غيرها وحينئذ تكون راحة له وقرة عين كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: (حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرت عيني في الصلاة) ] تفسير ابن كثير ٣/٢٣٨. وقال الألوسي: [وفي تقديم وصفهم في الخشوع بالصلاة على سائر ما يذكر بعد ما لا يخفى من التنويه بشأن الخشوع وجاء أن الخشوع أول ما يرفع من الناس ففي خبر رواه الحاكم وصححه أن عبادة بن الصامت قال: يوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحاكم وصححه عن حذيفة قال: (أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة وتنتقض عرى الإسلام عروة عروة) ] تفسير الألوسي ٩/٢٠٨. وقال العلماء أكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح وقد ورد عن سعيد بن المسيب أنه لما رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة قال: [لو خشع قلبه لخشعت جوارحه] .
والمطلوب من المسلم إذا قام في صلاته أن يخشع بقلبه وجوارحه فقلبه يخضع وجوارحه تهدأ وتسكن ولا تتحرك وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة) رواه مسلم. وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع ولا تكلم بكلام تعتذر منه وأجمع الإياس مما في أيدي الناس) رواه أحمد والبيهقي وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/١٩٠. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه] رواه الحاكم وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/٣٢٠. وقد وردت عن السلف حكايات كثيرة في خشوعهم في صلاتهم حريّ بنا أن نقرأها ونستفيد منها وانظر بعضها في إحياء علوم الدين ١/١٤٩-١٥١. إذا تقرر هذا وأن الخشوع مطلوب في الصلاة فلا شك أن الضحك في الصلاة مما ينافي الخشوع ويدل على اشتغال العبد عن ربه وانصرافه عنه. وقرر العلماء أن الضحك بصوت مبطل للصلاة، قال الإمام النووي: [وأما الضحك والبكاء والأنين والتأوه والنفخ فإن بان - أي ظهر - منه حرفان بطلت صلاته وإلا فلا) المجموع ٤/٧٩. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن ضحك فبان حرفان فسدت صلاته وكذلك إن قهقه ولم يكن حرفان وبهذا قال جابر بن عبد الله وعطاء ومجاهد والحسن وقتادة والنخعي والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفاً. قال ابن المنذر أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة. وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها] المغني ٢/٣٩-٤٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأظهر أن الصلاة تبطل بالقهقهة إذا كان فيها أصوات عالية فإنها تنافي الخشوع الواجب في الصلاة وفيها من الاستخفاف والتلاعب ما يناقض مقصود الصلاة فأبطلت لذلك لا لكونها كلاماً] الاختيارات العلمية ص ٥٩. والضحك يكون مع الصوت بحيث يسمع نفسه ومن قرب منه والقهقهة تكون بصوت مرتفع وأما التبسم فيكون بدون صوت والضحك والقهقهة يبطلان الصلاة كما سبق وأما التبسم فلا يبطلها وإن كان مخلاً بالخشوع.
وخلاصة الأمر أن من ضحك في صلاته فصلاته باطلة ويجب عليه أن يعيدها ويتوب إلى الله ويكثر من الاستغفار ولا يعود لمثل ذلك مستقبلاً.
стр. 210
١٣٢ - صلاة الجماعة
يقول السائل: إن إمام المسجد عندهم يخطىء في قراءة سورة الفاتحة وينطق الحروف نطقاً غير صحيح فما حكم الصلاة خلفه؟
الجواب: ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) رواه مسلم. والأقرأ هو الأحسن تلاوة وقراءة أو الأكثر قراءة ومن العلماء من قال الأقرأ هو الأفقه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٠١. وقد أخذ العلماء من الحديث السابق أنه يشترط في إمام الصلاة أن يكون صحيح اللسان بحيث ينطق الحروف على وجهها الصحيح وخاصة في قراءته للفاتحة. فإذا كان الإمام يخطئ في القراءة أو يلحن ففي حكم إمامته تفصيل عند أهل العلم فإذا كان اللحن في الفاتحة وكان لحناً جلياً وهو الذي يغير المعنى فلا يصح أن يكون إماماً ولا يصح الاقتداء به واللحن الذي يغير المعنى مثل أن يضم التاء في قوله تعالى: (أَنْعَمْتَ) أو يكسرها أو يبدل الميم نوناً في قوله تعالى: (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أو يفتح الهمزة في قوله تعالى: (اهْدِنَا) فإذا كان حال الإمام كذلك فكثير من الفقهاء يمنعون الاقتداء به ولا يصح أن يكون إماماً إذا كان في المصلين من لا يلحن كلحنه. وأما إذا كان اللحن لا يغير المعنى وهو اللحن الخفي فتصح الصلاة خلفه مع الكراهة ومثال اللحن الذي لا يغير المعنى أن يضم الهاء في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) أو يفتح الدال في قوله تعالى: (نَعْبُدُ) أو يبدل الضاد ظاءً في قوله تعالى: (وَلَا الضَّالِّينَ) قال الحافظ ابن كثير: [والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ولأن كلاً من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة ولهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك] تفسير ابن كثير ١/٣٠.
قال الإمام النووي: [إذا لحن في القراءة كرهت إمامته مطلقاً فإن كان لحناً لا يغير المعنى كرفع الهاء من الحمد لله كانت كراهة تنزيه وصحت صلاته وصلاة من اقتدى به وإن كان لحناً يغير المعنى كضم التاء من أنعمت أو كسرها أو يبطله بأن يقول الصراط المستقين فإن كان لسانه يطاوعه وأمكنه التعلم فهو مرتكب للحرام ويلزمه المبادرة بالتعلم فإن قصر وضاق الوقت لزمه أن يصلي ويقضي ولا يصح الاقتداء به وإن لم يطاوعه لسانه أو لم يمض ما يمكن التعلم فيه فصلاة مثله خلفه صحيحة وصلاة صحيح اللسان خلفه كصلاة قارئ خلف أمي وإن كان في غير الفاتحة صحت صلاته وصلاة كل أحد خلفه لأن ترك السورة لا يبطل الصلاة فلا يمنع الاقتداء] المجموع ٤/٢٦٨-٢٦٩. وأما اللحَّان في غير الفاتحة فتكره إمامته أيضاً ولكنها صحيحة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [تكره إمامة اللحان الذي لا يحيل المعنى، نص عليه أحمد وتصح صلاته بمن لا يلحن لأنه أتى بفرض القراءة فإن أحال المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة ولا الإئتمام به إلا أن يتعمده فتبطل صلاتهما] المغني ٢/١٤٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [أما اللحن في الفاتحة الذي لايحيل المعنى فتصح صلاة صاحبه إماماً أو منفرداً] غاية المرام ٦/٢٦١. وعلى الإمام الذي يلحن في صلاته أن يتعلم النطق الصحيح بالحروف وأن يتدرب على تقويم لسانه فإن استقام لسانه فبها ونعمت وإلا فلا يجوز أن يستمر في إمامة الناس بالصلاة ويجب تغييره.
стр. 211
١٣٣ - حكم قول بلى ونحوها في الصلاة
يقول السائل: إن الإمام في صلاة المغرب قرأ سورة التين ولما قرأ قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) قال بعض المصلين [بلى] وبعد انتهاء الصلاة قام رجل وقال: من قال بلى بعد قراءة الإمام فصلاته باطلة. فما قولكم في ذلك؟
الجواب: إن كثيراً من الناس يفتون بغير علم ويتجرؤون على دين الله وهذا يدل على قلة العلم وقلة التقوى والورع والعياذ بالله. وقد كان السلف ينكرون أشد الإنكار على من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهل لها ويعتبرون ذلك ثلمة في الإسلام ومنكراً عظيماً يجب أن يمنع. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) . وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن النبي ﷺ : (من أُفتِيَ بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه) وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في المشكاة ١/٨١. وذلك لأن المستفتي معذور إذا كان من أفتاه لبس لبوس أهل العلم وحشر نفسه في زمرتهم وغر الناس بمظهره وسمته. ومن ثم قرر العلماء: أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره على ذلك فهو عاص أيضاً. وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق. وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم. وإذا كان يتعين منع من لم يحسن التطبيب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟ وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على هؤلاء ولما قال له بعضهم يوماً: أجعلت محتسباً على الفتوى؟ قال له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب. الفتوى بين الانضباط والتسيب ص٢٢-٢٤ بتصرف. إذا تقرر هذا فأعود إلى موضوع السؤال فأقول أولاً: إن الادعاء بإبطال صلاة المصلين لقولهم بلى في الصلاة المذكورة إدعاء بلا دليل ولا يجوز لأحد أن يقدم على إبطال صلاة أحد بدون دليل شرعي معتبر. ثانياً: إن قول بعض المصلين بلى عند قراءة الإمام لقوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) له دليل ومستند وإن كان فيه كلام لأهل العلم فمن العلماء من يرى أالمصلي يقول ذلك في الصلاة إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً ويقوله المستمع خارج الصلاة وبه قال جمهور العلماء كما في المجموع للنووي ٤/٦٧. ومن العلماء من قال يقوله خارج الصلاة لا داخلها ولو قال ذلك داخل الصلاة لا تبطل صلاته. انظر المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود ٥/٣٣٦. ومما يدل على أن المصلي يقول ذلك في صلاته ما رواه أبو داود بإسناده عن موسى بن أبي عائشة قال: (كان رجل يصلي فوق بيته وكان إذا قرأ: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) قال: سبحانك فبلى. فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله ﷺ قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ١/١٦٨. وقال الشيخ الألباني في تمام المنة: [أخرجه أبو داوود بسند صحيح عن الرجل وهو صحابي وجهالته لا تضر كما هو معروف عند العلماء] تمام المنة ص ١٨٦. وورد في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ منكم بـ: (و َالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) فانتهى إلى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) فانتهى إلى: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فليقل: بلى. ومن قرأ المرسلات فبلغ (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) فليقل آمنا بالله) رواه أبو داود وروى الترمذي بعضه إلى قوله: (وأنا من الشاهدين) والحديث ضعيف عند أكثر المحدثين. انظر المجموع للنووي ٤/٦٧ وتمام المنة في التعليق على فقه السنة ص ١٨٦ وشرح السنة ٣/١٠٥. وقواه الحافظ ابن حجر بتعدد الطرق والشواهد كما فصله ابن علان في شرح الأذكار ٢/٢٣٦-٢٣٨ فيما نقله عن الحافظ ابن حجر في كلام طويل أذكر بعضه: [قال الحافظ هذا حديث حسن يتقوى بكثرة طرقه] ثم ذكر من أخرجه. ثم قال الحافظ: [وإطلاق الضعف على هذا الحديث متعقب فإنه قد جاء عن غير أبي هريرة فجاء من حديث البراء بن عازب أخرجه عنه ابن مردويه ... ومن حديث جابر أخرجه ابن المنذر في تفسيره ... ومن حديث ابن عباس ... ومن حديث صحابي لم يسم أخرجه أبو داود عنه ... وورد مرسلاً عن قتادة ... أخرجه الطبري وسنده صحيح أو حسن لشواهده ومع تعدد هذه الطرق يتضح أن إطلاق كون هذا الحديث ضعيفاً ليس بمتجه] انتهى كلام الحافظ ملخصاً من شرح ابن علان على الأذكار. وأشار الحافظ إلى أن هذا الحديث من فضائل الأعمال فيعمل به وإن كان فيه اختلاف. انظر مرقاة المفاتيح ٢ /٥٨٦.
وقال الإمام النووي: [ويستحب له أن يقول ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من قرأ والتين والزيتون فقال: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين) رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف عن رجل عن أعرابي عن أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: هذا الحديث إنما يروي بهذا الإسناد عن الأعرابي عن أبي هريرة قال ولا يسمى. وروى ابن أبي داود والترمذي: (ومن قرأ آخر (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) فليقل: بلى. ومن قرأ: (فَبِأَيِّءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) أو (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) فليقل آمنت بالله) . وعن ابن عباس ﵄ وابن الزبير وأبي موسى الأشعري ﵃ أنهم كانوا إذا قرأ أحدهم (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) قال: سبحان ربي الأعلى. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول فيها سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه صلى فقرأ آخر سورة بني إسرائيل ثم قال: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً. وقد نص بعض أصحابنا على أنه يستحب أن يقال في الصلاة ما قدمناه، وفي حديث أبي هريرة في السور الثلاث وكذلك يستحب أن يقال باقي ما ذكرناه وما كان في معناه والله أعلم] . التبيان في آداب حملة القرآن ص ٦٥-٦٦. وقال الإمام النووي أيضاً: [قال الشافعي وأصحابنا يسن للقارئ في الصلاة وخارجها إذا مرّ بآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة أو بآية عذاب أن يستعيذ به من العذاب أو بآية تسبيح أن يسبح أو بآية مثل أن يتدبر قال أصحابنا ويستحب ذلك للإمام والمأموم والمنفرد وإذا قرأ (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) قال بلى وأنا على ذلك من الشاهدين وإذا قرأ (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) قال آمنا بالله. وكل هذا يستحب لكل قارئ في صلاته أو غيرها وسواء صلاة الفرض والنفل والمأموم والإمام والمنفرد لأنه دعاء فاستووا فيه كالتأمين ... ثم ذكر أدلة ذلك ثم قال: هذا تفصيل مذهبنا وقال أبو حنيفة ﵀ يكره السؤال عند آية الرحمة والاستعاذة في الصلاة. وقال بمذهبنا جمهور العلماء من السلف فمن بعدهم] المجموع ٤/٦٦-٦٧.
والذي يظهر لي من كلام أهل العلم أنه يجوز للمصلي أن يقول بلى في المواقع التي سبقت سواء أكان إماماً أو مأموماً أو منفرداً وسواء صلى فريضة أم نافلة. ولا يصح القول ببطلان صلاة المصلي إن قال ذلك حتى عند من يمنع من قول ذلك في الصلاة المفروضة وهو قول الحنفية حيث قالوا: [ولو عمل به أحد في الصلاة لا تفسد] إعلاء السنن ٤/١٦٨.
стр. 212
١٣٤ - الدعاء والقنوت
يقول السائل: نلاحظ كثيراً من المصلين أنهم عندما يسلم الإمام من صلاة الجماعة يقومون سراعاً فيخرجون من المسجد دون أن يأتوا بالأذكار المشروعة بعد الصلوات المكتوبات ودون أن يدعو ربهم فما قولكم في ذلك؟
الجواب: ما ورد في السؤال هو حال كثير من المصلين مع الأسف الشديد حيث أنهم بمجرد تسليم الإمام يستبقون أبواب المسجد للخروج سراعاً وما علموا أنهم تركوا فضلاً عظيماً وأعرضوا عن ساعة مباركة يستجاب فيها الدعاء ويسن فيها الذكر والاستغفار. وإني لأستغرب من بعض المصلين الذين اعتادوا هذا الأمر فهم يداومون على الخروج من المسجد بمجرد انتهاء الإمام من الصلاة وإن بعض هؤلاء لا يعرف شيئاً عن ذكر الله والدعاء أو الاستغفار. وأذكر هنا الأمور التي ينبغي أن يفعلها المصلي بعد انتهاء الصلاة أخذاً من سنة النبي ﷺ . فأولها المداومة على الأذكار الواردة عقب الصلوات المكتوبات قال الإمام النووي: [أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة] الأذكار ص ٥٧. ومن هذه الأذكار النبوية: عن ثوبان ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقول أستغفر الله أستغفر الله. رواه مسلم وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ : كان إذا فرغ من الصلاة وسلَّم قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلم: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) قال ابن الزبير: وكان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة. رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: (ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون. فقال: ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) رواه البخاري ومسلم.
وعن كعب بن عجرة ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: (معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاثاً وثلاثين تسبيحة وثلاثاً وثلاثين تحميدة وأربعاً وثلاثين تكبيرة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ دبر الصلاة بهؤلاء الكلمات: (اللهم إني أعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أردَّ إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح الله تعالى دبر كل صلاة عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثاً وثلاثين ويسبح ثلاثاً وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف بالميزان. قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتي أحدكم يعني الشيطان في منامه فينومه قبل أن يقوله ويأتيه في صلاته فيذكره حاجة قبل أن يقولها) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الإمام النووي: إسناده صحيح، الأذكار ص ٥٩. وعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال في دبر صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله تعالى) . رواه الترمذي وقال حديث حسن. هذا ما يتعلق بالأذكار بعد انتهاء الصلاة وأما الدعاء فحقيقتة مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء، بالدعاء فهو سبب لذلك واستجلاب لرحمة المولى ويعني هذا أن الدعاء شعور بالحاجة إلى الله تعالى وطلبها منه ﷻ بتذلل ورغب ورهب لا غنى لأي فرد عنه في أي حال من أحواله شدة ورخاء صحة وعافية ومرضاً ولذا جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مبينة فضله وحاثة عليه ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف الآيتان ٥٥-٥٦. وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٦. وقال ﷻ في وصف عباده المؤمنين: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة الآيتان ١٦-١٧.
وجاء في الحديث عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: (إن الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وقال الألباني حسن. انظر صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ووافقه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٨١. وعن أبي هريرة أن النبي قال: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع ١٥١٩. وعنه أن النبي ﷺ قال: (من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن كما قال الألباني في صحيح الجامع ٦٢٩٠. ومن المعلوم عند أهل العلم أن الدعاء له أوقات مباركه يستجاب فيها ومن أعظمها دبر الصلوات المكتوبات أي عقبها، قال الإمام الشوكاني: [قد ورد الإرشاد إلى الأذكار في دبر الصلوات وهي مشتملة على ترغيب عظيم وفيها أن الذاكر يقوم مغفوراً له وفيها إنها تحل له الشفاعة وفيها أنه يكون في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى وفيها أنها لو كانت خطاياه مثل زبد البحر لمحتهن وغير ذلك من الترغيبات وكل ذلك يدل على شرف هذا الوقت وقبول الدعاء فيه] تحفة الذاكرين ص ٦٦. ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي أمامة ﵁ قال: [قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات] رواه الترمذي وقال حديث حسن ووافقه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٦٨. وورد عن الضحاك في تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) سورة الانشراح الآية ٧. قال فرغت من الصلاة فانصب بعد التسليم في الدعاء وارغب في المسألة، وهو أثر حسن انظر الترغيب في الدعاء ص٢٦٤-٢٦٦. وهذه طائفة من الأدعية النبوية الواردة في دبر الصلوات المكتوبات: عن معاذ بن جبل قال: (لقيني النبي ﷺ فأخذ بيدي فقال: يا معاذ إني أحبك. قلت يا رسول الله: وأنا أحبك. قال: أفلا أوصيك بكلمات تقولوهن في دبر كل صلاة: يا رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أحمد وابن حبان وصححه ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والألباني. وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله إذا صلى الصبح قال اللهم إني أسألك علماً نافعاً وعملاً متقبلاً ورزقاً طيباً. رواه أحمد والنسائي وقال الهيثمي رجاله ثقات. مجمع الزوائد ١٠/١١١ وحسنه الحافظ لشواهده.
وعن مسلم بن أبي بكرة قال: [كان أبي يقول في دبر الصلاة اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر فكنت أقولهن فقال أبي عمن أخذت هذا قلت عنك، قال إن رسول الله كان يقولهن] رواه النسائي وقال الألباني صحيح الإسناد. صحيح سنن النسائي ١/٢٩٠. وعن أبي أمامة قال: (ما دنوت من رسول الله في دبر صلاة مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها اللهم أنعشني واجبرني واهدني لصالح الأعمال والأخلاق فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت) رواه الطبراني وابن السني وجوّد إسناده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/١١١. وقال الشيخ الألباني حسن، انظر صحيح الجامع ١٢٦٦. وعن الحارث بن مسلم التميمي ﵁ قال: (قال لي النبي ﷺ : إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جواراً من النار وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوراً من النار) رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة وقال محققه حسن ونقل ابن علان عن الحافظ ابن حجر تحسينه ورواه ابن حبان في صحيحه. وغير ذلك من الأدعية. وفي الختام أنبه على قضيتين الأولى: أن هذه الأدعية تؤدى بشكل فردي أي أن كل مصل يدعو لنفسه دون أن يشوش على غيره من المصلين ولا يجوز أن تؤدى هذه الأدعية بشكل جماعي كما يفعل بعض المصلين حيث إن الإمام يدعو ويؤمن المأمومون على دعائه فهذا لم يثبت عن النبي ﷺ قال العلامة ابن القيم: [وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه ﷺ أصلاً ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن] زاد المعاد ١/٢٥٧. الثانية: قال العلامة ابن القيم: [وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة فإذا سلَّم منها انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأله إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي] زاد المعاد ١/٢٥٧-٢٥٨. وقول العلامة ابن القيم غير مسلم على إطلاقه فقد ثبت في أدعية كثيرة أن النبي ﷺ دعا بها بعد السلام من الصلاة كما سبق ومما يؤيد ذلك ما قاله الإمام البخاري في صحيحه: [باب الدعاء بعد الصلاة ثم ذكر حديث المغيرة السابق وفيه: [كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة إذا سلّم الحديث. صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢٨٤.
وقال الحافظ ابن حجر: [قوله باب الدعاء بعد الصلاة، أي المكتوبة وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع متمسكاً بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة: كان النبي ﷺ إذا سلًّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالساً على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه] ثم نقل كلام ابن القيم السابق ثم قال الحافظ: [وما ادعاه من النفي مطلقاً مردود فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: (يا معاذ إني والله لأحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم. وحديث أبي بكرة في قول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر) كان النبي ﷺ يدعو بهن دبر كل صلاة أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم ... وحديث زيد بن أرقم (سمعت رسول الله ﷺ يدعو في دبر كل صلاة اللهم ربنا ورب كل شيء) .. الحديث، أخرجه أبو داود والنسائي. وحديث صهيب رفعه (كان يقول إذا انصرف من الصلاة اللهم أصلح لي ديني) الحديث أخرجه النسائي وصححه ابن حبان وغير ذلك. فإن قيل المراد بدبر كل صلاة قرب آخرها وهو التشهد قلنا قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة والمراد به بعد السلام إجماعاً، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه. وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: (قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات) وقال حسن: وأخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة. وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقاً وليس كذلك.
فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة وإيراده بعد السلام وأما إذا انتقل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ] فتح الباري ١٣/٣٨٢.
стр. 213
١٣٥ - قضاء صلاة
حديث مكذوب في قضاء الصلاة الفائتة , تقول السائلة: إنها قرأت في كتاب بعنوان سور من القرن الكريم حديثاً عن الصلاة لما فات من الأوقات، وهذا نصه:
[عن رسول الله ﷺ أنه قال: من فاته في عمره صلاة ولم يقضها فليقم آخر جمعة من شهر رمضان يصلي أربع ركعات يتشهد وأخذ يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة القدر وسورة الكوثر خمسة عشر مرة ويقول في النية: نويت أن أصلي أربع ركعات كفارة لما فاتني من الصلاة. قال أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: هي كفارة أربعمئة سنة فقال علي هي كفارة ألف، قالوا يا رسول الله: ابن آدم يعيش مائة سنة فلمن تكون الصلاة الزائدة؟ قال: تكون لأبويه وزوجته وأولاده وأقاربه، فإذا فرغ من الصلاة صلى على النبي مائة مرة ثم يدعو بهذا الدعاء: اللهم يا من لا تنفعك طاعتي ولا تضرك معصيتي تقبل ما لا ينفعك واغفر لي ما لا يضرك يا من إذا وعد وفى وإذا توعد تجاوز وعفا اغفر لعبد ظلم نفسه وأساء اللهم إني أعوذ بك من بطر الغنى وجهد الفقر إلهي خلقتني ولم أكن شيئاً ورزقتني ولم أكن شيئاً وارتكبت المعاصي فإني مقر لك بذنوبي فإن عفوت عني فلا ينقص من ملكك شيء وإن عذبتني فلا يزيد في سلطانك شيء إلهي أنت تجد من تعذبه غيري وأنا لا أجد من يرحمني غيرك اغفر لي ما بيني واغفر ما بيني وبين خلقك يا ارحم الراحمين ويا رجاء السائلين ويا أمان الخائفين ارحمني برحمتك الواسعة اللهم اغفر لي ولوالدي وللمسلمين] فما قولكم في هذا الكلام؟
الجواب: لا شك أن هذا الحديث مكذوب على رسول الله ﷺ وعلامات الوضع ظاهرة عليه وهذا الحديث تكذبه القواعد الشرعية، قال الشيخ العلامة عبد الحي اللكنوي: [حديث من قضى صلوات من الفرائض في آخر جمعة من رمضان كان ذلك جابرا لكل صلاة فائتة من عمره إلى سبعين سنة. قال علي القاري في موضوعاته الصغرى والكبرى باطل قطعياً لأنه مناقض للإجماع على أن شيئاً من العبادات لا يقوم مقام فائتة سنوات ثم لا عبرة بنقل صاحب النهاية ولا بقية شراح الهداية لأنهم ليسوا من المحدثين ولا أسندوا الحديث إلى أحد المخرجين، انتهى] الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص ٨٥. وقال الشيخ الشوكاني: [حديث من صلى في آخر جمعة من رمضان الخمس الصلوات المفروضة في اليوم الليلة قضت عنه ما أخل به من صلاة سنته. هذا: موضوع لا إشكال فيه ولم أجده في شيء من الكتب التي جمع مصنفوها فيها الأحادي الموضوعة ولكنه اشتهر عند جماعة من المتفقهة بمدينة صنعاء في عصرنا هذا. وصار كثير منهم يفعلون ذلك ولا أدرى من وضعه لهم. فقبح الله الكذابين] الفوائد المجموعة ص ٥٤.
وخلاصة الأمر أن هذا من الكذب والافتراء على النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 214
١٣٦ - المساجد
يقول السائل: ما حكم الصلاة في مسجد مبني على قبر والقبر في قبلة المسجد وما الجواب عمن يجيز الصلاة في المساجد التي فيها قبور بحجة أن المسجد النبوي فيه قبر النبي ﷺ وصا حبيه أبي بكر وعمر ﵄؟
الجواب: إن الإسلام قد سد الطرق التي تؤدي إلى خدش التوحيد ومن ذلك النهي عن اتخاذ القبور مساجد لأنه قد يوقع في الشرك وذلك بعبادة أصحاب القبور بالاستعانة بهم ودعائهم وتقديم النذور لهم وغير ذلك من مظاهر الشرك. وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد] رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة ﵂: (لما كان مرض النبي ﷺ تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة فذكرن من حسنها وتصاويرها، قالت: فرفع النبي ﷺ رأسه فقال: أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين] انظر تحذير الساجد ص ١٧. وعن جندب بن جنادة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ( ... ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم، وغير ذلك من الأحاديث. وبناء على ما تقدم فإنه يحرم بناء مسجد على قبر بمعنى أن يكون القبر سابقاً ثم بني عليه لاحقاً مسجد وهذا با تفاق أهل العلم فيما أعلم وهو ما تدل عليه النصوص الشرعية فالقبور ليست محلاً للصلاة فلا يجوز لأحد أن يصلي على قبر أو إليه ولا يستثنى من ذلك إلا صلاة الجنازة كما هو مبين في محله من كتب العلماء. وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) رواه مسلم.
قال القرطبي المحدث: [أي لا تتخذوها قبلة ... وكل ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها فيؤدي ذلك إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٢/٦٢٨. وأما إذا كان المسجد هو السابق ووضع القبر فيه لاحقاً فإن الصلاة تكره في هذا المسجد وينبغي نبش القبر وإخراجه من المسجد. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [هل تصح الصلاة في المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا؟ وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط؟ فأجاب: الحمد لله، اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي ﷺ قال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديداً. وإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه] مجموع الفتاوى ٢٢/١٩٤-١٩٥. وأما الاحتجاج بوجود قبر النبي ﷺ وصاحبيه لأنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة ﵃ فإنهم لما مات ﷺ دفنوه في حجرته التي كانت بجانب مسجده وكان يفصل بينهما جدار فيه باب كان ﷺ يخرج منه إلى المسجد وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء ولا خلاف في ذلك بينهم والصحابة ﵃ حينما دفنوه ﷺ في الحجرة إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجداً] تحذير الساجد ص ٨٤. والوليد بن عبد الملك هو الذي أمر سنة ثمان وثمانين هجرية بإضافة حجرات أزواج الرسول ﷺ إلى المسجد النبوي وكان ذلك بعد موت عامة الصحابة ﵃. انظر تحذير الساجد ص ٨٤. وعلى كل حال فالمسجد النبوي مستثنى من الحكم السابق لما للمسجد النبوي من فضائل معروفة وثابتة عند أهل العلم. انظر تحذير الساجد ص ١٩٥ فما بعدها.
وأخيراً ينبغي التنبيه على أنه لا يجوز دفن أحد من الأموات في المساجد وإنما السنة المعروفة هي الدفن في المقابر والمساجد ليست مقابر وإنما هي لعبادة الله فينبغي أن تكون المساجد خالية من المقابر لما يترتب على وجود القبر في المسجد من مفاسد عظيمة تخل بالعقيدة. وقد سئل العلامة محمد بن صالح العثيمين عن رجل بنى مسجداً وأوصى أن يدفن فيه فدفن فما العمل الآن؟ فأجاب: [هذه الوصية أعني الوصية أن يدفن في المسجد غير صحيحة لأن المساجد ليست مقابر ولا يجوز الدفن في المسجد وتنفيذ هذه الوصية محرم والواجب الآن نبش هذا القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين] فتاوى العقيدة ص ٤٦١. وخلاصة الأمر أن الصلاة تصح مع الكراهة في المسجد الذي به قبر إلا إذا كان القبر في قبلة المسجد مباشرة فلا تصح.
стр. 215
١٣٧ - المساجد
يقول السائل: عندنا أرض موقوفة بني عليها مسجد وقام أهل الحي ببناء طابق ثان فوق المسجد ويريدون أن يجعلوه مدرسة فما حكم ذلك؟
الجواب: لا يجوز بناء مدرسة فوق المسجد حيث إن الأرض موقوفة على بناء المسجد فقط، ولا يجوز لأهل الحي أو غيرهم التغيير في الوقف لأن شرط الواقف كنص الشارع. وكذلك فإن الأصل أن يكون بناء المسجد مستقلاً ومتميزاً ومنفصلاً عن أي بناء آخر سواء أكان مدرسة أو عيادة طبية أو غير ذلك، والمدرسة وأمثالها من الأبنية العامة يختار لها مكان مناسب غير سطح المسجد.
следующие страницы →