Полный текст (236 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أبدلت أشخاصنا كرهاً وفرط قلى ... كما الصحائف قد يبدلن بالنسخ ووقع لي ضد هذا مع أبي عامر بن أبي عامر رحمة الله عليه، فإني كنت له على كراهة صحيحة وهو لي كذلك، ولم يرني ولا رأيته، وكان أصل ذلك تنقيلاً يحمل إليه عني وإلي عنه، ويؤكده انحراف بين أبوينا لتنافسهما فيما كانا فيه أود الناس وصرت له كذلك، إلى ان حال الموت بيننا؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من المتقارب] أخ لي كسبنيه اللقاء ... وأوجدني فيه علقاً شريفا وقد كنت أكره منه الجوار ... وما كنت أرغبه لي أليفا وكان البغيض فصار الحبيب ... وكان الثقيل فصار الخفيفا وقد كنت أدمن عنه الوجيف ... فصرت أديم إليه الوجيفا وأما أبو شاكر عبد الواحد بن محمد القبري فكان لي صديقاً مدة على غير رؤية، ثم التقينا فتأكدت المودة واتصلت وتمادت إلى الآن.
стр. 37
- ٥ - باب من أحب من نظرة واحدة
وكثيراً ما يكون لصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة، وهو ينقسم قسمين، فانقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورة لا يعلم من هي ولا يدري لها اسماً ولا مستقراً، وقد عرض هذا لغير واحد؛ خبر: حدثني صاحبنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسحاق عن ثقة أخبره سقط عني اسمه، وأظنه القاضي ابن الحذاء، أن يوسف بن هارون الشاعر المعروف بالرمادي كان مجتازاً عند باب العطارين
стр. 38
بقرطبة، وهذا الموضع كان مجتمع النساء، فرأى جارية أخذت بمجامع قلبه وتخلل حبها جميع اعضائه، فانصرف عن طريق الجامع وجعل يتبعها وهي ناهضة نحو القنطرة، فجازتها إلى الموضع المعروف بالربض.
فلما صارت بين رياض بني مروان ﵏ المبنية على قبورهم في مقبرة الربض خلف النهر نظرت منه منفرداً عن الناس لا همة له غيرها، فانصرفت إليه فقالت له: مالك تمشي ورائي فأخبرها بعظيم بليته بها.
فقالت له: دع عنك هذا ولا تطلب فضيحتي فلا مطمع لك في البتة ولا إلى ما ترغبه سبيل، فقال: إني أقنع بالنظر، فقالت: ذلك مباح لك، فقال لها: يا سيدتي، أحرة أم مملوكة قالت: مملوكة، فقال لها: ما اسمك.
قالت: خلوة، قال: ولمن أنت فقالت له: علمك والله بما في السماء السابعة أقرب إليك مما سألت عنه، فدع المحال، فقال لها: يا سيدتي، وأين أراك بعد هذا قالت: حيث رأيتني اليوم في مثل تلك الساعة من كل جمعة..
فقالت له: إما تنهض أنت أو انهض أنا، فقال لها: انهضي في
стр. 39
حفظ الله.
فنهضت نحو القنطرة ولم يمكنه اتباعها لأنها كانت تلتفت نحوه لترى أيسايرها أم لا.
فلما تجاوزت باب القنطرة أتى يقفوها فلم يقع لها على مسألة.
قال أبو عمر - وهو يوسف بن هارون -: فو الله لقد لازمت باب العطارين والربض من ذلك الوقت إلى الآن فما وقعت لها على خبر ولا أدري أسماء لحستها أرض بلعتها، وإن في قلبي منها لأحر من الجمر، وهي خلوة التي يتغزل بها في أشعاره.
ثم وقع بعد ذلك على خبرها بعد رحيله في سببها إلى سرقسطة في قصة.
ومثل ذلك كثير، وفي لك أقول قطعة منها: [من البسيط] عيني جنت في فؤادي لوعة الفكر ... فأرسل الدمع مقتصاً من البصر فكيف تبصر الدمع منتصفاً ... منها بإغراقها في دمعها الدرر لم ألقها قبل إبصاري فأعرفها ... وآخر العهد منها ساعة النظر
стр. 40
والقسم الثاني مخالف للباب الذي بعد هذا الباب إن شاء الله، وهو أن يعلق المرء من نظرة واحدة جارية معروفة الاسم والمكان والمنشأ، ولكن التفاضل يقع في هذا في سرعة الفناء وإبطائه، فمن أحب من نظرة واحدة وأسرع العلاقة من لمحة خاطرة فهو دليل على قلة الصبر، ومخبر بسرعة السلو، وشاهد الطرافة والملل.
وهكذا في جميع الأشياء: أسرعها نمواً أسرعها فناء، وأبطؤها حدوثاً أبطؤها نفاداً.
خبر: إني لأعلم فتى من أبناء الكتاب ورأته امرأة سرية النشأة، عالية المنصف، غليظة الحجاب، وهو مجتاز، ورأته في موضع تطلع منه كان في منزلها، فعلقته وعلقها، وتهاديا المراسلة زماناً على أدق من حد السيف، ولولا أني لم أقصد في رسالتي هذه كشف الحيل وذكر المكايد لأوردت مما صح عندي أشياء تحير اللبيب وتدهش العاقل، أسبل الله علينا ستره وعلى جميع المسلمين بمنه، وكفانا.
стр. 41
- ٦ - باب من لا يحب إلا مع المطاولة
ومن الناس من لا تصح محبته إلا بعد طول المخافتة وكثير المشاهدة وتمادى الأنس، وهذا الذي يوشك أن يدوم ويثبت ولا يحيك فيه مر الليالي، فما دخل عسيراً لم يخرج يسيراً، وهذا مذهبي.
وقد جاء في الأثر أن الله قال للروح حين أمره أن يدخل جسد آدم، وهو فخار، فهاب وجزع: ادخل كرهاً واخرج كرهاً.
حدثناه عن شيوخنا.
ولقد رأيت من أهل هذه الصفة من إن أحس من نفسه بابتداء هوى أو توجس من استحسانه ميلاً إلى بعض الصور استعمل الهجر وترك الإلمام، لئلا يزيد ما يجد فيخرج الأمر عن يديه، ويحال بين العير والنزوان.
وهذا يدل على لصوق الحب بأكباد أهل هذه الصفة، وأنه إذا تمكن منهم لم يحل أبداً.
وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الوافر]
стр. 42
سأبعد عن دواعي الحب إني ... رأيت الحزم من صفة الرشيد رأيت الحب أوله التصدي ... بعينك في أزاهير الخدود فبينا أنت مغتبط مخلى ... إذا قد صرت في حلق القيود كمغتر بضحضاح قريب ... فزل فغاب في غمر المدود وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا أجعل حبه إلا ضرباً من الشهوة، وأما أن يكون في ظني متمكناً من صميم الفؤاد نافذاً في حجاب القلب فما أقدر ذلك، وما لصق بأحشائي حب قط إلا مع الزمن الطويل وبعد ملازمة الشخص لي دهراً وأخذي معه في كل جد وهزل، وكذلك أنا في السلو والتوقي، فما نسيت وداً لي قط، وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء، وقد استراح من لم تكن هذه صفته.
وما مللت شيئاً قط بعد معرفتي به، ولا أسرعت إلى الأنس مذ كنت، لا أقول الألاف والإخوان وحدهم، لكن في كل ما يستعمل الإنسان من ملبوس ومركوب ومطعوم وغير ذلك، وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذقت طعم فراق الأحبة، وإنه لشجى يعتادني وولوع هم ما ينفعك يطرقني، ولقد نغص تذكري ما مضى كل عيش استأنفه، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء، ودفين الأسى بين أهل الدنيا.
والله المحمود على كل حال لا إله إلا هو؛ وفي ذلك أقول شعراً منه: [من الطويل] محبة صدق لم تكن بنت ساعة ... ولا وريت حين ارتفاد زنادها ولكن على مهل سرت وتولدت ... بطول امتزاج فاستقر عمادها
стр. 43
فلم يدن منها عزمها وانتفاضها ... ولم ينأ عنها مكثها وازديادها يؤكد ذا أنا نرى كل نشأة ... تتم سريعاً عن قريب نفادها ولكني أرض عزاز صليبة ... منيع إلى كل الغروس انقيادها فما نفذت منها لديها عروقها ... فليست تبالي أن تجود عهادها ولا يظن ظان ولا يتوهم متوهم أن كل هذا مخالف لقولي المسطر صدر الرسالة: إن الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوي، بل هو مؤكد له.
فقد علمنا أن النفس في هذا العالم الأدنى قد غمرتها الحجب، ولحقتها الأعراض، وأحاطت بها الطبائع الأرضية الكونية، فسترت كثيراً من صفاتها وإن كانت لم تحله، لكن حالت دونه، فلا يرجى الاتصال على الحقيقة إلا بعد التهيؤ من النفس والاستعداد له، وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها، ومقابلة الطبائع التي خفيت بما يشابهها من طبائع المحبوب، فحينئذ يتصل اتصلاً صحيحاً بلا مانع.
وأما ما يقع من أول وهلة ببعض أعراض الاستحسان الجسدي، واستطراف البصر الذي لا يجاوز الألوان، فهذا سر الشهوة ومعناها على الحقيقة، فإذا فضلت الشهوة وتجاوزت هذا الحد ووافق الفضل اتصال نفساني تشترك فيه الطبائع مع النفس تسمى
стр. 44
عشقاً.
ومن هذا دخل الغلط على من يزعم انه يحب اثنين ويعشق شخصين متغايرين، فإنما هذا من جهة الشهوة التي ذكرناها آنفاً، وهي على المجاز تسمى محبة لا على التحقيق، وأما نفس المحب فما في الميل به فضل يصرفه في أسباب دينه ودنياه فكيف بالاشتغال بحب ثان وفي ذلك أقول: [من الخفيف] كذب المدعي هوى اثنين حتماً ... مثل ما في الأصول أكذب ماني ليس في القلب موضع لحبيبي ... ن ولا أحدث الأمور بثاني فكما العقل واحد ليس يدري ... خالقاً غير واحد رحمان فكذا القلب واحد ليس يهوى ... غير فرد مباعد أو مدان هو في شرعة المودة ذو شر ... ك بعيد من صحة الإيمان وكذا الدين واحد مستقيم ... وكفور من عقدة دينان وإني لأعرف فتى من أهل الجدة والحسب والأدب كان يبتاع الجارية وهي سالمة الصدر من حبه، وأكثر من ذلك كارهة له لقلة حلاوة شمائل كانت فيه، وقطوب دائم كان لا يفارقه ولا سيما مع النساء، فكان لا يلبث إلا يسيراً ريثما يصل إليها بالجماع ويعود ذلك الكره حباً مفرطاً وكلفاً زائداً واستهتاراً مكشوفاً، ويتحول الضجر
стр. 45
لصحبته ضجراً لفراقه.
صحبه هذا الأمر في عدة منهن، فقال بعض إخواني، فسألته عن ذلك فتبسم نحوي وقال: إذاً والله أخبرك، أنا أبطأ الناس إنزالاً، تقضي المرأة شهوتها وربما ثنت وإنزالي وشهوتي لم ينقضيا بعد، وما فترات بعدها قط، وإني لأبقى بمنتي بعد انقضائها الحين الصالح، وما لاقى صدري صدر امرأة قط عند الخلوة إلا عند تعمدي المعانقة، وبحسب ارتفاع صدري نزول مؤخري.
فمثل هذا وشبهه إذا وقع وافق أخلاق النفس وولد المحبة، إذ الأعضاء الحساسة مسالك إلى النفوس ومؤديات نحوها.
стр. 46
- ٧ - باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها مما يخالفها
واعلم أعزك الله إن للحب حكماً على النفوس، ماضياً، وسلطاناً قاضياً، وأمراً لا يخالف، وحداً لا يعصى، وملكاً لا يتعدى، وطاعة لا تصرف، ونفاذاً لا يرد، وأنه ينقض المرر، ويحل المبرم، ويحلل الجامد، ويخل الثابت، ويحل الشغاف، ويحل الممنوع.
ولقد شاهدت كثيراً من الناس لا يهتمون في تمييزهم، ولا يخاف عليهم سقوط في معرفتهم، ولا اختلال بحسن اختيارهم، ولا تقصير في حدسهم، قد وصفوا أحباباً لهم في بعض صفاتهم بما ليس بمستحسن عند الناس ولا يرضى في الجمال، فصارت هجيراهم، وعرضة لأهوائهم، ومنتهى استحسانهم، ثم مضى أولئك إما بسلو أو بين أو هجر أو بعض عوارض الحب، وما فارقهم استحسان تلك الصفات ولا بان عنهم تفضيلها على ما هو أفضل منها في الخليقة، ولا مالوا إلى سواها؛ بل صارت تلك الصفات المستجادة عند الناس مهجورة عندهم وساقطة لديهم إلى أن فارقوا الدنيا وانقضت
стр. 47
اعمارهم، حنيناً منهم إلى من فقدوه، وألفه لمن صحبوه.
وما أقول إن ذلك كان تصنعاً لكن طبعاً حقيقياً واختياراً لا يدخل فيه، ولا يرون سواه، ولا يقولون في طي عقدهم بغيره.
وإني لأعرف من كان في جيد حبيبه بعض الوقص فما استحسن أغيد ولا غيداء بعد ذلك؛ وأعرف من كان أول علاقته بجارية مائلة إلى القصر فما أحب طويلة بعد هذا؛ وأعرف أيضاً من هوي جارية في فمها فوه لطيف فلقد كان يتقذر كل فم صغير ويذمه ويكرهه الكراهية الصحيحة.
وما أصف عن منقوصي الحظوظ في العلم والأدب لكن عن أوفر الناس قسطاً في الادراك، وأحقهم باسم الفهم والدراية.
وعني أخبرك أني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسن من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه، وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت، لا تواتيني نفسي على سواه ولا تحب غيره البتة، وهذا العارض بعينه عرض لأبي ﵁ وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله.
وأما جماعة خلفاء بني مروان ﵏ ولا سيما ولد الناصر منهم، فكلهم مجبولون على تفضيل الشقرة، لا يختلف في ذلك منهم مختلف، وقد رأيناهم ورأينا من رآهم من لدن دولة
стр. 48
الناصر إلى الآن فما منهم إلا أشقر، نزاعاً إلى أمهاتهم، حتى قد صار ذلك فيهم خلقة، حاشا سليمان الظافر ﵀، فإني رأيته أسود اللمة واللحية.
وأما الناصر والحكم المستنصر ﵄ فحدثني الوزير أبي ﵀ وغيره انهما كانا أشقرين أشهلين، وكذلك هشام المؤيد ومحمد المهدي وعبد الرحمن المرتضى ﵏، فإني قد رأيتهم مراراً ودخلت عليهم فرأيتهم شقراً شهلاً، وهكذا أولادهم وإخوتهم وجميع أقاربهم، فلا أدري أذلك استحسان مركب في جميعهم أم لرواية كانت عند أسلافهم في ذلك فجروا عليها.
وهذا ظاهر في شعر عبد الملك بن مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن أمير المؤمنين الناصر وهو المعروف بالطليق، وكان أشعر أهل الأندلس في زمانهم وأكثر تغزله بالشقر، وقد رأيته وجالسته.
стр. 49
وليس من العجب فيمن أحب قبيحاً ثم لم يصحبه ذلك في سواه فقد وقع من ذلك، ولا في من طبع مذ كان على تفضيل الأدنى، ولكن في من كان ينظر بعين الحقيقة ثم غلب عليه هوى عارض بعد طول بقائه في الجمام فأحاله عما عهدته نفسه حوالة صارت له طبعاً، وذهب طبعه الأول وهو يعرف فضل ما كان عليه أولاً، فإذا رجع إلى نفسه وجدها تأبى إلا الأدنى، فأعجب لهذا التغلب الشديد والتسلط العظيم.
وهو أصدق في المحبة حقاً ممن يتحلى بشيم قوم ليس منهم، ويدعي غريزة لا تقبله، فيزعم أنه يتخير من يحب.
أما لو شغل المحب بصيرته، وأطاح فكرته، وأجحف بتمييزه، لحال بينه وبين التخير والارتياد.
وفي ذلك أقول شعراً منه: [من البسيط] منهم فتى كان في محبوبه وقص ... كأنما الغيد في عينيه جنان وكان منبسطاً في فضل خبرته ... بحجة حقها في القول تبيان إن المها وبها الأمثال سائرة ... لا ينكر الحسن فيها الدهر إنسان وقص فليس بها عنقاء واحدة ... وهل تزان بطول الجيد بعران وآخر كان في محبوبه فوه ... يقول حسبي في الأفواه غزلان وثالث كان في محبوبه قصر ... يقول إن ذوات الطول غيلان وأقول أيضاً: [من الطويل] يعيبونها عندي بشقرة شعرها ... فقلت لهم هذا الذي زانها عندي يعيبون لون النور والتبر ضلة ... لرأي جهول في الغواية ممتد وهل عاب لون النرجس الغض عائب ... ولون النجوم الزاهرات على البعد وأبعد خلق الله من كل حكمة ... مفضل جرم فاحم اللون مسود
стр. 50
به وصفت ألوان أهل جهنم ... ولبسة باك مثكل الأهل محتد ومذ لاحت الرابات سوداً تيقنت ... نفوس الورى أن لا سبيل إلى الرشد
стр. 51
- ٨ - باب التعريض بالقول
ولابد لكل مطلوب من مدخل إليه، وسبب يتوصل به نحوه، فلم ينفرد بالاختراع دون واسطة إلا العليم الأول جل ثناؤه.
فأول ما يستعمل طلاب الوصل وأهل المحبة في كشف ما يجدونه إلى أحبتهم التعريض بالقول، إما بإنشاد شعر، أو بإرسال مثل، أو تعمية بيت، أو طرح لغز، أو تسليط كلام.
والناس يختلفون في ذلك على قدر إدراكهم، وعلى حسب ما يرونه من أحبتهم من نفار أو أنس أو فطنة أو بلادة.
وإني لأعرف من ابتدأ كشف محبته إلى من كان يحب بأبيات قلتها.
فهذا وشبهه يبتدئ به الطالب للمودة، فإن رأى أنساً وتسهيلاً زاد، وإن يعاين شيئاً من هذه الأمور في حين إنشاده لشيء مما ذكرنا، أو إيراده لبعض المعاني التي حددنا، فانتظاره الجواب، إما بلفظ أو بهيئة الوجه والحركات، لموقف بين الرجاء واليأس هائل، وإن كان حيناً قصيراً، لكنه إشراف على بلوغ الأمل أو انقطاعه.
ومن التعريض بالقول جنس ثان، ولا يكون إلا بعد الاتفاق ومعرفة المحبة من المحبوب، فحينئذ يقع التشكي وعقد المواعيد
стр. 52
بالتغرير، وإحكام المودات بالتعريض، وبكلام يظهر لسامعه منه معنى غير ما يذهبان إليه، فيجيب السامع عنه بجواب غير ما يتأدى إلى المقصود بالكلام، على حسب ما يتأدى إلى سمعه ويسبق إلى وهمه، وقد فهم كل منهما عن صاحبه وأجابه بما لا يفهمه غيرهما، إلا من أيد بحس نافذ، وأعين بذكاء، وأمد بتجربة، ولا سيما إن أحس من معانيهما بشيء قلما يغيب عن المتوسم المجيد، فهنالك لا خفاء عليه فيما يريدان.
وأنا اعرف فتى وجارية كانا يتحابان، فأرادها في بعض وصلها على بعض ما لا يجمل، فقالت: والله لأشكونك في الملأ علانية ولأفضحنك فضيحة مستورة.
فلما كان بعد أيام حضرت الجارية مجلس بعض أكابر الملوك وأركان الدولة وأجل رجال الخلافة، وفيه ممن يتوقى أمره من النساء والخدم عدد كثير، وفي جملة الحاضرين ذلك الفتى، لأنه كان بسبب من الرئيس، وفي المجلس مغنيات غيرها، فلما انتهى الغناء إليها سوت عودها واندفعت تغني بأبيات قديمة وهي: [من الوافر] غزال قد حكى بدر التمام ... كشمس قد تجلت من غمام سبى قلبي بألحاظ مراض ... وقد الغصن في حسن القوام خضعت خضوع صب مستكين ... له وذللت ذلة مستهام فصلني يا فديتك في خللا ... فما أهوى وصالاً في حرام وعلمت أنا هذا الأمر فقلت: [من الوافر] عتاب واقع وشكاة ظلم ... أتت من ظالم حكم وخصم تشكت ما بها لم يدر خلق ... سوى المشكو ما كانت تسمي
стр. 53
- ٩ - باب الاشارة بالعين
ثم يتلو التعريض بالقول إذا وقع القبول والموافقة: الإشارة بلحظ العين، وإنه ليقوم في هذا المعنى المقام المحمود، ويبلغ المبلغ العجيب، ويقطع به ويتواصل، ويوعد ويهدد، ويقبض ويبسط، ويؤمر وينهى، وتضرب به الوعود، وينبه على الرقيب، ويضحك ويحزن، ويسأل ويجاب، ويمنع ويعطى.
ولكل واحد من هذه المعاني ضرب من هيئة اللحظ لا يوقف على تحديده إلا بالرؤية، ولا يمكن تصويره ولا وصفه إلا بالأقل منه.
وأنا واصف ما تيسر من هذه المعاني: فالإشارة بمؤخر العين الواحدة نهي عن الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول، وإدامة نظرها دليل على التوجع والأسف، وكسر نظرها آية الفرح، والإشارة إلى إطباقها دليل على التهديد، وقلب الحدقة إلى جهة ما ثم صرفها بسرعة تنبيه على مشار إليه، والإشارة الخفية بمؤخر العينين كلتهما سؤال، وقلب الحدقة من وسط العين إلى الموق
стр. 54
بسرعة شاهد المنع، وترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام، وسائر ذلك لا يدرك إلا بالمشاهدة.
واعلم أن العين تنوب عن الرسل، ويدرك بها المراد، والحواس الأربع أبواب إلى القلب ومنافذ نحو النفس، والعين أبلغها وأصحها دلالة وأوعارها عملاً.
وهي رائد النفس الصادق، ودليلها الهادي، ومرآتها المجلوة التي بها تقف على الحقائق وتميز الصفات وتفهم المحسوسات.
وقد قيل: ليس المخبر كالمعاين، وقد ذكر ذلك افليمون صاحب الفراسة وجعلها معتمدة في الحكم.
وبحسبك من قوة إدراك العين أنها إذا لاقى شعاعها شيئاً ما مجلواً صافياً، إما حديداً مصقولاً أو زجاجاً أو ماء أو بعض الحجارة الصافية أو سائر الأشياء المجلوة البراقة ذوات الرفيف والبصيص واللمعان يتصل أقصى حدوده بجسم كثيف ساتر مناع كدر، انعكس شعاعها فأدرك الناظر نفسه ومازها عياناً.
وهو الذي ترى في المرآة، فأنت حينئذ كالناظر إليك بعين غيرك.
ودليل عيان على هذا انك تأخذ مرآتين كبيرتين فتمسك إحداهما بيمينك خلف رأسك والثانية بيسارك قبالة وجهك ثم تزويها قليلاً حتى يلتقيا بالمقابلة، فإنك ترى قفاك وكل ما وراءك، وذلك لانعكاس ضوء العين إلى ضوء المرآة التي خلفك، إذ لم تجد منفذاً في التي بين يديك، ولما لم يجد وراء
стр. 55
هذه الثانية منفذاً انصرف إلى ما قابله من الجسم، وإن كان صالح غلام أبي إسحاق النظام خالف في الإدراك فهو قول ساقط لم يوافقه عليه أحد.
ولو لم يكن من فضل العين إلا أن جوهرها ارفع الجواهر وأعلاها مكاناً، لأنها نورية لا تدرك الألوان بسواها، ولا شيء أبعد مرمى ولا أنأى غاية منها، لأنها تدرك بها أجرام الكواكب التي في الأفلاك البعيدة، وترى بها السماء على شدة ارتفاعها وبعدها، وليس ذلك إلا لاتصالها في طبع خلقتها بهذه المرآة، فهي تدركها وتصل إليها بالطفر، لا على قطع الأماكن والحلول في المواضع وتنقل الحركات، وليس هذا لشيء من الحواس مثل الذوق واللمس، لا يدركان إلا بالمجاورة، والسمع والشم، لا يدركان إلا من قريب.
ودليل على ما ذكرناه من الطفر أنك ترى المصوت قبل سماع الصوت، وإن تعمدت إدراكهما معاً، ولو كان إدراكهما واحداً لما تقدمت العين السمع.
стр. 56
- ١٠ - باب المراسلة
ثم يتلو ذلك إذا امتزجا: المراسلة بالكتب.
وللكتب آفات، ولقد رأيت أهل هذا الشان يبادرون لقطع الكتب ولحلها في الماء وبمحو أثرها، فرب فضيحة كانت بسبب كتاب، وفي ذلك أقول: [من الطويل] عزيز علي اليوم قطع كتابكم ... ولكنه لم يلف للود قاطع فآثرت أن يبقى وداد ويمتحي ... مداد فإن الفرع للأصل تابع فكم من كتاب فيه ميتة ربه ... ولم يدره إذ نمقته الأصابع وينبغي أن يكون شكل الكتاب ألطف الأشكال، وجنسه أملح الأجناس؛ ولعمري إن الكتاب للسان في بعض الأحايين، إما لحصر في الإنسان وإما لحياء وإما لهيبة.
نعم، حتى إن لوصول الكتاب إلى المحبوب وعلم المحب أنه قد وقع بيده ورآه للذة يجدها المحب عجيبة تقوم مقام الرؤية، وإن لرد الجواب والنظر إليه سروراً يعدل اللقاء، ولهذا ما ترى العاشق يضع الكتاب على يمينه وقلبه ويعانقه.
ولعهدي ببعض أهل المحبة، ممن كان يتحرى ما يقول
стр. 57
ويحسن الوصف ويعبر عما في ضميره بلسانه عبارة جيدة ويجيد النظر ويدقق في الحقائق، لا يدع المراسلة وهو ممكن الوصل قريب الدار داني المزار، ويحكي أنها من وجوه اللذة.
ولقد أخبرت عن بعض السقاط الوضعاء أنه كان يضع كتاب محبوبه على إحليله، وإن هذا النوع من الاغتلام قبيح وضرب من الشق فاحش.
وأما سقي الحبر بالدمع فأعرف من كان يفعل ذلك ويقارضه محبوبه يسقي الحبر بالريق، وفي ذلك أقول: [من الطويل] .
جواب أتاني عن كتاب بعثته ... فسكن مهتاجاً وهيج ساكنا سقيت بدمع العين لما كتبته ... فعال محب ليس في الود خائنا فما زال ماء العين يمحو سطوره ... فيا ماء عيني قد محوت المحاسنا غدا بدموعي أول الخط بينا ... وأضحى بدمعي آخر الخط بائنا خبر: ولقد رأيت كتاب المحب إلى محبوبه، وقد قطع في يده بسكين له فسال الدم واستمد منه وكتب به الكتاب أجمع.
ولقد رأيت الكتاب بعد جفوفه فما شككت انه بصبغ اللك.
стр. 58
- ١١ - باب السفير
ويقع في الحب بعد هذا - بعد حلول الثقة وتمام الاستئناس: إرسال السفير.
ويجب تخيره وارتياده واستجادته واستفراهه، فهو دليل عقل المرء، وبيده حياته وموته، وستره وفضيحته، بعد الله تعالى، فينبغي ان يكون الرسول ذا هيئة، حاذقاً يكتفي بالإشارة، ويقرطس عن الغئب، ويحسن من ذات نفسه، ويضع من عقله ما أغفله باعثه، ويؤدي إلى الذي أرسله كل ما يشاهد على وجهه، كاتماً للأسرار، حافظاً للعهد، قنوعاً ناصحاً.
ومن تعدى هذه الصفات كان ضرره على باعثه بمقدار ما نقصه منها.
وفي ذلك أقول شعراً منه: [من الطويل] رسولك سيف في يمينك فاستجد ... حساماً ولا تضرب به قبل صقله فمن يك ذا سيف كهام فضره ... يعود على المعني منه بجهله وأكثر ما يستعمل المحبون في إرسالهم إلى من يحبونه، إما خاملاً لا يؤبه له ولا يهتدى للتحفظ منه، لصباه أو لهيئة رثة أو بذاذة في طلعته؛ وإما جليلاً لا تلحقه الظنن لنسك يظهره أو لسن عالية قد بلغها.
وما اكثر هذا في النساء ولا سيما ذوات العكاكيز والتسابيح
стр. 59
والثوبين الأحمرين.
وإني لأذكر بقرطبة التحذير للنساء المحدثات من هذه الصفات حيثما رأينها؛ أو ذوات صناعة يقرب بها من الأشخاص، فمن النساء: كالطبيبة والحجامة والسراقة والدلالة والماشطة والنائحة والمغنية والكاهنة والمعلمة والمستخدمة والصناع في المغزل والنسيج، وما أشبه ذلك؛ أو ذا قرابة من المرسل إليه لا يشح بها عليه.
فكم منيع سهل بهذه الأوصاف، وعسير يسر، وبعيد قرب، وجموح أنس، وكم داهية دهت الحجب المصونة، والأستار الكثيفة، والمقاصير المحروسة، والسدد المضبوطة، لأرباب هذه النعوت، ولولا أن أنبه عليها لذكرتها، ولكن لقطع النظر فيها وقلة الثقة بكل أحد.
والسعيد من وعظ بغيره، وبالضد تتميز الأشياء.
أسبل الله علينا وعلى جميع المسلمين ستره، ولا زال على الجميع ظل العافية.
стр. 60
خبر: وإني لأعرف من كانت الرسول بينهما حمامة مؤدبة، ويعقد الكتاب في جناحها، وفي ذلك أقول منها: [من الطويل] تخيرها نوح فما خاب ظنه ... لديها وجاءت نحوه بالبشائر سأودعها كتبي إليك فهاكها ... رسائل تهدى في قوادم طائر
стр. 61
- ١٢ - باب طي السر
ومن بعض صفات الحب الكتمان باللسان، وجحود المحب إن سئل، والتصنع بإظهار الصبر، وأن يري أنه عزهاة خلي.
ويأبى السر الدفين، ونار الكلف المتأججة في الضلوع، إلا ظهوراً في الحركات والعين، ودبيباً كدبيب النار في الفحم والماء في يبيس المدر.
وقد يمكن التمويه في أول الأمر على غير ذي الحس اللطيف، وأما بعد استحكامه فمحال.
وربما يكون السبب في الكتمان تصاون المحب عن ان يسم نفسه بهذه السمة عند الناس، لأنها بزعمه من صافت أهل البطالة، فيفر منها ويتفادى، وما هذا الوجه بصحيح، فبحسب المرء المسلم أن يعف عن محارم الله التي يأتيها باختياره ويحاسب عليها يوم القيامة؛ وأما استحسان الحسن وتمكن الحب فطبع لا يؤثر به ولا ينهى عنه، إذ القلوب بيد مقلبها.
ولا يلزمه غير المعرفة والنظر في
стр. 62
فرق ما بين الخطأ والصواب وأن يعتقد الصحيح باليقين؛ وأما المحبة فخلقة، وإنما يملك الإنسان حركات جوارحه المكتسبة؛ وفي ذلك أقول: [من الطويل] .
يلوم رجال فيك لم يعرفوا الهوى ... وسيان عندي فيك لاح وساكت يقولون جانبت التصاون جملة ... وأنت عليم بالشريعة قانت فقلت لهم هذا الرياء بعينه ... صراحاً وزيي للمرائين ماقت متى جاء تحريم الهوى عن محمد ... وهل منعه في محكم الذكر ثابت إذا لم أواقع محركاً اتقي به ... مجيئي يوم البعث والوجه باهت فلست أبالي في الهوى قول لائم ... سواء لعمري جاهر أو مخافت وهل يلزم الإنسان إلا اختياره ... وهل بخبايا اللفظ يؤخذ صامت خبر: وإني لأعرف بعض من امتحن بشيء من هذا فسكن الوجد بين جوانحه، فرام جحده إلى أن غلظ الأمر، وعرف ذلك في شمائله من تعرض للمعرفة ومن لم يتعرض.
وكان من عرض له بشيء نجهه وقبحه، إلى ان كان من أراد الحظوة لديه من إخوانه يوهمه تصديقه في إنكاره وتكذيب من ظن به غير ذلك، فسر بهذا.
ولعهدي به يوماً قاعداً ومعه بعض من كان يعرض له بما في ضميره، وهو ينتفي غاية الانتفاء، إذ اجتاز بهما الشخص الذي كان يتهم بعلاقته، فما هو إلا أن وقعت عينه على محبوبه حتى اضطرب وفارق هيئته الأولى، واصفر لونه، وتفاوتت معاني كلامه بعد حسن تثقيف، فقطع كلامه المتكلم معه قلقاً واسترعى ما كان فيه من ذكره.
فقيل له: ما عدا عما بدا فقال: هو ما تظنون، عذر من عذر، وعذل من عذل؛ ففي ذلك أقول شعراً منه: [من البسيط] .
стр. 63
ما عاش إلا لأن الموت يرحمه ... مما يرى تباريح الضنى فيه وأنا أقول: [من الهزج] .
دموع الصب تنسفك ... وستر الصب ينهتك كان القلب إذ يبدو ... قطاة ضمها شرك فيا أصحابنا قولوا ... فغن الرأي مشترك إلى كم ذا أكاتمه ... ومالي عنه مترك وهذا إنما يعرض عند مقاومة طبع الكتمان والتصاون، لطبع المحب وغلبته، فيكون صاحبه متحيزاً بين نارين محرقتين، وربما كان سبب الكتمان إبقاء المحب على محبوبه، وإن هذا لمن دلائل الوفاء وكرم الطبع؛ وفي ذلك أقول: [من المتقارب] .
درى الناس أني فتى عاشق ... كئيب معنى ولكن بمن إذا عاينوا حالتي أيقنوا ... وإن فتشوا رجموا في الظنن كخط يرى رسمه ظاهراً ... وإن طلبوا شرحه لم يبن كصوت حمام على أيكة ... يرجع بالصوت في كل فن تلذ بنجواه أسماعنا ... ومعناه مستعجم لم يبن يقولون بالله سم الذي ... نفى حبه عنك طيب الوسن
стр. 64
وهيهات دون الذي حاولوا ... ذهاب العقول وخوض الفتن فهم أبداً في اختلاج الشكوك ... بظن كقطع وقطع كظن وفي كتمان السر أقول قطعة منها: [من البسيط] .
للسر عندي مكان لو يحل به ... حي إذاً لا اهتدى ريب المنون له أميته وحياة السر ميتته ... كما سرور المعنى في الهوى الوله وربما كان سبب الكتمان توقي المحب على نفسه من إظهار سره، لجلالة قدر المحبوب.
خبر: ولقد قال بعض الشعراء بقرطبة تغزل فيه بصبح أم المؤيد ﵀، فغنت به جارية أدخلت على المنصور بن أبي عامر ليبتاعها، فأمر بقتلها.
خبر: وعلى مثال هذا قتل أحمد بن مغيث، واستئصال آل مغيث والتسجيل عليهم ألا يستخدم بواحد منهم أبداً حتى كان سبباً لهلاكهم وانقراض بيتهم فلم يبق منهم إلا الشريد الضال.
وكان سبب ذلك تغزله بإحدى بنات الخلفاء، ومثل هذا كثير.
стр. 65
ويحكى عن الحسن بن هانئ أنه كان مغرماً بحب محمد بن هارون المعروف بابن زبيدة، وأحس منه ببعض ذلك فانتهزه على إدامة النظر إليه، فذكر عنه أنه كان لا يقدر ان يديم النظر إليه إلا مع غلبة السكر على محمد.
وربما كان سبب الكتمان ألا ينفر المحبوب أو ينفر به.
فإني أدري من كان محبوبه له سكناً وجليساً، لو باح بأقل سبب من أنه يهواه لكان منه " مناط الثريا قد تعلت نجومها "؛ وهذا ضرب من السياسة.
ولقد كان يبلغ من انبساط هذا المذكور مع محبوبه إلى فوق الغاية وأبعد النهاية، فما هو إلا ان أباح إليه بما يجد فصار لا يصل إلى التافه اليسير مع التيه ودالة الحب وتمنع الثقة بملك الفؤاد، وذهب ذلك الانبساط ووقع التصنع والتجني، فكان أخاً فصار عبداً، ونظيراً فعاد أسيراً، ولو زاد في بوحه شيئاً إلى أن يعلم خاصة المحبوب ذلك لما رآه إلا في الطيف، ولا نقطع القليل والكثير، ولعاد ذلك عليه بالضرر.
وربما كان من أسباب الكتمان الحياء الغالب على الإنسان.
وربما كان من أسباب الكتمان ان يرى المحب من محبوبه انحرافاً وصداً، ويكون ذا نفس أبية، فيستتر بما يجد لئلا يشمت به عدو، أو ليريهم ومن يجب هوان ذلك عليه.
стр. 66
- ١٣ - باب الإذاعة
وقد تعرض في الحب الإذاعة، وهو من منكر ما يحدث من أعراضه، ولها أسباب: منها أن يريد صاحب هذا الفعل ان يتزيا بزي المحبين ويدخل في عدادهم، وهذه خلابة لا ترضى، وتجليح بغيض، ودعوى في الحب زائفة.
وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب وتسور الجهر على الحياء، فلا يملك الإنسان حينئذ لنفسه صرفاً ولا عدلاً.
وهذا من أبعد غايات العشق وأقوى تحكمه على العقل، حتى يمثل الحسن في تمثال القبيح، والقبيح في هيئة الحسن.
وهنالك يرى الخير شراً، والشر خيراً.
وكم مصون الستر مسبل القناع مسدول الغطاء قد كشف الحب ستره مثلاً، وأحب شيء إليه الفضيحة فيما لو مثل له قبل اليوم لاعتراه النافض عند ذكره، ولطالت استعاذته منه، فسهل ما كان وعراً، وهان ما كان عزيزاً، ولان ما كان شديداً.
ولعهدي بفتى من سروات الرجال وعلية إخواني قد دهي بمحبة
стр. 67
جارية مقصورة فلم بها وقطعه حبها عن كثير من مصالحه، وظهرت آيات هواه لكل ذي بصر، إلى أن كانت هي تعذله على ما ظهر منه مما يقوده إليه هواه.
خبر: وحدثني موسى بن عاصم بن عمرو قال: كنت بين يدي أبي الفتح والدي ﵀ وقد أمرني بكتاب أكتبه، إذ لمحت عيني جارية كنت أكلف بها، فلم أملك نفسي ورميت الكتاب عن يدي وبادرت نحوها.
وبهت أبي وظن انه عرض لي عارض؛ ثم راجعني عقلي فمسحت وجهي ثم عدت واعتذرت بأنه غلبني الرعاف.
واعلم أن هذا داعية نفار المحبوب وفساد في التدبير، وضعف في السياسة؛ وما شيء من الأشياء إلا وللمأخذ فيه سنة وطريقة متى تعداها الطالب أو خرق في سلوكها انعكس عمله عليه، وكان كده عناء، وتعبه هباء، وبحثه وباء.
وكلما زاد عن وجه السيرة انحرافاً وفي تجنبها إغراقاً وفي غير الطريق إيغالاً ازداد عن بلوغ مراده بعداً؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من الطويل] .
ولا تسع في الأمر الجسيم تهازؤاً ... ولا تسع جهراً في اليسير تريده وقابل أفانين الزمان متى يرد ... عليك فإن الدهر جم وروده بأشكالها من حسن سعيك يكفك ال ... يسير يسير والشديد شديده ألم تبصر المصباح أول وقده ... وإشعاله، بالنفخ يطفا وقوده
стр. 68
وإن يتضرم لفحه ولهيبه ... فنفحك يذكيه وتبدو مدوده خبر: وإني لأعرف من أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة من اسمه أحمد بن فتح، كنت أعهده كثير التصاون، من بغاة العلم وطلاب الأدب، يبذ أصحابه في الانقباض، ويفوقهم في الرعة، لا ينظر إلا في حلقة فضل، ولا يرى إلا في محفل مرضي، محمود المذاهب، جميل الطريقة، بائناً بنفسه، ذاهباً بها، ثم أبعدت الأقدار داري من داره، فأول خبر طرأ علي بعد نزولي شاطبة أنه خلع عذاره في حب فتى من أبناء الفتانين يسمى إبراهيم بن أحمد، اعرفه، لا تستأهل صفاته محبة من بيته خير وخدم وأموال عريضة ووفر تالد.
وصح عندي أنه كسف رأسه وأبدى وجهه ورمى رسنه وحسر محياه وشمر عن ذراعيه وصمد الشهوة.
فصار حديثاً للسمار، متراجعاً بين نقلة الأخبار، وتهودي ذكره في الأقطار، وجرت نقلته في الأرض راحلة بالتعجب، ولم يحصل من ذلك إلا على كشف الغطاء، وإذاعة السر، وشنعة الحديث، وقبح الأحدوثة، وشرود محبوبه عنه جملة، والتحظير عليه من رؤيته البتة، وكان غنياً عن ذلك وبمندوحة واسعة ومعزل رحب عنه، ولو طوى مكنون سره، وأخفى بنيات
стр. 69
ضميره، لاستدام لباس العافية، ولم ينهج برد الصيانة، ولكان له في لقاء من بلي به ومحادثته ومجالسته أمل من الآمال وتعلل كاف؛ وإن حبل العذر ليقطع به، والحجة عليه قائمة؛ إلا أن يكون مختلطاً في تمييزه، أو مصاباً في عقله بجليل ما فدحه، فربما آل ذلك لعذر صحيح، وأما إن كانت له بقية [من عقل] أو ثبتت مسكة فهو ظالم في تعرضه ما يعلم أن محبوبه يكرهه ويتأذى به.
هذا غير صفة أهل الحب، وسيأتي هذا مفسراً في باب الطاعة، إن شاء الله تعالى.
ومن أسباب الشف وجه ثالث، وهو عند أهل العقول وجه مرذول وفعل ساقط؛ وذلك أن يرى المحب من محبوبه غدراً أو مللاً أو كراهة؛ فلا يجد طريق الانتصاف منه إلا بما ضرره عليه أعود منه على المقصود من الكشف والاشتهار، وهذا أشد العار وأقبح الشنار وأقوى شواهد عدم العقل ووجود السخف.
وربما كان الكشف من حديث ينتشر وأقاويل تفشو، توافق قلة مبالاة من المحب بذلك، ورضى بظهور سره، إما لإعجاب أو لاستظهار على بعض ما يؤمله؛ وقد رأيت هذا الفعل لبعض إخواني من أبناء القواد.
وقرأت في بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن، ولا أدري ما معنى هذا، على انه يذكر عنهن العفاف، وأي عفاف مع امرأة أقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا المعنى؟
стр. 70
- ١٤ - باب الطاعة
ومن عجيب ما يقع في الحب طاعة المحب لمحبوبه، وصرفه طباعه قسراً إلى طباع من يحبه، وربما يكون المرء شرس الخلق، صعب الشكيمة، جموح القيادة، ماضي العزيمة، حمي الأنف، أبي الخسف، فما هو إلا ان يتنسم نسيم الحب، ويتورط غمره، ويعوم في بحره، فتعود الشراسة لياناً، والصعوبة سهالة والمضاء كلالة، والحمية استسلاماً؛ وفي ذلك أقول قطعة منها: [من المتقارب] فهل للوصال إلينا معاد ... وهل لتصاريف ذا الدهر حد فقد أصبح السيف عبد القضيب ... وأضحى الغزال الأسير أسد وأقول شعراً منه: [من الطويل] وإني وإن تعتب لأهون هالك ... كزائف نقد ذل في يدي جهبذ على أن قتلي في هواك لذاذة ... فيا عجباً من هالك متلذذ ومنها: ولو أبصرت أنوار وجهك فارس ... لأغناهم عن هرمزان وموبذ
стр. 71
وربما كان المحبوب كارهاً لإظهار الشكوى متبرماً بسماع الوجد، فترى المحب حينئذ يكتم حزنه ويكظم أسفه وينطوي على علته، وإن الحبيب متجن، فعندها يقع الاعتذار عن كل ذنب والإقرار بالجريمة، والمرء منها بريء، تسليماً لقوله وتركاً لمخالفته.
وإني لأعرف من دهي بمثل هذا فما كان ينفك من توجيه الذنوب نحوه ولا ذنب له، وإيقاع العتاب عليه والسخط وهو نقي الجلد.
وأقول شعراً إلى بعض إخواني، ويقرب مما نحن فيه، وإن لم يكن منه: [من الطويل] وقد كنت تلقاني بوجه لقربه ... تراض وللهجران عن قربه سخط وما تكره العتب اليسير سجيتي ... على أنه قد عيب في الشعر الوخط فقد يتعب الإنسان في الفكر نفسه ... وقد يحسن الخيلان في الوجه والنقط تزين إذا قلت ويفحش أمرها ... إذا أفرطت يوماً وهل يحمد الفرط ومنه: أعنه فقد أضحى لفرط همومه ... يبكي له القرطاس والحبر والخط ولا يقولن قائل إن صبر المحب على ذلة المحبوب دناءة في النفس فهذا خطأ، وقد علمنا أن المحبوب ليس كفؤاً ولا نظيراً فيقارض بأذاه، وليس سبه وجفاه مما يعير به الإنسان ويبقى ذكره على الأحقاب، ولا يقع ذلك في مجالس الخلفاء ولا في مقاعد الرؤساء، فيكون الصبر مستجراً للمذلة، والضراعة قائدة للاستهانة؛ فقد ترى الإنسان يكلف بأمته التي يملك رقها، ولا يحول حائل بينه وبين التعدي عليها، فكيف الانتصاف منها.
وسبل الامتعاض من السب غير هذه، إنما ذلك بين علية الرجال الذين تحصى أنفاسهم وتتبع معاني
стр. 72
كلامهم فتوجه لها الوجوه البعيدة، لأنهم لا يوقعونها سدى ولا يلقونها هملاً، وأما المحبوب فصعدة ثابتة وقضيب مناد، يجفو ويرضى متى شاء لا لمعنى؛ وفي ذلك أقول: [من الكامل] ليس التذلل في الهوى يستنكر ... فالحب فيه يخضع المستكبر لا تعجبوا من ذلتي في حالة ... قد ذل فيها قبلي المستنصر ليس الحبيب مماثلا ومكافياً ... فيكون صبرك ذلة إذ تصبر تفاحة وقعت فآلم وقعها ... هل قطعها منك انتصاراً يذكر خبر: وحدثني أبو دلف الوراق عن مسلمة بن أحمد الفيلسوف المعروف بالمجريطي أنه قال في المسجد الذي بشرقي مقبرة قريش بقرطبة الموازي لدار الوزير أبي عمر أحمد بن محمد بن حدير ﵀:
стр. 73
في هذا المسجد كان مربض مقدم الأصفر أيام حداثته لعشق بعجيب فتلا الوزير أبي عمر المذكور، وكان يترك الصلاة في مسجد مسرور وبها كان سكناه، ويقصد في الليل والنهار إلى هذا المسجد بسبب عجيب، حتى أخذه الحرس غير ما مرة في الليل في حين انصرافه عن صلاة العشاء الآخرة، وكان يقعد وينظر منه إلى أن كان الفتى يغضب ويضجر ويقوم إليه فيوجعه ضرباً ويلطم خديه وعينيه، فيسر بذلك ويقول: هذا والله أقصى أمنيتي قرت عيني، وكان على هذا زماناً يماشيه.
قال أبو دلف: ولقد حدثنا مسلمة بهذا الحديث غير مرة بحضرة عجيب عندما كان يرى من وجاهة مقدم بن الأصفر وعرض جاهه وعافيته، فكانت حال مقدم بن الأصفر هذا قد جلت جداً واختص بالمظفر بن أبي عامر اختصاصاً شديداً واتصل والدته وأهله، وجرى على يديه من بنيان المساجد والسقايات وتسبيل وجوه الخير غير قليل، مع تصرفه في كل ما يتصرف فيه أصحاب السلطان من العناية بالناس وغير ذلك.
خبر: وأشنع من هذا أنه كانت لسعيد بن منذر بن سعيد صاحب
стр. 74
الصلاة في جامع قرطبة أيام حكم المستنصر بالله ﵀ جارية يحبها حباً شديداً، فعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها، فقالت له ساخرة به؛ وكان عظيم اللحية: إن لحيتك أستبشع عظمها، فإن حذفت منها كان ما ترغبه.
فأعمل الجلمين فيها حتى لطفت، ثم دعا بجماعة شهود وأشهدهم على عتقها، ثم خطبها إلى نفسه فلم ترض به، وكان في جملة من حضر أخوه حكم بن منذر فقال لمن حضر: اعرض عليها أني أخطبها أنا، ففعل فأجابت إليه، فتزوجها في ذلك المجلس بعينه ورضي بهذا العار الفادح على ورعه ونسكه واجتهاده.
فأنا أدركت سعيداً هذا وقد قتله البربر يوم دخولهم قرطبة عنوة وانتهابهم إياها، وحكم المذكور أخوه هو رأس المعتزلة بالأندلس وكبيرهم وأستاذهم ومتكلمهم وناسكهم، وهو مع ذلك شاعر طيب وفقيه.
وكان أخوه عبد الملك بن منذر متهماً بهذا المذهب أيضاً، ولي خطة الرد أيام الحكم ﵁، وهو الذي صلبه المنصور ابن أبي عامر إذ اتهمه هو وجماعة من الفقهاء والقضاة بقرطبة أنهم يبايعون سراً لعبد الرحمن بن عبيد الله ابن أمير المؤمنين الناصر ﵃، فقتل عبد الرحمن وصلب عبد الملك بن منذر وبدد شمل من اتهم.
وكان أبوهم قاضي القضاة منذر بن سعيد متهماً بمذهب الاعتزال أيضاً، وكان أخطب الناس وعلمهم بكل فن وأورعهم وأكثرهم هزلاً ودعابة.
وحكم المذكور في الحياة في حين كتابتي إليك بهذه الرسالة قد كف بصره وأسن جداً.
توفي بمدينة سالم في نحو ٤٢٠ هـ (الصلة: ١٤٦) ؛ وثالث الأبناء هو عبد الملك أبو مروان، ولي خطوة الرد ثم لحقته التهمة التي يشير إليها ابن حزم فصلب على باب سدة السلطان (وهو الباب الرئيسي لقصر الخلافة بقرطبة) سنة ٣٦٨ وهو في حدود الأربعين من عمره
стр. 75
خبر: ومن عجيب طاعة المحب لمحبوبه أني أعرف من كان سهر الليالي الكثيرة ولقي الجهد الجاهد فقطعت قلبه ضروب الوجد ظفر بمن يحب وليس به امتناع ولا عنده دفع، فحين رأى منه بعض الكراهة لما نواه تركه وانصرف عنه، لا تعففاً ولا تخوفاً لكن توقفاً عند موافقته رضاه، ولم يجد من نفسه معيناً على إتيان ما لم ير له إليه نشاطاً وهو يجد ما يجد.
وإني لأعرف من فعل هذا الفعل ثم تندم لعذر ظهر من المحبوب؛ فقلت في ذلك: [من الرمل] غافص الفرصة واعلم أنها ... كمضي البرق تمضي الفرص كم أمور أمكنت أهملها ... هي عندي إذ تولت غصص بادر الكنز الذي ألفيته ... وانتهز صيداً كباز يقنص ولقد عرض مثل هذا بعينه لأبي المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن محمود صديقنا وأنشدته أبياتاً لي فطار بها كل مطار، وأخذها مني فكانت هجيراه.
خبر: ولقد سألني يوماً أبو عبد الله محمد بن كليب من أهل القيروان أيام كوني بالمدينة، وكان طويل اللسان جداً مثقفاً للسؤال في كل فن فقال لي، وقد جرى بعض ذكر الحب ومعانيه: إذا كره من أحب لقائي وتجنب قربي فما أصنع قلت: أرى أن تسعى في إدخال الروح
следующие страницы →