ثانيًا: المقال في الأدب العربي الحديث
مدخل
...
ثالثا: المقال في الأدب العربي الحديث
أدركنا أن العرب لم يعرفوا المقال بمفهومه الحديث، وإنما عرفوا قالبا قريبا منه على شكل رسالة، تناولت بعض الموضوعات الأدبية والاجتماعية والسياسية، وخاطبوا بها طبقة من المثقفين في زمانهم. أما المقال في وصفه الفني اليوم، فقد ولد مع الصحافة في القرن التاسع عشر، ونشأ في ظلها، وترعرع في أحضانها، بعد أن فرضته ضرورات الحياة ومتطلبات العصر، يخاطب جموع الأمة دون تعمق، بحيث تبدو فيه البساطة والجمال الفطري، ومن ثم أصبح "المقال يتناول موضوعا يتصل بقضية حية في صورة محددة ومركزة، ويتجه إلى الجماعة، ويخضع في أسلوبه لمقتضيات الصحافة التي نشأ فيها هذا الفن.
ولما كان المقال مرتبطا بالصحافة، وعلى صفحاتها تطور، وبأقلام كتابها دبج، كان لزاما علينا أن نقف على الأطوار التي مر بها حتى أصبح فنا أدبيا له جماله وجلاله، وسحره وتأثيره.
стр. 37
الطور الأول:
نعني به الفترة التي نشأ المقال خلالها في ظل الصحف الرسمية التي أصدرتها الدولة، أو أعانت على نشرها منذ عهد محمد علي حتى قيام الثورة العرابية. في هذا الطور سيطر السجع الغث، والتكلف الزائف على أقلام الكتاب، وسادت المحسنات البديعية المقالات: السياسية والاجتماعية والتعليمية والأخبار الداخلية والخارجية. ولذا لم ينجح المقال في علاج المشكلات التي عانى الشعب منها، ولم يلفت نظر الجمهور لما يدور حوله من قضايا وأحداث.
وأبرز كتاب هذا الطور: رفاعة رافع الطهطاوي، وعبد الله أبو السعود، وحمد أنس أبو السعود، وميخائيل عبد السيد، وسليم عنموري. نشر هؤلاء مقالاتهم في الوقائع المصرية ١٨٢٨، ووادي النيل ١٨٦٩، وروضة الأخبار ١٨٧٥، والوطن ١٨٧٧، ومرآة الشرق ١٨٧٩ على التوالي.
ولكي تدرك سيطرة الأسلوب المسجوع على أقلام الكتاب خلال هذا الطور، اقرأ وصفا لحادث داخلي، جاء بأحد أعداد الوقائع ١٨٦٥: "أن أناسا من اللئام، سفلة الأنام، ارتضوا بالخزي وارتكاب الآثام، فاستبدلوا الاشتغال بأنواع الكسب الحلال بالاشتغال بالحرام والعار، والدوران في القرى والأمصار، وكلما صادفوا أناسا على فطرتهم وحسن نياتهم، تحيلوا على اصطيادهم بتحيلاتهم، وعملوا طرق الخديعة والختل في سلب عقولهم، بإحدى المغيبات المشهورة بين الناس بالتاتورة، فيضعونها في شيء من المأكولات، ويطعمونها أصحاب العقول الناقصة بدون شعور، وبعد الحصول على ما معهم يفرون".
وهكذا كان السجع يسيطر على الخبر المترجم سياسيا أو غير سياسي، ولا يخلو من الكلمات الأعجمية.
стр. 38
الطور الثاني:
نعني به الفترة التي شارك السوريون والمصريون فيها، مع بداية الثورة الاجتماعية والفكرية المتأثرة بدعوة جمال الدين الأفغاني وتلاميذه إلى إصلاح الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية، وارتبطت بنشأة الحزب الوطني الأول ١٨٧٩، والأحداث التي مهدت للثورة العرابية، وغير ذلك مما تقل اليقظة العقلية من السياسة إلى المجتمع، وسرت بدورها إلى عالم الفكر والثقافة والعلم والأدب.
وأبرز كتاب هذا الطور أديب إسحاق ١٨٨٥، وعبد الله فكري ١٨٨٩، وعلي مبارك ١٨٩٣، وعبد الله النديم ١٨٩٦، وجمال الدين الأفغاني ١٨٩٧، وعبد الرحمن الكواكبي ١٩٠٢، ومحمد عبده ١٩٠٦، وقاسم أمين ١٩٠٨، كتب هؤلاء في الأهرام ١٨٧٥، ومصر ١٨٧٧، والتجارة ١٨٧٨، والفلاح والحقوق وغيرها من الصحف التي برزت خلال هذا الطور.
عالج كتاب هذا الطور شئون السياسة، وأحوال المجتمع، وإصلاح التعليم، وفي هذا الطور نشأ المقال بألوانه الثلاثة: السياسي على يد أديب إسحاق، والاجتماعي على يد عبد الرحمن الكواكبي، والديني على يد الشيخ محمد عبده. وتناول المقال المشكلات المتصلة بالشعب، وبدأ يتحلل من قيود الأسلوب، وكان لهذا التحول وانتقال الكتابة من الفردية إلى الموضوعية أثره البالغ في تعدد الأغراض وجودة الأساليب.
وهذا نموذج من مقالات عبد الله النديم التي اهتم فيها بتثقيف الشعب ومعالجة قضايا وطنه السياسية، ومشاكله الاجتماعية، وتحرر خلاله من السجع ولفائفه، والبديع وزخارفه، يقول النديم في مقاله "عربي تفرنج":
"ولد لبعض الفلاحين ولد، فسماه زعيط، وتركه يلعب في التراب، وينام في الوحل، حتى صار يقدر على تسريح الجاموسة، فسرحه مع البهائم إلى الغيط، يسوق الساقية ويحول الماء، وكان يعطيه كل يوم أربع حندويلات، وأربعة أمخاخ بصل، وفي العيد كان يقدم اليخني ليمنعه يأكل اللحم بالبصل، وبينما هو يسوق الساقية، وأبوه جالس عنده، مر بهما أحد التجار، فقال لأبيه: لو أرسلت ابنك إلى المدرسة ليتعلم ويصير إنسانا، فأخذه وسلمه إلى المدرسة، فلما أتم العلوم الابتدائية أرسلته الحكومة إلى أوربا، وبعد أربع سنين ركب الوابور، وجاء عائدا إلى بلاده، فمن فرح أبيه حضر إلى الإسكندرية، ووقف بمصيف الجمرك ينتظره. فلما خرج من "الفلوكة" قرب أبوه ليحتضنه ويقبله، شأن الوالد المحب لولده، فدفعه في صدره".
يسخر النديم من الفتى الذي ملأه الغرور والكبر، فلم يقبل أن يحتضنه والده، ونسي تقاليد بلاده، كل ذلك بأسلوب ساخر، يسوده الحوار، وتشيع العامية فيه كي يفهم أهل الريف الذين يخاطبهم.
وهكذا أثمرت جهود بعض الكتاب في العودة إلى التوفيق بين الأساليب الموروثة، وحاجات العصر الذي أطلوا منه على عالم جديد، فأنشئوا المقالات بلغة أصلح للكتابة الصحفية، مؤثرين بلاغة العبارة، واختيار اللفظ، وسلامة التركيب.
стр. 39
الطور الثالث:
نعني به الفترة التي واكبت النضج السياسي، والوعي الاجتماعي، خلال الربع الأول من هذا القرن، نتيجة لتأجج الدوافع الوطنية، وغضب الأمة للاحتلال الإنجليزي، وسيطرة الأتراك، ورغبة الجميع في تحرير الوطن من الأجانب، أضف إلى هذا ما وقع من أحداث، وشب من صراعات، وظهر من اتجاهات، واحتدم من معارك بين الكتاب حول الثقافة الأوربية التي سادت البلاد، وحرية المرأة وتثقيفها، وغير ذلك من الموضوعات التي أدت مناقشتها إلى التماس حل لها. وبجانب هذا كله ظهرت أحزاب ثلاثة -مما كان له أثره البالغ في نمو المقال وتطوره- هي:
١- الحزب الوطني ١٩٠٦ بريادة مصطفى كامل، وصحيفته "اللواء".
стр. 40
٢- حزب الأمة ١٩٠٧ بزعامة أحمد لطفي السيد، وصحيفته "الجريدة".
٣- حزب الإصلاح ١٩٠٧ بإشراف علي يوسف، وصحيفته "المؤيد".
وأبرز كتاب هذا الطور: مصطفى كامل ١٩٠٨، وأحمد مفتاح ١٩١١، وعلي يوسف ١٩١٣، وجورجي زيدان ١٩١٤، وفتحي زعلوك ١٩١٤، وحمزة فتح الله ١٩١٨، وملك حفني ناصف ١٩١٨، وحفني ناصف ١٩١٩، وعدلي يكن ١٩٢١، ومصطفى لطفي المنفلوطي ١٩٢٤، وأحمد لطفي السيد ١٩٦٣.
كان مصطفى كامل يمثل قلب الأمة الخافق. ألهيت مقالاته السياسية النفوس، وأججت المشاعر. جاء في مقال له: "ليقل المصريون للأمة الإنجليزية: إنه إذا كان ساستها قد نسوا أو تناسوا عهودهم ووعودهم، فإننا معاشر المصريين لم ننسها، ليقولوا بحرية وصراحة واستقلال كل ما يعتقدون، وما به يشعرون حتى تعلم الأمة كلها أنها أحياء يناضلون عن حقوقهم، ولا يقبلون الذلة والعار. إن ضياع الاستقلال مصيبة على المصريين، ولكن هناك مصيبة أخرى، وهي وجود أفراد أدنياء، اتجروا بالوطنية حينا، ثم لما يئسوا من نيل الاستقلال العاجل والربح القريب، انقلبوا إلى الاحتلال يعبدونه يتملقونه. هؤلاء هم "المصيبة الكبرى" في مصر، وبهم يستدل أعداؤنا، والمبغضون لأمتنا على موت العواطف فينا ... ".
أما أحمد لطفي السيد، فكان يمثل الجانب العملي، فنراه يعمد إلى توضيح الطريق أمام من يريد أن يتخلص من مشكلة الاستعمار فيقول: "يجب علينا أن نثبت -لا لغيرنا فقط بل لأنفسنا- أننا أحرار متحللون من كل عقال يربطنا عن نيل الحرية، بل أسرى السلطة السياسية، أسرى السلطة المالية، فإذا أعوزنا ان نسترد حريتنا السياسية، فما الذي يمنعنا من العمل لاسترداد حريتنا المالية، وهي لا يستهان بها. إن تحريرنا المالي مسألة سهلة التقرير، ولكنها صعبة التحقيق جدا، معقدة الطرائق إلا إذا شفيت نفوسنا من أوهام الأحلام، وصحت عزائمنا في حلها. كل عمل لحلها ينفع، ولكن أين الذين يريدون الكسب الشخصي وكسب الحرية في آن
стр. 41
واحد؟! يعملون أفرادا إذا لم يتفقوا على العمل جماعات للتسلح، للمزاحمة المالية والمعارك التجارية، كل عمل في هذا السبيل نافع، قليله وكثيره. ينفع ذلك تأليف النقابات الزراعية، ينفع لذلك إنشاء بنك زراعي أهلي "بمعنى الكلمة" ينفع في ذلك أن كل امرئ منا ساعدته الظروف، فصار عنده مال احتياطي "وهذا الصنف عند غير قليل" أن يشتري بماله الاحتياطي سهما من أسهم الدين المصري ... ينفع في هذا السبيل أن تعضد المحاصيل المصرية بأن نشتريها تفضيلا لها على سواها".
أما الشيخ علي يوسف، فقد كان يمثل عقل الأمة، يحلل في مقالاته كل فكرة، ويقرع الحجة بالأخرى، ويردد على المستر "روزفلت" حين قدم مصر وأيد الاستعمار فيقول: "قد كلف المستر روزفلت نفسه أن يحفظ مثلا عربيا وهو "إن الله مع الصابرين إذا صبروا"١ لينطق بها عربية، ظانا أنه بعد ذلك ينسى له أن يصب الرصاص ذائبا في أدمغة المصريين فيجمد، ولكنه لم يكد ينطق بها حتى ضحك السامعون، وأنا في جملتهم، مصر محتلة بدولة أجنبية يعرف الكولونيل روزفلت أنها قائمة على شئونها قيام الوصي على قاصر غني، فلا الوصي يريد أن يرفع يده عن ذلك القاصر وكل ما يملك، ولا القاصر يستطيع أن يدرك منزلة الرشيد، ما دام الوصي يمنعه من الوصول إليها بمقتضى مصلحته الخصوصية، ألم يكن الأجدر بالكولونيل روزفلت وهو ينصح المصريين أن يصبروا إلى عدة أجيال ليكون الله معهم، أن يوجه لأبناء عمومته المحتلين نصيحة توجه إلى الوصي القوي الطماع، فإذا قيل: إن الخطيب تحاشى ذلك حتى لا يجعل مركز المحتلين حرجا أمام الوطنيين، فكيف سوغ لنفسه وهو يمثل أعظم أمة حرة، أن يجعل مركز الوطنيين حرجا أمام المحتلين".
وبجانب هذه المقالات وغيرها كانت المقالات الاجتماعية لمصطفى لطفي المنفلوطي، مما أدى إلى تطور موضوع المقال، وانطلاق أسلوبه حرا، يعبر عن حاجات المجتمع في سهولة ويسر، ودنا الكتاب من أذواق الناس وعقول المواطنين، وبعد المقال عن الألفاظ الغربية، وحمل من المعنى والبساطة قدر ما كان يحمل من زينة وزخرفة في الماضي.
ومن ثم بلغ المقال قمته في هذا الطور، وأصبح فنا مستقلا يغزو الحياة والمجتمع، وتحرر من وشي الكلفة، وبها رج الصنعة، وخاض معترك الحياة من جميع وجوهها الاجتماعية والسياسية والقومية والفكرية، وبدا هذا واضحا وجليا في نظرات وعبرات المنفلوطي، مع قدرة في التصوير، وبراعة في التحليل، وصحة في العبارة، وسلامة في الأداء.
стр. 42
الطور الرابع:
نعني به الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى ١٩١٤-١٩١٨، وتاثرت بأحداث ثورة الشعب ١٩١٩، وامتدت حتى الحرب العالمية الثانية ١٩٣٩-١٩٤٥. في هذا الطور بلغ النشاط السياسي، والوعي الفكري، والنضوج الأدبي ذروته، ووقعت أحداث جلية على مسرح الحياة السياسية والاجتماعية والأدبية، فاتقد النشاط الصحفي بتعدد الأحزاب والصحف اليومية والأسبوعية لا سيما بعد موت سعد زغلول ١٩٢٧، وانقسام الأمة إلى طبقات.
خلال هذا الطور ظهرت صحف عديدة، كان لها تأثير عميق في الحياة بصورة عامة مثل جريدة "السفور" ١٩١٥ لعبد الحميد حمدي، و"الوجدانيات" ١٩٢١ لمحمد فريد وجدي، ثم صحف الثورة مثل: "الاستقلال" ١٩٢١ لمحمود عزمي، و"البلاغ" ١٩٢٣ لعبد القادر حمزة، و"كوكب الشرق" ١٩٢٤ لأحمد حافظ عوض، و"الأخبار" ١٩٢٥ لأمين الرافعي، و"الأسبوع" ١٩٢٦ لعبد القادر المازني. ثم تلتها صحف أخرى مثل: "وادي النيل" ١٩٢٩ لمحمد توفيق دياب، و"الشعب" ١٩٣٠ لسان حال حزب الشعب الذي قاده إسماعيل صدقي، و"المساء" ١٩٣٠ التي رأس تحريرها أحمد محرم، و"الجهاد" ١٩٣١ لمحمد توفيق دياب، و"روزاليوسف" ١٩٣٤ لفاطمة روزاليوسف، و"المصري" ١٩٣٦ لمحمود أبو الفتح، وغيرها من الصحف.
стр. 43
حفل هذا الطور بنفر من الكتاب، فيهم الناقد والمؤرخ والمربي والمتفلسف والخطيب والسياسي والقاص وغيرهم ممن شاركوا في تجديد الأدب ودعمه بآثار خالدة من أمثال: يعقوب صروف ١٩٢٧، وعبد العزيز جاويش ١٩٢٨، ومحمد إبراهيم المويلحي ١٩٣٠، وجبران خليل جبران ١٩٣١، ومحمد رشيد رضا ١٩٣٥، ومصطفى صادق الرافعي ١٩٣٧، وأمين الريحاني ١٩٤٠، ومي زيادة ١٩٤١، وعبد العزيز البشري ١٩٤٣، وشكيب أرسلان ١٩٤٩، وإبراهيم عبد القادر المازني ١٩٤٩، وخليل مطران ١٩٤٩، وزكي مبارك ١٩٥٢، وأحمد أمين ١٩٥٤، ومحمد حسين هيكل ١٩٥٦، وسلامة موسى ١٩٥٨، وعباس محمود العقاد ١٩٦٤، وأحمد حسن الزيات ١٩٦٨، وطه حسين ١٩٧٣.
تبارى كتاب هذا الطور على صفحات الجرائد المختلفة، حتى شهد المجتمع الأدبي صراعا بين أنصار القديم بقيادة مصطفى صادق الرافعي ودعاة التجديد بزعامة طه حسين، وأسفرت المعركة عن انتعاش الفكر العربي الحديث، وهيأت أدبا عربيا حديثا له شأنه وكيانه. وشاركت المرأة في الحياة الأدبية، فكان لندوة "مي زيادة" أثرا في حياة الأدب والأدباء، وظهرت أقلام بعدها لموهوبات من أمثال: عائشة عبد الرحمن، وسهير القلماوي، وأمينة السعيد، وفدوى طوقان، ووداد السكاكيني، وملك عبد العزيز، ونازك الملائكة.
أدت جهود هؤلاء جميعا إلى إذكاء الفكر، وبعث الروح الوطنية، وتطور النثر ورقيه، وأصبح المقال أوضح فكرة، وأشمل موضوعا، وأكثر تفرعا، ودان لما حققته الصحافة من نضج وإتقان، وحذق وكمال، وجلال وجمال.
ونسوق إليك نموذجا من كتابات هذا الطور، يصف زكي مبارك أسلوب أحمد حسن الزيات في كتابه "وحي الرسالة" فيقول:
"هو أسلوب كاتب يؤمن بأن الكتابة فن من الفنون، فهو لا يكتفي بشرح الغرض الذي يرمي إليه، وإنما يتجه عامدا متعمدا إلى تأدية المعنى تأدية جميلة توحي إلى القارئ فكرة العناية بالأسلوب الأنيق. والزيات يغرب في بعض الأحيان، ومعنى ذلك أنه يوشي كلامه بالألفاظ الغربية من حين إلى
стр. 44
حين ليحول تلك الألفاظ إلى الكلام المأنوس، وفي ذلك منهج مقبول في إحياء المهجور من المفردات اللغوية، فلم تخلق تلك المفردات مهجورة، وإنما عاشت دهورا ثم تناساها الكتاب والشعراء، فأضيفت ظلما إلى القريب.
والزيت لم يبتر هذا المنهج بين أدباء العصر الحديث، فقد اختطه المرحوم الشيخ حمزة فتح الله، والمرحوم السيد توفيق البكري، ودعا إليه استأذنا الشيخ محمد المهدي، ولكن مزية الزيات هي القصد في الإغراب بحيث لا يقع منه في المقال الواحد غير لفظة أو لفظتين، وذلك يزيد ثروة القارئ من الوجهة اللغوية بدون أن يوقعه في التعنت والارتباك.
ويستطيع الدارس وهو يراجع "وحي الرسالة" أن يقيد هذا النوع من المفردات؛ لأن إحياء تلك المفردات خصيصة أصيلة من خصائص هذا الكتاب، ولتوضيح هذه المسألة أذكر كلمة "الريازة" بمعنى العمارة، ثم أترك للدارس حرية الاستقصاء ليعرف أنه قرأ واستفاد"١.
ويتحدث أحمد أمين عن "عينية" ابن سينا فيقول: "العينية هذه تدور حول حالة النفس قبل اتصالها بالبدن، وبعد اتصالها به، وبعد مفارقتها له، فهو يرى كفلاسفة القرون الوسطى أن النفس كانت قبل البدن بعهد طويل، تتمتع بكل ما تتمتع به العناصر الروحية المجردة، ثم تحل بالأجساد حين يخلق الجسم في الرحم فتحل فيه وهي كارهة، ولكنه إذا طالت مدتها ألفته، ثم إذا هي فارقته بالموت فارقته وهي كارهة. والجسد يجري من النفس مجرى الثوب من البدن، فإن الجسد يحرك الثوب بواسطة أعضائه الظاهرة، والنفس تحرك البدن بواسطة قوى حقيقية مناسبة، فهي التي تحرك العين واليد والرجل وغيرها، فإذا فارقته عدم الحركة. وكلمة "الإنسان" تطلق عليهما معا، وتطلق على النفس حقيقة، وعلى الجسم وحده مجازا، كما يسمى ضوء الشمس شمسا، وهذه النفس لا تتجرأ بذاتها، وإنما تتجزأ بأعراضها، وليست النفس في البدن كالماء في الإناء، إذا فرغ الماء بقي الإناء كما هو حين حلوله به،
стр. 45
والجسم لا يكون كما هو عند مفارقته النفس، ولا النفس كالحلاوة في العسل؛ لأن الحلاوة عرضية، ولأن النفس رئيسة للبدن، والبدن مرءوس. وليست الحلاوة عرضية، ولأن النفس رئيسة للبدن، والبدن مرءوس. وليست الحلاوة رئيسة للعسل، وإنما هي بمنزلة شعاع الشمس -كما قلنا- وهي حية بذاتها، والكون كله مظاهر للنفس، فلكل شيء في الكون نفس وهو مظهرها، وهي مفطورة على صورة الفاطر جل وعلا؛ ولذلك جاء في الحديث: "إن الله خلق آدم على صورته" ١.
وبمثل هذه الكتابات أصبح المقال يشبه الكتاب الصغير الذي يضم القديم والجديد في الأدب، ويترجم لأعلام الغرب والشرق، ويقدم دراسات في الفنون حينا، وفي الشعر والشعراء حينا آخر، وفي النظم السياسية حينا ثالثا. وبذلك وصل الكتاب في مقالاتهم إلى درجة الإبداع، وتخصص نفر منهم في مجالات الفكر والأدب، فوضعوا أمام الأجيال منارات تهدي إلى أقوم السبل في الحياة الأدبية.
ومن ثم وطدت دعائم المقال الأدبي، ورسخت أصوله حتى أصبح معرضا لكثير من ضروب المعرفة، وحقائق الأدب، وألوان الثقافة، وبذلك أوجد وعيا علميا وأدبيا فنيا، ونهض يعمق شعور القراء، ويساعدهم على تفهم الحقائق حولهم في ضوء غامر من النقد والتحليل والمعرفة.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن هذا الطور شهد خلق الوعي الاجتماعي، والإبداع الأدبي، وتعدد فنون القول، وأصبح المقال فيه أداة التعبير في التأليف والترجمة والإذاعة والصحافة وشتى ألوان النثر.
стр. 46
الطور الخامس:
نعني به الفترة التي واكبت الحرب العالمية الثانية، وامتدت لثورة ١٩٥٢، وما وليها من العهد الاشتراكي. ولقد قلنا من قبل: إن الأمة انقسمت إلى أحزاب بعد موت سعد زغلول ١٩٢٧، وحرص كل حزب على الحكم أكثر من حرصه على مصلحة الأمة، فهال الشباب الوطني مصرع الكرامة، ووأد الفضيلة، وذبح الوطنية في عهد الملك السابق. ولما شاع الاستبداد، وعم الفساد، وثب نفر من صفوة الضباط الأحرار، وقادوا ثورة ١٩٥٢، وأطاحوا بعرش الفساد، وقضوا على الأحزاب، وحققوا الاستقلال أمل الشعب طوال سبعين عاما خلت قبله.
ووقفت مصر من البلاد العربية موقف الريادة، فتحررت شعوب، وثارت أخرى، وانعكس هذا على حياتنا الفكرية. وبدأ الكتاب يستعيدون المفاهيم القديمة في الحرية والعدالة والمساواة، وصاغوا ذلك في ثوب جديد من حياتنا الاشتراكية الحريصة على تحقيق الكفاية والعدل، وتمكن الكتاب خلال هذه التجربة الحية من ممارسة الحرية والشعور بها، وانطلقوا في كتاباتهم دون الوقوف عند حد، فأتوا بالجديد في الأدب والفكر.
وحفل هذا الطور بنفر من الكتاب اللامعين من أمثال: محمود أبو الفتح، وأحمد أبو الفتح، وميخائيل نعيمة، وعلي ومصطفى أمين، ومحمد التابعي، ومحمد حسنين هيكل، وزكي نجيب محمود، وأحمد بهاء الدين، وحسين فوزي، ولويس عوض، ومحمد زكي عبد القادر، وأحمد الصاوي محمد، وعلي حمدي الجمال، وغيرهم ممن يعملون في الصحف المصرية والعربية اليوم. ومعظم هؤلاء يعيشون بيننا اليوم، وتتميز أساليبهم بالتأثر بالأدب الغربي، واستلهموا ثقافاتهم من ينابيع شتى، ويعملون بجد ونشاط في حياة الفكر المعاصر، ولا نستطيع أن ندخل كتاباتهم التاريخ حتى تستكمل آثارها، ويصبح لها طابع فني يؤهلها للحكم عليها.
كتب محمد حسنين هيكل مقالا بجريدة "الأهرام" بعد نكسة ١٩٦٧ تحت عنوان "مصر الالتزام والقدر" جاء فيه:
"لعل الموقف المصري هو أوضح المواقف على مسرح الصراع الكبير والخطير الدائر الآن على أرض الشرق الأوسط، والموقف المصري سهل بسبب وضوحه، وهو لنفس السبب صعب، والوضوح نهار، والنهار تعرض، وذلك يعكس الغموض الذي يمكن أن يكون ليلا، والليل نهارا.
ومن هنا فلعل الحديث عن دور مصر -في صراع الأطراف العشرة على
стр. 47
أرض الشرق الأوسط- أن يكون في بعض نواحيه تحصيل حاصل ...
وهو على أحسن الفروض يؤكد أكثر مما يضعف، ويذكر أكثر مما يجدد: أن مصر كانت -وما زالت- على ارتباط وثيق بمجموعة من الالتزامات هي:
١- النضال المستمر لتحقيق حريتها السياسية والاقتصادية والفكرية.
٢- اعتبار حرية مصر مفتاحا للحرية الاجتماعية من اليقين العميق بوجوه التاريخ والمصير.
٣- نتيجة لذلك يجيء رفض مصر لقيام أي عازل جغرافي أو سياسي أو عسكري بينها وبين شعوب الأمة العربية، خصوصا في الشرق الأوسط؛ حيث الخطر جاثم وعدواني.
٤- كان الخطر الذي انتهجته السياسة المصرية في المجال الدولي تعبيرا عن ذلك كله، من حيث عدائه للاستعمار وصداقته مع كل القوى المعادية له في العالم، وانتهاج طريق عدم الانحياز.
... ولم تكن المشكلة الحقيقية للالتزام المصري أنه واجه غزوة من أعتى الغزوات الموجهة إلى الأمة العربية، وهي الغزوة الاستعمارية -الصهيونية- ولكن المشكلة الحقيقية كانت أن الالتزام المصري واجه هذه الغزوة العاتية في ظروف مرهقة؛ لأنها -داخل الأمة العربية- كانت ظروف الحيرة والتمزق على مفارق طرق التطور.
١- هل الإطار الصحيح لنضال هذه الأمة العربية هو الجامعة الإسلامية أو هو الجامعة العربية؟
٢- هل الهدف هو الاستقلال الوطني بحدوده الانعزالية أو هو القومية العربية بأبعادها الشاملة؟
٣- هل يكون العمل العربي داخل الإطار ونحو الهدف على أساس المنهج التقليدي أو أن المنهاج الحتمي هو الثورة لتعويض التخلف وتحقيق النمو؟
٤- لما كان كل تفاعل تاريخي يخلق أنبياؤه، ويخلق أدعياؤه في نفس الوقت، فإن العالم العربي خلال سنوات طويلة دفع كثيرا في معاناته
стр. 48
بحثا عن إجابات على الأسئلة التي واجهت طريق تطوره من هذا كله، فإن مشكلة الالتزام المصري أنه كان يقود عالما عربيا، تتضارب داخله الإرادات في صراع مع عدو أو أعداء، توحدت إرادتهم على قهرها فضلا عما يملكونه من أسباب القوة المادية المتفوقة.
إن مصر -إنصافا وليس تعصبا- لم تهرب من قدرها، وإنما واجهته بشجاعة، ووصلت إلى الحزب من أجله على أرضها، وعلى كل أرض عربية:
- من ١٩٥٢ إلى ١٩٥٦ حاربت مصر على أرضها حتى تحقق انتصار السويس العظيم.
- من ١٩٥٥ ولثلاث سنوات بعدها كانت مصر وحدها تتحمل عبء الثورة الجزائرية، حتى تنبهت الأمة العربية كلها إلى أهمية الحرب من أجل عروبة واستقلال الجزائر.
- ١٩٥٧ انتقلت القوات المصرية إلى سوريا في وجه تهديد بالغزو من حلف بغداد وقتها.
- ١٩٥٨ كانت قوات الجمهورية العربية المتحدة على أهبة الاستعداد لحماية ثورة العراق من أي تدخل أجنبي.
- ١٩٦٢ ذهبت مصر إلى اليمن، وتركت على جبالها أربعة آلاف شهيد.
- ١٩٦٤ كانت هناك قوات مصرية تقطع عرض البحر الأبيض المتوسط لمساندة الجزائر.
- ١٩٦٥ كان هناك لواء مصري مدرع في بغداد، يشارك في حماية الثورة، وعندما سحب هذا اللواء بعد ١٩٦٧ -وبسبب الحرب- كانت تلك هي الفرصة التي انتهزتها عناصر الانقلاب التي أطاحت بحكم عبد الرحمن عارف، ومهدت لعودة حزب العراق متواطئا مع بريطانيا.
стр. 49
- ١٩٦٦ كانت مصر تشارك عسكريا في صنع استقلال اليمن الجنوبية.
- ١٩٦٧ كانت تواجه محنتها الكبرى، بحرب شاملة مع إسرائيل، وكانت بداية الحرب بسبب تهديد موجه إلى سوريا.
في ذلك الوقت -كما قلت- قدرت مصر موقفها الوطني والقومي تقديرا وضعت فيه كل تجربتها، كان تقديرها أن الموقف يحتاج إلى الفصل، ولا يحتاج إلى الانفصال، وأنه بالفعل يمكن أن تستفيد من كل ما ضاع على الأقل.. وأما بالانفصا فإنها تضيع ما بقي. كان رأيها في الشعارات المطروحة أيام الضياع كما يلي:
- وقف إطلاق النار: نعم، ولكن كي نستطيع بعده أن نعود إلى إطلاق النار بكفاءة واقتدار.
- الاتحاد السوفيتي: لا يجب أن ننسى أنه إذا كان هناك أمل في سلاح لن يجيء إلا من الاتحاد السوفيتي وحده دون غيره.
- الحرب الشعبية: ذلك شعار مشكوك في نتائجه بالنسبة لظروفنا.. وبدلا من أن نقول بالحرب الشعبية، فليكن قولنا له: حرب الشعب في المعركة، والجيوش في الحرب هذه المرة لا يجب أن تكون تقليدا، وإنما عليه أن يبدع، ومع العلم أيضا أنه لا بد أن يكون هناك مجال -بالقطع فإن هناك مجالا- لفصائل شعبية مسلحة، تقوم بدورها في المواجهة المستمرة مع العدو".
حلل هيكل في مقاله الأسبوعي وضع مصر بين دول بلاد العروبة، والتزامها القومي بعد نكسة ١٩٦٧، ودورها في المنطقة العربية وتعد خلاله أوضاعا معينة لا يرضاها عربي غيور على وطنه وعروبته وأصالته.
وعلى الجملة، فقد أصبح المقال في هذا الطور فنا يدرس في جامعاتنا وفق أصول وقواعد، لها نظمها وتقاليدها، وبهذا دعمت الصحافة البناء الأدبي، وأعانت على الابتكار في فنون النثر، وألوان القول، وفتحت صفحاتها لكل جديد، وأصبحنا نطالع المقالات الطويلة والقصيرة في مختلف شئون الحياة على صفحات الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية والفصلية.
стр. 50
ثالثا: أثر الصحف في تطور المقال
يراد بالصحف الجرائد التي تصدر يوميا، والمجلات التي تظهر من وقت لآخر، وقد شاع منذ نهضتنا الصحفية كلمات: الجريدة والصحيفة والمجلة؛ ولذا يحسن أن نقف على المدلول التاريخي لكل منها، حتى نكون على بينة مما يتداول بيننا من الصحف، ويصدر عن دور الصحافة:
١- الجريدة:
الجريدة -في الأصل- سعفة النخل الجافة المقشورة، وإحدى الأدوات التي كتب العرب عليها منذ الجاهلية. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: $"كتب القرآن في جرائد"، ثم أطلقت على الأوراق التي يتداول الناس قراءتها يوميا أو دوريا. وتسمى "الصحيفة" مرة، و"النشرة" أخرى، و"الورقة" ثالثة. وأصبحت "الجريدة" صحيفة حزب الأمة، ولسان حال أعضائه منذ إنشائه ١٩٠٧ بزعامة أحمد لطفي السيد.
٢- الصحيفة:
الصحيفة -في الأصل- الشيء المكتوب سواء أكان جلدا أو قماشا أو نباتا أو حجرا أو عظما أو ورقا. وتعني الكتاب بمعنى الرسالة. وصحيفة لقيط بن يعمر الإيادي التي بعث بها إلى قومه ينذرهم بعزم كسرى على قتالهم مشهورة في أدبنا العربي القديم ابتدأها بقوله:
سلام في الصحيفة من لغيط
إلى من بالجزيرة من إياد
وختمها بقوله:
هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا١
стр. 51
وهي قصيدة تربو على الخمسين بيتا.. والكتاب على أي حال أعم من الصحيفة.
وقال درهم بن زيد الأوسي يذكر الخزرج العهود المكتوبة على الصحف بينهم فقال:
وأن ما بيننا وبينكم ... حين يقال: الأرحام والصحف١
وقال قيس بن الخطيم:
لما بدت غدوة جباههم ... حنت إلينا: الأرحام والصحف٢
والمراد بالصحف: العهود والمواثيق والأحلاف المسجلة في الصحائف.
ومن أشهر العهود والمواثيق العربية "صحيفة قريش" بين بني هاشم وبني عبد المطلب. ولقد وردت كلمة "الصحف"٣ ثماني مرات كلها بصيغة الجمع في القرآن الكريم، ولا حصر لها في كتب رسول الله ﷺ وكتب صحابته رضوان الله عليهم.
٣- المجلة:
المجلة كلمة عربية فصيحة من جل الشيء إذا عظم قدره وارتفع شأنه.
جاء في معجم "لسان العرب": المجلة: الصحيفة فيها الحكمة، يقول النابغة:
مجلتهم ذاته الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب
يريد بمجلتهم "الصحيفة"، وعني بها "الإنجيل" لأنهم كانوا نصارى.
ويروى أن سويد بن الصامت قال لرسول الله ﷺ : لعل الذي معك مثل الذي معي. فقال: "وما الذي معك؟ " قال: "مجلة لقمان"٤.
стр. 52
يريد: كل كتاب فيه حكمة لقمان فهو "مجلة"، وأطلقت في أول الأمر على الكتاب والكراسة. قال أبو عبيدة: كل كتاب عند العرب "مجلة".
وتحدث ابن الأعرابي عن نفسه فقال: "أنه كان في يده كراسة، فلقي أعرابيا، فسأله: ما المجلة؟ فأجاب: التي في يدك".
وفي العصور الوسطى شملت "المجلة" كل ما يتضمن حكمة، فسميت أمثال لقمان الحكيم "مجلة لقمان"، وقيل عن شعر أمية بن أبي الصلت: "مجلة أدبية"؛ لكثرة ما يتضمن من حكم. وانحصرت مهمة "المجلة" في تسجيل ما زخر المجتمع العربي به من صور خلال عصوره المختلفة، وبيئاته المتعددة من مثل: مجالس الأدب والمناظرات والأمالي وتناقل الروايات في الأخبار والأشعار. ولذا قال الراغب: سمي المصحف "مجلة".
وظل هذا المعنى شائعا حتى بداية نهضتنا الحديثة. حتى فرق رواد الصحافة وحملة الأقلام بين الصحف اليومية التي تهتم بالخبر والحدث، فسموا الواحدة منها "صحيفة" وبين الصحف الدورية التي تناقش نظرية وتنقد رأيا، وسموا الواحدة منها "مجلة"، وقصروها على الصحف الأدبية والعلمية والإسلامية واليهودية١ والنسائية والسياسية والاقتصادية والفلسفية، والخاصة بالأطفال والفنون الجميلة والموسيقى والتاريخ والآثار، والمجلات المصورة، وغيرها مما يلقي أضواء جديدة على تاريخ الآداب والعلوم والفنون والثقافة في مصر وبلاد العروبة.
وأول من استعمل لفظ الصحافة بمعناه المعاصر الشيخ نجيب الحداد ١٨٦٧-١٨٩٩ منشئ "لسان العرب" ١٨٩٤ بالإسكندرية٢، وظل الصحفيون لا يفرقون بين الجريدة والمجلة في الاستعمال حتى تولى الشيخ إبراهيم اليازجي ١٨٤٧-١٩٠٦ إدارة صحيفة "الطبيب" البيروتية ١٨٨٤، أشار إلى لفظة "مجلة" فقال: "إنها صحيفة علمية أو دينية أو انتقادية أو ما شاكل ذلك، تصدر تباعا في أوقات معينة"، وتابعته
стр. 53
المجلات التي صدرت بعد مجلته. وبلغت الصحف في مختلف بلاد العروبة ثلاثة آلاف وثلاثا وعشرين صحيفة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي حتى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين، وكان لمصر فضيلة السبق في هذا المجال؛ إذ ظهرت جريدة "التنبيه" ١٨٠٠ بمدينة الإسكندرية، والوقائع المصرية في ١٨٢٨ بالقاهرة.
وسنحاول أن نتعرف على أشهر المجلات الأدبية التي أثرت في اللغة والأدب وتطور المقال. ففي لبنان كانت مجلات: الجنان والزهرة والمهماز والنحلة ١٨٧٠، والنجاح ١٨٧١، والمقتطف ١٨٧٦، والمشكاة ١٨٧٨، والجامعة ١٨٩٤، والمشرق ١٨٩٨ للأب لويس شيخو اليسوعي ١٨٥٩-١٩٢٧. وفي فترة ما بين الحربين العالميتين ظهرت المجلات الأدبية التالية: المرأة الجديدة ١٩٢١، ومنيرفا ١٩٢٣، والكشاف والمعرض والجمهور والعرفان والمكشوف والأديب واللواء اللبنانية.
أما في مصر فقد أنشأ اللبنانيون فيها المجلات الثقافية والعلمية، واهتموا بتطويرها وتهذيب أسلوبها، فكانت مجلة النحلة الحرة ١٨٧١ للويس الصابونجي، ومرآة الشرق ١٨٨٢ لخليل اليازجي، والحضارة ١٨٨٢ لميخائيل جرجس عورا، وانتقلت المقتطف إلى مصر ١٨٨٥، وظلت تصدر حتى ١٩٥٢، والشفاء ١٨٨٦ لشبلي الشميل، واللطائف ١٨٨٦ لشاهين مكارنوس، والهلال ١٨٩٢ لجورجي زيدان، ولا تزال حتى اليوم تواصل رسالتها، والبيان ١٨٩٧، والضياء ١٨٩٨، وهما للمرحوم إبراهيم اليازجي، والهداية ١٩١٠ لعبد العزيز جاويش، والزهور ١٩١٠ لأنطون الجميل، والكنانة لشاكر شقير.
وبعد ثورة ١٩١٩ قلد المصريون اللبنانيين في إنشاء المجلات وتنسيقها، فكانت المجلات المتخصصة في مجالات العلوم والفنون والصناعات، وظهرت المجلات التي تهتم بالمقال الأدبي مثل: الثورة ١٩٢٤ لمحمد علي طاهر، والفجر ١٩٢٥-١٩٢٩، وكانت تحفة الصحافة الأدبية، والزهراء ١٩٢٦، والمصور ١٩٢٦، والسياسة الأسبوعية ١٩٢٦، والبلاغ الأسبوعي ١٩٢٦، والمجلة الجديدة ١٩٣٠ للمرحوم سلامة موسى، وقد مزج فيها بين
стр. 54
العلم والدين والفن، ثم مجلة أبوللو ١٩٣٢-١٩٣٤، والرسالة ١٩٣٣-١٩٥٢ للمرحوم أحمد حسن الزيات، والشباب ١٩٣٦ لمحمود عزمي، والشباب ١٩٣٧-١٩٣٩ لمحمد علي طاهر، والثقافة ١٩٣٩-١٩٥٣ لأحمد أمين، ولا تزال تصدر حتى اليوم تحت إشراف وزارة الثقافة المصرية، والكاتب المصري ١٩٤٥-١٩٤٨، والكتاب ١٩٤٥-١٩٥٣.
على صفحات الصحف -اليومية والدورية- وعلى أيدي كتابها ظهر المقال بخصائصه وسماته، وأصبح فنا أدبيا له رونقه وجماله، وسحره وجلاله وأثره في النفوس، وغدا أكثر رواجا من الأقصوصة؛ لأن الصحافة لم تخلُ من موضوع في فن النقد أو الأدب أو الاجتماع أو السياسة أو العلم.
وفرضت الصحف أن يعبر الكاتب عن حاجات العصر وأحداثه، ويصور ما يحيط به بأسلوب يسهل فهمه ويمكن إدراكه، دون التقييد بنسق معين أو موضوع محدد، فكثرت الموضوعات وأثرت الحياة ثراء طيبا، لما خاض فيه الفكر، وجاشت به الخواطر، ودبجته الأقلام، فنهض المقال بعد أن ظل يتأرجح بين نقطة يدور حولها في الأداء، وبين الانعكاسات الهزيلة في نفس الكاتب.
ومنذ مطلع هذا القرن عرف المقال طائفة من الكتاب الذين برزوا في مجال الأدب والسياسة والاجتماع، وتميزوا بسعة الاطلاع والتعمق في الثقافة العربية، والوقوف على فنونها من أدب وفن وفلسفة ونقد، بينهم المتعمق في فكرته كالعقاد، والسهل في أدائه كالمازني، والقادر على معالجة مناص الحياة الأدبية كطه حسين. على أيدي هؤلاء الكتاب كانت محاولات التجديد في الأدب العربي، وتطور المقال في مضمونه وأدائه، وتعدد فنونه.
وفي منتصف العشرينات ترددت كلمة "الثقافة" في ظل الصحافة نتيجة لتطور الفكر الصحفي، وظهرت نوعيات من المقالات تجمع بني الأدب والعلم والسياسة عرفت "بالأدب العلمي"، ولما لوحظ التعارض بين الأدب والعلم اتفق الدكتور محمود عزمي والأستاذ سلامة موسى على أن "الثقافة يراد بها الكتابة التي تجمع بين نواحي المعرفة بمفهومها القديم
стр. 55
والحديث. ومن ثم حلت كلمة "الثقافة" التي أصبحت تحيط بكل ما يتصل بالنشاط الفكري في العصر الحديث محل كلمة "معرفة" ذات المفاهيم الواسعة في الأجيال القديمة.
وأدى تعدد الصحف الأحزاب إلى ظهور "الهجاء السياسي" وهو لون جديد من أدب المقاقل يصور الحياة تصويرا صحيحا، فاتسعت دائرة المقال وأصبحت أدبية واجتماعية ونقدية. وحملت الصحف دعوات المفكرين لتنشيط الثقافة الأدبية واللغوية مثل: دعوة أحمد لطفي السيد للتقريب بين الفصحى والعامية، التي ترتب عليها تيسير أسلوب الكتابة على الجماهير، ورواج الأدب وتخلصه من الذاتية إلى الموضوعية. واهتمت صحيفة السياسية اليومية بالعديد من النظريات الأدبية، وحرص ناقدها الأدبي طه حسين على تمحيصها بالنقد والإرشاد والتوجيه، كما بسط محمد حسين هيكل على صفحات السياسة الأسبوعية دعوته إلى الأدب القومي الذي يعتمد على التاريخ المصري وطبيعة وادي النيل.
وكشفت مجلة "أبوللو" عن مواهب أدبية مطمورة، تربعت على أريكة الشعر والنقد المعاصر. وحرصت مجلة "الرسالة" على الدراسة الأدبية والنقدية وإحياء اللغة، فأسهمت بقسط وافر في نهضة الأدب الحديث، وتبعتها مجلة "الثقافة" ذات الطابع العربي الرصين، ثم كانت مجلة "الكاتب المصري" التي مال كتابها إلى الانطلاق والتحرر.
أضف إلى هذا كله أن الصحف كانت معرضا للمساجلات الأدبية بين قادة الفكر وأعلام الكتاب كالرافعي والعقاد وطه حسين وزكي مبارك وغيرهم مما غذى الفكر الحديث ببحوث وآراء ونظريات واتجاهات كانت بداية لمرحلة تحول في الحياة الثقافية والفكرية معا.
وهكذا لعبت الصحف وأدى الكتاب دورا كبيرا وفعال في رقي الأسلوب، واتجهت الصحف به نحو الكمال، وأنعشت الفكر، وارتفعت بالعقلية العربية عامة، والمصرية بصورة خاصة، وفتحت آفاقا جديدة في التصوير والتعبير أمام الكتاب والمفكرين، فنهض المقال وتطور، وأصبح أكثر رواجا من فنون الأدب الأخرى.
стр. 56
الفصل الثالث: تنوع المقال
مدخل
...
إتقانه والتبرير فيه، واقتران الموهبة بالممارسة والتجربة، فتلتقي حينئذ في كاتب المقال الصفات العقلية بالمزايا الشخصية؛ لأنه -أي مقال- تعبيرا عن وجهة نظر خاصة"١.
تلك أهم تعاريف نقاد الغرب والعرب للمقال التي تحدد عناصره، وتوضح أفكاره، وتكشف عن سماته.
وفي الإمكان ان نستخلص
من التعاريف السابقة للمقال بأنه "نمط من التعبير الحر المصور لأحداث الحياة، وصور المجتمع، نتعرف به على ملامح كل جديد، وخصائص كل مبتكر، وسمات كل مستحدث من سياسة وأدب واجتماع ونقد وعلم في أقرب وقت، وبأقل جهد".
ومن ثم يكون المقال فنا نثريا، يقف بجانب القصة والأقصوصة والمسرحية والرسالة والخطية، ونظرا لأن الفنون الأدبية لا تنحصر في نطاق محدد، فقد أخذ المقال من السيرة والقصص رسم الشخصيات، ومن المسرحية الحوار، ومن القصيدة النفس الشعري.
العناصر التي يقوم المقال عليها:
يقوم المقال الفني على عناصر تكوِّن إطاره وهيكله العام وهي:
أولا: المادة:
هي المعارف والأفكار والآراء، وخلجات النفس والعواطف والوجدانيات، والتجارب المستفادة من البيئة أو النابعة من داخل النفس، والمعلومات المختلفة والحقائق المتعددة التي تزخر الحياة بها، وما خلقته الأجيال وسجله الجيل المعاصر في مختلف النواحي السياسية والعلمية والفلسفية.
يبعث هذا كله في نفس الأديب الانتباه، وينشأ عن طريق عقله وقلبه تيار متدفق من الصور الذهنية، التي تسترعي النفوس، وتلفت الأنظار.
стр. 57
الفصل الثالث: تنوع المقال
تعريفات النقاد للمقال:
يجد رجل الفكر لذة فائقة ومتعة نادرة، عندما يخلد إلى نفسه، ويقضي ساعات يتأمل خلالها فيما يحيط به، لا يحسها رجل الأعمال؛ لأن هدفه الأول الكسب المادي، أما رجل الفكر فإنه يجد في التجارب التي يتأملها ترويحا للنفس، إذا اجتاز مرحلة التأمل والاستيعاب إلى مرحلة التعمير والتصوير، كانت وسيلته الأولى هي المقال.
وعلى الرغم من أن المقال -اليوم- فن من فنون التعبير، لم يتفق النقاد في الغرب أو الشرق على تعريف جامع له. يعرفه "جونسون" فيقول: "نزوة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام، أو قطعة لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس كاتبها"، وليس الإنشاء المنظم في نظره من المقال الأدبي في شيء.
ويراه "موري" بأنه: "قطعة إنشائية ذات طول معتدل تدور حول موضوع معين أو حول جزء منه"، ثم مضى قائلا: "وكانت في الأصل تعني موضوعا يحتاج إلى مزيد تهذيب، ولكنها أصبحت الآن تطلق على أية قطعة إنشائية، يختلف أسلوبها بين الإيجاز والإسهاب ضمن مجالها الموضوعي المحدود".
ويذهب "آدمون جوس": "أنه قطعة إنشائية ذات طول معتدل، تكتب نثرا، وتلم بالماهر الخارجية للموضوع بطريقة سهلة سريعة، ولا تُعْنَى إلا بالناحية التي تمس الكاتب عن قرب".
стр. 58
أما نقاد العرب فقد وضعوا تعريفات على قدر فهم كل للمقال. فقال محمد عوض محمد: "إنه قطعة مؤلفة، متوسطة الطول، تكون عادة منثورة في أسلوب يمتاز بالسهولة والاستطراد، وتعالج موضوعا من الموضوعات وكأنها تعالجه -على وجه الخصوص- من ناحية تأثير الكاتب به"١.
وجاء في "فنون الأدب": "إنه في صميمه قصيدة وجدانية سيقت نثرا، لتتسع لما لا يتسع له الشعر المنظوم.. وأن الأسلوب الجيد في المقال يجب أن يكون ذاتيا لا يبنى على أساس عقلي، ولا يبسط حقائق موضوعية"٢.
ويقول محمد يوسف نجم: "إنه قطعة نثرية مدودة الطول والموضوع تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية من التكلف والرهق، وشرطه الأول أن يكون تعبيرا صادقا عن شخصية الكاتب"٣.
ويرى العقاد: "أنه يكتب على نمط المناجاة والأسمار وأحاديث الطرق بين الكاتب وقرائه، وأن يكون فيه لون من ألوان الثرثرة أو الإفضاء بالتجارب الخاصة والأذواق الشخصية"٤.
وتراه الباحثة نعمات أحمد فؤاد: "أنه كلام ليس المقصود به العمق والتركيز، وهو في مدلوله الحديث ثرثرة بليغة محببة بيد أصحابها، ولا يعرف كيف ينتهي"٥، أو "أنه لا يستوفي الحقائق كلها، وإنما يختار كاتب المقال جوانب من الموضوع الذي يطرقه للبحث والنظر، ويسلط عليه أضواء فكره، ويلونها بلون شخصيته، وهو في هذا العرض على مدى قدرته الفنية.. بل يستلزم كذلك القدرة على انتقاء المواد المناسبة، وإنماء الفكرة، وتحديد الهدف.. والمقال قبل كل شيء عمل فني يستدعي
стр. 59
ويشترط في عرض مادة المقال أن تكون واضحة لا تناقض فيها، بحيث تؤدي إلى نتيجة معقولة، وإفادة كاملة.
ثانيا: الأفكار
هي الحقائق التي يستخدمها الكاتب في مقاله، ومنها يبني عمله، وبها يلجأ إلى إيقاظ العواطف وتأجج
المشاعر. ولذا يلزمه أن يكون ملما بشئون الحياة وأحوال الكون، ونزعات النفس، وخلجات الفؤاد، وطبائع الناس، وما يدور في المجتمع من عادات وتقاليد وقيم. وكلما كان الكاتب واسع التجارب، محيطا بالمعارف العامة، والقضايا الفكرية أو النظريات المعروفة يكون إنتاجه نافعا، وله قوته وتأثيره، ولا سيما إذا توفر فيه الوضوح والدقة، واقترن بوجدان عميق، وخيال مرهف، وأداء حسن، وأسلوب رفيع، ويشترط في الأفكار ترتيبها وتسلسلها، ويجب أن تكون كل فكرة نتيجة لما بعدها، ومقدمة لما بعدها، حتى تنتهي كلها إلى غاية مطلوبة وهدف معلوم.
ثالثا: الأسلوب
حين يفكر الكاتب في التعبير عن فكرة تعين له، أو رأي يشغله، أو قصد يتجه إليه، يكون أمام تيار متدفق من المعاني أو الحقائق أو الخواطر أو الوجدانيات والعواطف التي تجيش في نفسه، وتسبح جزئياتها في عقله وقلبه. ولا وسيلة له سوى الأسلوب في جمع هذه الجزئيات وتنظيمها ونقلها إلى القارئ أو السامع.
وبذلك يكون الأسلوب الغالب الذي يصور الأديب فيه أفكاره وخواطره وعاطفته، والمنهاج الذي يفصح به عما في نفسه، والطابع الذي تطبع به كتابته، ويتسم به إنتاجه. ويشترط فيه أن يكون سهلا ودقيقا في عرض المقال الموضوعي، غنيا بالصور الجذابة، والعبارات العذبة في المقال الذاتي.
الخطة التي يتألف المقال منها:
يتألف المقال من خطة تحكم عناصره، وتنسق مادته، وتربط أفكاره
стр. 60
بعضها ببعض، وتوائم بين حقائقه في أسلوب رائق، وتعبير فائق.
وتعتمد هذه الخطة على أمور ثلاثة هي:
أولا: المقدمة
تتألف من معارف ومسلمات لا ينكرها القراء أو يعترضون عليها، والغرض منها التمهيد للموضوع الذي يتناول، حتى تتهيأ النفوس لتقبله. ويجب أن تكون موجزة وفيها جدة، وتلائم موضوعها كيفا وكما، وتتصل به اتصالا مباشرا، مع ضرورة أن تصاغ بألفاظ سهلة جذابة، وعبارات فخمة، ومعان واضحة، تشوق القارئ، وتنشط فكره، فلا يلحقه سأم، أو يصيبه فتور قبل أن يأتي الموضوع.
ثانيا: العرض
يلي المقدمة، ويشتمل على عناصر الموضوع الرئيسية التي يسعى الكاتب إلى شرحها لقرائه، ولا بد فيه من وحدة الموضوع؛ لأن تعدده يشتت جهد الكاتب والقارئ معا، فتضيع فرصة التركيز عليهما، ويضعف الأمل في الاقتناع والتأثير. ويلزم في العرض ترتيب أجزاء الموضوع، بحيث يتصل كل جزء بما قبله، ويمهد لما بعده، مع توفر الدقة والوضوح، ويأتي مقتنعا ومقبولا وواقعيا مؤيدا بالبراهين، ومدعما بالحجج، وبذا يتيح فرصة الفهم، ولذة التتبع لدى السامعين التي تنتهي بتحقيق الغرض المنشود.
ثالثا: الخاتمة
هي الثمرة المرجوة والنتيجة التي وصل الكاتب إليها بناء على براهينه التي أوردها في موضوعه. وتبدو أهمية الخاتمة حين يطول الكلام في الموضوع، فتكون بمثابة تلخيص له، ولها أهمية أخرى في أنها نهاية قول الكاتب، وآخر ما يطرق آذان القراء، فتكون الفرصة الأخيرة لاجتذاب العواطف، وتعمق المعنى في الأذهان، ولا يتم ذلك إلا بتوفر الدقة والإيجاز، والاكتفاء بأهم ما تناولته، بحيث تكون قصيرة وقوية وصدى لما تقدم في الموضوع.
стр. 61
ويحدثنا أحمد الشايب عن الخطة التي يتألف المقال منها فيقول: "أما خطة المقالة فهي أسلوبها المعنوي من حيث تقسيمه وترتيبه لتكون قضاياه متواصلة، بحيث تكون كل قضية نتيجة لما قبلها، مقدمة لما بعدها، حتى تنتهي إلى الغاية المقصودة. وهذه الخطة تقوم على المقدمة والعرض والختام. فالمقدمة تتألف من معارف مسلم بها لدى القراء، قصيرة متصلة بالموضوع، معينة على ما تعد النفس له، وما تثير فيها من معارف تتصل به، والعرض -أو صلب الموضوع- هو النقط الرئيسية أو الطريقة التي يؤديها الكاتب سواء انتهت إلى نتيجة واحدة، أم إلى عدة نتائج هي في الواقع متصلة معا، وخاصة لفكرة رئيسية واحدة، ويكون العرض منطقيا مقدما الأهم على المهم، مؤيدا بالبراهين، قصير القصص أو الوصف أو الاقتباس، متجها إلى الخاتمة لأنها منارة الذي يقصده. والخاتمة هي ثمرة المقالة وعندها يكون السكوت، فلا بد أن تكون نتيجة طبيعية للمقدمة والعرض، واضحة صريحة، ملخصة للعناصر الرئيسية المراد إثباتها، جازمة تدل على اقتناع ويقين، لا تحتاج إلى شيء آخر لم يرد في المقالة"١.
والمثال الحي على الخطة المحكمة والعناصر المترابطة للمقال، ما كتبته "ملك عبد العزيز" عن "قضية الشعر الجديد"، فقد لمحت الكاتبة في المقدمة إلى موقف "شيوخ الأدباء" من الجيل اللاحق بهم، ثم نجدا في العرض تحلل تعصب هؤلاء الأدباء للقديم وتجاهلهم تطورات العصر. ثم أشارت إلى متطلبات العصر التي يجب أن يحس الأدباء بها، وهذا ما أغفله الأدباء المتعصبون للقديم، وتمضي الكاتبة في توضيح الأساليب التي سلكها الشعراء المجددون مستعينة بالأدلة والبراهين، فذكرت أن هناك "النغم العاصف العتي" و"النغم العذب الرقيق" و"النغم الوادع المهموس".
وتختم الكاتبة مقالها قائلة: "وأخيرا فللشعر الجديد روائعه وسقطاته،
стр. 62
أولًا: المقال بالنسبة لموقف الكاتب
المقال الذاتي
...
أولا: المقال بالنسبة لموقف الكاتب
يكون المقال بالنسبة لموقف الكاتب ذاتيا أو موضوعيا، وقد يكون موضوعيا ذاتيا، ويفرق بينهما بأن المقال الذاتي تبدو فيه شخصية الكاتب واضحة، ويفيض أسلوبه بالعاطفة، ويستند إلى الصور الخيالية، الصفة البديعية، ويزخر بالألفاظ القوية، والكلمات الجزلة. أما المقال الموضوعي فالكاتب فيه يجلو موضوعا معينا، ويقوم على تصميم محكم، وتنسيق بديع، ويخلو أسلوبه من الحشو والاستطراد، ويعتمد على المصطلحات مع ضرورة المحافظة على بنائه القائم على المقدمات والعرض والنتائج.
أ- المقال الذاتي:
هو المعبر عن عواطف الكاتب، والمصدر لانفعالاته الصادقة عن ذات نفسه أمام خاطرة عابرة، أو مشهد مؤثر، أو حدث وقع. وتبرز شخصيته من خلال أفكاره الممزوجة بمشاعره المتأججة، معبرا عنها بأسلوب رائق، ولفظ فائق، وخيال خصب، وبيان رائع، ومعان دقيقة. وأنواعه هي:
١- المقال الشخصي:
هو المعبر عن تجارب الكاتب الخاصة، وانعكاسات الحياة في نفسه.
стр. 63
وهو لون من الحديث الشخصي، والمسامرة اللطيفة، ويمتاز بتألق الفكاهة، ووضوح السخرية التي تكشف عن اتجاهات الكاتب وألوان شخصيته. وأبرز كتاب هذا اللون: محمد السباعي، وابراهيم عبد القادر المازني، وأحمد أمين، ومي زيادة، وميخائيل نعيمة.
٢- المقال الاجتماعي:
يعالج مشكلة من المشاكل الاجتماعية، وينقد العادات السيئة، والتقاليد الضارة، وينفر مما هو ضار، ويرغب في النافع المفيد. ودور الكتاب فيه المشاركة فيما يدور حولهم على طريقة تقوم على الملاحظة الدقيقة، والعمق والتأمل فيما يحيط بهم، والاتزان في الحكم، والبراعة في التهكم والسخرية، من العادات التي تضر بالمجتمع. وأشهر كتابه: جمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، وقاسم أمين، ومصطفى لطفي المنفلوطي.
٣- المقال الوصفي:
الذي يصور البيئة المكانية التي عاشها الكاتب تصويرا ينم عن إحساس عميق، وبصر نافذ، وإدراك واعٍ، مع دقة الملاحظة والتعاطف مع الطبيعة والوصف الحي الذي ينقل أحاسيس الكاتب ومظاهر الطبيعة، كما تتراءى في نفسه بصدق وأمانة وإخلاص. ويمثل هذا اللون في ادبنا: "وحي البحر" و"بجوار شجرة الورد" و"مع الطير" لأحمد أمين١ و"الصخور" لميخائيل نعيمه٢ و"مجال الطبيعة" للعقاد٣ و"الربيع" للرافعي٤.
٤- المقال الانطباعي:
هو الذي يصور انطباعات الكاتب عن أناس عاش معهم، أو حيوانات
стр. 64
وقع نظره عليها، أو مشاهد اكتشفها، أو تأثر بعالم جديد لم يؤلف. وهذا اللون من الكتابة يحتاج لعقل مرن سريع التأثر والتكيف والاستجابة بما يعن له حتى يدرك المعاني التي تكمن وراء ما تقع عينه عليه. وأمثلة هذا اللون عديدة في أدبنا المعاصر مثل: "رحلة" لأحمد أمين١ و"في الزورق" للعقاد٢ و"رغيف وإبريق ماء" و"غدا تنتهي الحرب" لميخائيل نعيمة٣.
٥- مقال السيرة:
يترجم الكاتب فيه سيرة إنسان حي، ويعكس مدى تأثره به وانطباعه عنه. والكاتب يه يعتمد على حسن التنسيق، وجلال التعبير حتى تبدو الشخصية الموصوفة كأنها تحدثنا، فتعجب بها إذا راقتنا، وتنفر منها إذا ساءتنا. ومن أمثلة هذا اللون في أدبنا: "شخصية عرفتها" و"الشيخ مصطفى عبد الرازق" لأحمد أمين٤ و"حافظ" للبشري٥ و"قاسم أمين الفنان" للعقاد٦ و"العقاد والمازني" لتيمور٧.
٦- المقال التأملي:
الذي يصور مشكلات الحياة الخفية، ويكشف أسرار الكون الدقيقة، ويعلل فوازع النفس البشرية، بحيث لا يلتزم الكاتب فيه بنهج الفلسفة ونظامها المنطقي. ويمثل هذا اللون في أدبنا "ميخائيل نعيمة" في كتاباته التي تكشف عن روح الشرق، وتنبه إلى خصائصه الروحية والفكرية.
стр. 65
ومقالاته في "البيادر" تعكس هذه المعاني١.
ومقالات المرحوم أحمد أمين مثل: "فلسفة المصائب" و"نظرة في الكون و"الحظ"٢.
٧- المقال الساخر:
هو الذي يعتمد على التصوير الكاريكاتيري، ويقوم على التحليل والتوليد، ويظل كاتبه يقلب الصور ويخرجها واحدة بعد أخرى في أشكال متباينة، وأوضاع مختلفة حتى تتناول المعاني التي يمكن أن يحتملها المقام. وأبرز كتابه: عبد الله النديم، وحسين شفيق المصري، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعبد العزيز البشري، وثروت أباظة.
٨- المقال الإذاعي:
الذي يقوم على تقديم البرامج والمشاهد والأحداث والمواقف. يخاطب به جموع الشعب على اختلاف مستوياته من خلال وسائل الإعلام. عرف هذا اللون بعد ظهور الإذاعة والجهاز الرائي "التليفزيون" إلى الوجود. ويشترط فيه أن يكون قصيرا يحمل من المعاني أكثر ما يحمل من الألفاظ، من غير عمق وإيفال في صياغة المعنى. ويتناول العديد من فنون النثر بعبارة ميسرة، وأسلوب واضح. ويشترك المذيعون على اختلاف أذواقهم وثقافاتهم في تقديم هذا النوع الذي أصبح مادة ضرورية للشعب. وهذا اللون يحتاج إلى قدرة في التعبير ومهارة في التصوير ليجذب المتحدث المستمعين إليه.
٩- المقال الإنشائي:
هو الذي يصور انطباع الكاتب تجاه حدث معين، أو شعوره إزاء موقف خاص، أو تأثره بسبب مشهد ما. وكاتبه يشبه الشاعر في كثير، ولا يبتعد عنه إلا في موسيقى الشعر المعروفة التي تجعل عمله قصيدة لا مقالا.
ويمثل هذا اللون ما تحفل صحف اليوم من مقالات تدور حول أحداث اجتماعية أو طائفية وغيرها مما يحفل المجتمع ويترك بصماته في ذهن الكاتب. وأبرز كتابه: أمين الرافعي، وسلامة موسى، ومحمد توفيق دياب، وغيرهم من رواد الصحافة في القديم، وفي الحاضرين أمثال: إبراهيم سعدة، وموسى صبري، وعبد الله عبد الباري، ومحسن محمد، وعلي حمدي الجمال، وغيرهم.
стр. 66
ب- المقال الموضوعي:
الذي يتجرد الكاتب فيه عن شخصيته، وتتوارى فيه عواطفه، ويعالج موضوعه معالجة تقوم على تقصي الأفكار، وتنسيق المادة المدروسة، وإبراز عناصرها، مستخدما الأسلوب المحدد الدقيق الذي يهتم بإبراز الفكرة وتوضيحها، مدعما بالأدلة والبراهين، وأنواعه هي:
١- المقال النقدي:
الذي يحلل مذهبا أدبيا تحليلا واعيا، أو ينقحه معتمدا في ذلك على النظريات الأدبية السائدة، وتتوقف قدرة الكاتب على تذوقه للعمل الأدبي، وتعليل الأحكام وتفسيرها. ويشترط فيه أن يكون ذا موضوع واحد، وتأتي أحكامه واضحة، ويتجرد الناقد خلاله من أحقاده، ويتوخى العدالة في أحكامه، وأن يكون عالما بالمثل العليا قبل التعرض لأي فكرة أو عاطفة أو أسلوب. وأبرز رجاله: العقاد، والمازني، وأحمد أمين، وطه حسين، والرافعي.
٢- المقال الفلسفي:
الذي يعرض شئون الفلسفة، ويحلل قضاياها، ويفسر غامضها بلغة الأدب وأسلوب الأدباء. وعلى الكاتب فيه أن يعرض مادته بكل دقة ووضوح حتى لا يضل القارئ في متاهات الموضوع. ومن أشهر رجاله: أحمد لطفي السيد، وعلي أدهم، وزكي نجيب محمود، وأحمد فؤاد الأهواني، وغيرهم ممن اهتموا بالكتابات الفلسفية في عصرنا الحاضر.
стр. 67
٣- المقال السياسي:
يتناول مشكلة حزبية، أو فكرة سياسية أو وطنية أو دولية، ويهاجم الاستعمار على اعتدائه على الحريات، ويبصر الجمهور بما يحيط ببلاده، ويستثيره للذود عن مقدساته بأسلوب سهل بعيد عن الزخرفة، ويعتمد فيه على إثارة العواطف. ومن أبرز كتابه: الشيخ علي ييوسف في صحيفة "المؤيد"، ومصطفى كامل في صحيفة "اللواء"، وتقرؤه اليوم في الأهرام لعبد الله عبد الباري وإبراهيم نافع، وفي الأخبار لإبراهيم سعدة، وعبد الحميد الكاتب، وغيرهم من الكتاب.
٤- المقال التاريخي:
الذي تناول عصرا مضى، أو ثورة سلفت، أو شخصية ولت، بلغة الأدب وطريقة الناثرين، لا بلغة التاريخ وأسلوب المؤرخين، ويعتمد الكاتب فيه على الحقائق والأخبار والروايات. وعلى الكاتب أن يربط بين حلقات الواقع بخياله حتى يخرج منها سلسلة متصلة دائمة. وأبرز كتابه: عبد القادر حمزة، وعبد الرحمن الرافعي، ومحمد أنيس، وغيرهم ممن يهتمون بالكتابات التاريخية على صفحات الصحف التي نطالعها اليوم.
٥- مقال العلوم الاجتماعية:
الذي يعرض شئون السياسة وأحوال المجتمع، ومشاكل الاقتصاد عرضا موضوعيا، يعتمد على الإحصائيات الدقيقة، والموازنات السليمة، والتحليلات الواعية. وأبرز كتابه: قاسم أمينن وملك حفني ناصف، وهدى شعراوي، ومنصور فهمي، وعلي عبد الواحد وافي، وعبد العزيز عزت، وأحمد زكي، وعبد المحسن صالح، وغيرهم مما تحفل مجلاتنا العربية بكتاباتهم الحية، وأدائهم الطيب، وأساليبهم الواضحة.
٦- المقال الصحفي:
يتناول الظروف السياسية القائمة، وما تتركه من مشكلات تحتاج لحل سريع ورأي حاسم. وتاريخ الأمة العربية الحديث والمعاصر مر بمشكلات سياسية داخلية وخارجية، تتطلب من رجال الصحافة تحليلها ومناقشتها على بساط البحث للعرض والاسنتناج. والكاتب فيه مقيد بموضوعات معينة لا تتجاوز أنهارا معينة. ويمتاز بالبساطة في التعبير؛ لأنه يمثل اللغة اليومية لعامة المثقفين، ويختلف طولا وقصرا، وتتعدد ألوانه بتعدد فنونه. ومن أبرز كتابه: محمد حسنين هيكل، ومحمد التابعي، وفكري أباظة، وأنيس منصور، ومحمد زكي عبد القادر، وعلي حمدي الجمال، وموسى صبري، وغيرهم ممن يعملون في صحف اليوم.
стр. 68
جـ- المقال الموضوعي الذاتي:
قد يجمع الكاتب في مقاله بين "الموضوعية والذاتية" بحيث تبدو فيه دقة العالم وخيال الأديب، كأن يعرض المسائل العلمية في أسلوب أدبي. وخير مثال له المقال الذي كتبه الشيخ عبد العزيز البشري عن "الشيخ سيد درويش" يقول:
"وبعد، فإن فن هذا الرجل فوق ما له من المقدرة الفائقة على الاقتباس والابتكار. ويمتاز بخلال أربع؛ أولها: القوة فلا خط في تلحينه للتفكك ولا للانخذال، وثانيها: البراعة في التصرف فهو ينتقل ببساطة من فن إلى فن، ويتحول به من نغم إلى نغم في اتساق وانسجام ... ".
إلى أن قال: "أما رابعة هذه الخلال فهي الذوق والذوق البارع النافذ، فما أن لحن سيد درويش حتى يكون المعنى شديدا، وقوي لحنه، ودعم ركنه، وشد بالصنعة متنه، فسمعت له قعقة النبال، إذا استمر القتال، أو مثل زئير الآساد إذا تحفزت الآساد".
فقد جمع البشري في مقاله بين الموضوعية والذاتية، ولم يلجأ إلى العاطفة، أو يعتمد على شعوره فقط، وإنما بسط الفكرة، وعالجها في هدوء واطمئنان، ومشى لغايته في ثقة وأمان بأسلوب منطقي هادئ.
стр. 69
ثانيًا: المقال بالنسبة لاسلوب الكاتب
المقال الأدبي
...
ثانيا: المقال بالنسبة لأسلوب الكاتب
قد يعتمد الكاتب في أسلوبه على جلال التعبير، وجمال التصوير، وعذوبة الألفاظ، وخصوبة الخيال فيما يصور أو يعبر. وقد يؤثر الأسلوب الذي يقوم على سرد الحقائق والتدليل عليها، وتحديد المفاهيم بدقة ووضوح وبعد عن المشاعر والعاطف. ومن ثم جاء المقال بالنسبة لأسلوب الكاتب نوعين: أدبي وعلمي.
١- المقال الأدبي:
الذي يدرس شخصية أو ظاهرة أو اتجاها أو أثرا في الأدب والنقد، أو يتناول الفنون الجميلة والنظريات الفلسفية الاجتماعية التي ترسم خطى المثل العليا: الخير والحق والجمال. ويتميز بأسلوب كاتبه وانطباعاته وتجاربه الوجدانية والنفسية، وخلوه من عيوب الأداء اللغوي. وأبرز رجاله: مصطفى لطفي المنفلوطي، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، ومي زيادة، وطه حسين، وغيرهم.
يصف محمد إبراهيم المويلحي الأهرام فيقول: "ولما وقفت بنا الركاب في ساحة الأهرام، وقفنا هناك موقف الإجلال والإعظام، قبالة ذلك العام الذي يطاول الروابي والأعلام، والهضبة التي تعلو الهضاب والآكام، والبنية التي تشرف على رضوى وشمام، وتبلى ببقائها جدة الليالي والأيام، وتطوى تحت ظلالها أقوام بعد أقوام، وتفنى بدوامها أعمار السنين والأعوام، خلقت ثياب الدهر وهي لا تزال في ثوبها القشيب، وشابت القرون وأخطأ قرنها وخط المشيب، ما برحت ثانية تناطح مواقع النجوم، وتسخر بثواقب الشهب والرجوم"١.
فقد أبرز المويلحي حقائق، وكشف عما فيها من جمال أو عظة أو تأثير، وخلع عليها من ذوب نفسه ما يثير النفوس إعجابا أو سخطا، وهذا قوام أسلوب المقال الأدبي.
стр. 70
٢- المقال العلمي:
الذي يعرض نظرية من نظريات العلم، أو مشكلة من مشكلاته عرضا موضوعيا صرفا، بأسلوب يتميز بالدقة في تحديد المفاهيم، ويعتمد على الأدلة والبراهين والحجج القاطعة، ويدعم في الغالب بالأرقام والإحصائيات والشواهد والتجارب. ويمتاز بالوضوح والاستقصاء، والدخول في الموضوع مباشرة، ووضع المصطلح العلمي في المكان اللائق به. وأبرز رجاله: يعقوب صروف، وفؤاد صروف، وأحمد زكي، وغيرهم ممن برزوا في هذا المجال.
واقرأ نصا آخر في وصف الأهرام: "كان القصد من بناء الأهرام إيجاد مكان حصين خفي يوضع فيه تابوت الملك بعد مماته، ولذلك شيدوا الهرم الأكبر، وجعلوا فيه أسرابا خفية زلقة صعبة الولوج لضيقها، وانخفاض سقفها وأقلاسها حتى لا يتسنى لأحد الوصول إلى المخدع الذي به التابوت، ومن أجل ذلك أيضا سد مدخل الهرم بحجر هائل متحرك، ولا يعرف سر تحريكه إلا الكهنة والحراس، ووضعت أمثال هذا الحجر على مسافات متتابعة في الأسراب المذكورة. وبهذه الطريقة بقي المدخل ومنافذ تلك الأسراب مجهولة أجيالا من الزمان. وبعد الهرم الأكبر من عجائب الدنيا، قرر المهندسون والمؤرخون أن بناءه يشمل ٢.٣٠٠.٠٠٠ حجر متوسط وزن الحجر منها طنان ونصف طن، وكان يشتغل في بناء الهرم مائة ألف رجل يستبدل بهم غيرهم كل ثلاثة أشهر، وقد استغرق بناؤه عشرين عاما. وجميع هذا الهرم شيد من الحجر الجيري الصلب ما عدا المخدع الأكبر فإنه من الصخر المحبب، وكأن الهرم مغطى بطبقة من الجرانيت فوقها أخرى من الحجر الجيري المصقول، ووضع الملاط بين الأحجار في غاية الدقة حتى كان الناظر إلى الهرم يكاد يظنه صخرة واحدة"١.
فقد اختار الكاتب الحقائق لأهميتها في الحديث عن الأهرام، ورتبها بطريقة منظمة، فذكر سبب البناء، ثم أخذ يفصل الأفكار التي تتصل بالبناء اتصالا مباشرا، وعبر عن ذلك كله بعبارة سهلة دون طغيان شخصية الكاتب فيه.
стр. 71
من هذا يتبين لك أن بين الأسلوبين فرقا واضحا في الصياغة والهدف. وتأمل قول أحمد شوقي في "الأهرام" يقول:
"ما أنت يا أهرام؟ أشواهق أجرام، أم شواهد أجرام؟ وأوضاع معالم أم أشياح مظالم؟ وجلائل أبنية وآثار، أم دلائل أنانية واستئثار؟ وتمثال منصب من الجيرية أم مثال صاح من العبقرية؟ يا كليل البصر عن مواضع العبر، قليل من البصر بمواقع الآثار الكبر. قف ناج الأحجار الدوارس، وتعلم فإن الآثار مدارس، هذه الحجارة حجور لعب عليها الأول، وهذه الصفائح صفائح ممالك ودول، وذلك الركام من الرمال غبار أحداج وإهمال، من كل ركب ألم ثم مال. في هذا الحرم درج عيسى صبيا، ووقعت بين يديه الكواكب جثيا، وهاهنا جلال الخلق وثبوته، ونفاذ العقل وجبروته، ومطالع الفن وبيوته. ومن هنا نتعلم أن حسن الثناء مرهون بإحسان البناء"١.
فقد عرض أحمد شوقي المعنى الواحد في صور مختلفة، تمثل الجلال والعظمة، ثم نجده يعرض فكرة الضخامة مرة في صورة علم، ومرة في صورة هضبة، وثالثة فوق الجبال والهضاب، كذلك عالج أحمد شوقي فكرة الخلود، فصورها في عدة صور.
стр. 72
الفصل الرابع: المقال والكتب
منذ الثلث الأخير من القرن الماضي، والبلاد تشهد أحداثا جلية في السياسة والفكر، ونمط الحياة ومقاييس الأدب، وقيم الأخلاق، والاتجاه الثوري، وشيوع ما استقر الفكر الغربي عليه من مثل عليا في شئون الشعر والأدب والفلسفة، ومن نظريات عميقة في الكون والحياة. وانطلق الكتاب يسجلون في الصحف اليومية والمجلات الدورية أروع الصفحات وأبلغها في الأدب والتاريخ والدعوة إلى التحرر من الجهل والفقر والمرض، تدفعهم غايات حميدة في العناية بدراسات أدبية شتى، وإنتاج فني رائع في مختلف فنون الأدب.
ومن ثم بلغ المقال قمته، وتنوعت ألوانه، نتيجة للتقدم الثقافي والوعي الاجتماعي، والنضوج الصحفي، والازدهار الأدبي، ومنافسة الصحف والمجلات في جذب اللامعين من الكتاب لكسب عدد كبير من القراء.
ونظرا لأن معظم الناس لا يقرءون ما تذيعه الصحف، وتنشره المجلات، والذي يقرأ ينسى -لطول العهد وبعد الزمن- لزم نشر ما كتب منجما، وجمع ما أذيع مفرقا حتى تشعر الأجيال الناشئة بوجوده، لا سيما الذين يفتحون عقولهم للعلم، وقلوبهم للأدب، وأفئدتهم للفن، وإلا ظل ما دبجته الأقلام مجهولا من المثقفين، ومطويا عن المستنيرين، وبعيدا عما كانوا في دور الطفولة وقت إذاعته ونشره.
وشهدت فترة ما بين الحربين العالميتين ظهور كتب جديدة، تنسب لكبار الأدباء كانت في الأصل مقالات، سنحاول خلال هذا الفصل التعرف عليها
стр. 73
والإشارة إليها، حتى تكون على بينة منها، وها هي أشهر الكتب التي كانت -في الأصل- مقالات، وتتداول اليوم في مجتمع المثقفين في شتى بلاد العروبة.
١- كنز الرغائب في منتخبات الجوائب:
مجموعة من مقالات كتبها أحمد فارس الشدياق في "الجوانب"١ منذ إنشائها ١٨٦٠، تناولت موضوعات مختلفة، وأغراضا متنوعة، ومعانٍ متباينة، ومقاصد شتى. توضح آراء الشدياق في مجالات عديدة. ومقالات الكتاب تمثل الجهد الضخم الذي بذله الرجل في مجال اللغة والأدب والسياسة والاجتماع، وأحوال الممالك الإسلامية من تولية وعزل ووفاة وإنشاء وقوانين. وتقع مقالات الكتاب في أربعة أجزاء تمثل ألوان الفكرة خلال عصره.
٢- كنز الرغائب في منتخبات الجوائب:
يضم هذا الكتاب تسعة عشر مقالا، نشرت بجريدة "المؤيد" في الفترة من ١٨٩٥-١٨٩٨ لقاسم أمين، تحت هذا العنوان. السبع الأولى منها تدور حول المال وعدم مبالاة المصريين بأحوالهم وانصرافهم عن المغامرة والقناعة باليسير حتى حل الفقر ديارهم، وتدعو إلى المغامرة في كل شيء عملا بحديث رسول الله ﷺ : "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا".
والسبع الثانية تدور حول التربية السليمة، وترد الكسل العقلي لسوء
стр. 74
معاملة بعض الحكومات للمواطنين حتى قتلوا فيهم ملكة الإقدام على العمل، وتكرار القصص التي وضعها الحكام لتسلية الفقراء حتى خارت قواهم.
والخمس الأخيرة قصرها على مشاكل "الموظف والوظيفة والتوظف" في عصر كان التسابق فيه على العمل "الميري" ظاهرة سلبية تحول بين خبرة الشباب، وبين العمل المنتج، وتنفي في الشباب أخلاقيات التواكل والارتزاق. وعن الجملة تعالج مقالات الكتاب عددا من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي تهم دعاة الإصلاح.
٣- تحرير المرأة:
مجموعة من المقالات، نشرها قاسم أمين بصحيفة "المؤيد"، تضمنت دعوته الجرية لإنصاف المرأة حتى تؤدي وظيفتها الاجتماعية على خير وجه، معتبرا الحجاب أصلا من أصول الأدب بشرط مطابقته لما جاءت الشريعة الإسلامية به، لا ما يتعارف الناس عليه من مغالاة ومبالغة. وتكشف مقالات الكتاب عن انتشار المعارف والشعور بالروابط الوطنية، واستغلال الغرب لثروات البلاد، واستعداد الأمة للنضال في همة وعزيمة، ورصد ما يطرأ على المسلمين من جهل وتأخر، وما وقع من بعض العلماء فيه من جمود في التفكير، وإغراق في التقليد، وانحراف عن مناهج الدرس الصحيح.
وتبرز مقالات الكتاب مزايا التربية الاستقلالية في أوربا، وما وصلت المرأة العربية إليه من تقدم في مشاركتها الرجل في كل مناحي الحياة، ومختلف العلوم، وشتى الفنون، كما عالجت شئون الأسرة ونظام تعدد الزوجات في التاريخ، وربطت إصلاح المرأة المصرية بالعادات والمعاملة والتربية الصحيحة.
ولقد أحدثت مقالات الكتاب جدلا عنيفا حول حقوق المرأة لا تزال حتى اليوم، ووقف الشعراء منها بين مؤيد ومعارض ومعتدل، وطبعت في كتاب ١٨٩٨.
стр. 75
٤- حديث عيسى بن هشام:
هو في الأصل مقالات نشرها محمد إبراهيم المويلحي على صفحات جريدة "مصباح الشرق" اعتبارا من السابع عشر من نوفمبر ١٨٩٨. تناول فيها أعيان القرن الماضي، والمحامي الشرعي وفساده، ووزارة الأوقاف وتأسيسها، والمحكمة الشرعية ومناقضاتها، والطب والأطباء، وتفشي الأمراض وطرق العلاج منها لدى العامة والخاصة، والأزهر ورجاله، التجار والموظفين وعيوبهم، وأبناء الأسر الحاكمة والفراغ الذي يعيشونه واستقلال الأجانب لهم، وحفلات العرس في قرى ومدن مصر، وما فيها من بدع وتقاليد أجنبية، والمدنية الغربية ومساوئها.
ومقالات الكتاب تكشف عن سعة اطلاع صاحبه على الأدب العربي، وتأثره بالأدب القديم، مما جعله يتبع أسلوب المقامات، ثم طوره بما يلائم روح العصر بعد تأثره بالثقافة الفرنسية.
٥- علاج النفس:
مجموعة من المقالات، نشرها محمد إبراهيم المويلحي في "مصباح الشرق" تمثل نشاطه الصحفي الذي استمر حتى قبيل وفاته بأسابيع. تناول فيها الفلسفة والغضب وسعادة الحياة وكدر النفس، وغير ذلك من المقالات الشائعة الحافلة بالحكمة والنظرة السديدة. ومن أطرف ما تناوله المويلحي موضوع "الغضب" فرآه يفتح أبواب السجون، وينصب أعواد المشانق، ويضرم نار الحرب، ويقهر العقل، ويقطع أواصر الغربي، ويقصم عرى المودة.
ويصف مظاهر الغضب في النفوس، فيروي غضب أحد ملوك اليونان من البحر عندما هاج واضطرب وتأخرت سفنه، وأقسم بإلقاء الجبال فيه حتى يصير أرضا، ووقف يهدد الأمواج ويزجرها، وهذا لون طريف، ينشأ من الترف والنعمة. وتدور مقالات الكتاب حول تهذيب النفس ورياضتها، وحثها على الأخذ بالأخلاق الفاضلة، والتربية القويمة، وهي