Полный текст (1 139 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
١ - موقف الشرع من العطوة في العرف العشائري
يقول السائل: في العرف العشائري إذا ركب رجل مع آخر في سيارة أو سفينة وحصل حادث وقتل الراكب فإن صاحب السيارة عليه أن يأخذ عطوة دم من أهل القتيل، ما حكم الشرع في ذلك؟ أفيدونا؟
الجواب: العطوة في العرف العشائري تعني: [تلك الفترة الزمنية التي يمنحها أهل المجني عليه للجاني وأهله أو لأهله فقط، وذلك بعد وقوع الجناية مباشرة، فيتوسط في العطوة أهل الخير " الجاهة "، ويعتمد عليها المصلحون كأول خطوة في حل مشكلات الناس منذ وقوع الجناية نظراً لتوتر النفوس وتحركها نحو الشر، وتأهب الطرفين للصد والرد والضرب والقتل". والعطوة هدنة تؤخذ بين المتخاصمين يعقدها وجهاء القوم بحيث تمنع الاعتداء من كلا الطرفين على بعضهما البعض مكفولة بوجهاء يضمنون عدم الاعتداء.] عن الإنترنت. والعطوة في العرف العشائري تؤخذ في حالات القتل غالباً، بغض النظر هل كان القتل عمداً أو خطأً، وتؤخذ أيضاً في حالات الجراحات والاغتصاب وغيرها. والعطوة في العرف العشائري على أنواع [منها (١) عطوة الدم وتسمى عطوة فورة الدم: وتكون في قضايا القتل والعرض ومدتها ثلاثة أيام وثلث وتسمى هذه الأيام المهربات المسربات. (٢) عطوة الاعتراف أو الإقرار: وتعني اعتراف المتهم بالجريمة وهو مستعد بأن يعطي ما يترتب عليه من حقوق وواجبات. (٣) عطوة حق وتعني عدم اعتراف المتهم بالجريمة، وفي هذه الحالة لا بد من التحكيم والتقاضي عند قاضٍ عشائريٍ، يثبت إدانته أو براءته التامة، وتسمى أيضاً عطوة تفتيش، أي العمل على التحري والتفتيش حول الشخص أو الأشخاص الذين تحوم حولهم الشبهات. (٤) عطوة الإقبال وتؤخذ عادة بعد صدور الحكم القضائي وسميت بهذا الاسم لإقبال الطرفين على الصلح، حيث تتم مراسم الصلح فيها. (٥) العطوة الناقصة وهي العطوة التي لا تشمل الجاني، ويكون الجاني في هذه الحالة مشمساً، أي مهدور الدم، ويكون ذلك بموافقة الطرفين المتخاصمينن وتكون هذه العطوة في حالة فرار الجاني من وجه العدالة. (٦) عطوة شرف بيضاء وتكون هذه العطوة متخصصة في قضايا العرض وحرمة البيت وتقطيع الوجه، أي إن مدار بحث العطوة يركز على الحفاظ على شرف الإنسان وكرامته، على أن عرضه لم يمس وشرفه مصون، لكن يجب الانتقام من الرجل الذي حاول أن يمس هذا الشرف أمام قضاة العشائر. - والمقصود بتقطيع الوجه هو الإخلال بالالتزام يعني حينما يكفل إنسان طرفاً من الإطراف، ويخل بهذا الالتزام يعتبر أنه قطع وجه الكفيل صاحب الوجه، وهي من أصعب وأبشع الجرائم لدى البدو- (٧) عطوة حوليه وهي العطوة التي تعطى لمدة حول كامل (أي سنة كاملة) وتجدد حولياً أي تلقائياً كل حول حتى يتم الصلح] . انظر التفصيل في: الموجز في القضاء العشائري ص ٤٤-٤٥، العرف العشائري بين الشريعة والقانون ص ٧٦. والمقصود من العطوة الهدنة بين المتخاصمين وتهدئة الخواطر ومنع حالات الثأر والانتقام والتخريب. وهذه المعاني مما يقرها الشرع، لأن فيها حفظاً للدماء والأموال، وحفظهما من مقاصد الشارع الحكيم، فإن من مقاصد الإسلام الحفاظ على النفس البشرية، فلا يجوز قتلها أو الاعتداء عليها بأي شكل من الأشكال، فالإسلام اعتبر النفس البشرية معصومة وحافظ عليها، وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة في المحافظة على النفس، قال الله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقال تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩. وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور. قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات - جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك - الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة وحرمتها. وأما حفظ المال فهو من مقاصد الشارع الحكيم أيضاً، ووردت نصوص كثيرة في المحافظة عليه، فمنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ سورة النساء الآية ٢٩. وقال الرسول ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه مسلم، وقال الرسول ﷺ : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري ومسلم. وقال الرسول ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس) رواه الحاكم وابن حبان وصححاه، وقال الرسول ﷺ : (لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس) رواه البيهقي بإسناد صحيح وغير ذلك من النصوص. إذا تقرر هذا فإنه لا مانع شرعاً من أخذ العطوة في الحالة التي ذكرها السائل، حتى تهدأ نفوس ذوي المقتول، ويتم التحقق من دور السائق في الحادث، لأن الضمان في حوادث السيارات فيه تفصيل عند أهل العلم، فقد يكون السائق متسبباً في الحادث فيضمن، وقد يكون الحادث قد وقع بدون تسبب من السائق ولا مباشرته فلا ضمان عليه، [قال الفقهاء: إذا كان الاصطدام بسبب قاهر أو مفاجئ كهبوب الريح أو العواصف فلا ضمان على أحد، وإذا كان الاصطدام بسبب تفريط أحد رباني السفينتين أو قائدي السيارتين كان الضمان عليه وحده، ومعيار التفريط – كما يقول ابن قدامة - أن يكون الربان – وكذلك القائد - قادراً على ضبط سفينته أو سيارته أو ردِّها عن الأخرى فلم يفعل، أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى فلم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الحبال والرجال وغيرها.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٨/٢٩٣. وقد بحث المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حوادث السيارات وما يترتب عليها، وقرر ما يلي: [الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كات في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار، سواء في البدن أم المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات الآتية: أ- إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان. ب– إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة. ج- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية ... رابعاً: إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحد منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفس أو مال. خامساً: أ- مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعدياً، وأما المتسبب فلا يضمن إلا إذا كان متعدياً أو مفرِطاً. ب – إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعدياً والمباشر غير متعدٍّ. ج – إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين المسؤولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد منهما فالتبعة عليهما على السواء، والله أعلم] مجلة المجمع الفقهي عدد ٨، جزء٢ ص ١٧١. وقد نص قرار المجمع الفقهي على أن السائق يعفى من المسؤولية في الحالات الآتية: أ - إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان. ب – إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة. ج - إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.]
стр. 947
٢ - تنفيذ العقوبات من اختصاص الحاكم
قول السائل: إن شخصاً قد قتل أخاه، وقد اعتقل القاتل، ثم أفرج عنه بعد مدة قصيرة لعدم كفاية الأدلة، فهل يجوز لنا شرعاً أن نقتل القاتل مع العلم أننا متأكدون من قتله لأخي، أفيدونا؟
الجواب: لا شك أن حرمة دم المسلم من أعظم الحرمات عند الله ، ولا شك أن قتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر، وقد وردت الأدلة الكثيرة من كتاب الله ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩.
وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قال قول الزور أو قال شهادة الزور، قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/٢٣٣. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء، وحكى ابن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها. قوله (سفك الدم) أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان، لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر به. قوله (بغير حله) في رواية أبي نعيم " بغير حقه " وهو موافق للفظ الآية، وهل الموقوف على ابن عمر منتزع من المرفوع فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحه أنه ورط نفسه فأهلكها] فتح الباري ١٢/٢٣٣-٢٣٤. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة.
إذا ثبت هذا فإن تنفيذ العقوبات كالقصاص والحدود من اختصاص الحاكم المسلم، وليس من اختصاص الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو غيرها من الجهات. قال الشيخ أبو إسحق الشيرازي: [لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام، لأنه لم يُقمْ حدٌ على حرٍ على عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، ولأنه حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمن في استيفائه الحيف فلم يجز بغير إذن الإمام] المهذب ٢٠/٣٤. وروى الإمام البيهقي بإسناده: [عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين يُنْتَهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون لا ينبغي لأحدٍ أن يقيم شيئاً من الحدود دون السلطان] سنن البيهقي ٨/٢٤٥. وقال الإمام النووي: [أما الأحكام فإنه متى وجب حد الزنا أو السرقة أو الشرب لم يجز استيفاؤه إلا بأمر الإمام، أو بأمر من فوض إليه الإمام النظر في الأمر بإقامة الحد، لأن الحدود في زمن النبي ﷺ ، وفي زمن الخلفاء الراشدين ﵃ لم تستوف إلا بإذنهم، ولأن استيفاءها للإمام] المجموع.
ومما يدل على أن تنفيذ العقوبات من اختصاص الدولة المسلمة مُمَثلةً بالإمام أو من يقوم مقامه، قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ سورة النور الآية ٢. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: [لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه] تفسير القرطبي ١٢/١٦١. وقال الإمام القرطبي أيضاً: [لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك، لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود.] تفسير القرطبي ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦. وقال الإمام القرطبي أيضاً: [اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض] تفسير القرطبي ٢/٢٥٦. وقال ابن رشد القرطبي: [وأما من يقيم هذا الحد – جلد السكران - فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود] بداية المجتهد ٢/٢٣٣. وقال البهوتي الحنبلي: [ (وإقامته) أي: الحد (للإمام ونائبه مطلقاً) أي: سواء كان الحد لله تعالى كحد زنا أو لآدمي كحد قذف، لأنه يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فيه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه. ولأنه ﷺ كان يقيم الحدود في حياته وكذا خلفاؤه من بعده ويقوم نائب الإمام فيه مقامه لقوله ﷺ : (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها) . وأمر برجم ماعز ولم يحضره، وقال في سارق أتي به اذهبوا به فاقطعوه] منتهى الإرادات. وقال الشيخ عبد القادر عوده تحت عنوان " من الذي يقيم الحدّ ": [من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه لأن الحدّ حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام ولأن الحدّ يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن في استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولي الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه وحضور الإمام ليس شرطاً في إقامة الحد لأن النبي ﷺ لم ير حضوره لازماً فقال: اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. وأمر ﵊ برجم ماعز ولم يحضر الرجم وأتي بسارق فقال: اذهبوا به فاقطعه. لكن إذن الإمام بإقامة الحدّ واجب، فما أقيم حدّ في عهد رسول الله ﷺ إلا بإذنه وما أقيم حدّ في عهد الخلفاء إلا بإذنهم] التشريع الجنائي الإسلامي ٢/٤٤٤. وجاء في الموسوعة الفقهية: [اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحدّ إلا الإمام أو نائبه وذلك لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهراً وجبراً كما أن تهمة الميل والمحاباة والتواني منتفية عن الإقامة في حقه فيقيهما على وجهه فيحصل الغرض المشروع بيقين، ولأن النبي ﷺ كان يقيم الحدود وكذا خلفاءه من بعده] ١٧/١٤٤-١٤٥.
وخلاصة الأمر أن القتل العمد جريمة من كبائر الذنوب، وأنه موجبٌ للقصاص كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية ١٧٨، وقد اتفق أهل العلم على أن من يتولى تنفيذ العقوبة هو الحاكم المسلم أو من ينيبه، ولا يجوز لأحد من الناس أن يتولى تنفيذ العقوبات بنفسه، لأن في ذلك فتحاً لأبواب الشرور والمفاسد الكثيرة، التي لا يعلم نتائجها إلا الله عز وجل
стр. 948
٣ - حكم من قتل في عماة
يقول السائل: وقعت مشاجرة كبيرة بين عدد كثير من الناس وبعد انتهاء الشجار عثر على جثة شخص مقتول، ولم يعرف قاتله، فماذا يترتب على ذلك، أفيدونا؟
الجواب: إن كثرة القتل والتساهل في دماء الناس من علامات الساعة الصغرى كما ورد في الحديث عن أبي وائل قال كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى ﵄ فقالا: قال رسول الله ﷺ : (إن بين يدي الساعة أياماً يُرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل) رواه البخاري ومسلم. والهرج: القتل والفتن واضطراب الأمور. وجاء في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال: القتل) رواه مسلم. ومع الأسف فإن الناس قد تساهلوا في أمر عظيم فصار الإنسان يُقتل لأتفه الأسباب، وصارت حرمة دم المسلم لا قيمة لها، مع أن حرمة دم المسلم من أعظم الحرمات عند الله ، وقتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر، وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣. وقوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩. وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم لله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يُصب دماً حراماً) رواه البخاري، ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/٢٣٣. وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) ، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء، وحكى ابن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء، والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها. قوله (سفك الدم) أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان، لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر به. قوله (بغير حله) في رواية أبي نعيم " بغير حقه " وهو موافق للفظ الآية، وهل الموقوف على ابن عمر منتزع من المرفوع فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحه أنه ورط نفسه فأهلكها] فتح الباري ١٢/٢٣٣-٢٣٤. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وقد ورد في النصوص أن حرمة دم المسلم مقدمة على حرمة الكعبة المشرفة، بل حرمة دم المسلم أعظم عند الله من زوال الدنيا فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٦. وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٢٩. وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٣٠. ونظر ابن عمر ﵁ يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي.
إذا تقرر هذا فإنه إذا وجد قتيلٌ بعد مشاجرة ولم يُعرف قاتلُه، أو كان هنالك شكٌ كبيرٌ في معرفة القاتل، فلا يجوز شرعاً اتهام شخص معين بالقتل، والحكم في هذه الحال هو ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من قُتل في عِمِّيَّة، أو رِمِّيَّة بحجر، أو سوطٍ، أو عصا فعقله عقل الخطأ. ومن قتل عمداً فهو قود. ومن حال بينه وبينه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني وغيرهم بإسناد قوي كما قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، وقال العلامة الألباني حديث صحيح كما في صحيح سنن النسائي حديث رقم ٤٤٥٦. وقوله (في عِمِّيَّة) بكسر العين وتشديد الميم والياء، وهي الأمر الذي لا يستبين وجهه. وقيل كناية عن جماعة مجتمعين على أمر مجهول لا يعرف أنه حق أو باطل. ونقل الدارقطني عن الإمام أحمد بن حنبل: العِمِّيَّا هو الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه. وقال إسحاق: هذا في تحارج القوم وقتل بعضهم بعضاً. فكأن أصله من التعمية وهو التلبيس. وقال ابن الأثير في تفسير اللفظين: المعنى أن يوجد بينهم قتيل يُعمَّى أمرُه، ولا يُتبين قاتلُه فحكمه حكم قتيل الخطأ تجب فيه الدية. النهاية في غريب الحديث ٣/٣٠٥. وروى الدارقطني عن طاووس قال في الرجل يصاب في الرِمِّيا - بكسر وتشديد وقصر، بوزن الهجيرى من الرمي، مصدر يراد به المبالغة - في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة، يودى ولا يُقتل به من أجل أنه لا يُدرى منْ قاتلُه. قال الإمام الصنعاني في شرح الحديث السابق: [ ... إنه دليل على أن من لم يُعرف قاتلُه، فإنها تجب فيه الدية وتكون على العاقلة وظاهره من غير أيمان قسامة، وقد اختلف في ذلك: فقالت الهادوية إن كان الحاضرون الذين وقع بينهم القتل منحصرين لزمت القسامة وجرى فيها حكمها من الأيمان والدية، وإن كانوا غير منحصرين لزمت الدية في بيت المال، وقال الخطابي: اختلف هل تجب الدية في بيت المال، أو لا؟ قال إسحاق بالوجوب، وتوجيهه من حيث المعنى أن مسلمٌ مات بفعل قوم من المسلمين، فوجبت ديته في بيت مال المسلمين، وذهب الحسن إلى أن ديته تجب على جميع من يحضر، وذلك لأنه مات بفعلهم، فلا تتعداهم إلى غيرهم، وقال مالك إنه يهدر؛ لأنه إذا لم يوجد قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وللشافعي قول إنه يقال لوليه ادع على من شئت واحلف، فإن حلف استحق الدية، وإن نكل حلف المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة، وذلك لأن الدم لا يجب إلا بالطلب، وإذا عرفت هذا الاختلاف وعدم المستند القوي في أي هذه الأقوال، وقد عرفت أن سند الحديث قوي كما قاله المصنف علمت أن القول به أولى الأقوال] سبل السلام ٥/٣٨٨. وما رجحه الإمام الصنعاني هو الراجح لقوة دليله، فمن وجد مقتولاً بعد مشاجرة ولا يعرف قاتله، ففيه دية قتل الخطأ وتقسم الدية على من حضر الشجار وعلى عواقلهم، ولا يجوز شرعاً تحميل شخص بعينه القتل ما دام أنه لم يثبت أنه قاتل، وأمر القاتل إلى الله كما ورد عن عمر بن عبد العزيز أنه كُتب إليه في رجلٍ وجد قتيلاً لم يُعرف قاتله فكتب إليهم أن من القضايا قضايا لا يُحكم فيها إلا في الدار الآخرة وهذا منها. المغني ١٠/٧.
وخلاصة الأمر أن حرمة المسلم حرمة عظيمة، و ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ سورة المائدة الآية ٣٢، وأن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة، وأن تساهل الناس في أيامنا هذه في القتل بغير حق من علامات الساعة الصغرى، وأن من وجد مقتولاً بعد مشاجرة ولا يُعرف قاتلُه، ففيه دية قتل الخطأ وتقسَّم الدية على من حضر الشجار وعلى عواقلهم، ولا يجوز شرعاً تحميل شخص بعينه القتل ما دام أنه لم يثبت أنه قاتل.
стр. 949
٤ - تعجيل العقوبة في الدنيا لبعض المعاصي والذنوب
يقول السائل: هلاّ وضحتم لنا مسألة تعجيل العقوبة للمذنب في الدنيا، أفيدونا؟
الجواب: اقتضت حكمة الله أن يعجل عقوبة بعض الذنوب في الدنيا، وقد يكون ذلك من باب الاعتبار والاتعاظ بما يصيب العصاة كما هو الحال في الظالمين وقاطعي الأرحام وحالفي الأيمان الكاذبة، وقد يكون تعجيل العقوبة من باب إرادة الخير بالمؤمن لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وتفصيل ذلك كما يلي: إن تعجيل العقوبة في الدنيا ثابت في مجموعة من الأحاديث، فمن ذلك ما ورد في تعجيل عقوبة المستهزئ بالسنة النبوية فقد ورد في الحديث عن سلمة بن الأكوع ﵁: أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال ﷺ : (كل بيمينك) قال: لا أستطيع. قال ﷺ : (لا استطعت) ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه- فمه -، أي شلت يده. رواه مسلم. فهذا الرجل لما أمره النبي ﷺ بالأكل بيمنه لم يعجبه ذلك تكبراً على سنة رسول الله ﷺ فدعا عليه فشلت يده.
ومن ذلك أيضاً ما ورد عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بينما رجل يتبختر يمشى في برديه قد أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) رواه مسلم.
ومن الذنوب التي قد يعجل الله عقوبتها في الدنيا الظلم والبغي وقطيعة الرحم فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس شيء أُطيعَ الله فيه، أعجل ثواباً من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) رواه البيهقي وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٧٠٦، وبلاقع، جمع بلقع وبلقعة، وهي الأرض القفر التي لا شجر فيها، ذكره الزبيدي ونقل عن بعض العلماء، أن معنى الحديث [أي يفتقر الحالف ويذهب ما في بيته من المال، أو يفرق الله شمله ويغيّر ما أولاه من نعمة] تاج العروس ١١/٣٠. وفي رواية أخرى: (إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، وإن أهل البيت ليكونون فجاراً، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم، إذا وصلوا أرحامهم، وإن أعجل المعصية، عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس يذهب المال ويثقل في الرحم، ويذر الديار بلاقع) رواه الطبراني في الأوسط وقال العلامة اللباني: إنه صحيح بمجموع طرقه وشواهده. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اليمين الفاجرة تذهب المال) رواه البزار بسند صحيح، كما قال ابن حجر الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٤٠٤. وجاء في الحديث أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
ومن الذنوب التي قد يعجل الله عقوبتها في الدنيا حلف اليمين الكاذب ليستحل دماء الناس وأموالهم، كما ثبت في صحيح البخاري في الحادثتين التاليتين: الأولى: روى الإمام البخاري بسنده، عن ابن عباس ﵄ قال: (إن أول قسامة كانت في الجاهلية، لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش، من فخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إبله فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل فأعطاه عقالاً، فشد به عروة جوالقه، فلما نزلوا، عقلت الإبل إلا بعيراً واحداً، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فحذفه بعصاً كان فيها أجله، فمر رجل به من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكتب، إذا أنت شهدت الموسم فناد يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فسل عن أبي طالب، فأخبره أن فلاناً قتلني في عقال، ومات المستأجَر، فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال مرض فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك فمكث حيناً، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه، وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا هذه قريش، قال يا بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: من أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة، أن فلاناً قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال له: إختر منا إحدى ثلاث، إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت، حلف خمسون من قومك، أنك لم تقتله، فإن أبيت، قتلناك به، فأتى قومه، فقالوا نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز أبني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلاً أن يحلفوا مكان مئة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران، هذان بعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون، فحلفوا، قال ابن عباس: فالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف) .
الثانية: روى الإمام البخاري بسنده عن أبي قلابة حديثاً طويلاً وفيه: (وقد كانت هذيل خلعوا خليعاً لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت من اليمن بالبطحاء، فانتبه له رجل منهم، فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل فأخذوا اليماني، فرفعوه إلى عمر بالموسم وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم منهم تسعة وأربعون رجلاً، وقدم رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم، فأدخلوا مكانه رجلاً آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقرنت يده بيده، قالوا فانطلقنا والخمسون الذين أقسموا حتى إذا كانوا بنخلة أخذتهم السماء -أي المطر- فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا، فماتوا جميعاً وأفلت القرينان وأتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول فعاش حولاً ثم مات) .
ومن الذنوب التي يخشى أن يعجل الله عقوبتها في الدنيا سب العلماء وأكل لحومهم كما قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله: [اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ] .
وأما كون تعجيل العقوبة في الدنيا من باب الخير للمؤمن فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة) رواه الترمذي وقال العلامة الألباني حسن صحيح. وهذا التعجيل رحمة بالمؤمن لأن عذاب الآخرة أشد وأبقى كما قال تعالى: ﴿ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ سورة طه الآية ١٢٧. وصح في الحديث أن رسول الله ﷺ قال للمتلاعنين: (إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) رواه البخاري ومسلم.
وأخيراً ينبغي التنبيه على أنه لا يجوز للمسلم أن يتمنى تعجيل العقوبة في الدنيا ولا يجوز له أن يدعو الله أن يعجل له عقوبة الذنوب في الدنيا قبل الآخرة بل ذلك من فعل الكفرة كما قال تعالى: ﴿وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب﴾ سورة ص الآية ١٦. وقال تعالى: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم﴾ سورة الأنفال الآية ٣٢. وصح في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت – أي ضعف - فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه) قال نعم كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ : (سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه - أفلا قلت اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قال فدعا الله له فشفاه.) رواه مسلم.
وخلاصة الأمر أن الله قد يعجل عقوبة بعض الذنوب كما في عقوبة الظالم فإن الله يمهل ولا يهمل وكما هو الحال في قاطع الرحم والعاق لوالديه وآكل حقوق الناس والمعتدي عليهم بيمينه الكاذب، وقد يكون تعجيل العقوبة في الدنيا رحمة بالمؤمنين لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، أجارنا الله وإياكم منه.
стр. 950
٥ - عقوبة الزاني بمحرم وكفارة ذلك
يقول السائل: إن الشيطان قد أغواه فوقع في الزنا مع خالته فما هي العقوبة الشرعية لهذه المعصية وما كفارة ذلك، أفيدونا؟
الجواب: الزنا بالمحارم من أفحش الزنا وأقبحه لما فيه من انتهاكٍ لحرمات الله، يقول الله : (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) سورة الإسراء الآية ٣٢. قال الشيخ ابن حجر المكي الهيتمي: [وأعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم.] الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٣٠١.
وقد نص أهل العلم على تفاوت إثم الزنا كما هو الحال فيمن يزني بزوجة جاره وكذا من يزني بإحدى محارمه، ويدل عليه ما ورد في الحديث عن المقداد بن الأسود ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرَّمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله ﷺ : لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. فقال ما تقولون في السرقة؟ قالوا حرَّمها الله ورسوله فهي حرام قال لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره.) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/١٦٨، وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ١/٩٦.
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: [يتفاوت إثم الزنا ويعظم جرمه بحسب موارده. فالزنا بذات المحرم أو بذات الزوج أعظم من الزنا بأجنبية أو من لا زوج لها, إذ فيه انتهاك حرمة الزوج, وإفساد فراشه, وتعليق نسب عليه لم يكن منه, وغير ذلك من أنواع أذاه. فهو أعظم إثماً وجرماً من الزنا بغير ذات البعل والأجنبية. فإن كان زوجها جاراً انضم له سوء الجوار. وإيذاء الجار بأعلى أنواع الأذى, وذلك من أعظم البوائق, فلو كان الجار أخاً أو قريباً من أقاربه انضم له قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) . ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأة الجار. فإن كان الجار غائباً في طاعة الله كالعبادة, وطلب العلم, والجهاد, تضاعف الإثم، حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة, فيأخذ من عمله ما شاء. قال رسول الله ﷺ : (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم, وما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله يخونه فيهم, إلا وُقِفَ له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟) - رواه مسلم - أي: ما ظنكم أن يترك له من حسناته؟ قد حكم في أنه يأخذ ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة, فإن اتفق أن تكون المرأة رحماً له انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها, فإن اتفق أن يكون الزاني محصناً كان الإثم أعظم, فإن كان شيخاً كان أعظم إثماً وعقوبةً, فإن اقترن بذلك أن يكون في شهر حرام, أو بلد حرام, أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلوات وأوقات الإجابة تضاعف الإثم.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٤/٢٠. وقد وردت عدة أحاديث في الزنا بالمحارم منها: عن البراء بن عازب ﵁ قال: (بينما أنا أطوف على إبل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معهم لواء فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من النبي ﷺ إذ أتوا قبة فاستخرجوا منها رجلاً فضربوا عنقه فسألت عنه فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه) رواه أبو داود في باب الرجل يزني بحريمه، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ١٢١/٨. وفي صحيح سنن أبي داود ٣/٨٤٤. وفي رواية أخرى عن البراء ﵁ قال: (لقيت عمي ومعه راية فقلت له أين تريد قال بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله) رواه أبو داود، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ١٨/٨. وفي صحيح سنن أبي داود ٣/٨٤٤. وجاء في رواية ثالثة عن البراء ﵁ قال: (مر بي خالي ... وقد عقد له النبي ﷺ لواءً فقلت له أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه) رواه أحمد وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل ٨/٢٠. وفي صحيح سنن ابن ماجة ٢/٩٠. وروي في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم، وقال: صحيح ولم يخرجاه. ولكن الحديث ضعيف عند المحققين من المحدثين، انظر إرواء الغليل ٨/٢٢-٢٣.
وقد أخذ بمقتضى هذه الأحاديث جماعة من أهل العمل فقالوا بقتل من زنى بإحدى محارمه، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [اختلف في الحد فروي عن أحمد أنه يقتل على كل حال، وبهذا قال جابر بن زيد واسحاق وأبو أيوب وابن خيثمة وروى إسماعيل بن سعيد عن أحمد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال: يقتل ويؤخذ ماله إلى بيت المال] المغني ٩/٥٦.
وجمهور الفقهاء على أن الزاني بإحدى محارمه كالزاني بأجنبية، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [والرواية الثانية: حده حد الزاني وبه قال الحسن ومالك والشافعي لعموم الآية والخبر] المغني٩/٥٦.
والقول الأول أرجح من حيث الدليل قال الشيخ ابن قدامة المقدسي بعد أن ذكر الأحاديث السابقة: [وهذه الأحاديث أخص مما ورد في الزنا فتُقدم] المغني ٩/٥٦. وقال العلامة ابن القيم [فصلٌ في حكمه ﷺ فيمن تزوج امرأة أبيه
روى الإمام أحمد والنسائي وغيرهما: عن البراء ﵁ قال لقيت خالي أبا بردة ومعه الراية فقال أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله وذكر ابن أبي خيثمة في " تاريخه " من حديث معاوية بن قرة عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه إلى رجل أعرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح. وفي " سنن ابن ماجه " من حديث ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ من وقع على ذات محرم فاقتلوه وذكر الجوزجاني أنه رفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها فقال احبسوه وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألوا عبد الله بن أبي مطرف ﵁ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من تخطى حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف، وقد نص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال يقتل ويدخل ماله في بيت المال. وهذا القول هو الصحيح وهو مقتضى حكم رسول الله ﷺ ، وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: حده حد الزاني ثم قال أبو حنيفة إن وطئها بعقد عزر ولا حد عليه وحكم رسول الله ﷺ وقضاؤه أحق وأولى.] زاد المعاد٥/١٤-١٦. وقد اختار هذا القول العلامة الشيخ محمد العثيمين كما في الشرح الممتع ١١/١٢١، ورجحه أيضاً الدكتور عبد الكريم زيدان كما في المفصل في أحكام المرأة ٥/١٣٤.
إذا تقرر هذا فإن تطبيق العقوبات الشرعية من حق الإمام والدولة المسلمة، وقد غاب في زماننا تطبيق الحدود، فإن الواجب على من زنى بإحدى محارمه أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة يقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ سورة التحريم الآية ٨. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ سورة الفرقان الآيات ٦٨-٧٠. وقال الله تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ سورة الزمر الآيتان ٥٣ - ٥٤.
وخلاصة الأمر أن الزنا بالمحارم من كبائر الذنوب وهو من أقبح الزنا على الإطلاق، وعقوبة من يفعل ذلك القتل مطلقاً سواء أكان محصناً أو غير محصن، ونظراً لعدم تطبيق الحدود حالياً فالواجب على من وقع في ذلك أن يستتر وعليه التوبة الصادقة بشروطها، وهذه هي كفارة ذنبه الفظيع.
стр. 951
٦ - الصلح على أكثر من الدية في القتل العمد
يقول السائل: قُتل رجلٌ ظلماً وعدواناً وكما تعلمون أن القصاص معطل في وقتنا الحاضر فتصالح أهل المقتول مع جماعة القاتل على دفع أكثر من الدية المقررة شرعاً فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟
الجواب: لا شك أن حرمة دم المسلم من أعظم الحرمات عند الله وقتل النفس المعصومة عمداً من أكبر الكبائر وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ?وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا? سورة الإسراء الآية ٣٣. وقوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا? سورة النساء الآية ٩٣. وقال تعالى: ?وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا? سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩. وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها ل تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/٢٣٣. ٢٣٤. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٦. وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٢٩.
وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٣٠.
إذا تقرر هذا فقد اتفق أهل العلم على وجوب القصاص في حق القاتل عمداً لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ سورة البقرة الآية ١٧٨. وجمهور الفقهاء يرون جواز قبول الدية بعد إسقاط حق أولياء القتيل في القصاص وهذا قول الحنابلة وبعض الشافعية وهو رواية عن الإمام مالك وبه قال أهل الظاهر وروي عن جماعة من فقهاء التابعين كسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعطاء ومجاهد، وهذا أرجح أقوال الفقهاء في المسألة ويدل عليه قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ سورة البقرة، الآية ١٧٨. روى الإمام البخاري عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ قال: فالعفو أن يقبل الدية في العمد] صحيح البخاري مع الفتح ٨/٢٢١. ويدل على ذلك قوله ﷺ : (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودي وإما أن يقاد) رواه البخاري ومسلم.
وبناءً على ما سبق فإنه يجوز لأولياء القتيل أن يصلحوا على أكثر من الدية على الراجح من قولي العلماء في المسألة وهو قول جمهور الفقهاء، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [إن من له القصاص له أن يصالح عنه بأكثر من الدية وبقدرها وأقل منها ,، لا أعلم فيه خلافاً] المغني ٨/٣٦٣.
ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿ ... فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ سورة البقرة، الآية ١٧٨.
وورد في الحديث عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً- وهو من يجمع أموال الزكاة - فلاجَّه رجل في صدقته فضربه أبو جهم فشجه فأتوا النبي ﷺ فقالوا: القود يا رسول الله فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا فقال: لكم كذا وكذا فرضوا فقال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم قالوا: نعم فخطب فقال إن هؤلاء الذين أتوني يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا أفرضيتم قالوا: لا فهم المهاجرون بهم فأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا عنهم فكفوا ثم دعاهم فزادهم فقال: أفرضيتم قالوا: نعم قال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم قالوا: نعم فخطب فقال: أرضيتم فقالوا: نعم) . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني كما في صحيح سنن النسائي ٣/٩٩٠. قال صاحب عون المعبود: [وفي هذا الحديث من الفقه ... وجواز إرضاء المشجوج بأكثر من الدية في الدية إذا طلب المشجوج القصاص] ١٢/١٧٢. ومما يدل على جواز الصلح على أكثر من الدية ما ورد في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ (من قتل عمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة وأربعين خلفة- أي حاملة - وما صولحوا عليه فهو لهم وذلك لتشديد القتل) رواه الترمذي وحسنه ورواه ابن ماجة أيضاً وحسنه العلامة الألباني كما في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٤.
فهذا الحديث يدل على جواز الصلح في الدماء بأكثر من الدية كما قال الشوكاني في نيل الأوطار ٥/٢٩٢.
وقال الشيخ محمد الشنقيطي [وإن حصل صلح فيجوز أن يصالح على أكثر من الدية وفي هذا قصة هدبة المعروفة أنه قتل رجلاً وكان الرجل المقتول أولياؤه يتامى قاصرون منهم ابن المقتول فانتظر حتى بلغ الإبن حبس هدبة ووقعت الحادثة في زمان معاوية ﵁ فحبس فشفع سعيد بن العاص، وكذلك الحسن والحسين ﵃ شفعوا من أجل أن يسامح ولي المقتول وبذلوا لابن القتيل سبع ديات حتى يسامح وامتنع إلا القتل فقتل به، والشاهد في كون الصحابة بذلوا أكثر من الدية فاجتمع طبعاً دليل السُّنة ودليل الأثر عن الصحابة، وعلى هذا جمهور العلماء ﵏ على أنه يجوز في الصلح عن الديات بأكثر من الدية] عن الإنترنت وقد ذكر الحادثة الشيخ ابن قدامة المقدسي في المغني ٨/٣٦٣.
وخلاصة الأمر أنه يجوز تصالح أولياء المقتول مع جماعة القاتل عمداً على أكثر من الدية، وأرى أنه ينبغي التشديد مالياً على القاتل عمداً في زماننا هذا، نظراً لتعطل القصاص لعل ذلك يكون رادعاً للناس عن القتل عمداً.
стр. 952
٧ - حكم اليمين والخمسة المعمول بها في القضاء العشائري
يقول السائل: ما قولكم فيما يسمى باليمين والخمسة في القضاء العشائري، وهل هو معتبر في شريعتنا الإسلامية، أفيدونا؟
الجواب: ما يعرف بالقضاء العشائري هو في الحقيقة قضاء بالعرف وهو كما يقول المهتمون به: [مجموعةٌ من القوانين والأعراف المتداولة والمتعارف عليها، والتي تحوي خلاصة تجارب السنين، وما مرَّ به المجتمع البدوي من أمور ومشاكل، تكرَّر حدوثها حتى وجد الناس لها حلولاً رضوا عنها، وصاروا يتعاملون بها حتى ثبتت وأصبحت دستوراً يتعامل به الناس ويسيرون وفق نظامه وتعاليمه. وهذا القانون قابل للتعديل والإضافة، ليتماشى مع كلّ عصر وفق بيئته وظروفه.] عن شبكة الإنترنت.
ولا شك أن للعرف العشائري جوانب إيجابية في المجتمع، حيث يلجأ الناس لرجال العشائر في الحوادث وخاصة حوادث القتل ولهم دور خاص في تهدئة النفوس عند حصول حوادث القتل بأخذ ما يعرف بالعطوة، ولكن هنالك أموراً كثيرة في الأعراف العشائرية مخالفة لشرع الله يحرم الحكم بها.
وأما اليمين بخمسة ويسمى أيضا يمين دين بخمسة وهو عادة وعرف عشائري يلجأ إليه في حال عدم توفير الأدلة التي تدين المتهم، ويطلب من الشخص المتهم وخمسة من حمولته أن يزكوا يمينه بأنه صادق فيما حلف، ويؤخذ يمين دين بخمسة في قضايا العرض وقضايا الدم وقضايا الأرض وفي المعاملات التي تزيد قيمتها عن ألف دينار (ثمن بعير) . [ويقول قضاة العشائر: اليمين بخمسة إما في الرقبة أو في المال الذي يعدل الرقبة والعرض والأرض وكل تهمة قد تصل إلى حدود ذلك فيحق للمدعي أن يطالب بهذه اليمين، ويقوم المدعي باختيار خمسة أشخاص ثقات من أهل الدين من عصبة المتهم نفسه فيأتون عند القاضي العشائري فيقرأ القاضي صيغة القسم على مسمعهم وصيغته: " والله العظيم الذي ما أعظم منه عظيم إني بريء فيما اتهمت فيه، وأني لا بآلي ولا بأعلم – أي ليس عندي علم ولا دراية - ولا لي هبّة ولا سبّة " – الهبة والسبة: أني لم أحرض أحداً ولم أتسبب في شيء مما جرى - ثم يقوم الأربعة بالتتالي فيقول كل واحد منهم: وأنا أشهد بالله العظيم أنه صادق فيما قال. فإذا حلف المتهم وزكى له الأربعة فعندها تنتهي القضية بالنسبة للمتهم أما إذا تراجع واحد منهم عن اليمين أو رفض الحلف أصلاً فيكون المته قد وقع في الحرج وخسر القضية] القضاء العشائري في بئر السبع ص ١٢٧ بتصرف. ويجب أن يعلم أولاً أن العرف له اعتبار في الشرع كما هو مذهب كثير من العلماء، قال العلامة ابن عابدين الحنفي في منظومته:
والعرف له اعتبار فلذا الحكم عليه قد يدار
انظر نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف في الجزء الثاني من رسائل العلامة ابن عابدين ص١١٢.
ولكن لا يعتبر العُرف في الشرع إلا بشروط هي: الشرط الأول: أن يكون العرف عاماً أو غالباً.
الشرط الثاني: أن يكون العرف مطرداً أو أكثرياً.
الشرط الثالث: أن يكون العرف موجوداً عند إنشاء التصرف.
الشرط الرابع: أن يكون العرف ملزماً؛ أي: يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس.
الشرط الخامس: أن يكون العرف غير مخالف لدليل معتمد.
الشرط السادس: أن يكون العرف غير معارض بعُرف آخر في نفس البلد.
فإذا توفرت هذه الشروط فإن العرف حجة ... ] الجامع في أصول الفقه
إذا تقرر هذا فإن اليمين والخمسة وسيلة محرمة في شرعنا ولا يجوز التعامل معها لمخالفتها أدلة الشرع المعتبرة بشكل عام، وليست من طرق الإثبات المعتبرة في القضاء الشرعي لما يلي:
أولاً: من المعلوم عند العلماء أنه إذا تعذر على المدعي تقديم بينة بدعواه فإن اليمين تتوجه للمدعى عليه لما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال أموال قوم ودمائهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) رواه البيهقي وأصله في الصحيحين وهو حديث حسن. والذي يطالب بالحلف هو الشخص المدعى عليه ولا يجوز لأحد أن يحلف نيابة عنه، ولا تزر وازرة وزر أخرى. ويدل على ذلك أيضا ما ورد في الحديث عن ابن عباس ﵄ (أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فسأل النبي ﷺ الطالب، البينة فلم تكن له بينة فاستحلف المطلوب فحلف بالله الذي لا إله إلا هو فقال رسول الله ﷺ بلى قد فعلت ولكن قد غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله) رواه أحمد وأبو داود، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٣١.
ثانياً: إذا نكل واحد من الخمسة عن اليمين لأي سبب من الأسباب فإن التهمة تثبت على المدعى عليه، وهذا ظلم واضح وإدانة للمتهم بدون حجة ولا برهان.
ثالثاً: إذا حلف الخمسة وهم لم يحضروا الحادثة فشهادتهم شهادة زور وهي من كبائر الذنوب، قال الله تعالى ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ سورة الحج الآية ٣٠. وقد ثبت في الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور أو قول الزور، وكان رسول الله متكئاً فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا يا ليته سكت) رواه البخاري ومسلم.
وخلاصة الأمر أن اليمين والخمسة المستعملة في الإثبات في الأعراف العشائرية وسيلة باطلة شرعاً، ويحرم استخدامها ويمكن تعديلها فيحلف الخمسة أنهم مثلاً ما علموا على المتهم أنه قام بما اتهم به ونحو ذلك.
стр. 953
٨ - عاقلة المرأة
يقول السائل: دهست امرأة شخصاً عن طريق الخطأ فمات وألزمت المرأة بالدية فهل زوج المرأة ملزم بتحمل الدية، أفيدونا؟
الجواب: اتفق أهل العلم على أن موجب القتل الخطأ أمران: أولهما الدية والثاني الكفارة ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٢. والدية الشرعية تقدر بألف دينار ذهبي وتساوي في أيامنا هذه أربعة آلاف ومئتان وخمسون غراماً من الذهب عيار ٢٤ قيراطاً، وأما الكفارة فهي صيام شهرين متتابعين نظراً لفقدان الرقاب في أيامنا هذه، حيث إن كفارة القتل على الترتيب وليست على التخيير.
واتفق العلماء على أن الدية في القتل الخطأ تكون على عاقلة القاتل، وأصل ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى أن دية المرأة على عاقلتها) رواه البخاري، وفي رواية عند مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم فقال حمل بن النابغة الهذلي يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل فقال رسول الله ﷺ : إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع) . والعاقلة هم العصبة، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [العاقلة: من يحمل العقل. والعقل: الدية، تسمى عقلاً؛ لأنها تعقل لسان ولي المقتول. وقيل: إنما سميت العاقلة، لأنهم يمنعون عن القاتل ... ولا خلاف بين أهل العل في أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من الأم، وسائر ذوي الأرحام، والزوج، وكل من عدا العصبات، ليس هم من العاقلة] المغني ٨/٣٩٠.
ويدخل في العاقلة أب القاتل وجده لأبيه وأبناؤه، وإخوته وأبناؤهم، وعمومته وأبناؤهم، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، انظر المغني ٨/٣٩٠- ٣٩١. وبما أن المرأة المذكورة في السؤال قد قتلت المدهوس خطأً، فالدية على عاقلتها، وقد ورد في إحدى روايات حديث أبي هريرة ﵁ السابق قال (قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى لها بالغرة توفيت فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها) رواه البخاري. ولا يدخل في العصبة زوج المرأة ولا ابنها إلا إذا كانا من عصبتها كالمرأة المتزوجة من ابن عمها فزوجها وأولادها حينئذ من عصبتها، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... قال ابن بطال: يريد أن ولد المرأة إذا لم يكن من عصبتها لا يعقل عنها لأن العقل على العصبة دون ذوي الأرحام ولذلك لا يعقل الإخوة من الأم، قال: ومقتضى الخبر أن من يرثها لا يعقل عنها إذا لم يكن من عصبتها، وهو متفق عليه بين العلماء كما قاله ابن المنذر] فتح الباري ١٢/٣١٥. [وتقسم الدية على الأقرب فالأقرب، فتقسم على الإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم، ثم أعمام الأب وبنيهم، ثم أعمام الجد وبنيهم] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٩/٢٢٢.
ويجب أن يعلم أن دية القتل الخطأ تؤدى مقسطة على ثلاث سنوات، قال الإمام الترمذي [وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين في كل سنة ثلث] ، قال المباركفوري في شرحه: [قوله: (وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلات سنين) روى ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال: أول من فرض العطاء عمر وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين، ثلثا الدية في سنتين، والنصف في سنتين، والثلث في سنة، وما دون ذلك في عامه. وأخرجه عبد الرزاق من طريق عن عمر كذا في الدراية. ولفظ عبد الرزاق في طريق أن عمر بن الخطاب جعل الدية الكاملة في ثلاث سنين، وجعل نصف الدية في سنتين، وما دون النصف في سنة. ولفظه في طريق أخرى: إن عمر جعل الدية في الأعطية في ثلات سنين، والنصف والثلثين في سنتين، والثلث في سنة، وما دون الثلث فهو في عامه، ولفظه في رواية أخرى وقضى بالدية في ثلاث سنين وفي كل سنة ثلث على أهل الديوان في أعطياتهم. وقضى بالثلثين في سنتين، وثلاث في سنة وما كان أقل من الثلث فهو في عامه ذلك.] تحفة الأحوذي ٨/٥٣٦. وذكر الشيخ ابن قدامة المقدسي أنه لا خلاف بين العلماء في أن الدية مؤجلة في ثلاث سنين. فإن عمر وعلياً ﵄ جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولا يعرف لهما في الصحابة مخالف. انظر المغني ٨/٣٧٥.
ولا بد من التنبيه إلى أنه إذا أخذت الدية من شركات التأمين فلا يجوز أخذها من العاقلة. وقد بحث مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي موضوع العاقلة وتطبيقاتها المعاصرة في تحمل الدية وذلك في دورته السادسة عشرة بدولة الإمارات العربية المتحدة في شهر صفر ١٤٢٦هـ الموافق نيسان٢٠٠٥م، وبعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت، قرر ما يأتي: أولاً: تعريف العاقلة: هي الجهة التي تتحمل دفع الدية عن الجاني في غير القتل العمد دون أن يكون لها حق الرجوع على الجاني بما أدته. وهي العصبة في أصل تشريعها، وأهل ديوانه الذين بينهم النصرة والتضامن. ثانياً: ما لا تتحمله العاقلة: العاقلة لا تتحمل ما وجب من الديات عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً. ثالثاً: التطبيقات المعاصرة: عند عدم وجود العشيرة أو العصبة التي تتحمل الدية، فإنه يجوز أن ينوب عنها عند الحاجة، بناءً على أن الأساس للعاقلة هو التناصر والتضامن، ما يلي: (أ) التأمين الإسلامي (التعاوني أو التكافلي) الذي ينص نظامه على تحمل الديات بين المستأمنين. (ب) النقابات والاتحادات التي تقام بين أصحاب المهنة الواحدة، وذلك إذا تضمن نظامها الأساسي تحقيق التعاون في تحمل المغارم. (ج) الصناديق الخاصة التي يكونها العاملون بالجهات الحكومية والعامة والخاصة لتحقيق التكافل والتعاون بينهم. رابعاً: التوصيات: • يوصي مجمع الفقه الإسلامي مختلف الحكومات والدول الإسلامية بأن تضع في تشريعاتها نصوصاً تضمن عدم ضياع الديات، لأنه لا يُطَلَّ (لا يُهدر) دم في الإسلام. • على الجهات ذات العلاقة العمل على إشاعة روح التعاون والتكافل في مختلف أفراد الجماعة والتجمعات التي تربط بيني أعضائها رابطة اجتماعية. ويتحقق ذلك بالآتي: - (أ) تضمين اللوائح والتنظيمات المختلفة مبدأ تحمل الديات. (ب) قيام شركات التأمين الإسلامية في مختلف دول العالم الإسلامي بعمل وثائق تشمل تغطية الحوادث ودفع الديات بشروط ميسرة وأقساط مناسبة. (ج) مبادرة الدول الإسلامية إلى تضمين بيت المال (الخزانة العامة) مهمة تغطية الديات عند فقد العاقلة، وذلك لتحقيق الأغراض الاجتماعية التي تناط ببيت المال – ومنها تحمل الديات – بالإضافة إلى دوره الاقتصادي. (د) دعوة الأقليات الإسلامية في مختلف مناطق العالم إلى إقامة تنظيمات تحقق التعاون والتكافل الاجتماعي فيما بينهم، والنص صراحة على تغطية تعويضات حوادث القتل وفقاً للنظام الشرعي. (هـ) توجيه رسائل إلى الحكومات والهيئات والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية لتفعيل أعمال البر والإحسان، ومنها الزكاة والوقف والوصايا والتبرعات كي تسهم في تحمل الديات الناتجة عن القتل الخطأ.] وخلاصة الأمر أن على المرأة المذكورة في السؤال صيام شهرين متتابعين وذلك كفارة القتل الخطأ الذي وقع منها، وتلزم الدية عاقلتها وهم عصبتها كما وضحت سابقاً.
стр. 954
٩ - دية المرأة الحامل
يقول السائل: توفيت امرأة في حادث سير وكانت حاملاً في الشهر السادس وكان الخطأ من السائق حسب تقرير شرطة السير، فما هي الدية اللازمة شرعاً في هذه الحالة أفيدونا؟
الجواب: إذا كان حادث السير المذكور في السؤال قد وقع بسبب خطأ السائق فإن الواجب في ذلك شرعاً ديتان دية بسبب وفاة المرأة ودية لوفاة جنينها يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ سورة النساء الآية ٩٢.
وبما أن السائق قد قتل المرأة وجنينها خطأً فيلزمه أيضاً دية الجنين وهي المعروفة عند الفقهاء بالغرة وهي: اسم للضمان المالي الذي يجب بالجناية على الجنين، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁: (أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرح جنينها فقضى فيه النبي ﷺ بغرة عبدٍ أو أمةٍ) رواه البخاري ومسلم.
وعن عمر ﵁ أنه استثارهم - أي الصحابة - في إملاص المرأة فقال المغيرة ﵁: (قضى النبي ﷺ بالغرة عبد أو أمة فشهد محمد بن مسلمة ﵁ أنه شهد النبي ﷺ قضى به) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبدٍ أو وليدةٍ وقضى بدية المرأة على عاقلتها) رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من الأحاديث. قال الحافظ ابن حجر: [والغرة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس ... وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدمياً كان أو غيره] فتح الباري ١٥/٢٧٣. أي أن الواجب في قتل الجنين عبد أو أمة ولما كان لا يوجد في زماننا هذا رقيق فإن قيمة ذلك عشر دية المرأة أي خمس من الإبل.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [ ... في جنين الحرة المسلمة غرة. وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب ﵁ وعطاء، والشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقد روي عن عمر ﵁ أنه استشار الناس في إملاص – سقوط الجنين بسبب ضرب أمه - المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبدٍ أو أمةٍ. قال: لتأتين بمن يشهد معك. فشهد له محمد بن مسلمة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم) . متفق عليه] المغني ٨/٤٠٤.
إذا تقرر لزوم ديتين في هذه الحادثة فإن دية المرأة على النصف من دية الرجل عند جماهير أهل العلم والقول بخلاف ذلك قول شاذ لايعول عليه ولا يلتفت إليه، قال الحافظ ابن عبد البر: [أجمعوا على أن دية المرأة نصف دية الرجل] الاستذكار ٢٥/٦٣. وقال الإمام القرطبي: [وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر -: إنما صارت ديتها والله أعلم على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل وشهادة امرأتين بشهادة رجل وهذا إنما هو في دية الخطأ وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ... الخ] تفسير القرطبي ٥/٣٢٥.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي معلقاً على قول الخرقي: [ودية الحرة المسلمة نصف دية الحر المسلم. قال ابن المنذر وابن عبد البر أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل] المغني ٨/٤٠٢. وهذا قول الأئمة الأربعة وأتباعهم وعلماء السلف والخلف ونقل عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ﵃ ولا يعرف لهم مخالف فصار إجماعاً، الحاوي الكبير ١٢/٢٨٩.
وقد شذّ الأصم وابن علية فقالا دية المرأة كدية الرجل وتابعهما على ذلك بعض المعاصرين كالمالكي في نظام العقوبات ص ١٢١، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في بحث له بعنوان (دية المرأة في الشريعة الإسلامية) انظر موقع القرضاوي على شبكة الإنترنت، وقولهما مخالف لما استقر عليه عمل علماء الأمة على مر العصور والأيام.
ومما يدل على قول جماهير أهل العلم ما رواه الشافعي وغيره عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قوَّم دية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم فإذا كان الذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل] رواه الشافعي في الأم ٦/٩١-٩٢ والبيهقي في السنن ٨/٩٥.
وقد ذكر عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عدة روايات عن الصحابة تفيد أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، انظر مصنف عبد الرزاق ٩/٣٩٣-٣٩٧، مصنف ابن أبي شيبة ٩/٢٩٩-٣٠٢، سنن البيهقي ٨/٩٥-٩٦.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن شريح القاضي عن عمر ﵁ قال: [ ... دية المرأة على النصف من دية الرجل] مصنف ابن أبي شيبة ٩/٣٠٠، وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح. إرواء الغليل ٧/٣٠٧.
وقد رويت بعض الأحاديث عن النبي ﷺ في ذلك ولكنها غير ثابتة ولكن ثبوت تنصيف دية المرأة عن عدد من الصحابة ونقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك يكفي في إثبات هذا الحكم لأن مثل هذا الأمر لا يعرف إلا توقيفاً لأنه من المقدرات التي لا مجال للعقل فيها فيكون له حكم الرفع إلى النبي ﷺ وخاصة أن عدداً كبيراً من الفقهاء والأئمة قالوا بذلك كسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري وعطاء ومكحول والليث وابن شبرمة وهو قول الأئمة الأربعة كما سبق. انظر فقه عمر في الجنايات ٢/٤٧٤، فتح باب العناية ٣/٣٤٨. وتقدر الدية في بلادنا بالذهب فالدية الكاملة وهي دية الرجل ٤٢٥٠ غرام ذهب ونصفها دية المرأة أي ٢١٢٥ غرام ذهب ودية الجنين عشر ذلك أي ٢١٢,٥ غرام ذهب. كما ويلزم السائق المذكور في السؤال كفارة القتل الخطأ وهي الواردة في قوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٩٢. وبما أنه يتعذر في زماننا عتق رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين. كما يجب عليه أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة. وتجب الديتان المذكورتان في الجواب على عاقلة السائق لما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضي بدية المرأة على عاقلتها) رواه البخاري ومسلم.
وخلاصة الأمر أنه يلزم السائق المذكور ديتان دية لقتل المرأة خطاً ودية لقتل الجنين أيضأ كما ويلزمه صيام شهرين متتابعين كفارة القتل الخطأ.
стр. 955
١٠ - موت الرضيع بسبب أمه
يقول السائل: امرأة أرضعت طفلها ونامت أثناء الرضاعة وفي الصباح تبين أن الطفل قد مات مختنقاً بالغطاء حيث وجد على وجهه فماذا يلزم المرأة أفيدونا؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن جمهور الفقهاء قد قسموا القتل إلى ثلاثة أقسام وهي: العمد وشبه العمد والخطأ
ومنهم من جعله على أربعة أقسام: وهي العمد وشبه العمد والخطأ وما أجري مجرى الخطأ كفقهاء الحنفية وبعض الحنابلة
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في شرح قول الخرقي [والقتل على ثلاثة أوجه عمد وشبه العمد وخطأ]
قال [أكثر أهل العلم يرون القتل منقسماً إلى هذه الأقسام الثلاثة , روي ذلك عن عمر وعلي وبه قال الشعبي والنخعي , وقتادة وحماد وأهل العراق , والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وأنكر مالك شبه العمد , وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا وجعله من قسم العمد وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص , أن رسول الله ﷺ قال: (ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل , منها أربعون في بطونها أولادها) رواه أبو داود وفي لفظ: " قتيل خطإ العمد " وهذا نص يقدم على ما ذكره
وقسمه أبو الخطاب أربعة أقسام فزاد قسماً رابعاً وهو ما أجري مجرى الخطأ , نحو أن ينقلب نائم على شخص فيقتله أو يقع عليه من علو والقتل بالسبب , كحفر البئر ونصب السكين وقتل غير المكلف أجري مجرى الخطأ وإن كان عمداً
وهذه الصورة التي ذكرها عند الأكثرين من قسم الخطأ , فإن صاحبها لم يعمد الفعل أو عمده وليس هو من أهل القصد الصحيح فسموه خطأ , فأعطوه حكمه وقد صرح الخرقي بذلك فقال في الصبى والمجنون: عمدهما خطأ.] المغني ٨/٢٦٠.
إذا تقرر هذا فإن كان موت الطفل بسبب تقصير من أمه حيث إنها نامت أثناء إرضاع الولد ولم تضعه في محل نومه المعتاد مما أدى إلى وفاته مختنقاً بالغطاء فتعتبر هذه المرأة متسببة في قتل طفلها ويجري هذا القتل مجرى القتل الخطأ فتلزمها الدية والكفارة قال الكاساني الحنفي [وأما القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ فنوعان: نوع في معناه من كل وجه، وهو أن يكون على طريق المباشرة، ونوع هو في معناه من وجه، وهو أن يكون من طريق التسبب، أما الأول: فنحو النائم ينقلب على إنسان فيقتله فهذا القتل في معنى القتل الخطأ من كل وجه لوجوده لا عن قصد؛ لأنه مات بثقله فترتب عليه أحكامه من وجوب الكفارة والدية وحرمان الميراث والوصية؛ لأنه إذا كان في معناه من كل وجه كان ورود الشرع بهذه الأحكام هناك وروداً ههنا دلالة ... أما وجوب الدية فلوجود معنى الخطأ، وهو عدم القصد وأما وجوب الكفارة وحرمان الميراث والوصية فلوجود القتل مباشرة؛ لأنه مات بثقله ... ] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٦/ ٣٣٠.
وقال الشيخ ابن حزم الظاهري: [مسألة: في امرأة نامت بقرب ابنها أو غيره فوجد ميتاً، قال علي- أي ابن حزم - أخبرنا ... عن إبراهيم النخعي في امرأة شربت دواء فألقت ولدها قال: تكفر. وقال في امرأة أنامت صبيها إلى جنبها فطرحت عليه ثوباً فأصبحت وقد مات؟ قال: أحب إلينا أن تكفر. حدثنا ... عن إبراهيم أنه قال في امرأة غطت وجه صبي لها فمات في نومه؟ فقال: تعتق رقبة. قال أبو محمد - أي ابن حزم -: إن مات من فعلها مثل - أن تجر اللحاف على وجهه ثم ينام فينقلب فيموت غماً، أو وقع ذراعها على فمه، أو وقع ثديها على فمه، أو رقدت عليه - وهي لا تشعر - فلا شك أنها قاتلته خطأً فعليها الكفارة، وعلى عاقلتها الدية، أو على بيت المال ... ] المحلى ١١/١١٥-١١٦.
وبناءً على ما سبق يلزم هذه المرأة أحكام القتل الخطأ وهي: أولاً: وجوب الدية لقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ سورة النساء الآية ٩٢.
وتدفع الدية لورثة الطفل الميت وتحرم الأم منها لأنها قتلته والقتل أحد موانع الميراث وكونها قتلته خطأً لا ينفي حرمانها من الميراث وهو الذي عليه جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء على أن القاتل خطأً لا يرث من مال المقتول ولا من ديته وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [أجمع أهل العلم على أن قاتل العمد لا يرث من المقتول شيئاً ... فأما القاتل خطأً فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يرث أيضاً، نص عليه أحمد، ويروى ذلك عن عمر، وعلي وزيد وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، وروي نحوه عن أبي بكر ﵃. وبه قال شريح وعروة وطاووس وجابر بن زيد والنخعي والشعبي والثوري وشريك والحسن بن صالح ووكيع والشافعي ويحيى بن آدم وأصحاب الرأي وورثه قوم من المال دون الدية، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب وعطاء والحسن ومجاهد والزهري ومكحول والأوزاعي وابن أبي ذئب وأبي ثور، وابن المنذر وداود، وروي نحوه عن علي لأن ميراثه ثابت بالكتاب، والسنة تخصص قاتل العمد بالإجماع، فوجب البقاء على الظاهر فيما سواه. ولنا: الأحاديث المذكورة ولأن من لا يرث من الدية لا يرث من غيرها، كقاتل العمد، والمخالف في الدين، والعمومات مخصصة بما ذكرناه] المغني ٦/٣٦٤-٣٦٥. وتكون الدية على عاقلة المرأة وهم عصبتها.
ثانياً: تلزمها كفارة القتل الخطأ وهي عتق رقبة مؤمنة إن وجدت وإلا فإن عليها صيام شهرين متتابعين لقوله تعالى ﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٩٢. فإذا لم تستطع صيام شهرين متتابعين لعذر أبدي كمرض مزمن مثلاً فإنها تطعم ستين مسكيناً كما ذهب إليه جماعة من أهل العلم ومن المعلوم أن الفقهاء قد اختلفوا حال عجز المكفر عن الصيام على قولين الأول [وهو مذهب الجمهور أنه لا إطعام عليه، لأن الله جل وعلا لم يذكر في كفارة القتل إلا العتق والصيام، ولو كان ثمة إطعام لذكره.
والثاني: وهو قول عند الشافعية وهو أنه عليه الإطعام قياساً على غيره ككفارة الظهار والصوم، ولعل الصواب في المسألة هو التفصيل بين من عجز عن الصيام عجزاً أبدياً ومن كان عاجزاً عجزاً مؤقتاً، فالعاجز عجزاً أبدياً يطعم، والعاجز عجزاً مؤقتاً ينتظر القدرة على الصيام، ومما يؤيد هذا المنحى أنه جارٍ على القياس على العجز عن صوم رمضان، فمن المعلوم أنه إن كان عاجزاً عجزا مؤقتاً، فالواجب عليه إنما هو القضاء، وإن كان عاجزاً عجزاً أبدياً فالواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم، وإنما قسنا صوم القتل على صوم رمضان لأن كلاً منهما مستقر في الذمة على وجه الوجوب وجوباً متعيناً، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن وجود الرقبة أصبح متعذراً تعذراً شديداً، إن لم يكن مستحيلاً.] نقلاً عن موقع الشبكة الإسلامية على الإنترنت.
ويجب أن يعلم أن الدية تسقط عن هذه المرأة إذا عفا أولياء الطفل أما الكفارة فلا تسقط بعفو الأولياء لأنها حق لله تعالى قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿ ... وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ سورة النساء الآية ٩٢. [ ... يعني إلا أن يبرئ الأولياء ورثة المقتول القاتلين مما أوجب لهم من الدية عليهم ... وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم؛ لأنه أتلف شخصاً في عبادة الله سبحانه، فعليه أن يخلص آخر لعبادة ربه وإنما تسقط الدية التي هي حق لهم.] تفسير القرطبي ٥/٣٢٣.
وخلاصة الأمر أن المرأة المذكورة في السؤال قتلت ابنها خطأً وأنه يلزما الدية والكفارة.
стр. 956
١١ - حرمة دم المسلم
يقول السائل: هل صحيح أن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من هدم الكعبة المشرفة؟ وما صحة الحديث الوارد بهذا المعنى؟
الجواب: لا شك أن حرمة دم المسلم من أعظم الحرمات عند الله وقتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة نبيه محمد ﷺ التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ سورة الإسراء الآية ٣٣.
وقوله تعالى ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً﴾ سورة النساء الآية ٩٣.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) سورة الفرقان الآيتان ٦٨-٦٩.
وثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال ذكر رسول الله ﷺ الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره , والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري ١٢/٢٣٣.
وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء, وحكى ابن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه, وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها. قوله (سفك الدم) أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان, لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر به. قوله (بغير حله) في رواية أبي نعيم " بغير حقه " وهو موافق للفظ الآية, وهل الموقوف على ابن عمر منتزع من المرفوع فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحه أنه ورط نفسه فأهلكها] فتح الباري ١٢/٢٣٣-٢٣٤.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٤٠. وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة.
إذا تقرر هذا فإن حرمة دم المسلم حرمة عظيمة ويكفي ما ورد من ترهيب مخيف في سفك دم المسلم بغير حق ولا شك أن حرمة دم المسلم مقدمة على حرمة الكعبة المشرفة، بل حرمة دم المسلم أعظم عند الله من زوال الدنيا فقد ورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٥٦.
وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٢٩.
وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب ٢/٦٣٠.
ونظر ابن عمر ﵁ يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي.
وأما الحديث الذي أشار إليه السائل وهو (لهدم الكعبة حجراً حجراً أهون من قتل المسلم)
فقد ذكره الشيخ العجلوني في كشف الخفاء وقال [قال في المقاصد - أي السخاوي - لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولكن معناه عند الطبراني في الصغير عن أنس رفعه (من آذى مسلماً بغير حق فكأنما هدم بيت الله) ونحوه عن غير واحد من الصحابة أنه ﷺ نظر إلى الكعبة فقال لقد شرفك الله وكرمك وعظمك والمؤمن أعظم حرمة منك] كشف الخفاء ومزيل الإلباس حديث رقم ٢٠٨٦.
وخلاصة الأمر أن قتل المسلم بغير حق من كبائر الذنوب وأن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من هدم الكعبة المشرفة بل إن زوال الدنيا أهون عند الله من قتل المسلم بغير حق.
стр. 957
١٢ - لا يملك ولي الأطفال أو وصيهم التنازل عن دية والدهم
قول السائل: قُتل شخصٌ خطأً في حادث شجار وترك خمسة أطفال وزوجة، وعند إقامة مراسم الصلح مع عائلة القاتل قام عم الصغار وأعلن تنازل عائلة المقتول عن الدية إكراماً لله ورسوله ﷺ ، فما الحكم الشرعي في التنازل عن الدية، أفيدونا؟
الجواب: اتفق أهل العلم على أن موجب القتل الخطأ أمران: أولهما الدية والثاني الكفارة ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) سورة النساء الآية ٩٢. والدية الشرعية تقدر بألف دينار ذهبي وتساوي في أيامنا هذه أربعة آلاف ومئتان وخمسون غراماً من الذهب، وأما الكفارة فهي صيام شهرين متتابعين نظراً لفقدان الرقاب في أيامنا هذه، حيث إن كفارة القتل على الترتيب وليست على التخيير. ويجب أن يعلم أن الدية حق لجميع ورثة المقتول، ويجري عليها ما يجري على التركة، فتوزع دية المقتول على ورثته، فالدية موروثة كسائر الأموال التي كان يملكها القتيل حال حياته، يرثه فيها ورثته حسب نصيبهم الشرعي. فقد ورد عن سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ كان يقول: [الدية على العاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن ورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الإمام الترمذي: [هذا حديث حسنٌ صحيحٌ والعمل على هذا عند أهل العلم] وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٦١. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ : (قضى أن العقل - أي الدية - ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٩٨. وعن جابر ﵁ قال: (جعل رسول الله ﷺ الدية على عاقلة القاتلة فقالت عاقلة المقتولة: يا رسول الله ميراثها لنا. قال: لا. ميراثها لزوجها وولدها) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ٢/٩٩. فهذه الأحاديث تدل على أن الدية موروثة كسائر الأموال، قال الإمام البغوي بعد أن ذكر حديث توريث امرأة أشيم الضبابي من ديته: [وفيه دليل على أن الدية تجب للمقتول ثم تنتقل منه إلى ورثته كسائر أملاكه وهذا قول أكثر أهل العلم] شرح السنة ٨/٣٧٢. إذا تقرر هذا فإن الولي أو الوصي أو كبير العائلة أو مختارها أو شيخ القبيلة أو غيرهم لا يملكون التنازل عن حقوق الصغار في دية أبيهم المقتول، وهذا التنازل باطلٌ شرعاً، لأن الصغير نفسه وهو صاحب الحق لا يملك هذا التصرف شرعاً، حتى لو أجازه وليه أو وصيه، وكذلك الولي أو الوصي لا يملكان هذا الحق ابتداءً، ورد في الموسوعة الفقهية: [ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه ليس للوصي أن يتبرع بمال الصغير سواء أكان بالصدقة أم بالهبة بغير عوض أم بالمحاباة، لأن التبرع بمال الصغير لا حظ له فيه، وأنه ينافي مقصود الوصاية من الحفاظ على المال وتنميته والتصرف بما فيه نفعٌ يعود على الصغير، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ فقد نهى عن قربان مال اليتيم إلا بما فيه مصلحة له، والتبرع بالمال لا مصلحة لليتيم فيه، بل هو تصرفٌ في ماله على غير الوجه الذي أمر الله به، فيكون ممنوعاً ومنهياً عنه، ولقوله ﵊: (لا ضرر ولا ضرار) - رواه أحمد وابن ماجة والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠ -، ولقوله ﵊: (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) - رواه أحمد والحاكم وقال العلامة الألباني حديث حسن، كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/١٥٢- والإضرار بالصغير ليس من المرحمة في شيء، فليس له أن يهب مال الصغير من غيره بغير عوض، لأنه إزالة ملكه من غير عوض فكان ضرراً محضاً، وليس له أن يتصدق بماله ولا أن يوصي به، لأن التصدق والوصية إزالة الملك من غير عوض مالي فكان ضرراً فلا يملكه] الموسوعة الفقهية الكويتية ٤٣/١٩٨- ١٩٨. وجاء أيضاً في الموسوعة الفقهية في بيان حكم عقود الوصي وتصرفاته: [القاعدة العامة في عقود الوصي وتصرفاته: أن الوصي مقيد في تصرفه بالنظر والمصلحة لمن في وصايته، وعلى هذا لا يكون للوصي سلطة مباشرة التصرفات الضارة ضرراً محضاً كالهبة، أو التصدق، أو البيع والشراء بغبن فاحش، فإذا باشر الوصي تصرفاً من هذه التصرفات كان تصرفه باطلاً، لا يقبل الإجازة من أحد، ويكون له سلطة مباشرة التصرفات النافعة نفعاً محضاً، كقبول الهبة والصدقة والوصية والوقف، والكفالة للمال. ومثل هذا: التصرفات الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار والقسمة والشركة، فإن للوصي أن يباشرها، إلا إذا ترتب عليها ضررٌ ظاهر، فإنها لا تكون صحيحة ... ولا يجوز للوصي باتفاق الفقهاء أن يهب شيئاً من مال الصغير ومنْ في حكمه، ولا أن يتصدق، ولا أن يوصي بشيء منه، لأنها من التصرفات الضارة ضرراً محضاً، فلا يملكها الوصي، ولا الولي ولو كان أباً. وكذلك لا يجوز له أن يقرض مال الصغير ونحوه لغيره، ولا أن يقترضه لنفسه، لما في إقراضه من تعطيل المال عن الاستثمار، والوصي مأمور بتنميته بقدر الإمكان.] الموسوعة الفقهية الكويتية ٧/٢١٣، ٢١٥. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [إذا وجب القصاص لصغير لم يجز لوليه العفو إلى غير مال، لأنه لا يملك إسقاط حقه] المغني ٩/٤٧٦. وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز في جواب السؤال التالي: [حصل حادثٌ على رجل، وعلى إثر ذلك انتقل الرجل إلى رحمة الله، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، وقد حصل الحادث على الرجل من خلف سيارته التي يقودها، وبمناسبة أن الرجل المتوفى له أولاد وأعتقد أنهم قُصَّر، وقد حصلت محاورة بين أقربائه البعض منهم يرغب التنازل عن الرجل الذي صدم الرجل المتوفى من الخلف، والبعض منهم يرغبون دية يضعونها ويصرفون منها على الأولاد، والبعض منهم يقولون نبني له مسجداً ونحفر له بئراً بأرض فلاة ويكون الأجر له والبعض يقولون نأخذ الدية ونتصدق بها إذا حكم بها شرعاً، ويكون الأجر للمتوفى، وجهونا حول أحسن الطرق، هل هو العفو أو ما ذكرنا؟ الجواب: إذا كان المتوفى له أولاد صغار، أو أولاد مجانين، أو غير مرشدين، لم يجز العفو، بل يجب على وليهم أن يأخذ الدية، ويحفظها لهم ويصرفها في مصالحهم، ولا يجوز العفو لوليهم عن الدية، أما إذا كان الورثة مرشدين ليس فيهم قاصر، وأحبوا أن يسمحوا، فلا حرج عليهم، أو أحبوا أن يضعوها في تعمير مسجد، أو في حفر بئر بفلاة مع المسلمين، أو في صدقة على الفقراء، أو مساعدة المجاهدين كل هذا لا بأس به، هم أحرار؛ لأنهم مرشدون يتصرفون كيف شاءوا، والأولى أن يأخذوها، لا يسمحوا بها للصادم، حتى لا يتساهل الناس في الصدم والتعدي على الناس، الذي ينبغي أن يأخذوا الدية، ثم يتصرفوا فيما يرون إذا كانوا مرشدين، إما توزعوها بينهم، ويتصرفوا بها، وإما صرفوها في جهة بر كتعمير مسجد، أو صدقة على الفقراء، أو صرفها للمجاهدين في سبيل الله، أو نحو ذلك، أما إذا كانوا غير مرشدين، أو فيهم من هو ليس مرشد، فلا يجوز لولي القاصر أن يسمح في شيء منها، سواء كان القاصر صغيراً، أو معتوهاً، أو مجنوناً، أو سفيهاً، ليس لوليه أن يسمح، بل يجب أن يأخذ حقه من الدية ويحفظها للقاصر، حتى ينفق عليه منه، أو يصرفها في مصالحه كتعمير عقاره، وغير ذلك.] موقع الشيخ على شبكة الإنترنت. ويضاف إلى ما سبق أن تنازل عم الصغار عن الدية فيه مصادرة لحق الزوجة في نصيبها من دية زوجها، وهو حق ثابت كما سبق في الحديث حيث إن رسول الله ﷺ ورّث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.
وخلاصة الأمر أن الأطفال لا يملكون إسقاط حقهم في دية والدهم لأنهم فاقدون لأهلية ذلك، وكذلك حق الزوجة في نصيبها من دية زوجها لا يسقط إلا بإرادتها ورضاها واختيارها، والأولياء والأوصياء ومن في حكمهم لا يملكون إسقاط حق الصغار في دية والدهم، وإن حصل هذا الإسقاط فهو باطل شرعاً، وبناءً على ما سبق يظهر لنا مدى الظلم الذي يلحق بأطفال المقتول عندما يتم الصلح برعاية القضاء العشائري ويتم إسقاط الدية والتنازل عنها إكراماً لله ورسوله ﷺ كما يزعمون، وأي إكرام هذا الذي يكون بما لا يملكونه، ومن يريد أن يكرم فإنه يكرم بما يملك، ولا يكرم بمال غيره، بل هذا ظلم لا يقره دين الإسلام، فهذا الإسقاط للحقوق صدر عمن لا يملكه، فهو تصرف محرم شرعاً وباطل لا يترتب عليه أي أثر، وللصغار عند البلوغ أن يطالبوا بحقوقهم في دية والدهم والحقوق لا تسقط بالتقادم.
стр. 958
١٣ - يحرم على المحامي قَبول الوكالة في القضايا الظالمة
يقول السائل: إنه محامٍ وقد وكله شخصٌ في قضية تملك عقار، وقد علم من خلال عرض القضية أمام المحكمة أن موكله يدعي حقاً ليس له، فما حكم الاستمرار في الوكالة بالترافع أمام القضاء، أفيدونا؟
الجواب: مهنة المحاماة مبنية على عقد الوكالة المعروف عند الفقهاء، وهي إقامة الغير مقام نفسه في تصرفٍ جائزٍ معلومٍ. والمحاماة جائزة شرعاً بضوابط شرعية كثيرة، ومنها ما يتعلق بالسؤال وهو أنه لا يجوز للمحامي أن يقبل الوكالة في الخصومة في قضية فيها ظلمٌ أو إبطالُ حقٍ أو تعدٍ على حقوق الناس، أو قضيةٍ كيدية، فإذا علم المحامي أن موكله ظالمٌ ومبطلٌ، فيحرم على المحامي أن يقبل الوكالة ابتداءً، ويحرم عليه أيضاً أن يستمر في الوكالة إذا علم بذلك أثناء نظر الدعوى. ويدل على ذلك أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة النبي ﷺ ، منها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَا أَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ سورة النساء الآيات١٠٧-١٠٩. قال الإمام الشوكاني: [ ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾ أي: لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم والمجادلة مأخوذة من الجدل، وهو الفتل، وقيل: مأخوذة من الجدالة، وهي وجه الأرض، لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها، وسمي ذلك خيانة لأنفسهم، لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم، والخوان: كثير الخيانة، والأثيم: كثير الإثم، وعدم المحبة كناية عن البغض] تفسير فتح القدير ١/٧٧١. ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة المائدة الآية ٢، ولا شك أن الترافع في قضية ظالمة ومبطلة، والمحاماة عن أهل الباطل أنه داخل في عموم التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عن ذلك فهو محرم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [والمعين على الإثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه أو على أداء المظلمة فهو وكيل المظلوم لا وكيل الظالم] مجموع الفتاوى ٢٨/٢٨٤. ومنها ما ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه -أو تمنعه - من الظلم فإن ذلك نصره) رواه البخاري. ومنها ما جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حالت شفاعتُه دون حدٍ من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دَينٌ فليس ثمَّ دينارٌ ولا درهمٌ، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطلٍ وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حُبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال) وزاد الطبراني (وليس بخارج) . وورد في رواية أبي داود: [قيل يا رسول الله وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار] . قال العلامة الألباني: أخرجه أبو داود والحاكم والسياق له وأحمد ... وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ورجاله ثقات رجال مسلم غير يحيى بن راشد وهو ثقة كما في التقريب. وقال المنذري في الترغيب: رواه أبو داود والطبراني بإسناد جيد] سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٧٢٢. وانظر إرواء الغليل ٧/٣٤٩. قال الإمام الشوكاني: [قوله: (من خاصم) ، قال الغزالي: الخصومة لجاج في الكلام ليستوفي بها مال أو حق مقصود، وتارة تكون ابتداءً وتارة تكون اعتراضاً، والمراء لا يكون إلا اعتراضاً على كلام سابق، قال بعضهم: إياك والخصومة، فإنها تمحق الدِّين، ويقال: ما خاصم قط ورع. قوله: (لم يزل في سخط الله) هذا ذمٌ شديدٌ له شرطان: أحدهما أن تكون المخاصمة في باطل. والثاني أن يعلم أنه باطل، فإن اختل أحد الشرطين فلا وعيد، وإن كان الأولى ترك المخاصمة ما وجد إليه سبيلاً] نيل الأوطار ٩/١٤٢. وورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ومن أعان على خصومةٍ بظلمٍ فقد باء بغضبٍ من الله رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٥٤٥. وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مثلُ الذي يُعين قومَه على غير الحق، كمثل بعيرٍ تردى في بئرٍ فهو ينزع منها بذنبه) رواه أبو داود وابن حبان، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/٥٤٦. قال الحافظ ابن المنذر: [ومعنى الحديث أنه قد وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر فصار ينزع بذنبه ولا يقدر على الخلاص] المصدر السابق. وقال الإمام البخاري في صحيحه: [باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه] . وقد عدَّ أهل العلم أن الإعانة على الخصومة بالباطل من كبائر الذنوب، قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه الكبائر ١/١٥٢: [باب من أعان على خصومة في الباطل، وقول الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ] سورة المائدة الآية ٢، وقوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ النساء الآية ٨٥] ثم ذكر حديث ابن عمر الأول. وقد قرر كثير من أهل العلم حرمة الوكالة بالخصومة عن موكلٍ ظالمٍ ومبطلٍ، قال ابن مفلح المقدسي: [وقال ابن عقيل في الفنون: لا تصح وكالة من علم ظلم موكله في الخصومة، فظاهره يصح إذا لم يعلم، والظاهر أن مراده بالعلم أيضاً الظن وإلا فبعيدٌ جداً القول به مع ظن ظلمه. فإن قيل ظن التحريم لا يمنع صحة العقد بخلاف العلم به ولا يلزم من هذا أن يخاصم في باطل فلا معارضة بينه وبين ما سبق قيل: ليس المراد من التوكيل وصحته إلا المخاصمة فيما وكله فيه مما يعلمه، أو يظنه باطلاً وإلا فكان يمكن تصحيح العقد مع العلم، ولا يخاصم في باطلٍ فلا مفسدة في ذلك، وقد دل كلامه على أنه لو شك في ظلمه صحت وخاصم فيه وعلى هذا عمل كثير من الناس أو أكثرهم يتوكلون ويدعون مع الشك في صحة الدعوى وعدمها؛ لأنه ليس بمخبر عن نفسه، وإنما يخبر عن الموكل ويبلغ كلامه لكونه لا يلحن بحجته، ولأن الحاجة قد تمس إلى ذلك لكثرة مشقته، وهذا بخلاف المدعي لنفسه لخبرته بأحواله وقضاياه والله أعلم.] الآداب الشرعية ١/٢٩. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ويشترط في جواز الدعوى أن يعلم صدق المدعي، فأما إن لم يعلم لم يحل له دعوى بشيء لا يعلم ثبوته] المغني ٥/١٣. وقال المرداوي: [وقال القاضي في قوله تعالى ﴿وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه، وهو غير عالم بحقيقة أمره] الإنصاف ٩/٢٠٨. وقال الرحيباني الحنبلي: [لا تصح الوكالة لو ظن الوكيل ظلمه أي: ظلم موكله إجراءً للظن مجرى العلم قال في الإنصاف: قلت: وهو الصواب] مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٩/٣٧٧. وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما يلي: [إذا كان في الاشتغال بالمحاماة أو القضاء إحقاقٌ للحق وإبطالٌ للباطل شرعاً وردٌ الحقوق إلى أربابها ونصرٌ للمظلوم، فهو مشروع ; لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، وإلا فلا يجوز ; لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ] عن شبكة الإنترنت. وقال الشيخ مصطفى الزرقا: [ ... وأن لا يقبل - أي المحامي - دفاعاً عن موكِلٍ مبطلٍ، وإذا ظهر له أثناء سير الدعوى أن موكله مبطلٌ فعليه أن ينسحب منه شرعاً، ويستطيع أن يشرط ذلك على الموكل.] فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا ص ٣٨٠-٣٨١. وقال الدكتور زيد بن عبد المحسن نائب رئيس هيئة حقوق الإنسان في المملكة السعودية: [يجب على المحامين أن لا يتوكلوا عن غيرهم في دعوى أو نفيها عند علمهم ببطلانها أو كذب صاحبها لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ ، وقال ﷺ : (من خاصم في باطلٍ وهو يعلمه لم يزل في سخط حتى ينزع) أو كما قال ﷺ ، حيث ورد في المادة ١١/١ من لائحة تنفيذ نظام المحاماة "على المحامي ألاّ يتوكل عن غيره في دعوى أو نفيها وهو يعلم أن صاحبها ظالمٌ ومبطلٌ، وألاّ يستمر فيها إذا ظهر له ذلك أثناء التقاضي"] صحيفة المدينة السعودية عن شبكة الإنترنت. إذا تقرر هذا فعلى المحامين أن يحذروا المبطلين من المدَّعين الذين يزورون الحقائق، ويزينون الباطل، حتى تنطلي الأمور على موكليهم من المحامين، فيسيرون معهم في الدعاوى الباطلة التي يترتب عليها ضياع حقوق الناس، وأكل أموالهم بالباطل، أو يترتب عليها التشهير بالناس كما هو الحال في القضايا الكيدية، التي يُقصد بها تشويه صورة المدعى عليهم، وهم أبرياء مما رماهم به خصومهم، وليحذروا ممن يتلاعبون بالألفاظ لتزيين باطلهم، الذين ينطبق عليهم ما ورد في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي كلُ منافقٍ عليم اللسان) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/١١. ولا شك أن [التمسك بأخلاقيات هذه المهنة يؤدي لرفض المحامي أو الوكيل بالخصومة قبول الوكالة في الدعاوى الكيدية التي لا يهدف صاحبها منها إلا الانتقام من خصمه وتوجيه الأذى له، وإشغال ساحات العدل بمجادلات طويلة لتسويف الدعوى والإضرار بخصمه مادياً ومعنوياً، مما يؤثر على إقرار العدل.] أثر أخلاقيات المحامي على العدالة والقضاء د. ناصر المعيلي. عن شبكة الإنترنت.
وخلاصة الأمر أنه يحرم على المحامي أن يقبل الوكالة في أي قضية مع علمه أنها باطلة، أو مع علمه أنه قد يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل، أو قضية فيها إلحاق ظلم، أو إجحافٍ بحقوق الناس، أو قضية كيدية، وكذلك يحرم على المحامي أن يستمر فيها إذا ظهر له ذلك أثناء التقاضي، ولا يجوز للمحامي الترافع في قضيةٍ إلا إذا علم مشروعية الدعوى ومضمونها.
стр. 959
١ - نظرات شرعية في فتوى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر بتحليل بناء الجدار الفولاذي
يقول السائل: ما قولكم في فتوى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر في فتواه التي قالت بتحليل بناء الجدار الفولاذي، أفيدونا؟
الجواب: ذكر جماعة من العلماء أنه يشترط في المفتي أن يكون متيقظاً بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، قال العلامة ابن عابدين: [شرط بعضهم تيقظ المفتي، قال: وهذا شرط في زماننا، فلا بد أن يكون المفتي متيقظاً، يعلم حيل الناس ودسائسهم، فإن لبعضهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق، فغفلة المفتي يلزم منها ضرر كبير في هذا الزمان] الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٢/٣٠. وقال العلامة ابن القيم تحت عنوان: [على المفتي ألا يعين على المكر والخداع، يحرم عليه - أي على المفتي - إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتى فيها ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهرٌ جميل، وباطنها مكرٌ وخداعٌ وظلم! فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضى بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها، فالأول يروج عليه زَغَل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زَغَل الدارهم، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود، وكم من باطلٍ يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق، وكم من حقٍ يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس ولكثرته وشهرته يستغنى عن الأمثلة ... ] إعلام الموقعين٤/٢٢٩. أقول هذا أفضل وصف ينطبق على فتوى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر بتحليل بناء الجدار الفولاذي، حيث فقد أعضاء المجمع الذين أفتوا بتحليل إنشاء الجدار شرط تيقظ المفتي، وإذا كان العلامة ابن عابدين الحنفي قد قال: وهذا شرط في زماننا، فلا بد أن يكون المفتي متيقظاً، يعلم حيل الناس ودسائسهم، فإن لبعضهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق، فغفلة المفتي يلزم منها ضررٌ كبير في هذا الزمان، أقول إن كان شرط تيقظ المفتي شرطاً في زمان ابن عابدين، فهو أولى في زماننا، حتى لا يقع بعض المفتين قصيري النظر في مكر ودسائس الساسة، وينطلي عليهم ما يروج له الساسة من التزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق. هذا أولاً، أما ثانياً: فإني أذكر أعضاء المجمع الذين أفتوا بتحليل إنشاء الجدار ببعض البدهيات التي لا يجهلها مسلم عادي فضلاً أن يجهلها أعضاء المجمع الأزهري! أين أنتم من قول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ سورة التوبة الآية ٧١، ومن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ سورة الحجرات الآية ١٠. ومن قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ سورة الأنبياء الآية ٩٢، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ سورة المؤمنون الآية ٥٢، ومن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَالمِينْ﴾ سورة المائدة الآية٥١. وأين أنتم من قَولَ رَسُول الله ﷺ : (مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى) رواه البخاري ومسلم، قال القاضي عياض: [فتشبيه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيلٌ صحيحٌ، وفيه تقريبٌ للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية، وفيه تعظيم حقوق المسلمين، والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضاً. وقال ابن أبي جمرة: شبَّه النبي ﷺ الإيمان بالجسد وأهله بالأعضاء لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف، فإذا أخلَّ المرءُ بشيءٍ من التكاليف شأن ذلك الإخلال بالأصل، وكذلك الجسد أصل الشجرة وأعضاؤه كالأغصان، فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها، كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب] فتح الباري ١٠/٥٤٠. ومن قوله ﷺ : (المُؤْمِنُ للْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً وشبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ) رواه البخاري ومسلم ومن قوله ﷺ : (من لا يرحم لا يرحم) رواه البخاري ومسلم، ومن قوله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ... كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري. ومن قوله ﷺ : (كم من جارٍ متعلقٍ بجاره يوم القيامة يقول يا رب هذا أغلق بابه دوني فَمنع معروفه) أخرجه البخاري في الأدب المفرد وحسنه العلامة الألباني في صحيح الأدب المفرد. ثالثاً: ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي وقال العلامة الألباني: صحيح. إرواء الغليل ٣/٤٠٨. وقد قرر فقهاء الإسلام قاعدة شرعية مأخوذة من الحديث النبوي السابق تقول: " لا ضرر ولا ضرار"، فمن حق الإنسان أن يتصرف فيما يملك، ولكن بشرط أن لا يلحق الضرر بغيره، وإذا طبقنا هذه القاعدة على واقع الجدار يعرف الجواب بأدنى تأمل. رابعاً: ألم تسمعوا بحديث النبي ﷺ : (عُذبت امرأةٌ في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) . رواه البخاري ومسلم. خامساً: ألم تسمعوا بحديث النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته) رواه البخاري ومسلم. وقد عدَّ العلماء ما ورد في هذا الحديث والذي قبله من كبائر الذنوب. انظر الكبائر للإمام الذهبي. سادساً: ألا تعلمون أيها المشايخ أن قطاع غزة كان تحت الحكم المصري منذ عام ١٩٤٨م وحتى وقع تحت الاحتلال عام ١٩٦٧م فدولتكم مسئولة عن القطاع وسكانه شرعاً وقانوناً وعرفاً. سابعاً: توافق صدور فتواكم مع قيام عدد كبير من المتضامنين الغربيين بالتظاهر وسط القاهرة مطالبين برفع الحصار عن قطاع غزة، وتزامن صدور فتواكم مع قيام مجموعة أخرى من الغربيين بتسيير قافلة شريان الحياة المحملة بمواد الإغاثة للذهاب إلى غزة، فهؤلاء الغربيين قاموا بما تمليه عليهم انسانيتهم تجاه أهل غزة!! وأنتم تناسيتم ما يمليه عليه دينكم من وجوب الوقوف مع إخوانكم في الدين وما تمليه عليكم عقيدتكم، أما عرفتم ما تقرره عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه القضية، إن كل مسلم يفهم حقيقة هذا الدين فهماً صحيحاً، لا بد أن يقدم ما يستطيع لنصرة المسلمين المستضعفين الذين يتعرضون لأشرس الحروب وأقذرها، ومن لم يفعل فعليه أن يراجع نفسه، لأن منهج أهل السنة والجماعة يقضي أن يقف المسلم مع أخيه المسلم، وأن يكون عوناً له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عن أصول أهل السنة ولجماعة: [ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة. ويرون إقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد مع الأمراء أبراراً كانوا أو فجاراً، ويحافظون على الجماعات. ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص؛ يشدُ بعضُه بعضاً وشبَّك بين أصابعه، وقوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) . ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء] العقيدة الواسطية. وأما من يخذل المسلمين ويسهم في حصارهم ويمنع العون عنهم فإن الله سيخذله، كما أخبر رسول الله ﷺ : (ما من امرئٍ يخذل امرأ مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحدٍ ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) رواه أحمد وأبو داود وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ٥٦٩٠.
стр. 960
٢ - المواد المضافة للأطعمة والأشربة
يقول السائل: ما حكم المواد الغذائية والمشروبات المصنعة التي تدخلها مواد مضافة غير معلومة المصدر، ويقال إنه ينتج عن استعمالها أضرار صحية فما الحكم في ذلك، أفيدونا؟
الجواب: من أهم المشكلات المعاصرة التي يواجهها الناس في الطعام والشراب والدواء هي المواد المضافة، وعرفتها موسوعة ويكبيديا بأنها: أي مادة تضاف إلى الغذاء وتعمل على تغيير أيٍ من صفاته، أو هي جميع المواد التي ليست من المكونات الطبيعية للأغذية وتضاف إليها قصداً في أي مرحلة من إنتاجها إلى استهلاكها، وتضاف بغرض تحسين الحفظ أو الصفات الحسية أو الطبيعية أو الحد من تعريض المستهلك للتسمم وغيره من الأضرار الصحية نتيجة الحفظ غير الجيد للغذاء ... إلخ فهي مواد تضاف إلى الأطعمة لكي تحافظ على نكهتها، أو لتحسن مذاقها أو مظهرها] ويندرج تحت المواد المضافة العديد من الأنواع على سبيل المثال: المواد الحافظة: وهي أي مواد تضاف لتثبيط أو ايقاف تحلل الأغذية بواسطة الكائنات الحية الدقيقة وبالتالي تؤدي إلى إطالة الفترة التخزينية للغذاء ومن أمثلتها بنزوات الصوديوم وحمض السورييك. والمواد المثبتة: وتسمى أحياناً بالمواد الرابطة وتستعمل لربط الماء وزيادة اللزوجة وتكوين الجل كما في حالة الجلي. والمواد الملونة وتنقسم هذه المواد إلى قسمين: المواد الملونة الطبيعية والمواد الملونة الصناعية، أما الطبيعية فهي عبارة عن مواد يتم استخلاصها من مصادر نباتية أو حيوانية أو معدنية أو أية مصادر أخرى. أما المواد الملونة الصناعية فهي مواد يتم إنتاجها صناعياً أو بأية وسيلة تركيبية وتعطي لوناً مميزاً عند إضافتها إلى المواد الغذائية. ومضادات الأكسدة وهي مواد تستخدم لحماية المنتجات الغذائية من الفساد الناتج عن الأكسدة، وذلك لمنع أو تأخير علامات التزنخ وهو تطور الرائحة الكريهة في المنتجات الغذائية المحتوية على نسبة عالية من الدهون والزيوت. عن الإنترنت. وهناك عدد من الاشتراطات الصحية لا بد من توفرها في المواد المضافة في الطعام والشراب والدواء ومنها: ١- لابد من تحديد الغرض الذي تضاف بسببه، ولابد من التأكد من صلاحيتها لهذا الغرض. ٢- يلزم المصنع ألا يضيف أي مادة بهدف خداع المستهلك، أو تغطية عيب في المنتج التجاري، كأن تضاف مادة نكهة لتخفي فساد المنتج. ٣- يجب ألا تقلل من القيمة الغذائية لمادة الغذائية التي أضيفت إليها. ٤- لابد أن يثبت أنها غير مضرة بالصحة، وأن تكون مصرحاً بها للاستخدام من المنظمات العالمية. ٥- يجب أن تتوفر طرائق لتحليلها ومعرفة كميتها في الأغذية التي أضيفت لها. وقد قررت جهات علمية وصحية تهتم بالطعام والشراب والدواء أنه قد ينتج عن استعمال المواد المضافة في الطعام والشراب والدواء أضرار صحية على المدى القريب والبعيد، يقول أحد الباحثين في التصنيع الغذائي [إن هذه المواد المضافة العديدة يمكن أن تمثل خطراً حقيقياً أو يمكن أن تحدث تغييرات خطيرة في الغذاء. إن التغييرات السلبية التي قد تحدثها المضافات للغذاء يمكن أن تأخذ إحدى صورتين: تخفيض أو تعديل مكونات غذائية مهمة، وفي هذه الحالة قد تتحطم العناصر الغذائية كلياً أو جزئياً أو تعدل كيميائياً بحيث تقل الفعالية الحيوية لها، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقد في القيمة الغذائية للغذاء. تحول المكونات بطريقة قد تسبب ضرراً واضحا ... وقد أصبح معروفاً أن بعض المواد المضافة مسؤولة عن إصابة الإنسان بالسرطان مثل الهيدروكربونات عديدة الحلقات مثل ٢، ٣ بنزوبيرين وبعض صبغات الأنلين، والأفلاتوكسينات ... كما قد يؤدي استعمال المواد المضافة إلى تكوين مواد سامة في الغذاء ومن الأمثلة على ذلك تكون سلفوكسيمين المثيونين في الطحين نتيجة لمعاملته بمادة التبيض المسماة كلوريد النيتروجين الثلاثي، حيث وُجد نتيجة للدراسات على الكلاب أن الطحين المعامل بمادة كلوريد النيتروجين الثلاثي يؤدي إلى تشنجات، ويعود ذلك إلى تكون مادة سلفوكسيمين المثيونين..] بحث الإضافات الغذائية استخدامها وأثرها على الإنسان للدكتور إبراهيم عفانة. وهنالك سلبيات أخرى للمواد المضافة، ويمكن إيجازها فيما يلي: ١- تعمل على تغطية بعض العيوب الموجودة في الغذاء. ٢- تعمل على تحسين الصفات الظاهرية أحياناً على حساب القيمة الغذائية. ٣- تؤدي إلى التساهل في مراعاة الاشتراطات الصحية اعتماداً على إضافة مواد للغذاء. ٤- يؤدي التحسين من صفات الغذاء الحسية إلى زيادة الإقبال عليه وتناول كميات أكبر منه، ما يزيد الكمية المتناولة من المادة المضافة وفي ذلك خطورة على الأطفال خاصة، إذ يزيد إقبالهم على المواد الغذائية الملونة بألوان اصطناعية، أو التي تحتوي نكهات اصطناعية فتزيد من فرص ظهور أضرار تلك المواد عليهم. ٥- بعض المواد المضافة لها أثر سام على المدى الطويل. ٦- لا يكتفي بعض المصنعين بإضافة الحدود المسموح بها من تلك المواد وفي هذا ضرر بالمستهلك.] عن الإنترنت. إذا تقرر هذا فإن كثيراً من المصانع المنتجة للأطعمة والأشربة المصنعة لا تفصح دائماً عن حقيقة المواد المضافة في منتجاتها، فمثلاً يذكرون الدهن الحيواني ولا يذكرون أنه من دهون الخنزير أو من الأبقار مثلاً، ويذكرون الجيلاتين ولا يبينون هل هو جيلاتين نباتي أو حيواني؟ ويضاف إلى ذلك مسألة استعمال الرموز للمواد المضافة (يستعملون الحرف الإنجليزي (E ويتبعونه برقم مثلاً E١٠٥) وعدد هذه المواد كبير جداً مما يجعل معرفة حقيقة هذه المواد المضافة أمراً صعباً للغاية. وتم تقسيم المواد المضافة إلى أربعة أقسام رئيسية هي: المواد الملونة: وقد رمز لها بالحرف (E) تتبعه الأرقام من ١٠٠ إلى ١٩٩. المواد الحافظة: وقد رمز لها بالحرف (E) تتبعه الأرقام من ٢٠٠ إلى ٢٩٩. مضادات الأكسدة: وقد رمز لها بالحرف (E) تتبعه الأرقام من ٣٠٠ إلى ٣٩٩. المواد المستحلبة والمثبتة: وقد رمز لها بالحرف (E) تتبعه الأرقام من ٤٠٠ إلى ٤٩٩. وكثير من هذه المواد المضافة صدرت تحذيرات من جهات علمية وصحية بأن لها أضراراً على صحة الإنسان، وهي موجودة في كثير من المنتجات الغذائية وفي المشروبات المختلفة الموجودة في الأسواق. وبناءً على كل ما سبق ونظراً لجهالة حقيقة المواد المضافة ومدى أضرارها، ونظراً لضعف الثقة بالمنتجين، حيث يغلب عليهم الجشع والطمع، وأكثر المنتجين للأغذية المصنعة والمشروبات هم من غير المسلمين، الذين لا يعرفون حراماً ولا حلالاً، فإني أدعو إلى الحذر الشديد من المنتجات المصنعة بشكل عام، وأدعو إلى العودة إلى الأشياء الطبيعية في مجال الطعام والشراب، وأقول إنه من الصعوبة بمكان إصدار حكم دقيق يشمل المواد المضافة في الطعام والشراب والدواء، لأن ذلك لا بد أن يكون عن معرفة حقيقية بمكونات كل نوع من الأطعمة والأشربة والأدوية، وعددها قد يصل إلى مئات الألوف، وهذا أمر عسر جداً، وقد استعرضت بعض الفتاوى الصادرة عن عدد من المفتين والهيئات العلمية فوجدتها تتكلم بشكل عام وتضع قيوداً يصعب التحقق من وجودها بسبب ما أشرت إليه قبل قليل، جاء في فتاوى الشبكة الإسلامية: [المواد التي تضاف إلى الأغذية (مطعومة أو مشروبة) بغرض حفظها أو تلوينها، منها ما هو طبيعي كالملح والزيت ونحو ذلك، ومنها ما هو صناعي يدخل فيه كثير من المركبات العضوية وغير العضوية. وفائدة هذا هو: منع أو تأخير أو إيقاف تكاثر الجراثيم الملوثة للغذاء، أو تثبيت لونه بحيث يكون عامل جذب للمستهلك. وقد تظهر السلعة بصورة طازجة وليست كذلك، لما للون المستخدم من أثر فعال في ذلك، ويرمز لكل من المواد الحافظة والملونة بالرمز (E) مع رقم معين يدل على نوع المادة المضافة. وقد تدخل في هذه المواد المضافة أجزاء حيوانية مثل العظم ونحو ذلك، ولا بأس بها إن كانت من حيوان مذكى ذكاة شرعية. وأما ما أخذ من حيوان غير مذكى أو ذكي ذكاة غير شرعية، أو أخذ من آدمي فيحرم تناول الغذاء المشتمل عليه، لأن ما ذكي ذكاة غير شرعية وما لم يذك ميتة لا يجوز أكل شيء منه، ويحرم كذلك أكل شيء من آدمي، أو حيوان لا تبيحه الذكاة كالخنزير، أجمع على ذلك أهل العلم. ومكمن الضرر في المواد الحافظة والملونة- بصفة عامة - أن منها مواد تضر بصحة الإنسان، إذ تؤدي إلى حالات سرطان على المدى الطويل. وقد نصت هيئات الرقابة الغذائية على ضرورة عدم استخدام مواد معينة (للحفظ أو التلوين) ثبت ضررها، وحددت كذلك نسبة هذه المواد المسموح باستخدامها، لأنها بزيادتها عن المعدل المطلوب تتحول إلى سموم يتناولها الإنسان. فنخلص من ذلك إلى أنه لا يجوز تناول الأطعمة والأشربة التي تشتمل على مواد حافظة أو ملونه دخل في تركيبها شيء أخذ من آدمي أو حيوان غير مذكى، وإذا كان يتعذر معرفة ذلك فإنه يجتنب ما اشتمل على مادة حافظة أخذت من حيوان، إلا ما غلب على الظن أنه أخذ من حيوان مذكى ذكاة شرعية. وكذلك لا يجوز تناول الأغذية المشتملة على مواد حافظة أو ملونة ثبت ضررها، لقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ سورة النساءالآية٢٩، وقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرر) رواه مالك. ويحرم على الصناع استخدام المواد المحرمة أو المضرة بالصحة في الأغذية، وعلى المستهلك توخي الحذر وأخذ الحيطة عند شرائه أغذية تحتوي على مواد حافظة، ولو أمكن تجنب هذه الأغذية قدر المستطاع فهو أولى] وأقول هنالك صعوبة واضحة في التحقق مما ذكرته الفتوى.
وخلاصة الأمر أنه لا شك في الأضرار التي تنتج عن المواد المضافة للأغذية والأشربة المصنعة، وأنه يصعب إصدار حكم شرعي عام في حقيقة هذه المواد، والذي ننصح به هو تجنبها بقدر الاستطاعة، وعلى أصحاب مصانع الأغذية والمشروبات والأدوية والتجار المستوردين لها في بلادنا أن يراعوا الحلال والحرام في منتجاتهم وأن يتقوا الله في ذلك، وأن يعلموا أنهم مسؤولون أمام الله الذي لا تخفى عليه خافية، وأن يجنبوا الناس تناول المحرمات، وما فيه أضرار، وأن يبعدوهم عن الشبهات.
стр. 961
٣ - حكم عملية ربط المعدة
يقول السائل: إنه يعاني من زيادة الوزن المفرطة مما سبب له مشكلات صحية كثيرة، وقد استعمل عدة وسائل لتخفيف الوزن بدون فائدة وقد نصحه بعض الأطباء بعملية ربط للمعدة، فهل هذا الأمر جائز شرعاً، أفيدونا؟
الجواب: شرع الإسلام التداوي، فإذا مرض الإنسان أو طرأ عليه ما يخل بصحته كالسمنة المفرطة فعليه أن يعالج ما يعرض لصحته من عوارض، وقد دلت نصوصٌ كثيرةٌ على جواز التداوي، منها ما جاء في حديث أسامة بن شريك ﵁ قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: (نعم عباد الله، تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا داءً واحداً، قالوا يا رسول الله، وما هو؟ قال: الهرم) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وغيرهم، وقال العلامة الألباني: حديث صحيح كما في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ٣٢٦٤. وورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أنزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء) رواه البخاري ومسلم. وجاء في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله) رواه مسلم. وغير ذلك من النصوص.
ولا شك أنه يترتب على السمنة المفرطة أضرار صحية كثيرة، لذا فإن علاج السمنة المفرطة داخل تحت عموم النصوص التي تدل على جواز التداوي، وهنالك وسائل ينبغي لمن كانت عنده سمنة مفرطة أن يستعملها قبل اللجوء إلى عملية ربط المعدة، ومن أهمها تقليل الطعام والشراب، فكثرة الطعام والشراب من الأسباب الرئيسة للسمنة المفرطة، وقد وجهنا النبي ﷺ إلى التقليل منهما، بل ذكر أن كثرة الطعام من الشرور، كما ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يُقْمنَ صُلْبَهُ، فإن كان لا محالة، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنَفَسِه) رواه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم، وقال العلامة الألباني: صحيح. سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم ٢٢٦٥. وورد في الحديث: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً عظيم البطن فقال بإصبعه لو كان هذا في غير هذا لكان خيراً لك) رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. وقال الشيخ الساعاتي: [لو كان العظم في غير البطن من أعضائه ... كان خيراً لأن عظم البطن يثقل الرجل ويضره ولا يفيده لأنه ينشأ عن كثرة الأكل وكثرة الأكل مذمومة فكأنه ﷺ يحثه على التقليل من الأكل والشرب لأنه أصح للبدن) الفتح الرباني ١٧/٢١٨.
ومن الوسائل التي تعين على تخفيف السمنة، المداومة على الصوم، كصيام الاثنين والخميس وغيرهما من الأيام كما ورد في الحديث
عن ربيعة بن الغاز أنه سأل عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ فقالت: (كان يتحرى صيام الاثنين والخميس) رواه ابن ماجة وابن خزيمة وغيرهما وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة حديث رقم ١٤١٤. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء، والخميس) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ومن الوسائل المعينة على التخلص من السمنة المفرطة ممارسة الرياضة، وخاصة رياضة المشي. فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) رواه مسلم.
إذا تقرر هذا، فإن عملية ربط المعدة وهي عملية تجرى لتصغير المعدة، تجوز إذا استنفذت الوسائل الأخرى لعلاج السمنة المفرطة التي أشرت إليها، فحينئذ تكون هنالك حاجةٌ ماسةٌ لإجراء هذه العملية، ولا بد من تحقق الضوابط والشروط الشرعية المقررة لجواز العمليات الجراحية بشكل عام وهي:
[الشرط الأول: أن تكون الجراحة مشروعة: فلا يجوز للمريض أن يطلب فعل الجراحة ولا للطبيب أن يجيبه إلا بعد أن تكون تلك الجراحة مأذوناً بفعلها شرعاً، لأن الجسد ملك لله رب السماوات والأرض وما فيهن? فلا يجوز للإنسان أن يتصرف فيه إلا بإذن المالك الحقيقي. الشرط الثاني: أن يكون المريض محتاجاً إلى الجراحة: أي بأن يخاف على نفسه الهلاك أو تلف عضو من أعضاء جسده أو دون ذلك كتخفيف الألم. الشرط الثالث: أن يأذن المريض أو وليه بفعل الجراحة: فإذا رفض المريض ولو كان يتألم فلا يجوز للطبيب أن يجري الجراحة حتى يأذن له.
الشرط الرابع: أن تتوفر الأهلية في الطبيب الجراح: ويتحقق هذا الشرط بوجود أمرين: أن يكون ذا علم وبصيرة بالعملية المطلوبة، وأن يكون قادراً على تطبيقها وأدائها على الوجه المطلوب، فلو كان جاهلاً بالكلية كأن تكون خارجة عن اختصاصه أو جاهلاً ببعضها فإنه يحرم عليه فعلها، ويعتبر إقدامه عليها في حال جهله بمثابة الجاني المعتدي على الجسم المحرم بالقطع والجرح. وهنا لا بد من استشارة الأطباء الأخصائيين الثقات قبل القيام بعملية ربط المعدة.
الشرط الخامس: أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة: بمعنى أن تكون نسبة نجاح العملية ونجاة المريض من أخطارها أكبر من نسبة عدم نجاحها وهلاكه، فإذا غلب على ظنه هلاك المريض بسببها فإنه لا يجوز له فعلها.
الشرط السادس: ألا يوجد البديل الذي هو أخف ضرراً من الجراحة: كالعقاقير والأدوية، فإن وجد البديل لزم المصير إليه صيانة لأرواح الناس وأجسادهم حتى لا تتعرض لأخطار الجراحة وأضرارها ومتاعبها كالقرحة الهضمية في بدايته يتم علاجه بالعقاقير والتي ثبت مؤخراً تأثيرها على القرحة وأنها أنجح العلاجات وأفيدها. وقد أشرت لبدائل عملية ربط المعدة. أما إذا كان الدواء أشد خطراً وضرراً ولا ينفع في علاج الداء أو زواله فإنه لا يعتبر موجباً للصرف عن فعل الجراحة كبعض الأمراض العصبية حيث يمكن علاج المريض بالعقاقير المهدئة لكنها لا تنفع في زوال الداء وقد تسبب الإدمان فوجود البديل على هذا الوجه وعدمه سواء. وهنا لا بد من التأكيد أنه إذا ترتب ضرر أكبر على عملية ربط المعدة فتحرم حينئذٍ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ سورة البقرة الآية ١٩٥، ولقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ سورة النساء الآية ٢٩.
الشرط السابع: أن تترتب المصلحة على فعل الجراحة: إنما شرعت الجراحة لمصلحة الأجساد ودفع ضرر الأسقام عنها فإذا انتفت تلك المصالح وكانت ضرراً محضاً، فإنه حينئذ ينتفي السبب الموجب للترخيص بفعلها شرعاً وتبقى على أصل الحرمة، ومثال على هذا جراحة إزالة الثآليل بالقطع أو الكت الجراحي فقد ثبت طبياً أن الثآليل لا تزول بالعمل الجراحي، بل فعل القطع والكحت ينتهي بالمصاب إلى عواقب وخيمة وأضرار منها العدوى الجرثومية وتندب موضع الجراحة. وينبغي في هذه المصلحة أن تكون من جنس المصالح التي شهد الشرع باعتبارها وأنها مصلحة مقصودة، أما المبنية على الهوى كجراحة تغيير الجنس فلا يجوز فعلها لعدم اعتبار الشرع لها. الشرط الثامن: أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر المرض: كجراحة التحدب الظهري الحاد فالغالب فيها أنها تنتهي بالشلل النصفي، فعلى الطبيب أن يقارن بين نتائج ومفاسد الجراحة ومفاسد المرض، فإن كانت المفاسد التي تترتب على الجراحة أكبر من المفاسد الموجودة في المرض حرمت الجراحة، لأن الشريعة لا تجيز الضرر بمثله أو بما هو أشد، وأما إذا كان العكس فتجوز.] الوجيز في أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها بتصرف يسير، وانظر للتوسع أحكام الجراحة الطبية للدكتور محمد الشنقيطي ص ١٠٤-١٢٥.
وخلاصة الأمر أن عملية ربط المعدة جائزةٌ شرعاً، إذا استنفذت الوسائل الأخرى لعلاج السمنة المفرطة، ضمن الشروط الشرعية المقررة لأحكام الجراحة الطبية.
стр. 962
٤ - وفاة العلماء
ولكن العلماء لا بواكي لهم
وفاة العلماء أ. د. حسام الدين عفانة / جامعة القدس
قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) رواه البخاري ومسلم. وورد في الحديث من قول النبي ﷺ : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) وهو حديث حسن. وقال علي ﵁: (يموت العلم بموت حملته) رواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، وقال ابن مسعود ﵁: (عليكم بالعلم قبل أن يُرفع، ورفعُهُ هلاك العلماء) رواه الدارمي. ولا شك أن موت العلماء يعتبر خسارة عظيمة للأمة كما قال الشاعر: تعلَّم ما الرزيَّة فَقْدُ مالٍ ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ ولكن الرزيَّةُ فَقْدُ حُرٍّ يموت بموته بشرٌ كثيرُ
وكما قال الآخر: الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها متى يمت عالم منها يمت طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها وإن أبى عاد في أكنافها التلف
فقدت الأمة الإسلامية هذا الأسبوع عالمين جليلين من كبار العلماء المتخصصين في الفقه وأصوله، أما أولهما فهو العلامة شيخ الأصول في بلاد الشام الشيخ الدكتور مصطفى سعيد الخن الذي توفي يوم الجمعة ١ شباط ٢٠٠٨ حيث مات ميتةً كريمة في المسجد أثناء استماعه لخطبة الجمعة، وهذه نبذة موجزة عنه: هو مصطفى بن سعيد بن محمود الخن، الشَّافعي، الدِّمشقي، من أسرةٍ دمشقيةٍ عريقةٍ، وقد تتلمذ على الشَّيخ حسن حبنكة وعلى الشَّيخ علي بن عبد الغني الدقر وعلى الشَّيخ محمد أمين سويد وعلى الشَّيخ إبراهيم بن محمَّد الغلاييني وغيرهم، التحق بالجامع الأزهر عام ١٣٦٩هـ -١٩٤٩م وحصل على شهادته ثم اشتغل بعد تخرجه بالتَّدريس في كلِّية الشَّريعة بجامعة دمشق، ثم أعير لكلِّية الشَّريعة واللُّغة العربية، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، ثم رجع إلى الأزهر فسجل رسالة الدكتوراه بعنوان (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء) بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى عبد الخالق، وحصل على الدكتوراه عام (١٣٩١هـ-١٩٧١م) مع مرتبة الشَّرف الأولى. عُيِّن بعدها في كلِّيي الشَّريعة والتَّربية بجامعة دمشق، ثم رجع إلى كلِّية الشَّريعة بجامعة الإمام محمَّد بن سود الإسلاميَّة، وأشرف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه.
أهم مؤلفاته١. أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء. وكتابه هذا يدرس في عدة جامعات لطلبة الدراسات العليا. ٢. عبد الله بن عباس: حبر الأمة وترجمان القرآن. ٣. دراسة تاريخية للفقه وأصوله والاتِّجاهات التي ظهرت فيهما. ٤. الحسن بن يسار البصري الحكيم الواعظ والزَّاهد العالم. ٥. الأدلَّة الشَّرعية وموقف الفقهاء من الاحتجاج بها. ٦. أبحاثٌ حول أصول الفقه الإسلامي (تاريخه وتطوره) . ٧. الكافي الوافي في أصول الفقه الإسلامي. ٨. (المنهل الراوي، في تقريب النواوي) ، للإمام الفقيه المحدث أبي زكريا النووي. تحقيق ٩. (تسهيل الحصول على قواعد الأصول) ، للعلامة محمد أمين سويد. تحقيق١٠. (نزهة المتَّقين شرح رياض الصَّالحين من كلام سيِّد المرسلين) ، وقد شارك بالتَّأليف الدكتور مصطفى البغا والدكتور محيي الدين مستو والأستاذ علي الشربجي، والأستاذ محمد أمين لطفي. ١١. (الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي) ، وقد شارك بالتَّأليف الدكتور مصطفى البغا والأستاذ علي الشربجي. ١٢. (العقيدة الإسلامية) : أركانها- حقائقها- مفسداتها، وقد شارك بالتَّأليف الدكتور محيي الدين مستو. ١٣. (الإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح) ، وقد شارك بالتَّأليف الدكتور بديع اللحام ١٤. (حسن الأسوة بما ثبت عن الله ورسوله في النسوة) ، محمد صديق القَنُّوجي البخاري. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو. ١٥. (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) ، للإمام الشوكاني. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو. ١٦. (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) ، للبيضاوي. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو، والدكتور بديع اللحام. ١٧. (المنهاج القويم في مسائل التَّعليم) ، لابن حجر الهيتمي. بالاشتراك مع الدكتور محيي الدين مستو، والأستاذ علي الشربجي. وقد كتب عنه د. محيي الدين مستو كتابه: (مصطفى سعيد الخن، العالم المربِّي، وشيخ علم أصول الفقه في بلاد الشام) وقد أسلم روحه لبارئها بعد تسع وثمانين سنة أمضاها في طلب العلم والتعليم والتأليف والنصح للمسلمين.
وأما العالم الثاني الذي فقدناه يوم الثلاثاء ٢٨/١/١٤٢٩ هـ وفق ٥/٢/٢٠٠٨م فهو فضيلة الشيخ العلامة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء سابقاً
وهذه نبذة موجزة عنه: ولد عام ١٣٦٥ هـ. درس في كلية الشريعة بالرياض, عمل أميناً للمكتبة العامة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ومن مشايخه الشيخ القاضي صالح بن مطلق والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان, والشيخ محمد الأمين الشنقيطي وغيرهم، نال شهادة الماجستير والدكتوراه من المعهد العالي للقضاء واشتغل قاضياً في المدينة المنورة وكان مدرساً وإماماً وخطيباً في المسجد النبوي الشريف وكان عضواً في مجمع الفقه الإسلامي الدولي, المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي ثم رئيساً للمجمع. وكان عضواً في المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي.
أما مؤلفاته: فقد ألف في الحديث والفقه واللغة والمعارف العامة وكتبه تزيد على الستين كتاباً، أولاً في الفقه: ١ - ١٥ فقه القضايا المعاصرة: (فقه النوازل) ثلاثة مجلدات فيها خمس عشرة قضية فقهية مستجدة وهي: التقنين والإلزام والمواضعة في الاصطلاح وأجهزة الإنعاش وعلامة الوفاة وطفل الأنابيب وخطاب الضمان البنكي والحساب الفلكي والبوصلة والتأمين والتشريح وزراعة الأعضاء وتغريب الألقاب العلمية وبطاقه الائتمان وبطاقة التخفيض واليوبيل والمثامنة في العقار والتمثيل. ١٦- (التقريب لعلوم ابن القيم) مجلد. ١٧- (الحدود والتعزيرات) مجلد. ١٨- (الجناية على النفس وما دونها) مجلد. ١٩- (اختيارات ابن تيمية) للبرهان ابن القيم, تحقيق. ٢٠- (حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية) مجلد. ٢١- (معجم المناهي اللفظية) مجلد. ٢٢- (لا جديد في أحكام الصلاة) . ٢٣ - (تصنيف الناس بين الظن واليقين) . ٢٤- (التعالم) . ٢٥- (حلية طالب العلم) . ٢٦- (آداب طالب الحديث من الجامع للخطيب) . ٢٧- (الرقابة على التراث) . ٢٨- (تسمية المولود) . ٢٩- (أدب الهاتف) . ٣٠- (الفرق بين حد الثوب والأزرة) . ٣١- (أذكار طرفي النهار) . ٣٢- (المدخل المفصل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل) مجلدان. ٣٣- (البلغة في فقه الإمام أحمد بن حنبل) للفخر ابن تيمية, مجلد, تحقيق. ٣٤- (فتوى السائل عن مهمات المسائل) . ثانياً: في الحديث وعلومه: ٣٥- (التأصيل لأصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل) . ثلاث مجلدات, طبع منها الأول. ٣٦- (معرفة النسخ والصحف الحديثية) . ٣٧- (التحديث بما لا يصح فيه حديث) . ٣٨- (الجد الحثيث في معرفة ما ليس بحديث) للغزي, تحقيق. ٣٩-٤٣- (الأجزاء الحديثية) مجلد, فيه خمس رسائل هي: ٣٩- (مرويات دعاء ختم القرآن الكريم) جزء. ٤٠- (نصوص الحوالة) جزء. ٤١- (زيارة النساء للقبور) جزء. ٤٢- (مسح الوجه باليدين بعد رفعهما بالدعاء) جزء. ٤٣- (ضعف حديث العجن) جزء. ثالثاً: في المعارف العامة: ٤٤- ٤٧- (النظائر) مجلد, ويحتوي على أربع رسائل: ٤٤- (العزاب من العلماء وغيرهم) . ٤٥- (التحول المذهبي) . ٤٦- (التراجم الذاتية) . ٤٧- (لطائف الكلم في العلم) . ٤٨- (طبقات النسابين) مجلد. ٤٩- (ابن القيم: حياته, آثاره, موارده) مجلد. ٥٠-٥٤- (الردود) مجلد, ويحتوي على خمس رسائل٥٠- (الرد على المخالف) . ٥١- (تحريف النصوص) . ٥٢- (براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة) . ٥٣- (عقيدة ابن أبي زيد القيرواني وعبث بعض المعاصرين بها) . ٥٤- (التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير) . ٥٥- (بدع القراء) رسالة. ٥٦- (خصائص جزيرة العرب) . ٥٧- (السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة) , ٣ مجلدات, للشيخ محمد بن عبد الله بن حميد مفتي الحنابلة بمكة ت سنة ١٢٩٦ هـ تحقيق بالاشتراك. ٥٨- (تسهيل السابلة إلى معرفة علماء الحنابلة) للشيخ/ صالح بن عبد العزيز بن عثيمين المكي- رحمه الله تعالى- تحقيق في مجلدين. ٥٩- (علماء الحنابلة من الإمام أحمد إلى وفيات القرن الخامس عشر الهجري) , مجلد ٦٠- (دعاء القنوت) . ٦١- (فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد) للشيخ حامد بن محمد الشارقي مجلد, تحقيق. ٦٢- (نظرية الخلط بين الإسلام وغيره من الأديان) . ٦٣- (تقريب آداب البحث والمناظرة) . ٦٤- (جبل إلال بعرفات) , تحقيقات تاريخية وشرعية. ٦٥- (مدينة النبي ﷺ رأي العين) . ٦٦- (قبة الصخرة, تحقيقات في تاريخ عمارتها وترميمها) . رحم الله مشايخنا رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جناته وإنَّ لله ما أخذَ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمَّى، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها. اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وارفع درجتهم في عليين اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 963
٥ - مشروبات الطاقة
يقول السائل: هل مشروبات الطاقة المنتشرة في الأسواق من المشروبات المباحة أم لا؟ أفيدونا.
الجواب: بدأ انتشار مشروبات الطاقة منذ بضع سنوات في الأسواق المحلية وأقبل عليها الناس وخاصة فئة الشباب لما صاحب انتشارها من دعايات جذابة حول تأثيرها الفعال [وقد نجحت أساليب الدعاية الخاصة بمشروبات الطاقة في السيطرة على ذهن المستهلك بشكل ربما لم يسبق له مثيل، خاصة في أوساط المراهقين، الذين يبحثون عن وسائل مختلفة، لإثبات أنفسهم في المجالات المختلفة، مثل القوة الجسدية والنجاح في الامتحانات، وقوة التحمل واليقظة وغير ذلك، مما له علاقة بأحلام المراهقين] عن شبكة الإنترنت.
وعن محتويات مشروبات الطاقة تقول د. مريم الجلاهمة [هذه المنتجات تحتوي على ٤ مواد رئيسة، هي الكافيين، السكر، التورين وفيتامينات (ب) . ومعظم هذه المشروبات تحتوي على كميات عالية من الكافيين بما يعادل كوباً كبيراً من القهوة المركزة، ويكفي شرب علبةٍ واحدةٍ من هذه المشروبات لتسبب القلق ومشكلات النوم والتبول الليلي للطفل، كما يمكن أن يؤدي الكافيين إلى الإجهاض خصوصاً في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، حيث إن كوبين كبيرين يومياً من القهوة كافيان لحدوث الضرر. كما أن الكافيين يسبب الأرق، وصعوبة النوم لدى البالغين. إضافة إلى ذلك، فإن محتويات هذه المشروبات من السكر في العلبة الواحدة تعادل ١٢ ملعقة شاي، وهذه كمية كبيرة جداً تؤدي إلى السمنة. أما المادة الثالثة التي تحتويها هذه المشروبات فهي مادة التورين المستخلصة من عصارة الصفراء من الثيران وهي مادة تستخدم في عمليات حيوية بالجسم لإنتاج الطاقة، إلا أنه ليست هناك معلومات علمية متوافرة بشأن سلامتها، كما تحتوي هذه المشروبات على مجموعات من فيتامينات (ب) وهي فيتامينات يحتاجها الجسم لإنتاج الطاقة، لكن لا توجد مبررات علمية لإضافتها إلى هذه المشروبات، على اعتبار أن تناول غذاء متوازن يفي بحاجة الجسم منها. وفي ذات الإطار، فإن هذه المشروبات لها تأثيرات سلبية على الرياضيين، حيث إن محتوياتها العالية من السكر تؤدي إلى حدوث الجفاف لدى الرياضيين بسبب منع دخول الماء إلى داخل الجسم.] عن شبكة الإنترنت.
وقال الدكتور إبراهيم بن محمد الرقيعي، أستاذ الغذاء والتغذية في معهد بحوث الموارد الطبيعية والبيئة بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية [إن هذه المشروبات تحتوي على كمية من الطاق تبلغ ٤٥ سعراً حرارياً، لكل ١٠٠مل (١٢٠ كيلو سعر لكل علبة ٢٥٠ مل) ، وعلى نسبة عالية من الكافيين تبلغ ٣٢ ملجم لكل ١٠٠ مل مشروب (٨٠ ملجم في علبة سعتها ٢٥٠ مل) ، واحتمال أن تصيب الإنسان بالجفاف، وأمراض الكلى، وارتفاع ضغط الدم، واضطراب ضربات القلب، والنوبات المرضية، والسكتة الدماغية.] عن شبكة الإنترنت.
وقد قامت عدة جهات صحية وعلمية بدراسات حول مشروبات الطاقة وقد أكدت هذه الدراسات على أضرار تناولها وأن لمشروبات الطاقة تأثيرات سلبية ضارة لصحة الإنسان فقد جاء في دراسة للدكتور فهد بن صالح العريفي استشاري الأطفال ورئيس قسم الطوارئ والإسعاف في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض: [مشروبات طاقة المتداولة خاصة بين فئة المراهقين والتي يعتقدون أنها تمدهم بالطاقة لها أضرار لا تحمد عقباها خاصة عند تناولها بشكل متكرر خلال ٢٤ ساعة ومن خلال عملنا في أقسام الطوارئ تأتي حالات كثيرة من الأطفال والمراهقين بأعراض تتعلق بارتفاع مادة الكافيين والتي تزيد عن معدل ما هو موجود في المرطبات والتي تصل إلى ٢٠ ضعفاً في بعض تلك المشروبات، ومن الأعراض الناتجة عن ارتفاع معدل مادة الكافيين في الدم عند هؤلاء الأطفال والمراهقين التي تتمثل في ازدياد دقات القلب تصل إلى ١٥٠ في الدقيقة وارتفاع في ضغط الدم وزيادة تدفق الدم للعضلات وتقليل كمية الدم إلى الجلد وهذا ما نلاحظه من شحوب في الوجه في حالات التسمم] عن شبكة الإنترنت.
وتقول الجمعية السعودية لعلوم الغذاء والتغذية: إن التناول المفرط لمادة الكافيين، المتوفرة بنسبة عالية في مشروبات الطاقة، من شأنه أن يثير القلق الحقيقي، لأن للكافيين تأثيرات سلبية، مثل زيادة معدل نبضات القلب، وارتفاع ضغط الدم، والجفاف، وعلى الرغم من عدم وجود معلومات كافية عن تأثير استهلاك هذه المشروبات، على المرأة الحامل، إلا أن العبوات تحمل تنبيهاً ينصح الحامل بعدم تناولها، أو عدم الإكثار منها، تماماً مثلما ينصح الأطباء الحامل بعدم الإكثار من شرب القهوة والشاي، والمشروبات الغازية التي تحتوي على المنبهات.] عن شبكة الإنترنت. وقال الدكتور عبد العزيز بن محمد العثمان الأستاذ المساعد للتغذية الإكلينيكية في كلية العلوم الطبية التطبيقية بجامعة الملك سعود بالرياض: [والذي لا يعرفه الكثيرون أن تلك المشروبات تسبب القلق بعد فترة من تناولها بسبب الكمية الكبيرة من الكافيين، فبعد فترة من الزمن يستهلك الجسم الكافيين فتقل نسبته في الدم بعد تخلص الجسم منه فيؤدي ذلك إلى حالة من القلق، وتلك حالات مشابهة لتأثير المخدرات، لو تزداد الكمية لأدت بالتأكيد إلى عدم انتظام ضربات القلب، ومشاكل النوم، وبعض الأعراض النفسية "الانسحابية" والصداع، وأكدت الدراسات الطبية بأن هذه المشروبات تساهم في ارتفاع ضغط القلب وزيادة نسبة السكر في الدم والأرق وآلام الصداع والقلق ونزيف الأنف والنوبات المرضية، ومشاكل تسوس الأسنان، وتقليل الاعتماد على النفس كأحد التأثيرات النفسية للمواد المخدرة.] عن شبكة الإنترنت. وأفادت حصيلة دراسة طبية أميركية جديدة بوجود ارتباط بين استهلاك مشروبات الطاقة وارتفاع ضغط الدم أو مخاطر الإصابة بأمراض القلب، حسب ما أورده تقرير لشبكة "إي فلوكس ميديا" العلمية. وأجرى هذه الدراسة فريق بحث طبي بقيادة الدكتور جيمس كالوس، المدير الأول لخدمات رعاية المرضى في مستشفى هنري فورد بمدينة ديترويت، وقدمت نتائجها في فعاليات المؤتمر العلمي السنوي لرابطة طب القلب الأمريكية لهذا العام (٢٠٠٧) ، الذي انعقد مؤخراً بمدينة أورلاندو بولاية فلوريدا... واكتشف الباحثون أن مستويات ضغط الدم ومعدلات دقات القلب قد ارتفعت في كل القياسات التي أجريت بعد اليوم الأول. وارتفع معدل دقات القلب بزيادة تصل إلى ١١% في اليوم السابع. وتشير هذه النتائج تحديداً إلى أنه قد تكون هناك خطورة، عندما يتجاوز تناول هذه المشروبات مقدار علبتين في اليوم الواحد، خاصة في حالة الأشخاص المرضى بأمراض القلب. وينصح الدكتور جيمس كالوس الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع في ضغط الدم ودقات القلب بأن يتجنبوا هذه المشروبات. وأضاف أنه لا ينبغي أن تؤخذ هذه المشروبات مع النشاط البدني أو مع غيرها من المشروبات التي تسبب ارتفاعاً في ضغط الدم.] عن شبكة الإنترنت. إذا تقرر أن مشروبات الطاقة ضارة بصحة الإنسان كما هو ثابت في كثير من التقارير الطبية والعلمية المنشورة على شبكة الإنترنت، فإنه يجب إخراج مشروبات الطاقة من دائرة المباح، لأننا إذا طبقنا قواعد إباحة الأطعمة والأشربة المقررة شرعاً عليها نحكم بخروجها من دائرة المباح، يقول الله تعالى ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٢٩، ويقول تعالى ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ سورة البقرة الآية ١٩٥، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم وغيرهم وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ٢٥٠. وإذا أخرجنا مشروبات الطاقة من دائرة المباح فإنها تكون في دائرة الحرام أو المكروه، ولا أستطيع أن أجزم بالتحريم، لأن التحريم يحتاج إلى نص صحيح صريح أو إلى قياس صحيح، فتبقى مشروبات الطاقة ضمن دائرة الكراهة الشديدة القريبة من الحرام، والمسلم يجتنب ما كان كذلك. وقد صح في الحديث قول النبي ﷺ : (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك) رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. وأخيراً فإن على التجار أن يراعوا الحلال والحرام فيما يبيعون للناس وأن يتقوا الله في ذلك وأن يعلموا أنهم مسئولون أمام الله الذي لا تخفى عليه خافية وأن يجنبوا الناس تناول المحرمات ويبعدوهم عن الشبهات. وخلاصة الأمر أن مشروبات الطاقة ضارة بالصحة ويترتب على شربها أخطار كثيرة على صحة الإنسان وحكمها الشرعي الكراهة الشديدة وينبغي للمسلم أن لا يشربها، وفي المشروبات الحلال ما يغني عنها.
стр. 964
٦ - كتاب (قول يا طير) وما أثير حوله
يقول السائل: ما قولكم في الضجة التي أثيرت حول كتاب (قول يا طير) من قبل بعض المثقفين، وما قامت به وزارة التربية والتعليم من سحب الكتاب من مكتبات المدارس، أفيدونا؟
الجواب: كتاب (قول يا طير) لمؤلفيه د. شريف كناعنة من جامعة بير زيت، ود. ابراهيم مهوّي أستاذ الأدب العربي المعاصر من جامعة إدنبره سكوتلندا، هو كتاب [يضم خمساً وأربعين حكاية خرافية من مئتي حكاية روى معظمها نساء في جميع أنحاء فلسطين (الجليل والضفة الغربية وغزة) . وقد اختارها مؤلفا الكتاب باعتبارها الحكايات الأكثر رواجاً بين أبناء الشعب الفلسطيني ولقيمتها الفنية (جمالياتها وحسن أدائها) ، ولما تبرزه من ملامح عن الثقافة الشعبية في فلسطين. وكان الداعي الأساسي إلى وضع هذا الكتاب لا الحفاظ على فن قصصي نسائي كان واسع الانتشار عندما كان الشعب الفلسطيني يمارس ثقافته على كامل أرضه فحسب، بل أيضاً كي نعرض صورة علمية وموضوعية للثقافة العربية النابعة من أرض فلسطين ومن تراثها الإنساني الذي تضرب جذوره في عروق التاريخ. ولإبراز خصوصية هذه الثقافة كان علينا أن نضع الحكايات باللغة العربية الدارجة التي رويت بها، وأن نرفقها بدراسة معمقة على عدة مستويات تبرز الملامح الوطنية لهذه الثقافة، ... كذا قال المؤلفان. وقد تم توزيع عدد من نسخ الكتاب على المدارس الفلسطينية ليستفيد منه المعلمون لا الطلبة، وفي استمارة اعتمدتها وزارة التربية والتعليم لأحد المُقيمين لكتاب (قول يا طير) ... قبيل توزيعه على المدارس، جاء فيها [إن هذا الكتاب لا توجد له علاقة مباشرة بالمنهاج ولكن بعض القصص الخيالية يمكن الاستفادة منها] . ويفصح المُقيم خلال هذه الاستمارة بصورة واضحة عند إجابته عن الاتجاهات والقيم التي يؤديها هذا الكتاب، بالقول: [يمكن للأطفال أن يتعلموا بعض السلوكيات الخاطئة مثل الكذب والغش والخداع والألفاظ البذيئة، وكذلك الكبار أيضاً.] ثم يضيف [ ... ولكن ينصح أن لا يكون بأيدي الطلبة لاحتوائه على ألفاظ بذيئة ... وفي التنسيب النهائي لهذا المقيم الذي أدى مهمة فحص الكتاب، أوصى بحذف بعض العبارات أو الألفاظ البذيئة قبل توزيعه على الأطفال والطلبة. وذيل هذا الفاحص أو المقيم توصيته بأمثلة على العبارات التي طالب بحذفها مطالبا بالعودة إلى الصفحات (٩٠، ٩٧، ٩٨، ١٠٥، ١٠٦، ١١٥، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٢، ١٤٦) من الكتاب. ورغم ذل تم توزيع الكتاب على المدارس دون أخذ هذه التوصية بعين الاعتبار] عن شبكة الإنترنت.
وهذا الكتاب يشتمل على خرافات وقصص من تراث الفلسطيني تشتمل على أمور منكرة مثل ما ورد في الكتاب من زنى الابن بأمه وملاحقة الأب لابنته ليتزوجها ومثل حكاية الشيخ المحتال التي تعطي انطباعاً سيئاً عن قارئ القرآن الكريم ... إلخ، واشتمل الكتاب أيضاً على ألفاظ ساقطة ونابية وعبارات جنسية هابطة كما أن الكتاب قد وضع باللغة العامية الدارجة. والضجة التي أثيرت حول الكتاب ليست بريئة من أهداف غير ثقافية؟؟!! ويظهر ذلك من تعبيرات بعض المحتجين على قرار وزارة التربية بسحب الكتاب - وأتمنى أن لا تكون الوزارة قد تراجعت عنه – ومن هذه التعبيرات (يبدو أن عدوى محاكم التفتيش التي أصابت بعض البلدان العربية قد انتقلت إلى فلسطين) ، (إن هذا الإعدام – سحب الكتاب - يرقى إلى مستوى الجنون الطالباني الذي نسف تمثال بوذا في أفغانستان، رغم قيمته التاريخية والفنية) ، (هذا التفكير الذي ينتمي إلى ممارسات محاكم التفتيش في القرون الوسطى) وأخطر من ذلك أن بعضهم قارن بين كتاب (قول يا طير) وبين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فزعم أن فيهما نصوصاً تخدش الحياء!! ولقد أعظم الفرية على كتاب الله وعلى نبينا محمد ﷺ .
إذا تقرر هذا عن حقيقة كتاب (قول يا طير) فإن وصفه بأنه (كتاب أكاديمي علمي يعد من أمهات كتب التراث الشعبي) وصف في غير محله، وما قيل من أن سحب الكتاب إنما هو اعتداء على الترات الفلسطيني، فكلام باطل، وكأن التراث الفلسطيني مقدس لا يجوز مسه بأي حال من الأحوال. إن التراث الفلسطيني فيه الغث والسمين وفيه النافع والضار وفيه ما يتفق مع عقيدتنا وديننا وفيه ما يخالف ذلك، فيجب أن يخضع التراث الفلسطيني للنقد العلمي، لأنه تراث غير معصوم وغير مقدس، وإذا كانت النصوص المنقولة عن نبي الإسلام محمد ﷺ قد خضعت لمعايير النقد عند المحدثين أفلا تخضع الخرافات وقصص الفاحشة والرذيلة للنقد!! أم أن هؤلاء المثقفين يريدون أن يضفوا على التراث قدسية، تجعله فوق النقد وفوق المساءلة وفوق الفحص والاختبار. أم أن هؤلاء المثقفين يرددون علينا ما قاله الجاهليون كما أخبرنا الله ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ سورة البقرة الآية ١٧٠. وقال تعالى ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون﴾ سورة المائدة الآية ١٠٤. وقال تعالى ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير﴾ سورة لقمان الآية ٢١. وقال تعالى ﴿بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ سورة الزخرف الآية ٢٢. وقال تعالى ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ سورة الزخرف الآية ٢٣.
ويضاف إلى ما سبق كما أشرت أن كتاب (قول يا طير) كتب باللغة العامية، والأصل أن نعلم أبنائنا اللغة العربية الفصحى
فهي لغتنا، وهي لغة القرآن الكريم ولغة الحديث النبوي الشريف، كما قال تعالى ﴿بلسان عربي مبين﴾ سورة الشعراء الآية١٩٥، فعلينا أن نكتب وننشر بالفصحى لا بالعامية.
وخلاصة الأمر أن كتاب (قول يا طير) يجب سحبه من مكتبات المدارس، لأن فيه ما يخالف ديننا وعاداتنا وأعرافنا الطيبة، ولا ينبغي أن يكون بين أيدي الأطفال لأن فيه ما فيه من الأمور التي أشرت لبعضها. وخلاصة الموقف الصحيح من التراث الفلسطيني وغيره من التراث العالمي أنه يجب أن يخضع لقواعد النقد العلمي فما كان صحيحاً بميزان شرعنا قبلناه وما كان غير ذلك رفضناه والحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها.
стр. 965
٧ - ضوابط تنفيذ وصية الميت
يقول السائل: أوصى شخص عند موته ألا يحضر جنازته أحد أبنائه، فهل تنفيذ وصية الميت لازم بغض النظر عن الشيء الموصى به، أفيدونا؟
الجواب: ينبغي أن يعلم أولاً أن الوصية مشروعة بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ قال الله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين﴾ سورة البقرة الآية ١٨٠، وقال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم﴾ سورة النساء ١٢.
وورد في الحديث عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت فقلت يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قال قلت أفأتصدق بشطره قال لا الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في - فم – امرأتك ... ) رواه مسلم. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم (أنه سمع رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة، قال عبد الله بن عمر ﵁ ما مرت عليًّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي) . وغير ذلك من النصوص.
إذا تقرر هذا فإن الوصية تكون بالأمور المالية وتكون أيضاً بالأمور المعنوية فيمكن للإنسان أن يوصي بمبلغ من ماله لشخص معين أو جهة خيرية وقد يوصي بقضاء دين عليه أو يوصي ولده بحفظ كتاب الله أو يوصي أن يضحى عنه فقد ورد مثل ذلك في الأحاديث والآثار فقد روى أبو داود بإسناده عن حنش قال رأيت علياً ﵁ يضحي بكبشين فقلت له ما هذا؟ فقال إن رسول الله ﷺ أوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه) رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه. وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما حضر أُحدٌ – أي غزوة أحد - دعاني أبي من الليل فقال ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ وإني لا أترك بعدي أعز عليَّ منك غير نفس رسول الله ﷺ فن عليًّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك خيراً، فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه) رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ أنها أوصت عبد الله بن الزبير ﵄: لا تدفني معهم – أي مع النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به أبداً) رواه البخاري.
وتنفيذ الوصية واجب عند أهل العلم ما دامت ضمن دائرة الشرع ولا يجوز لأحد أن يغير شيئاً من وصية الميت ما دامت ضمن الضوابط الشرعية، قال الله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم﴾ سورة البقرة الآيتان ١٨٠- ١٨١. وأما إذا أوصى الميت بما يخالف الشرع فيجوز حينئذ تبديل الوصية باتفاق العلماء، قال الإمام القرطبي: [ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث، قاله أبو عمر. - أي الحافظ ابن عبد البر -] تفسير القرطبي ٢/٢٩٦. فإذا أوصى الميت بحرمان أحد أولاده من الميراث فلا تنفذ وصيته حتى لو كان الولد عاقاً لأبيه حال حياته، فلا يجوز للأب أن يوصي بحرمان ولده العاق فهذه وصية باطلة وإن أوصى فلا تنفذ، لأن الله أعطى كل وارث من الورثة حقه، فقد قال رسول الله ﷺ : (إن الله أعطى كل ذي حق حقه) رواه البخاري ومسلم. وكذلك إذا أوصى الميت بنقله من محل وفاته إلى بلده وكان نقله يؤدي إلى تغير الميت أو انتهاك حرمته أو تأخير دفنه، فإن وصيته لا تنفذ، لأن في تنفيذها مخالفة للشرع ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادي النبي ﷺ فقال: (إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن صحيح. ويؤيد ذلك أيضاً أن النبي ﷺ أمر بالإسراع في الجنائز وتعجيل دفنها فقد ورد في الحديث: (إن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا) رواه أبو داود أي عجلوا في التجهيز والتكفين. وكذلك إذا أوصى الإنسان أن لا يحضر جنازته أحد من الناس فوصيته لا تنفذ لمخالفتها للشرع. ومثل ذلك إذا أوصى شخص أن يدفن في المسجد لأن إدخال القبور للمساجد لا يجوز شرعاً لقول النبي ﷺ (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ لما أخبرته أم سلمة وأم حبيبة ﵄ بكنيسة في الحبشة فيها تصاوير فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله) رواه البخاري ومسلم. وقال ﷺ : (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم، وغير ذلك من الأحاديث.
وكذلك إذا أوصى شخص أن يوضع معه مصحف في قبره ليستأنس به حسب زعمه فيحرم تنفيذ هذه الوصية لما فيها من امتهان واحتقار للمصحف الشريف ويجب صيانة المصحف عن القاذورات والنجاسات ويجب تكريمه والمحافظة عليه.
وكذلك لا تنفذ الوصية فيما لو أوصى لأحد الورثة، إلا إذا أجازها الورثة لما ثبت في الحديث من قول الرسول الله ﷺ : (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. وكذلك لا تصح الوصية بأكثر من الثلث ولا تنفذ عند جمهور أهل العلم إلا إذا أجازها الورثة، لما ورد في حديث سعد السابق قال رسول الله ﷺ (الثلث والثلث كثير) وقال الترمذي بعد أن رواه [والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ليس للرجل أن يوصي بأكثر من الثلث وقد استحب بعض أهل العلم أن ينقص من الثلث لقول رسول الله ﷺ والثلث كثير] سنن الترمذي ٣/٣٠٦. وعن ابن عباس ﵄ قال: (لو غض الناس إلى الربع لأن رسول الله ﷺ قال: الثلث والثلث كثير أو كبير) رواه البخاري.
وخلاصة الأمر أنه يجوز للمسلم أن يوصي بالأمور المالية وغيرها ضمن الضوابط الشرعية، فإذا خالفت الوصية الأحكام الشرعية، فلا تنفذ، ووصية الميت ليست مقدسة يلزم تنفيذها عل كل حال، بل تنفذ إذا كانت ضمن ضوابط الشرع. وعليه فإن وصية الميت المذكورة في السؤال بأن لا يحضر جنازته أحد أولاده باطلة ولا تنفذ.
стр. 966
٨ - حكم سرقة الأبحاث
يقول السائل: ما قولكم فيما يفعله بعض الطلبة الجامعيين من أخذهم بحوث غيرهم من الطلاب وينسونها لأنفسهم ويقدمونها كأبحاث للتخرج على أنها من جهدهم أفيدونا؟
الجواب: ما ذكره السائل ظاهرة بدأت تنتشر في أوساط الطلبة الجامعيين وغيرهم حيث إن بعض الطلبة يسطون على أبحاث غيرهم وينسبونها لأنفسهم بل تعدى الأمر ذلك فأصبح لدينا بعض المكتبات ومراكز الإنترنت التي تبيع بحوثاً جاهزة للطلبة وبعض الناس يقومون بكتابة بحوث ويبيعونها للطلبة مقابل مبالغ معينة فضلاً عن سرقة الأبحاث عن طريق شبكة الإنترنت فهذا الأمر صار شائعاً في أوساط طلبة الجامعات ومما يؤسف له أن بعض أساتذة الجامعات يسهمون في ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر فعندما يطلب أستاذ الجامعة بحوثاً من طلابه وعندما يتسلمها منهم لا يكلف نفسه عناء تصفحها فضلاً عن قراءتها فلا شك أن هذا يدفع الطلبة إلى سرقة البحوث لأنهم يعرفون سلفاً أن أستاذهم المذكور لا يقرأ البحوث وهذا الأمر يؤدي إلى آثار خطيرة على المسيرة التعليمية لأن الأصل أن هنالك أهدافاً يجب أن تتحقق عند تكليف الطلبة بالبحوث مثل تمرين الطلبة على الكتابة العلمية وتقوية صلتهم بالمكتبة والمراجع ونحو ذلك فعندما يحصل الطالب على بحث جاهز سواء كان ذلك مقابل أجر أو بدون أجر فإن الغايات المرجوة من تكليفه بالأبحاث لا تتحقق.
إذا تقرر هذا فإن كتابة الأبحاث للطلبة بأجر أو بدون أجر وكذا سرقة الطلبة للأبحاث من غيرهم أو عن طريق شبكة الإنترنت كل ذلك محرم شرعاً لما يلي:
أولاً: لأنه غش صريح فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس مني) رواه البخاري ومسلم وفي رواية أخرى عند مسلم قال النبي ﷺ : (من غشنا فليس منا) .
ثانياً: إن هذا العمل يعتبر خيانة للأمانة العلمية التي يجب أن يحترمها أساتذة الجامعات قبل طلبتهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة الأنفال الآية ٢٧. وخيانة الأمانة من صفات المنافقين كما صحَّ في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية عند مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) . وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان وإذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم. وقد اعتبر العلماء خيانة الأمانة من كبائر الذنوب. انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/٦١٧. وقد وردت أحاديث كثيرة في الترهيب من خيانة الأمانة منها: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال في الخطبة: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) رواه ابن حبان والبيهقي والبغوي، ثم قال: هذا حديث حسن. شرح السنة ١/٧٥ وحسّنه الشيخ الألباني لشواهده كما في تخريجه للمشكاة ١/١٧.
ثالثا: إن الشريعة الإسلامية حرمت انتحال الانسان قولاً لغيره أو إسناده إلى غير من صدر منه وقضت بضرورة نسبة القول إلى قائله والفكرة إلى صاحبها لينال هو دون غيره أجر ما قد تنطوي عليه من الخير أو يتحمل وزر ما قد تجره من شر فقد روي عن الإمام أحمد: أنه امتنع عن الإقدام على الاستفادة بالنقل أو الكتابة عن مقال أو مؤلف عرف صاحبه إلا بعد الاستئذان منه فقد روى الغزالي أن الإمام أحمد سئل عمن سقطت منه ورقة كتب فيها أحاديث أو نحوها أيجوز لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها؟ قال: لا، بل يستأذن ثم يكتب.
رابعاً: إن من ينسب جهود الآخرين لنفسه متشبع بما لم يعط كما ثبت في الحديث عن عائشة ﵂ أن امرأة قالت يا رسول الله: أقول إن زوجي أعطاني ما لم يعطني، فقال رسول الله ﷺ : (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) رواه البخاري ومسلم. قال الإمام النووي في شرحه للحديث: [قال العلماء: معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده, يتكثر بذلك عند الناس, ويتزين بالباطل, فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور.] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٩١. وقد صدق رسول الله ﷺ فكم في جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية وغيرها من أمثال هؤلاء الذين ينطبق عليه حديث الرسول الله صلى الله عليه (المتشبع بما لم يعط) فهؤلاء الذين تحملهم شهاداتهم ولا يحملونها.
خامساً: إن هذا العمل من التعاون على الباطل الذي يترتب عليه مفاسد كثيرة تنعكس على الفرد والمجتمع حيث سيتخرج أناس بالغش والتزوير وسيتولون المناصب بحصولهم على شهادات الزور (شهاداتهم الجامعية) .
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بتحريم إعداد البحوث بالنيابة فقد أجابت عن السؤال التالي: [يطلب بعض المدرسين من الطلبة عمل بحث ويعطي الطالب عليه درجات، فهل يجوز لي أن أعمل هذا البحث للطالب مقابل أجر مادي آخذه منه؟
الجواب: عمل البحث المطلوب من الدارس في المدارس الحكومية أو غيرها واجب دراسي، له أهدافه: من تمرين الطالب على البحث، والتعرف على المصادر، ومعرفة مدى قدرته على استخراج المعلومات، وترتبيها.. إلى آخر ما يهدف إليه طلب إعداد البحث؛ لهذا فإن قيام بعض المدرسين أو غيرهم بذلك نيابة عن الطالب، مقابل أجرة أو بدون أجرة، هو عمل محرم، والأجرة عليه كسب حرام؛ لما فيه من الغش والكذب والتزوير، وهذا تعاون على الإثم، والله سبحانه يقول: (وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى اْلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) سورة المائدة الآية ٢. وقال ﷺ : (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) رواه مسلم ... ] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٢/٢٠٣. وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين [وإن مما يؤسف له أن بعض الطلاب يستأجرون من يعد لهم بحوثاً أو رسائل يحصلون على شهادات علمية أو من يحقق بعض الكتب فيقول لشخص حضر لي تراجم هؤلاء وراجع البحث الفلاني ثم يقدمه رسالة ينال بها درجة يستوجب بها أن يكون في عداد المعلمين أو ما أشبه ذلك فهذا في الحقيقة مخالف لمقصود الجامعة ومخالف للواقع وأرى أنه نوع من الخيانة لأنه لابد أن يكون المقصود من الرسالة هو الدراسة والعلم قبل كل شيء فإذا كان المقصود من ذلك الشهادة فقط فإنه لو سئل بعد أيام عن الموضوع الذي حصل على الشهادة فيه لم يجب لهذا أحذر إخواني الذي يحققون الكتب أو الذين يحضرون رسائل على هذا النحو من العاقبة الوخيمة ... ] من كتاب العلم للشيخ العثيمين عن شبكة الإنترنت.
وخلاصة الأمر أنه يحرم شرعاً كتابة الأبحاث العلمية نيابة عن الآخرين وهذا العمل لا تدخله النيابة ويحرم التعاون مع الطلبة في هذا العمل من قبل الأساتذة أو المكتبات أو مراكز الإنترنت لأنه تعاون على الإثم والباطل وقد قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ سورة المائدة الآية ٢.
стр. 967
٩ - حكم التبرع بالأعضاء البشرية لغير المسلم
يقول السائل: ما هي الضوابط التي وضعها الفقهاء القائلون بجواز نقل الأعضاء البشرية من إنسان لآخر وخاصة ما يتعلق بالشخص المنقول إليه، أفيدونا؟
الجواب: مسألة نقل الأعضاء من إنسان وزرعها في جسم إنسان آخر من المسائل الحديثة التي بحثت بحثاً موسعاً من العلماء والباحثين المعاصرين وقد كتبت فيها أبحاث كثيرة وآخر ما اطلعت عليه رسالة دكتوراة تناولت الموضوع من جميع جوانبه وخلاصة الشروط التي ذكرها العلماء والباحثون المعاصرون لجواز نقل الأعضاء وزرعها ما يلي:
ما جاء في القرار الصادر عن المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي في دورته المنعقدة بتاريخ ١٨ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ، الموافق ٦ فبراير ١٩٨٨ م
أولاً: يجوز نقل العضو من مكان من جسم الإنسان إلى مكان آخر من جسمه، مع مراعاة التأكد من أنَّ النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها، وبشرط أن يكون ذلك لإيجاد عضو مفقود أو لإعادة شكله أو وظيفته المعهود له، أو لإصلاح عيب أو إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً.
ثانياً: يجوز نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر، إن كان هذا العضو يتجدد تلقائياً، كالدم والجلد، ويراعى في ذلك اشتراط كون الباذل كامل الأهلية، وتحقق الشروط الشرعية المعتبرة.
ثالثاً: تجوز الاستفادة من جزء من العضو الذي استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما عند استئصال العين لعلة مرضية.
رابعاً: يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى إنسان آخر.
خامساً: يحرم نقل عضو من إنسان حي يعطل زواله وظيفة أساسية في حياته وإن لم تتوقف سلامة أصل الحياة عليها كنقل قرنية العين كلتيهما، أما إن كان النقل يعطل جزءاً من وظيفة أساسية فهو محل بحث ونظر كما يأتي في الفقرة الثامنة.
سادساً: يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو، أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك. بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولي أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.
سابعاً: وينبغي ملاحظة: أنَّ الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها، مشروط بأن لا يتم ذلك بواسطة بيع العضو. إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإسان للبيع بحال ما.
أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأة وتكريماً، فمحل اجتهاد ونظر.
ثامناً: كل ما عدا الحالات والصور المذكورة، مما يدخل في أصل الموضوع، فهو محل بحث ونظر، ويجب طرحه للدراسة والبحث في دورة قادمة، على ضوء المعطيات الطبية والأحكام الشرعية. والله أعلم
ويلاحظ على قرار المجمع الفقهي أنه لم يشر إلى الشخص الذي سيزرع فيه العضو المنقول ولكن بعض المجامع العلمية الأخرى وبعض الباحثين نصوا على أنه يشترط في الشخص الذي سيزرع فيه العضو المنقول أن يكون مسلماً أو ذمياً معصوم الدم ولا يجوز النقل لكافر حربي.
وجاء في رسالة الدكتوراه للباحث د. يوسف بن عبد الله الأحمد بعنوان (أحكام نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي) شروط نقل الأعضاء فقال [ما يجوز نقله من الأعضاء مما ذكر، إنما يجوز وفق الشروط العامة التي لابد من اعتبارها في نقل أي عضو من الأعضاء، وهذه الشروط هي: ١. ألا يترتب على المتبرع ضرر بذهاب نفسه أو منفعة فيه؛ كالسمع والبصر والمشي ونحو ذلك؛ حفظاً لحق الله تعالى.
٢. ألا يكون النقل إلا بإذن المنقول منه؛ حفظاً لحق العبد في بدنه. وأخذ العضو دون إذنه ظلم واعتداء.
٣. أن يكون إذن المنقول منه وهو كامل الأهلية؛ فلا يصح من الصغير، والمجنون، أو بإسلوب الضغط والإكراه، واستعمال أساليب الحيل والإحراج؛ حفظاً لحق العبد في بدنه.
٤. ألا يكون النقل بطريق تمتهن فيه كرامة الإنسان؛ كالبيع، وإنما تكون بطريق الإذن والتبرع.
٥. أن يكون المنقول له معصوم الدم، فهو الذي أوجب الشرع حفظ نفسه بخلاف مهدر الدم؛ كالحربي.
٦. أن تحفظ العورات؛ فلا يجوز الكشف عليها إلا عند الضرورة، أو الحاجة الملحة، والضروة أو الحاجة تقدر بقدرها.
٧. إعمال الأطباء الذين يشرفون على علاج المريض قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد للمريض والمتبرع؛ فلا تجرى عملية النقل وانتفاع المريض بها مرجوح، ولا ينقل العضو من الإنسان مع إمكان علاج المريض بوسيلة أخرى. وغير ذلك من الصور والأحوال التي يدور عليها تصرف الطبيب مع المريض بإعماله لقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.]
وجاء في فتوى للشبكة الإسلامية عند ذكر شروط زرع الأعضاء [والتبرع بما ذكر في الحالتين مشروط بأن يكون المتبرَّع له معصوم الدم، أي أن يكون مسلماً أو ذمياً، بخلاف الكافر المحارب.] عن شبكة الإنترنت
وجاء في فتوى أخرى للشبكة الإسلامية عند ذكر شروط زرع الأعضاء [ ... وعليه فإذا كان المسلم متأكداً من أن المستفيد من أعضائه مسلمون أو من أهل الذمة فلا مانع من توقيعه على مثل هذه الوثيقة، وأما إذا أمكن أن يستفيد منها محارب فلا يجوز له فعل ذلك.] عن شبكة الإنترنت
وجاء في فتوى ثالثة للشبكة الإسلامية عند ذكر شروط زرع الأعضاء [وذكرنا هناك أنه يشترط أن يكون المتبرَع له معصوم الدم أي أن يكون مسلماً أو ذمياً، أما الكافر المحارب فلا يجوز التبرع له بالأعضاء]
وجاء في قرارات مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ما يلي: [قرر مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بالإجماع جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه. كما قرر بالأكثرية ما يلي:
أ- جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.
ب- جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك.]
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز التبرع بالأعضاء لغير المسلم ولغير الذمي فلا يجوز التبرع بالأعضاء للكافر الحربي ولا يزعمن أحد أن التبرع بالأعضاء عمل إنساني ينبغي التسوية فيه بين بني آدم جميعاً فهذه إنسانية مزيفة.
وقديماً قال الشاعر العربي: ومن يجعل المعروف في غير أهله يكن حمده ذمّاً عليه ويندمِ.
стр. 968
١٠ - حديث (لا تجوز شهادة بدوي على حضري)
يقول السائل: إنه قرأ حديثاً عن النبي ﷺ ورد فيه أنه لا تجوز شهادة بدوي على حضري فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ أفيدونا؟
الجواب: من المعلوم أن الأصل في الشاهد العدالة وأن يكون مرضياً كما قال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ سورة الطلاق الآية ٢ وقال تعالى ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ سورة البقرة الآية٢٨٢. بالإضافة إلى الشروط الأخرى للشاهد التي ذكرها الفقهاء والعدالة في الأصل لا ارتباط لها بمكان إقامة الشاهد سواء أكان في البادية أو الحاضرة قال الشيخ ابن قدامة المقدسي [العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله قال القاضي: يكون ذلك في الدين والمروءة والأحكام ... ] المغني ١٠/١٤٨
وأما الحديث الذي أشار إليه السائل فقد رواه أبو داود بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) ورواه أيضاً ابن ماجة والحاكم والبيهقي وقال الحافظ ابن دقيق العيد: ورجاله إلى منتهاه رجال الصحيح. الإلمام بأحاديث الأحكام ص ٥٢٠. وصححه العلامة الألباني كما في إرواء الغليل ٨/٢٩٠.
وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذا الحديث فقال جماعة من العلماء إن المقصود بالحديث هو رد شهادة البدوي مجهول العدالة وأما إذا كان عدلاً فتقبل شهادته.
قال أبو بكر اِلْجَصَّاصِ [وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ , فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ هِيَ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ... قَالَ أَبُو بَكْرٍ - الجصاص-: جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَائِلِ الْآيَةِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ شَهَادَةِ الْقَرَوِيِّ وَالْبَدْوِيِّ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ وَهَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ , ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يَعْنِي مِنْ رِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَحْرَارِ , وَهَذِهِ صِفَةُ هَؤُلَاءِ , ثُمَّ قَالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ وَإِذَا كَانُوا عُدُولاً فَهُمْ مَرْضِيُّونَ. وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى فِي شَأْنِ الرَّجْعَةِ وَالْفِرَاقِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَهَذِهِ الصِّفَةُ شَامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ إذَا كَانُوا عُدُولاً , وَفِي تَخْصِيصِ الْقَرَوِيِّ بِهَا دُونَ الْبَدْوِيِّ تَرْكُ الْعُمُومِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ ; وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُمْ مُرَادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وَبِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ لِأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْبَدْوِيِّ عَلَى بَدْوِيٍّ مِثْلِهِ عَلَى شَرْطِ الْآيَةِ. وَإِذَا كَانُوا مُرَادِينَ بِالْآيَةِ فَقَدْ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْقَرَوِيِّ مِنْ حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , وَمِنْ حَيْثُ اقْتَضَتْ جَوَازَ شَهَادَةِ الْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدْوِيِّ.... وَقَدْ رَوَى سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ﴿شَهِدَ أَعْرَابِيٌّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ , فَأَمَرَ بلالاً يُنَادِي فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَداً﴾ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ] أَحْكَامُ الْقُرْآنِ ٢/٢٢٩-٢٣٠
وقال الإمام الشوكاني: [وذهب الأكثر إلى القبول قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم ا. هـ. وهذا حمل مناسب لأن البدوي إذا كان معروف العدالة كان رد شهادته لعلة كونه بدوياً غير مناسب لقواعد الشريعة لأن المساكن لا تأثير لها في الرد والقبول لعدم صحة جعل ذلك مناطاً شرعياً ولعدم انضباطه فالمناط هو العدالة الشرعية إن وجد للشرع اصطلاح في العدالة وإلا توجه الحمل على العدالة اللغوية فعند وجود العدالة يوجد القبول وعند عدمها يعدم ولم يذكر ﵌ المنع من شهادة البدوي إلا لكونه مظنة لعدم القيام بما تحتاج إليه العدالة وإلا فقد قبل ﷺ في الهلال شهادة بدوي.] نيل الأوطار ٨/٣٣٠.
وقال الإمام القرطبي [ ... فعمموا الحكم، ويلزم منه قبول شهادة البدوي على القروي إذا كان عدلاً مرضياً وبه قال الشافعي ومن وافقه، وهو - أي البدوي - من رجالنا وأهل ديننا. وكونه بدوياً ككونه من بلد آخر والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي، قال الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فمنكم خطاب للمسلمين ... ] تفسير القرطبي ٨/٢٣١- ٢٣٢
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ظاهر كلام الخرقي أن شهادة البدوي على من هو من أهل القرية وشهادة أهل القرية على البدوي , صحيحة إذا اجتمعت هذه الشروط وهو قول ابن سيرين وأبي حنيفة والشافعي , وأبي ثور واختاره أبو الخطاب وقال الإمام أحمد: أخشى أن لا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية فيحتمل هذا أن لا تقبل شهادته وهو قول جماعة من أصحابنا ومذهب أبي عبيد. وقال مالك كقول أصحابنا فيما عدا الجراح , وكقول الباقين في الجراح احتياطاً للدماء واحتج أصحابنا بما روى أبو داود في " سننه " عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) ولأنه متهم حيث عدل عن أن يشهد قروياً وأشهد بدوياً قال أبو عبيد: ولا أرى شهادتهم ردت إلا لما فيهم من الجفاء بحقوق الله تعالى والجفاء في الدين. ولنا , أن من قبلت شهادته على أهل البدو قبلت شهادته على أهل القرية كأهل القرى ويحمل الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو ونخصه بهذا لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم فيعرف عدالته.] المغني ١٠/١٤٧-١٤٨.
وأما الذين لم يجيزوا شهادة البدوي على الحضري فيرون أن لذلك أسباباً منها أنه يغلب على أهل البادية الجهل بأحكام الدين عامة والشهادة خاصة قال الإمام الخطابي: [يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو لما فيهم من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشريعة ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقها لقصور علمهم عما يحيلها ويغيرها عن وجهها] معالم السنن ٤/١٥٧.
ويرى بعض أهل العلم أن رد شهادة البدوي على الحضري يعود لمكان التهمة في ترك إشهاد الحضري وإشهاد البدوي مكانه قال ابن العربي المالكي [ ... إسْقَاطُ شَهَادَةِ الْبَادِيَةِ عَنْ الْحَاضَرَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ ; فَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ , وَمَنْزِلَةٌ شَرِيفَةٌ , وَوِلَايَةٌ كَرِيمَةٌ , فَإِنَّهَا قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ , وَتَنْفِيذُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ ; وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَمَالَ الصِّفَةِ , وَقَدْ بَيَّنَّا نُقْصَانَ صِفَتِهِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ. وَقِيلَ: إنَّمَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ , لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْقِيقِ التُّهْمَةِ إذَا شَهِدَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ بِحُقُوقِ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ , وَتِلْكَ رِيبَةٌ ; إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحاً لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْحَضَرِيُّونَ , فَعَدَمُ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُمْ وَوُجُودُهَا عِنْدَ الْبَدْوِيِّينَ رِيبَةٌ تَقْتَضِي التُّهْمَةَ , وَتُوجِبُ الرَّدَّ] أحكام القرآن ٢/١٠٠٦
وقال الدسوي المالكي: [وحاصله أن تحمل الشاهد الشهادة إذا استبعده العقل أي استغربه أي نسبه للبعد والغرابة كان ذلك مبطلاً للشهادة عند أدائها. قوله: (كبدوي يستشهد) أي يطلب منه تحمل الشهادة في الحضر لحضري أو لبدوي على حضري أو على بدوي بدين أو بيع أو شراء ونحوهما مما يقصد الإشهاد عليه من سائر عقود المعاوضة ونحو الوصية والعتق والتدبير، فإذا طلب من البدوي تحمل الشهادة بشيء من ذلك في الحاضرة فلا تقبل منه إذا أداها، وذلك لأن ترك إشهاد الحضري وطلب البدوي لتحمل تلك الشهادة فيه ريبة لأن العقل يستبعد ويستغرب إحضار البدوي لتحمل الشهادة دون الحضري، وأما لو تحمل البدوي الشهادة في الحضر لحضري أو بدوي على حضري أو بدوي بحرابة أو قتل أو قذف أو جرح أو شبه ذلك كغصب وضرب وأداها، فإنها تقبل منه لعدم الاستبعاد في تحملها] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/١٧٥.
وخلاصة الأمر أن الحديث المشار إليه في السؤال حديث صحيح ثابت عن النبي ﷺ ولكن الحديث محمول على من لم تثبت عدالته من البدو حيث إن القاعدة عند المحققين من أهل العلم أن الأصل في الناس الجهالة لا العدالة. فإن ثبتت عدالة البدوي فشهادته مقبولة ولا فرق بينه وبين الحضري وهذا هو المتفق مع قواعد الشرع العامة التي لا تفرق بين الناس بناءً على اختلاف موطنهم.
стр. 969
١١ - حكم الاستغفار والترحم لمن مات على الكفر
يقول السائل: ذكرت بعض كتب التفسير أن قَوْل الله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قد نزلت في قصة عم النبي ﷺ أبو طالب مع أن الآية في سورة التوبة وهي متأخرة النزول أفيدونا؟
الجواب: روى الإمام البخاري بإسناده عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل فقال أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ ونزلت ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ )
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [قوله: ( ﴿فنزلت: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ . ونزلت ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ أما نزول هذه الآية الثانية فواضح في قصة أبي طالب , وأما نزول التي قبلها ففيه نظر , ويظهر أن المراد أن الآية المتعلقة بالاستغفار نزلت بعد أبي طالب بمدة , وهي عامة في حقه وفي حق غيره , ويوضح ذلك ما سيأتي في التفسير بلفظ (فأنزل الله بعد ذلك ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ الآية. وأنزل في أبي طالب ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ . ولأحمد من طريق أبي حازم عن أبي هريرة في قصة أبي طالب قال: فأنزل الله ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وهذا كله ظاهر في أنه مات على غير الإسلام] فتح الباري ٧/٢٤٥
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أيضاً: [قوله: (فأنزل الله: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) أي ما ينبغي لهم ذلك , وهو خبر بمعنى النهي ... وروى الطبري من طريق شبل عن عمرو بن دينار قال: قال النبي ﷺ : (استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك , فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي. فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه , فنزلت) وهذا فيه إشكال , لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقاً , وقد ثبت أن النبي ﷺ أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية والأصل عدم تكرر النزول. وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال: " خرج رسول الله ﷺ يوماً إلى المقابر فاتبعناه , فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى , فبكينا لبكائه , فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي , واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي , فأنزل عليَّ: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه وفيه (نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب) ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبري من هذا الوجه (لما قدم مكة أتى رسم قبر) ومن طريق فضيل بن مرزوق عن عطية (لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت) وللطبراني من طريق عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود وفيه (لما هبط من ثنية عسفان) وفيه نزول الآية في ذلك. فهذه طرق يعضد بعضها بعضاً , وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب , ويؤيده أيضاً أنه ﷺ قال يوم أحد بعد أن شج وجهه (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصاً بالأحياء وليس البحث فيه , ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم , ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب ومتأخر وهو أمر آمنة. ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره ﷺ للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك , فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب , ويشير إلى ذلك أيضاً قوله في حديث الباب: (وأنزل الله في أبي طالب ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره والثانية نزلت فيه وحده , ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال: (سمعت رجلاً يستغفر لوالديه وهما مشركان , فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله: ما كان للنبي الآية) وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وقال المؤمنون ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه؟ فنزلت ... ] فتح الباري ٨/٦٤٤-٦٤٥.
[ومما يؤكد تأخر نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ عن قصة أبي طالب:
١- قوله في الآية: (والذين آمنوا) وهذا يدل على أن الاستغفار وقع من النبي ﷺ ، ومن بعض المؤمنين، وقصة أبي طالب لم يكن الاستغفار فيها إلا من قبل النبي ﷺ .
٢- أن هذه الآية وردت في سورة التوبة، وسورة التوبة مدنية، ومن أواخر ما نزل.
٣- أن الله تعالى لم يُعاتب النبي ﷺ في صلاته على عبد الله بن أبي، وإنما أنزل النهي فقط، ولو كان قد سبق النهي عن الاستغفار لمن مات على الكفر؛ لعاتب الله تعالى نبيه على ذلك.] ملتقى أهل التفسير عن شبكة الإنترنت.
ومن أهل العلم من يرى أن نزول الآية لم يكن في قصة أبي طالب حيث إنها في سورة براءة كما قرره الحافظ ابن حجر العسقلاني وهي من أواخر ما نزل من القرآن.
قال الألوسي [واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. قال الو احدي: وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال: كان ﵊ يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، وذكر نحواً من هذا صاحب التقريب، وعليه لا يراد بقوله: فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب. واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي ﵁ قال: أخبرت رسول الله ﷺ بموت أبي طالب فبكى فقال: "اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه ففعلت وجعل رسول الله ?يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل ﵊ بهذه الآية ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الخ فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغيا به، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة. والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافراً وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة] تفسير روح المعاني ٦/٣٢.
ومن أهل العلم من قال بتعدد سبب نزول الآية كالسيوطي حيث قال: [الحال السادس: أن لا يمكن ذلك فيحمل على تعدد النزول وتكرره.
مثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية فقال: أي عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية.
وأخرج الترمذي وحسنه عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت.
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: خرج النبي ﷺ يوماً إلى المقابر فجلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي فأنزل علي ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ فجمع بين هذه الأحاديث بتعدد النزول] الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٣٢-١٣٣.
إذا تقرر هذا فنعود إلى ما تدل عليه الآية الكريمة وهو تحريم الاستغفار والترحم على من مات كافراً من المغضوب عليهم ومن الضالين المضلين الذين ينطبق عليهم قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ سورة البقرة الآية ١٦١، وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية ٩١وهذا محل اتفاق بين أهل العلم ولا يغترن أحد بما يقوله بعض الشيوخ الذين انزلقوا في هذا المنزلق الخطير فخالفوا الأدلة الصريحة من كتاب والسنة قَال الله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قال القرطبي [هَذِهِ الْآيَة تَضَمَّنَتْ قَطْع مُوَالَاة الْكُفَّار حَيّهمْ وَمَيِّتهمْ فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَل لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ فَطَلَبُ الْغُفْرَان لِلْمُشْرِكِ مِمَّا لَا يَجُوز.] تفسير القرطبي٨/٢٧٣
وقال الله تعالى ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ سورة التوبة الآية٨٤.
وثبت في الحديث الصحيح أنَّهُ ﷺ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) رواهُ مسلم.
قال الإمام النووي: [وَقَوْلُهُ (لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) أَيْ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِي وَبَعْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكُلُّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيَّ تَنْبِيهاً عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَهُمْ كِتَابٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَاباً فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ] شرح النووي على صحيح مسلم ١/٣٤٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ وَالدُّعَاءُ فَانْتِفَاعُ الْعِبَادِ بِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى شُرُوطٍ وَلَهُ مَوَانِعُ فَالشَّفَاعَةُ لِلْكُفَّارِ بِالنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ مَعَ مَوْتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ لَا تَنْفَعُهُمْ - وَلَوْ كَانَ الشَّفِيعُ أَعْظَمَ الشُّفَعَاءِ جَاهاً - فَلَا شَفِيعَ أَعْظَمُ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ الْخَلِيلُ إبْرَاهِيمُ وَقَدْ دَعَا الْخَلِيلُ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ . وَقَدْ كَانَ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبِي طَالِبٍ إقتداءً بِإِبْرَاهِيمَ وَأَرَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِبَعْضِ أَقَارِبِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ عُذْرَ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إنَّ إبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/١٤٥-١٤٦.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [هذا نفي بمعنى النهي، فهو أبلغ من النهي المجرد، وهذا التعبير فيه يسمى نفي الشأن، وهو أبلغ من نفي الشيء نفسه، لأنه نفي معلل بالسبب المقتضي له. والمعنى: ما كان من شأن النبي ولا مما يصح أن يصدر عنه من حيث هو نبي - ولا من شأن المؤمنين ولا مما يجوز أن يقع منهم من حيث هم مؤمنون - أن يدعوا الله طالبين منه المغفرة للمشركين ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ لهم في الأصل حق البر وصلة الرحم وكانت عاطفة القرابة تقتض الغيرة عليهم وحب المغفرة لهم (ولو) هذه تفيد الغاية لمعطوف عليه يحذف حذفاً مطرداً للعلم به، والمراد أنه ليس مما تبيحه النبوة ولا الإيمان ولا مما يصح وقوعه من أهلهما: الاستغفار للمشركين في حال من الأحوال، حتى لو كانوا أولي قربى، فإن لم يكونوا كذلك فعدم جوازه أولى. ثم قيد الحكم بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أهل النار الخالدين فيها بأن ماتوا على شركهم وكفرهم ولو بحسب الظاهر كاستصحاب حالة الكفر إلى الموت] ثم قال [والآية نص في تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة وكذا وصفه بذلك كقولهم المغفور له المرحوم فلان، كما يفعله بعض المسلمين الجغرافيين الآن، لعدم تحققهم بمقتضى الإيمان، وتقيدهم بأحكام الإسلام، ومنهم بعض المعممين والحاملين لدرجة العالمية من الأزهر] تفسير المنار ١١/٥٦-٥٧.
وقال الشيخ محمد صالح العثيمين:
[فيا عباد الله إن الله تعالى قال: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) وقال الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) وقال الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وقال الله تعالى: (إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) والآيات في هذا معلومة فعلينا أن نتخذ الخطوات الآتية: إن الكافرين سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من الوثنيين أو من الشيوعيين أو من أي صنف من أصناف الكفار هم أعداءنا إنهم كانوا لنا عدواً مبينا هكذا قال الله الذي هو العالم بالخفيات وبما في القلوب كانوا أعداء عداوة بينة ظاهرة ولكنهم قد ينافقون أحياناً من أجل حظوظ أنفسهم فقط لا من أجل فائدة المسلمين.
ثانياً: أن نعلم أن الكفار مهما كانوا فإن ما يقدموا من خير لن ينفعهم عند الله تعالى لقول الله ﵎ (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا) هذا إذا تيقن أن فيه خيراً للإسلام والمسلمين فأما إذا كان فيه احتمال إن هذا الخير من أجل إبراز الدعوة النصرانية لمبرز ظاهر إنساني فان ذلك لا يكون فيه خير للمسلمين بل هو ضد المسلمين في الواقع.
ثالثاً: أن نعلم أنه لا يجوز لنا أن نترحم أو نستغفر لأحد من الكافرين المشركين أو اليهود أو النصارى لأن ذلك خلاف هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلاف هدي الذين آمنوا قال الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربي من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) هكذا نفى الله تعالى هذا الأمر نفياً قاطعاً لأن ما كان كذا يعني أنه ممتنع شرعاً فلا يجوز لأحد من المؤمنين أن يدعو لكافر بالمغفرة أو بالرحمة لأن هذا خلاف منهج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومنهج الذين آمنوا ولقد قال النبي ﷺ في عمه أبي طالب حينما دعاه للإسلام ولكن آخر ما قال إنه على ملة عبد المطلب ولم يقل لا إله إلا الله قال النبي ﷺ : (لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك) فنهاه الله تعالى أن يستغفر لعمه أبي طالب مع أن عمه أبا طالب نصره نصراً مؤزراً ودافع عنه وكان يقول فيه القصائد العصماء ومع ذلك نهاه الله أن يستغفر له وقال: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) مع أن أبا طالب كان قد أفاد النبي ﷺ وأفاد الرسالة النبوية وأفاد المسلمين ولكن ذلك لم ينفعه قال الله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً) وإذا كان هذا في عم النبي ﷺ الذي دافع عنه وناصره فكيف في من لم يكن هذه حاله ولقد ثبت عن النبي ﷺ في صحيح مسلم أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة- يعني أمة الدعوة - يهودياً أو نصرانياً ثم يموت ولم يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار) هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن المعلوم أن اليهود والنصارى كثير منهم قد سمع بدعوة الرسول ﷺ فإذا ماتوا ولم يؤمنوا به فهم من أصحاب النار وإذا كانوا من أصحاب النار فإنه لا يجوز لنا أن ندعوا الله لهم بالرحمة والمغفرة لأن هذا ضد حكم الله ﵎ فالله حكم بأنهم في النار فكيف نسأل الله أن يجعلهم في رحمته ومغفرته هذا من المضادة لحكم الله ﵎ ولكننا مع ذلك لا نشهد لأحد بعينه من الكفار أنه في النار ولكننا نقول كل كافر من يهودي أو نصراني أو مشرك أو ملحد فإنه من أصحاب النار لكن الشهادة بالعين أمرها عظيم فلا يشهد لأحد بعينه بجنة ولا نار إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن من مات على الكفر فإننا نجري عليه أحكام الكافرين فلا نستغفر له ولا نسأل الله له الرحمة.
أيها الإخوة إن هذا الأمر يخفي على كثير من الناس يظنون أن الدعاء بالمغفرة والرحمة لمن يظن أنه أحسن إلى الإنسانية يظنون أنه لا بأس به ولكن كما سمعتم آيات الله في النهي عن الاستغفار والاسترحام للمشركين فمن كان قد استغفر لأحد من اليهود أو النصارى أو المشركين فعليه أن يتوب إلى الله وعليه أن لا يعود إلى ذلك ليحقق إيمانه وليكن على جادة النبي ﷺ والمؤمنين به ... ] عن موقع الشيخ على شبكة الإنترنت.
وخلاصة الأمر أن من أهل العلم من يرى أن الآية نزلت في قصة أبي طالب عم النبي ﷺ ولا تنافي بين كونه قد مات قبل الهجرة وكون الآية في سورة التوبة وهي من أواخر ما نزل. وقد نصت الآية على حرمة الاستغفار لمن مات كافراً.
стр. 970
١٢ - التوسل بسيدنا رسول الله ﷺ
يقول السائل: ما حكم أن يقول المسلم: يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي سواء أكان ذلك عند قبر النبي ﷺ أو في أي مكان آخر؟
الجواب: لا يجوز لأحد أن يقول [يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي] سواء أكان ذلك عند قبر النبي ﷺ أو في أي مكان آخر ويعتبر هذا القول وسيلة من وسائل الشرك والعياذ بالله حيث إن سيدنا رسول الله ﷺ قد انتقل من هذه الدنيا إلى دار الآخرة فهو ﷺ في حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله وقد قال ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ سورة الزمر الآية ٣٠.
والرسول ﷺ لا عمل له حيث انقطع عملة بوفاته ﷺ . وأما قول الله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية ٦٤. فالمراد بها المجيء إلى سيدنا رسول الله ﷺ حال حياته وليس بعد وفاته ويدل على ذلك قوله تعالى
﴿إِذْ﴾ ومن المعلوم أن الأصل في لفظة (إذ) في لغة العرب أنها تستعمل لما مضى من الزمان ولا تستعمل للزمان المستقبل. قال الجوهري [إذ كلمة تدل على ما مضى من الزمان ... ] الصحاح ٢/٥٦٠ وانظر لسان العرب ١/١٠١. وأما لفظة إذا فتستعمل لما يستقبل من الزمان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من يستدل بالآية السابقة على جواز سؤال النبي ﷺ الدعاء حال موته [ومنهم من يتأول قوله تعالى ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ ويقولون إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين فإن أحداً منهم لم يطلب من النبي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك ﵁ سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله تعالى ... ] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١/١٥٩.
وقال العلامة محمد بن صلح العثيمين عند حديثه عن أنواع التوسل: [النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله بدعاء من ترجى إجابته كطلب الصحابة ﵃ من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم مثل قول الرجل الذي دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال: ادع الله أن يغيثنا؛ وقول عكاشة بن محصن للنبي ﷺ : ادع الله أن يجعلني منهم.
وهذا إنما يكون في حياة الداعي، أما بعد موته فلا يجوز؛ لأنه لا عمل له: فقد انتقل إلى دار الجزاء؛ ولذلك لما أجدب الناس في عهد عمر بن الخطاب ﵁ لم يطلبوا من النبي ﷺ أن يستسقي لهم؛ بل استسقى عمر بالعباس عم النبي ﷺ فقال له: قم فاستسق؛ فقام العباس فدعا، وأما ما يروى عن العتبي أن أعرابياً جاء إلى قبر النبي ﷺ فقال: "السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ وقد جئتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي) وذكر تمام القصة؛ فهذه كذب لا تصح؛ والآية ليس فيها دليل لذلك؛ لأن الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم﴾ ولم يقل: (إذا ظلموا أنفسهم) و (إذ) لما مضى لا للمستقبل؛ والآية في قوم تحاكموا أو أرادوا التحاكم إلى غير الله ورسوله ﷺ كما يدل على ذلك سياقها السابق واللاحق.] التوسل حكمه وأقسامه ص ٢٢-٢٣.
وخلاصة الأمر أنه لا يجوز أن يقال [يا رسول الله استغفر لي أو يا رسول الله ادع لي] سواء أكان ذلك عند قبر النبي ﷺ أو في أي مكان آخر.
стр. 971
١٣ - شحن المحمول من كهرباء المسجد
يقول السائل: كنا نعتكف في أحد المساجد في العشر الأواخر من رمضان وكان جماعة من المعتكفين يقومون بشحن البلفونات (التلفون المحمول) من كهرباء المسجد فما حكم ذلك؟
الجواب: لا يجوز شحن البلفون من كهرباء المسجد لأن كهرباء المسجد لا يصح أن تستغل في الأمور الشخصية فلا يجوز لشخص مثلاً أن يمد خطاً من كهرباء المسجد إلى بيته والأصل عند العلماء أن المال الموقوف يستعمل حسب شرط الواقف إن كان هنالك شرط له فإن لم يكن له شرط فيستعمل المال الموقوف حسب ما تعارف الناس عليه وينبغي التنبيه إلى أن وجود الوصلات الكهربائية التي توصل بها البلفونات لشحنها لا يدل على أن الأوقاف قد أذنت في شحن البلفونات فهذه الوصلات إنما وضعت لخدمة المسجد من استخدام المكنسة الكهربائية أو مكبر الصوت ونحو ذلك ولا يصح القول بأن وجودها إذن للناس باستعمالها. كما أن فتح هذا الباب للناس يعني تحميل المساجد مصاريف عالية ولا يقولن أحد إن شحن البلفون ليس مكلفاً وعليه أن ينظر إلى كثرة البلفونات مع الناس.
وبمناسبة الحديث عن البلفون والمسجد أود التذكير ببعض الأمور:
أولاً: نلاحظ أن مستعملي البلفونات قد زودوها بنغمات موسيقية فهذا الأمر محرم شرعاً فما بالك عندما تعزف هذه الموسيقى في المسجد وأثناء الصلاة لا شك أن هذا منكر عظيم وقد قامت الأدلة الصحيحة على تحريم الموسيقى ومنها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه قال الإمام البخاري: [وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ... الخ الحديث] .
وهذا الحديث يدل على تحريم الموسيقى من وجهين ذكرهما الشيخ العلامة الألباني الأول: قول النبي ﷺ (يستحلون) فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم.
الثاني: قرن المعازف مع المقطوع بحرمته وهو الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة لما قرنها معها. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/١٤٤. والأدلة على تحريم الموسيقى كثيرة وليس هذا محل بحثها.
وبناءً على ما سبق فلا يجوز وضع النغمات الموسيقية على البلفونات ويكتفى بالرني العادي.
ثانياً: نلاحظ كثرة رنين البلفونات أثناء الصلاة خاصة وفي المسجد بشكل عام على الرغم من اللوحات الإرشادية الموضوعة في المساجد والتي يطلب فيها إيقاف البلفونات عن العمل عند دخول المسجد ولا شك أن رنين البلفون وصدور النغمات الموسيقية فيه تشويش كبير على المصلين ويقطع خشوع المصلين ويتحمل الوزر والإثم حامل البلفون لأنه شوش على المصلين وقطع خشوعهم فلا يجوز لأحد أن يشوش على المصلين وأن يقطع خشوعهم فالتشويش في المسجد على المصلين والتالين لكتاب الله والذاكرين لا يجوز حتى ولو كان ذلك بقراءة القرآن الكريم فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه فلا يؤذي بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داوود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه الشيخ الألباني. وورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) رواه مالك بسند صحيح قاله الشيخ الألباني.
والمذكور في الحديث رفع الصوت بالقرآن الكريم فما بالك بالنغمات الموسيقية التي تصدرها البلفونات!!
وقد همّ عمر بن الخطاب ﵁ بتعزير من يرفعون أصواتهم في المسجد فقد روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل - أي رماني بحصاة - فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: ممن أنتما؟ قال: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟
وبناءً على ما سبق فيجب على من يحمل البلفون أن يوقفه عن العمل عند دخوله المسجد
فإن نسيه شغالاً فرن أثناء الصلاة فينبغي أن يوقفه مباشرة وإن اقتضى ذلك أن يتحرك المصلي في صلاته فإن هذه الحركة مباحة على أقل تقدير إن لم تكن مستحبة نظراً للحاجة حيث إنه يترتب عليها منع ما يشوش على المصلين وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ : (أمَّ الناس في المسجد فكان إذا قام حمل أمامة بنت زينب وإذا سجد وضعها) رواه البخاري ومسلم.
كما وأنه يجوز قتل الحية والعقرب في الصلاة وقد أمر النبي ﷺ بذلك. رواه أصحاب السنن وقال الإمام الترمذي حديث حسن.
فيؤخذ من هذين الحديثين أن الحركة في الصلاة إن كانت لحاجة جائزةٌ ولا تبطل الصلاة أقول هذا مع التأكيد على إغلاق البلفون عند الدخول إلى المسجد فإن نسيه مفتوحاً ورنَّ أثناء الصلاة فيغلقه ولا شيء عليه
стр. 972
١٤ - العمل عند تضارب الفتوى
يقول السائل: ما العمل عندما اختلاف فتاوى المفتين في مسألة واحدة؟
الجواب: إن الفتوى من أخطر الأمور وأشدها لأنها في الحقيقة توقيع عن رب العالمين كما قال العالمون وكثير من الذين يتصدرون للفتوى في دين الله لا يدركون خطورة شأن الفتوى وما يجب أن يكون عليه المفتي من علم وصدق والتزام بشرع الله. قال الله تعالى (فاسْألُوا أهلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) سورة النحل الآية ٤٣، قال ابن عباس ﵄: [أهل الذكر هم أهل العلم] تفسير القرطبي ١٠/١٠٨.
وقال العلامة ابن القيم [ولما كان التبليغ عن الله يعتمد العلمَ بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ، صادقاً فيه، ويكون مع ذلك حَسَنَ الطريقة، مرضيَّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان مَنصِبُ التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكَرُ فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ فحقيقٌ بمن أقيم في هذا المنصب أن يُعدَ له عُدَّته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) ، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالةً، إذ يقول في كتابه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) ، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً وموقوف بين يدي الله] إعلام الموقعين عن رب العالمين ٢/ ١٦-١٧.
إذا تقرر هذا فأعود إلى السؤال فأقول: إن الأصل في المستفتي أن يسأل من يثق في علمه ودينه فيعرض مسألته عليه فإن أفتاه لزم المستفتي أن يأخذ بفتواه. قال محمد بن سيرين من أئمة التابعين: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه) رواه مسلم في مقدمة صحيحه١/٧٦. وقال الإمام القدوة يزيد بن هارون: (إن العالم حجتك بينك وبين الله تعالى فانظر مَن تجعل حجتك بين يدي الله ذكره الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه ٢/١٧٨.
وقال الخطيب البغدادي: [أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره فقد رحل غير واحد من السلف في مسألةٍ ... إلى أن قال [وإذا قصد أهل محلة للاستفتاء عما نزل به فعليه أن يسأل من يثق بدينه ويسكن إلى أمانته عن أعلمهم وأمثلهم؛ ليقصده ويؤم نحوه، فليس كل من ادعى العلم أحرزه، ولا كل من انتسب إليه كان من أهله] الفقيه والمتفقه ٢/ ١٧٧. وقال الإمام الآمدي [القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة بأن يراه منتصباً للفتوى والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن بالضد من ذلك] . الإحكام في أصول الأحكام ٤/٤٥٣. وقال الإمام القرافي المالكي [ولا يجوز لأحد الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين والورع] الذخيرة ١/١٤٧. وقال الإمام الشوكاني: [إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم والمقصر يسأل الكامل فعليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالدين وكمال الورع عن العالم بالكتاب والسنة العارف بما فيهما، المطلع على ما يحتاج إليه في فهمهما من العلوم الآلية حتى يدلوه عليه ويرشدوه إليه فيسأله عن حادثته طلباً منه أن يذكر له فيها ما في كتاب الله سبحانه أو ما في سنة رسول الله ﷺ فحينئذ يأخذ الحق من معدنه ويستفيد الحكم من موضعه ويستريح من الرأي الذي لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ المخالف للشرع المباين للحق ومن سلك هذا المنهج ومشى في هذا الطريق لا يعدم مطلبه ولا يفقد من يرشده إلى الحق فإن الله قد أوجد لهذا الشأن من يقوم به ويعرفه حق معرفته وما من مدينة من المدائن إلا وفيها جماعة من علماء الكتاب والسنة وعند ذلك يكون حكم هذا المقصر حكم المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم فإنهم كانوا يستروون النصوص من العلماء ويعملون على ما يرشدونهم إليه ويدلونهم عليه وقد ذكر أهل الأصول أنه يكفي العامي في الاستدلال على من له أهلية الفتوى بأن يرى الناس متفقين على سؤاله مجتمعين على الرجوع إليه ولا يستفتي من هو مجهول الحال كما صرح به الغزالي والآمدي وابن الحاجب وحكى في المحصول الاتفاق على المنع] إرشاد الفحول ص ٢٧١. وغير ذلك من أقوال أهل العلم. ولا ينبغي التنقل بالسؤال من مفت إلى آخر حتى يحصل المستفتي على الجواب الذي يوافق هواه من المفتي المتساهل فإن التساهل في الفتوى من المحرمات قال الإمام النووي رحمة الله عليه: [يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حَرُمَ استفتاؤه، فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، فإن تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالمبادرة، وعلى هذا يُحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة، ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة، على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبه طلباً للترخيص، لمن يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره، وأما من صح قصدُه فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها للتخليص من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسنٌ جميلٌ، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان - الثوري -: [إنما العلمُ عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد] المجموع ١/٤٦. وبهذه المناسبة فقد سئلت منذ عهد قريب عن فوائد صندوق التوفير في إحدى الشركات فأفتيت بتحريمها لأنها الربا المحرم في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وقد طرح السؤال على بعض المفتين وغير المفتين فأجابوا بأن ذلك عين الحلال بحجج هي أوهى من بيت العنكبوت، فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون. كيف أصبح الربا المحرم قطعاً في كتاب ربنا وسنة نبينا حلالاً خالصاً عند بعض المتسورين على الفتوى وعند بعض المجاهيل الذين يصدرون الفتاوى باسم حزب أو جماعة دون أن يُعرفوا بأعيانهم حتى ينظر الناس هل هؤلاء أهل للفتوى أم ليسوا لها أهلاً؟ ويجب أن يعلم أن الفتوى خاصة وأمور الدين عامة لا تقبل من المجاهيل فالمجهول مردود الرواية ولا يعتد بقوله لا في وفاق ولا في خلاف. وقد قرر العلماء أن المستفتي إن تعارضت لديه الفتاوى أنه يأخذ بقول الأعلم والأتقى والأكثر اعتماداً على الكتاب والسنة وقواعد الشرع تدل أيضاً أنه إذا تعارض الحل والتحريم فيقدم التحريم كما في مسألة صندوق التوفير لأن ذلك أحوط مع أن القول بالتحريم هو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . انظر المجموع ١/٩٢، شرح الكوكب المنير ٤/٥٨٠-٥٨١، الفتوى في الإسلام ص١٠٥-١٠٦.
وقد حق لنا أن نبكي على أحوال المفتين كما بكى ربيعة الرأي ـ شيخ الإمام مالك ـ فقيل: ما يبكيك؟ فقال: استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم! وقال: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق! وقال بعض العلماء: [فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ وإقدام من لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب ... ] إعلام الموقعين عن رب العالمين ٦/١١٨.
стр. 973
١٥ - حديث التفكر في آلاء الله
يقول السائل: سمعت حديثاً يقول (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ وما معناه؟
الجواب: هذا الحديث ورد عن النبي ﷺ وله عدة ألفاظ منها ما رواه الطبراني في المعجم الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان
أن النبي ﷺ قال: (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله) وفي رواية أخرى (فإنكم لن تدركوه إلا بالتصديق) وفي رواية ثالثة (لا تفكروا في الله وتفكروا في خلق الله) وفي رواية رابعة (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله) والحديث بمجموع طرقه حديث حسن كما بين ذلك العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٩٥-٣٩٧. وفي صحيح الجامع الصغير ١/٥٧٢.
إذا تقرر هذا فإن المراد بالحديث أن يتفكر الإنسان في مخلوقات الله وفي نعم الله ، وقد أمرنا الله أن نتفكر فيما خلق في آيات كثيرة منها: قوله تعالى ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ سورة الغاشية الآية ١٧..وقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأنعام الآية٩٩.
وقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة الأعراف ١٨٥. وقوله تعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ سورة يونس الآية ١٠١. وقوله تعالى ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سورة العنكبوت الآية ٢٠. وقوله تعالى ﴿فَانْظُرْ إِلَىءَاثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سورة الروم الآية ٥٠. وقوله تعالى ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ سورة عبس الآية ٢٤. وغير ذلك من الآيات الكريمات.
ولا ينبغي التفكر في ذات الله لأن التفكر في ذات الله قد يقود الإنسان إلى الشك وهذا الأمر من وساوس الشيطان ومن إضلاله للمؤمن ليخرجه من الإيمان إلى الكفر والعياذ بالله ولن يستطيع الإنسان بعقله المحدود أن يعرف قدر الله ، قال ﷻ : ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ سورة البقرة الآية ٢٥٥. وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ سورة طه الآية١١٠. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ سورة الشورى الآية ١١.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المرضية عند أهل السنة والجماعة ما نصه: [ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله] . وقال الشيخ ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية في شرح العبارة السابقة: [يشير الشيخ ﵀ إلى الكف عن كلام المتكلمين الباطل وذم علمهم فإنهم يتكلمون في الإله بغير علم وغير سلطان أتاهم ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ سورة النجم الآية ٢٣. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: [لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه ... ] شرح العقيدة الطحاوية ص ٤٢٧.
وقد علَّمنا النبي ﷺ كيفية معالجة شكوك ووساوس الشيطان عندما يعرض لنا فقد ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله) رواه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل: آمنت بالله ورسوله) رواه أحمد والطبراني وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع حديث رقم ١٦٥٦. وقال النبي ﷺ : (يوشك الناس يتساءلون، حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك؛ فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ من الشيطان) رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٢٤. وقال النبي ﷺ : (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول الله. فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقرأ آمنت بالله ورسله فإن ذلك يذهب عنه) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٢٢. وفي صحيح الجامع حديث رقم ١٦٥٧. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من وجد من هذا الوسواس، فليقل: آمنا بالله ورسوله ثلاثاً فإن ذلك يذهب عنه) رواه أحمد وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/٢٢. وفي صحيح الجامع حديث رقم ٦٥٨٧. وقد ذكر بعض أهل العلم أنه يؤخذ من هذه الأحاديث ست وسائل للتغلب على وساوس الشيطان: ١- أن يقول المرء إذا انتابته هذه الخواطر: آمنت بالله ورسوله. ٢- أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فيقول مثلاً: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه) . ٣- أن يتفل عن يساره ثلاثاً. ٤- أن ينتهي عما هو فيه، كما قال ﷺ : (ولينته) ، وهذه وسيلة مهمة؛ فإن الاستطراد مع الشيطان في هذه الوساوس يزيد نارها اشتعالاً وضراماً، والواجب أن يقطع المسلم هذه الخواطر بقدر المستطاع، وأن يشغل ذهنه بالمفيد النافع. ٥- أن يقرأ سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) فإن فيها ذكر صفات الرحمن، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، وقراءة هذه السورة العظيمة وتدبرها كفيل بقطع هذه الوساوس. ٦- أن يتفكر الإنسان في خلق الله، وفي نعم الله، ولا يتفكر في ذات الله، لأنه لن يصل بعقله القاصر إلى تصور ذات الله، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ انتهى. وقال الشيخ العلامة الألباني بعد أن ذكر الأحاديث السابقة: [دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على من وسوس إليه الشيطان بقوله: من خلق الله؟ أن ينصرف عن مجادلته إلى إجابته بما جاء في الأحاديث المذكورة، وخلاصتها أن يقول: [آمنت بالله ورسله، الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ثم يتفل عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان، ثم ينتهي عن الانسياق مع الوسوسة وأعتقد أن من فعل ذلك طاعة لله ورسوله، مخلصاً في ذلك أنه لا بد أن تذهب الوسوسة عنه، ويندحر شيطانه لقوله ﷺ : (فإن ذلك يذهب عنه) . وهذا التعليم النبوي الكريم أنفع وأقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في هذه القضية، فإن المجادلة قلما تنفع في مثلها. ومن المؤسف أن أكثر الناس في غفلة عن هذا التعليم النبوي الكريم، فتنبهوا أيها المسلمون وتعرفوا إلى سنة نبيكم واعملوا بها، فإن فيها شفاؤكم وعزكم] السلسلة الصحيحة ٢/٢٥.
وخلاصة الأمر أن الحديث ثابت عن النبي ﷺ وأن المطلوب من المسلم أن يتفكر في مخلوقات الله وآلائه وأن لا يتفكر ي ذات الله لأن التفكير في ذات الله من المضلات والعياذ بالله.
стр. 974
١٦ - إتيان الزوجة في الدبر من الكبائر
تقول السائلة: إن زوجها أجبرها على الوطء في الدبر وهي تعلم أن ذلك محرم شرعاً ولكنها سمعت أن المرأة تصير طالقاً إذا أتاها زوجها في دبرها فما الحكم في هذه المسألة أفيدونا؟
الجواب: إن شريعة الإسلام المباركة قد بينت للناس كل الأحكام التي يحتاجون إليها في جميع نواحي حياتهم ومن ذلك طريقة المعاشرة الزوجية الصحيحة والموافقة للفطرة الإنسانية يقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٢ وقال الله تعالى في الآية بعدها ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٣ قال أهل التفسير إن المراد هو إتيان الزوجة في محل الولد وهو المحل الذي أمر الله أن تؤتى الزوجة فيه ومن المعلوم عند الناس كافة أن محل الولد هو القبل لا الدبر. انظر تفسير القرطبي ٣/٩٠.
وقد وردت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في تحريم إتيان الزوجة في دبرها فمن ذلك:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ملعون من أتى امرأة في دبرها) . رواه أحمد وأبو داود وهو حديث حسن.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أتى حائضاً أو امرأةً في دبرها أو كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود. وقال: (فقد بريء مما أنزل على محمد ﷺ . وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٧/٦٨. وعن خزيمة بن ثابت ﵁ (أن النبي ﷺ نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها) . رواه أحمد وابن ماجة. وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تأتوا النساء في أعجازهن أو قال في أدبارهن) . رواه أحمد.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبي ﷺ قال في الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى) . رواه أحمد.
وعن علي بن طلق قال سمعت رسول الله ﷺ : (يقول لا تأتوا النساء في أستاههن فإن الله لا يستحي من الحق) . رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن وصححه ابن حبان. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا ينظر الله إلى رجل يأتي امرأته في دبرها) . رواه الترمذي وحسنه وصححه ابن حبان وصححه ابن راهويه انظر آداب الزفاف ص١٠٥، زاد المعاد ٣/٢٥٧. وعن خزيمة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٧/٦٥
وهذه الأحاديث وإن كان في بعضها كلام لأهل الحديث فهي صالحة للاحتجاج ومثبتة لتحريم إتيان الزوجة في دبرها قال الحافظ ابن حجر العسقلاني عن هذه الأحاديث: [طرقها كثيرة فمجموعها صالح للاحتجاج به] فتح الباري ٨/٢٤١.
وقال الشوكاني: [ولا شك أن الأحاديث المذكورة في الباب القاضية بتحريم إتيان النساء في أدبارهن يقوي بعضها بعضاً] نيل الأوطار٦/٢٢٨ وقد أخذ أهل العلم من هذه النصوص تحريم إتيان المرأة في دبرها قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وطء المرأة في دبرها حرام في قول جماهير العلماء] مختصر الفتاوى المصرية ص ٣٧. ولم يصح عن أحد من العلماء إباحة ذلك وما روي من أقوال منسوبة لبعض أهل العلم بإباحة ذلك فهي أقوال ضعيفة شاذة وغير ثابتة عنهم. قال الحافظ ابن كثير: [وقال أبو بكر بن زياد النيسابورى... حدثني إسرائيل بن روح سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك- أي إباحة الوطء في الدبر- قال: يكذبون عليَّ يكذبون عليَّ، فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن وغيرهم من السلف أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء] تفسير ابن كثير ١/٢٦٥ وقال القرطبي: [والصحيح في هذه المسألة ما بيناه - تحريم الوطء في الدبر - وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرءون من ذلك لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث لقوله تعالى ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ... وهذا هو الحق وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ... وقال ابن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: ... وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة. فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناساً بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا عليَّ، كذبوا عليَّ، كذبوا علي! ثم قال: ألستم قوما عرباً؟ ألم يقل الله تعالى: "نساؤكم حرث لكم" وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت! وما استدل به المخالف من أن قوله : ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر صحابياً بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه "تحريم المحل المكروه". ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه (إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار) . قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر تكفير من فعله، وهذا هو اللائق به ﵁. وكذلك كذَّب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي] تفسير القرطبي ٣/٩٤-٩٥
وقد اعتبر الشيخ ابن حجر المكي إتيان المرأة في دبرها من كبائر الذنوب وهذا هو الحق الذي تؤيده الأدلة فإن النبي ﷺ قد لعن من فعل ذلك واللعن لا يكون إلا على كبائر الذنوب. انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/٦٢.
وذكر الشيخ ابن القيم حكماً كثيرة في حرمة وطء المرأة في دبرها فقال [وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض فما الظن بالحش – الدبر - الذي هو محل الأذى اللازم ... للمرأة حق على الزوج في الوطء ووطؤها في دبرها يفوّت حقها ولا يقضي وطرها ولا يُحصّل مقصودها ... فإنه يذهب بالحياء جملة والحياء هو حياة القلوب فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن وحينئذ فقد استحكم فساده] زاد المعاد ٣/ ٢٦٢-٢٦٣
وقد أثبت العلم الحديث انتقال عدد كبير ن الأمراض الجنسية الخطيرة عن طريق الوطء في الدبر أو اللواط ومنها داء نقصان المناعة المكتسب (الإيدز) وهو مرض قاتل غالباً ما ينتشر بين الشاذين جنسياً الذين يمارسون اللواط (أكثر من ٧٠% من حالات الإيدز) ] الموسوعة الطبية الفقهية ص٤٥٦.
وخلاصة الأمر أنه يحرم إتيان المرأة في دبرها وأنه من كبائر الذنوب. ولا يجوز للمرأة أن تطاوع زوجها في ذلك فإن فعلاه فيجب عليهما أن يتوبا إلى الله توبة صادقة ولا يعودا لذلك مستقبلاً ولا علاقة لإتيان المرأة في دبرها بالطلاق أو تحريم الزوجة.
стр. 975
١٧ - فتوى المفتي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا
السؤال: يسألني بعض الناس أسئلة تتعلق بمشكلات مالية أو خصومات مع غيرهم وأجيبهم بناء على أسئلتهم وبعد ذلك يأتيني الطرف الثاني في المشكلة ويشرح لي المشكلة على خلاف ما قال السائل حيث إن السائل قد أخفى بعض المعلومات الهامة في السؤال لذا أحببت أن أوضح بعض الأمور المتعلقة بالفتوى والمفتي والمستفتي والمرتبطة بما سبق.
الجواب: يجب أن يعلم أولاً أن العلماء قد فرقوا بين الفتوى وحكم القاضي أو حكم الحاكم أو حكم المحكم.
فالفتوى أن يخبر المفتي بحكم الله لمعرفته بدليله كما ذكر الشيخ ابن حمدان الحنبلي في صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ص٤. بينما حكم القاضي أو الحاكم أو المحكم هو إنشاء لا إخبار فالقاضي ينشئ الالتزام للشخص المعين بما يعلم أن شرع الله يأمر به. انظر مباحث في أحكام الفتوى ص٣٣. وقد فصل الإمام شهاب الدين القرافي المالكي المتوفى ٦٨٤هـ الفرق بين الفتوى والقضاء في كتابيه المهمين وهما الفروق والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام.
قال القرافي: [مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى – ولله المثل الأعلى- مثال قاضي القضاة يولّي شخصين، أحدهما نائبه في الحكم، والآخر ترجمان بينه وبين الأعاجم. فالترجمان يجب عليه اتباع تلك الحروف والكلمات الصادرة عن الحاكم، ويخبر بمقتضاها من غير زيادة ولا نقص. فهذا هو المفتي يجب عليه اتباع الأدلة بعد استقرائها، ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص إن كان المفتي مجتهداً، وإن كان مقلداً كما في زماننا فهو نائب عن المجتهد في نقل ما يخص إمامه لمن يستفتيه، فهو كلسان إمامه والمترجم عن جنانه. ونائب الحاكم في الحكم ينشىء من إلزام الناس وإبطال الإلزام عنهم ما لم يقرره مستنيبه الذي هو القاضي الأصلي، بل فوّض ذلك لنائبه، فهو متبع لمستنيبه من وجه، وغير متبع له من وجه. متبع له في أنه فوّض له ذلك وقد امتثل، وغير متبع له في أن الذي صدر منه من الإلزام لم يتقدم مثله في هذه الواقعة من مستنيبه بل هو أصل فيه. فهذا مثال الحاكم مع الله تعالى، هو ممتثل لأمر الله تعالى في كونه فوض إليه ذلك، فيفعله بشروطه. وهو منشئ لأن الذي حكم به تعيّن، وتعيُّنه لم يكن مقرراً في الشريعة، وليس إنشاؤه لأجل الأدلة التي تعتمد في الفتاوى، لأن الأدلة يجب فيها اتباع الراجح. هاهنا له أن يحكم بأحد القولين المستويين على غير ترجيح ولا معرفة بأدلة القولين إجماعاً، بل الحاكم يتبع الحِجاج. والمفتي يتبع الأدلة. والمفتي لا يعتمد على الحجاج بل على الأدلة. والأدلة: الكتاب والسنة ونحوهما. والحِجاج: البيِّنة والإقرار ونحوهما. فهذا مثال الحاكم والمفتي مع الله تعالى، وليس له أن ينشئ حكماً بالهوى واتباع الشهوات بل لا بد من أن يكون ذلك القول الذي حكم به قال به إمام معتبر لدليل معتبر كما أن نائب الحاكم ليس له أن يحكم بالتشهي عن مستنيبه.] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص٤٣-٤٥.
ومن الأمور المهمة التي يجب أن تكون معلومة للمستفتي أن القاضي والحاكم والمحكم مطلوب من كل منهم أن يستمع إلى الخصوم وإلى حججهم وأدلتهم ولا يجوز له أن يقضي قبل أن يسمع من الخصوم وهذا بخلاف المفتي فليس مطلوباً منه ذلك فالمفتي يجيب المستفتي حسب سؤاله فإذا أخفى المستفتي بعض المعلومات عن المفتي فإنما الإثم على المستفتي لا على المفتي.
إذا تقرر هذا فيجب أن يعلم أنه يحرم على المستفتي أن يتحايل على المفتي بصياغة السؤال بطريقة تؤدي إلى تضليل المفتي وخداعه ليحصل على الجواب الذي يريده، فالمفتي كالقاضي تماماً يفتي حسب الظاهر والفتوى لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً. وقد قرر النبي ﷺ القول الفصل في هذا الباب وهو أن الحكم يكون حسب الظاهر في حديث صحيح مشهور عند أهل العلم رواه أصحاب الكتاب التسعة وأسوق رواية تامة للحديث بزياداته لتوضيح المقام نظراً لأهميته وخطورته، فعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: سمع رسول الله ﷺ خصومة بباب حجرته، فخرج فإذا رجلان من الأنصار جاءا يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس عندهما بينه إلا دعواهما في أرض قد تقادم شأنها، وهلك من يعرف أمرها، فقال لهما رسول الله ﷺ : إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولم ينزل عليّ فيه شيء، وإني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن - أبلغ بحجَّته - من بعض، فأحسب أنه صادق فأقضي له، فإني إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً ظلماً بقوله فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يطوّق بها من سبع أرضين يأتي بها سِطاماً في عنقه يوم القيامة، فليأخذها أو ليدعها. فبكى الرجلان جميعاً لما سمعا ذلك وقال كل واحد منهما: يا رسول الله حقي هذا الذي اطلب لأخي، فقال رسول الله ﷺ : أما إذ قلتما هذا فاذهبا واقتسما، ثم توخيّا الحق فاجتهدا في قسم الأرض شطرين، ثم استهما، ثم ليُحَلل كل واحد منكما صاحبه] السطام هي الحديدة التي تحرك بها النار وتسعر، انظر الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص١٠٠-١٠١.
وقد ظهر جلياً من هذا الحديث أن حكم الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً وكذلك فتوى المفتي، قال الإمام البخاري في صحيحه باب من قُضي له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ثم ذكر إحدى الروايات حديث أم سلمة ﵂ السابق. صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/٢١٤.
وأخيراً فإن المستفتي إذا حصل على فتوى توافق هواه وكان مخادعاً في سؤاله ومحتالاً للحصول على الجواب المناسب لحاله فعليه أن يعرض تلك الفتوى على قلبه ليرى هل قلبه مطمئن لها أم لا؟ فقد ورد في الحديث عن وابصة بن معبد ﵁ قال أتيت رسول الله ﷺ جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم، قال: استفت قلبك البر ما اطمئنت إليه النفس واطمئن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) رواه أحمد والدارمي والطبراني وهو حديث حسن كما قال الإمام النووي والشيخ الألباني. قال العلامة ابن القيم: [لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردد فيها، لقوله ﷺ : (استفت نفسك، وإن أفتاك الناس وأفتوك) ، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولاً، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي ﷺ : (من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار) والمفتي والقاضي في هذا سواء، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه، أو عدم تقييده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها، فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل ثانياً وثالثاً حتى تحصل له الطمأنينة، فإن لم يجد، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة] إعلام الموقعين عن رب العالمين ٦/١٩٢-١٩٣.
وخلاصة الأمر أن المستفتي مطالب شرعاً بأن يصدق في كل المعلومات التي يذكرها في سؤاله للمفتي ويحرم عليه أن يتحايل أو يخادع حتى يحصل على الجواب الذي يوافق هواه.
стр. 976
١٨ - لا يؤخذ حكم شرعي من رؤيا النبي ﷺ
يقول السائل: ما الحكم الشرعي فيمن يزعم أنه رأى النبي ﷺ في المنام وطلب منه أن يفعل فعلاً كأن يطلق زوجته فهل يلزمه طلاقها أفيدونا
الجواب: رؤية سيدنا رسول الله ﷺ في المنام ممكنة وهذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة وقد وردت عدة أحاديث في ذلك منها عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي) قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته. رواه البخاري.
وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) رواه البخاري ومسلم وغير ذلك من الأحاديث. ويؤخذ من الأحاديث الصحيحة الواردة في رؤية سيدنا رسول الله ﷺ أنه قد يرى في النوم وأن من رآه في النوم على صورته المعروفة فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل في صورته ﷺ ولكن الأمر الهام الذي يجب أن يعلم أن العلماء قد قرروا أنه لا يؤخذ أي حكم شرعي من رؤية النبي ﷺ في المنامات لأن الشريعة الإسلامية قد تمت وكملت قبل وفاة سيدنا محمد ﷺ قال الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ سورة المائدة الآية ٣. كما أن مصادر التشريع معلومة ومعروفة وقد بينها الأصوليون وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمصادر التبعية على خلاف بينهم فيها وليس منها الرؤى ولا المنامات ولا يحتج بالرؤى في باب الأحكام الشرعية إلا من ضعف عقله وزاغ عن طريق الحق والصواب. فليست الرؤى والمنامات من مصادر التشريع وهذا هو الحق والصواب وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وأكثر ما يؤخذ من الرؤى أن تكون بشارة أو نذارة لا أن تكون مصدراً للتشريع
قال الإمام النووي عند كلامه على رؤى الرواة [قال القاضي عياض ﵀: هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت ولا تثبت به سنة لم تثبت وهذا بإجماع العلماء , هذا كلام القاضي. وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع. وليس هذا الذي ذكرناه مخالفاً لقوله ﷺ (من رآني في المنام فقد رآني) فإن معنى الحديث أن رؤيته صحيحة وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشيطان ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي به لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي, وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظاً لا مغفلاً ولا سيئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط , والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة , أما إذا رأى النبي ﷺ يأمره بفعل ما هو مندوب إليه أو ينهاه عن منهي عنه أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه لأن ذلك ليس حكماً بمجرد المنام بل تقرر من أصل ذلك الشيء] . شرح النووي على صحيح مسلم ١/١١٥وقال الإمام النووي أيضاً: [لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان, ولم ير الناس الهلال, فرأى إنسان النبي ﷺ في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان لم يصح الصوم بهذا المنام، لا لصاحب المنام ولا لغيره] المجموع ٦/٢٩٢وقال الإمام النووي أيضاً عند كلامه على خصائص النبي ﷺ : [ومنه أن من رآه في المنام فقد رآه حقاً فإن الشيطان لا يتمثل في صورته ولكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام إن خالف ما استقر في الشرع لعدم ضبط الرائي لا للشك في الرؤيا لأن الخبر لا يقبل إلا من ضابط مكلف والنائم بخلافه] تهذيب الأسماء واللغات١/٤٣
وقال الشاطبي: [وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله ﷺ الرائي بالحكم فلا بد من النظر فيها أيضاً لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم بما استقر وإن أخبر بمخالف فمحال لأنه ﷺ لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية لأن ذلك باطل بالإجماع فمن رأى شيئاً من ذلك فلا عمل عليه وعند ذلك نقول عن رؤياه غير صحيحة إذ لو رآه حقاً لم يخبر بما يخالف الشرع] الاعتصام ١/٣٢١. وانظر أيضاً الموافقات للشاطبي١/١١٤-١١٥. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [الرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق] مجموع الفتاوى ٢٧/٤٥٧وقال ابن حزم الظاهري [الشرائع لا تُؤْخَذ بالمنامات] المحلى ٦ / ٥٠٧. وقال الشوكاني: [المسألة السابعة: في رؤيا النبي ﷺ ذكر جماعة من أهل العلم منهم الأستاذ أبو إسحاق أن يكون حجة ويلزم العمل به وقيل حجة ولا يثبت به حكم شرعي وإن كانت رؤية النبي ﷺ رؤية حق والشيطان لا يتمثل به لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعاً ثابتاً، ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا ﷺ قد كمله الله وقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته ﷺ إذ قال فيها بقول أو فعل فيها فعلاً يكون دليلاً وحجة بل قبضه الله إليه عند أن كمَّل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه ولم يبق بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دينها وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبينها بالموت وإن كان رسولاً حياً وميتاً وبهذا تعلم أن لو قدَّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله ﷺ أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ص٢٤٩. وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [، ولا يجوز أن يعتمد عليها في شيء يخالف ما علم من الشرع، بل يجب عرض ما سمعه الرائي من النبي من أوامر أو نواهي أو خبر أو غير ذلك من الأمور التي يسمعها أو يراها الرائي للرسول ﷺ على الكتاب والسنة الصحيحة، فما وافقهما أو أحدهما قبل، وما خالفهما أو أحدهما ترك؛ لأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها النعمة قبل وفاة النبي ﷺ فلا يجوز أن يقبل من أحد من الناس ما يخالف ما علم من شرع الله ودينه سواء كان ذلك من طريق الرؤيا أو غيرها وهذا محل إجماع بين أهل العلم المعتد بهم، أما من رآه ﵊ على غير صورته فإن رؤياه تكون كاذبة كأن يراه أمرد لا لحية له، أو يراه أسود اللون أو ما أشبه ذلك من الصفات المخالفة لصفته ﵊، لأنه قال ﵊: " فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي " فدل ذلك على أن الشيطان قد يتمثل في غير صورته ﵊ ويدعي أنه الرسول ﷺ من أجل إضلال الناس والتلبيس عليهم. ثم ليس كل من ادعى رؤيته ﷺ يكون صادقا وإنما تقبل دعوى ذلك من الثقات المعروفين بالصدق والاستقامة على شريعة الله سبحانه، وقد رآه في حياته ﷺ أقوام كثيرون فلم يسلموا ولم ينتفعوا برؤيته كأبي جهل وأبي لهب وعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وغيرهم، فرؤيته في النوم ﵊ من باب أولى] ونقل صاحب تهذيب الفروق والقواعد السنية عن العلامة العطار قوله: ولا يلزم من صحة الرؤيا التعويل عليها في حكم شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل وعدم ضبط الرائي] تهذيب الفروق والقواعد السنية ٤/٢٧٠. وقد وجدت كلاماً للإمام القرافي في مسألة قريبة من مسألة الطلاق الزوجة بناءً على الرؤية حيث قال: [فلو رآه ﵊ فقال له: إن امرأتك طالق ثلاثاً , وهو يجزم بأنه لم يطلقها فهل تحرم عليه ; لأن رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقاً وقع فيه البحث مع الفقهاء واضطربت آراؤهم في ذلك بالتحريم وعدمه لتعارض خبره ﵊ عن تحريمها في النوم وإخباره في اليقظة في شريعته المعظمة أنها مباحة له , والذي يظهر لي أن إخباره ﵊ في اليقظة مقدم على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال , فإذا عرضنا على أنفسنا احتمال طروء الطلاق مع الجهل به واحتمال طروء الغلط في المثال في النوم وجدنا الغلط في المثال أيسر وأرجح , ومن هو من الناس يضبط المثال على النحو المتقدم إلا أفراد قليلة من الحفاظ لصفته ﵊ وأما ضبط عدم الطلاق فلا يختل إلا على النادر من الناس والعمل بالراجح متعين , وكذلك لو قال له عن حلال: إنه حرام , أو عن حرام إنه حلال , أو عن حكم من أحكام الشريعة قدمنا ما ثبت في اليقظة على ما رأى في النوم لما ذكرناه كما لو تعارض خبران من أخبار اليقظة صحيحان فإنا نقدم الأرجح بالسند أو باللفظ أو بفصاحته أو قلة الاحتمال في المجاز أو غيره فكذلك خبر اليقظة وخبر النوم يخرجان على هذه القاعدة] الفروق ٤/٢٤٥-٢٤٦.
وأخيراً أذكر ما قاله الشاطبي: [وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنّة نعم يأتي المرئي تأنيساً وبشارة ونذارة خاصة بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً ولا يبنون عليها أصلاً وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها] الاعتصام ١/٣٢٢. وبعد هذه النقول عن فحول أهل العلم أقول لا شك أنه لا يصح في دين الإسلام الاعتماد على الرؤى والأحلام في إثبات الأحكام ولا يجوز للسائل أن يطلق زوجته بناءً على تلك المنامات.
стр. 977
١٩ - النهي عن ترجيل الشعر يوميا ليس للتحريم
يقول السائل: إنه سمع حديثاً نبوياً فيه (أن النبي ﷺ نهى أن يمتشط الرجل كل يوم) فهل هذا الحديث ثابت عن النبي ﷺ وما دلالته إن صح أفيدونا
الجواب: الحديث المذكور رواه أبو داود والنسائي والبيهقي ولفظه (عن حميد بن عبد الرحمن قال لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة ﵁ أربع سنين قال نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله أو يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعاً) والحديث قال عنه الإمام النووي: رواه أبو داود بإسناد حسن. المجموع ١/٢٩٣ وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/٩
ويجب أن يعلم أن النهي في الحديث ليس للتحريم وإنما لكراهة التنزيه فليس كل نهي وارد في الشرع يدل على التحريم، فإن كثيراً من النواهي الشرعية تدل على الكراهة التنزيهية وقد عجبت ممن جمعوا أحاديث النواهي الواردة عن النبي ﷺ وحشروها في باب واحد وكأنها كلها تدل على التحريم مما أوقع كثيراً من طلبة العلم الشرعي في إشكالات كثيرة وكان الواجب أن يبينوا إما بياناً إجمالياً أو بياناً تفصيلياً أن من أحاديث النواهي ما هو محمول على الكراهة التنزيهية حتى يكون طلبة العلم على بصيرة والمراد من الحديث المذكور في السؤال أنه لا ينبغي أن يكون المسلم مترفهاً منعماً يهتم كثيراً بتسريح شعره على سبيل المبالغة في ذلك وخير الأمور الوسط ومثله ما ورد في حديث آخر أن النبي ﷺ (نهى عن الترجل إلا غباً) رواه أبو داود والترمذي وصححه والترجل والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه
وقوله ﷺ (إلا غباً) أي يوماً بعد يوم فلا يكره بل يسن فالمراد النهي عن المواظبة عليه والاهتمام به لأنه مبالغة في التزيين وتهالك به كما قاله المناوي في فيض القدير ٦/٤٠٤.
ومما يدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عبد الله بن بريدة أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر فقدم عليه وهو يمد ناقة له فقال إني لم آتك زائراً إنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم فرآه شعثاً فقال ما لي أراك شعثاً وأنت أمير البلد؟ قال إن رسول الله ﷺ كان ينهانا عن كثير من الإرفاه) رواه
أبو داود والنسائي وغيرهما والإرفاه من الرفاهية وهي السعة والدعة والتنعم
ويضاف إلى ذلك أنه قد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في العناية بالشعر وتنظيفه وتسريحه منها: عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ قال: من كان له شعر فليكرمه) . رواه أبو داود وقال صاحب عون المعبود: [قوله (من كان له شعر فليكرمه) أي فليزينه ولينظفه بالغسل والتدهين والترجيل ولا يتركه متفرقاً فإن النظافة وحسن المنظر محبوب] عون المعبود شرح سنن أبي داود ١١/١٤٧
وقال الشوكاني: [الحديث قال في الفتح: وإسناده حسن وله شاهد من حديث عائشة في الغيلانيات وإسناده حسن أيضاً وسكت عنه أبو داود والمنذري وقد صرح أبو داود أيضاً أنه لا يسكت إلا عما هو صالح للاحتجاج ورجال إسناده أئمة ثقات. وفيه دلالة على استحباب إكرام الشعر بالدهن والتسريح وإعفائه عن الحلق لأنه يخالف الإكرام إلا أن يطول كما ثبت عند أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث وائل بن حجر ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل فلما رآني قال: ذباب ذباب قال: فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال: إني لم أعنك) وقوله: ذباب. قال صاحب النهاية: الذباب الشؤم أي هذا شؤم
وأخرج مالك عن عطاء بن يسار قال: (أتى رجل النبي ﷺ ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول ﷺ كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته ففعل ثم رجع فقال ﷺ أليس هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان) والثائر الشعث بعيد العهد بالدهن والترجيل.
وعن أبي قتادة ﵁ (أنه كانت له جمة ضخمة فسأل النبي ﷺ فأمره أن يحسن إليها وأن يترجل كل يوم) . رواه النسائي.
قال الشوكاني أيضا ً: [الحديث رجال إسناده كلهم رجال الصحيح وأخرجه أيضًا مالك في الموطأ ولفظ الحديث عن أبي قتادة قال: (قلت يا رسول اللَّه إن لي جمة أفأرجلها قال: نعم وأكرمها) فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قوله ﷺ نعم وأكرمها.] نيل الأوطار ١/٢٣٩-٢٤١ بتصرف
وذكر المناوي أن حديث أبي قتادة محمول على أنه كان محتاجاً للترجيل كل يوم لغزارة شعره أو هو لبيان الجواز وذكر الحافظ السيوطي في حاشية أبي داود قال الشيخ ولي الدين العراقي في حديث أبي داود نهى رسول الله ﷺ (أن يمتشط أحدنا كل يوم) هو نهي تنزيه لا تحريم , والمعنى فيه أنه من باب الترفه والتنعم فيجتنب , ولا فرق في ذلك بين الرأس واللحية فيض القدير ٦/٤٠٤.
وروى الإمام البخاري بإسناده عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ (يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض)
وأخرج الترمذي في الشمائل عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ (يكثر دهن رأسه , وتسريح لحيته)
وذكر العلامة ابن القيم: حديث (من كان له شعر فليكرمه) وحديث أن النبي ﷺ (نهى عن الترجل إلا غباً) وردَّ على من قال بوقوع التعارض بينهما فقال: [والصواب: أنه لا تعارض بينهما بحال , فإن العبد مأمور بإكرام شعره , ومنهى عن المبالغة والزيادة في الرفاهية والتنعم , فيكرم شعره , ولا يتخذ الرفاهية والتنعم ديدنه , بل يترجل غباً. هذا أولى ما حمل عليه الحديثان , وبالله التوفيق.] حاشية ابن القيم مطبوعة مع عون شرح سنن أبي داود ١١/١٤٧
وخلاصة الأمر أنه ينبغي للمسلم أن يحافظ على شعره ويكرمه وينظفه دون مبالغة في ذلك.
стр. 978
٢٠ - حديث السجود لقبر آدم لا يصح
يقول السائل: إنه قرأ الحديث التالي ويسأل عن صحته والحديث هو: (ذكر أن إبليس جاء إلى موسى صلوات الله تعالى وسلامه عليه فقال له: أنت الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلمك تكليماً، وإنما أنا خلق من خلق الله تعالى أردت أن أتوب إلى ربك فاسأله أن يتوب عليّ ففرح بذلك موسى فدعا وصلّى ما شاء الله تعالى. ثم قال: يا رب إنه إبليس خلق من خلقك يسألك التوبة فتب عليه. فقيل له: يا موسى إنه لا يتوب. فقال: يا رب إنه يسألك التوب. فأوحى الله تعالى: إني استجبت لك يا موسى فمره أن يسجد لقبر آدم فأتوب عليه فرجع موسى مسروراً فأخبره بذلك، فغضب من ذلك واستكبر ثم قال: أنا لم أسجد له حياً أأسجد له ميتاً..)
الجواب: هذا الحديث ليس ثابتاً عن النبي ﷺ وإنما ذكره بعض أهل التفسير كالسيوطي حيث ذكره عند تفسير قوله تعالى ﴿وَعَلَّمَءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٣١- ٣٣، قال السيوطي في الدر النثور: [أخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان عن ابن عمر قال: لقي إبليس موسى فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلمك تكليماً إذ تبت؟ وأنا أريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب عليَّ قال موسى: نعم. فدعا موسى ربه فقيل: يا موسى قد قضيت حاجتك، فلقي موسى إبليس قال: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك. فاستكبر وغضب وقال: لم أسجد له حياً أأسجد له ميتا ً؟ ثم قال إبليس: يا موسى إن لك عليَّ حقاً بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن. اذكرني حين تغضب فإني أجري منك مجرى الدم، واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف. فأذكره ولده وزوجته حتى يولي، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها.] وذكره السيوطي أيضاً في الجامع الصغير ورمز لضعف الحديث انظر فيض القدير ٣/١٦٦.
وكذلك فإن الشيخ الألباني قد ضعف الحديث في ضعيف الجامع الصغير ص ٣٢٦ حديث رقم ٢٢١٣ وذكر أن الحكيم الترمذي رواه في كتاب أسرار الحج.
وقد ورد هذا الحديث في حادثة أخرى مع نوح ﵇ كما ذكره السيوطي في الدر المنثور في تفسير سورة هود فقال [ ... وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال: لما رست السفينة سفينة نوح ﵇ إذا هو بإبليس على كوتل السفينة. . .! فقال له نوح ﵇: ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك.؟ ! قال له إبليس: فما أصنع؟ قال: تتوب. قال: فسل ربك هل لي من توبة؟ فدعا نوح ربه، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم. قال: قد جعلت لك توبة قال: وما هي؟ قال: تسجد لقبر آدم. قال: تركته حياً وأسجد له ميتاً؟ ! .]
وبهذا يظهر لنا أن الحديث غير ثابتٍ روايةً كم أنه مردود درايةً فالله لا يأمر أحداً من خلقه أن يسجد لقبر فإن السجود لغير الله شرك أكبر ويبدو أن الحديث من وضع بعض عباد القبور.
стр. 979
٢١ - دعوة الناس يوم القيامة بآبائهم وليست بأمهاتهم
السؤال الأول: يقول السائل: سمعت حديثاً ينص على أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم فهل ثبت ذلك عن النبي ﷺ أفيدونا؟
الجواب: روي في الحديث أنه ﷺ قال: (يدعى الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً من الله عليهم) وهذا الحديث مكذوب على النبي ﷺ . ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات ٣/٢٤٨ والسيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢/٤٤٩ وقال العجلوني: [أخرجه ابن عدي عن أنس وقال منكر، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.] كشف الخفاء ٢/٣٩٤. وبهذا يظهر لنا أن الحديث المذكور حديث مكذوب على النبي ﷺ وقد ثبت عن النبي ﷺ خلاف ذلك أي أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم فقد روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان بن فلان) وقال الحافظ ابن حجر: [حديث ابن عمر في الغادر يرفع له لواء لقوله فيه (غدرة فلان ابن فلان) فتضمن الحديث أنه ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم ... وقال ابن بطال: في هذا الحديث ردٌ لقول من زعم أنهم لا يدعون يوم القيامة إلا بأمهاتهم ستراً على آبائهم. قلت: هو حديث أخرجه الطبراني من حديث ابن باس وسنده ضعيف جداً , وأخرج ابن عدي من حديث أنس مثله وقال: منكر أورده في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الطبري. قال ابن بطال: والدعاء بالآباء أشد في التعريف وأبلغ في التمييز. وفي الحديث جواز الحكم بظواهر الأمور. قلت: وهذا يقتضي حمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على ما هو في نفس الأمر وهو المعتمد] فتح الباري١٠/٦٩١. وقال الشيخ ابن القيم: [الفصل العاشر في بيان أن الخلق يدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم هذا الصواب الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة ونص عليه الأئمة كالبخاري وغيره فقال في صحيحه باب يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم ثم ساق في الباب حديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع الله لكل غادر لواء يوم هذه غدرة فلان بن فلان) وفي سنن أبي داود بإسناد جيد عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ﷺ (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم) فزعم بعض الناس أنهم يدعون بأمهاتهم واحتجوا في ذلك بحديث لا يصح وهو في معجم الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ (إذا مات أحد ما إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله الحديث وفيه فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه قال فلينسبه إلى أمه حواء يا فلان ابن حواء) قالوا وأيضا فالرجل قد لا يكون نسبه ثابتاً من أبيه كالمنفي باللعان وولد الزنى فكيف يدعى بأبيه؟ والجواب أما الحديث فضعيف باتفاق أهل العلم بالحديث، وأما من انقطع نسبه من جهة أبيه فإنه يدعى بما يدعى به في الدنيا فالعبد يدعى في الآخرة بما يدعى به في الدنيا من أب أو أم والله أعلم] تحفة المودود ص ١٣٩. وقال الشيخ ابن القيم في موضع آخر: [وفي هذا الحديث – حديث أبي الدرداء -: رد على من قال: إن الناس يوم القيامة إنما يدعون بأمهاتهم , لا آبائهم وقد ترجم البخاري في صحيحه لذلك فقال " باب يدعى الناس بآبائهم " وذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال " الغادر يرفع له لواء يوم القيامة؟ يقال له: هذه غدرة فلان بن فلان ". واحتج من قال بالأول. بما رواه الطبراني في معجمه من حديث سعيد بن عبد الله الأودي قال " شهدت أبا أمامة - وهو في النزع - قال: إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ , فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره , فليقم أحدكم على رأس قبره , ثم ليقل يا فلان بن فلانة , فإنه يسمعه ولا يجيبه , ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله - فذكر الحديث - وفيه فقال رجل يا رسول الله , فإن لم يعرف أمه , قال: فلينسبه إلى أمه حواء فلان بن حواء ". ولكن هذا الحديث متفق على ضعفه فلا تقوم به حجة فضلا عن أن يعارض به ما هو أصح منه.) وحديث التلقين الذي ورد في كلام العلامة ابن القيم السابق احتج به من يرى أن الميت يدعى بأمه ففيه (يا فلان بن فلانة) فهذا الحديث ورد عن جابر بن سعيد الأزدي قال: (دخلت على أبي أمامة وهو في النزع فقال لي: يا أبا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر رسول الله ﷺ أن يصنع بموتانا فإنه قال: إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة! فإنه يستوي قاعداً فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول أرشدني رحمك الله فليقل: اذكر ما خرجت عليه من دار الدنيا شهادة أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول له: ما نصنع عند رجل لقن حجته؟ فيكون الله حجيجهما دونه) قال الشيخ الألباني: منكر. أخرجه القاضي الخلعي في الفوائد ٢/٥٥. قلت - أي الألباني -: [وهذا إسناد ضعيف جداً لم أعرف أحداً منهم غير عتبة بن السكن. قال الدارقطني: متروك الحديث. وقال البيهقي: واهٍ منسوب إلى الوضع. والحديث أورده الهيثمي ... وقال: رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جماعة لم أعرفهم] ثم ذكر الشيخ الألباني أن الأئمة النووي وابن الصلاح والحافظ العراقي قد ضعفوا الحديث. السلسلة الضعيفة ٢/٦٤-٦٥. ونقل ابن علان قول الحافظ ابن حجر بعد تخريج حديث أبي أمامة: [هذا حديث غريب وسند الحديثين من الطريقين ضعيف جداً] الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٤/١٩٦. وقال الصنعاني: [ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله] سبل السلام ٢/٢٣٤. وورد في الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال (أتدرون ما هذان الكتابان) ؟ فقلنا لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله، قال (هذا كتاب رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم.....) الحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي والطبراني وابن عاصم وغيرهم، وقال الشيخ الألباني حديث حسن. وهذا الحديث يدل على أن الناس يدعون بآبائهم يوم القيامة. وخلاصة الأمر أن الناس يدعون يوم القيامة بآبائهم كما صحت الأحاديث بذلك ولا يدعون بأمهاتهم. وعلى المسلم أن يستعد لليوم الآخر بالعمل الصالح فإن إستعد بالعمل الصالح فلا يؤثر عليه إن دعي بأبيه أو أمه.
стр. 980
٢٢ - ضوابط العلاج بالرقية
وردني السؤال التالي حول الرقية الشرعية: يقول السائل: إني أمارس العلاج بالقرآن الكريم منذ سنة ١٩٩٣ حتى كتابة هذه السطور لأرضي ربي أولاً وعوناً للناس وكفايتهم عن التردد على السحرة والمشعوذين. ألخص طريقة العلاج وبحضور محارم المريضة فقط كالآتي: ١. أضع يدي على رأس المريض أو المريضة، مع وضع حاجز بيننا عند القراءة عليها، وأقرأ ما تيسر من القرآن وآيات الرقية في أذنها (المرأة) من خلال ماسورة بلاستيك. ٢. لا أعالج أي مريضة إطلاقاً إلا إذا لبست طويل أو غطت الرأس بإشارب إن كانت متبرجة وبحضور صاحبات أو من الأهل أو محارمها. ٣. أستغل العلاج بالقرآن الكريم وأوظفه في الدعوة إلى الله حيث تلبس المرأة بعد تماثلها للشفاء وتصلي وكذلك الرجال. ٤. في الجلسة الأولى وبعد قراءة آيات الكشف على المصروع (وحسب الحاجة) أسأل أسئلة كثيرة هي علامات الصرع أو تأثير سحر أعرفها من خلال معرفة أحوال وأعمال الممسوس وكذلك من خلال التجربة. ٥. من هذه الأسئلة ما يتعلق بالجنس خلال المنام أو اليقظة وعن رفض المرأة لزوجها في الفراش دون إرادتها، أو ربط الرجل عن زوجته بسحر أو أمور متعلقة بعقم المرأة والزوج من خلال الجماع وغيره. أو العادة السرية عند رفض المرأة لزوجها – بعد فترة طويلة – أو عند المراهقين. ٦. إذا صرعت المرأة ممكن أن تتكشف ونغطيها مباشرة. ٧. إذا صرعت المريضة فإنها تحاول إنزال يدي عن رأسها فتلمسني. ٨. إذا صرع الجان المرأة أو الرجل يمنعها عن متابعة العلاج من غير إرادتها ويمنع إدخال أي سائل مقروء عليه قرآن – آيات الرقية وغيرها – إلى جوف المريض فاضطر إلى لمس الوجه لتثبيته بهدف إدخال الماء أو الزيت إلى فم المريض. وكذلك بعض نقاط في الأنف إذا خاف محارمها هذا العمل بأنفسهم. ٩. لتعميم الجسد جميعه بالماء المقروء عليه قرآناً نرش المريض على ملابسه ثم أطلب من أهلها رش البنطلون، فحينما يخشون ذلك أرش البنطلون بنفسي من خلال مضخة دون أن نكشف جسدها وبحضور أهلها. ١٠. ويمسح جسد المصروعة بزيت حبة البركة المقروء عليه قرآن حتى إذا اقتضت الضرورة لكل الجسد حينها يخرج كل الرجال من الجلسة وأنا كذلك. ١١. مرات قليلة أو نادرة جداً أمسح الوجه أو الرقبة بدون حائل أنا بدل أهلها وذلك لخوف الاقتراب منها غالباً حين الصرع. ١٢. لكشف أماكن تأثير الجن أو الشيطان الصارع في الجسد اضطر إلى تحسس بعض أماكن مع حائل طبعاً كالظهر أو الصدر أو البطن أو الكتف أو الأطراف. ١٣. يحتاج المريض إلى شرطة قرآن للسماع خاصة آيات الرقية وسورة البقرة وآية الكرسي والمعوذتين والإخلاص، وكذلك إلى زيت حبة البركة بثمنه كما في السوق. ١٤. بعضهم برفض أخذ الباقي من النقود فيتبرعوا بها لدعم العلاج. ١٥. يتبرع أهل المريض بشيء من المال في سبيل الله دون أن أطلب منهم غير ثمن المواد المساعدة في العلاج. ١٦. وهل في ذلك شيء حتى لو طلبت أجراً بسيطاً أردّ به بعض الناس لأخفف عني كثيراً من الحالات في الوقت نفسه. ١٧. لم يختلف شيء في طريقة العلاج منذ أن بدأت حتى الآن فحسب إحصاء خاص تبين أن ٨٠% من الناس يتماثلون للشفاء حين يلتزمون بالعلاج من خلال هذه الطريقة. أفتوني في ذلك يرحمكم الله وجزاكم الله خيراً
الجواب:
بعد الاطلاع على رسالة السائل أفيده بما يلي:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المسلمين وعلى آله وصحبه الطيبين ... وبعد فهذه أهم ضوابط المعالجة بالرقية الشرعية:
إن العلاج بالقرآن والرقية بآياته من الأمور المشروعة، يقول الله : (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا) سورة الإسراء الآية ٨٢.
وثبت في الحديث الصحيح، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين) رواه مسلم.
ولا بد أن تكون الرقية شرعية فلا تصح الرقى الشركية، لقوله ﷺ (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) رواه مسلم
ويشترط في الرقية الشرعية ما يلي:
أولاً: أن تكون بكلام الله، أو بأسمائه، أو صفاته، أو بالأدعية النبوية المأثورة عن النبي ﷺ في ذلك
ثانياً: أن تكون باللسان العربي فكل كلام مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلاً عن أن يدعو به ولو عرف معناه لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعاراً فليس من دين الإسلام كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ثالثاً: أن تكون مفهومة المعنى.
رابعاً: ألا تشتمل على شيء غير مباح، كالاستغاثة بغير الله أو دعاء غيره، أو اسم للجن، أو ملوكهم ونحو ذلك.
خامساً: ألا يعتمد عليها.
سادساً: أن يعتقد أنها لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى.
سابعاً: لا يجوز اللجوء لأي إنسان يدعي المعالجة بالقرآن أو أنه يستطيع إخراج الجن من المصروع إلا بعد التأكد من أن هذا الشخص من الصالحين الملتزمين بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأنه يتبع الطرق المشروعة في الرقية والعلاج ولا يستخدم شياطين الجن الذين لا يخدمونه إلا إذا وقع في المحرمات.
وكذلك فإن بعض هؤلاء المعالجين يستخدمون الطلاسم في المعالجة، أو يذكرون كلاماً غير مفهوم المعنى، فهذا لا يجوز استعماله.
ثامناً: لا ينبغي لأحد من الناس أن يتفرغ لعلاج الناس بالرقى القرآنية أو بالأذكار الواردة، والإعلان عن نفسه بأنه المعالج بالقرآن والبديل الشرعي لفك السحر ومس الجان والعين والعقم والأمراض المستعصية، أو يعلن عن نفسه العيادة القرآنية، ويوزع الكروت، ويحدد المواعيد كالأطباء المختصين، لأن ذلك ليس من منهج الصحابة والتابعين والصالحين، ولم يكن معروفاً مثل هذا التفرغ عندهم مع أن الناس لا زالوا يمرضون على مر العصور والأزمان، ولأن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة، ويلج منه الدجالون والمشعوذون وأمثالهم.
تاسعاً: لا يجوز للراقي مس شيء من بدن المرأة التي يرقيها لما في ذلك من الفتنة، وإنما يقرأ عليها بدون مس، وهناك فرق بين عمل الراقي وعمل الطبيب، لأن الطبيب قد لا يمكنه العلاج إلا بمس الموضع الذي يريد أن يعالجه، بخلاف الراقي فإن عمله ـ وهو القراءة والنفث ـ لا يتوقف على اللمس كما أفتت بذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية، ولا يصح مس جسد المرأة إلا عند الحاجة.
عاشراً: لا يجوز للراقي أن يخلو بالمريضة أبداً ولا بد من وجود زوجها أو محرم أو أكثر من امرأة لقوله ﷺ (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم ٢٥٤٦.
أحد عشر: يجب أن تكون المريضة لابسةً للباس الشرعي أثناء العلاج.
ثاني عشر: لا يجوز إلصاق الأوراق المكتوب فيها شيء من القرآن أو الأدعية على الجسم أو على موضع منه، أو وضعها تحت الفراش ونحو ذلك على الراجح من أقوال أهل العلم لأنه من تعليق التمائم المنهي عنه بقوله ﷺ : (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) وقوله ﷺ : (إن الرُّقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود.
ويمنع ذلك سداً للذرائع أيضاً خشية أن يفضي إلى تعليق ما ليس من القرآن. ولأن التعليق قد يعرضه للامتهان فيحمله معه عند قضاء الحاجة والاستنجاء.
قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز [واختلف العلماء في التمائم إذا كانت من القرآن أو من الدعوات المباحة هل هي محرمة أم لا؟ والصواب تحريمها لوجهين: أحدهما: عموم الأحاديث المذكورة، فإنها تعم التمائم من القرآن وغير القرآن. والوجه الثاني: سد ذريعة الشرك فإنها إذا أبيحت التمائم من القرآن اختلطت بالتمائم الأخرى واشتبه الأمر وانفتح باب الشرك بتعليق التمائم كلها ومعلوم أن سد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي من أعظم القواعد الشرعية]
وذكر الشيخ العلامة محمد بن صلح العثيمين عن جماعة من العلماء أنه [... لا يجوز تعليق القرآن للاستشفاء به؛ لأن الاستشفاء بالقرآن ورد على صفة معينة، وهي القراءة به، بمعنى أنك تقرأ على المريض به؛ فلا نتجاوزها، فلو جعلنا الاستشفاء بالقرآن على صفة لم ترد؛ فمعنى ذلك أننا فعلنا سبباً ليس مشروعاً ... ولولا الشعور النفسي بأن تعليق القرآن سبب للشفاء؛ لكان انتفاء السببية على هذه الصورة أمراً ظاهراً؛ فإن التعليق ليس له علاقة بالمرض، بخلاف النفث على مكان الألم؛ فإنه يتأثر بذلك.
ولهذا نقول؛ الأقرب أن يقال: إنه لا ينبغي أن تعلق الآيات للاستشفاء بها، لا سيما وأن هذا المعلق قد يفعل أشياء تنافي قدسية القرآن؛ كالغيبة مثلاً، ودخول بيت الخلاء، وأيضاً إذا علق وشعر أن به شفاء استغنى به عن القراءة المشروعة؛ فمثلاً علق آية الكرسي على صدره، وقال: ما دام أن آية الكرسي على صدري فلن أقرأها، فيستغنى بغير المشروع عن المشروع، وقد يشعر بالاستغناء عن القراءة المشروعة إذا كان القرآن على صدره] مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين ١/٥٨.
وقال الشيخ عبد الله الجبرين [ولم يثبت عن النبي ﷺ وهو الذي نزل عليه القرآن، وهو بأحكامه أعرف وبمنزلته أعلم أنه علق على نفسه أو غيره تميمة من القرآن أو غيره، أو اتخذه أو آيات منه حجاباً يقيه الحسد أو غيره من الشر، أو حمله أو شيئاً منه في ملابسه أو في متاعه على راحلته لينال العصمة من شر الأعداء أو الفوز والنصر عليهم أو لييسر له الطريق ويذهب عنه وعثاء السفر أو غير ذلك من جلب نفع أو دفع ضر. فلو كان مشروعاً لحرص عليه وفعله، وبلغه أمته، وبينه لهم، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٦٧) سورة المائدة، ولو فعل شيئاً من ذلك أو بينه لأصحابه لنقلوه إلينا، ولعملوا به، فإنهم أحرص الأمة على البلاغ والبيان، وأحفظها للشريعة قولاً وعملاً، وأتبعها لرسول الله ﷺ ، ولكن لم يثبت شيء من ذلك عن أحد منهم؛ فدل ذلك على أن حمل المصحف أو وضعه في السيارة أو متاع البيت أو خزينة المال لمجرد دفع الحسد أو الحفظ أو غيرهما من جلب نفع أو دفع ضر لا يجوز]
أحد عشر: أن يكون الراقي مسلماً عدلاً من أهل الصلاح والتقوى معتقداً أن الله هو الذي يشفي ملتزماً بأحكام الشرع ويحسن القراءة على المرقي وعارفاً بأحكام الرقية الشرعية ويفضل أن يكون من أهل العلم وليس ذلك بشرط على الصحيح من أقوال العلماء يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين [الذي أرى أنه لا يشترط أن يكون من أهل العلم إذا كان حافظاً لكتاب الله معروفاً بالتقى والصلاح ولم يقرأ إلا بالقرآن أو ما جاء عن النبي محمد ﷺ فلا بأس، وليس من شرطه أن يكون عالماً، وبعض العلماء يكون عالماً لكن في القراءة يكون أقل من الآخرين أي من بعض الناس]
ويقول الشيخ عبد الله بن جبرين [الصواب أنه يجوز استعمال الرقية من كل قارئ يحسن القرآن ويفهم معناه ويكون حسن المعتقد صحيح العمل مستقيماً في سلوكه، ولا يشترط إحاطته بالفروع ولا دراسته للفنون العلمية، وذلك لقصة أبي سعيد في الذي رقى اللديغ قال: وما كنا نعرف منه الرقية أو كما قال، وعلى الراقي أن يحسن النية وأن يقصد نفع المسلم ولا يجعل همه المال والأجرة ليكون ذلك أقرب إلى الإنتفاع بقراءته]
ثالث عشر: يجوز أخذ الأجرة على الرقية بضوابطها الشرعية، فقد أقر رسول الله ﷺ ذلك كما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط! الذين نزلوا لعلهم أن يكون عندهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَة، فقال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ ، فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية؟، ثم قال: قد أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهماً) رواه البخاري ومسلم.
ومع القول بجواز أخذ الأجرة فالأولى أن يكون الراقي متبرعاً بعمله لله تعالى قال الشيخ عبد الله الجبرين [يفضل أن الراقي يتبرع برقيته لنفع المسلمين واحتساب الأجر من الله في شفاء مرضى المسلمين وإزالة الضرر عنهم وأن لا يطلب أجرة على رقيته بل يترك الأمر إلى المرضى فإن دفعوا له أكثر من تعبه زهد فيها وردها وإن كانت دون حقه تغاضى عن الباقي وهذا من أكبر الأسباب لتأثير الرقية]
وخلاصة الأمر أن المعالجة بالقرآن وبالأدعية النبوية المأثورة أمر مشروع وينبغي للراقي أن يكون من أهل الخير والصلاح والتقى ومن المتمسكين بدين الله ومن المحافظين على الصلوات وغيرها من العبادات وأن يكون صحيح العقيدة وبعيداً عن البدع والخرافات وغير ذلك من المنكرات. وعلى الراقي أن يلتزم بالأحكام الشرعية للعلاج المذكورة سابقاً.
стр. 981
٢٣ - احاديث ضعيفة
يقول السائل: إنه سمع حديث استئذان ملك الموت على النبي ﷺ عند وفاته وأنه ما استأذن على آدمي قبل النبي ﷺ ولا يستأذن على آدمي بعده، فهل هذا الحديث ثابت أفيدونا؟
الجواب: حديث استئذان ملك الموت على النبي ﷺ ورد بعدة روايات منها:
عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رجلاً من قريش دخل على أبيه علي بن الحسين، فقال: ألا أحدثك عن رسول الله ﷺ قال: بلى حدثنا عن أبي القاسم ﷺ قال: لما مرض رسول الله ﷺ أتاه جبريل فقال: يا محمد! إن الله أرسلني إليك تكريماً لك، وتشريفاً لك، خاصة لك؛ يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا جبريل! مغموماً، وأجدني يا جبريل مكروباً، ثم جاءه اليوم الثاني، فقال له ذلك، فرد عليه النبي ﷺ كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث، فقال له كما قال أول يوم، ورد عليه، كما رد عليه، وجاء معه ملك - يقال له إسماعيل - على مئة ألف ملك، كل ملك على مئة ألف ملك، فاستأذن عليه، فسأله عنه؟ ثم قال جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك؛ ما استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال: ائذن له، فأذن له، فسلم عليه، ثم قال: يا محمد! إن الله أرسلني إليك؛ فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضت، وإن أمرتني أن أتركه تركته! فقال: وتفعل يا ملك الموت؟!، قال: نعم، بذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك، قال: فنظر النبي ﷺ إلى جبريل ﵇ فقال جبريل: يا محمد! إن الله قد اشتاق إلى لقائك، فقال النبي ﷺ لملك الموت: امض لما أمرت به، فقبض روحه، فلما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية؛ سمعوا صوتاً من ناحية البيت! السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله فاتقوا وإياه فارجوا؛ فإنما المصاب من حرم الثواب! فقال علي: أتدرون من هذا هو الخضر ﵇ رواه البيهقي في دلائل النبوة وذكره صاحب مشكاة المصابيح وقال الشيخ الألباني في تعليقه على المشكاة: [إسناده واهٍ وكل حديث فيه حياة الخضر إلى عهده ﷺ لا يصح] مشكاة المصابيح ٣/١٦٨٥.
وقال العلامة ابن القيم عند تعداده للضوابط التي يعرف بها أن الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ
[ومنها الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته، كلها كذب ولا يصح في حيته حديث واحد] المنار المنيف ص ٦٧.
وقال الشوكاني [وفي إسناده القاسم بن عبد الله بن عمر وهو متروك وقد كذبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقال أحمد إنه كان يضع الحديث] تحفة الذاكرين ص ٣١٦
وقال الشيخ الألباني أيضاً عن الحديث السابق: [موضوع – أي مكذوب – أخرجه الإمام الشافعي في السنن عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص عن جعفر ... وهذا إسناد ضعيف جداً على إرساله، آفته القاسم هذا – وهو العمري المدني – قال الإمام أحمد: ليس بشيء كان يكذب ويضع الحديث. وكذبه ابن معين أيضاً، ولهذا قال الحافظ في التقريب: متروك رماه أحمد بالكذب.] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١١/٢/٦٤٢-٦٤٣.
وقال محقق كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من وظائف: [وهذا الحديث بطوله فيه انقطاع فإن محمداً الباقر والد جعفر الصادق وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب تابعي لم يدرك رسول الله ﷺ هو ولا أبوه زين العابدين] لطائف المعارف ص ٢١٢.
وجاء في رواية أخرى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لما كان قبل وفاة رسول الله ﷺ بثلاثة أيام هبط عليه جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراماً لك، وتفضيلاً لك، وخاصةً لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ فقال النبي ﷺ : أجدني يا جبريل مغموماً وأجدني يا جبريل مكروباً، فلما كان اليوم الثالث، هبط جبريل وهبط مع ملك الموت وهبط معهما ملك في الهواء يقال له: إسماعيل على سبعين ألف ملك، ليس فيهم ملك إلا على سبعين ألف ملك يشيعهم جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراماً لك، وتفضيلاً لك، وخاصة لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ فقال رسول الله ﷺ أجدني يا جبريل مغموماً، وأجدني يا جبريل مكروباً، فاستأذن ملك الموت على الباب فقال له جبريل: يا محمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولا استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال: ائذن له، فأذن له جبريل فأقبل حتى وقف بين يديه فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك، فيما أمرتني به، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن كرهت تركتها، فقال له رسول الله ﷺ : أتفعل يا ملك الموت؟ قال: نعم وبذلك أمرت أن أطيعك فيما أمرتني به، فقال له جبريل: إن الله قد اشتاق إلى لقائك، فقال له رسول الله ﷺ : امض لما أمرت به، فقال له جبريل: هذا آخر وطئي الأرض، إنما كنت حاجتي في الدنيا، فلما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية جاء آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات، فبالله ثقوا، وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) رواه الطبراني وفيه: عبد الله بن ميمون القداح، قال أبو حاتم وغيره متروك.
وقال الهيثمي [رواه الطبراني وفيه عبد الله بن ميمون القداح ذاهب الحديث] مجمع الزوائد ٩/٣٥
وقال الشيخ الألباني عن عبد الله بن ميمون القداح: [قلت: والقداح هذا، قال أبو حاتم: متروك. وقال البخاري:: ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به. وفي التقريب: منكر الحديث متروك. وبه أعله الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٥.] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ١١/٢/٦٤٣.
وخلاصة الأمر أن حديث استئذان ملك الموت على النبي ﷺ عند وفاته لا يصح ولا يثبت عن رسول الله ﷺ بل هو من الأحاديث الواهية ولا تجوز رواية مثل هذا الحديث إلا مع بيان درجته.
стр. 982
٢٤ - احاديث ثابتة
يقول السائل: هل الحديث الوارد في قصة غدير خم وأن النبي ﷺ عهد إلى علي ﵁ بالخلافة ثابت عن رسول الله ﷺ أفيدونا؟
الجواب: أولاً أذكر أن غَديرُ خُم هو موضع بين مكة والمدينة، وهو واد عند الجحفة به غدير، يقع شرق رابغ البلدة المعروفة في الحجاز. وأما الحديث فقد روى مسلم بإسناده عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي) وروى الإمام أحمد في مسنده عدة أحاديث في قصة غدير خم منها (عن زاذان أبي عمر قال سمعت علياً في الرحبة وهو ينشد الناس من شهد رسول الله ﷺ يوم غدير خم وهو يقول ما قال فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ?وهو يقول من كنت مولاه فعلي مولاه) ومنها عن سعيد بن وهب وزيد بن يثيع قالا نشد علي الناس في الرحبة من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم إلا قام قال فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد ستة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول لعلي ﵁ يوم غدير خم أليس الله أولى بالمؤمنين قالوا بلى قال اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) وغير ذلك. وقصة غدير خم صحيحة ثابتة كما قال أهل الحديث ولكن ما يدعيه الشيعة من أن النبي ﷺ عهد إلى علي ﵁ بالخلافة وأوصى بالخلافة له محض افتراء وكذب على رسول الله ?قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ليس في هذا الحديث – حديث غدير خم – ما يدل على أنه نص على خلافة علي، إذ لم يرد به الخلافة أصلاً، وليس في اللفظ ما يدل عليه، ولو كان المراد به الخلافة لوجب أن يبلغ مثل هذا الأمر العظيم بلاغاً بيناً] منهاج السنة ٤/٨٤-٨٥
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً عند ذكره حديث غدير خم مرجعه ﷺ من حجة الوداع، فإنه ﷺ خطب فيه خطبة وصَّى فيها بإتباع كتاب الله، ووصَّى فيها بأهل بيته، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم ﵁ فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك، حتى زعموا أنه عهد إلى علي ﵁ بالخلافة بالنص الجلي، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاماً وعملاً قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسَّقوا وكفَّرُوا إلا نفراً قليلاً ...] اقتضاء الصراط المستقيم ١/٢٩٣. وقال الشيخ ابن كثير: [وأما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء من أنه أوصى - أي النبي ﷺ – إلى علي بالخلافة فكذب وبهت وافتراء عظيم، يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة وممالأتهم بعده على ترك تنفيذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب] البداية والنهاية ٧/٢٢٥
وخلاصة الأمر أن حديث الغدير صحيح ولكن إدعاء الشيعة بأن النبي ﷺ أوصى لعلي ﵁ بالخلافة كذب وافتراء.
стр. 983
٢٥ - منكرات في العيد
يقول السائل: في يوم العيد وأثناء زيارتنا للأقارب تخرج بعض النساء متبرجات ويمددن أيديهن للمصافحة فإذا لم نصافحهن يغضبن ونعتبر عندهن من المتشددين ويقلن لنا هذا يوم عيد لا يجوز أن تزورونا بدون مصافحتنا؟
الجواب: يجب أن يعلم أولاً أن أيام العيد هي أيام طاعة لله وذكرٍ له ﷻ ففي هذه الأيام المباركة التي قال الله فيها: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) سورة البقرة الآية ٢٠٣. وهي أيام التشريق. وقال النبي ﷺ : (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله رواه مسلم.
وأيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة. قال الإمام النووي: [وفي الحديث استحباب الإكثار من الذكر في هذه الأيام من التكبير وغيره] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٠٩.
وقد ورد عن طائفة من السلف التكبير في هذه الأيام المباركة مطلقاً ومقيداً بعد الصلوات الخمس وقد سبق أن بينت ذلك مفصلاً في الحلقة السابقة من يسألونك.
فهذه الأيام المباركة لا يجوز التحلل من الأحكام الشرعية فيها بحجة أنها أيام عيد، وهذا مفهوم خاطئ لدى كثير من الناس بل يجب أن تزداد طاعتنا لله في هذه الأيام المباركة الفاضلة.
وأما تبرج النساء في العيد فلا شك في تحريمه سواء كان في العيد أو في غير العيد بل هو مجمع على تحريمه، يقول الله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) سورة الأحزاب الآية ٣٣.
وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسمنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) رواه مسلم
قال الإمام النووي: [هذا الحديث من معجزات النبوة فقد وقع هذان الصنفان وهما موجودان وفيه ذم هذين الصنفين قيل: معناه كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها. وقيل: معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهاراً بحالها ونحوه. وقيل: معناه تلبس ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها. وأما مائلات فقيل: معناه عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه. مميلات أي يعلمن غيرهن فعلهن المذموم. وقيل: مائلات يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن. وقيل: مائلات يمشطن المشطة المائلة، وهي مشطة البغايا. مميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة. ومعنى رؤوسهن كأسنمة البخت أن يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوهما] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٩١.
ويجب على الآباء والأزواج والأولياء عامة منع بناتهم وزوجاتهم وأخواتهم من التبرج ومن قَبل تبرجهن فهو ديوث ينطبق عليه ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة قد حرّم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر الخبث في أهله) . رواه الإمام أحمد في مسنده
وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : (ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق والديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث) رواه أحمد وذكر الشيخ الألباني أن حديث ابن عمر رواه النسائي والحاكم والبيهقي في سننه من طريقين صحيحين وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وأقرهما الألباني على ذلك. جلباب المرأة المسلمة ص ١٤٥.
وعن عمار ﵁ أن ﵊ قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر. قالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه فما الديوث؟ قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله. قلنا: فما الرجلة من النساء؟ قال: التي تشبه بالرجال) رواه الطبراني والبيهقي في الشعب وهو حديث حسن، وقال المنذري: [رواه الطبراني ورواته لا أعلم فيهم مجروحاً وشواهده كثيره] الترغيب ٣/٢١٤.
والديوث هو الذي يقر الخبث في أهله كما ورد مفسراً في حديث ابن عمر، وقال ابن منظور: [الديوث هو الذي لا يغار على أهله] لسان العرب ٤/٤٥٦، وفسره به ابن الأثير في النهاية ٢/١٤٧.
وقال العلامة علي القاري: [والديوث الذي يقر أي يثبت بسكوته على أهله أي من امرأته أو جاريته أو قرابته الخبث أي الزنا أو مقدماته وفي معناه سائر المعاصي كشرب الخمر وترك غسل الجنابه ونحوهما، قال الطيبي أي: الذي يرى فيهن ما يسوءه ولا يغار عليهن ولا يمنعهن فيقر في أهله الخبث] مرقاة المفاتيح ٧/ ٢٤١.
ويجب التحذير مما يحصل من بعض الرجال في العيد من دخولهم على النساء في البيوت وهن لوحدهن بحجة أنها زيارة يوم العيد فهذا لا يجوز شرعاً وقد حذر النبي ﷺ من ذلك فقال في الحديث: (إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري ومسلم.
قال الإمام النووي [وأما قوله ﷺ : (الحمو الموت) فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره والشر يتوقع منه والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي والمراد بالحمو هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه. فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم.
وعادة الناس المساهلة فيه ويخلو بامرأة أخيه فهذا هو الموت. وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه فهذا الذي ذكرته هو صواب معنى الحديث] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٣٢٩.
وروى الإمام مسلم بسنده عن عبد الرحمن بن جبير أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه أن نفراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ – أي زوجته – فرآهم فكره ذلك فذكر ذلك لرسول الله ﷺ وقال: لم أر إلا خيراً فقال رسول الله ﷺ (لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان) .
قال الإمام النووي: [المغيبة بضم الميم وكسر الغين المعجمة وإسكان الياء وهي التي غاب عنها زوجها والمراد غاب زوجها عن منزلها سواء غاب عن البلد بأن سافر أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد هكذا ذكره القاضي وغيره وهذا ظاهر متعين. قال القاضي: ودليله هذا الحديث وأن القصة التي قيل الحديث بسببها وأبو بكر ﵁ غائب عن منزله لا عن البلد، والله أعلم] شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٣٣٠.
وأما مصافحة النساء الأجنبيات فهي حرام سواء في العيد أو غير العيد باتفاق العلماء والخلاف في ذلك شاذ غير معتبر بل مردود وقد دل على تحريم المصافحة أدلة كثيرة منها:
حديث عائشة ﵂ قالت: (كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي ﷺ يمتحنهن بقول الله تعالى:
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ...) الخ الآية. قالت: من أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة فكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله ﷺ انطلقن فقد بايعتكن. لا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام) رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وفي رواية للبخاري عن عائشة قالت: (فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ قد بايعتك كلاماً. لا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك) .
وفي رواية أخرى لحديث عائشة عند ابن ماجة: [ولا مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلاماً) . صحيح سنن ابن ماجة رقم ٢٣٢٤
قال الحافظ ابن حجر: [قوله قد بايعتك كلاماً أن يقول ذلك كلاماً فقط لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة] فتح الباري ١٠/٢٦١.
وعن أميمة بنت رقيقة ﵂ قالت: [أتيت رسول الله ﷺ في نسوة نبايعه فقلن نبايعك يا رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله ﷺ (فيما استطعتن وأطقتن) ، قالت: فقلن الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك يا رسول الله. فقال: (إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة) ] رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك وأحمد وابن حبان والدارقطني
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح سنن الترمذي ٤/١٥٢. وقال الحافظ ابن كثير: هذا إسناد صحيح تفسير ابن كثير ٤/٣٥٢
وعن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) رواه الطبراني والبيهقي. قال المنذري: [رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح] . الترغيب والترهيب ٣/٣٩. وقال الشيخ الألباني: [رواه الروياني في مسنده، وهذا سند جيد رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير شداد بن سعيد فمن رجال مسلم وحده، وفيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن ... والمِخيَط بكسر الميم وفتح الياء ما يخاط به كالإبرة والمسلة ونحوهما وفي الحديث وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحل له، ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء لأن ذلك مما يشمله المس دون شك] . سلسلة الأحاديث الصحيحة، المجلد الأول، الحديث رقم ٣٢٦
وخلاصة الأمر أن تبرج النساء في العيد وغيره حرام شرعاً ولا يجوز الدخول على النساء الأجنبيات منفردات وتحرم مصافحتهن وعلى الناس أن يتقوا الله في تصرفاتهم في أيام العيد
стр. 984
٢٦ - تخزين المواد الغذائية وعلاقته بالتوكل على الله
يقول السائل: في هذه الأيام العصيبة يكثر الناس من شراء المواد الغذائية وتخزينها. فهل هذا الأمر يتنافى مع التوكل على الله ؟
الجواب: إن التوكل على الله أمر مطلوب شرعاً وجزء من عقيدة المسلم قال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) سورة آل عمران الآية ١٥٩. وقال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) سورة آل عمران الآية ١٢٢.
وقال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْءَامَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) سورة يونس الآية ٨٤.
وقال تعالى أيضاً: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) سورة الفرقان الآية ٥٨ وغير ذلك من الآيات.
فالمسلم يعتمد على الله سبحانه ويتوكل عليه وحده ولكن التوكل على الله لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب فالمطلوب من المسلم أن يأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله ﷻ . فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل على الله فقال ﷺ : (اعقلها وتوكل) . رواه الترمذي وابن حبان وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٣٠٩.
قال الإمام ابن العربي المالكي: [قد ورد صحيحاً بقريب من هذا المعنى صحيح. وذلك أن حقيقة التوكل لا ينافيه النظر في الأسباب بعد المعرفة بمقادير وإنزال منزلتها فأما التفويض فقطع الأسباب فلا يقدر عليه البشر وإنما هو لآحاد من الخلق وقليل ما هم وقد كان النبي ﷺ يعمل بالأسباب سنة للخلق وتطييباً لنفوسهم وإلا فمنزلته أعظم من منزلة مريم ولكنه ﷺ بعث صلاحاً للدين والدنيا ومقيماً لقانونيهما] عارضة الأحوذي ٩/٢٣٥.
إذا تقرر هذا فإن ادخار الأطعمة وغيرها لا ينافي التوكل على الله بل هو أخذ بالأسباب الشرعية وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يدخر قوت سنة لأهله قال الإمام البخاري في صحيحه: [باب حبس الرجل قوت سنة على أهله، وكيف نفقات العيال؟
ثم قال: [حدثني محمد بن سلام أخبرنا وكيع عن ابن عيينة قال: قال لي معمر قال لي الثوري: هـ سمعت في الرجل يجمع لأهله قوت سنتهم أو بعض السنة؟ قال معمر: فلم يحضرني. ثم ذكرت حديثاً حدثناه ابن شهاب الزهري عن مالك بن أوس عن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم) . قال الحافظ ابن حجر: [قال ابن دقيق العيد: في الحديث جواز الادخار للأهل قوت سنة وفي السياق ما يؤخذ منه الجمع بينه وبين حديث (كان لا يدخر شيئاً لغد) فيحمل على الادخار لنفسه وحديث الباب على الادخار لغيره ولو كان له في ذلك مشاركة لكن المعنى أنهم المقصد بالادخار دونه حتى لو لم يوجدوا لم يدخر قال: والمتكلمون على لسان الطريقة جعلوا أو بعضهم ما زاد على السنة خارجاً عن طريقة التوكل انتهى. وفيه إشارة إلى الرد على الطبري حيث استدل بالحديث على جواز الادخار مطلقاً خلافاً لمن منع ذلك وفي الذي نقله الشيخ تقييد بالسنة اتباعاً للخبر الوارد لكن استدلال الطبري قوي بل التقييد بالسنة إنما جاء من ضرورة الواقع لأن الذي كان يدخر لم يكن يحصل إلا من السنة إلى السنة لأنه كان إما تمراً وإما شعيراً فلو قدر أن شيئاًَ مما يدخر كان لا يحصل إلا من سنتين إلى سنتين لاقتضى الحال جواز الادخار لأجل ذلك والله أعلم. ومع كونه ﷺ كان يحتبس قوت سنة لعياله فكان في طول السنة ربما استجره منهم لمن يرد عليه ويعوضهم عنه وذلك مات ﷺ ودرعه مرهونة على شعير اقترضه قوتاً لأهله. واختلف في جواز ادخار القوت لمن يشتريه من السوق قال عياض: أجازه قوم واحتجوا بهذا الحديث ولا حجة فيه لأنه إنما كان من مغل الأرض ومنعه قوم إلا إن كان لا يضر بالسعر وهو متجه إرفاقاً بالناس ثم محل هذا الاختلاف إذا لم يكن في حال الضيق وإلا فلا يجوز الادخار في تلك الحالة أصلاً] فتح الباري ٩/٦٢٢-٦٢٤.
ويجب التنبيه إلى أمرين في هذه المسألة: الأول: إنه لا ينبغي للناس التهافت الكبير على شراء المواد الغذائية بحيث أن الأسواق تكاد تفرغ مما فيها وأن يشتري الإنسان قدر حاجته ولا يبالغ في ذلك لما في المبالغة من أضرار قد تلحق بالمجتمع بشكل عام.
الثاني: على التجار أن يتقوا الله فلا يرفعوا الأسعار ولا يستغلوا إقبال الناس على الشراء برفع الأسعار بحجج واهية كما أن على التجار أن يتقوا الله وينصحوا للناس حيث إن بعض التجار الجشعين قد استغلوا الظروف الحالية فباعوا للناس بضائع قديمة انتهت صلاحيتها فهذا حرام شرعاً لما انطوى عليها من الغش والإضرار بالناس فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم.
وخلاصة الأمر أنه يجوز ادخار المواد الغذائية وغيرها بشرط أن لا يلحق هذا الأمر الضرر بالناس والادخار لا يتنافى مع التوكل على الله .
стр. 985
٢٧ - استعمال سيارة العمل في الشؤون الخاصة
يقول السائل: إنه يعمل في إحدى المؤسسات العامة وإن المؤسسة قد جعلت تحت تصرفه سيارة ليستخدمها في العمل فما مدى حريته في استخدام سيارة المؤسسة؟
الجواب: إن من الموظفين العاملين في المؤسسات العامة كالوزارات والجامعات والشركات العامة يسيؤون استخدام الأموال العامة وما هو في حكمها كالتلفونات والسيارات والمعدات والقرطاسية وغير ذلك.
وينبغي التوضيح أولاً أن أموال هذه الجهات وما في حكمها من أدوات مختلفة تعتبر من المال العام المملوك لعامة المسلمين في ذلك البلد والمال العام له حرمة في الشرع كالمال الخاص بل أشد لذا يحرم التساهل في استخدام المال العام وكأنه لا مالك له.
وقد دلت الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على حرمة الخوض في الأموال العامة، قال الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) سورة البقرة ١٨٨، وقال أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) سورة النساء الآية ٢٩.
وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى: (وإن هذا المال خضر حلو ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال رسول الله ﷺ وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) رواه مسلم.
وعن خولة الأنصارية ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة) رواه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: [قوله (يتخوضون في مال الله بغير حق) أي يتصرفون في مال المسلمين بالباطل] فتح الباري ٦/٢٦٣.
ومن العلماء من جعل المال العام كمال اليتيم بالنسبة للولي لا يتصرف فيه إلا بما يحقق مصلحة اليتيم ونقل مثل ذلك عن عمر ﵁ ومن القصص المشهورة عن عمر بن عبد العزيز أنه كان عنده مصباحان أحدهم للدولة يستعمله عند قضاء مصالحها والآخر مصباح شخصي له يشعله إذا انتهى من مصالح الدولة.
إذا تقرر هذا فأعود إلى السؤال فأقول إن السيارة التي أعطتك إياها المؤسسة لتستخدمها في العمل يجب أن يكون استخدامها في نطاق العمل وما يخدمه وبالتالي لا يجوز استخدامها في الأمور الخاصة كالذهاب بها في الرحلات أو العمل عليها كسيارة أجرة ونحو ذلك فهذا كسب لا شك حرام.
ومثل ذلك استخدام تلفون المؤسسة فينبغي أن يكون في الأصل في شؤون العمل وأما استخدام التلفون في الأمور الشخصية كمن يتصل بمن يريد من أهله وأقاربه خارج البلاد مستعملاً تلفون المؤسسة فلا يجوز ذلك. وقد يغض النظر عن بعض الاتصالات الداخلية التي يجريها الموظف لبعض شؤونه الخاصة وكذا استخدام بعض الأدوات اليسيرة في شؤونه الخاصة مما تعارف الناس عليه كاستخدام ورقة أو تصويرها ونحو ذلك ومن المعروف أن العرف له اعتبار فلذا الحكم عليه قد يدار ولكن لا يجوز التوسع في هذا الباب لأن الأصل حرمة المال العام. وأظن أنه يوجد في بعض المؤسسات العامة أنظمة وتعليمات لتنظيم استخدام الأموال العامة وما في حكمها كالسيارات فإن وجدت مثل هذه الأنظمة والتعليمات فيجب الالتزام بها.
وينبغي التذكير أن الموظف في الأصل هو بمثابة الأجير والأجير لا بد أن يكون أميناً ويدخل في الأمانة الأمانة في حسن أداء العمل وتشمل أيضاً الأمانة في استخدام المال العام وتشمل الأمانة في استخدام أدوات العمل وغير ذلك. قال الله تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) .
ويقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) سورة النساء الآية ٥٨.
ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) سورة المؤمنون الآية ٨.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) رواه مسلم.
وخلاصة الأمر أن الأصل حرمة الأموال العامة وما في حكمها من الأدوات كالسيارات فلا يجوز استعمالها في الشؤون الشخصية إلا بالمقدار الذي يحقق مصلحة جهة العمل.
следующие страницы →