Полный текст (1 139 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
١٩٥ - حكم جائزة السداد المبكر في البنوك الإسلامية
يقول السائل: اشتريت سيارة بالمرابحة من أحد البنوك الإسلامية على أقساط لمدة سنتين، وبعد مرور السنة الأولى توفر لديَّ بقية ثمن السيارة، فطلبت من البنك أن أسدد بقية الأقساط على أن يخصم لي أرباح الأقساط الباقية، ولكن البنك رفض ذلك، فما الحكم في ذلك، وهل أرباح الأقساط التي عَجلتُ سدادها من حقي، أفيدونا؟
الجواب: هذه المسألة تسمى عند الفقهاء مسألة " ضع وتعجل " وهي مسألة خلافية بينهم، فذهب جمهور الفقهاء إلى منعها، وأجازها آخرون، والجواز منقول عن ابن عباس ﵄ وبه قال إبراهيم النخعي وابن سيرين وأبو ثور، وهو راوية عن الإمام أحمد، ومنقول عن الإمام الشافعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن عابدين الحنفي، انظر المبدع ٤/٢٨٠، الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٣٤، إعلام الموقعين لابن القيم ٣/٣٥٩ حاشية ابن عابدين ٥/١٦٠. وقال به جماعة من العلماء المعاصرين وعددٌ من هيئات الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية. قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا كان عليه دين مؤجل فقال لغريمه: ضع عني بعضه وأعجل لك بقيته لم يجز، كرهه زيد بن ثابت وابن عمر والمقداد وسعيد بن المسيب وسالم والحسن وحماد والحكم والشافعي ومالك والثوري وهشيم وابن علية وإسحاق وأبو حنيفة، وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك كلاكما قد آذن بحرب من الله ورسوله، وروي عن ابن عباس: أنه لم يرَ به بأساً، وروي ذلك عن النخعي وأبي ثور، لأنه آخذٌ لبعض حقه تاركٌ لبعضه فجاز كما لو كان الدين حالّاً] المغني ٤/٣٩. وقال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر القول بمنع " ضع وتعجل " قال: [والقول الثاني أنه يجوز وهو قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى وغيره واختاره شيخنا] أي شيخ الإسلام ابن تيمية، إعلام الموقعين ٣/٣٥٩. وقد احتج هذا الفريق من أهل العلم بما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (لمَّا أراد رسول الله ﷺ أن يخرج بني النضير قالوا: يا رسول الله إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال ﷺ : ضعوا وتعجلوا) رواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح الإسناد. المستدرك ٢/٣٦٢. وأخرجه الطبراني في الكبير وفيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وقد وثق كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/١٣٠، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٦/٢٨، وقال إنه ضعيف لضعف مسلم بن خالد الزنجي. وروى البيهقي بإسناده: [أن ابن عباس كان لا يرى بأساً أن يقول أعجل لك وتضع عني] سنن البيهقي ٦/٢٨. وتضعيف مسلم بن خالد الزنجي غير مسلَّم، قال الذهبي عنه: [الإمام فقيه مكة] ثم ذكر اختلاف العلماء في توثيقه وتجريحه فقال: [قال يحيى بن معين ليس به بأس، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن عدي: حسن الحديث أرجو أنه لا بأس به، وقال أبو داود: ضعيف. قلت - أي الذهبي -: بعض النقاد يرقي حديث مسلم إلى درجة الحسن] سير أعلام النبلاء ٨/١٧٦-١٧٧. وسبق كلام الهيثمي أن مسلم بن خالد الزنجي قد وثق وهو شيخ الإمام الشافعي وقد روى عنه الإمام الشافعي واحتج به! قال العلامة ابن القيم بعد أن ساق الحديث: [قلت هو على شرط السنن وقد ضعفه البيهقي وإسناده ثقات وإنما ضعف بمسلم بن خالد الزنجي وهو ثقة فقيه روى عنه الشافعي واحتج به] إغاثة اللهفان ٢/١٣. وبهذا يظهر لنا أن الحديث صالح للاحتجاج به. ولو سلمنا ضعف الحديث فإن النظر يفيد جواز مسألة ضع وتعجل وأنها لا علاقة لها بالربا، بل تعتبر من قبيل الصلح وليس فيها مخالفة لقواعد الشرع وأصوله بل حكمة الشرع ومصالح المكلفين تقتضي أن المدين والدائن قد اتفقا وتراضيا على أن يتنازل الأول عن الأجل والدائن عن بعض حقه، فهذا من قبيل الصلح، والصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً وحرم حلالاً. انظر الربا والمعاملات المصرفية ص ٢٣٧. ومن المعلوم أنه يجوز شرعاً الصلح بين الناس بإسقاط صاحب الحق كلَّ حقه أو بعضَه، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن كعب بن مالك ﵁، أنه كان له على عبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي مالٌ، فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما، فمرَّ بهما رسول الله ﷺ فقال: (يا كعب، فأشار بيده كأنه يقول النصف، فأخذ نصف ماله عليه وترك نصفاً) رواه الإمام البخاري. وفي رواية للبخاري أيضاً عن كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته - أي ستر البيت - فنادى: (يا كعب قال: لبيك يا رسول الله، فقال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلت، قال: قم فاقضه) . وفي هذا الحديث دلالة على أنه يجوز لصاحب الحق أن يسقط شيئاً من حقه حيث أشار الرسول ﷺ لكعب كي يسقط نصف دينه عن عبد الله بن أبي حدرد، ثم أمر الرسول ﷺ عبد الله بن أبي حدرد أن يسدد الشطر الثاني من الدين لكعب بن مالك. وقد وأجاب العلامة ابن القيم عن دعوى أن مسألة ضع وتعجل من باب الربا بقوله: [لأن هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحدٌ منهما، ولم يكن هنا رباً، لا حقيقةً ولا لغةً ولا عرفاً، فإن الربا الزيادة وهي منتفيةٌ ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: إما أن تربي وإما أن تقضي، وبين قوله: عجل لي وأهب لك مائة. فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح] إعلام الموقعين ٣/٣٥٩. وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [قالوا: وهذا ضد الربا فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدين وذلك إضرار محض بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين وانتفاع صاحبه بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع عليه، فإن ضرره لاحق بالمدين ونفعه مختص برب الدين، فهذا (ليس) من الربا صورة ومعنى] إغاثة اللهفان ٢/١٣. وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي مسألة "ضع وتعجل" فقد جاء في قرار المجمع ما يلي: [الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين " ضع وتعجل " جائزة شرعاً لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناءً على اتفاق مسبق، وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية، فإذا دخل طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم حسم الأوراق التجارية] مجلة مجمع الفقه الإسلامي ٧/٢/٢١٨. وأجازت اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية مسألة ضع وتعجل فقد ورد في فتاوى اللجنة الدائمة: [هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح من قوليهم جواز الوضع والتعجيل وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار الشيخين ابن تيمية وابن القيم ومنسوب إلى ابن عباس ﵄ ... اهـ] فتاوى اللجنة ١٣/١٦٨. وقد عملت كثيرٌ من البنوك الإسلامية بقول من يجيز مسألة "ضع وتعجل" بناءً على فتوى من هيئات الرقابة الشرعية فيها، وتسمى بجائزة السداد المبكر، ولكن ضمن ضوابط معينة وهي:
١- أن لا ينص في العقد على ذلك، وألا يكون هنالك ارتباط شفوي عند العقد أو بعده وإنما يكون بإرادة منفردة من البنك أي دون شرط ملفوظ أو ملحوظ.
٢- أن تكون إعادة الأرباح أو جزءٍ منها من قِبل البنك على سبيل التبرع دون إلزام.
٣- أن يتم وضع سياسة عامة تطبق في كل حالات السداد المبكر دون اتفاق مع العملاء على ذلك ولا بأس إن علم العملاء مسبقاً بذلك بشرط أن لا يكونوا طرفاً فيها ولا يطلب منهم الموافقة عليها.
٤- إذا كان هنالك حالات خاصة لتحصيل ديون البنك قبل موعدها من العملاء ويرفض العملاء السداد المبكر إلا إذا حصلوا على حسم معقول فيجوز الاتفاق مع العميل على السداد المبكر وذلك بشكل فردي.
٥- يجب أن يكون التسديد لجميع الدين ولا يصح أن يكون لجزءٍ منه.
وخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً إسقاط بعض حق الدائن مقابل تعجيل سداد الدَّين، وهي المسألة المعروفة عند الفقهاء بمسألة " ضع وتعجل" بشرط أن لا يكون هنالك شرطٌ سابق، ولا علاقة لهذه المسألة بالربا على الصحيح من أقوال العلماء، بل هي من باب الصلح، وصاحب الحق يتبرع ببعض حقه، وليس ملزماً بذلك، فلهذا فإن إسقاط بعض الدين عند تعجيل السداد أمرٌ غير لازم للبنوك الإسلامية، وليس ذلك حقاً من حقوق المشتري بالمرابحة، وإنما هو تبرع من البنك الإسلامي.
стр. 702
١٩٦ - القسمة الرضائية
قول السائل: ورثنا عن أبينا قطعة أرض كبيرة وقمنا بتقسيمها بالتراضي، وبعد مضي عدة سنوات، يطالب بعض الورثة بإعادة القسمة من جديد، فهل يحق لهم ذلك، أفيدونا؟
الجواب: القسمة عند الفقهاء عُرفت بتعريفات كثيرة منها ما قاله الكاساني الحنفي: عبارة عن إفراز بعض الأنصباء عن بعض، ومبادلة بعضٍ ببعض؛ لأن ما من جزأين من العين المشتركة لا يتجزآن قبل القسمة، إلا وأحدهما ملك أحد الشريكين، والآخر ملك صاحبه غير عين، فكان نصف العين مملوكاً لهذا، والنصف مملوكاً لذاك على الشيوع، فإذا قسمت بينهما نصفين، والأجزاء المملوكة لكل واحد منهما شائعة غير معينة، فتجتمع بالقسمة في نصيبه دون نصيب صاحبه، فلا بد وأن يجتمع في نصيب كل واحد منهما أجزاء، بعضها مملوكة له، وبعضها مملوكة لصاحبه على الشيوع.] بدائع الصنائع٥/٤٦٢. وعرفت مجلة الأحكام العدلية القسمة في المادة (١١١٤) : القسمة هي تعيين الحصة الشائعة, يعني إفراز وتمييز الحصص بعضها عن بعض بمقياس ما كالكيل والوزن والذراع.
والقسمة مشروعة بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ ، فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ سورة النساء الآية ٨. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سورة الأنفال الآية٤١، وقوله سبحانه تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ سورة النساء الآية ٧، وقوله سبحانه: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ سورة القمر الآية ٢٨. وأما من السنة النبوية فقد ثبت في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ قسَّم الغنائم كما في حديث أنس ﵁ قال: (اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين) رواه البخاري، وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب قول الله تعالى ﴿فأن لله خمسه وللرسول﴾ يعني للرسول قسم ذلك، قال رسول الله ﷺ : (إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي) ] . وروى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله. قال فقلت والله لأخبرن رسول الله ﷺ ، قال فأتيته فأخبرته بما قال، قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف - شجرٌ أحمر يصنع منه صبغ يدبغ به الجلود - ثم قال: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) . قال ثم قال: (يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) . وعن علي ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ فقمت على البُدن، فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قُسمت الأرض وحُدَّت، فلا شفعة فيها) رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٣٨٥. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وأجمعت الأمة على جواز القسمة، ولأن بالناس حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على إيثاره ويتخلص من سوء المشاركة وكثرة الأيدي.] المغني ١٠/٩٩. إذا تقرر هذا فإن الفقهاء قد جعلوا القسمة على أنواع باعتبار إرادة المتقاسمين: القسمة بهذا الاعتبار قسمان: قسمة تراض، وقسمة إجبار، ولا يخالف في ذلك أحد من أهل العلم على الإجماع. ذلك أن الشركاء قد يرغبون جميعاً في قسمة المال المشترك، أو يرغب بعضهم ويوافق الباقون على أصل القسمة وعلى كيفية تنفيذها، فلا تكون بهم حاجة إلى اللجوء إلى القضاء، وتسمى القسمة حينئذ قسمة تراض. وقد يرغب واحد أو أكثر، ويأبى غيره، فإذا لجأ الراغب إلى القضاء، فإن القاضي يتولى قسمة المال وفق الأصول المقررة شرعاً، وتكون القسمة حينئذ قسمة إجبار. فقسمة التراضي: هي التي تكون باتفاق الشركاء. وقسمة الإجبار: هي التي تكون بواسطة القضاء، لعدم اتفاق الشركاء. ثم ليس حتماً في قسمة الإجبار أن يتولاها القاضي بنفسه، أو بمن يندبه لذلك، بل له أن يحبس الممتنع من القسمة حتى يجيب إليها، ويحدد له القاضي مدةً معقولةً لإتمامها بصورة عادلة.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٣/٢١٥. وورد في مجلة الأحكام العدلية المادة (١١٢١) أن قسمة الرضا هي: القسمة التي تجري بين المتقاسمين في الملك بالتراضي أو برضا الكل عند القاضي. وأما قسمة القضاء فعرفتها المادة (١١٢٢) بأنها تقسيم القاضي الملك المشترك جبراً وحكماً بطلب بعض المقسوم لهم. وإذا تمت القسمة بالتراضي أو جبراً من القاضي فحكمها اللزوم، لأنها من العقود اللازمة باتفاق الفقهاء، فلا يجوز لأحد من المتقاسمين أن يرجع عنها، فالقسمة لا تقبل الرجوع بالإرادة المنفردة، بمعنى أن ينقضها واحدٌ أو أكثر ويرد المال إلى الشركة، دون اتفاق من جميع المتقاسمين. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٣/٢٤٥. وقال ابن رشد الحفيد: [والقسمة من العقود اللازمة لا يجوز للمتقاسمين نقضها ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ عليها] بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/٢١٨. وقال الدكتور وهبة الزحيلي: [القسمة من العقود اللازمة باتفاق الفقهاء، لا يجوز نقضها، ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ ... ولكن لبعض المذاهب تفصيل في مبدأ اللزوم: قال الحنفية: تلزم قسمة التراضي وقسمة التقاضي بعد تمامها، فلا يجوز الرجوع عنها إذا تمت. أما قبل التمام، فكذلك تلزم قسمة التقاضي، فلو قسم القاضي المال المشترك بين قوم، فخرجت السهام كلها بالقرعة، لا يجوز لهم الرجوع، وكذا لا رجوع إذا لم تتم القسمة، كأن خرج بعض السهام دون بعض. وأما قسمة التراضي: فيجوز للشركاء الرجوع عنها قبل تمامها؛ لأن قسمة التراضي لا تتم إلا بعد خروج السهام كلها، كما هو الشأن في كل عقد كالبيع مثلاً، يجوز الرجوع عنه قبل تمامه. إلا أنه إذا خرج جميع السهام إلا واحداً، لم يجز الرجوع في قسمة التراضي، لصيرورة السهم متعيناً لمن بقي من الشركاء أو لتعيين نصيب ذلك الواحد. وأطلق المالكية القول باللزوم فقالوا: ولزم ما خرج بالقسمة، فليس لأحدهم نقضها، وكذا يلزم الشريك في قسمة التراضي، فمن أراد الفسخ لم يكن منه. وقال الشافعية: تلزم قسمة الإجبار من غير تراضٍ، ومن المعلوم أن قسمة الإفراز والتعديل فيهما الإجبار، وأما قسمة التراضي قسمة رد دون غيرها، فالأرجح عندهم أنه لا بد من الرضا بها بعد خروج القرعة، ولا يلزم حكم القاسم إلا برضا الشركاء؛ لأنه لما اعتبر الرضا بالقسمة ابتداء، اعتبر بعد خروج القرعة. والحنابلة قالوا: تلزم عندهم قسمة الإجبار، فهم كالشافعية، وفي قسمة التراضي عندهم وجهان كالشافعية، لكن الأرجح عندهم أنه إذا خرجت القرعة لزمت القسمة؛ لأن القاسم كالحاكم، وقرعته كالحاكم، لأنه مجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق، فوجب أن تلزم قرعته.] الفقه الإسلامي وأدلته ٥/٦٨٣-٦٨٤. وقد قررت المادة (١١٥٧) من المجلة لزوم القسمة وعدم الرجوع عنها حيث ورد فيها: [لا يسوغ الرجوع عن القسمة بعد تمامها.] وجاء في شرح المادة السابقة: [أي بعد تمامها على الوجه الآنف الذكر، أي ليس للمقسوم له أن يرجع عن القسمة، كما أنه ليس لورثته بعد وفاته الرجوع عنها (علي أفندي) . لا يجوز الرجوع عن القسمة الصحيحة والتامة التي جرت على الوجه السالف الذكر] درر الحكام ٣/١٦١. وورد في القانون المدني الأردني المادة ١٠٤٨: [لا يسوغ الرجوع عن القسمة بعد تمامها إلا أنه يجوز لجميع الشركاء فسخ القسمة وإقالتها برضائهم وإعادة المقسوم مشتركاً بينهم كما كان] . ومما قرره الفقهاء أن القسمة إذا وقعت صحيحة فإنه يترتب عليها استقلال كل واحد من الشركاء بعد القسمة بملك نصيبه والتصرف فيه كأي مالك فيما يملك، لأن هذا هو ثمرة القسمة ومقصودها. الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٣/٢٤٧. وانظر مجلة الأحكام العدلية المادة ١١٦٢. وقال الدكتور وهبة الزحيلي: [يترتب على القسمة الأحكام التالية:
١- يتعين نصيب كل شريك مستقلاً عن نصيب غيره، فيملك حصته مستقلاً بعد القسمة. ٢- يملك الشريك المقسوم له جميع التصرفات الثابتة لصاحب الملكية المطلقة، من بيع وإيجار ورهن، وبناء وهدم، ونحوها. ٣- لا تثبت الشفعة في القسمة؛ لأن حق الشفعة في المبادلة المحضة، والقسمة مبادلة من وجه واحد، فلا تحتمل الشفعة. والظاهر أن هذا الحكم متفق عليه في المذاهب] الفقه الإسلامي وأدلته ٥/٦٨٦.
وخلاصة الأمر أن القسمة إذا تمت بتراضي وتوافق جميع الأطراف، فهي لازمة للجميع، ولا يجوز لأحد من الأطراف الرجوع عنها، ومن آثار القسمة المقررة عند الفقهاء أن كل طرفٍ يملك نصيبه ويتصرف فيه تصرف المالك فيما يملك.
стр. 703
١٩٧ - حقيقة تملك السلع وقبضها في بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية
يقول السائل: أرجو توضيح حقيقة تملك السلع وقبضها من البنك الإسلامي قبل بيعها للآمر بالشراء في بيع المرابحة المعمول به في البنوك الإسلامية؟
الجواب: بيع المرابحة عند الفقهاء هو بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح. وصورة بيع المرابحة المستعملة الآن في البنوك الإسلامية هي أن يتفق العميل والبنك على أن يقوم العميل بشراء البضاعة بربحٍ معلومٍ بعد شراء البنك لها، وهذه الصورة هي المسماة ببيع المرابحة للآمر بالشراء فيجوز شرعاً للبنك الإسلامي أن يشتري السلعة بناءً على رغبة عميله وطلبه ما دام أن ذلك متفق مع الضوابط الشرعية لعقد البيع. ومن أهم الضوابط الشرعية لبيع المرابحة هو تملك البنك للسلعة تملكاً حقيقياً، جاء في معيار المرابحة: [يحرم على المؤسسة أن تبيع سلعة بالمرابحة قبل تملكها لها. فلا يصح توقيع عقد المرابحة مع العميل قبل التعاقد مع البائع الأول لشراء السلعة موضوع المرابحة، وقبضها حقيقةً أو حكماً بالتمكين أو تسليم المستندات المخولة بالقبض ... يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميلها بالمرابحة للآمر بالشراء.] المعيار الشرعي رقم ٨ من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. وما ورد في المعيار السابق من أنه يحرم البيع قبل التملك وأنه يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميلها بالمرابحة للآمر بالشراء، فهذا مبني على النصوص الشرعية التي منعت البيع قبل التملك، كما في حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك) رواه أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/١٣٢. وأما مسألة القبض ففيها خلاف بين الفقهاء من حيث ما يشترط فيه القبض وما لا يشترط فيه، قال الشيخ ابن رشد المالكي: [فيما يشترط فيه القبض من المبيعات، وأما بيع ما سوى الطعام قبل القبض، فلا خلاف في مذهب مالك في إجازته، وأما الطعام الربوي فلا خلاف في مذهبه أن القبض شرط في بيعه. وأما غير الربوي من الطعام، فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: المنع وهي الأشهر. وبها قال أحمد وأبو ثور، إلا أنهما اشترطا مع الطعام الكيل والوزن. والرواية الأخرى: الجواز. وأما أبو حنيفة فالقبض عنده شرطٌ في كل بيع ما عدا المبيعات التي لا تنتقل ولا تُحَول من الدور والعقار. وأما الشافعي فإن القبض عنده شرط في كل مبيع، وبه قال الثوري. وهو مروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس، وقال أبو عبيد وإسحاق: كل شيء لا يكال ولا يوزن فلا بأس ببيعه قبل قبضه، فاشترط هؤلاء القبض في المكيل والموزون، وبه قال ابن حبيب وعبد العزيز بن أبي سلمة وربيعة، وزاد هؤلاء مع الكيل والوزن المعدود. فيتحصل في اشتراط القبض سبعة أقوال: الأول: في الطعام الربوي فقط. والثاني: في الطعام بإطلاق. الثالث: في الطعام المكيل والموزون. الرابع: في كل شيء ينقل. الخامس: في كل شيء. السادس: في المكيل والموزون. السابع: في المكيل والموزون والمعدود.] بداية المجتهد ٢/١١٧. ولا بد أن نعرف أنه لم يرد في الشرع تحديد لكيفية القبض، وإنما مرجع ذلك هو العرف والعادة، وقد قرر الفقهاء أن ما لم يرد له في الشرع تحديد فمرجعه إلى أعراف الناس ومعتادهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وتارة باللغة كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف كالقبض والتفريق وكذلك العقود كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وغير ذلك، فما تواطأ الناس على شرط وتعاقدوا فهذا شرط عند أهل العرف] مجموع الفتاوى ٢٩/٤٤٨. وقال الإمام القرافي: [وأما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها] شرح تنقيح الفصول ص ٤٨٨.وقال العلامة ابن عابدين الحنفي: والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار. مجموعة رسائل ابن عابدين ٢/١١٢. إذا تقرر هذا فإن معرفة حقيقة القبض ترجع إلى العرف وما تعامل به الناس، قال الإمام النووي: [الرجوع فيما يكون قبضاً إلى العادة وتختلف بحسب اختلاف المال] المجموع ٩/٢٧٦.وورد في الموسوعة الفقهية: [تحديد القبض وتحققه: مذهب المالكية والشافعية والحنابلة أن قبض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً أو مذروعاً، فقبضه بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع ... وإن كان جزافاً فقبضه نقله ... وإن كان منقولاً من عروض وأنعام، فقبضه بالعرف الجاري بين الناس كما يقول المالكية: كاحتياز الثوب، وتسليم مقود الدابة أو ينقله إلى حيز لا يختص به البائع عند الشافعية. وفصَّل الحنابلة في المنقول من العروض والأنعام فقالوا: إن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضها باليد، وإن كان ثياباً فقبضها نقلها. وإن كان حيواناً، فقبضه تمشيته من مكانه، وإن كان عقاراً فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري، بلا حائل دونه، وتمكينه من التصرف فيه، بتسليمه المفتاح إن وجد، بشرط أن يفرغه من متاع غير المشتري عند الشافعية ... واعتبر الحنفية التخلية - وهي: رفع الموانع والتمكين من القبض - قبضاً حكماً على ظاهر الرواية، وروى أبو الخطاب مثل ذلك عن أحمد وشرط مع التخلية التمييز] الموسوعة الفقهية الكويتية ٩/١٣٢-١٣٤ بتصرف. وبما أن قبض الأشياء مبنيٌ على العرف فإن قبض الأشياء المستجدة يكون أيضاً حسب ما يتعارفه الناس، فهنالك صور للقبض مستحدثة كما في قبض الشيكات والكمبيالات والقيد على الحساب ووثائق الشحن ونحوها، وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن القبض وبخاصة صوره المستجدة ما يلي: أولاً: قبض الأموال كما يكون حسياً في حالة الأخذ باليد، أو الكيل أو الوزن في الطعام، أو النقل والتحويل إلى حوزة القابض، يتحقق اعتباراً وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حساً. وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضاً لها. ثانياً: إن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً:١-القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية: أ - إذا أُودعَ في حساب العميل مبلغٌ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية. ب - إذا عقد العميل عقْدَ صرفٍ ناجزٍ بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل. ج - إذا اقتطع المصرف - بأمر العميل - مبلغاً من حسابٍ له إلى حسابٍ آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية. ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي، للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.٢- تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجَزَه المصرف.] مجلة المجمع الفقهي ٦/١/٤٥٣.وبناءً على ما سبق فإن القبض المعمول به في البنوك الإسلامية للسلع في بيع المرابحة يكون وفق الضوابط التالية: ١- يجب التحقق من قبض البنك للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميله بالمرابحة للآمر بالشراء.٢- ينتقل الضمان من البائع الأول إلى البنك بالقبض أو بالتمكين منه. ويجب أن تتضح نقطة الفصل التي ينتقل فيها ضمان السلعة من البائع الأول إلى البنك، ومن البنك إلى عميله، وذلك من خلال مراحل انتقال السلعة من طرف لآخر.٣-إن كيفية قبض الأشياء تختلف بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضاً لها، فكما يكون القبض حسياً في حالة الأخذ باليد أو النقل أو التحويل إلى حوزة القابض أو وكيله يتحقق أيضاً اعتباراً وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حساً بما في ذلك المنقولات إذا جرى بها العرف.٤-يعد قبضاً حكمياً تسلم البنك أو وكيله لمستندات الشحن عند شراء البضائع من السوق الخارجية، وكذلك تسلمه لشهادات التخزين التي تعين البضاعة من المخازن التي تدار بطرق مناسبة موثوق بها.٥-فرز البضاعة المشتراة من قبل البنك في مخازن البائع بصورة مميزة يُعد قبضاً صحيحاً لها إذا اقترن بأحد الأمور الآتية: أ -إذا تم الفرز بمعاينة مندوب البنك. ب -إذا تسلم البنك أوراقاً تثبت ملكيته للسلع المفرزة. ت -إذا كانت السلع مرقمة وسجلت أرقام السلع المفرزة لصالح البنك.] ضوابط عقد المرابحة الصادرة عن الهيئة الشرعية لبنك البلاد الإسلامي. وهذه الضوابط تعتمد على التخلية وهي رفع الموانع والتمكين من القبض كما سبق، ومستندها ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفرٍ فكنت على بَكْرٍ صعبٍ - ولد الناقة أول ما يركب وهو نفور لم يذلل - لعمر فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: بعينه. قال هو لك يا رسول الله قال: بعينه. فباعه من رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : هو لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت) رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وقد احتج به للمالكية والحنفية في أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية واليه مال البخاري] فتح الباري ٤/٣٣٥. وقال الكاساني: [والتخلية هي: أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما على وجهٍ يتمكن المشتري من التصرف فيه، فيجعل البائع مُسَلماً للمبيع والمشتري قابضاً له. فالتخلية بين المبيع وبين المشتري قبضٌ وإن لم يتم القبض حقيقةً فإذا هلك يهلك على المشتري] بدائع الصنائع ٥/٢٤٤.
وخلاصة الأمر أن قبض السلع يحدد بناءً على العرف، حيث لم يرد له تحديد في الشرع، وما كان كذلك فالمرجع فيه للعرف، وأن صور القبض المستجدة كذلك، ومعتمد ما يتم في البنوك الإسلامية من صور للقبض موافق لمبدأ التخلية المقرر في الفقه الإسلامي وعمل به كثير من الفقهاء.
стр. 704
١٩٨ - مرجعية الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية
يقول السائل: نسمع أن للبنك الإسلامي رقابة شرعية تشرف عليه، فما هو دورها، وما هي مرجعيتها، أفيدونا؟
الجواب: تعتبر الرقابة الشرعية صمام الأمان في البنوك الإسلامية، وهي التي تضبط أعمال البنوك الإسلامية وتبين مدى توافقها مع الأحكام الشرعية، لأنه لا يمكن لأي بنك أن يرفع لافتة أنه بنك إسلامي، دون أن تكون أعماله متفقة مع الأحكام الشرعية، ولا يمكن أن يتم تحقيق تلك الدعوى بدون وجود هيئة رقابة شرعية. [فالرقابة الشرعية هي: التأكد من مدى مطابقة أعمال المؤسسة المالية الإسلامية (شركة أو مصرف) لأحكام الشريعة الإسلامية، حسب الفتاوى الصادرة والقرارات المعتمدة من جهة الفتوى.] انظر الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية، حمزة عبد الكريم، ص٣٢. ويمكن تعريف الرقابة الشرعية أيضاً بأنها: مُراقبة سير العمل في المصارف الإسلامية، لمعرفة مدى مطابقتهِ لأحكام الشريعة الإسلامية، في معاملاته المصرفية المختلفة، للتحقق من التزام المصرف بخصائصه، والتأكد من تحقيق أهدافه] رسالة الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية لحسن صافي ص ٤١. وتعتبر الرقابة الشرعية ذات أهمية بالغة للبنوك الإسلامية لأكثر من سبب، من أبرزها: (١) الأساس الذي قامت عليه البنوك الإسلامية المعاصرة هو تقديم البديل الشرعي للبنوك الربوية غير المشروعة، ولا يخفى على أحدٍ أن الرقابة الشرعية ضرورة حيوية للبنوك الإسلامية، فهي الجهة التي تراقب وترصد سير عمل البنوك الإسلامية والتزامها وتطبيقها في معاملاتها للأحكام الشرعية. (٢) كثير من العاملين في البنوك الإسلامية ليست لديهم المعرفة الكافية بقواعد المعاملات الإسلامية. (٣) العمليات المصرفية في الاستثمار والتمويل بالذات تحتاج إلى رأي من هيئة الفتوى نظراً لتميز هذه العمليات بالتغير وعدم التكرار مع كل حالة أو عملية أو مشروع يموله المصرف، ومن ثم فالعاملون في النشاط الاستثماري يجب أن يكونوا على اتصال مستمر مع الرقابة الشرعية؛ لأنهم دائماً بحاجة إلى الفتيا في نوازل وواقعات تواجههم أثناء عملهم. (٤) وجود الرقابة الشرعية في البنك يُعطيه الصبغة الشرعية، كما يُعطي وجود الرقابة ارتياحاً لدى جمهور المتعاملين مع البنك. وبالإجمال فإنَّ وجود الرقابة الشرعية في أية مؤسسة مالية إسلامية، بنك أو غيره، يمنحُها الثقة والقوة والشرعية، علماً بأن كل البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، في نظامها الداخلي وقوانينها الأساسية، تشترط خضوع كل المعاملات المصرفية فيها للأحكام الشرعية، وهذا يُضفي عليها صفة القانونية بالإضافة إلى الشرعية. ولا بد أن يُعلم أن القرارات الصادرة عن هيئة الرقابة الشرعية تكون إلزامية لإدارة البنك وموظفيه. وأهم أهداف الرقابة الشرعية أنها تتحقق من التزام البنك الإسلامي بالأحكام والمبادئ الشرعية. وتقوم بإيجاد الصيغ والعقود والنماذج المعتمدة في البنك من الناحية الشرعية، وتدقيق المعاملات التي ينفذها البنك بحيث تكون موافقة للأحكام الشرعية. وإبداء الرأي الشرعي في كل الأنظمة والعقود والتطبيقات والاتفاقيات والقوائم المالية وتعليمات العمل، للتأكد من خلوها من أي محظور شرعي، وكل ما يتطلبه أداء ذلك من رقابة وتدقيق ومتابعة. ولا بد من الإشارة إلى أن الأنظمة والتعليمات الصدارة عن سلطة النقد الفلسطينية تلزم البنوك الإسلامية العاملة في فلسطين بأن يكون لديها هيئة رقابة شرعية وقد بينت مهامها بما يلي: [١- التأكد من أن أعمال وأنشطة المصرف الإسلامي تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.٢- إبداء الرأي في صيغ العقود اللازمة لأعمال وأنشطة المصرف الإسلامي والاتفاقيات، والسياسات، والمنتجات، والمعاملات، والقوائم المالية، ونشر تقريرها ضمن التقارير المالية للمصرف، على أن يتضمن التقرير الأنشطة المخالفة للشريعة إن وجدت.٣- تطبيق الأهداف والغايات المبينة في النظم الداخلية وعقود التأسيس الخاصة بها. ٤- تقديم التوجيه والإرشاد والتدريب لكافة موظفي المصرف فيما يتعلق بالأحكام الشرعية والفتاوى ذات العلاقة.] وأود أن أقول لجمهور المتعاملين مع البنوك الإسلامية أنه يوجد خلف البنوك الإسلامية عددٌ كبيرٌ من العلماء والخبراء والباحثين الذين يؤسسون للعمل المصرفي الإسلامي ويوجهونه ويرشدونه ويدققون في معاملاته وفق الأسس والقواعد الشرعية. إذا تقرر هذا فإن الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي لها مرجعية واضحة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويمكن بيان معالم هذه المرجعية فيما يلي: أولاً: المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية AAOIFI ومقرها البحرين، والمقصور بالمعايير الشرعية هي: المعايير الشرعية والمعايير المحاسبية، ومعايير الضبط والمراجعة التي أصدرتها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، وهي اليوم تقرب من ثمانين معياراً، ويقوم بإعداد هذه المعايير المجلس الشرعي في الهيئة والمؤلف من عددٍ من المشايخ والعلماء والمتخصصين في أمور الاقتصاد المالي الإسلامي. بعضهم يمثل المصارف وبعضهم لديه خبرته ومكانته في الصناعة المالية الإسلامية، وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية في البحرين منظمة دولية مستقلة مؤلفة من أكثر من ١٤٠ عضواً من ٤٠ بلداً، ومهمتها إصدار المعايير في عدد من المجالات كالمحاسبة والمراجعة والضوابط الأخلاقية والشريعة، وهذه المعايير معتمدة في ٩٠% من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على مستوى العالم. وقد شملت المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية كثيراً من أنواع معاملات البنوك الإسلامية مثل: المتاجرة في العملات وبطاقة الحسم وبطاقة الائتمان والمقاصة والضمانات والمرابحة للآمر بالشراء والإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك والسلم والسلم الموازي والاستصناع والاستصناع الموازي والشركة (المشاركة) والشركات الحديثة والمضاربة والاعتمادات المستندية والأوراق التجارية وصكوك الاستثمار وبيوع السلم في الأسواق المنظمة والأوراق المالية (الأسهم والسندات) وعقود الامتياز والتأمين الإسلامي وإعادة التأمين والخدمات المصرفية في المصارف الإسلامية والتورق والغرر المفسد للمعاملات المالية والتحكيم والعوارض الطارئة على الالتزامات والتعاملات المالية بالإنترنت والحسابات الاستثمارية وتوزيع الربح وغيرها. ثانياً: فتاوى وقرارات وتوصيات الندوات والمجامع والملتقيات الفقهية. وهذه من الأهمية بمكان، حيث إن الاجتهاد الجماعي الذي تمارسه مجامع الفقه الإسلامي المعاصرة، يُعدُّ مَعْلَماً من معالم مسيرة الفقه الإسلامي في العصر الحاضر، ولا شك أن وجود هذه المجامع وصدور الآراء الفقهية الجماعية عنها يُعطي قوةً للفقه الإسلامي، وخاصة أن المجامع الفقهية تتصدى لكثير من النوازل الفقهية والقضايا المعاصرة، وهذا يجعل الفقه الإسلامي قادراً على مواجهة تطور الحياة العصرية. ولا شك أن الاجتهاد الجماعي الذي تمثله المجامع الفقهية، مقدمٌ على الاجتهاد الفردي الذي يصدر عن أفراد الفقهاء، فهو أكثر دقةً وإصابةً من الاجتهاد الفردي، كما أن فيه تحقيقاً لمبدأ الشورى في الاجتهاد، وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي، فقد روى ميمون بن مهران: (أن أبا بكر ﵁ كان إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر، كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاءً، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنةً من رسول الله ﷺ ، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمرٍ قضى به ... ) سنن الدارمي ١/٤٠. ثالثاً: المقاصد العامة للشريعة الإسلامية وقواعدها الكلية وأحكامها الجزئية المستمدة من الكتاب والسنة دون التقيد بمذهب معين. فمن المعلوم أن الأحكام الشرعية عند جماهير العلماء جملةً وتفصيلاً متضمنة لمقاصدها وأغراضها، ومنطوية على مصالح الخلق وإسعادهم في الدارين، سواء أكانت هذه المقاصد حكماً ومعاني جزئية تفصيلية، أم كانت مصالح ومنافع كلية عامة، أم كانت سماتٍ وأغراضاً كبرى تحيط بأبواب وأحكام شتى. انظر الاجتهاد المقاصدي حجيته، د. نور الدين الخادمي ص٥. لذا كان من الضرورة بمكان، معرفة مقاصد الشريعة لكل من يتصدى لدراسة المعاملات المالية المعاصرة، وأما قضية المذاهب الفقهية فيرى بعض الباحثين أن الواجب على هيئات الرقابة الشرعية أن تلتزم بالمذاهب الفقهية الأربعة، وأن لا تخرج فتاواها عنها، والذي أراه هو عدم الالتزام بمذهب فقهي معين، وإنما اختيار القول الذي يدعمه الدليل الصحيح والمتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، والموافق للقواعد والضوابط الفقهية التي تحكم نظام المعاملات المالية.
وخلاصة الأمر أن الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية أمر ضروري وهام، ولا تقوم البنوك الإسلامية إلا به، والرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية لها مرجعيتها، وإن اعتماد المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية في البحرين، لأمرٌ جِدُ ضروري، لأنه يضبط معاملات البنوك الإسلامية، ويوحد الفتاوى الصادرة عن هيئات الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية، ويقلل الخلافات بينها. وذات الأمر يُقال عن اعتماد الفتاوى والقرارات والتوصيات الصادرة عن المجامع والملتقيات الفقهية.
стр. 705
١٩٩ - الضوابط الشرعية للتعامل مع أموال الأيتام
يقول السائل: أنا وصي على أيتام ولهم أموال فما هي حدود التعامل مع أموالهم، أفيدونا؟
الجواب: اليتيم في الناس من قِبل الأب، وفي البهائم من قِبل الأم، ولا يقال لمن فقد الأم من الناس يتيم، كما قال ابن السكيت من أهل اللغة، واليتيم عند الفقهاء هو من مات أبوه وهو دون البلوغ. وقد ورد في الحديث عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يتم بعد احتلام) رواه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي رجاله ثقات مجمع الزوائد٤/٢٦٦. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٥/٧٩. وقد تضافرت النصوص من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ على وجوب العناية باليتيم والإحسان إليه، والمحافظة على أمواله، وبينت عِظم أجر كافل اليتيم، فمن ذلك قوله تعال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ... ﴾ سورة النساء الآية ٣٦. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ سورة البقرة الآية ٨٣. وقال تعالى: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ سورة النساء الآية ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ سورة النساء الآية ١٠.قال الفخر الرازي في تفسيره للآية السابقة: [واعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل، فثبت أن المراد منه التصرف، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف] تفسير الرازي ٥/٤٤. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ سورة الأنعام الآية ١٥٢. وقال تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾ سورة الضحى الآية ٩. وثبت في الحديث عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّج بينهما) رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: [قال ابن بطال: حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي ﷺ في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك] . ثم قال الحافظ ابن حجر: [قال شيخنا في شرح الترمذي: لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي ﷺ أو منزلة النبي ﷺ ، لكون النبي ﷺ شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلاً لهم ومعلماً ومرشداً، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك.] فتح الباري ١٠/٥٣٦-٥٣٧. وقال النبي ﷺ : (من ضم يتيماً بين مسلمين في طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة) رواه أبو يعلى والطبراني وأحمد مختصراً بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري. وقال العلامة الألباني صحيح لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٦٧٦. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (أتى النبيَ ﷺ رجلٌ يشكو قسوة قلبه؟ قال: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك) رواه الطبراني وقال العلامة الألباني حسن لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب ٢/٦٧٦. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم لا يفطر) رواه البخاري ومسلم، وقال النبي ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات.) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. إذا تقرر هذا فإن [القاعدة العامة في عقود الوصي وتصرفاته: أن الوصي مقيد في تصرفه بالنظر والمصلحة لمن في وصايته، وعلى هذا لا يكون للوصي سلطة مباشرة التصرفات الضارة ضرراً محضاً كالهبة، أو التصدق، أو البيع والشراء بغبن فاحش، فإذا باشر الوصي تصرفاً من هذه التصرفات كان تصرفه باطلاً، لا يقبل الإجازة من أحدٍ، ويكون له سلطة مباشرة التصرفات النافعة نفعاً محضاً، كقبول الهبة والصدقة والوصية والوقف، والكفالة للمال. ومثل هذا: التصرفات الدائرة بين النفع والضرر، كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار والقسمة والشركة، فإن للوصي أن يباشرها، إلا إذا ترتب عليها ضرر ظاهر، فإنها لا تكون صحيحة.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٧/٢١٣.وهذه أهم الضوابط الشرعية للتعامل مع أموال الأيتام: أولاً: الإنفاق على الأيتام من أموالهم بالمعروف ولا بد من [الالتزام بالأولويات الإسلامية التي تخص اليتامى، أي الإنفاق على الضروريات أولاً ثم يلي ذلك الإنفاق على الحاجيات, ولا يجوز الإنفاق على الكماليات إلاّ بعد تلبية والوفاء بالضروريات والحاجيات.] انظر الضوابط الشرعية لإدارة صندوق أموال اليتامى د. حسين شحاتة ص ٢. ويشمل ذلك قضاء حاجاتهم كالطعام والكساء والمسكن والعلاج والتعليم ونحوها، وإذا وسَّع عليهم في الأعياد فلا حرج، قال الإمام مالك ﵀: [وليوسع عليهم ولا يضيق، وربما قال: أن يشتري لهم بعض ما يُلهيهم به وذلك مما يُطَيِّب به نفوسهم] مواهب الجليل شرح مختصر خليل عن الإنترنت. ثانياً: ويجب أن يكون [الإنفاق في مجال الحلال الطيب الذي يعود على اليتامى بالمنافع المعتبرة شرعاً حسب الظروف والأحوال. وتجنب الإسراف والتبذير في أموال اليتامى لأن ذلك محرم شرعاً ولا يعود عليهم بالنفع والخير] الضوابط الشرعية لإدارة صندوق أموال اليتامى د. حسين شحاتة ص٢. ثالثاً: إذا كانت أموال الأيتام زائدة عن نفقتهم فللوصي استثمار أموال اليتامى وتنميتها، حتى لا تفنى في النفقات أو في الزكاة كما سيأتي، ومما يدل على جواز استثمار أموال اليتامى ما ورد في بعض الأحاديث والآثار عن الصحابة ﵃ ومنها:١. ما روي أنه ﵊ قال: (ألا من ولي يتيماً وله مال فليتجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) رواه الترمذي وضعفه. ٢. ما رواه الشافعي بسنده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: (ابتغوا في مال اليتيم أو أموال اليتامى لا تذهبها ولا تستهلكها الصدقة) رواه الشافعي في الأم والبيهقي في السنن الكبرى، وقال البيهقي وهذا مرسل إلا أن الشافعي ﵀ أكده بالاستدلال بالخبر الأول، وبما روي عن الصحابة ﵃. سنن البيهقي ٤/١٠٧. ٣.ما رواه البيهقي بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) وقال البيهقي هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر ﵁. ٤. ما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه عن عمر بن الخطاب أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة) .٥. وما رواه البيهقي بسنده أن عمر بن الخطاب قال لرجل أن عندنا مال يتيم قد أسرعت فيه الزكاة فدفعه إليه ليتجر فيه له. وغير ذلك من الأحاديث. وهنالك وسائل كثيرة لاستثمار أموال الأيتام بطرق شرعية كالمرابحة والاستصناع والمضاربة والمشاركة المتناقصة والمساقاة والمزارعة وغيرها ٠ثالثاً: الأصل في مال الأيتام هو الحرمة في حق الوصي إلا إذا كان محتاجاً فإنه يأكل بالمعروف، والأولى في حقه أن يتعفف عن مال اليتم، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ سورة الأنعام الآية ١٥٢.وقال الله تعالى في حق أموال الأيتام: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سورة النساء الآية ٦.وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ سورة النساء الآية ١٠. رابعاً: للوصي أن يبيع ويشتري للأيتام ما دام البيع والشراء ضمن ما تعارف عليه الناس في البيع والشراء. خامساً: لا يجوز للوصي باتفاق الفقهاء أن يهب شيئاً من مال اليتيم، ولا أن يتصدق منه، ولا أن يوصي بشيءٍ منه؛ لأنها من التصرفات الضارة ضرراً محضاً، فلا يملكها الوصي، ولا الولي ولو كان أباً. ولا يجوز للوصي أن يقرض مال اليتيم لغيره، ولا أن يقترضه لنفسه؛ لما في إقراضه من تعطيل المال عن الاستثمار، والوصي مأمور بتنميته بقدر الإمكان. الموسوعة الفقهية الكويتية ٧/٢١٣ فما بعدها بتصرف. سادساً: يجب إيداع أموال الأيتام في المصارف الإسلامية إذا وجدت، ولا يجوز إيداعها في البنوك الربوية إلا لحفظها عند عدم وجود المصارف الإسلامية.
سابعاً: أداء زكاة مال اليتيم كما هو القول الراجح من أقوال الفقهاء، لأن الزكاة حق من حقوق المال، فتجب في كل مال تحققت فيه شروط الوجوب، بغض النظر عن مالك المال، فلا ينظر فيها إلى المالك فتجب الزكاة في مال البالغ وغير البالغ.
وخلاصة الأمر أن دين الإسلام اهتم اهتماماً كبيراً بالأيتام عامة وبأموالهم خاصة، فالآيات والأحاديث حضت الأوصياء على الإحسان للأيتام ورعايتهم وتربيتهم، ودعت إلى استثمار أموال الأيتام لمصلحتهم، وعلى من تولى مال يتيمٍ أن يضبط تصرفاته بضوابط الشرع المذكورة أعلاه، والواجب على وصي اليتيم هو عمل الصالح لليتيم، وليحذر من قربان مال اليتيم بغير التي هي أحسن. وليعلم أن التعرض لأموال الأيتام بسوء من السبع الموبقات المهلكات.
стр. 706
٢٠٠ - المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية AAOFI
يقول السائل: ذكرتم في حلقة سابقة من يسألونك "المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية" فأرجو توضيح ما يتعلق بهذه المعايير، أفيدونا؟
الجواب: هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية مقرها في البحرين، وهي منظمة دولية مستقلة مؤلفة من أكثر من ١٤٠ عضواً من ٤٠ بلداً، ومهمتها إصدار المعايير في عددٍ من المجالات كالمحاسبة والمراجعة والضوابط الأخلاقية والشرعية، لتغطي كافة جوانب العمل المصرفي والمالي الإسلامي، وحتى تجعله ينسجم مع بعضه، ومع الواقع التجاري المحيط، وتسهل على المستثمر والمستهلك من جهة، وتيسر على البنوك إدارة أموالها، وتحقيق عائد أكبر، وتوفير بيئة آمنة من حيث تقليل مستوى المخاطرة من جهة أخرى.] نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط العدد ١٠٢٩٠. وقد بلغ عدد المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية حتى بداية سنة ٢٠١٠م ثمانين معياراً من المعايير الشرعية، بالإضافة إلى معايير خاصة بالمحاسبة والمراجعة وأخلاقيات العمل المصرفي الإسلامي. كما ينتظر أن يضاف ١٦ معياراً آخراً حتى عام ٢٠١١.انظر موقع هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية على شبكة الإنترنت: http://www.arabic.aaoifi.com/ara-keypublications.html وتعتبر هذه المعايير في الحقيقة والواقع، أهم الضوابط الشرعية لعمل المصارف الإسلامية في وقتنا الحاضر، ويُعدُّ الالتزام بالمعايير الشرعية الصادرة من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية من عناصر التزام أي بنك إسلامي بالضوابط الشرعية في أعماله، حيث إن هذه المعايير معتمدة في ٩٠% من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على مستوى العالم، ويقوم بإعداد هذه المعايير المجلس الشرعي في الهيئة والمؤلف من ١٦ عالماً وباحثاً، بعضهم يمثل المصارف وبعضهم لديه خبرته ومكانته في الصناعة المالية الإسلامية، وهم من خيرة المشايخ المتخصصين في أمور الاقتصاد المالي الإسلامي. وبعد هذه المقدمة أبين أن المعايير جمع معيار، والمعيار ـ بكسر العين ـ كل ما تقدر به الأشياء من كيل أو وزن، وما اتخذ أساساً للمقارنة، وعيار النقود: مقدار ما فيها من المعدن الخالص، والمعيار هو ما يقدر به الشيء ... والمقصور بالمعايير الشرعية هي الضوابط التي تضبط العقود والأنشطة الإنسانية بأحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها، ولكن المراد بها هنا هي: المعايير الشرعية والمعايير المحاسبية، ومعايير الضبط والمراجعة التي أصدرتها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. وقد شملت المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية كثيراً من أنواع معاملات البنوك الإسلامية مثل: المتاجرة في العملات، بطاقة الحسم وبطاقة الائتمان، المدين المماطل، المقاصة، الضمانات، تحول البنك التقليدي إلى مصرف إسلامي، الحوالة، المرابحة للآمر بالشراء، الإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك، السَّلم والسَّلم الموازي، الاستصناع والاستصناع الموازي، الشركة (المشاركة) والشركات الحديثة، المضاربة، الاعتمادات المستندية، الجعالة، الأوراق التجارية، صكوك الاستثمار، القبض، القرض، بيوع السلم في الأسواق المنظمة، الأوراق المالية (الأسهم والسندات) ، عقود الامتياز، الوكالة وتصرف الفضولي، التمويل المصرفي المجمع، الجمع بين العقود، التأمين الإسلامي، المؤشرات، الخدمات المصرفية في المصارف الإسلامية، ضوابط الفتيا وأخلاقياتها في إطار المؤسسات، التورق، الغرر المفسد للمعاملات المالية، التحكيم، الوقف، إجارة الأشخاص، الزكاة، العوارض الطارئة على الالتزامات، الاتفاقيات الائتمانية، التعاملات المالية بالإنترنت، الرهن، الحسابات الاستثمارية وتوزيع الربح، إعادة التأمين وغيرها. وتأتي أهمية الالتزام بالمعايير الشرعية من خلال ما يلي: أولاً ـ إن وجود معيار شرعي لأي عقد، أو منتج، بصياغة قانونية واضحة يجعل المؤسسة المالية تسير على هداه بوضوح وبخطوات راسخة للوصول إلى تطبيق أحكام الشريعة دون لبس أو غموض. إن التزام المؤسسة المالية بهذه المعايير يترتب عليه كسب ثقة المتعاملين بها واحترامهم لها. ثانياً ـ إن الالتزام بهذه المعايير سيؤدي بإذن الله تعالى إلى مزيد من تحقيق التعاون بين المؤسسات المالية من خلال الأعمال المشتركة، بل إلى توحيدها من حيث العقود والضوابط والمبادئ العامة. ثالثاً ـ إن وجود هذه المعايير يفيد المتعاملين من حيث الالتزام بأحكام الشريعة، وبالتالي يعلمون ما لهم وما عليهم من واجبات وأحكام. رابعاً ـ إن المعايير الشرعية تفيد جهات القضاء أو التحكيم للوصول إلى الحكم العادل الواضح البين، وقد كانت في السابق إشكالية تثار دائماً: كيف تحكم في الخلاف: هل بالمذهب الحنفي، أو المالكي، أو الشافعي، أو الحنبلي، أو الإمامي، أو الزيدي، أو الإباضي ... ثم داخل المذهب بأي قول من أقوال المذهب أو أية رواية من رواياته؟ لذلك كانت المحاكم تلجأ إلى القوانين حتى مع نص في العقد على الالتزام بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة ... خامساً ـ إن وجود هذه المعايير والالتزام بها يفيد الدولة والمصارف المركزية وجهات الرقابة والتدقيق، بكيفية التعامل مع المؤسسات المالية الإسلامية وضبطها، والتعرف على أعمالها وعقودها، وكيفية التدقيق عليها على ضوء أسس وضوابط حددتها المعايير الشرعية. سادساً ـ إن وجود هذه المعايير الشرعية والمحاسبية يفيد شركات التدقيق الخارجي في كيفية الضبط والتدقيق الداخلي على أسس وموازين وأوزان محددة. سابعاً ـ إن الالتزام بهذه المعايير يسهل عملية التصنيف والجودة، حيث يمكن المنافسة على ما هو الأجود. ثامناً ـ وأخيراً: إن الالتزام بها يؤدي إلى التطوير، ولكن هذا إنما يتحقق بإمكانية المراجعة بهذه المعايير على ضوء ضرورة العمل والتطبيق، ففقه التطبيق والمعايشة أهم أنواع الفقه، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ومن أهم المبررات العملية للاعتراف بهذه المعايير الشرعية والمحاسبية الصادرة من هيئة المحاسبة والمراجعة: (١) إن معايير المحاسبة السائدة في أماكن مختلفة من العالم تبلورت وصدرت لتتفق مع بيئة البلد الذي صدرت فيه، ومن أهم أوجه الاختلاف المتطلبات الشرعية ذات التأثير على أعمال المصارف. (٢) وجود اختلافات بين البنوك التقليدية التي تقارن بها بالمصارف الإسلامية، وبين تلك المصارف، من أهمها المتطلبات الشرعية واختلاف الجوهر الاقتصادي للعديد من معاملاتها الهامة. (٣) اختلاف المعلومات التي يحتاجها المستفيدون من القوائم المالية للمصارف الإسلامية عن تلك التي يحتاجها مستخدمو القوائم المالية للبنوك التقليدية. (٤) وجود اختلافات هامة بين المعايير التي تستخدمها حالياً المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية نفسها من بلد لآخر، ومن مصرف لآخر في نفس البلد، وأحياناً من سنة لأخرى لنفس المصرف. واليوم توجد عدة بنوك مركزية تلزم بهذه المعايير، أو ترشد إليها مثل: البحرين، وماليزيا، وسورية، ولبنان، والسودان، وسنغافورة، وقطر، والسعودية، وجنوب أفريقيا.] بحث آلية الالتزام بالمعايير الشرعية وضرورته للدكتور علي محيى الدين علي القره داغي. عن موقعه على الإنترنت.
إذا تقرر هذا فإن التزام المصارف الإسلامية بمعايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية يعتبر الأساس الرئيس للتحقق من استيفاءها لمتطلبات الشريعة، ولدفع عملية تطوير منتجاتها قدماً. كما يعمق الالتزام بالمعايير عنصر الشفافية في التقارير المالية للمؤسسات المالية الإسلامية. ولا شك أن من شأن التزام المصارف الإسلامية بهذه المعايير أن يوحد أسس وقواعد المعاملات المصرفية الإسلامية وتطبيقاتها، وكذلك فإن التزام هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية باعتماد هذه المعايير يقلل إلى حدٍ كبير من اختلاف الفتاوى بينها. وكما أن التزام المصارف الإسلامية بهذه المعايير يزيد من ثقة المتعاملين مع المصارف الإسلامية ويعمق الثقة بصحة معاملاتها.
وخلاصة الأمر أن المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية في البحرين تعتبر من أهم مرجعيات الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية، وإن الالتزام بها يعبر عن مدى التزام المصارف الإسلامية بالأحكام الشرعية، كما أن الالتزام بها يضبط معاملات المصارف الإسلامية، ويقلل إلى حدٍّ كبير الاختلاف في الفتاوى بين هيئات الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية. كما أن الالتزام بهذه المعايير الشرعية يوفر حماية للمصارف الإسلامية من تلاعب المتلاعبين الذين يتسترون تحت مسميات التمويل الإسلامي المختلفة. ولذلك كله فإنني أرى أن اعتماد المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية في البحرين، لأمرٌ جِدُّ ضروري، لضبط معاملات المصارف الإسلامية، ولتوحيد الفتاوى الصادرة عن هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية، ولتقليل الخلافات بينها. وأطالب باعتماد هذه المرجعيات من قبل سلطة النقد الفلسطينية وأن تقوم السلطة بإلزام المصارف الإسلامية بها.
стр. 707
٢٠١ - التجار واستغلال شهر الصيام برفع الأسعار
يقول السائل: ما قولكم في ظاهرة ارتفاع الأسعار في شهر رمضان، حيث يستغل كثيرٌ من التجار إقبال الناس على الشراء في شهر رمضان المبارك، فيرفعون أسعار السلع، أفيدونا؟
الجواب: وضع الإسلام مجموعةً من الضوابط والقيم الأخلاقية التي تضبط التعامل في الأسواق، وينبغي على التجار والمستهلكين التحلي بها، وهذه الضوابط والقيم مستمدة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ ، ومن سير الصحابة والسلف في تعاملهم التجاري. قال أبو حامد الغزالي: [وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعاً، والعدل سبب النجاة فقط، وهو يجري من التجار مجرى رأس المال، والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة، وهو يجري من التجارة مجرى الربح، ولا يُعَدُّ من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله، فكذا في معاملات الآخرة، فلا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ وقال : ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ونعني بالإحسان فعل ما ينتفع به العامل وهو غير واجب عليه ولكنه تفضلٌ منه، فإن الواجب يدخل في باب العدل وترك الظلم] إحياء علوم الدين ٢/٨٠-٨١. وكذلك فإن الصدق والأمانة والنصيحة من أعظم أخلاق التاجر المسلم، فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الها عنه أن النبي ﷺ قال: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) رواه الترمذي وقال حديث حسن. سنن الترمذي ٣/٥١٥. وفيه ضعف منجبر كما قال العلامة الألباني في غاية المرام ص ١٢٤. وعن رفاعة رضي الهـ عنه أنه خرج مع النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: (يا معشر التجار فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبرَّ وصدق) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي ٣/٥١٦، وغير ذلك من الأحاديث. ومن الأمور التي ينبغي للتجار ألا يتعاملوا بها الغبن، وهو أن يُغلبَ أحدُ المتبايعين، وهو نوعٌ من الخداع، قال أبو حامد الغزالي: [ ... فينبغي أن لا يغبن صاحبَه بما لا يتغابن به في العادة، فأما أصل المغابنة فمأذون فيه، لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما، ولكن يراعى فيه التقريب، فإن بذل المشتري زيادة على الربح المعتاد، إما لشدة رغبته أو لشدة حاجته في الحال إليه، فينبغي أن يمتنع من قبوله، فذلك من الإحسان ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلماً، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار، ولسنا نرى ذلك ولكن من الإحسان أن يحط ذلك الغبن. يروى أنه كان عند يونس بن عبيد حُللٌ -نوع من الثياب- مختلفة الأثمان، ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة، وضرب كل حلة قيمتها مائتان، فمرّ إلى الصلاة وخلَّف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها فاشتراها، فمضى بها وهي على يديه فاستقبله يونس فعرف حلته فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة. فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها. فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها. فقال له يونس: انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها. ثم ردّه إلى الدكان وردّ عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله، وقال أما استحييت أما اتقيت الله تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين فقال: والله ما أخذها إلا وهو راضٍ بها. قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك، وهذا إن كان فيه إخفاء سعر وتلبيس فهو من باب الظلم...وروي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق -نوع من الثياب- بعضها بخمسة وبعضها بعشرة فباع في غيبته غلام شقة من الخمسيات بعشرة، فلما عرف لم يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة. فقال: يا هذا قد رضيت، فقال: وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك، وإما أن نردَّ عليك خمسة، وإما أن تردَّ شقتنا وتأخذ دراهمك. فقال: أعطني خمسة. فردَّ عليه خمسة وانصرف الأعرابي يسأل ويقول: من هذا الشيخ؟ فقيل له: هذا محمد بن المنكدر، فقال: لا إله إلا الله هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا. فهذا إحسان في أن لا يربح على العشرة إلا نصفاً أو واحداً على ما جرت به العادة في مثل ذلك المتاع في ذلك المكان، ومن قنع بربحٍ قليلٍ كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ربحاً كثيراً، وبه تظهر البركة. كان علي رضي الهح عنه يدور في سوق الكوفة بالدرة ويقول: معاشر التجار خذوا الحق تسلموا، لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره] إحياء علوم الدين ٢/٨١-٨٢. إذا تقرر هذا فإن رفع التجار للأسعار في رمضان منافٍ للقيم الأخلاقية التي قررها الشرع في البيع والشراء، صحيح أن الإسلام لم يحدد نسبة معينة للربح، ولكن الربح القليل والقناعة به أقرب إلي هدي السلف وأبعد عن الشبهات. وقد ناقش مجمع الفقه الإسلامي مسألة تحديد أرباح التجار وقرر ما يلي: [أولاً: الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحراراً في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها عملاً بمطلق قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩.ثانياً: ليس هناك تحديدٌ لنسبة معينةٍ للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروكٌ لظروف التجارة عامة، وظروف التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير.] ويحرم شرعاً على التجار أن يستغلوا حاجات الناس فيرفعوا الأسعار ويحتكروا السلع، وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. ولا يقل استغلال التجار لشهر الصيام برفع الأسعار عن الاحتكار وهو أمرٌ محرمٌ، فقد ورد في الحديث عن معمر بن عبد الله رضي الهه عنه أن الرسول ﷺ قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) رواه مسلم. ويدخل رفع الأسعار بدون موجب في باب أكل أموال الناس بالباطل، كما قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. ولا شك أن لجمهور المستهلكين دوراً واضحاً في زيادة جشع التجار في رفع الأسعار، وذلك من خلال زيادة الاستهلاك والإقبال المحموم على شراء السلع، وكأن الواحد منهم يشتري للمرة الأخيرة!! فلا بد للمستهلك أن يلتزم أيضاً بالضوابط الشرعية للاستهلاك، ومنها: مقاطعة السلع عندما يقوم التجار برفع الأسعار بدون موجب، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ وقد جاء الناس إليه فقالوا: (غلا اللحم فسعره لنا، فقال: أرخصوه أنتم. فقالوا: نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة فتقول: أرخصوه أنتم؟ وهل نملكه حتى نرخصه؟ وكيف نرخصه وهو ليس في أيدينا؟ قال: اتركوه لهم.) وقيل لإبراهيم بن أدهم: إن اللحم غلا قال: فأرخصوه، أي لا تشتروه) . وعن رزين بن الأعرج قال: غلا علينا الزبيب بمكة فكتبنا إلى علي بن أبي طالب بالكوفة أن الزبيب قد غلا علينا، فكتب أن أرخصوه بالتمر) فأفضل حلٍ لمعالجة ظاهرة غلاء الأسعار هو المقاطعة، أو استبدال السلع الغالية بسلعٍ أخرى أرخص ثمناً، فإذا رفع التجار سعر اللحم فليتوجه الناس إلى شراء الدجاج، وإذا رفع التجار سعر البندورة الطازجة فليتوجه الناس إلى صلصة البندورة أو إلى خضارٍ أخرى وهكذا. ومن الضوابط الشرعية للاستهلاك البعد عن الإسراف والتبذير، فيشتري الشخص مقدار حاجته فقط، [فالإسلام يدعو إلى الاعتدال في الاستهلاك، فيمنع كلًا من التقتير أو الإسراف. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ سورة الفرقان الآية ٦٧. ولضمان السير على هذه الضوابط، جعل الإسلام المسلم مسؤولًا يوم القيامة عن سلوكه الاستهلاكيّ، هل كان خالصًا لوجهه سبحانه، وصوابًا على نحو ما أراد، فهو معاقبٌ لا محالة إن قصّر في هذا الجانب؛ ومن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ سورة التكاثر آية ٨. وقوله ﷺ : (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربّه حتى يسأل عن خمسٍ ومنها: عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني. انظر سلوك المستهلك ص ١٨. وكذلك فإن من ضوابط الاستهلاك أن يكون الاستهلاك في حدود مستوى الدخل أي الإنفاق بالمعروف، وهذا ما أكّدت عليه نصوص الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ سورة البقرة، آية ٢٣٣، والمعروف: هو الإنفاق بحسب الوسع بدليل قوله تعالى: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾ سورة الطلاق آية ٧، وقال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ سورة الطلاق آية ٧، قال الشيخ ابن العربي المالكي: [يعني على قدر حال الأب من السعة والضيق] أحكام القران لابن العربي ١/٢٢٧. وانظر سلوك المستهلك ص ١٢١. ولا بد من التنبيه على دور القنوات الفضائية في زيادة شره المستهلكين وخاصة في شهر رمضان، فالفضائيات تسهم بشكلٍ كبيرٍ في توجيه جمهور المستهلكين إلى زيادة الاستهلاك، من خلال الدعاية للسلع، وكذلك من خلال برامج الطبخ المختلفة، التي تؤثر في سلوك النساء في المطبخ وبالذات في شهر رمضان، لذا لا بد من توعية المستهلكين بخطر الإعلام وعدم تصديق كل ما يشاهدونه على شاشات الفضائيات وفي الصحف والمجلات، ولا بد من الانتباه إلى خطورة الفضائيات ومدى تأثيرها على الناس، وتنبيه الناس إلى أن من نتائج التربية الغربيّة عامّة، والأمريكيّة خاصّة، التي قادها مربّون أمثال جون ديوي، وجورج كونت، وبرونز، هي: (إنجاب أمّة أغنام توجّهها وسائل الإعلام) . سلوك المستهلك ص ١٧١. وأخيراً فنظراً لضعف الوازع الديني وقلة التقوى وزيادة الجشع والطمع لا بد من ضبط الأسواق ومراقبتها، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن كما قال عثمان ﵁.
وخلاصة الأمر أن استغلال التجار لشهر الصيام برفع الأسعار بدون موجب، أمرٌ محرمٌ شرعاً، لأن فيه إلحاق الضرر بالناس، ويدخل أيضاً في باب أكل أموال الناس بالباطل، وأن الواجب على التجار أن يتقوا الله في المستهلكين، وأن يقنعوا بالربح القليل، وواجب المستهلكين أن يضبطوا استهلاكهم بالضوابط الشرعية التي أشرت لها، وإن لزم الأمر فإن أفضل وسيلة لمعالجة غلاء الأسعار هو مقاطعتها وتركها للتجار. كما أن مراقبة الأسعار أمر ضروري في ظل كثرة الجشع وزيادة الطمع وقلة التقوى وغياب الورع.
стр. 708
١ - النذر بما لا يملك
يقول السائل: نذرت أمي إن توظفت لتوزعن أول راتب لي على الفقراء، فما حكم هذا النذر، وهل نذرها يلزمني، أفيدونا؟
الجواب: النذر عند أهل العلم هو أن يلزم المكلف نفسه بقربة لم يلزمه بها الشارع الحكيم، والوفاء بالنذر واجب لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ سورة الحج الآية ٢٩، ولقول النبي ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري ومسلم. وقد اشترط الفقهاء لصحة النذر أن يكون المنذور به ملكاً للناذر، وفي السؤال المذكور فإن الأم نذرت أن توزع راتب ابنها وهي لا تملكه، قال ابن عابدين [وشرط صحة النذر أن يكون المنذور ملكاً للناذر] حاشية ابن عابدين ٤/٤٦. وقال الإمام البخاري في صحيحه [باب النذر فيما لا يملك وفي معصية] ثم ساق مجموعة من الأحاديث يفهم منها هذا الشرط كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني، فتح الباري ١١/٧١٤. ومما يدل على أنه يشترط في المنذور به أن يكوم ملكاً للناذر ما رواه الإمام مسلم بإسناده عن عمران بن حصين ﵁ قال: (كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء - اسم ناقة الرجل المأسور - فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق، قال يا محمد فأتاه، فقال ما شأنك؟ فقال بم أخذتني وبم أخذت سابقة الحاج؟ - أي ناقته - فقال إعظاماً لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف، ثم انصرف عنه فناداه، فقال يا محمد يا محمد، وكان رسول الله ﷺ رحيماً رقيقاً، فرجع إليه فقال ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم انصرف فناداه، فقال يا محمد يا محمد فأتاه فقال ما شأنك؟ قال إني جائع فأطعمني وظمآن فأسقني، قال هذه حاجتك ففدي بالرجلين. قال وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ، قال وناقة منوقة - أي مذللة - فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت، ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم، قال ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ ، فقالت إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فال: سبحان الله بئسما جزتها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد) . قال الإمام النووي: [وأما قوله ﷺ : (ولا فيما لا يملك العبد) ، فهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه، بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بثوبه أو بداره أو نحو ذلك. فأما إذا التزم في الذمة شيئاً لا يملكه فيصح نذره، مثاله: قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ عتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها، فيصح نذره، وإن شفي المريض ثبت العتق في ذمته.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٦٧. وعن ثابت بن الضحاك ﵁ أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة وأن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عُذِب به يوم القيامة، وليس على رجلٍ نذرٌ في شيءٍ لا يملكه) رواه مسلم. وورد في الحديث عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه النسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/ ٨٠٧. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا وفاء لنذرٍ فيما لا تملك) رواه أبو داود وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤١٢.
وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجلٌ على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة - اسم مكان قريبٌ من ينبع - فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي ﷺ : هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟ قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٣٧. وغير ذلك من الأحاديث.
إذا تقرر أنه يشترط في المنذور به أن يكون ملكاً للناذر، فقد اختلف أهل العلم فيما يترتب على من نذر ما لا يملكه، فمنهم من قال لا شيء عليه، لا كفارة ولا غيرها، قال الحافظ ابن حجر: [واختلف فيمن وقع منه النذر في ذلك هل تجب فيه كفارة؟ فقال الجمهور: لا، وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم، ونقل الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك كالقولين] فتح الباري ١١/٧١٥، وقال الإمام النووي: [ ... لا يصح النذر فيما لا يملك، ولا يلزم بهذا النذر شيء] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٢٩٤.
ومن الفقهاء كالحنفية والحنابلة وبعض الشافعية وبعض أهل الحديث من ألزمه كفارة يمين، وهذا القول أرجح لعموم قول النبي ﷺ : (كفارة النذر كفارة اليمين) رواه مسلم، قال الإمام النووي: [قوله ﷺ : (كفارة النذر كفارة اليمين) اختلف العلماء في المراد به, فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمت زيداً مثلاً فلله عليَّ حجة أو غيرها، فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه، هذا هو الصحيح في مذهبنا، وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق، كقوله: عليَّ نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع النذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة يمين] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٦٩. ويؤيده ما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما النذر يمين، كفارتها كفارة يمين) أخرجه أحمد وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٢٨٦٠. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين) وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٤٧٩. وبناءً على ما تقدم يلزم المرأة المذكورة في السؤال كفارة يمين، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩. ولا بد من التنبيه هنا أن مال الابن مملوك له، وليس ملكاً للأم ولا للأب، كما يفهمه بعض الناس من قول النبي ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) والأم كذلك، رواه ابن ماجة والطحاوي والطبراني وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٣/٣٢٣-٣٣٠. فإن هذا الحديث ليس على ظاهره كما قال أكثر العلماء، قال ابن حبان في صحيحه: تحت عنوان [ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أن مال الابن يكون للأب...] ثم ذكر الحديث وعقب عليه بقوله: [ومعناه أنه ﷺ زجر عن معاملته أباه بما يعامل به الأجنبي وأمره ببره والرفق به في القول والفعل معاً إلى أن يصل إليه ماله فقال له: (أنت ومالك لأبيك) ، لا أن مال الابن يملكه الأب في حياته عن غير طيب نفس من الابن له] صحيح ابن حبان ٢/١٤٢-١٤٣. ويرى بعض أهل العلم أن اللام في قوله ﷺ : (لأبيك) تفيد الإباحة لا التمليك فيباح للوالد أن يأخذ من مال الابن حاجته ولا تفيد أن الأب يملك مال الابن، قال الشوكاني: [قوله: (أنت ومالك لأبيك) قال ابن رسلان: اللام للإباحة لا للتمليك، فإن مال الولد له وزكاته عليه وهو موروث عنه] نيل الأوطار ٩/٢٣٢. وقال الشيخ علي الطنطاوي: [إن الحديث قوي الإسناد لكن لا يؤخذ عند جمهور الفقهاء على ظاهره بل يؤول ليوافق الأدلة الشرعية الأخرى الثابتة والقاعدة الشرعية المستنبطة منها وهي أن المالك العاقل البالغ يتصرف بماله وليس لأحد التصرف به بغير إذنه ...] فتاوى الطنطاوي ص ١٣٧.
وخلاصة الأمر أن هذه الأم قد نذرت أن توزع مالاً لا تملكه ويلزمها أن تكفر كفارة يمين، ولا يلزم ولدها شيء.
стр. 709
٢ - حكم افتداء اليمين بالمال
يقول ال سائل: حصل نزاع بيني وبين شخص في قضية ما وتوجهت اليمين عليَّ، ولكني هبت من حلف اليمين فعرضت عليه مبلغاً من المال ليعفيني من اليمين، مع العلم أنني إذا حلفت فأنا صادق في يميني، فهل هذا الأمر جائز شرعاً، أفيدونا؟
الجواب: إذا طُلبت اليمينُ من شخصٍ فحلف وهو صادق في يمينه فلا حرج عليه، واليمين مشروعة كما هو معلوم، ولكن مطلوب من المسلم أن يحفظ يمينه، كما قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩. قال القرطبي: [أي بترك الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات] تفسير القرطبي ٦/٢٨٥. ونقل القرطبي أيضاً عن بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٤، [بأن المعنى لا تكثروا من اليمين بالله تعالى فإنه أهيب للقلوب ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وذمَّ من كثَّر اليمين فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ والعرب تمتدح بقلة الأيمان ... ] تفسير القرطبي٣/٩٧. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومن توجهت عليه يمين هو فيها صادق، أو توجهت له، أبيح له الحلف، ولا شيء عليه من إثم ولا غيره; لأن الله تعالى شرع اليمين، ولا يشرع محرماً. وقد أمر الله تعالى نبيه ﵇، أن يقسم على الحق، في ثلاثة مواضع من كتابه. وحلف عمر لأبيٍّ ﵄ على نخيل، ثم وهبه له، وقال: خفت إن لم أحلف أن يمتنع الناس من الحلف على حقوقهم، فتصير سنة. قال حنبل: بُلي أبو عبد الله- أي الإمام أحمد - بنحو هذا، جاء إليه ابن عمه، فقال: لي قِبَلكَ حقٌ من ميراث أبي، وأطالبك بالقاضي، وأحلفك. فقيل لأبي عبد الله: ما ترى؟ قال: أحل ف له، إذا لم يكن له قِبَلي حق، وأنا غيرُ شاكٍ في ذلك حلفت له، وكيف لا أحلف، وعمر قد حلف، وأنا من أنا؟ وعزم أبو عبد الله على اليمين، فكفاه الله ذلك، ورجع الغلام عن تلك المطالبة] المغني١٠/٢٠٨.
وقال صاحب الهداية الحنفي: [ومن ادَّعى على آخر مالاً فافتدى يمينه أو صالحه منها على عشرة - مثلاً - فهو جائز] شرح فتح القدير. ومع ذلك فإن شأن ليمين عظيم، والتورع عن اليمين أمر معروف عند الصحابة والتابعين، قال الحافظ الهيثمي: باب الورع والخوف من الحلف، وساق فيه مجموعة من الآثار عن الصحابة والتابعين في ذلك، وأين حالهم من حالنا الذي يعبر عنه المثل العامي الدارج بين الناس: (قالوا للحرامي احلف فقال جاء فرج الله) !! فأي استخفاف هذا باليمين! قال العلامة ابن القيم: [قد ثبت وتقرر أن الإقدام على اليمين يصعب، ويثقل على كثير من الناس، سيما على أهل الدين وذوي المروءات والأقدار، وهذا أمر معتاد بين الناس على ممر الأعصار، لا يمكن جحده. وكذلك روي عن جماعة من الصحابة: أنهم افتدوا أيمانهم، منهم: عثمان، وابن مسعود وغيرهما، وإنما فعلوا ذلك لمروءتهم، ولئلا تسبق الظلمة إليهم إذا حلفوا، فمن يعادي الحالف، ويحب الطعن عليه، يجد طريقاً إلى ذلك، لعظم شأن اليمين وعظم خطرها] الطرق الحكمية١/١٢٥.
إذا تقرر هذا فإنه يجوز لمن طلبت منه اليمين أن يفتدي يمينه بالمال على الراجح من أقوال أهل العلم، فقد ثبت افتداء اليمين بالمال عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روى الطبراني بإسناد جيد عن جبير بن مطعم ﵁ أنه افتدى يمينه بعشرة آلاف درهم ثم قال: ورب الكعبة لو حلفت، حلفتُ صادقاً وإنما هو شيء افتديت به يميني. ورواه أيضاً الدارقطني في السنن. وروى عبد الرزاق في المصنف عن معمر قال: سئل الزهري عن الرجل يقع عليه اليمين، فيريد أن يفتدي يمينه، قال: قد كان يُفعل، قد افتدى عبيد السهام - صحابي اسمه عبيد بن سليم الأنصاري الأوسي ويقال له عبيد السهام لأنه كان اشترى من سهام خيبر ثمانية عشر سهماً فقيل له ذلك كما في الإصابة- في إمارة مروان، وأصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة كثير، افتدى يمينه بعشرة آلاف. وروى عبد الرزاق في المصنف أيضاً عن الأسود بن قيس عن رجل من قومه، قال: عرف حذيفة بعيراً له مع رجل، فخاصمه، فقضي لحذيفة بالبعير، وقضى عليه باليمين، فقال حذيفة: افتدي يمينك بعشرة دراهم، فأبى الرجل، فقال له حذيفة: بعشرين، فأبى، قال: فبثلاثين، قال: فأبى، قال: فبأربعين، فأبى الرجل، فقال حذيفة: أتظن أني لا أحلف على مالي، فحلف عليه حذيفة. وروى البيهقي في كتاب المعرفة في كتاب أدب القاضي عن الإمام الشافعي قال: بلغني أن عثمان بن عفان رُدت عليه اليمين فافتداها بمال، وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء، فيقال: هذا بيمينه. وقال البيهقي في آخر الباب وفي كتاب المستخرج لأبي الوليد بإسناد صحيح عن الشعبي: وفيه إرسال، أن رجلاً استقرض من عثمان بن عفان سبعة آلاف درهم، فلما تقاضاه، قال له: إنما هي أربعة آلاف، فخاصمه إلى عمر، فقال: تحلف أنها سبعة آلاف؟ فقال عمر: أنصفك، فأبى عثمان أن يحلف، فقال له عمر: خذ ما أعطاك. وروى الإمام البخاري بسنده عن أبي قلابة حديثاً طويلاً وفيه: (وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني، فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقدم رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلاً آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقرنت يده بيده، قالوا فانطلقنا والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء - أي المطر- فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا، فماتوا جميعاً وأفلت القرينان وأتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول فعاش حولاً ثم مات) .
وقد اختلف أهل العلم في أيهما أولى الحلف أم افتداء اليمين؟ والذي أرجحه هو افتداء اليمين، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [واختلف في الأولى، فقال قوم: الحلف أولى من افتداء يمينه; لأن عمر حلف; ولأن في الحلف فائدتين; إحداهما، حفظ ماله عن الضياع، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعته. والثانية، تخليص أخيه الظالم من ظلمه، وأكل المال بغير حقه، وهذا من نصيحته ونصرته بكفه عن ظلمه، وقد أشار النبي ﷺ على رجلٍ أن يحلف ويأخذ حقه. وقال أصحابنا: الأفضل افتداء يمينه; فإن عثمان افتدى يمينه، وقال: خفت أن تصادف قدراً، فيقال حلف فعوقب، أو هذا شؤم يمينه. وروى الخلال بإسناده، أن حذيفة عرف جملاً سرق له، فخاصم فيه إلى قاضي المسلمين، فصارت اليمين على حذيفة فقال: لك عشرة دراهم. فأبى، فقال لك عشرون، فأبى، فقال: لك ثلاثون، فأبى، فقال: لك أربعون، فأبى، فقال حذيفة: أتراني أترك جملي؟ فحلف بالله أنه له ما باع ولا وهب. ولأن في اليمين عند الحاكم تبذلاً، ولا يأمن أن يصادف قدراً، فينسب إلى الكذب، وأنه عوقب بحلفه كاذباً، وفي ذهاب ماله له أجر، وليس هذا تضييعاً للمال، فإن أخاه المسلم ينتفع به في الدنيا ويغرمه له في الآخرة. وأما عمر، فإنه خاف الاستنان به، وترك الناس الحلف على حقوقهم، فيدل على أنه لولا ذلك، لما حلف، وهذا أولى، والله تعالى أعلم.] المغني ١٠ ٢٠٨-٢٠٩. ويؤيد ترجيح افتداء اليمين أن في ذلك [صون عرضه وهو مستحسن عقلاً وشرعاً، ولأنه لو حلف يقع في القيل والقال، فإن الناس بين مصدقٍ ومكذب، فإذا افتدى بيمينه فقد صان عرضه وهو حسن.] البحر الرائق. ويؤيده أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ذبوا عن أعراضكم بأموالكم) صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٣ /٤٤٥، وفي صحيح الجامع ١/٦٤٤.
وخلاصة الأمر أن شأن اليمين عظيم وينبغي التورع منها والخوف منها، وإذا طلب اليمين من شخص فحلف وهو صادق في يمينه فلا حرج عليه، ويجوز لمن طُلبت منه اليمين أن يفتدي يمينه بالمال على الراجح من أقوال أهل العلم، لثبوت افتداء اليمين بالمال عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم. وإذا قبل المدعي افتداء اليمين من المدَّعى عليه فإن حقه في اليمين يسقط ولا تقبل مطالبته باليمين بعد ذلك، لأن القاعدة الفقهية تقول الساقط لا يعود، يعني إذا أسقط شخصٌ حقاً من الحقوق التي يجوز إسقاطها، يسقط ذلك الحق وبعد إسقاطه لا يعود.
стр. 710
٣ - الحلف على ترك التدخين
يقول السائل: إنَه مدخن شره وقد حلف يميناً بالله العظيم ليلزم نفسه على ترك التدخين ولكنه لم يستطع ترك الدخان ورجع إلى التدخين فماذا يلزمه في هذه الحالة، أفيدونا؟
الجواب: لا شك أن الدخان خبيث من الخبائث، وإن أبى بعض المدخنين ذلك، كما أنّ التدخين حرام على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن أبى بعض المشايخ المدخنين ذلك، وخاصَة الذين يزعمون أنّ التدخين مباح من المباحات، فقولهم هذا قول ساقط متهافت، ولا قيمة له بعد أن اتفقت المصادر الطبيّة والعلمية والصحيَة على ضرر التدخين المتحقق على صحة المدخن وعلى نفسيّته وعلى ماله وعلى صحة من حوله، وأضرار التدخين على المجتمع بشكل عام، بل إنَ التدخين أشد فتكاً بالإنسان من مرض الإيدز، وقد اتفقت الهيئات العلمية والمجامع الطبيّة والصحيّة على أضرار التدخين، وقرّرت أنَه سبب رئيس للسرطان وتليف الكبد وأمراض الشريان التاجي والذبحة الصدريّة وسرطان الفم وغيرها من الأمراض الخبيثة، وهذا ما أكّده أهل الخبرة والاختصاص من الأطباء والكيميائيين وغيرهم، فالدخان يتكوّن من مجموعة كثيرة من المواد، منها أكثر من خمسة عشر نوعاً من السموم الفتّاكة كالنيكوتين الذي يعد من السموم القوية والفعّالة وله أثر سيء على الكلية والجهاز العصبي والدم، ومنها أوّل أكسيد الكربون وهو معروف بتأثيره السام وله تأثير سيء على الدم، ومنها القطران وهو المادة اللزجة الصفراء التي تؤدي إلى اصفرار أسنان المدخن ونخرها، وإلى التهابات اللثة، وهو أخطر محتويات الدخان على الصحة ويسبب السرطان والتهابات الشعب الهوائية وغير ذلك من المواد الضارة التي تلحق الضرر والأذى بصحة المدخن. فالتدخين يضر بالفم وبالشفاه واللثة والأسنان واللسان واللوزتين والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والأعصاب والدورة الدموية والجهاز البولي، كما أن للتدخين ضرراً على النسل لذلك تُنصح الحوامل بعدم التدخين وما كان ضرره كذلك فلا شك في حرمته، لأن الإسلام يحرم كل خبيث وضار، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ سورة الأعراف الآية ١٢٧. وصدق الرسول ﷺ إذ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح، كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. والأدلة على تحريم التدخين كثيرة وليس هذا محل ذكرها. إذا تقرر تحريم التدخين فإن الواجب على المدخن أن يقلع عن هذه المعصية، وأن يترك التدخين، وترك التدخين يحتاج إلى عزيمة صادقة وإرادة قوية، وليس الأمر كما يزعم كثير من المدخنين أنهم لا يستطيعون تركه، فهذا هراء، فالإرادة القوية تلعب دوراً مهماً في السيطرة والتخلص من العادات السلبية التي تضرُّ بصحة الإنسان، ومنها عادة التدخين. وتشكل عزيمة الإنسان الصادقة نقطة البداية في ترك التدخين، ولا بد أن يقتنع المدخن أولاً بضرر الدخان الحقيقي على صحته وماله، حتى يسهل عليه تركه، ثم يعزم على ذلك مع الصبر ومخالفة الهوى، مع العلم أنه يوجد اليوم أساليب علمية تساعد في الإقلاع عن التدخين.
وبعد هذا البيان الموجز لحكم التدخين وضرره أعود إلى السؤال فأقول: يجب على من حلف بالله تعالى ليلزم نفسه بترك الدخان أن يبر بيمينه، فيمتنع عن التدخين، وقد قرر الفقهاء أن من حلف على ترك معصية من المعاصي كالحلف على ترك التدخين فيلزمه البر بيمينه شرعاً، يقول الله تعالى: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ سورة النحل الآية٩١. فإن لم يفعل أي لم يترك التدخين فقد حنث بيمينه وتلزمه كفارة اليمين، يقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩. وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين أو عتق رقبة على التخيير، أي أنَ الحالف يختار واحدة من هذه الخصال الثلاث، فإذا كان فقيراً عاجزاً عن التكفير بإحدى هذه الخصال فإنه يصوم ثلاثة أيام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ ... الذي يحلف على فعل ما يجب عليه، من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وطاعة السلطان، ومناصحته وترك الخروج، ومحاربته، وقضاء الدَّين الذي عليه، وأداء الحقوق إلى مستحقيها والامتناع من الظلم والفواحش، وغير ذلك، فهذه الأمور كانت قبل اليمين واجبة، وهي بعد اليمين أوجب، وما كان محرماً قبل اليمين فهو بعد اليمين أشد تحريماً، ولهذا كان الصحابة، ﵃ يبايعون النبي ﷺ على طاعته والجهاد معه، وذلك واجب عليهم ولو لم يبايعوه، فالبيعة أكدته، وليس لأحد أن ينقض مثل هذا العقد) . مجموع الفتاوى ٣٣/١٤٥.
ومن الجديد بالذكر أن من نذر نذراً ليلزم نفسه فعل شيء أو تركه، كأن قال المدخن لئن رجعت إلى التدخين لأتصدقن بمئة دينار مثلاً، فهذا له حكم اليمين، لأن النذر يمين، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري، فالواجب الوفاء بهذا النذر فإن لم يف بنذره لزمته كفارة يمين. ومما يدل على لزوم الكفارة عند عدم الوفاء بالنذر، عموم قول النبي ﷺ : (كفارة النذر كفارة اليمين) رواه مسلم، قال الإمام النووي: [قوله ﷺ : (كفارة النذر كفارة اليمين) اختلف العلماء في المراد به، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمت زيداً مثلاً فلله عليَّ حجة أو غيرها , فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه , هذا هو الصحيح في مذهبنا , وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق، كقوله: عليَّ نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع النذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة يمين] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٦٩.
ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما النذر يمين، كفارتها كفارة يمين) أخرجه أحمد وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٢٨٦٠. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين) رواه النسائي والبيهقي وغيرهما وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٤٧٩.
وأخيراً أنبه على أن الحلف لا يكون إلا بالله أو بأسمائه وصفاته فقط ولا يجوز الحلف بغير الله ، فالحلف أو القسم المشروع لا يكون إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته وما عدا ذلك لا يجوز الحلف به. وقد علَّل أهل العلم عدم جواز الحلف إلا بالله لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به والعظمة إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته. فالحلف بغير الله حرام، سواء حلف بما هو معظم شرعاً كالحلف بالكعبة أو بالصلاة أو الصيام أو المسجد أو غيرها أو حلف بحياة فلان أو حلف بأبيه أو أمه أو حلف بحياة الملك أو حياة الرئيس أو غير ذلك، فكله حلف محرم، والأدلة على ذلك كثيرة منها: قوله ﷺ : (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) رواه مسلم، فهذا الحديث يدل دلالة صريحة على قصر الحلف بالله فقط، وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ سمع عمر بن الخطاب ﵁، وهو يحلف بأبيه فقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) رواه البخاري ومسلم، وعن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: (لا والكعبة. فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حلف بغير الله فقد أشرك) ، وفي رواية (فقد كفر) ، رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم ٢٥٦١. وكذلك النذر فلا بد أن يكون لله ، فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله) رواه أبو داود والحاكم وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ١٣٤٧٩. وعن ثابت بن الضحاك (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال: أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه أبو داود وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ١٧٣٢، وبوانة مكان قريب من مكة المكرمة.
وخلاصة الأمر أن الدخان من الخبائث وأن التدخين حرام شرعاً على الصحيح من أقوال أهل العلم، وأن من حلف على ترك التدخين فيلزمه البر بيمينه، فإن لم يفعل لزمته كفارة اليمين.
стр. 711
٤ - استبدال المنذور بخير منه
يقول السائل: إنه نذر أن يذبح عجلاً لله تعالى ويوزعه على الفقراء فهل يجوز له أن يستبدله بخروف لأن لحم الخروف أطيب، أفيدونا؟
الجواب: النذر عند العلماء هو أن يلزم المكلف نفسه بقربة لم يلزمه بها الشارع الحكيم، والوفاء بالنذر واجب لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ولقوله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري وغيره.
والأصل أنّ الناذر يفي بنذره كما نذر فمن نذر ذبح شاة فيلزمه أن يذبح شاة، ومن نذر صلاة لزمه أن يصليها، ومن نذر مبلغاً من المال لزمه إخراجه وهكذا، ومن أهل العلم من يرى أنه يجوز استبدال المنذور بأفضل منه أو استبداله لمصلحة راجحة ,وهو قول وجيه جداً وبه قال فقهاء الحنفية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: [مسألة: في الواقف والناذر يوقف شيئاً؛ ثم يرى غيره أحظ للموقوف عليه منه هل يجوز إبداله؛ كما في الأضحية؟ فأجاب: وأما إبدال المنذور والموقوف بخير منه كما في إبدال الهدي: فهذا نوعان: أحدهما: أن الإبدال للحاجة مثل أن يتعطل فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه: كالفرس الحبيس للغزو إذا لم يمكن الانتفاع به للغزو فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد إذا خرب ما حوله فتنقل آلته إلى مكان آخر. أو يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه أو لا يمكن الانتفاع بالموقوف عليه من مقصود الواقف فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه. وإذا خرب ولم تمكن عمارته فتباع العرصة، ويشترى بثمنها ما يقوم مقامها: فهذا كله جائز؛ فإن الأصل إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه.
والثاني: الإبدال لمصلحة راجحة مثل أن يبدل الهدي بخير منه، ومثل المسجد إذا بني بدله مسجد آخر أصلح لأهل البلد منه، وبيع الأول: فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء. واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب ﵁ نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر؛ وصار الأول سوقاً للتمارين فهذا إبدال لعرصة المسجد. وأما إبدال بنائه ببناء آخر، فإن عمر وعثمان بنيا مسجد النبي ﷺ بناءً غير بنائه الأول وزادا فيه؛ وكذلك المسجد الحرام فقد ثبت في الصحيحين (أن النبي ﷺ قال لعائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض؛ ولجعلت لها بابين باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرج الناس نه) . فلولا المعارض الراجح لكان النبي ﷺ يغير بناء الكعبة. فيجوز تغيير بناء الوقف من صورة إلى صورة؛ لأجل المصلحة الراجحة.... لكن النصوص والآثار والقياس تقتضي جواز الإبدال للمصلحة.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣١/٢٥٢-٢٥٣. ومما يدل على جواز استبدال المنذور بأفضل منه ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة زوج النبي ﷺ تسلم عليها فأخبرتها ذلك فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت وصلي في مسجد الرسول ﷺ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة) رواه مسلم. ويدل عليه ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً قام يوم الفتح فقال يا رسول الله: إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: صل هاهنا، ثم أعاد عليه فقال: صل هاهنا، ثم أعاد عليه فقال: شأنك إذن) رواه أبو داود والحاكم وصححه، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٨/٢٢٢، وورد في رواية أخرى عند الإمام أحمد في المسند (عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف وعن رجال من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ يوم الفتح والنبي ﷺ في مجلس قريب من المقام فسلم على النبي ﷺ ثم قال يا نبي الله إني نذرت لئن فتح الله للنبي والمؤمنين مكة لأصلين في بيت المقدس وإني وجدت رجلاً من أهل الشام هاهنا في قريش مقبلاً معي ومدبراً فقال النبي ﷺ : هاهنا فصلّ ,فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات كل ذلك يقول النبي ﷺ هاهنا فصلّ ,ثم قال الرابعة مقالته هذه فقال النبي ﷺ : اذهب فصل فيه فوالذي بعث محمداً بالحق لو صليت هاهنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس) ، قال الشوكاني [قوله: (صلّ ههنا) فيه دليل على أنّ من نذر بصلاة أو صدقة أو نحوهما في مكان ليس بأفضل من مكان الناذر فإنه لا يجب عليه الوفاء بإيقاع المنذور به في ذلك المكان بل يكون الوفاء بالفعل في مكان الناذر وقد تقدم أنه ﵌ أمر الناذر بأن ينحر ببوانة يفي بنذره بعد أن سأله هل كانت كذا هل كانت كذا فدل ذلك على أنه يتعين مكان النذر ما لم يكن معصية ولكن الجمع بين ما هنا وما هناك أن المكان لا يتعين حتماً بل يجوز فعل المنذور به في غيره فيكون ما هنا بياناً للجواز ويمكن الجمع بأنه يتعين مكان النذر إذا كان مساوياً للمكان الذي فيه الناذر أو أفضل منه لا إذا كان المكان الذي فيه الناذر فوقه في الفضيلة ويشعر بهذا ما في حديث ميمونة من تعليل ما أفتت به ببيان أفضلية المكان الذي فيه الناذرة في الشيء المنذور به وهو الصلاة.] نيل الأوطار ٨/٢٨٥-٢٨٦. ويدل لذلك أيضاً ما جاء في الحديث عن أبيّ بن كعب ,قال: بعثني النبي ﷺ مصدقاً فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا - ناقة - ابنة مخاض فقلت له أدِ ابنة مخاض فإنها صدقتك، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها فقلت له ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به وهذا رسول الله ﷺ منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك رددته، قال فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض عليَّ حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال له يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما عليَّ فيه ابنة مخاض وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى عليَّ وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها فقال له رسول الله ﷺ ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك قال فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها قال: فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة) رواه أحمد وأبو داود، وقال العلامة الألباني حديث حسن كما في صحيح سنن أبي داود ١/٢٩٨. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وما في هذا الحديث من إجزاء سن أعلا من الواجب مذهب عامة أهل العلم الفقهاء المشهورين وغيرهم. فقد ثبت أن إبدال الواجب بخير منه جائز بل يستحب فيما وجب بإيجاب الشرع وبإيجاب العبد. ولا فرق بين الواجب في الذمة وما أوجبه معيناً؛ فإنما وجب في الذمة وإن كان مطلقاً من وجه فإنه مخصوص متميز عن غيره؛ ولهذا لم يكن له إبداله بدونه بلا ريب. وعلى هذا، فلو نذر أن يقف شيئاً فوقف خيراً منه كان أفضل، فلو نذر أن يبني لله مسجداً وصفه، أو يقف وقفاً وصفه. فبنى مسجداً خيراً منه، ووقف وقفاً خيراً منه كان أفضل. ولو عيّنه، فقال: لله علي أن أبني هذه الدار مسجداً أو وقفها على الفقراء والمساكين. فبنى خيراً منها، ووقف خيراً منها، كان أفضل، كالذي نذر الصلاة بالمسجد الأقصى وصلى في المسجد الحرام، أو كانت عليه بنت مخاض فأدى خيراً منها.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٣١/٢٤٩.
وخلاصة الأمر أنه يجوز استبدال المنذور بخير منه وبأفضل منه إذا كان في استبداله مصلحة راجحة ولا يجوز استبداله بأقل منه فلا يجوز استبدال العجل بخروف كما في ورد السؤال.
стр. 712
٥ - يحرم الوفاء بنذر المعصية
يقول السائل: إنه نذر أن يرتكب الفاحشة مع امرأة ثم ندم على ما صدر منه ويريد أن يتراجع عما نذر فما الحكم في ذلك؟
الجواب: إنّ ما صدر عن السائل يسمى عند العلماء نذر المعصية ومجرد التلفظ بنذر المعاصي والآثام يعد ذنباً ومعصية لله تعالى , وقد اتفق أهل العلم على أنه يحرم الوفاء بنذر المعصية لما ثبت في الحديث من قول النبي ﷺ أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: [ ... والخبر صريح في الأمر بوفاء النذر إذا كان في طاعة وفي النهي عن الوفاء به إذا كان في معصية] فتح الباري ١١/٧٠٩.
وروى الإمام مسلم بإسناده عن عمران بن حصين ﵁ قال (كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل وأصابوا معه العضباء – اسم لناقة الرجل المأسور - فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق قال يا محمد فأتاه فقال ما شأنك؟ فقال بم أخذتني وبم أخذت سابقة الحاج؟ – أي ناقته - فقال إعظاماً لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف ثم انصرف عنه فناداه فقال يا محمد يا محمد وكان رسول الله ﷺ رحيماً رقيقاً فرجع إليه فقال ما شأنك؟ قال إني مسلم قال لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ثم انصرف فناداه فقال يا محمد يا محمد فأتاه فقال ما شأنك؟ قال إني جائع فأطعمني وظمآن فأسقني قال هذه حاجتك ففدي بالرجلين. قال وأسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ قال وناقة منوقة - أي مذللة - فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم قال ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ فقالت إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فقال: سبحان الله بئسما جزتها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك لعبد)
وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه النسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/ ٨٠٧.
وغير ذلك من الأحاديث. وبهذا يظهر لنا أنه يحرم الوفاء بنذر المعصية باتفاق أهل العلم ولكن يلزم الناذر كفارة يمين على الراجح من أقوال أهل العلم ليكفر ذنبه لأنه نذر ما هو حرام شرعاً
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [نذر المعصية فلا يحل الوفاء به إجماعاً ولأن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ولأن معصية الله تعالى لا تحل في حال ويجب على الناذر كفارة يمين روي نحو هذا عن ابن مسعود وابن عباس , وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب وبه قال الثوري , وأبو حنيفة وأصحابه ...
ووجه الأول ما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (لا نذر في معصية , وكفارته كفارة يمين) رواه الإمام أحمد في " مسنده " وأبو داود , في " سننه " وقال الترمذي: هو حديث غريب وعن أبي هريرة وعمران بن حصين عن النبي ﷺ مثله روى الجوزجاني , بإسناده عن عمران بن حصين قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله , وفيه الوفاء وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه , ويكفره ما يكفر اليمين) وهذا نص ولأن النذر يمين بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (النذر حلفة) ، (وقال النبي ﷺ لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله الحرام , فلم تطقه: تكفر يمينها) صحيح أخرجه أبو داود وفي رواية: " ولتصم ثلاثة أيام " قال أحمد: إليه أذهب وقال ابن عباس في التي نذرت ذبح ابنها: كفري يمينك ولو حلف على فعل معصية لزمته الكفارة فكذلك إذا نذرها ... فأما أحاديثهم , فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية الله وهذا لا خلاف فيه وقد جاء مصرحاً به هكذا في رواية مسلم ويدل على هذا أيضا أن في سياق الحديث: (ولا يمين في قطيعة رحم) يعني لا يبر فيها ولو لم يبين الكفارة في أحاديثهم فقد بينها في أحاديثنا] المغني ١٠/٥-٧
وروى الترمذي بإسناده عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين) قال أبو عيسى - أي الترمذي - هذا حديث غريب وهو أصح من حديث أبي صفوان عن يونس وأبو صفوان هو مكي واسمه عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان وقد روى عنه الحميدي وغير واحد من جلة أهل الحديث وقال قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين وهو قول أحمد وإسحق واحتجا بحديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة] سنن الترمذي مع شرحه التحفة ٥/١٠٢-١٠٣.
وقال المباركفوري [قوله: (وهو قول أحمد وإسحاق) قد اختلف فيمن وقع منه النذر في المعصية هل يجب فيه كفارة , فقال الجمهور لا , وعن أحمد والثوري وإسحاق وبعض الشافعية والحنفية نعم , واتفقوا على تحريم النذر في المعصية , واختلافهم إنما هو في وجوب الكفارة , واحتج من أوجبها بأحاديث الباب (وهو قول مالك والشافعي) وهو قول الجمهور , وأجابوا عن أحاديث ضعيفة. قلت: والظاهر أنها بتعددها وتعدد طرقها تصلح للاحتجاج والله تعالى أعلم..] تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ٥/١٠٣.
وحديث عائشة المذكور رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وقد اختلف فيه أهل الحديث فضعفه بعضهم وصححه آخرون وممن صححه العلامة الألباني فقد تكلم عليه طويلاً في إرواء الغليل وذكر أن إحدى روايات النسائي سندها متصل صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ما عدا راوٍ وهو ثقة. ثم ذكر العلامة الألباني شاهداً صحيحاً للحديث رواه ابن الجارود ولفظه (النذر نذران فما كان لله فكفارته الوفاء , وما كان للشيطان فلا وفاء فيه , وعليه كفارة يمين] انظر إرواء الغليل ٨/٢١٦-٢١٧.
ومما يدل على لزوم الكفارة في نذر المعصية عموم قول النبي ﷺ (كفارة النذر كفارة اليمين) رواه مسلم
قال الإمام النووي: [قوله ﷺ : (كفارة النذر كفارة اليمين) اختلف العلماء في المراد به , فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج , وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلاً: إن كلمت زيداً مثلاً فلله علي حجة أو غيرها , فيكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه , هذا هو الصحيح في مذهبنا , وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق , كقوله: علي نذر , وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية , كمن نذر أن يشرب الخمر , وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر , وقالوا: هو مخير في جميع النذورات بين الوفاء بما التزم , وبين كفارة يمين.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٦٩.
ويؤيده ما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما النذر يمين، كفارتها كفارة يمين) أخرجه أحمد وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٢٨٦٠.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين) وصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم ٤٧٩.
وقال العلامة ابن القيم [قال الموجبون للكفارة في نذر المعصية - وهم أحمد وإسحاق والثوري وأبو حنيفة وأصحابه - هذه الآثار قد تعددت طرقها. ورواتها ثقات. وحديث عائشة احتج به الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه , وإن كان الزهري لم يسمعه من أبي سلمة , فإن له شواهد تقويه رواه عن النبي ﷺ سوى عائشة: جابر وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر , قاله الترمذي: وفيه حديث ابن عباس رفعه " من نذر نذرا في معصية , فكفارته كفارة يمين " رواه أبو داود , ورواه ابن الجارود في مسنده , ولفظه عن ابن عباس عن النبي ﷺ " النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء به , وما كان للشيطان فلا وفاء فيه وعليه كفارة يمين " وروى أبو إسحاق الجوزجاني حديث عمران بن حصين في كتابه المترجم وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول " النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله , وفيه الوفاء , وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه , ويكفره ما يكفر اليمين " وروى الطحاوي بإسناد صحيح عن عائشة عن النبي ﷺ " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ويكفر عن يمينه , وهو عند البخاري إلا ذكر الكفارة. قال الأشبيلي: وهذا أصح إسنادا , وأحسن من حديث أبي داود - يعني حديث الزهري عن أبي سلمة المتقدم. وفي مصنف عبد الرزاق: عن يحيى بن أبي كثير عن رجل من بني حنيفة , وعن أبي سلمة كلاهما عن النبي ﷺ مرسلا " لا نذر في غضب ولا في معصية الله , وكفارته كفارة يمين " قالوا: وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال " كفارة النذر كفارة اليمين ". وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين. أحدهما: أنه عام لم يخص منه نذر دون نذر. الثاني: أنه شبهه باليمين , ومعلوم: أنه لو حلف على المعصية وحنث لزمه كفارة يمين , بل وجوب الكفارة في نذر المعصية أولى منها في يمين المعصية لما سنذكره. قالوا: ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله , وعمران بن حصين وسمرة بن جندب , ولا يحفظ عن صحابي خلافهم. قالوا: وهب أن هذه الآثار لم تثبت , فالقياس يقتضي وجوب الكفارة فيه , لأن النذر يمين , ولو حلف ليشربن الخمر , أو ليقتلن فلانا , وجبت عليه كفارة اليمين وإن كانت يمين معصية فهكذا إذا نذر المعصية. وقد ثبت عن النبي ﷺ تسمية النذر يمينا - لما قال لأخت عقبة لما نذرت المشي إلى بيت الله فعجزت تكفر يمينها , وهو حديث صحيح وسيأتي. وعن عقبة مرفوعا وموقوفا " النذر حلفة ". وقال ابن عباس في امرأة نذرت ذبح ابنها " كفري يمينك " فدل على أن النذر داخل في مسمى اليمين في لغة من نزل القرآن بلغتهم. وذلك أن حقيقته هي حقيقة اليمين فإنه عقده لله ملتزما له , كما أن الحالف عقد يمينه بالله ملتزما لما حلف عليه , بل ما عقد لله أبلغ وألزم مما عقد به فإن ما عقد به من الأيمان لا يصير باليمين واجبا , فإذا حلف على قربة مستحبة ليفعلنها لم تصر واجبة عليه , وتجزئه الكفارة ولو نذرها وجبت عليه ولم تجزئه الكفارة. فدل على أن الالتزام بالنذر آكد من الالتزام باليمين , فكيف يقال: إذا التزم معصية بيمينه وجبت عليه الكفارة , وإذا التزمها بنذره الذي هو أقوى من اليمين فلا كفارة فيها فلو لم يكن في المسألة إلا هذا وحده لكان كافيا. ومما يدل على أن النذر آكد من اليمين. أن الناذر إذا قال: لله علي أن أفعل كذا فقد عقد نذره بجزمه أيمانه بالله , والتزامه تعظيمه , كما عقدها الحالف بالله كذلك , فهما من هذه الوجوه سواء , والمعنى الذي يقصده الحالف ويقوم بقلبه هو بعينه مقصود للناذر قائم بقلبه ويزيد النذر عليه أنه التزمه لله , فهو ملتزم من وجهين: له , وبه. والحالف إنما التزم ما حلف عليه خاصة , فالمعنى الذي في اليمين داخل في حقيقة النذر فقد تضمن النذر اليمين وزيادة , فإذا وجبت الكفارة في يمين المعصية فهي أولى بأن تجب في نذرها. ولأجل هذه القوة والتأكيد: قال بعض الموجبين للكفارة فيه: إنه إذا نذر المعصية لم يبرأ بفعلها , بل تجب عليه الكفارة عينا , ولو فعلها لقوة النذر , بخلاف ما إذا حلف عليها , فإنه إنما تلزمه الكفارة إذا حنث , لأن اليمين أخف من النذر. وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد , وتوجيهه ظاهر جدا , فإن النبي ﷺ نهاه عن الوفاء بالمعصية , وعين عليه الكفارة عينا , فلا يخرج من عهدة الأمر إلا بأدائهما.] حاشية ابن القيم على سنن أبي داود ٩/٨٤-٨٦
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: [ولكن نقول: يكفر، يكفر كفارة يمين لقول النبي ﷺ : (لا نذر في معصية الله) وعليه كفارة يمين وهذا الحديث احتج به الإمام أحمد ﵀ وإسحاق وصححه الطحاوي خلافاً لقول النووي ﵀: إنه ضعيف باتفاق المحدثين.
النووي ضعفه لكن الإمام أحمد احتج به واحتجاجه به يدل على صحته عنده وكذلك صححه الطحاوي وهو من الأئمة الذين يعتبر تصحيحهم. وعلى هذا فالحديث صحيح يحتج به، لكن جمهور أهل العلم قالوا: إن نذر المعصية لا كفارة فيه يحرم الوفاء به ولا يكفر واحتجوا بحديث عائشة الذي أشرنا إليه آنفاً وهو قول رسول الله ﷺ : (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ولكن نقول: إنه ما دام قد ورد حديث فيه زيادة وهو صحيح فإنه يجب الأخذ بهذه الزيادة وهي كفارة اليمين. فنقول يكفر ولأن المعنى يقتضي ذلك لأن هذا الرجل نذر نذراً فلم يفعل ونحن نقول: نذره انعقد لأنه ألزم نفسه به ولا يمكن أن يوفي به لأنه معصية وحينئذ يكون نذر نذراً لم يوفه فعليه الكفارة كما لو حلف أن يفعل معصية فإننا نقول له: لا تفعلها وعليك كفارة يمين. فما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ وإن كان من مفرداته أقرب إلى الصواب بأنه لا يفعل المعصية وعله كفارة يمين] الشرح الممتع على زاد المستقنع ١١/٤٣٠.
وخلاصة الأمر أنه يحرم الوفاء بنذر المعصية باتفاق أهل العلم وتجب الكفارة فيه على أرجح قولي العلماء وكفارة اليمين هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩.
стр. 713
٦ - الاستثناء في اليمين
يقول السائل: ما صحة أن الإنسان إذا حلف يميناً وقال إن شاء الله ثم حنث بيمنه فلا كفارة عليه أفيدونا؟ الجواب: هذه المسألة تسمى مسألة الاستثناء في اليمين عند الفقهاء والمقصود بالاستثناء في اليمين أن يذكر الحالف لفظ إن شاء الله بعد الحلف أو قبله لا فرق في ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية [الاشتراط بالمشيئة: هو استثناء في كلام النبي ﷺ والصحابة والفقهاء وليس استثناء في العرف النحوي] انظر القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام الحنبلي ص ٣٢٦.
والاستثناء يؤثر في اليمين والنذر والظهار ونحوها في قول أكثر أهل العلم. والاستثناء مشروع في اليمين ويدل على مشروعيته، ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث) . رواه أحمد والترمذي وفي رواية أخرى (من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى) .
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك غير حنث) رواه النسائي
وفي رواية عند أبي داود عن ابن عمر ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى) .
وفي رواية أخرى عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه) . والحديث برواياته الختلفة حديث صحيح كما بينه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٨/١٩٦ فما بعدها، وفي صحيح سنن أبي داود ٢/٦٢٩.
وعن عكرمة عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (والله لأغزون قريشًا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشاً ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشاً ثم سكت ثم قال: إن شاء الله ثم لم يغزهم) . رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما بينه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٣٣. وغير ذلك من الأحاديث.
وقول إن شاء الله بعد الحلف أو قبله له تأثير في اليمين فهو يحصن الحالف من الإثم ويعفيه من الكفارة ودل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي هريرة السابق (لم يحنث) وقوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ (فلا حنث عليه) .
قال الشوكاني: [قوله: (لم يحنث) فيه دليل على أن التقييد بمشيئة الله مانع من انعقاد اليمين أو يحل انعقادها وقد ذهب إلى ذلك الجمهور وادعى عليه ابن العربي الإجماع قال أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً] نيل الأوطار٨/٢٤٨
وقد ذكر الفقهاء عدة شروط حتى يكون الاستثناء مؤثراً في اليمين أولها: أن يجري لفظ إن شاء الله على اللسان ولا تكفي نية الاستثناء لأن الأصل في باب الأيمان والنذور أنها تبنى على اللفظ ولا تكفي النية بالقلب ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ ... فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ سورة مريم الآية ٢٦.
ويدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث السابق: (من حلف فقال إن شاء الله) والقول يكون باللسان لا بالقلب.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويشترط أن يستثني بلسانه ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في قول عامة أهل العلم منهم الحسن والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة وابن المنذر ولا نعلم لهم مخالفاً لأن النبي ﷺ قال: (من حلف فقال: إن شاء الله) والقول هو النطق ولأن اليمين لا تنعقد بالنية فكذلك الاستثناء] المغني ٩/٥٢٣
وثانيها: أن لا يكون هنالك فاصلٌ زمني بين اليمين وقول إن شاء الله بمعنى أن يكون بينهما اتصال وقتي وهذا على الصحيح من أقوال العلماء خلافاً لابن عباس ﵄ حيث أجاز الاستثناء المنفصل قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فإنه يشترط أن يكون الاستثناء متصلاً باليمين , بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبي ولا يسكت بينهما سكوتاً يمكنه الكلام فيه فأما السكوت لانقطاع نفسه أو صوته , أو عيٍ أو عارضٍ من عطسة أو شيء غيرها فلا يمنع صحة الاستثناء وثبوت حكمه , وبهذا قال مالك والشافعي والثوري وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي لأن النبي ﷺ قال: (من حلف فاستثنى) وهذا يقتضي كونه عقيبه] المغني ٩/٥٢٢ ومن المعلوم أن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب في لغة العرب.
وثالثها: أن يقصد الحالف قول إن شاء الله وأما إذا كانت هذه العبارة تجري على لسان الحالف بدون قصد فلا أثر لها حينئذ.
ورابعها: أن الاستثناء لا يصح في الأيمان المتعلقة بحقوق العباد لأن ذلك يؤدي إلى ضياع حقوق العباد فلا يصح لمن حلف يميناً في حق من حقوق العباد أن يستثني وبالتالي يعفي نفسه من الصدق في يمينه لأن اليمين المتعلقة بحقوق العباد يجب أن تكون حسب نية طالب اليمين من خصمٍ أو قاضٍ ونحوهما.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [الحال الثاني أن يكون الحالف ظالماً كالذي يستحلفه الحاكم على حق عنده , فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف ولا ينفع الحالف تأويله وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفاً فإن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) رواه مسلم وأبو داود وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اليمين على نية المستحلف) رواه مسلم , وقالت عائشة ﵂: (اليمين على ما وقع للمحلوف له) ولأنه لو ساغ التأويل لبطل المعنى المبتغى باليمين إذ مقصودها تخويف الحالف ليرتدع عن الجحود , خوفاً من عاقبة اليمين الكاذبة فمتى ساغ التأويل له انتفى ذلك , وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق ولا نعلم في هذا خلافاً] المغني ٩/٥٢٢
وخلاصة الأمر أن الحالف إذا استخدم الاستثناء في يمينه بالشروط التي ذكرتها فإن ذلك يعفيه من الكفارة ولا إثم عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 714
٧ - اليمين الغموس
يقول السائل: ما الحكم الشرعي فيمن يحلف يميناً أنه معيل لوالديه وهناك أحد من إخوته أو أخواته يساعد في الإنفاق عليهما أو على أحدهما؟ وما الحكم فيمن حلف على التصريح المشفوع بالقسم المرفق وما يترتب على ذلك؟ وما الحكم الشرعي فيمن يرسل أحد الأشخاص للمحكمة ويرسل معه الإقرار المرفق ويصادق القاضي على ذلك؟ ونص الإقرار هو: تصريح مشفوع بالقسم أنا الموقع أدناه/ من سكان هوية رقم أصرح بعد القسم بما يلي:
١. أن الاسم المبين أعلاه هو اسمي الحقيقي والتوقيع أدناه توقيعي.
٢. إنني المعيل والمنفق الوحيد. لا يوجد أحد غيري يقوم بالإنفاق عليها لم يتقدم أحد غيري بتقديم طلب مماثل.
لذا أقدم هذا القسم القانوني للجهات المعنية. تحريراً في حضر أمامي المصرح المذكور أعلاه وأقسم على ما ورد. والمحكمة غير مسؤولة عما ورد بالقسم.
الجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اليمين على نية المستحلف) رواه مسلم وفي رواية أخرى عند مسلم قال رسول الله ﷺ : (يمينك على ما يصادقك عليه صاحبك) .
قال الإمام النووي: [قوله ﷺ : (يمينك على ما يصادقك عليه صاحبك) وفي رواية: (اليمين على نية المستحلف) المستحلف بكسر اللام وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي , فإذا أدعى رجل على رجل حقاً فحلفه القاضي فحلف وورَّى فنوى غير ما نوى القاضي , انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ولا تنفعه التورية , وهذا مجمع عليه , ودليله هذا الحديث والإجماع.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٨٠.
وبناءً على ما تقدم فإن لم يكن الحالف هو المعيل فعلاً لوالديه فهذه اليمين التي حلفها يمين محرمة بل كبيرة من الكبائر والعياذ بالله فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس) . رواه الإمام البخاري في صحيحه. قال الحافظ ابن حجر: [اليمين الغموس.. قيل سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار] فتح الباري ١٤/٣٦٣.
وفي رواية أخرى للحديث السابق قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: عقوق الوالدين؟ قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس) قلت- أي أحد رواة الحديث لعامر الشعبي-: [ما اليمين الغموس؟ ال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمين صبر هو فيها كاذب] حديث صحيح رواه ابن حبان في صحيحه ١٢/٣٧٣. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو غضبان) فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا..﴾ إلى آخر الآية. فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا. قال: فيَّ أنزلت، كان لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله ﷺ فقال: (بينتك أو يمينه فقلت: إذا يحلف عليها يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ من حلف على يمين صبر هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو غضبان) صحيح البخاري مع الفتح ١٤ / ٣٦٧. وينبغي التحذير من أن كثيراً من الناس يتساهلون في أمر الأيمان فيقدمون على الحلف متعمدين للكذب وهم لا يعرفون عواقب تلك الأيمان الكاذبة أو يعرفونها ومع ذلك يتلاعبون في الأيمان ويظنون الأمر هيناً وهو عند الله عظيم. يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة آل عمران الآية ٧٧ ففي هذه الآية عقوبات لمن يحلف كاذباً متعمداً ليأكل حقوق الناس وهي:
١. لا حظ له في الآخرة ولا نصيب له من رحمة الله.
٢. لا يكلمه الله كلام أنس ولا لطف.
٣. يعرض الله عنه يوم القيامة فلا ينظر إليه بعين الرحمة.
٤. لا يطهره من الأوزار والذنوب.
٥. يعذبه عذاباً أليماً على ما ارتكب من المعاصي.
وقد ورد في أحاديث أخرى عقوبات غير ذلك منها ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح.
وفي حديث آخر قال ﷺ : (لا يقتطع رجل حق امرئ مسلم بيمينه إلا حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار فقال رجل من القوم: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً قال ﵊: وإن كان سواكاً من أراك) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس شيء أُطيعَ الله فيه، أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) رواه البيهقي ١٠/٣٥٠، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٧٠٦، وبلاقع، جمع بلقع وبلقعة، وهي الأرض القفر التي لا شجر فيها، ذكره الزبيدي ونقل عن بعض العلماء، أن معنى الحديث " أي يفتقر الحالف ويذهب ما في بيته من المال، أو يفرق الله شمله ويغيّر ما أولاه من نعمة " تاج العروس ١١/٣٠. وفي رواية أخرى: (إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونون فجاراً، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا وصلوا أرحامهم، وإن أعجل المعصية، عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس يذهب المال ويثقل في الرحم، ويذر الديار بلاقع) رواه الطبراني في الأوسط وقال الشيخ الألباني: إنه صحيح بمجموع طرقه وشواهده. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذهب المال) رواه البزار بسند صحيح، كما قاله ابن حجر الهيتمي، الزواجر ٢/٤٠٤.
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز شرعاً أن يكذب الحالف من أجل أن يحقق غرضاً مادياً أو غيره من الأغراض فإن الكذب من المحرمات التي تهدي إلى الفجور، وبالتالي إلى النار، كما ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقاً وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) وإذا ترتب على الكذب أمر آخر فيكون أكثر حرمة، حيث أضيف إلى حرمة الكذب حرمة التزوير والتدليس، ولا يجوز أن يجتمع في المسلم واحدة من هذه الخصال. فيحرم على الشخص أن يحلف اليمين المذكور في النص أو يرسله موقعاً إلى المحكمة إلا إذا كان صادقاً.
стр. 715
٨ - معاهدة الله
يقول السائل: إذا عاهد شخص الله ﷻ على أن يقوم بعمل ما أو يكف عن عمل ما ثم نقض عهده فهل يكون منافقاً تنطبق عليه الآيات الواردة في الذين ينقضون عهد الله؟
الجواب: وردت آيات عديدة في عهد الله أو معاهدة الله ومنها قوله تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) سورة البقرة الآية ٢٧.
ومنها قوله تعالى: (إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة آل عمران الآية ٧٧.
ومنها قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) سورة التوبة الآيات ٧٥ -٧٧. وغير ذلك من الآيات.
قال الراغب الأصفهاني: (... وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة رسله وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها وعلى هذا قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) - (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) - (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) ] المفردات في غريب القرآن ص٣٥٠.
وقال العلامة الألوسي في تفسير قوله تعالى:: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [والمراد بالعهد ها هنا إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده تعالى الدالة على وجوده ووحدته وصدق رسله صلى الله تعالى عليهم وسلم وفي نقضها لهم ما لا يخفى من الذم لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها والناقضون على هذا جميع الكفار.
وأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره. وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه. والناقضون حيئذ أهل الكتاب والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلاً والنقض على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول وعكس بعض - ولكل جهة - وقيل: الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السماوات والأرض عن أن يحملنها وقيل: هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب النزول والظاهر العموم] روح المعاني ١/١١٢-١١٣.
وقد قرر العلماء أن من عاهد الله ثم نقض عهده فقد ارتكب معصية من المعاصي وينطبق عليه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان) رواه البخاري ومسلم.
وجاء في رواية أخرى أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم.
قال الإمام النووي في شرح الحديث السابق: [هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك. وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال. وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله. وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال ولكن اختلف العلماء في معناه. فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى الموجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأئتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر. ولم يرد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار وقوله ﷺ : كان منافقاً خالصاً معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالباً عليه. فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً فيه. فهذا هو المختار في معنى الحديث. وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي ﵁ معناه عن العلماء مطلقاً فقال: إنما معنى هذا عند أهل العمل نفاق العمل. وقال جماعة من العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ فحدثوا بإيمانهم وكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم. وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن اليصري ﵀ بعد أن كان على خلافه وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر ﵃. وروياه أيضاً عن النبي ﷺ قال القاضي عياض ﵀ وإليه مال كثير من أئمتنا وحكى الخطابي ﵀ قولاً آخر معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق. وحكى الخطابي ﵀ أيضاً: عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي ﷺ لا يواجههم بصريح القول فيقول: فلان منافق وإنما كان يشير إشارة كقوله ﷺ ما بال أقوام يفعلون كذا؟ والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٢٣٥-٢٣٦.
ومن العلماء من حمل النفاق في الحديث على نفاق العمل كما سبق في كلام النووي عن الترمذي ونص كلام الإمام الترمذي في سننه هو: [وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله ﷺ هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل ونفاق التكذيب] سنن الترمذي ٥/٢١.
قال القرطبي المحدث: [إن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة لما قال له هل تعلم فيَّ شيئاً من النفاق؟ أي من صفات المنافقين الفعلية ووجه هذا أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساتراً لها ومظهراً لنقائضها فصدق عليه اسم منافق] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ١/٢٥٠.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في تفسير النفاق: [وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي] فتح الباري ١/٩٨.
وخلاصة الأمر أنه يجب على المسلم إذا عاهد الله أن يفعل خيراً أو ينتهي عن معصيه فعليه الوفاء بما عاهد عليه الله.
قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) سورة الإسراء الآية ٣٤.
وأما إذا نقض عهده مع الله فقد ارتكب معصية وقد عدها جماعة من العلماء من كبائر الذنوب وانظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٢٢٥-٢٢٧. فعلى من نقض عهد الله أن يبادر إلى التوبة ويفي بما عاهد الله عليه.
وأخيراً أنبه على أن من حلف بعهد الله فهذه تعد يميناً يلزمه الوفاء بها وإذا حنث لزمته كفارة يمين قال الكاساني: [ولو قال عليَّ عهد الله أو ذمة الله أو ميثاقه فهو يمين لأن اليمين بالله تعالى هي عهد الله على تحقيقه أو نفيه ألا ترئ إلى قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) سورة النحل الآية ٩١. ثم قال : (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) سورة النحل الآية ٩١. وجعل العهد يميناً والذمة هي العهد] بدائع الصنائع ٣/١٥.
стр. 716
٩ - اذا حلف يمينا ثم خالفها
يقول السائل: حلفت يميناً على ألا أزور بيت خالي ثم زرته في يوم العيد وصمت ثلاثة أيام كفارة يميني فما الحكم في ذلك؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أن اليمين التي حلفتها يمين مكروهة لأنها تضمنت الإمتناع عن بر خالك وزيارته ولا يجوز للمسلم أن يجعل اليمين حائلاً ومانعاً من القيام بالخيرات، قال الله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) . فكل يمين تحول بين الإنسان وبين فعل الخيرات مكروهة.
وقال الله : (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . سورة النور الاية ٢٢.
قال ابن كثير ﵀: [يقول الله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ) من الآلية وهي الحلف أي لا يحلف ... وهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حين حلف أن لاينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبداً بعد ما قاله في عائشة ما قال............ فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة وطابت النفوس المؤمنة واستقرت وتاب الله على من تكلم من المؤمنين في ذلك وأقيم الحد على من أقيم عليه شرع ﵎ وله الفضل والمنّة يعطف الصديق على قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة فإنه كان ابن خالة الصديق وكان مسكيناً لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر ﵁ وكان من المهاجرين في سبيل الله وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، وكان الصديق ﵁ معروفاً بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب فلما نزلت هذه الاية إلى قوله تعالى: (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ... ) الخ الآية، فأن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك وكما تصفح يصفح عنك فعند ذلك قال الصديق: بلى والله نحب ان تغفر لنا يا ربنا ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال: والله لا أنزعها منه ابداً-في مقابلة ما كان قال: والله لا أنفعه بنافعة أبداً-فلهذا كان الصديق هو الصديق ﵁ وعن بنته] تفسير ابن كثير ٣/٢٧٦.
هذا ما يتعلق بيمينك أما صيام الأيام الثلاثة فأنت مشيت على رأي عامة الناس الذين يظنون أن كفارة اليمين هي صيام ثلاثة أيام وهذا من الأخطاء الشائعة والمنتشرة بين الناس والصحيح أن كفارة اليمين هي المذكورة في قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة الآية ٨٩.
فكفارة اليمين هي إما إطعام عشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين أو عتق رقبة على التخير أي أن الحالف يختار واحدة من هذه الخصال الثلاث فإذا كان فقيراً عاجزاً عن التكفير بإحدى هذه الخصال فإنه يصوم ثلاثة أيام وبناء على ذلك لا يجوز التكفير بصيام ثلاثة أيام إذا كان الشخص قادراً على ما سبق فإذا صام ثلاثة أيام وهو مستطيع للإطعام أو الكسوة فلا يعد مكفر عن يمينه وتبقى الكفارة ديناً في ذمته ولا تبرأ ذمته إلا إذا كفّر بالإطعام أو الكسوة واستثناء العتق لأنه لا يوجد في زمننا هذا تحرير رقاب.
وأخيراً أنبه على جواز إخراج قيمة الإطعام أو الكسوة نقداً كما هو مذهب الحنفية.
*****
стр. 717
١٠ - يحرم على المسلم أن يحرم الحلال وكفارة ذلك .
يقول السائل: إن أباه حلف عليه يميناً أن لا يذهب إلى صلاة الجماعة في المسجد فما حكم هذه اليمين وما موقف الابن من يمين أبيه؟
الجواب: إن أباك أخطأ في حلفه هذا ولا يجب عليك أن تبر بيمين أبيك ولا يصح للأب أن يجعل يمينه حائلاً دون فعل الطاعات لقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) . وعلى أبيك كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد يصوم ثلاثة أيام لقول الرسول ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه) حديث صحيح.
وكما قلت لا يجب عليك أن تبر بقسم أبيك لأن إبرار المقسم يكون مندوباً إذا لم يكن في اليمن مفسدة أو خوف ضرر أو أمر مكروه فإذا لم يكن في اليمين مثل ذلك يندب في حق المحلوف عليه أن يبر بقسم الحالف لما ثبت في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام ... إلخ الحديث) . والأمر في الحديث على أمور مندوبة باتفاق أهل العلم كما قرره الإمام الشوكاني، وقد أقسم أبو بكر على النبي ﷺ ليخبره بتأويل الرؤيا فقال ﵊ (لا تقسم) ولم يخبره كما ثبت ذلك في الصحيح.
стр. 718
١١ - الأكل من الشاة المنذورة
يقول السائل: نذر إنسان أن يذبح شاة فهل يجوز أن يأكل منها هو وأهل بيته؟
الجواب: إن الوفاء بالنذر واجب لقوله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه) رواه البخاري ومسلم. ويجب أن يعلم أن النذر حتى يعتبر نذراً لا بد أن يكون لفظاً يجري على اللسان وأما مجرد النية بالنذر فلا يعتبر ذلك نذراً ويدل على ذلك قوله تعالى: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) سورة مريم الآية ٢٦. إذا ثبت هذا فنقول: إن من نذر شاة لله تعالى فيجب عليه أن يفي بنذره ويجب أن يصرفها مصرف الصدقات فلا يجوز له أن يأكل منها ولا يجوز لأهل بيته أن يأكلوا منها لأن الشخص وأهل بيته لا يصح صرف الزكاة إليهم وكذلك في النذر لله تعالى لا يصح ولا يجوز أن يأكلوا منه. وإذا أكلها هو وأهل بيته فعليه أن يذبح شاة أخرى بدلاً منها ويوزعها على الفقراء والمحتاجين.
وهذا هو الحكم في كل نذر لله تعالى إلا إذا كان الناذر قد نوى أن يذبح الشاة ويأكل منها هو وأهله وأقاربه وجيرانه مثلاً فإن كانت نيته كذلك فله أن يأكل منها هو واهله ومن ذكر، لقول الرسول ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وللكل امرئ ما نوى) رواه البخاري ومسلم. *****
стр. 719
١٢ - الحلف بغير الله
يقول السائل: إن كثيراً من الناس اعتادوا الحلف بشرفهم او بحياتهم فهل يجوز ذلك؟ وماذا يترتب عليه؟
الجواب: إن الحلف أو القسم المشروع لا يكون إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته وما عدا ذلك لا يجوز الحلف به. وقد علل أهل العلم عدم جواز الحلف إلا بالله لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به والعظمة إنما هي لله وحده فلا يحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته. فالحلف بغيرالله حرام سوء الحلف بالشرف أو الحياة أو الأب أو الحرم أو حياة الملك أو حياة الرئيس أو الكعبة أو بالصلاة أو الصيام أو المسجد وغيرهما والأدلة على ذلك كثيرة منها:
١. قوله ﵊: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) رواه مسلم، فهذا الحديث يدل دلالة صريحة على قصر الحلف بالله فقط.
٢. وعن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ سمع عمر بن الخطاب وهو يحلف بأبيه فقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) رواه البخاري ومسلم.
٣. وعن ابن عمر أيضاً أن الرسول ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد كفر) وفي روايةٍ أخرى (فقد أشرك) رواه أبو داود والترمذي وقال حسن، والحاكم وصححه، وأحمد وغيرهم.
وبهذا يظهر لنا أن الحلف بغير الله تعالى لا يجوز وقد قال ابن عبد البر ﵀: [لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع] فما حلف به هذا الشخص لا يعتبر يميناً ولا يجب عليه الوفاء بما حلف ولا تلزمه كفارة إذا حنث بذلك، وعليه أن يتوب لله تعالى ويستغفره وعليه ألا يعود للحلف بذلك.
стр. 720
١٣ - النذر المعلق
تقول السائلة: إنها نذرت أن تذبح شاة لله تعالى إن شفي ولدها من مرض ألمََّ به وكيف تصنع بهذه الذبيحة؟ وهل يجوز لها ولأهل بيتها الأكل من هذه الذبيحة؟
الجواب: إن النذر عند أهل العلم هو أن يلزم المكلف نفسه بقربة لم يلزمه بها الشارع الحكيم، وهذا النذر محل السؤال نذر مكروه وهو ما يعرف عند العلماء بالنذر المعلق حيث إن المكلف علق فعل القربة على حصول غرض معين فلم تكن نيته خالصة لله تعالى وإنما كانت القربة على سبيل المعاوضة وهذا شأن البخيل الذي لا يدفع شيئاً من ماله إلا بمقابل، وقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ أن الرسول ﷺ : (نهى عن النذر وقال إنه لا يرد شيئاً وإنما يستخرج به البخيل) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. ويجب على هذه المرأة الوفاء بنذرها إن شفي ولدها من المرض فالوفاء بالنذر واجب لقوله تعالى: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) ولقوله ﵊: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) رواه البخاري وأصحاب السنن.
فعلى هذه المراة أن تذبح شاة كما في نذرها. ولا يجزيء أن تخرج قيمة الشاة وعليها أن توزعها على الفقراء والمحتاجين ولا يجوز لها ولا لأهل بيتها الأكل من الشاة المنذورة بل يجب إخراجها وتوزيعها على الحتاجين.
стр. 721
١٤ - إبرار المقسم
يقول السائل: حلف شخصٌ يميناً عليَّ أن أفعل فعلاً معيناً، ووقعت في الحرج لأنه حلف عليَّ ولم يكن لي رغبة أن أفعل ما حلف، فماذا يترتب عليَّ؟
الجواب: تسمى هذه المسألة عند أهل العلم مسألة إبرار المقسم، وهي أن تفعل ما أراده الحالف لتصير بذلك باراً بيمينه، وهذه المسألة فيها تفصيل عند العلماء:
١ - فإذا حلف شخصٌ على آخر أن يفعل أمراً واجباً كأن يصلي الظهر مثلاً، فعلى المحلوف عليه أن يبر بيمين الحالف، وكذلك إذا حلف عليه أن يترك معصية فيجب عليه أن يبر بيمينه.
٢ - وأما إذا حلف شخصٌ على آخر أن يترك واجباً أو أن يفعل معصية، فيجب على المحلوف عليه أن يحنث بيمين الحالف لأنه لا طاعة إلا في المعروف، لما ثبت في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: (لا طاعة في معصية الله) رواه البخاري ومسلم.
٣ - أما إذا حلف شخصٌ على آخر أن يفعل أمراً مباحاً أو مندوباً إليه، فيندب إبرار المقسم في هذه الحالة، كمن حلف على آخر أن يتغدى عنده في بيته، فيندب إبرار المقسم، وقد ثبت في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار القسم أو المقسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم الذهب أو أن نتختم بالذهب وعن شربٍ بالفضة وعن المياثر وعن القسي وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.
قال الإمام النووي: " وأما إبرار المقسم فهو سنة أيضاً مستحبة متأكدة، وإنما يندب إليه إذا لم يكن فيه مفسدة أو ضرر أو نحو ذلك، فإن كان شيءٌ من هذا لم يبر قسمه كما ثبت أن أبا بكر ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرة الرسول ﷺ فقال له النبي ﷺ : (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً) فقال أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: (لا تقسم ولم يخبره) " شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/٣٢. وقال الشوكاني مبيناً الأمر بإبرار المقسم ليس على سبيل الوجوب: " قوله (وإبرار المقسم) ظاهر الأمر الوجوب واقترانه ببعض ما هو متفق على عدم وجوبه كإفشاء السلام، قرينة صارفة عن الوجوب، وعدم إبراره ﷺ لقسم أبي بكر وإن كان خلاف الأحسن لكونه ﷺ فعله لبيان عدم الوجوب.... " نيل الأوطار ٨/٢٦٢.
وقد ثبت في أحاديث أن الرسول ﷺ أبر المقسم كما في الحديث الشريف (أن ابنة لرسول الله ﷺ أرسلت إليه، ومع رسول الله ﷺ أسامة وسعد وأبيّ، أن ابني قد احتضر فاشهدنا، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده مسمى، فلتصبر وتحتسب، فأرسلت إليه وتقسم عليه، فقام وقمنا معه، فلما قعد رفع إليه فأقعده في حجره ونفس الصبي تقعقع، ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه البخاري. وفي رواية أخرى عند البخاري: (تقسم عليه ليأتينها) فبرَّ النبي ﷺ بقسم ابنته فذهب إليها. وجاء في الحديث عن مجاهد قال: (كان رجل من المهاجرين يقال له عبد الرحمن بن صفوان وكان له بلاء في الإسلام حسن وكان صديقاً للعباس، فلما كان فتح مكة، جاء بأبيه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بايعه على الهجرة فأبى وقال: إنها لا هجرة فانطلق إلى العباس وهو في السقاية فقال: يا أبا الفضل، أتيت رسول الله ﷺ بأبي يبايعه على الهجرة فأبى، قال: فقام العباس معه وما عليه رداء، قال: فقال يا رسول الله، قد عرفت ما بيني وبين فلان وأتاك بأبيه لتبايعه على الهجرة فأبيت، فقال ﷺ : إنها لا هجرة، فقال العباس: أقسمت عليك لتبايعنه، قال: فبسط رسول الله يده، قال: فقال له: هات أبررت قسم عمي ولا هجرة) رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة، وفي سنده ضعف. وذكر الشيخ ابن قدامة " أن النبي ﷺ أبرَّ قسم عمه العباس وأجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه حقيقةً لتعذر المعنى الحقيقي " انظر المغني ٩/٥٣٥.
وجاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (أهدت إليها امرأة تمراً في طبق فأكلت بعضاً وبقي بعض فقالت: أقسمت عليك إلا أكلت بقيته، فقال رسول الله ﷺ : أبريها، فإن الإثم على المحنث) رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد ٤/١٨٣. والمحنث هو المتسبب في الحنث فيكون الإثم عليه. وجاء في الحديث عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرَّته، وإن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله) رواه ابن ماجة. وعن أبي حازم أن (ابن عمر مرَّ على رجل ومعه غنيمات له فقال: بكم تبع غنمك هذه بكذا وكذا، فحلف ألا يبيعها، فانطلق ابن عمر فقضى حاجته فمر عليه فقال: يا أبا عبد الرحمن خذها بالذي أعطيتني، قال: حلفت على يمين فلم أكن لأعين الشيطان عليك وأن أحنثك) رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، مجمع الزوائد ٤/١٨٣. فبرَّ ابن عمر بيمين الرجل.
وأخيراً أقول: إن هذا الذي أقسم عليك أن تفعل أمراً معيناً إن كان هذا الأمر مباحاً وجائزاً فينبغي عليك أن تبرَّ بيمينه لما ذكرت من الأدلة وإذا لم تبر بيمينه فعلى الحالف كفارة يمين. *****
стр. 722
١٥ - حكم وضع الحالف يده على المصحف الشريف
يقول السائل: هل يشترط لصحة حلف اليمين بالله أن يضع الحالف يده على المصحف؟
الجواب: لا يشترط لصحة حلف اليمين بالله تعالى أن يضع الحالف يده على المصحف، فإن اليمين المشروع يكون بمجرد التلفظ باليمين فقط. ومن العلماء من يرى أن وضع اليد على المصحف أو وضع المصحف أمام الحالف أو في حجره، من باب تغليظ اليمين على الحالف، وتغليظ اليمين قال به جمهور الفقهاء ويكون ذلك في القضايا المهمة كقضايا الدماء والأموال الكثيرة ونحوها. وتغليظ الأيمان له أصل مشروع في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . أما من كتاب الله فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنْ الآثِمِينَ) سورة المائدة /١٠٦. قال القرطبي: " هذه الآية أصل في التغليظ في الأيمان " تفسير القرطبي ٦/٣٥٣. وتغليظ اليمين يكون بأمور: منها التغليظ في الزمان ومنه الحلف بعد صلاة العصر، وهو المذكور في الآية كما قال المفسرون، قال القرطبي: " قوله تعالى (من بعد الصلاة) يريد صلاة العصر، قاله الأكثر من العلماء، لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة " تفسير القرطبي ٦/٣٥٣.
وثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعةٍ، لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفّى وإلا، لم يف له، ورجل ساوم رجلاً بسلعةٍ بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى كذا وكذا فأخذها) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر: " قال المهلب: إنما خص النبي ﷺ هذا الوقت بتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذباً لشهود ملائكة الليل والنهار ذلك الوقت، انتهى. وفيه نظر لأن بعد صلاة الصبح يشاركه في شهود الملائكة ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال " فتح الباري ٦/٢١٢. ونقل الحافظ ابن حجر عن الخطابي قوله: " خُص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت، لأن الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤاً، فإن من تجرأ عليها فيه، إعتادها في غيره، وكان السلف يحلفون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضاً " فتح الباري ١٦/٣٢٩. ومنها التغليظ في المكان، كالمسجد والمنبر، فقد ورد في الحديث، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار) رواه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم كما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٢١٣. وورد في الحديث عن أبي أمامة بن ثعلبة أن النبي ﷺ قال: (من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئٍ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) رواه النسائي، ورجاله ثقات، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٢١٣.
ويرى الشافعية والمالكية، أن اليمين المغلظة، تكون في مكة المكرمة بين الركن والمقام وفي المدينة المنورة عند قبر النبي ﷺ ، وفي بقية البلاد تكون في المسجد عند المنبر، قياساً على العمل من الخلف والسلف بالمدينة عند قبر النبي ﷺ ، كما قال ابن عبد البر في الإستذكار ٢٢/٩٠. ومنها التغليظ في حال الحالف، كأن يكون قائماً مستقبل القبلة. ومنها التغليظ في اللفظ، كأن يقول الحالف: أقسم بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندي حق، أو يقول: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونحو ذلك. ومن هذا الباب ذكر بعض فقهاء الشافعية الحلف بالمصحف، ونُقل عن بعض السلف التحليف على المصحف. ولكن الصحيح أن الحلف على المصحف لم يثبت عن النبي ﷺ بل هو بدعة كما قال ابن العربي المالكي: " وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة " أحكام القرآن ٢/٧٢٥. وقال ابن المنذر: "وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف الشريف " تفسير القرطبي ٦/٣٥٤. وقال ابن قدامة: " قال ابن المنذر: ولم نجد أحداً يوجب اليمين بالمصحف. وقال الشافعي: رأيتهم يؤكدون بالمصحف، ورأيت ابن مازن وهو قاضي بصنعاء يغلظ اليمين بمصحف. قال أصحابه: - أي أصحاب الشافعي - فيغلظ عليه بإحضار المصحف، لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه. قال ابن قدامة: " وهذا زيادة على ما أمر به رسول الله ﷺ في اليمين، وفعله الخلفاء الراشدون وقضاتهم من غير دليل ولا حجة يستند إليها، ولا يترك فعل رسول الله ﷺ وأصحابه لفعل ابن مازن ولا لغيره " المغني ١٠/٢٠٧. *****
стр. 723
١٦ - حكم وضع الحالف يده على المصحف الشريف
يقول السائل: هل يشترط لصحة حلف اليمين بالله أن يضع الحالف يده على المصحف؟
الجواب: لا يشترط لصحة حلف اليمين بالله تعالى أن يضع الحالف يده على المصحف، فإن اليمين المشروع يكون بمجرد التلفظ باليمين فقط. ومن العلماء من يرى أن وضع اليد على المصحف أو وضع المصحف أمام الحالف أو في حجره، من باب تغليظ اليمين على الحالف، وتغليظ اليمين قال به جمهور الفقهاء ويكون ذلك في القضايا المهمة كقضايا الدماء والأموال الكثيرة ونحوها. وتغليظ الأيمان له أصل مشروع في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . أما من كتاب الله فقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنْ الآثِمِينَ) سورة المائدة /١٠٦. قال القرطبي: " هذه الآية أصل في التغليظ في الأيمان " تفسير القرطبي ٦/٣٥٣. وتغليظ اليمين يكون بأمور: منها التغليظ في الزمان ومنه الحلف بعد صلاة العصر، وهو المذكور في الآية كما قال المفسرون، قال القرطبي: " قوله تعالى (من بعد الصلاة) يريد صلاة العصر، قاله الأكثر من العلماء، لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة " تفسير القرطبي ٦/٣٥٣.
وثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعةٍ، لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفّى وإلا، لم يف له، ورجل ساوم رجلاً بسلعةٍ بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى كذا وكذا فأخذها) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر: " قال المهلب: إنما خص النبي ﷺ هذا الوقت بتعظيم الإثم على من حلف فيه كاذباً لشهود ملائكة الليل والنهار ذلك الوقت، انتهى. وفيه نظر لأن بعد صلاة الصبح يشاركه في شهود الملائكة ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال " فتح الباري ٦/٢١٢. ونقل الحافظ ابن حجر عن الخطابي قوله: " خُص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت، لأن الله عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة فيه لئلا يقدم عليها تجرؤاً، فإن من تجرأ عليها فيه، إعتادها في غيره، وكان السلف يحلفون بعد العصر، وجاء ذلك في الحديث أيضاً " فتح الباري ١٦/٣٢٩. ومنها التغليظ في المكان، كالمسجد والمنبر، فقد ورد في الحديث، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة، ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار) رواه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم كما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٢١٣. وورد في الحديث عن أبي أمامة بن ثعلبة أن النبي ﷺ قال: (من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئٍ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) رواه النسائي، ورجاله ثقات، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٦/٢١٣.
ويرى الشافعية والمالكية، أن اليمين المغلظة، تكون في مكة المكرمة بين الركن والمقام وفي المدينة المنورة عند قبر النبي ﷺ ، وفي بقية البلاد تكون في المسجد عند المنبر، قياساً على العمل من الخلف والسلف بالمدينة عند قبر النبي ﷺ ، كما قال ابن عبد البر في الإستذكار ٢٢/٩٠. ومنها التغليظ في حال الحالف، كأن يكون قائماً مستقبل القبلة. ومنها التغليظ في اللفظ، كأن يقول الحالف: أقسم بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندي حق، أو يقول: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونحو ذلك. ومن هذا الباب ذكر بعض فقهاء الشافعية الحلف بالمصحف، ونُقل عن بعض السلف التحليف على المصحف. ولكن الصحيح أن الحلف على المصحف لم يثبت عن النبي ﷺ بل هو بدعة كما قال ابن العربي المالكي: " وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة " أحكام القرآن ٢/٧٢٥. وقال ابن المنذر: "وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف الشريف " تفسير القرطبي ٦/٣٥٤. وقال ابن قدامة: " قال ابن المنذر: ولم نجد أحداً يوجب اليمين بالمصحف. وقال الشافعي: رأيتهم يؤكدون بالمصحف، ورأيت ابن مازن وهو قاضي بصنعاء يغلظ اليمين بمصحف. قال أصحابه: - أي أصحاب الشافعي - فيغلظ عليه بإحضار المصحف، لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه. قال ابن قدامة: " وهذا زيادة على ما أمر به رسول الله ﷺ في اليمين، وفعله الخلفاء الراشدون وقضاتهم من غير دليل ولا حجة يستند إليها، ولا يترك فعل رسول الله ﷺ وأصحابه لفعل ابن مازن ولا لغيره " المغني ١٠/٢٠٧. *****
стр. 724
١٧ - تعجيل العقوبة في الدنيا للحالف كاذبا
يقول السائل: سمعت أنه من حلف يميناً يتعمد الكذب فيها، أن الله يعجل له العقوبة في الدنيا، فما قولكم في ذلك؟
الجواب: إن اليمين الكاذبة المتعمدة، والتي تؤكل بها أموال الناس وحقوقهم، من الكبائر ومن الأسباب الموجبة لدخول النار والعياذ بالله وعلى ذلك تدل الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن ذلك قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة آل عمران /٧٧.
ففي هذه الآية عقوبات لمن يحلف كاذباً متعمداً، ليأكل حقوق الناس وهي:
١. لا حظ له في الآخرة ولا نصيب له من رحمة الله.
٢. لا يكلمه الله كلام أنس ولطف.
٣. يعرض الله عنه يوم القيامة، فلا ينظر إليه بعين الرحمة.
٤. لا يطهر من الأوزار والذنوب.
٥. يعذبه الله عذاباً أليماً على ما ارتكب من المعاصي.
ومنها ما ثبت في الحديث، أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئٍ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح.
ومنها ما ثبت في الحديث، أن الرسول ﷺ قال: (لا يقتطع رجل حق امرئٍ مسلمٍ بيمينه، إلا حرّم الله عليه الجنة، وأوجب عليه النار، فقال رجل من القوم: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، قال ﵊: وإن كان سواكاً من أراك) رواه ابن ماجة، وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر صحيح سنن ابن ماجة ٢/٣٦.
وغير ذلك من النصوص، وكل ذلك في العقوبة الأخروية.
وأما تعجيل العقوبة في الدنيا فإن الله قد يعجل العقوبة في الدنيا على بعض الذنوب، ومن ذلك تعجيل عقوبة قاطع الرحم والظالم وحالف الأيمان الكاذبة، فقد ورد في ذلك أحاديث منها:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس شيء أُطيعَ الله فيه، أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) رواه البيهقي ١٠/٣٥٠، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٧٠٦، وبلاقع، جمع بلقع وبلقعة، وهي الأرض القفر التي لا شجر فيها، ذكره الزبيدي ونقل عن بعض العلماء، أن معنى الحديث " أي يفتقر الحالف ويذهب ما في بيته من المال، أو يفرق الله شمله ويغيّر ما أولاه من نعمة " تاج العروس ١١/٣٠.
٢ - وفي رواية أخرى: (إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونون فجاراً، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا وصلوا أرحامهم، وإن أعجل المعصية، عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس يذهب المال ويثقل في الرحم، ويذر الديار بلاقع) رواه الطبراني في الأوسط وقال الشيخ الألباني: إنه صحيح بمجموع طرقه وشواهده.
٣ - وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذهب المال) رواه البزار بسند صحيح، كما قاله ابن حجر الهيتمي، الزواجر ٢/٤٠٤.
وقد وقع تعجيل العقوبة الدنيوية لمن حلف كاذباً ليستحل دماء الناس وأموالهم، كما ثبت في صحيح البخاري في الحادثتين التاليتين:
الأولى: روى الإمام البخاري بسنده، عن ابن عباس ﵄ قال: " إن أول قسامة كانت في الجاهلية، لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش، من فخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إبله فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل فأعطاه عقالاً، فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا، عقلت الإبل إلا بعيراً واحداً، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فحذفه بعصاً كان فيها أجله، فمر رجل به من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكتب، إذا أنت شهدت الموسم فناد يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فسل عن أبي طالب، فأخبره أن فلاناً قتلني في عقال، ومات المستأجَر، فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال مرض فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك فمكث حيناً، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه، وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا هذه قريش، قال يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: من أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة، أن فلاناً قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال له: إختر منا إحدى ثلاث، إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت، حلف خمسون من قومك، أنك لم تقتله، فإن أبيت، قتلناك به، فأتى قومه، فقالوا نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز أبني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلاً أن يحلفوا مكان مئة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون، فحلفوا، قال ابن عباس: فالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف ".
الثانية: روى الإمام البخاري بسنده عن أبي قلابة حديثاً طويلاً وفيه: " وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني، فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقدم رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلاً آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقرنت يده بيده، قالوا فانطلقنا والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء - أي المطر - فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا، فماتوا جميعاً وأفلت القرينان وأتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول فعاش حولاً ثم مات ".
وهكذا ينتقم الله في الدنيا من حالفي أيمان الزور والكذب، وفي ذلك عبرة للمعتبرين.
*****
стр. 725
١٨ - يصح تقديم الكفارة على الحنث باليمين .
يقول السائل: إنه حلف على زوجته يميناً، أن لا تذهب إلى بيت أبيها، ثم ندم على ذلك وسمح لها بالذهاب إلى هناك، فهل يكفِّر كفارة اليمين قبل ذهاب زوجته إلى بيت أبيها، أم بعد ذلك؟
الجواب: ما كان لك أيها السائل أن تحلف هذا اليمين، الذي يؤدي إلى قطيعة الرحم، لأن للزوجة حقاً مؤكداً في زيارة أبيها وقد ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (لا يمين في قطيعة رحم) رواه أبو داود والبيهقي، وإسناده حسن.
وما دام أنك قد تراجعت عن يمينك وأذنت لها بالذهاب إلى بيت أبيها، فقد أديت ما هو المطلوب شرعاً ويجب عليك أن تكفر عن يمينك وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم تجد فتصوم ثلاثة أيام لقوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة المائدة /٨٩.
هذا بالنسبة لكفارة اليمين، وأما متى تكفر عن يمينك، فيجوز لك أن تكفِّر قبل ذهاب زوجتك إلى بيت أبيها، أو بعد ذهابها إليه، على الراجح من أقوال أهل العلم، فإن في الأمر سعة إن شاء الله تعالى، ويدل على ذلك أن الأحاديث الواردة في كفارة اليمين جاء في بعضها تقديم الكفارة على الحنث وجاء في بعضها تأخير الكفارة على الحنث.
ومن هذا أخذ أكثر العلماء جواز الأمرين، فمن ذلك ما ورد في الحديث، أن الرسول ﷺ قال: (لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خير منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها) متفق عليه.
وفي رواية: (إلا كفَّرت عن يميني وفعلت الذي هو خير) متفق عليه.
وفي رواية أخرى: (إلا أتيت الذي هو خير وكفَّرت عن يميني) متفق عليه.
وجاء في حديث آخر، أن الرسول ﷺ قال: (إذا حلفت على يمين، فكفِّر عن يمينك، ثم ائت الخير) رواه أبو داود والنسائي.
وفي حديث أخر: (إذا حلف أحدكم على يمين، ثم رأى غيرها خير اً منها فليكفِّرها وليأت الذي هو الخير) رواه مسلم.
وفي رواية: (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه) رواه مسلم.
وبهذا يظهر لنا جواز الأمرين، فإن شئت كفَّرت عن يمينك بعد الحنث أو قبله.
*****
стр. 726
١٩ - كثرة حلف الأيمان .
يقول السائل: كثير من الناس وخاصة التجار يكثرون من الحلف في تعاملهم مع بعضهم بعضاً فتسمع التاجر يحلف والسائق يحلف وصاحب الحرفة يحلف، فما حكم هذه الأيمان؟
الجواب: إن كثرة حلف الأيمان من الناس تدل على نقصان ثقتهم بعضهم ببعض فيلجئون للحلف حتى يصدقوا فيما يقولون وهذه حال أكثر التجار فإنهم يكثرون من الأيمان ليصدقهم الناس في كلامهم. وكثرة الحلف مكروهة هذا إذا كان الحالف صادقاً قال الله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) سورة المائدة الآية ٨٩. قال القرطبي: [أي بترك الحلف فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات] تفسير القرطبي ٦/٢٨٥. ونقل القرطبي أيضاً عن بعض المفسرين في قوله تعالى: (ولآ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ٢٢٤، [بأن المعنى لا تكثروا من اليمين بالله تعالى فإنه أهيب للقلوب ولهذا قال الله تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) وذمَّ من كثّر اليمين فقال الله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) والعرب تمتدح بقلة الأيمان ... ] تفسير القرطبي ٣/٩٧. وأما إذا كان الحالف كاذباً متعمداً للكذب فقد وقع في الحرام قال الله تعالى: (إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة آل عمران الآية ٧٧. وقد نهى النبي ﷺ عن كثرة الحلف في البيع والشراء ويلحق به غيرهما من وجوه التعامل بين الناس فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ? قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي قتادة الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق) رواه مسلم.
قال الإمام النووي: [وفيه النهي عن كثرة الحلف في البيع فإن الحلف من غير حاجة مكروه وينضم إليه ترويج السلعة وربما اغتر المشتري باليمين] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٢٠. وقال الحافظ أبو العباس القرطبي المحدّث - وهو شيخ القرطبي المفسر -: [ووله: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح) الرواية: منفقة ممحقة - بفتح الميم وسكون ما بعدها وفتح مابعدها - وهما في الأصل مصدران مزيدان محدودان بمعنى: النَّفاق. والمحق أي الحلف الفاجرة تنفق السلعة وتمحق بسببها البركة فهي ذات نفاق وذات محق. ومعنى تمحق البركة أي تذهبها وقد تذهب رأس المال كما قال الله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) وقد يتعدى المحق إلى الحالف فيعاقب بإهلاكه وبتوالي المصائب عليه وقد يتعدى ذلك إلى خراب بيته وبلده كما روي: أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع) أي: خالية من سكانها إذا توافقوا على التجرؤ على الأيمان الفاجرة. وأما محق الحسنات في الآخرة فلا بد منه لمن لم يتب وسبب هذا كله أن اليمين الكاذبة يمين غموس يؤكل بها مال المسلم بالباطل. وقوله: (إياكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق) إياكم معناه الزجر والتحذير ... أي: إحذره واتقه وإنما حذر من كثرة الحلف لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب والفجور وإن سلم من ذلك على بعده لم يسلم من الحنث أو الندم لأن اليمين حنث أو مندمة وإن سلم من ذلك لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها والإفراط في تزيينها ليروجها على المشتري مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم بل على جهة مدح السلعة فاليمين على ذلك تعظيم للسلع لا تعظيم لله تعالى وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/٥٢٢-٥٢٣. وجاء في الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى ?: (أن رجلاً أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ليوقع فيها رجلاً من المسلمين فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا)) رواه البخاري. وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم قال: فقرأها رسول الله ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) رواه مسلم. والمسبل هو الذي يجر رداءه تكبراً واختيالاً والمنان هو الذي لا يعطي شيئاً إلا منة. وعن سلمان ?: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/٥٨٩. وجاء في رواية أخرى: (رجل اتخذ الأيمان بضاعة يحلف في كل حق وباطل) رواه الطبراني وقال الشيخ الألباني: حسن، كما في المصدر السابق. والأشيمط الزاني هو الرجل الكبير في العمر ومع ذلك يزني والعائل المستكبر هو ذو العيال المتكبر وغير ذلك من الأحاديث.
فعلى التجار أن يتقوا الله في أنفسهم وأن لا يكثروا من الأيمان. قال أبو حامد الغزالي: [ولا ينبغي أن يحلف عليه البتة فإنه إن كان كاذباً فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر التي تذر الديار بلاقع. وإن كان صادقاً فقد جعل الله عرضة لأيمانه وقد أساء فيه إذا الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة ... فإذا كان الثناء على السلعة مع الصدق مكروهاً من حيث أنه فضول لا يزيد في الرزق فلا يخفى التغليظ في أمر اليمين] إحياء علوم الدين ٢/٧٧.
وأخيراً فإن التاجر إذا كثر منه الحلف فعليه أن يكثر من الصدقة لقول النبي ﷺ : (يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة) أي اخلطوه بالصدقة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٤٠. ?????
стр. 727
٢٠ - إذا حلف يمينا ثم ندم عليه .
يقول السائل: إن متسولاً ألح عليه في الطلب ليتصدق عليه وإن السائل حلف يمينأً ألا يتصدق عليه ثم ندم على يمينه فماذا يصنع؟
الجواب: يقول الله تعالى: (ولآ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية ٢٢٤. لا يجوز للمسلم أن يجعل الأيمان حائلاً دون فعل الخيرات ومن ذلك التصدق على الفقراء والمحتاجين فيجب على السائل أن يكفر عن يمينه ثم يتصدق على ذلك المتسول إن كان مستحقاً للصدقة. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) رواه مسلم.
وقد ذكر الإمام القرطبي: [أن أبا بكر الصديق ﵁ لما وقعت حادثة الإفك حلف أبو بكر ? ألا ينفق على مسطح بن أثاثة وكان قد شارك في حادثة الإفك وكان أبو بكر ﵁ ينفق على مسطح حيث كان ابن خالته ومن المهاجرين البدريين المساكين فنزل قول الله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سورة النور الآية ٢٢. فقال أبو بكر ﵁: والله إني لأحب أن يغفر لي، فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال أبو بكر: لا أنزعها منه أبداً. ومعنى قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ) أي لا يحلف مأخوذ من الألية وهي اليمين] تفسير القرطبي ١٢/٢٠٧-٢٠٨.
стр. 728
٢١ - أحكام كفارة اليمين .
يقول السائل: هل يجوز للشخص أن يكفر عن يمين أو أكثر كفارة واحدة؟ وما هو مقدار الإطعام في الكفارة؟ وما هو مقدار النقود في الكفارة؟ وهل يجوز أن تعطى الكفارة لشخص واحد أم يجب تفريقها على عشرة مساكين؟
الجواب: إذا حلف المسلم يميناً ثم حنث بها فتجب الكفارة في حقه وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين فرأى خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) رواه مسلم. وسواء كفر عن يمينه قبل الحنث أو بعده فإن ذلك جائز على الراجح من أقوال أهل العلم. والأصل أن الكفارة تكون عن اليمين الواحدة ولكن هنالك حالات قال الفقهاء تتداخل فيها الكفارة فتجزئ الكفارة الواحدة عن الأيمان المتعددة فمن ذلك: إذا حلف شخص أيماناً مكررة على شيء واحد كأن يحلف قائلاً: والله لا آكل هذا الطعام، والله لا آكل هذا الطعام، والله لا آكل هذا الطعام. فإذا حنث بهذه الأيمان فتلزمه كفارة واحدة فقط على الراجح من أقوال العلماء وهذا هو القول المعتمد عند الشافعية وهو قول الحنابلة ونقل عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عمر ﵄ والحسن البصري وعروة بن الزبير وهو قول إسحاق بن راهويه والإمام الأوزاعي وابن حزم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. المغني ٩/٥١٤، المحلى ٦/٣١٢، الاستذكار ١٥/٨٢. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: حدثت أن ابن جريج قال: حدثت أن ابن عمر قال لغلام له ومجاهد يسمع وكان يبعث غلامه ذاك إلى الشام: [إنك تزمن عند امرأتك (أي تطيل المكث) فطلقها. فقال الغلام: لا. فقال ابن عمر: والله لتطلقنها. فقال الغلام: والله لا أفعل، حتى حلف ابن عمر ثلاث مرات لتطلقنها وحلف العبد أن لا يفعل. فقال ابن عمر: غلبني العبد. قال مجاهد: فقلت لابن عمر: فكم تكفرها؟ قال: كفارة واحدة] المصنف ٨/٥٠٣-٥٠٤، ورواه ابن حزم في المحلى ٦/٣١٢، وقال التهانوي: سنده صحيح، إعلاء السنن ١١/٤٧١. وقال البيهقي: [ويذكر عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ أنه أقسم مراراً فكفر كفارة واحدة] سنن البيهقي ١٠/٥٦.
وروى عبد الرزاق بإسناده أن إنساناً استفتى عروة بن الزبير فقال: [يا أبا عبد الله إن جارية لي قد تعرضت لي فأقسمت أن لا أقربها ثم تعرضت لي فأقسمت أن لا أقربها ثم تعرضت لي فأقسمت أن لا أقربها، فأكفر كفارة واحدة أو كفارات متفرقات؟ قال: هي كفارة واحدة] المصنف ٨/٥٠٤-٥٠٥. وقال التهانوي: [أخرجه ابن حزم ن طريق عبد الرزاق وسنده صحيح] إعلاء السنن ١١/٤٧٢. وأما إذا حلف شخص أيماناً متعددة على أشياء متعددة كأن يقول: والله لا أزورك والله لا أكلمك والله لا أزوجك. فهذه أيمان متعددة على أمور مختلفة فإذا حنث بها جميعاً فتلزمه عن كل يمين كفارة على الراجح من أقوال العلماء وهو قول جمهور الفقهاء.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [وإن حلف أيماناً على أجناس فقال: والله لا أكلت والله لا شربت والله لا لبست فحنث في واحدة منها فعليه كفارة فإن أخرجها ثم حنث في يمين أخرى لزمته كفارة أخرى ... ورواه المروزي عن أحمد وهو قول أكثر أهل العلم] المغني ٩/٥١٥. ثم قال ابن قدامة: [ولنا أنهن أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى فلم تتكفر إحداهما بكفارة الأخرى] المغني ٩/٥١٥. وأما مقدار الإطعام في الكفارة فينبغي القول أولاً بأن خصال الكفارة على التخيير كما قال الله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) سورة المائدة الآية ٨٩. فخصال الكفارة هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة فإذا عجز الحانث عن هذه الخصال الثلاث انتقل إلى الصوم. وأما مقدار الإطعام فقال: جمهور أهل العلم يطعم كل مسكين مداً بمقدار مدّ النبي ﷺ من غالب قوت البلد. فقد ذكر مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مدً من حنطة. وروى مالك عن سليمان بن يسار أنه قال: [أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مداً من حنطة بالمد الأصغر ورأوا ذلك مجزئاً عنهم] قال الحافظ ابن عبد البر: [والمد الأصغر عندهم مد النبي ﷺ ] الاستذكار ١٥/٨٧-٨٨. والمد يساوي في زماننا نصف كيلو وزيادة قليلة. ويرى بعض العلماء أنه يكفي في الإطعام أن يطعم المساكين العشرة وجبتي غداء وعشاء. قال الإمام مالك: [إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه] الاستذكار ١٥/٨٩. ويجوز إخراج قيمة الطعام والكسوة في الكفارة على أرجح قولي العلماء في المسألة وهو قول الحنفية والإمام الأوزاعي إمام أهل الشام. لأن من مقاصد الكفارة بالإضافة إلى تكفير ذنب الحانث سد حاجة المسكين وسد الحاجة يقع بالقيمة كما يقع بالإطعام والكسوة بل لعل الأنفع للمسكين في زماننا أن يعطى القيمة فهي أقرب لسد حاجته فالمسكين ينتفع بالنقود أكثر من انتفاعه بالقمح أو الأرز أو الطبيخ فيستطيع المسكين أن يقضي حاجاته وحاجات أسرته ومصالحهم بالنقود.
وأما إعطاء الكفارة لشخص واحد فظاهر الآية الكريمة يدل على إطعام عشرة مساكين وليس إطعام مسكين واحد وهذا قول أكثر العلماء أنه لا يجزئ إعطاء مسكين واحد بل لا بد من إطعام عشرة مساكين وقال الإمام الأوزاعي يجوز أن يعطيها لمسكين واحد. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: [إن خص بها أهل بيت شديدي الحاجة جاز بدليل أنه النبي ﷺ قال للمجامع في رمضان حين أخبره بشدة حاجته وحاجة أهله: أطعمه أهلك] متفق عليه، انظر المغني ٩/٤٤٣. وهذا الرأي يظهر لي أنه الأقوى في المسألة، فإذا أعطى الكفارة أو قيمتها لعائلة محتاجة فأرجو أن يجزئه إن شاء الله.
стр. 729
٢٢ - إبرار المقسم
حلف بالحرام على زوجته ,
يقول السائل: إنه تشاجر مع زوجته وحلف عليها بالحرام أن لا تنام معه في غرفة النوم لمدة شهر كامل فما حكم ذلك ?
الجواب: لا يجوز للمسلم أن يحرم ما أحل الله ويعتبر هذا من التلاعب في الدين لقوله : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) فالذي يحرم ما أحل الله يكون قد اعتدى وتجاوز الحد هذا من ناحية. وأما من الناحية الأخرى فما قام به السائل من الحلف بالحرام على زوجته أن لا تنام معه في غرفة النوم لمدة شهر كامل فيعتبر يميناً وعليه ألا يقرب زوجته ذلك الأشهر وإن حنث بيمينه فعليه كفارة اليمين، وهي المذكورة في قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ) .
стр. 730
١ - ظاهرة التسول في المساجد
يقول السائل: كثرت في بلدنا ظاهرة التسول داخل المساجد فما أن ينتهي الإمام من الصلاة بالسلام إلا وتفاجأ بتشويش المتسول على الذاكرين والمسبوقين المصلين وهو يطالب الناس بالمساعدة وإظهار المسكنة فسؤالي ما حكم التسول داخل المسجد؟ وهل يجوز للإمام أو أحد المكلفين بالمسجد أن يطالب المتسول مدعي الفقر الخروج من المسجد؟ وهل يعتبر حينئذ مخالفاً لقوله تعالى: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ ؟ وما صحة ما يقال: أن أحد السلف قال: لو كنت قاضياً لرددت شهادة كل من يعطي متسولاً داخل المسجد؟ ، أفيدونا.
الجواب: التسول هو طلب الصدقات من الناس في الأماكن العامة والبيوت والمساجد، والمتسول هو من يحترف مهنة التسول فأصبحت مهنته وصنعته، ومن المتسولين من يمضي حياته متسولاً، ومنهم من تبين بعد موته أنه يملك أموالاً طائلة، والحوادث في ذلك كثيرة، وقد انتشرت ظاهرة التسول وكثرت بشكل كبير ويعود ذلك لعدة عوامل منها الأحوال الصعبة التي يعشها شعبنا الفلسطيني من الحصار والإغلاق وقلة الأعمال وغير ذلك، والأصل في الشرع أن التسول حرام شرعاً إلا لضرورة أو حاجة ماسة وفق ضوابط معينة، قال أبو حامد الغزالي: [السؤال حرام في الأصل وإنما يباح بضرورة أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة فإن كان عنها بدٌ فهو حرام، وإنما قلنا إن الأصل فيه التحريم لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور محرمة: الأول: إظهار الشكوى من الله تعالى إذ السؤال إظهار للفقر وذكر لقصور نعمة الله تعالى عنه وهو عين الشكوى وكما أن العبد المملوك لو سأل لكان سؤاله تشنيعاً على سيده فكذلك سؤال العباد تشنيع على الله تعالى وهذا ينبغي أن يحرم ولا يحل إلا لضرورة كما تحل الميتة.
الثاني: أن فيه إذلال السائل نفسه لغير الله تعالى وليس للمؤمن أن يذل نفسه لغير الله بل عليه أن يذل نفسه لمولاه فإن فيه عزه، فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثاله فلا ينبغي أن يذل لهم إلا لضرورة وفي السؤال ذل للسائل بالإضافة إلى المسؤول.
الثالث: أنه لا ينفك عن إيذاء المسؤول غالباً لأنه ربما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب منه فإن بذل حياءً من السائل أو رياءً فهو حرام على الآخذ وإن منع ربما استحيا وتأذى في نفسه بالمنع إذ يرى نفسه في صورة البخلاء ففي البذل نقصان ماله وفي المنع نقصان جاهه وكلاهما مؤذيان والسائل هو السبب في الإيذاء والإيذاء حرام إلا بضرورة] إحياء علوم لدين ٤ / ٢٠٥.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن السؤال في المسجد فقال: [أصل السؤال محرَّم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة، فإن كانت ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدًا كتخطيه رقاب الناس، ولم يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله ولم يجهر جهراً يضر الناس مثل أن يسأل والخطيب يخطب، أو وهم يسمعون علماً يشغلهم به ونحو ذلك جاز.] نقلاً عن غذاء الألباب للسفاريني ٢ / ٢٦٧.
وقد وردت أدلة كثيرة تنهى عن التسول، وسؤال الناس من غير ضرورة أو حاجة ملحة منها:
حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر) . رواه مسلم.
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المسألة كدٌ يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لا بد منه) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى إما بموت عاجل، أو غنى عاجل) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وعن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: تحملت حمالةً فأتيت رسول الله ﷺ فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، قال: ثم قال: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال سداداً من عيش فما سواهن في المسألة، يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيتصدق به على الناس: خيرٌ له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه) رواه البخاري ومسلم.
وعن سهل بن الحنظلية ﵁ قال: قال: قدم على رسول الله ﷺ عيينة ابن حصن والأقرع بن حابس، فسألاه فأمر لهما بما سألاه وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا فأما الأقرع: فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق وأما عيينة: فأخذ كتابه فأتى النبي ﷺ بكتابه فقال: يا محمد أراني حاملاً إلى قومي كتاباً لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس فأخبر معاوية بقوله رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (من سأل وعنده ما يغنيه: فإنما يستكثر من النار) وفي لفظ: (من جمر جهنم قالوا: يا رسول الله وما يغنيه) وفي لفظ: (وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة قال: قدر ما يغديه وما يعشيه) وفي لفظ: (أن يكون له شِبع يومٍ وليلة) رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٣٠٦-٣٠٧. - وصحيفة الملتمس: مثل يضرب للذي يحمل أسباب هلاكه، من غير أن يدري، وله قصة مشهورة في كتب الأدب – وغير ذلك من الأحاديث.
إذا تقرر هذا فإنه يجب منع المتسولين داخل المساجد لما يحدثونه من التشويش على المصلين والذاكرين، وأرى أن لا يعطوا شيئاً إذا سألوا داخل المسجد، وإنما يقفون على أبواب المسجد أو في ساحاته من غير تشويش على أهل المسجد، وخاصة أن كثيراً من المتسولين ليسوا أصحاب حاجةٍ حقيقيةٍ وإنما هم محترفون لمهنة التسول والشحاذة، والمساجد يجب أن تنزه عن مثل هذه الأمور، فالمساجد بنيت لعبادة الله بإقامة الصلاة وتلاوة القرآن الكريم وتعليم العلم النافع وغير ذلك مما ينفع المسلمين، ولا يجوز أن تكون المساجد لنشد الضالة أو للبيع والشراء أو للتسول والشحاذة، فقد ورد في الحديث أن الرسول ﷺ : (نهى عن البيع والشراء في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الترمذي وحسنه العلامة الألباني أيضاً في صحيح سنن أبي داود ١/٢٠١.
وأما قوله تعالى ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ سورة الضحى الآية ١٠، فقد قال أهل التفسير إن الآية المذكورة تحمل على السائل عن العلم وعلى السائل للصدقة، قال ابن كثير: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ أي: وكما كنت ضالاً فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.] تفسير ابن كثير ٦/٤٨٣. وقال الطبري: [وأما من سألك من ذي حاجة فلا تنهره، ولكن أطعمه واقض له حاجته] تفسير الطبري.
وقال القرطبي: [وأما السائل فلا تنهر، أي لا تزجره فهو نهي عن إغلاظ القول، ولكن رُدَّه ببذلٍ يسير، أو ردٍّ جميل.] تفسير القرطبي ٢٠/١٠١. وعدم السماح للمتسولين بالسؤال داخل المساجد لا يتنافى مع الآية الكريمة.
وأما القول المنسوب لأحد السلف وهو: [لو كنت قاضياً لرددت شهادة كل من يعطي متسولاً داخل المسجد] فقد وجدته بعد البحث والتقصي منسوباً لخلف بن أيوب العامري البلخي المتوفى سنة ٢١٥ هـ، وهو فقيه أهل بلخ وزاهدهم أخذ الفقه عن أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة وابن أبي ليلى والزهد عن إبراهيم بن أدهم، ونسبه إليه ابن مفلح المقدسي الحنبلي: [قال خلف بن أيوب لو كنت قاضياً لم أقبل شهادة من تصدق عليه] الآداب الشرعية ٣/ ٣٩٤. ونقل ابن مفلح أيضاً قول أبي مطيع البلخي الحنفي: لا يحل للرجل أن يعطي سؤَّال المسجد. وخلاصة الأمر أن الأصل في الشحاذة والتسول التحريم إلا لضرورة أو حاجة ملحة وينبغي للمسؤلين عن المساجد منع المتسولين داخل المساجد، ويجوز إعطاء المتسولين خارج المساجد إن كانوا صادقين، ومشكلة التسول تحتاج إلى حل تسهم فيه الجهات الرسمية والخيرية.
стр. 731
٢ - الاعتداء في الدعاء
يقول السائل: ما معنى الاعتداء في الدعاء، أفيدونا؟
الجواب: الدعاء عبادة عظيمة وحقيقته مناداة الله تعالى لما يريد الداعي من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار أو رفع البلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك واستجلاب لرحمة المولى وقد جاءت النصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مبينة فضله وحاثة عليه ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) سورة غافر الآية ٦٠. وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف الآيتان ٥٥-٥٦. وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) سورة البقرة الآية ١٨٦. وجاء في الحديث عن النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة وقال العلامة الألباني حسن. انظر صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بمأثمٍ أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذاً نكثر، قال: الله أكثر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ووافقه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٨١. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أبخل الناس من بخل بالسلام وأعجز الناس من عجز عن الدعاء) رواه ابن حبان وأبو يعلى وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ١٥١٩. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٦٢٩٠.
إذا تقرر هذا فإن للدعاء أحكاماً وآداباً قد فصلها العلماء في كتبهم ومنها ما ذكره الإمام النووي في كتابه الأذكار ص ٣٤٠- ٣٤٢.
وأما مسألة الاعتداء في الدعاء فد وردت الإشارة إليها في الكتاب والسنة، أما الكتاب ففي قوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ قال الإمام القرطبي: [يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عاماً] . تفسير القرطبي ٧/٢٢٦. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وقوله تعالى (إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) عقيب قوله (ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) دليل على أنّ من لم يدعه تضرعاً وخفيةً فهو من المعتدين الذين لا يحبهم] مجموع الفتاوى ١٥/٢٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: [وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب ويسأله بأن يطلعه على غيبه أو أن يجعله من المعصومين أو يهب له ولدا من غير زوجة ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضاً في الدعاء وبعد فالآية أعم من ذلك كله وإن كان الاعتداء بالدعاء مراداً] مجموع الفتاوى ١٥/٢٢. وورد في الحديث (أن سعداً ﵁ سمع ابناً له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحواً من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيراً كثيراً، وتعوذت بالله من شرٍ كثير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ١٣١٣. وورد في الحديث أن عبد الله بن مغفل ﵁ سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال أي بني سل الله الجنة وعُذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) . رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم ٣١١٦. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [والاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع فوق الحاجة – أي في الصوت - أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعاً أو بطلب معصية أو يدعو بما لم يؤثر خصوصاً ما وردت كراهته كالسجع المتكلف وترك المأمور] فتح الباري ٨/٣٧٨. وقال الإمام القرطبي: [والاعتداء في الدعاء على وجوه؛ منها الجهر الكثير والصياح، ومنها أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك، ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظاً مقفرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسوله وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء] تفسير القرطبي ٧/٢٢٦. وقد نص أهل العلم على أن من الاعتداء في الدعاء أن يبالغ في تشقيق العبارات في الدعاء مثل من يقول (اللهم ارحمنا إذا ثقل منا اللسان، وارتخت منا اليدان، وبردت منا القدمان، ودنا منا الأهل والأصحاب، وشخصت منا الأبصار، وغسلنا المغسلون، وكفننا المكفنون، وصلى علينا المصلون، وحملونا على الأعناق، وارحمنا إذا وضعونا في القبور، وأهالوا علينا التراب، وسمعنا منهم وقع الأقدام، وصرنا في بطون اللحود، ومراتع الدود) ونحو ذلك من العبارات. وكذلك فإن من الاعتداء في الدعاء السجع المتكلف قال الإمام البخاري: باب ما يكره من السجع في الدعاء، ثم ذكر أثر ابن عباس ﵁ وفيه ( ... وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت الرسول ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب) انظر فتح الباري ١١/١٦٦. ومن الاعتداء في الدعاء أن يدعو على غيره ظلماً وعدواناً فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثمٍ أو قطيعة رحم) رواه البخاري ومسلم. وكذا إذا دعا الإنسان على نفسه فإن ذلك من الاعتداء في الدعاء فقد قال الرسول ﷺ : (لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا على أموالكم، فتُوَافِقُوا ساعة فيستجيب الله لكم) رواه مسلم، وورد في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت – أي ضعف ـ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه) قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ : (سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه - أفلا قلت اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قال فدعا الله له فشفاه.) رواه مسلم. ومن الاعتداء في الدعاء المبالغة في رفع الصوت فعن أبى موسى الشعري ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفاً، ولا نعلو شرفاً، ولا نهبط في وادٍ، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا رسول الله ﷺ فقال: (يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَ ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم. ومعنى قوله (اربعوا) أي ارفقوا. وبالإضافة إلى رفع الصوت فإن تمطيط الكلمات وتقعيرها يعتبر من الاعتداء في الدعاء، قال الفقيه الحنفي الكمال بن الهمام: [ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتغال بتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة بل هو من مقتضيات الرد، وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس به فكأنه قال اعجبوا من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء كما يفعله القراء في هذا الزمان يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال وما ذاك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني، نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان] نقله المناوي في فيض القدير ١/٢٩٦.
وخلاصة الأمر أن صور الاعتداء في الدعاء كثيرة كالسجع والصياح وتشقيق الكلام والدعاء بمحال وغيرها وأن خير الدعاء هو الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ كما قال الإمام الغزالي: [والأولى ألا يتجاوز الداعي الدعوات المأثورة، فإنه قد يتعدى في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته] إحياء علوم الدين ١/٣٤١.
стр. 732
٣ - ترك مجالسة أهل الأهواء وآكلي لحوم العلماء
يقول السائل: ما حكم حضور دروس الذين يتطاولون على العلماء ويشككون عامة الناس بكتب أهل العلم ويأتون بأمور غريبة مخالفة لما عليه علماء الإسلام، أفيدونا؟
الجواب: لا بد أن يعلم أولاً أن احترام العلماء وتقديرهم أمر مطلوب شرعاً، وقد وردت نصوص كثيرة في تقدير العلماء واحترامهم، قال الإمام النووي: [باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم] . ثم ذكر قول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) سورة الزمر الآية ٩، ثم ساق الإمام النووي طائفة من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار وأحيل القارئ إلى كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ص ١٨٧-١٩٢.
ومما ورد أيضاً ما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) رواه أحمد والحاكم وقال العلامة الألباني حديث حسن، كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/١٥٢. وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية المشهورة: [وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل] شرح العقدية الطحاوية ص ٥٥٤.
وقد حذر العلماء من سب العلماء ومن الوقيعة بهم فقد ورد عن الإمام أحمد بن الأذرعي قوله [الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب] حرمة أهل العلم ص ٣١٩.
وقال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله مخاطباً رجلاً تجرأ على العلماء: [إنما نحترمك ما احترمت الأئمة] .
وقال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله: [اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ] . ومع كل هذه النصوص التي تحث على ما سبق وغيرها من النصوص الشرعية التي تحرم السب والشتم واللعن والوقوع في أعراض المسلمين إلا أن بعض الناس من أشباه طلبة العلم ليس لهم شغل إلا شتم العلماء وسبهم على رؤوس الأشهاد في المساجد وفي الصحف والنشرات ويحاول هؤلاء المتسلقين على حياض العلم الشرعي تشويه صورة العلماء وتنفير عامة الناس منهم والتهوين من علمهم والتهوين من قيمة كتبهم ويزعمون أن العلماء قد حرفوا دين الله وغير ذلك من سوء الأدب مع العلماء. إن أدعياء العلم هؤلاء، الذين يأتون الناس بالغرائب والعجائب ويزعمون – والزعم مطية الكذب - أنهم يرجعون إلى كتاب الله وما صح من سنة النبي ﷺ فقط، وهم في الحقيقة يتلاعبون في كتاب الله ولا يعرفون المبادئ الأولية لعلم الحديث، إن الموقف الشرعي من هؤلاء المبتدعة هو مقاطعتهم وعدم حضور مجالسهم ومقاطعة دروسهم ومحاضراتهم كما هو منهج السلف في عدم مجالسة أهل البدع والأهواء فعن ابن عباس ﵄ قال: " لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلب " أخرجه الآجري في الشريعة ص٦١، وابن بطة في الإبانة الكبرى ٢/٤٣٨. وعن أبي قلابة رحمه الله تعالى أنه كان يقول: " لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم " أخرجه الدارمي في سننه١/١٢٠ وعن الحسن البصري أنه قال: " لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم " أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ١/١٣٣. ويقول الحافظ ابن عبد البر: " أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، إلا أن يكون يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه، أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه، فإن كان كذلك فقد رخص له مجانبته ورب صرمٍ جميل خير من مخالطة مؤذية] التمهيد ٦/١٢٧. هذه النصوص وغيرها ذكرها الدكتور إبراهيم الرحيلي في كتابه موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع. ومن أقوال الإمام الفضيل بن عياض في هؤلاء المبتدعة وأمثالهم: (لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة.) (من جالس صاحب بدعة لم يعط الحكمة.) (من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الاسلام من قلبه) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [ومن كان متبدعاً ظاهر البدعة وجب الإنكار عليه، ومن الإنكار المشروع أن يهجر حتى يتوب، ومن الهجر امتناع أهل الدين من الصلاة عليه، لينزجر من يتشبه بطريقته ويدعو إليه، وقد أمر بمثل هذا مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة.] وإن الواجب شرعاً هو تأديب من يأتي الناس بالغرائب والمتشابهات كما فعل عمر ﵁ مع صبيغ بن عسل، فقد روى الدارمي من طريق سليمان بن يسار قال قدم المدينة رجل يقال له صبيغ بن عسل فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر فأعد له عراجين النخل فقال من أنت قال أنا عبد الله صبيغ قال وأنا عبد الله عمر فضربه حتى أدمى رأسه فقال حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي)
وروى إسماعيل القاضي في الأحكام من طريق هشام عن محمد بن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى لا تجالس صبيغ واحرمه عطاءه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا فانه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر فسأل عمر عن ﴿الذاريات ذرواً﴾ فقال ما اسمك قال عبد الله صبيغ فقال وأنا عبد الله عمر وضربه الضرب الشديد وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام كما قال النبي ﵊ إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه) وكما قال تعالى ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد كالذي يعارض بين آيات القرآن وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك وقال (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فان ذلك يوقع الشك في قلوبهم) ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله فكان مقصودهم مذموماً ومطلوبهم متعذراً مثل أغلوطات المسائل التي نهى رسول الله عنها] عن الإنترنت.
وخلاصة الأمر أنه يجب هجر المتلاعبين في كتاب الله وآكلي لحوم العلماء والطاعنين في كتبهم ولا يجوز لعامة الناس حضور دروسهم وتكثير جمعهم، وما أحوجنا لإمام يصنع بهم كما صنع عمر ﵁ بصبيغ.
стр. 733
١ - زنا المحارم من أعظم الكبائر
يقول السائل: زنا رجل بإحدى محارمه وحملت ويريدان إجهاض الحمل خشية الفضيحة وخشية تعرض الفتاة للقتل، فما الحكم الشرعي في ذلك، أفيدونا؟
الجواب: لا شك أن الزنا من كبائر الذنوب، وقد وردت في تحريمه والترهيب منه نصوص كثيرة من كتاب الله ومن سنة نبيه ﷺ ، منها قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة النور الآية٢. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ سورة الفرقان الآيات ٦٨-٧١. وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٢. قال الشيخ السعدي في تفسير الآية الكريمة: [والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله، لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن (من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) خصوصاً هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه. ووصف الله الزنا وقبحه بأنه ﴿كان فاحشة﴾ أي: إثماً يستفحش في الشرع والعقل والفطر، لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد. وقوله: ﴿وساء سبيلاً﴾ أي: بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم.] تفسير السعدي ص٤٥٧. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله صى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري ومسلم. وعن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة) فذكر الحديث إلى أن قال: (فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته ناراً، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، وإذا أخمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة) الحديث، وفي رواية (فانطلقنا على مثل التنور قال فأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات، قال فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا - أي رفعوا أصواتهم مختلطة – الحديث، وفي آخره (وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني) رواه البخاري. وغير ذلك. وهذه النصوص وردت في الترهيب من الزنا عامة، فكيف بالزنا بالمحارم!؟ فإنه أعظم الزنا، وكيف لا يكون كذلك، ومطلوبٌ من المسلم أن يحافظ على عرضه، فابنته وأخته وعمته وخالته وأم زوجته ونحوهن من المحارم، يلزم المسلم أن يحفظهن وأن يحميهن، لا أن يقع في الزنا معهن والعياذ بالله. وإذا كان الزنا بزوجة الجار من أعظم الذنوب، فكيف الزنا بالأخت أو البنت أو العمة أو الخالة؟! فقد ثبت في الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) رواه البخاري ومسلم. ورواه الترمذي والنسائي وزادا في روايتهما: وتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ والحليلة هي الزوجة. وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: ما تقولون في الزنا؟ قالوا حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦١٥. قال الإمام الذهبي: [وأعظم الزنا، الزنا بالأم والأخت وامرأة الأب وبالمحارم وقد صحح الحاكم (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) ، وعن البراء أن خاله بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل عرَّس بامرأة أبيه أن يقتله ويخمس ماله) فنسأل الله المنان بفضله أن يغفر لنا ذنوبنا إنه جواد كريم] الكبائر ١/٥٠. وقال الشيخ ابن حجر المكي: [وأعظم الزنا على الإطلاق، الزنا بالمحارم فقد صحح الحاكم أنه ﷺ قال: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه ... وعُلم مما ذكر وغيره أن الزنا له ثمرات قبيحة: منها أنه يورد النار والعذاب الشديد، وأنه يورث الفقر وأنه يؤخذ بمثله من ذرية الزاني ... وعلم من ذلك أيضاً أن الزنا له مراتب: فهو بأجنبية لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبية لها زوج، وأعظم منه بمحرم، وزنا الثيب أقبح من البكر بدليل اختلاف حديهما، وزنا الشيخ- أي الكبير - لكمال عقله أقبح من زنا الشاب، والحر والعالم لكمالهما أقبح من القن – أي العبد – والجاهل.] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٣/٧٤. إذا تقررت خطورة الزنا عامة والزنا بالمحارم خاصة، فإن طائفة من أهل العلم قالوا بقتل الزاني بإحدى محارمه، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن زنا بأخته ماذا يجب عليه؟ فأجاب: [وأما من زنا بإخته مع علمه بتحريم ذلك وجب قتله والحجة في ذلك ما رواه البراء بن عازب ﵁ قال: مرَّ بي خالي أبو بردة ومعه راية فقلت: أين تذهب يا خالي! قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى رجلٍ تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وأخمِّس ماله) مجموع الفتاوى ٣٤/١٧٧. والحديث الذي استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية رواه أحمد والترمذي والنسائي، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل حديث رقم٢٣٥١ وذهب جمهور الفقهاء إلى أن عقوبة الزاني بالمحارم هي نفس عقوبة الزاني، فإن كان محصناً فالرجم، وإن كان غير محصن فالجلد مئة، وذلك لعموم الأدلة الواردة في عقوبة الزاني، وحجة من قال بقتل الزاني بمحرم ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والحاكم وقال: صحيح ولم يخرجاه. وحسنه جماعة وضعفه آخرون، فالحديث مختلف في إسناده، انظر إرواء الغليل حديث رقم ٢٣٥٢. وقال الشيخ ابن القيم: [فصل في حكمه ﷺ فيمن تزوج امرأة أبيه، روى الإمام أحمد والنسائي وغيرهما: عن البراء ﵁ قال لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقال أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله) ... وفي سنن ابن ماجة من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) ، وذكر الجوزجاني أنه رفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها، فقال احبسوه وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألوا عبد الله بن أبي مطرف ﵁ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف) ، وقد ن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال يقتل ويدخل ماله في بيت المال، وهذا القول هو الصحيح وهو مقتضى حكم رسول الله ﷺ ، وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: حده حد الزاني ... وحكمُ رسول الله ﷺ وقضاؤه أحق وأولى] زاد المعاد٥/١٣. وأخيراً فإن من المقرر عند أهل العلم أن الأصل هو تحريم الإجهاض قبل مرور مئة وعشرين يوماً على الحمل إلا لعذر مشروع على الراجح من أقوال العلماء، وأما بعد مضي مئة وعشرين يوماً على الحمل فقد اتفق أهل العلم على تحريم الإجهاض في هذه الحالة؛ لأن الروح تنفخ في الجنين عند مرور تلك المدة على رأي كثير من العلماء لما ثبت في حديث ابن مسعود ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيأمر بأربع: برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح...) رواه البخاري. ويستثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقط، وهي إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء الثقات أهل الاختصاص أن استمرار الحمل يشكل خطراً مؤكداً على حياة الأم فحينئذ يجوز إسقاط الحمل. وقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ما يلي: [إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهاً أم لا دفعاً لأعظم الضررين] قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص ١٢٣. وبناءً على ما سبق فإن إسقاط الجنين الناتج عن زنا المحارم قبل مضي مئة وعشرين يوماً له وجه شرعي، وخاصة إن خشي قتل الفتاة بسبب الأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد السائدة.
وخلاصة الأمر أن زنا المحارم من أعظم الزنا، والواجب على الأسر أخذ الاحتياطات اللازمة لمنعه بالالتزام بالأحكام الشرعية الواردة مثل الاستئذان قبل الدخول، والتفريق بين الأولاد والبنات في المضاجع، وعدم إظهار مفاتن الجسد أمام المحارم واجتناب مشاهدة الأفلام الإباحية ونحوها، فالوقاية خير من العلاج، ولا يجوز إجهاض الجنين الناتج عن زنا المحارم إذا مضى على الحمل أربعة أشهر، وأما قبل ذلك فيجوز إجهاضه وخاصة إذا خشي على الفتاة من القتل، ومن وقع ذلك منه فعليه أن يبادر إلى التوبة النصوح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ سورة الزمر الآيات ٥٣-٥٤.
стр. 734
٢ - يحرم تجسس الزوج على زوجته بحجة الغيرة عليها ولضمان حسن سلوكها
تقول السائلة: قام زوجي بتركيب آلة تسجيل على هاتف البيت لتسجيل مكالماتي، كما أنه يقوم بمراقبة هاتفي النقال باستمرار ولما فاتحته بالموضوع زعم أن ما فعله للمحافظة على أسرته وأنه شديد الغيرة على زوجته، فما حكم ذلك، أفيدونا؟
الجواب: لا بد من بيان معنى التجسس أولاً فهو اللغة تتبع الأخبار، يقال: جس الأخبار وتجسسها: إذا تتبعها، ومنه الجاسوس، لأنه يتتبع الأخبار ويفحص عن بواطن الأمور، والتجسس تعتريه أحكام ثلاثةٌ الحرمة والوجوب والإباحة. فالتجسس على المسلمين في الأصل حرامٌ منهيٌ عنه، لقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ سورة الحجرات الآية ١٢. ولأن فيه تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه ... قال ابن وهب: والستر واجبٌ إلا عن الإمام والوالي وأحد الشهود الأربعة في الزنا. وقد يكون التجسس واجباً، فقد نقل عن ابن الماجشون المالكي أنه قال: اللصوص وقطاع الطريق أرى أن يُطلبوا في مظانهم ويُعان عليهم حتى يقتلوا أو ينفوا من الأرض بالهرب. وطلبهم لا يكون إلا بالتجسس عليهم وتتبع أخبارهم. ويباح في الحرب بين المسلمين وغيرهم بعثُ الجواسيس لتعرف أخبار جيش الكفار من عدد وعتاد وأين يقيمون وما إلى ذلك. وكذلك يباح التجسس إذا رُفع إلى الحاكم أن في بيت فلان خمراً، فإن شهد على ذلك شهود كُشف عن حال صاحب البيت، فإن كان مشهوراً بما شُهد عليه أُخذ، وإن كان مستوراً فلا يُكشف عنه. وقد سُئل الإمام مالك عن الشرطي يأتيه رجلٌ يدعوه إلى ناس في بيت اجتمعوا فيه على شراب، فقال: إن كان في بيت لا يُعلم ذلك منه فلا يتتبعه، وإن كان معلوماً بذلك يتتبعه. وللمحتسب أن يكشف على مرتكبي المعاصي؛ لأن قاعدة ولاية الحسبة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/١٦٢ بتصرف. ومما يدل على حرمة التجسس وتتبع عورات المسلمين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثماً مُّبِيناً﴾ سورة الأحزاب الآية ٥٨. وثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والظن، فإن الظنَ أكذبُ الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره - بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: (إياكم والظن) قال الخطابي وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالباً، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل، وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر لا يمكن دفعها، وما لا يقدر عليه لا يكلف به، ويؤيده حديث (تجاوز الله للأمة عما حدثت به أنفسها) ... وقال القرطبي: المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله: (ولا تجسسوا) وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع، فنهى عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ، فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظان أبحث لأتحقق، قيل له ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ فإن قال تحققت من غير تجسس، قيل له ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ] فتح الباري ١٠/٥٩١. وعن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبَه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته) رواه أبو داود وقال العلامة الألباني حديث حسن صحيح، كما في صحيح سنن أبي داود ٣/٩٢٣. وعن ابن مسعود ﵁: أنه أُتِيَ برجلٍ فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيءٌ نأخذ به. قال الإمام النووي في رياض الصالحين: حديث حسن صحيح، رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم. وغير ذلك من النصوص. وقد اعتبر العلماء التجسس المحرم على المسلمين من كبائر الذنوب، قال ابن حجر الهيتمي المكي معلقاً على قوله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ : [وعلى كلٍ ففي الآية النهي الأكيد عن البحث عن أمور الناس المستورة وتتبع عوراتهم] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/١٤. وقال أيضاً عند حديثه عن كبيرة التسمع إلى حديث قومٍ يكرهون الإطلاع عليه: [أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ( ... ومن استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك - أي بالمد وضم النون: الرصاص المذاب - يوم القيامة..) ... عَدُّ هذا هو صريح هذا الحديث وهو ظاهر وإن لم أرَ من ذكره لأن صب الرصاص المذاب في الأذنين يوم القيامة وعيدٌ شديدٌ جداً، ثم رأيت بعضهم ذكره ومر في مبحث الغيبة معنى قوله تعالى: ﴿ولا تجسسوا﴾ ، وقوله ﷺ : (ولا تجسسوا ولا تحسسوا) ، قيل هما مترادفان ومعناهما طلب معرفة الأخبار، وقيل مختلفان فهو بالحاء أن تسمعها بنفسك وبالجيم أن تفحص عنها بغيرك، وقيل بالحاء استماع حديث القوم وبالجيم البحث عن العورات؛ ومن ذلك وغيره عُلم أنه ليس للإنسان أن يسترق السمع من دار غيره، وأن لا يستنشق ولا يمس ثوب إنسان ليسمع أو يشم أو يجد منكراً، وأن لا يستخبر من صغار دار أو جيرانها؛ ليعلم ما يجري في بيت جاره.] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٣٥٧. إذا تقرر هذا فإنه يحرم شرعاً على الزوج أن يتجسس على زوجته ما دامت ملتزمة بالأحكام الشرعية، لأن الأصل فيها هو السلامة من المعاصي والآثام، ولأن التجسس على الزوجة يعتبر من باب إساءة الظن وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾ سورة الحجرات الآية ١٢. ولأن التجسس على الزوجة يؤدي إلى الفساد والإفساد، كما ورد في الحديث عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم) رواه أبو داود وابن حبان وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٢٩٣. ومما يدل على حرمة التجسس على الزوجة وتتبع العورات أن النبي ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله طُروقاً - قال أهل اللغة الطُروق بالضم المجيء بالليل من سفرٍ أو من غيره على غفلة - وقد بوبَّ الإمام البخاري في صحيحه" باب لا يطرق أهله ليلاً إذا أطال الغيبة مخافة أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم"، ثم روى بإسناده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً) ، وفي رواية عند مسلم عن جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم) ، قال الإمام الشوكاني: [قوله (يتخونهم أو يطلب عثراتهم) ... والتخون أن يظن وقوع الخيانة له من أهله، وعثراتهم بفتح المهملة والمثلثة جمع عثرة: وهي الزلة. ووقع في حديث جابر عند أحمد والترمذي بلفظ: (لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) ] نيل الأوطار ٦/٢٤٠-٢٤١. وأما تبرير الزوج بأن يتجسس على زوجته من باب الغيرة، فهذه الغيرة مذمومة، وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ قال: (إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير الريبة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع ١/٤٤٢. والغيرة من غير ريبة نوع من الإفراط، وأما التفريط في الغيرة فهو من لا يغار على زوجته ومحارمه مع وجود الريبة، فهذا ينطبق عليه وصف الديوث الوارد في الحديث، والدياثة من كبائر الذنوب كما قال ابن حجر المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/١٠٩-١١١.
وخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً على الزوج أو الزوجة أن يتجسس كل واحد منهما على الآخر بدون موجب، وإن التجسس وسوء ظن أحد الزوجين بالآخر، يؤدي إلى الدمار، وخراب البيوت، وإفساد الحياة الزوجية ويفقدهما الشعور بالثقة والسكن المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الروم الآية ٢١.
стр. 735
٣ - يحرم تزويج شاتم الرب والدين حتى يتوب
تقول السائلة: تقدم ابن عمي لخطبتي ومعروفٌ عنه كثرة سبه للدين والرب، ووالدي يجبرني على القبول به، وأنا أرفضه، فما حكم قبولي الزواج منه، أفيدونا؟
الجواب: واجب الآباء والأولياء أن يتحروا عمن يتقدم لخطبة بناتهم، وأن ينظروا ويفحصوا أحوالهم، وأن يجعلوا المعيار للقبول والرد هو ما قرره الشرع، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريضٌ) رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. وجاء في الحديث عن أبي حاتم المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد. قالوا: وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ثلاث مرات. رواه الترمذي وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٣١٥. وهذا الحديث يقرر أصلاً مهماً في الزواج وهو اعتبار الكفاءة في الدين، فإن ساب الرب والدين ليس كفؤاً للمرأة الصالحة، فشاتم وساب الرب والدين لا ينبغي أن يزوج لأن أمره دائر بين الكفر والفسق على اختلافٍ بين العلماء في حاله. ولا شك أن من الأمور المقلقة والمنكرة انتشار سب الدين وسب الرب في المجتمع بشكل ظاهر وواضح، حيث إن هذه الظاهرة المنكرة أصبحت دارجة على ألسنة كثير من الناس، صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً، ونسمعها باستمرار كلما تصايح اثنان، وترى بعض الناس يسبون الدين والرب بشكل عادي جداً وكأن الأمر ليس كفراً مخرجاً من الملة، وهذه الظاهرة المنكرة تحتاج إلى علاج شامل لتستأصل من أوساط الناس، وعلاج هذه الظاهرة يحتاج إلى تضافر الجهود من أئمة المساجد والخطباء والمربين والمدرسين والآباء والأمهات وغيرهم. ولا بد أن نغرس معاني الإيمان في نفوس أبنائنا وبناتنا ونعلمهم أن سب الدين وشتم الذات الإلهية من نواقض الإيمان. والأسرة والمسجد لهما دور كبير في ذلك، وكذلك المدرسة، فالمربون من المدرسين والمدرسات عليهم واجب كبير في هذه القضية، خاصة نحو صغار الأطفال الذين قد يسمعون هذه الشتائم لأول مرة في المدرسة من زملائهم أو في الشارع، والحق يقال إن هذه الظاهرة منتشرة في بلادنا بشكل واضح مع الأسف الشديد بخلاف كثير من بلاد المسلمين فلا تكاد توجد عندهم ولا يعرفونها. ويجب أن يعلم أن العلماء قد بينوا أن سب الدين أو سب الرب أو سب الرسول ﷺ يُعد كفراً مخرجاً من الملة، وهو ردة عن دين الإسلام إذا كان الساب يعلم ما يصدر عنه، حتى لو كان مستهزئاً، يقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ سورة التوبة الآيتان ٦٥-٦٦. قال القاضي عياض: [لا خلاف أن سابَّ الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم] الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/٢٦٧. ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام اسحق بن راهوية أحد الأئمة الأعلام قوله: [أجمع المسلمون على أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله ﷺ أو دفع شيئاً مما أنزل الله أو قتل نبياً من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله] الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٩. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ومن سبَّ الله تعالى، كفر سواء كان مازحاً أو جاداً وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله، أو كتبه قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ وينبغي أن لا يُكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدباً يزجره عن ذلك، فإنه إذا لم يُكتف ممن سب رسول الله ﷺ بالتوبة فممن سب الله تعالى أولى] المغني ٩/٢٨. إذا تقرر أن سب الذات الإلهية وسب الدين كفر مخرج من الملة، فيجب الانتباه إلى الفرق بين كون الشيء كفراً وتكفير الشخص الذي حصل منه ذلك بعينه، فلا نستطيع أن نحكم بكفر كل إنسان إذا صدر منه ما يحكم العلماء أنه كفر، لأن تكفير المعين يحتاج إلى معرفة أن موانع التكفير منتفية عن هذا الشخص المعين، وقد ذكر أهل العلم أن موانع التكفير هي الخطأ والجهل والعجز والإكراه. قال الشيخ العلامة محمد العثيمين: [للحكم بتكفير المسلم شرطان: أحدهما: أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر. الثاني: انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له، فإن كان جاهلاً لم يكفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ سورة النساء الآية ١١٥. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ سورة التوبة الآية ١١٥. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ سورة الإسراء الآية ١٥. لكن إن فرط بترك التعلم والتبين لم يعذر، مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفر فلا يتثبت ولا يبحث، فإنه لا يكون معذوراً حينئذ. وإن كان غير قاصدٍ لعمل ما يكفر لم يكفر بذلك، مثل أن يكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومثل أن ينغلق فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح ونحوه، كقول صاحب البعير الذي أضلها ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطامها متعلقاً بالشجرة فأخذه فقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) أخطأ من شدة الفرح] فتاوى العقيدة ص٢٦٣-٢٦٤. وقد سئل الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي عن سب الدين أو الرسول ﷺ أو القرآن العظيم هل يكفر ولو كان جاهلاً؟ فقال: [هذا الباب كغيره من أبواب الكفر يُعلَّم ويؤدب فإن عُلِّم وعاند بعد التعليم والبيان كفر، وإذا قيل لا يعذر بالجهل فمعناه يُعلَّم ويؤدب وليس معناه أنه يكفر] فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ص٣٧٢. وبناءً على ما تقدم فإن كثيراً من الناس الذين يسبون الدين والرب في بلادنا وتجري هذه الكلمة على ألسنتهم لا نستطيع أن نحكم عليهم بالكفر وبفسخ زواجهم، لأن هؤلاء يجهلون ما يترتب على التلفظ بالسب والشتم من نتائج، وكذلك فإن السب والشتم يصدر منهم من غير قصدٍ ولا إرادة وما كان كذلك فإن الله لا يؤاخذ عليه كما في يمين اللغو التي يتلفظ بها الإنسان، ولكنه لا يقصد اليمين فهو غير مؤاخذ بذلك، يقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ سورة المائدة الآية ٨٩. ويضاف إلى ذلك أن السب والشتم إذا صدر عن الإنسان وهو في حالة من الغضب الشديد بحيث إنه لا يدري ما يصدر منه فأرجو أن لا يؤاخذ على كلامه. ولا يفهمنَّ أحدٌ أن في هذا الكلام تهويناً من هذه الجريمة المنكرة والعادة القبيحة ألا وهي سب الدين والذات الإلهية والرسول ﷺ ، فعلى من وقع منه ذلك أن يتوب إلى الله توبة صادقة نصوحاً، [وشروط التوبة الخمسة هي: الشرط الأول: الإخلاص لله بتوبته، بأن لا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة، أو خوفاً من مخلوق، أو رجاء لأمرٍ يناله من الدنيا، فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله والخوف من عقابه ورجاء ثوابه، فقد أخلص لله تعالى فيها. الشرط الثاني: أن يندم على ما فعل من الذنب، بحيث يجد في نفسه حسرةً وحزناً على ما مضى، ويراه أمراً كبيراً يجب عليه أن يتخلص منه. الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه؛ فإن كان ذنبه تَرْكَ واجبٍ قام بفعله وتَدَارَكَه إن أمكن، وإن كان ذنبُه بإتيانِ محرمٍ أقلع عنه، وابتعد عنه، ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بالمخلوقين، فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها. الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود في المستقبل، بأن يكون في قلبه عزم مؤكد ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل، وفوات وقت القبول عام وخاص: أما العام؛ فإنه طلوع الشمس من مغربها، فالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل، لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ سورة الأنعام الآية ١٥٨. وأما الخاص؛ فهو حضور الأجل، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ سورة النساء الآية ١٨.] مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ٢/١٥٢. والمطلوب ممن تاب توبة صادقة أن يكثر من الاستغفار ومن فعل الخيرات، فلعل الله أن يتقبل منه يقول : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سورة الزمر الآية ٥٣.
وخلاصة الأمر أن سب الدين والرب ردةٌ في حق من ارتكبه عامداً قاصداً عالماً به غير جاهل ولا مكره. وأن شاتم الرب والدين يحرم تزويجه شرعاً حتى يتوب إلى الله توبة نصوحاً بشروطها، ولا يجوز لهذا الأب أن يجبر ابنته على الزواج من ابن أخيه ساب الرب والدين حتى يتوب.
стр. 736
٤ - مسابقة ملكة الجمال أمر محرم شرعا ومناف لقيمنا وأخلاقنا
يقول السائل: ما الحكم الشرعي في مسابقة ملكة الجمال، وما حكم المشاركة فيها، أفيدونا؟
الجواب: لعل من الأمور البدهية التي لا يجهلها مسلم، أن مسابقة ملكة الجمال تتنافى مع مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف، وما هي إلا تقليدٌ أعمى للغربيين الذين صنعوها، وما مسابقة ملكات الجمال إلا امتهانٌ للمرأة واحتقار لشأنها، وجعلِ جسدها كالسلعة التي يُقلبها المتسوقون، وفيها استغلال لجسد المرأة في الإعلانات التجارية لتسويق البضائع وترويجها، وهذه المسابقات مظهر من مظاهر الانحلال والميوعة، ومحاربة الفضيلة ودعوة للرذيلة، وإشاعة للفحشاء والمنكر في المجتمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ سورة النور الآية ١٩. ومسابقة ملكات الجمال عودة إلى سوق النخاسة، بل هي أسوأ من ذلك، حيث كانت الجواري لا يبعن لجمالهن فقط، وإنما لصفاتٍ أخرى فيهن كالفصاحة والبلاغة والتدين ونحو ذلك. وفكرة مسابقة ملكات الجمال من الإفرازات الخبيثة للثقافة الغربية، يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمة الله عليه: [من أبرز مظاهر مكر الحضارة الغربية بالمرأة ابتداعها مسابقات ملكات الجمال، وملكات الأناقة، وملكات الإغراء وملكات لا نهاية لممالكهن الوهمية، هل في ذلك إلا دليلٌ على رغبة الرجل الغربي في الاستمتاع بأنوثة المرأة، ودليلٌ على أن المرأة عندهم لا تهمُّها كرامتها بقدر ما يهمها لفت الأنظار إلى جمالها وأنوثتها؟ ... مسابقات ملكات الجمال مناسبة لاستمتاع رجال التحكيم والمتفرجين بأجسام الفتيات المتسابقات تحت ستار مشروع في رأي هذه الحضارة ... مسابقات ملكات الجمال، رقيةُ الساحر الماكر لاستخراج الفتيات من بيوت آبائهن إلى حيث يصبحن تحت سلطته وتصرفه ... التقت فتاة جميلة عاقلة، مع فتاة جميلة ساذجة دخلت مسابقة ملكات الجمال، فقالت هذه لتلك بغرور ساذج: لقد صرتُ مشهورة، تنشرُ الصحف صوري وتنقل وكالات الأنباء أخباري. فقالت الأخرى: إن اللوحة الفنية التي لم تلمسها الأيدي أغلى ثمناً وأبلغ لفتاً للأنظار من التي لمستها الأيدي حتى غيرت روعة ألوانها الطبيعية ... مرت فتاةٌ مغرورة ممن دخلت مسابقات ملكات الجمال بطائر حبيس في شبكة الصياد، فبكت حرقةً له، فقال لها الطائر الحبيس: لا تبكي على من لا تزال أمامه فرصة للإفلات من الشبكة، ولكن ابكي على من لم يعد يستطيع الإفلات منها بحال من الأحوال، ابكي على نفسك أيتها المسكينة لو كان لك عقل تفكرين به. ملكات الجمال يُنسيْنَ بعد أيام، ولكن العالمات والمخترعات والأمهات اللاتي ولدن عظماء التاريخ، سيظل يَذكُرهن التاريخ ما بقي إنسان يقرأ التاريخ] كتاب هكذا علمتني الحياة ص ١١١- ١١٢. وهذه بعض النصوص الشرعية التي تؤصل لتحريم مسابقة ملكة الجمال من جميع جوانبها، سواء تنظيمها أو المشاركة فيها بأي شكل من الأشكال، يقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأعراف الآية ٢٧. ولا شك أن عرض الفتيات في هذه المسابقات ما هو إلا عرضٌ لأجسادهن العارية، وكشفٌ لما أمر الله بستره وحجبه عن أعين لصوص الأجساد، يقول الله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ... ﴾ سورة النور الآية٣١، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ الأحزاب الآية ٥٩. وقال النبي ﷺ : (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة) رواه مسلم. وقد حذرنا الله أن نسير وراء كل ناعق ممن يسعون إلى تدمير البقية الباقية من ديننا وأخلاقنا، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ١٠٠. وورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلَّط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) رواه ابن ماجة وأبو نعيم في حلية الأولياء ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ١/١٦٧. ولا شك أن مسابقة ملكة الجمال من المنكرات التي يجب شرعاً إنكارها وعدم السكوت عليها، يقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ سورة آل عمران الآية ١١٠. وبناءً عل ما سبق يتقرر ما يلي: أولاً: يحرم شرعاً تنظيم مسابق ملكة الجمال والدعوة للمشاركة فيها. ثانياً: يحرم المساهمة في هذه المسابقة بأي شكل من الأشكال، كالإعلان عنها، وتقديم أي شيء يسهم فيها. وكذلك يحرم حضورها. ثالثاً: يحرم شرعاً مشاركة الفتيات فيها، ويحرم على أولياء أمورهن السماح لهن بالمشاركة فيها بأي صورة من الصور، ومن يسمح لبنته أو أخته للمشاركة فيها، فهو ديوث كما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث) . وجاء في رواية أخرى: (ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء) وفيها: (فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي بمن دخل على أهله، قيل فما الرجلة؟ قال: التي تتشبه بالرجال) رواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال العلامة الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن النسائي ٢/٥٤١، السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٣٩٧. قال ابن منظور: [الديوث هو الذي لا يغار على أهله] لسان العرب ٤/٤٥٦، وقال العلامة علي القاري: [والديوث الذي يُقرُ أي يُثبتُ بسكوته على أهله، أي من امرأته أو جاريته أو قرابته، الخبث أي الزنا أو مقدماته وفي معناه سائر المعاصي كشرب الخمر وترك غسل الجنابة ونحوهما، قال الطيبي أي: الذي يرى فيهن ما يسوءه ولا يغار عليهن ولا يمنعهن فيقر في أهله الخبث] مرقاة المفاتيح ٧/ ٢٤١. وقال العلامة ابن القيم: [وذكر الديوث في هذا الحديث وما قبله يدل على أن أصل الدين الغيرة، من لا غيرة له لا دين له، فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح فترفع السوء والفواحش، وعدمها يميت القلب فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة، والغيرة في القلب كالقوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة كأنه الهلاك] فيض القدير ٣/٤٣٠-٤٣١. رابعاً: يجب شرعاً منع إقامة هذه المسابقة، لأنها منكرٌ عظيم، ونوع من الإفساد في الأرض، وفي منعها محافظة على أخلاق مجتمعنا وقيمنا وعاداتنا الطيبة، ووقاية لنا من النار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ سورة التحريم الآية ٦. خامساً: واجب العلماء والدعاة والمربين وخطباء المساجد، إنكار هذه المسابقة الخبيثة والتحذير منها ومن شرورها. وأخيراً فإني لأستغرب سكوت الجمعيات النسوية - التي تزعم أنها تدافع عن المرأة وعن كرامتها- عن هذا الانتهاك الصارخ لحقوق المرأة، وعن هذا التعدي على كرامة المرأة، أم أن التعري وعرض لحوم النساء في المزادات اللاأخلاقية يندرج تحت لافتة تحرير المرأة!؟
وخلاصة الأمر أن مسابقة ملكة الجمال فكرة وافدة خبيثة، يُحرمها دينُنا وتعارضها أخلاق شعبنا وعاداته وقيمه الطيبة، فهي أمر محرم شرعاً ويحرم تنظيمها أو المشاركة فيها بأي شكل من الأشكال. وهي من المنكرات فيجب شرعاً إنكارها، وخاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا المرابط في بيت المقدس وأكنافه.
стр. 737
٥ - الضوابط الشرعية لممارسة المرأة الألعاب الرياضية
يقول السائل: ما مدى صحة الاستدلال بحديث مسابقة النبي ﷺ لإحدى زوجاته، على ممارسة المرأة لمختلف الألعاب الرياضية أمام الرجال، أفيدونا؟
الجواب: ورد في الحديث (عن عائشة ﵂ أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفرةٍ، وهي جارية قالت: لم أحمل اللحم ولم أبدن - من البدانة وهي كثرة اللحم والسمنة - فقال ﷺ لأصحابه: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقك فسابقته فسبقته على رجلي، فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لأصحابه: تقدموا ثم قال: تعالي أسابقك ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم وبدنت، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله ﷺ وأنا على هذه الحال؟ فقال: لتفعلن فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وقال: هذه بتلك السبقة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني وابن ماجة وغيرهم وقال العلامة الألباني: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين وقد صححه العراقي في تخريج الإحياء، السلسلة الصحيحة١/٢٠٤. وقد أخذ العلماء من هذا الحديث مشروعية الرياضة للنساء وفق الضوابط والشروط الشرعية التي سأذكرها لاحقاً، حيث أشار الحديث إلى ذلك عندما أمر النبي ﷺ الصحابة أن يتقدموا، فتقدموا، ثم تسابق النبي ﷺ مع عائشة ﵂. إذا تقرر هذا فلا بد من البيان أن الإسلام أباح الرياضة للرجال والنساء على حدٍ سواء، وفق ضوابط شرعية لا بد من الالتزام بها، وإن الإخلال بهذه الضوابط يخرج الرياضة عن دائرة الإباحة، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمن القوي خيرٌ وأحبُ إلى الله من المؤمن الضعيف) رواه مسلم، ولا شك أن الرياضة من أسباب قوة الجسم، ويجب أن يُعلم أن طبيعة جسد المرأة وتكوينها الخَلْقي يختلف عن طبيعة الرجل، فليس كل ما يناسب الرجل من أنواع الرياضة يناسب المرأة، ولا يجوز تقليد غير المسلمين فيما يفعلون ويمارسون من رياضات نسوية بحجج واهية، مثل مساواة المرأة مع الرجل وباسم التقدم والحضارة والإنعتاق من الإنغلاق، ونحو ذلك من الشعارات الخداعة. فهناك أنواع من الرياضة تمارسها النساء في الغرب لا يمكن أن تقرها شريعتنا الغراء، ولا يمكن أن تقبلها عادتنا وأعرافنا الطيبة. وقد قرر اللماء مجموعة من الضوابط والشروط الشرعية لممارسة المرأة للرياضة كما يلي: أولاً: لا بد للرياضة النسوية أن تكون منسجمة مع طبيعة المرأة وتكوينها الخَلْقي، فالمرأة لها طبيعتها وخصائصها المخالفة للرجل، وهذه سنة الله في خلْق الرجل والمرأة، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ سورة النساء الآية ٣٢، فيحرم على المرأة أن تمارس رياضةً لا تتفق مع خلقتها الأنثوية، كالمصارعة وكمال الأجسام ورفع الأثقال ونحوها من الرياضات، فإن فعلت ذلك فهي امرأة مترجلة، فقد ورد في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث) . وجاء في رواية أخرى: (ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء) وفيها: (فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي بمن دخل على أهله، قيل فما الرجلة؟ قال: التي تتشبه بالرجال) رواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال العلامة الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن النسائي ٢/٥٤١، السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٣٩٧. والمرأة المترجلة هي التي تتشبه بالرجال في زيهم وهيئتهم وأحوالهم. ثانياً: يحرم شرعاً على المرأة المسلمة كشف العورات في الرياضة وفي غير الرياضة، قال الله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ ... ﴾ سورة النور الآية٣١، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ الأحزاب الآية ٥٩. وقال النبي ﷺ : (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة) رواه مسلم. قال الحافظ ابن عبد البر: [والذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيقٍ سابغٍ وتخمر رأسها، فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها] الاستذكار ٥/٤٤٣. وبناءً على ذلك يحرم على المرأة أن تمارس أي نوع من أنواع الرياضة يؤدي إلى كشف العورات كما هو الحال في السباحة وكرة القدم وكرة السلة وغيرها، سواء كشفت عورتها أمام الرجال أو أمام النساء ضمن الحدود المعتبرة شرعاً في حد العورة في نطاق قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ... ﴾ الآية. ثالثاً: يحرم الاختلاط أثناء ممارسة الرياضة النسوية، ويظهر هذا جلياً من خلال حديث مسابقة النبي ﷺ لعائشة حيث ورد فيه (فقال لأصحابه: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقك فسابقته فسبقته على رجلي، فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لأصحابه: تقدموا ثم قال: تعالي أسابقك) فقوله ﷺ لأصحابه تقدموا في حالتي السباق، يدل على منع ممارسة المرأة للرياضة في حال الاختلاط مع الرجال وكذا في حال حضورهم. رابعاً: لا تمارس المرأة الرياضة في حال حضور الرجال كما يحدث في مباريات كرة القدم وغيرها، وكذلك في حال تصوير الألعاب ونشر الصور سواء عبر الصحف والمجلات أو البث التلفزيوني ونحو ذلك من الوسائل. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث السابق حيث ورد فيه (فقال لأصحابه: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقك فسابقته فسبقته على رجلي، فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لأصحابه: تقدموا ثم قال: تعالي أسابقك) . وكذلك فإن النظر إلى اللاعبات خاصة وهن في الملابس الرياضية يعتبر زناً شرعاً فقد قال النبي ﷺ : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) رواه البخاري ومسلم. خامساً: أن تخلو الرياضة من كل ما يلحق الأذى والضرر بالمرأة بشكل عام، فتحرم الملاكمة والمصارعة ونحوهما من الرياضات العنيفة، التي لا تخلو من إلحاق الضرر والأذى بمن يمارسها. جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي: [فقد نظر في موضوع الملاكمة والمصارعة الحرة من حيث عدهما رياضة بدنية جائزة، وكذا في مصارعة الثيران المعتادة في بعض البلاد الأجنبية، هل تجوز في حكم الإسلام أو لا تجوز. وبعد المداولة في هذا الشأن من مختلف جوانبه والنتائج التي تسفر عنها هذه الأنواع التي نسبت إلى الرياضة وأصبحت تعرضها برامج البث التلفازي في البلاد الإسلامية وغيرها. وبعد الاطلاع على الدراسات التي قدمت في هذا الشأن بتكليف من مجلس المجمع في دورته السابقة من قبل الأطباء ذوي الاختصاص، وبعد الاطلاع على الإحصائيات التي قدمها بعضهم عما حدث فعلاً في العالم نتيجة لممارسة الملاكمة وما يشاهد في التلفزة من بعض مآسي المصارعة الحرة، قرر مجلس المجمع ما يلي: أولا: الملاكمة: يرى مجلس المجمع بالإجماع أن الملاكمة المذكورة التي أصبحت تمارس فعلاً في حلبات الرياضة والمسابقة في بلادنا اليوم هي ممارسة محرمة في الشريعة الإسلامية لأنها تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من المتغالبين للآخر إيذاءً بالغاً في جسمه قد يصل به إلى العمى أو التلف الحاد أو المزمن في المخ أو إلى الكسور البليغة، أو إلى الموت، دون مسئولية على الضارب، مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصر، والابتهاج بما حصل للآخر من الأذى، وهو عمل محرم مرفوض كلياً وجزئياً في حكم الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ، وقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) . على ذلك فقد نص فقهاء الشريعة على أن من أباح دمه لآخر فقال له: (اقتلني) أنه لا يجوز له قتله، ولو فعل كان مسئولاً ومستحقاً للعقاب. وبناءً على ذلك يقرر المجمع أن هذه الملاكمة لا يجوز أن تسمى رياضةً بدنيةً ولا تجوز ممارستها، لأن مفهوم الرياضة يقوم على أساس التمرين دون إيذاء أو ضرر، ويجب أن تحذف من برامج الرياضة المحلية ومن المشاركات فيها في المباريات العالمية، كما يقرر المجلس عدم جواز عرضها في البرامج التلفازية كي لا تتعلم الناشئة هذا العمل السيئ وتحاول تقليده. ثانيا: المصارعة الحرة: وأما المصارعة الحرة التي يستبيح فيها كل من المتصارعين إيذاء الآخر والإضرار به، فإن المجلس يرى فيها عملاً مشابهاً تمام المشابهة للملاكمة المذكورة، وإن اختلفت الصورة، لأن جميع المحاذير الشرعية التي أشير إليها في الملاكمة موجودة في المصارعة الحرة التي تجرى على طريقة المبارزة وتأخذ حكمها في التحريم. وأما الأنواع الأخرى من المصارعة التي تمارس لمحض الرياضة البدنية ولا يستباح فيها الإيذاء فإنها جائزة شرعاً ولا يرى المجلس مانعاً منها] . سادساً: أن لا يترتب على ممارسة الرياضة إخلال بالواجبات كتضييع الصلوات وإهمال المرأة لشؤون بيتها وأسرتها، أو وقوعٍ في المحرمات كالسباب والشتائم ونحوها أو سفر للمرأة بدون محرم. سابعاً: [الوقوف على القصد من تنظيم المسابقة: فلا يجوز أن تكون إقامة المسابقة الرياضية أياً كان شكلها " دوري" أو "كأس" مجرد تقليد للفكر الغربي، أو استجابة لمطالب لا تتناسب مع العرف القائم في بلادنا، وقد اتفق الفقهاء على اعتبار العرف في الاجتهاد الفقهي ... أما التقليد لذاته بما لا يتناسب مع أعرافنا، وما قد يتبعه من مفاسد أكبر من توافر الشروط الشرعية في الممارسة، فلا يجوز بناءً على اعتبار فقه المالآت في المسألة، إذ من المعلوم أن جهاز " الفيفا " الدولي يرصد مبالغ طائلة للدول الإسلامية للقيام بالألعاب الرياضية، ويشترط أن تنفق بعض النسب على الكرة النسائية، وهذا يعني أنه في بعض الأحيان تنشأ الفرق النسائية لأجل ما يأتي من الدعم المالي من الهيئات الدولية الرياضية، أو السعي وراء إثبات أن الدولة تعطي للمرأة حقوقاً إضافيةً حتى تحسن الصورة أمام الدول الغربية، دون مراعاة للأعراف والتقاليد، أو الالتفات إلى قواعد ومقاصد الشرع الحكيم، وهذا يُخرج المسألة من كونها تبيح للمرأة الممارسة، لأن المقصود ليس ممارسة النساء اللعبة الرياضية، ولكن غلب عليه مقاصد أخرى، والأمور بمقاصدها. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: (لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ تبعتموهم) . قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) . وكما ورد عن ابن مسعود: " لا يُقلدنَّ أحدُكم دينَه رجلاً، إن آمن؛ آمن، وإن كفر؛ كفر، فإنه لا أسوة في الشر" وليس بلازم أن يكون في بلد ممارسة معينة أن تنتقل إلى كل البلاد، فالاختلاف سنة في بني البشر، كما قال تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ .] عن إسلام أون لاين. وخلاصة الأمر أن الرياضة مشروعة للنساء والرجال وفق الضوابط الشرعية المذكورة أعلاه، وإن لم تتوفر هذه الضوابط فيحرم شرعاً على المرأة ممارسة الرياضة حينئذ، ويمكن الاستعاضة عن ذلك ببدائل مقبولة شرعاً كاللعب على الأجهزة الرياضية في البيت أو ممارسة الألعاب الرياضية في صالات خاصة بالنساء ونحو ذلك ضمن حدود الشريعة
стр. 738
٦ - النقاب من الدين وليس من العادات كما زعم شيخ الأزهر
يقول السائل: هل ما قاله شيخ الأزهر عن النقاب بأنه ليس من الدين وإنما هو من العادات صحيح، أفيدونا؟
الجواب: من المؤسف حقاً أن بعض المشايخ الرسميين لهم مواقف وأقوال تصب في محاربة الإسلام الحق، وكأنهم صاروا أدوات طيعة في أيدي أعداء الإسلام، يستعملونهم في محاربة الدين، ولا أدل على ذلك من احتفاء جهات معادية للإسلام بأقوال د. سيد طنطاوي شيخ الأزهر في قضية النقاب، ومن أراد أن يعرف برهان ذلك فليرجع إلى ما كتبته بعض الصحف الغربية وبعض القنوات الفضائية، مرحبة بمقالة السوء التي صدرت عن شيخ الأزهر. وهذه ليست أول مرة يقف فيها شيخ الأزهر مثل هذه المواقف التي تسيء إساءة بالغة لأهم مؤسسة دينية على مستوى العالم الإسلامي، فرحم الله الأزهر عندما كان منارة للعلم والعلماء ومنبراً للدفاع عن الإسلام والمسلمين. ومما يثير الغضب والاشمئزاز في موقف شيخ الأزهر من النقاب في الحادثة الأخيرة، تجاهله الصريح لما قرره العلماء في حكم النقاب، بل تجاهله لما قرره هو نفسه قبل أن يجلس على كرسي مشيخة الأزهر كما سأذكر، وكذلك أسلوبه الفج وألفاظه الجارحة في التعامل مع الفتاة ومعلمتها، بل وصل به الأمر إلى الاستهزاء بالفتاة بعد أن أجبرها على خلع نقابها وظهر له أنها ليست جميلة فقال لها ما قال، فأين الشيخ من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ سورة الحجرات الآية١١. ولو قبلنا كلام شيخ الأزهر أن النقاب من العادات – وهو ليس بمقبول- فلماذا لا تترك لها حرية الاختيار؟ وهي قد اختارت أمراً يزيد في سترها وعفافها، وأين موقف شيخ الأزهر من المتبرجات الكاسيات العاريات؟ وبدلاً من إصدار القرارات في منع المنقبات من دخول مؤسسات الأزهر، كان الواجب الشرعي يقتضي منع المتبرجات من ذلك! والحق يقال أن المتبرجات أولى بهذه الغضبة وأولى بهذا التعنيف من المنقبات. أم أن التبرج مسموح والتنقب ممنوع!!!
إذا تقرر هذا فلا بد من بيان أن النقاب هو ما تغطي به المرأة وجهها، وأما الحجاب فهو ما تستر به المرأة جميع بدنها، وأما الخمار فهو ما تغطي به المرأة رأسها، وقد اتفق أهل العلم على وجوب تغطية المرأة لرأسها وجميع بدنها، ووقع خلاف بين أهل العلم في حكم تغطية الوجه، فمن العلماء من أوجبه، ومنهم من استحبه، فأوجبوا الخمار والحجاب، واختلفوا في النقاب ما بين الوجوب والاستحباب، ولم يقل أحد من أهل العلم - فيما أعلم - أن النقاب ليس من الدين، كما زعم د. سيد طنطاوي شيخ الأزهر، بل إن ما قاله شيخ الأزهر قول شاذ، ليس له مستند علمي صحيح، ولا أريد هنا أن أذكر كلام العلماء وأدلتهم في الخلاف في حكم النقاب، ولكن أود أن أذكر شيئاً من كلام د. سيد طنطاوي قبل أن يصبح مفتياً للديار المصرية وقبل أن يصير شيخاً للأزهر، فقد قال في تفسيره للقرآن الكريم المسمى بالوسيط عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال د. سيد طنطاوي: [ومن الأحكام والآداب التي اشتملت عليها هاتان الآيتان ما يأتي: ... أنه لا يحل للمرأة أن تبدى زينتها لأجانب، إلا ما ظهر منها، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ . قال الإمام القرطبي ما ملخصه: أمر الله تعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، حذاراً من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك. فقال ابن مسعود: طاهر الزينة هو الثياب. . . وقال سعيد بن جبير والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب ... وقال ابن عباس وقتادة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب ونحو هذا، فمباح أن تبديه لكل من ظهر عليها من الناس. وقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية، بأن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر، بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، " فما ظهر " على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه. قلت: أي القرطبي: وهذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما، عادة وعبادة، صح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما. يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة (أن أسماء بنت أبي بكر، دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) . وقال بعض علمائنا: (إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك. هذا وفى هذه المسألة كلام كثير للعلماء فارجع إليه إن شئت.]] فالدكتور طنطاوي ذكر قولين لأهل العلم في تغطية المرأة وجهها، ولم يذكر لنا أن تغطية المرأة لوجهها ليس له علاقة بالدين وأنه من العادات كما زعم، وأين شيخ الأزهر من النصوص التي ورد فيها ذكر النقاب، ومنها عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) رواه البخاري. قال الشيخ أبو بكر بن العربي المالكي: [قوله في حديث ابن عمر: (لا تنتقب المرأة) وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها] عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٤/٤٥. ولو قلنا بعدم وجوب النقاب فنهيه ﷺ المحرمة أن تتنقب يدل على جوازه في غير حالة الإحرام. وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ في حديث قصة الإفك قالت: ( ... فبينما أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي ... فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت ـ وفي رواية فسترت ـ وجهي عنه بجلبابي ... ) . وعن عائشة ﵂ قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه) . رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في حجاب المرأة المسلمة ص ٥٠. وذكر العلامة محمد العثيمين قول ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . سورة الأحزاب الآية ٥٩) . قال ابن عباس: [أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة] . قال العثيمين: وتفسير الصحابي حجة، بل قال بعض العلماء إنه في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، وقوله ﵁ " ويبدين عيناً واحدة " إنما رخص في ذلك لأجل الضرورة والحاجة إلى نظر الطريق فأما إذا لم يكن حاجة فلا موجب لكشف العين. والجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة. قالت أم سلمة ﵂ لما نزلت هذه الآية: (خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها) . وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن من أجل رؤية الطريق.] رسالة الحجاب للعلامة العثيمين. وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن جابر بن زيد أنه كره أن تصلي المرأة وهي منتقبة أو تطوف وهي منتقبة. وروى أيضاً عن طاووس أنه كره أن تصلي المرأة وهي منتقبة. وروى عن الحسن قال كان يكره أن تصلي المرأة منتقبة. وروى عن صفية بنت شيبة قالت: (رأيت عائشة طافت بالبيت وهي منتقبة) . فهذه النصوص وغيرها تدل دلالة واضحة على أن النقاب كان معروفاً عند النساء المسلمات في عهد النبي ﷺ وفي عهد الصحابة والتابعين، وليس الأمر كم زعم الزاعمون أن النقاب دخيل على الأمة في عهود الانحطاط كما يسمونها! ومما يدل على بطلان ما زعمه شيخ الأزهر أن المجلس الأعلى للأزهر عارض شيخه بشأن موقفه من النقاب، كما ورد في البيان الصادر عن المجلس الأعلى للأزهر بتاريخ ٩/١٠/ ٢٠٠٩م فقد عارض المجلس الأعلى للأزهر موقف شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي بشأن موقفه من النقاب، معلناً أن النقاب مسموح به في المعاهد الأزهرية وجامعة الأزهر في وجود الرجال. وقال المجلس في بيانه عقب اجتماع طارئ برئاسة طنطاوي: إنه يسمح بارتداء النقاب في أفنية المعاهد الأزهرية بما فيها التي يقتصر التدريس فيها على نساء. وأضاف أن "الممنوع فقط هو استعماله داخل الفصل الدراسي الخاص بالبنات والذي يقوم بالتدريس فيه المدرسات من النساء فقط". وذكر المجلس في البيان الذي تلاه طنطاوي على الصحفيين أنه قرر: منع الطالبات في جميع مراحل الدراسة في الأزهر وفي جامعته من ارتداء النقاب في قاعات الامتحانات الخاصة بالفتيات والتي لا وجود للرجال معهن في هذه القاعات وتكون المراقبة عليهن أثناء الامتحانات مقصورة على النساء فقط] .
وخلاصة الأمر أن حكم النقاب يدور بين الوجوب والاستحباب، فهو من الدين، وليس من قبيل العادات كما زعم شيخ الأزهر، وكان الواجب على شيخ الأزهر أن يوجه غضبه وتعنيفه للمتبرجات، وليس للمنقبات طالبات الستر والعفاف.
стр. 739
٧ - أخطاء شائعة متعلقة بعدة الوفاة
تقول السائلة: توفي والدي ودخلت والدتي في العدة فقالت لها بعض النساء إنه يحرم عليها أن ترى أو تتكلم مع غير محارمها، فهل هذا الكلام صحيح، أفيدونا؟
الجواب: يشيع في مجتمعنا وخاصة بين النساء كلام كثير يتعلق بعدة الوفاة، لا أصل له في الدين، فمثلاً يقال بأن المرأة المتوفى عنها زوجها تدخل عدة الوفاة متى شاءت! ويقال بأن المرأة الكبيرة في السن لا تعتد عدة الوفاة! ويقال بأن المعتدة عدة وفاة لا يجوز أن يراها الرجال الأجانب مطلقاً! وإذا رأوها بطلت عدتها! ويقال بأن المعتدة عدة وفاة لا تتكلم مع غير محارمها! ولا ترد على التلفون! ولا تنشر الغسيل! إلى غير ذلك من الأقاويل التي ليس لها مستند شرعي، والأصل أن نتلقى الأحكام من كتاب الله ومن سنة نبيه ﷺ ، وذلك لأن عدة الوفاة أمر تعبدي أوجبه الله على المرأة. ويجب أن يعلم أولاً أن عدة الوفاة فريضة على كل امرأة مات عنها زوجها، سواء كانت عجوزاً أو غير عجوز، وسواء كانت تحيض أو لا تحيض، والمدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم عدة الوفاة، لقول الله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً? سورة البقرة الآية ٢٣٤. فالآية الكريمة عامة في كل زوجة مات عنها زوجها لقوله تعالى ?أَزْوَاجاً? فيجب على كل زوجة مات عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، إلا إذا كانت حاملاً فتعتد بوضع الحمل على الراجح من أقوال أهل العلم. ويدل على وجوب العدة قوله تعالى ?يَتَرَبَّصْنَ? فهذا خبر بمعنى الأمر والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب. قال العلامة ابن القيم: [وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقاً كما دل عليه عموم القرآن والسنة] زاد المعاد في هدي خير العباد ٥/٦٦٤. ويجب أن يعلم ثانياً أن عدة الوفاة تبدأ عقيب وفاة الزوج، فتحسب المتوفى عنها زوجها عدتها من يوم موت زوجها، وهذا باتفاق الفقهاء وليس صحيحاً أن المرأة المتوفى عنها زوجها تختار وقت دخولها في عدة الوفاة. ثالثاُ: تنتهي عدة الوفاة بانقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ وفاة الزوج، إذا لم تكن الزوجة حاملاً، وأما الحامل فتنقضي عدتها بوضع الحمل لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ سورة الطلاق الآية ٤. رابعاً: تستقر المعتدة عدة وفاة في بيت الزوجية، فقد ورد في الحديث عن فُرَيعة بنت مالك - وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄ قالت: (خرج زوجي في طلب عبيدٍ له قد هربوا فأدركهم فقتلوه فأتى نعيه وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالاً ورثته وليس المسكن له، فتحولت إلى أهلي وإخواني، فكان أرفق لي في بعض شأني، فقال: تحولي، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني فقال: (امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك، حتى يبلغ الكتاب أجله) ، قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشراً) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد، وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الإمام الشوكاني: [وقد استدل بحديثها - أي الفريعة - هذا على أن المتوفى زوجها عنها تعتد في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه، ولا تخرج منه إلى غيره، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة والتابعين من بعدهم] وذكر الشوكاني أن هذا قول جماهير أهل العلم. نيل الأوطار ٦/٣٣٦. ولا تخرج المعتدة من بيتها إلا للأمور الحاجية والضرورية، كالذهاب إلى المستشفى للعلاج، ولشراء حوائجها من السوق كالطعام واللباس ونحو ذلك، هذا إذا لم يكن عندها من يقضي لها حوائجها. وقد أذن النبي ﷺ للمعتدة أن تخرج من بيتها للعذر فعن جابر ﵁ قال: (طُلقت خالتي ثلاثاً، فخرجت تجدُ نخلاً لها فلقيها رجلٌ فنهاها، فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: اخرجي فجُدي نخلك لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيراً) . رواه مسلم. [وروي جواز خروج المتوفى عنها للعذر عن جماعة منهم عمر ﵁، أخرج عنه ابن أبي شيبة أنه رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها. وأن زيد بن ثابت ﵁ رخص لها في بياض يومها. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر ﵄ أنه كان له ابنة تعتد من وفاة زوجها فكانت تأتيهم بالنهار فتحدث إليهم فإذا كان بالليل أمرها أن ترجع إلى بيتها. وأخرج أيضاً عن ابن مسعود ﵁ في نساء نُعي إليهن أزواجُهن وتَشَكَّين الوحشة، فقال ابن مسعود: يجتمعن بالنهار ثم ترجع كل امرأة منهن إلى بيتها بالليل ... وروى الحجاج بن منهال أن امرأة سألت أم سلمة بأن أباها مريض وأنها في عدة وفاة فأذنت لها في وسط النهار. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن مجاهد مرسلاً أن رجالاً استشهدوا بأحد فقال نساؤهم: يا رسول الله إنّا نستوحش في بيوتنا أفنبيت عند إحدانا فأذن لهن أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوي كل واحدة إلى بيتها] نيل الأوطار ٦/٣٣٦- ٣٣٧. وإذا خرجت المعتدة لغير حاجة فعدتها لا تبطل وتستغفر الله وتتوب. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: [عن امرأة معتدة عدة وفاة، ولم تعتد في بيتها بل تخرج في ضرورتها الشرعية: فهل يجب عليها إعادة العدة؟ وهل تأثم بذلك؟ فأجاب: العدة انقضت بمضي أربعة أشهر وعشراً من حين الموت، ولا تقضي العدة. فإن كانت خرجت لأمر يحتاج إليه ولم تبت إلا في منزلها فلا شيء عليها. وإن كانت قد خرجت لغير حاجة وباتت في غير منزلها لغير حاجة، أو باتت في غير ضرورة أو تركت الإحداد، فلتستغفر الله وتتوب إليه من ذلك، ولا إعادة عليها.] مجموع الفتاوى ٣٤/٢٨. والمعتدة لا تخرج لصلاة الجمعة ولا لصلاة الجماعة فالنساء ليس عيلهن جمعة ولا جماعة.
خامساً: على المعتدة عدة وفاة أن تحدَّ على زوجها ويلزمها أن تتجنب الملابس الجميلة المزينة ويجوز لها أن تلبس ما عداها، ولا يعني أن تكون هذه الملابس سوداء كما جرت عادة النساء في بلادنا. وعليها أن تتجنب جميع أنواع العطور والمكياج والكحل. وأن تتجنب التزين بالذهب والفضة ونحوهما، فقد ورد في الحديث عن أم عطية ﵂ قالت: (كنا نُنهى أن نحدَّ على ميتٍ فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار - نوع من البخور -) . رواه البخاري ومسلم، وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة - المصبوغة - ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٤٣٨. سادساً: لا تسافر المعتدة عدة وفاة مطلقاً، ولا لحج أو عمرة استدلالاً بحديث الفريعة السابق، وقد ورد عن عمر ﵁ (أنه كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج) رواه مالك في الموطأ والبيهقي وعبد الرزاق. وروى عبد الرزاق عن مجاهد قال: (كان عمر وعثمان يرجعانهن حواج ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة) المصنف ٧/٣٣] ، وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولو كانت حجة الإسلام، فمات زوجها، لزمتها العدة في منزلها وإن فاتها الحج، لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام] المغني ٨/١٦٨. سابعاً: يجوز للمعتدة أن ترى الرجال الأجانب وأن ينظروا إليها، وتتكلم معهم ما دام أن كل ذلك ضمن الضوابط الشرعية المقررة كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ سورة الأحزاب الآية ٣٢، ولو رآها شخص أجنبي أو كلمها أثناء عدتها فلا تبطل عدتها، وكذلك لا يحرم عليها أمر من الأمور إلا ما ورد الشرع بتحريمه، قال شيخ الإسلام اب تيمية: [المعتدة عدة الوفاة تتربص أربعة أشهر وعشراً، وتتجنب الزينة والطيب في بدنها وثيابها، ولا تتزين ولا تتطيب ولا تلبس ثياب الزينة، وتلزم منزلها ولها أن تأكل كل ما أباحه الله.... ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال المباحة، مثل التطريز والخياطة والغزل وغير ذلك مما تفعله النساء، ويجوز لها ما يباح لها في غير العدة، مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مستترة وغير ذلك، وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله ﷺ الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن، مجموع الفتاوى ٣٤/٢٧-٢٨. وقال الرحيباني الحنبلي: [لها- للمعتدة - التجمل بالفرش والستور، وأثاث البيت لأن الإحداد في البدن لا في الفرش ونحوه، ولها التنظيف بالحمام إن لم يكن فيه خروج محرم وغسل الرأس، ومشطه وتقليم الأظفار والاستحداد، وإزالة الأوساخ؛ لأنها ليست من الزينة] أسنى المطالب ١٧/٤٥٠. ثامناً: لا يجوز لأحد أن يتقدم لخطبة المعتدة صراحة خلال مدة العدة، ويجوز التعريض بذلك أي التلميح لقوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٥
وخلاصة الأمر أن عدة الوفاة فريضة شرعية وهي مسألة تعبدية لا تؤخذ أحكامها إلا من كتاب الله ومن سنة نبيه ﷺ ، ولا يعتمد في ذلك على ما هو شائع ومنتشر بين الناس، وقد بينت أهم أحكام المعتدة عدة وفاة باختصار
стр. 740
٨ - الجندر فكرة تغريبية
تقول السائلة: إنها دعيت للمشاركة في دورة عن (الجندر) تنظمها إحدى الجمعيات النسوية، فما هو الحكم الشرعي في المشاركة في ذلك، أفيدونا؟
الجواب: لا بد أن نتعرف أولاً على مصطلح (الجندر) ، وهو من المصطلحات الوافدة على أيدي التغربيين وفلول الماركسيين والجمعيات النسوية المدعومة غربياً [فقد بدأ استخدام لفظ (جندر) Gender في مؤتمر السكان والتنمية الذي عقد في القاهرة عام ١٩٩٤، وهو لفظ غامض لم يحدد المؤتمرون معنىً دقيقاً له على طريقة دعاة العولمة الذين يمررون أفكارهم في مجتمعات المسلمين على صورة مصطلحات غير واضحة، فتنطلي على السذج. والراصدون لما يدخله أعداء الأمة المسلمة على دينها وثقافتها لهدم كيانها وخصوصيتها، يرون أن (الجندر) ليست مجرد كلمة، وإنما هي منظومة فلسفية متكاملة من القيم الغريبة على مجتمعنا الإسلامي، تهدف إلى إلغاء كافة الفروق بين الرجل والمرأة، والتعامل مع البشر على أنهم نوع من المخلوقات المتساوية في كل شيء من الخصائص والمقومات، وهذا النوع الإنساني في مقابل الحيوان والنبات. فالداعون إلى (الجندر) يعتبرون أن الفوارق التشريحية والفوارق بين وظائف الأعضاء والهرمونات بين الرجل والمرأة لم تعد ذات قيمة، وأنه يمكن تخطيها واعتبارها غير مؤثرة!! فهؤلاء لا يدعون إلى مجرد المساواة بين الرجل والمرأة، بل يدعون إلى إلغاء الفروق بينهما وعدم اعتبارها، بل واستغناء كل منهما عن الآخر، فلا تكامل بين الرجل والمرأة، ولا افتقار لأحدهما إلى الآخر لا في الجانب الاقتصادي ولا الاجتماعي ولا الجنسي، فالمرأة وفق هذا المفهوم تستطيع أن تقضي وطرها مع امرأة مثلها، والرجل يستطيع أن يقضي وطره مع رجل مثله. والحقيقة أن هذه الدعوة تهدف أول ما تهدف إلى هدم الكيان الأسري وتدمير المجتمع، وإحياء الفكر الماركسي، فهي تلتقي مع الفلسفة الماركسية في أمرين: الأول: فيما يتعلق بمفهوم الصراع، فأصحاب نظرية (الجندر) يؤكدون على وجود صراع بين الرجل والمرأة، ويكرسون ذلك الصراع ويؤججون ناره، ويفترضون وجود معركة بينهما!! الأمر الثاني الذي تلتقي فيه هذه النظرية مع الماركسية هو الدعوة إلى هدم الأسرة باعتبارها في نظر ماركس ـ إلى جانب الدين ـ هي أهم المعوقات التي تقف أمام تطور المجتمعات.] الشبكة الإسلامية. ويضاف إلى ما سبق أن من أهم الأفكار التي ينادي بها (الجندر) التشكيك بصحة الدين الإسلامي عن طريق بث الشبهات مثل: إن الدين الإسلامي سبب في عدم المساواة بين الرجل والمرأة في أمور عدة؛ كالقوامة والميراث ونقصان شهادة المرأة، وتعدد الزوجات، وعدم تعدد الأزواج، والحجاب حتى قضايا مثل ذكورة لفظ الجلالة، وإشارة القرآن إلى ضمير المذكر أكثر من ضمير المؤنث، لم تسلم من سموم (الجندر) . وقد بدأ مصطلح (الجندر) وتطبيقاته بالتغلغل في الدول العربية بداية التسعينيات مع تزايد نفوذ مؤسسات التمويل الأجنبي ولجان المرأة ومؤسسات الأمم المتحدة. وعبر الاتفاقيات الصادرة عن المؤتمرات الدولية، وهذه الآلية الدولية فيها طابع من الإلزام للحكومات العربية والإسلامية، بما وقعت عليه من اتفاقيات قد يتبع عدم تنفيذها ضغوط سياسية واقتصادية، أو إغراءات اقتصادية وسياسية. وقد شكلت مقررات مؤتمر بكين أساساً عملياً للسير في هذا الاتجاه، وكان بمثابة إشارة واضحة لكل الدول بحكوماتها ومنظماتها المدنية للعمل على تعزيز المساواة الاجتماعية بين الرجل والمرأة. عن الإنترنت. ويسعى (الجندريون والجندريات) إن صح التعبير فيما يسعون إليه، إلى إلغاء دور الأسرة من المجتمع المسلم وإلغاء دور الأب وإلغاء دور الأم ورفض الزواج ويدعون إلى ملكية المرأة لجسدها، وهي دعوة صريحة للإباحية، ورفض الإنجاب وإباحة الإجهاض والشذوذ الجنسي، وصدق من قال إن (الجندر) ما هو إلا مطية الشذوذ الجنسي. ومما ينادي به ويروج له (الجندريون والجندريات) [الأفكار الخطيرة التالية: أولاً: رفض أن اختلاف الذكر والأنثى راجع لصنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ سورة النجم الآيتان ٤٥-٤٦. ثانياً: فرض فكرة حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية وأدواره المترتبة عليها. ثالثاً: الاعتراف بالشذوذ الجنسي وفتح الباب لإدراج حقوق الشواذ من زواج المثليين وتكوين أسر غير نمطية، والحصول على أبناء بالتبني ضمن حقوق الإنسان. رابعاً: العمل على إضعاف الأسرة الشرعية التي هي لبنة بناء المجتمع السليم المترابط، ومحضن التربية الصالحة، ومركز القوة الروحية، ومفخرة الشعوب المسلمة في عصر الانحطاط المادي. خامساً: إذكاء روح العداء بين الجنسين، وكأنهما متناقضان متنافران، ويكفي لتأييد هذا الاتجاه مراجعة أوراق المؤتمر الدولي لتحديات الدراسات النسوية في القرن الحادي والعشرين الذي نظمه مركز البحوث التطبيقية والدراسات النسوية في جامعة صنعاء - اليمن، فقد كان مما جاء فيه الاعتراض على كثرة وجود اسم الإشارة للمذكر في اللغة العربية أكثر من المؤنث، وكذلك ضمائر المخاطبة للمذكر أكثر منها للمؤنث. سادساً: التقليد الأعمى للاتجاهات الجنسية الغربية المتطرفة ... سابعاً: رفع المسؤولية عن الشواذ جنسياً وإظهارهم بثوب الضحية التي جنى عليها المجتمع، وهذه محاولة قديمة تتشح بثوب العلمية أحياناً وتأتزر بلباس بعض الأبحاث المغرضة- التي ترى أنّ هناك سبباً فسيولوجياً في تركيب الدماغ يسبب الشذوذ- أحياناً أخرى، وكِلا القولين مردود، ذلك أنه لا أحد ينكر أن هناك عوامل مختلفة تؤثر وربما تدعو إلى الشذوذ، لكن كما يقول د. ستيفن أر. كوفي: "بين المؤثر والاستجابة توجد مساحة رحبة مِن حرية الاختيار"، وهذه هي المسؤولية التي يحاسب العبد بموجبها، وينتفي الحساب بانتفائها كما في حالة المجنون والصبي ونحوه.] المرأة المسلمة والتحديات الغربية للدكتور صالح الرقب. ويجب الانتباه إلى أن فكرة الجندر وما ترتب عليها آخذة بالانتشار في بلادنا عبر الجمعيات النسوية والمراكز البحثية - زعموا - المدعومة غربياً، التي تنشط في نشر هذه الأفكار الخبيثة من خلال المؤتمرات والندوات والمحاضرات، بل إن بعض جامعتنا مع الأسف الشديد أصبحت تعتبر ذلك من ضمن الدراسات والبرامج التي تفرض على الطلبة، فهذه المراكز البحثية المزعومة تهدف إلى تثبيت دراسات الجندر كحقل أكاديمي، وإجراء الدراسات والأبحاث المتعلقة بالجندر والمساندة في صياغة السياسات والاستراتيجيات في المجتمع الفلسطيني. والمشاركة في تطوير الوعي بالنوع الاجتماعي، والتأثير على صياغة سياسات فعالة تسهم في بناء مجتمع ديمقراطي يتمتع جميع أفراده بالعدل والمساواة. وهذه العبارات المعسولة تخفي تحتها السم الزعاف. وكذلك فإن بعض جامعتنا تسعى إلى إيجاد تخصص فرعي في دراسات الجندر لطلبة البكالوريوس وطرح مساقات تخدم ذلك التوجه الخبيث. وتطوير مشاريع مشتركة مع بعض الجامعات الأمريكية، وتبادل الكتب والمنشورات والأفلام الوثائقية، وتبادل باحثات وأساتذة على مدار عام أو فصل أكاديمي، وتبادل الزيارات القصيرة بين أعضاء الهيئات التدريسية وعمل أبحاث مشتركة حول قضايا المرأة، وتطوير مناهج الدراسات النسائية والجندر وتنظيم مؤتمرات دولية حول المرأة، ولا يتسع المقام إلى تفصيل أكثر مما سبق.
وخلاصة الأمر أن الجندر فكرة خبيثة هدامة يراد تسويقها بين المسلمين، لهدم البقية الباقية من الدين والأخلاق والقيم الطيبة، وهي فكرة مرفوضة إسلامياً قلباً وقالباً، ويجب على علماء الأمة والدعاة وخطباء المساجد أن يتصدوا لهذه الفكرة المشبوهة وأمثالها، وأن يقوموا بدورهم المنشود في توعية الناس، وخاصة النساء المسلمات بخطورة هذه الأفكار الخبيثة وبأضرارها المدمرة التي تعود بالخراب والفساد على المجتمع المسلم. ولا بد من التحذير من بعض المشايخ الذين يُستخدَمون لتسويق هذه الفكرة المشبوهة وأمثالها وهم يشعرون أو لا يشعرون. ويجب أن يعلم أنه يحرم شرعاً المشاركة في أي عمل له علاقة بفكرة الجندر من قريب أو بعيد، لأنها فكرة تصادم الدين الإسلامي مصادمة ظاهرة، بل تهدف إلى هدم المبادئ والأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة المسلمة خصوصاً والمجتمع المسلم عموماً، والواجب على المسلمين التمسك بدينهم فهو منهج رباني، فهو هدايتنا وطريق سعادتنا، ولسنا بحاجة إلى زبالة أفكار البشر المستوردة.
следующие страницы →