فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم به.
قوله: "يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي، فضلا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي، عدلا".
ش: هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، وهي مسألة الهدى والضلال. قالت المعتزلة: الهدى من الله: بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالا، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه، وهذا مبني على أصلهم الفاسد؛ أن أفعال العباد مخلوقة لهم. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة القصص: ٥٦]، ولو كان الهدى بيان الطريق، لما صح هذا النفي عن نبيه، لأنه ﷺ بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [سورة السجدة: ١٣]، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة المدثر: ٣١]. ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عام في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِين﴾ [الصافات: ٥٧]. وقوله ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الأنعام: ٣٩]
قوله: "وكلهم يتقلبون في مشيئته، بين فضله وعدله".
ش: فإنهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [سورة التغابن: ٢]، فمن هداه إلى الإيمان فبفضله، وله الحمد، ومن أضله فبعدله، وله الحمد، وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح، إن شاء الله تعالى، فإن الشيخ ﵀ لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد، بل فرقه، فأتيت به على ترتيبه.
قوله: "وهو متعال عن الأضداد والأنداد".
ش: الضد: المخالف، والند: المثل. فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص: ٤]. ويشير الشيخ ﵀ -بنفي الضد والند- إلى الرد على المعتزلة، في زعمهم أن العبد يخلق فعله.
стр. 142
قوله: "لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره".
ش: أي: لا يرد قضاء الله راد، ولا يعقب، أي لا يؤخر حكمه مؤخر، ولا يغلب أمره غالب، بل هو الله الواحد القهار.
قوله: "آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًّا من عنده".
ش: أما الإيمان فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. والإيقان: الاستقرار، من قر الماء في الحوض إذا استقر، والتنوين في "كلا" بدل الإضافة (١)، أي: كل كائن محدث من عند الله، أي: بقضائه وقدره [وإرادته] ومشيئته وتكوينه، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
стр. 143
وجوب الإيمان بنبوة الرسول ﷺ ورسالته:
قوله: "وإن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى".
ش: الاصطفاء والاجتباء والارتضاء: متقارب المعنى. واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى. وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، وأن الخروج عنها أكمل، فهو [من] أجهل الخلق وأضلهم، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وذكر الله نبيه ﷺ باسم العبد في أشرف المقامات، فقال في ذكر الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: ١]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [سورة الجن: ١٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [سورة النجم: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣]. وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة. ولذلك يقول المسيح ﵇ يوم القيامة، إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء ﵈: "اذهبوا إلى محمد، عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" (١). فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى.
стр. 144
وقوله: "وإن محمدا" بكسر الهمزة، عطفا على قوله: "إن الله واحد لا شريك له". لأن الكل معمول القول، أعني: قوله "نقول في توحيد الله".
والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر، تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، لكن كثيرا منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا (١) ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر، ونحو ذلك.
ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما والتمييز (٢) بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوة النبوة؟ وما أحسن ما قال حسان ﵁:
لو لم يكن فيه آيات مبينة … كانت بديهته تأتيك بالخبر
وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور، ولا بد أن يفعل أمورا [يبين بها صدقه]. والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة. والصادق ضده، بل كل شخصين ادعيا أمرا: أحدهما صادق والآخر كاذب لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة، إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، [وإن] البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق [ويتحرى الصدق]، ح تى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال
стр. 145
الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا" (١). ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ، وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٦]. فالكهان ونحوهم، وإن كانوا أحيانا يخبرون بشيء من المغيبات، ويكون صدقا، فمعهم من الكذب والفجور ما يبين (٢) أن الذي يخبرون به ليس عن ملك، وليسوا بأنبياء (٣)، ولهذا لما قال النبي ﷺ لابن صياد: "قد خبأت لك خبأ"، فقال: [هو] الدخ"، قال له النبي ﷺ : "اخسأ، فلن تعدو قدرك" (٤) يعني: إنما أنت كاهن. وقد قال للنبي ﷺ : "يأتيني صادق وكاذب" (٥). وقال: "أرى عرشا على الماء" (٦)، وذلك هو عرش الشيطان وبين أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي: الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضرا له في العاقبة.
стр. 146
فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله (١)، علم علما يقينا أنه ليس بشاعر ولا كاهن.
والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة، حتى في المدعي للصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك، والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟ ولا ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة، قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم ضروري، كما يعرف الرجل رضى الرجل وحبه [وبغضه] وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفسه، بأمور تظهر على وجهه، قد لا يمكن التعبير عنها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [سورة محمد: ٣٠] ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد: ٣٠]. وقد قيل: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفات وجهه وفلتات لسانه. فإذا كان صدق المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من القرائن، فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله، كيف يخفى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة؟
ولهذا لما كانت خديجة ﵂ تعلم من النبي ﷺ أنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: "إني قد خشيت على نفسي" (٢)، فقالت: كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب
стр. 147
الحق (١). فهو لم يخف من تعمد الكذب، فهو يعلم من نفسه ﷺ أنه لم يكذب، وإنما خاف أن يكون [قد] عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وقد علم من سنة الله أن من جبله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة، فإنه لا يخزيه.
وكذلك قال النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرءوا عليه: "إن هذا والذي جاء به موسى ﵇ ليخرج من مشكاة واحدة" (٢). وكذلك ورقة ابن نوفل، لما أخبره النبي ﷺ بما رآه، وكان ورقة [قد] تنصر، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة: "أي عم! اسمع من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي ﷺ بما رأى فقال: هذا [هو] الناموس الذي كان يأتي موسى" (٣).
وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي ﷺ لما كتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي ﷺ ، فسأل أبا سفيان، وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الأخبار، سألهم: هل كان في آبائه من ملك؟ فقالوا: لا، قال: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا، وسألهم: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: نعم، وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما جربنا عليه كذبا، وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه؟ وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم: هل يرجع
стр. 148
أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا، وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم، وسألهم عن الحرب بينهم وبينه؟ فقالوا: يدال علينا مرة وندال عليه أخرى، وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر، وسألهم: بماذا يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. وهذه أكثر من عشر مسائل، ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة، فقال: سألتكم هل كان في آبائه من ملك؟ فقلتم: لا، قلت: لو كان في آبائه [من] ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتكم هل قال هذا القول [فيكم] أحد قبله؟ فقلتم: لا، فقلت: لو قال هذا القول أحد [قبله] لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتكم هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم: لا، فقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله تعالى، وسألتكم أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل، يعني في أول أمرهم، ثم قال: وسألتكم هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلتم، بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقلتم: لا، وكذلك الإيمان، إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد (١).
وهذا من أعظم علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج إلا قليلا ثم ينكشف.
وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول، وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم هل يغدر؟ فقلتم: لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في الأنبياء
стр. 149
والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء، لينالوا درجة الشكر والصبر (١).
كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له" (٢).
والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، الآيات. وقال تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، الآيات. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه وحكمته التي بهرت العقول.
قال: وسألتكم عما يأمر به؟ فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، وينهكم عما كان يعبد آباؤكم، وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيا يبعث، ولم أكن أظنه منكم، ولوددت أني أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب، وهو حينئذ كافر من أشد الناس بغضا وعداوة للنبي ﷺ ، قال أبو سفيان بن حرب: فقلت (٣) لأصحابي ونحن خروج، لقد أمِر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليعظمه ملك بني الأصفر، وما زلت موقنا بأن أمر النبي ﷺ سيظهر، حتى أدخل الله عليّ الإسلام وأنا كاره.
стр. 150
ومما ينبغي أن يعرف: أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور، قد لا يستقل بعضها به، بل ما يحصل للإنسان من شبع وري (١) وشكر وفرح وغم فأمور مجتمعة، لا يحصل ببعضها (٢)، لكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر (٣).
وكذلك العلم بخبر من الأخبار، فإن خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن، ثم الآخر يقويه، إلى أن ينتهي إلى العلم، حتى يتزايد ويقوى، وكذلك الأدلة على الصدق والكذب ونحو ذلك.
وأيضا: فإن الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة، كثبوت الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده، ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبيا بعد نبي، في سورة الشعراء، كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده، يقول في آخر كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
وبالجملة: فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول: إنه رسول الله، وأن أقواما اتبعوهم، وأن أقواما خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقب أعداءهم، هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها. ونقل أخبار هذه الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار من مضى من الأمم من ملوك الفرس وعلماء الطب، كبقراط وجالينوس وبطليموس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأتباعه.
ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم، علمنا يقينا أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة: منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم، إذا عرف الوجه الذي حصل عليه، كغرق فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم، عرف صدق الرسل. ومنها: أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه
стр. 151
لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من المصلحة والرحمة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق.
ولذكر دلائل نبوة محمد ﷺ من المعجزات وبسطها موضع آخر، وقد أفردها الناس بمصنفات، كالبيهقي وغيره.
بل إنكار رسالته ﷺ طعن في الرب ﵎، ونسبة له إلى الظلم والسفه، تعالى الله عن ذلك (١) علوا كبيرا، بل جحد للرب بالكلية وإنكار.
وبيان ذلك: أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق، بل ملك ظالم، فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل (٢) ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباع الرسل [وهم] أهل الحق، ويسبي نساءهم ويغنم أموالهم وذراريهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض، وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده وهو يفعل بأهل الحق، وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثا وعشرين سنة، وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره، ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر، وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعواته، ويهلك أعداءه، ويرفع له ذكره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب والافتراء والظلم، فإنه لا أظلم ممن كذب على الله وأبطل شرائع أنبيائه وبدلها وقتل أولياءه، واستمرت نصرته عليهم دائما، والله تعالى يقره على ذلك، ولا يأخذ منه باليمين، ولا يقطع منه الوتين فيلزمهم أن يقولوا: لا صانع للعالم ولا مدبر، ولو كان له مدبر قدير حكيم، لأخذ على يديه ولقابله أعظم مقابلة، وجعله نكالا للصالحين. إذ لا يليق [بالملوك] غير ذلك، فكيف بملك الملوك وأحكم الحاكمين؟ ولا ريب أن الله [تعالى] قد رفع له ذكره، وأظهر دعوته والشهادة له بالنبوة على رءوس الأشهاد في سائر البلاد، ونحن لا ننكر أن كثيرا من الكذابين قام في الوجود، وظهرت له شوكة، ولكن لم يتم أمره، ولم تطل مدته، بل سلط الله
стр. 152
عليه رسله وأتباعهم، وقطعوا دابره واستأصلوه. هذه سنة الله التي قد خلت من قبل، حتى إن الكفار يعلمون ذلك. قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: (٣٠)، ٣١]. أفلا تراه يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل، لا بد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين (١) عليه. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]. وهنا انتهى جواب الشرط، ثم أخبر خبرا جازما غير معلق: أنه يمحو الباطل ويحق الحق. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: ٩١]. فأخبر سبحانه أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره.
وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول، وأحسنها: أن من نبأه الله بخبر السماء، إن أمره أن يبلغ غيره، فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره، فهو نبي وليس برسول، فالرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها.
وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه، وخصوصا محمد ﷺ ، كما قال [تعالى]: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ١٠٧].
قوله: "وإنه خاتم الأنبياء".
ش: قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٠]. وقال ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بناؤه، وترك منه موضع لبنة، فطاف
стр. 153
به النظار يتعجبون من حسن بنائه، إلا موضع تلك اللبنة، لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل" (١)، أخرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ : "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر، الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي" (٢)، [وفي صحيح مسلم عن ثوبان، قال: قال رسول الله: "وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي]، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي" (٣)، الحديث. ولمسلم: أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت [إلى] الخلق كافة، وختم بي النبيون" (٤).
قوله: "وإمام الأتقياء".
ش: هو ﷺ ، الإمام الذي يؤتم به، أي: يقتدون به. والنبي ﷺ إنما بعث للاقتداء به، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وكل من اتبعه واقتدى به فهو من الأتقياء.
قوله: "وسيد المرسلين".
ش: قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر،
стр. 154
وأول شافع، وأول مشفع" (١). رواه مسلم. وفي أول حديث الشفاعة: "أنا سيد الناس يوم القيامة" (٢) [و] روى مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم" (٣).
فإن قيل: يشكل على هذا قوله ﷺ : "لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله؟ " (٤)، خرجاه في الصحيحين، فكيف يجمع بين هذا وبين قوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (٥).
стр. 155
فالجواب: أن هذا كان له سبب، فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه مسلم، وقال: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه، فقال النبي ﷺ هذا؛ لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموما، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما، فإن الله حرم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الإسراء: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٣]. فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على وجه الانتقاص بالمفضول. وعلى هذا يحمل أيضا قوله ﷺ : "لا تفضلوا بين الأنبياء" (١)، إن كان ثابتا، فإن هذا قد روي في نفس حديث موسى، وهو في
стр. 156
البخاري وغيره. لكن بعض الناس يقول: إن فيه علة، بخلاف حديث موسى، فإنه صحيح لا علة فيه باتفاقهم.
وقد أجاب بعضهم بجواب آخر، وهو: أن قوله ﷺ : "لا تفضلوني على موسى" (١)، وقوله: "لا تفضلوا بين الأنبياء" نهي عن التفضيل الخاص، أي: لا يفضل بعض الرسل على بعض بعينه، بخلاف قوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (٢) فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه. وهذا كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد، لا ينصب على أفرادهم، بخلاف ما لو قيل لأحدهم: فلان أفضل منك. ثم إني رأيت الطحاوي ﵀ قد أجاب بهذا الجواب في "شرح معاني الآثار".
وأما ما يروى أن النبي ﷺ قال: "لا تفضلوني على يونس [بن متي] " (٣)، وأن بعض الشيوخ قال: لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالا جزيلا، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج وعدوا هذا تفسيرا عظيما، وهذا يدل على جهلهم بكلام الله وبكلام رسوله لفظا ومعنى، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها، وإنما اللفظ الذي في الصحيح: "لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس ابن متي" (٤). وفي رواية: "من قال: إني خير من يونس بن متى فقد كذب". وهذا اللفظ يدل على العموم، "لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متى"، ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمدا على يونس، وذلك لأن الله تعالى قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم، أي: فاعل ما يلام عليه. وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٧]. فقد يقع في نفس بعض
стр. 157
الناس أنه أكمل من يونس، فلا يحتاج إلى هذا المقام، إذ لا يفعل ما يلام عليه، ومن ظن هذا فقد كذب، بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، كما قال أول الأنبياء وآخرهم، فأولهم آدم، قد قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٣]. وآخرهم وأفضلهم وسيدهم: محمد ﷺ ، قال في الحديث الصحيح، حديث الاستفتاح، من رواية علي بن أبي طالب ﵁ وغيره، بعد قوله: وجهت وجهي آخره: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت" (١)، إلى آخر الحديث، وكذا قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة القصص: ١٦]. وأيضا فيونس ﷺ لما قيل فيه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [سورة القلم: ٤٨]، فنهى نبينا ﷺ عن التشبه به، وأمره بالتشبه بأولي العزم حيث قيل له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف: ٣٥]، فقد يقول من يقول: "أنا خير من يونس"، للأفضل أن يفخر على من دونه، فكيف إذا لم يكن أفضل، فإن الله لا يحب كل مختال فخور، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "أوحي إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (٢). [فالله تعالى نهى أن يفخر على عموم المؤمنين]، فكيف على نبي كريم؟ فلهذا قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ويفتخر على يونس. وقوله: من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب، فإنه لو قدر أنه كان أفضل، فهذا الكلام يصير نقصا، فيكون كاذبا، وهذا لا يقوله نبي كريم، بل هو تقدير مطلق، أي: من قال هذا
стр. 158
فهو كاذب، وإن كان لا يقوله نبي، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر: ٦٥]، وإن كان ﷺ معصوما من الشرك، لكن الوعد والوعيد لبيان مقادير الأعمال.
وإنما أخبر ﷺ أنه سيد ولد آدم؛ لأنا لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره، إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو بفضائل الأنبياء قبله، صلى الله عليهم وسلم أجمعين، ولهذا أتبعه بقوله ولا فخر، كما جاء في رواية. وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن مقام الذي أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم كمقام الذي ألقي في بطن الحوت وهو مليم؟! وأين المعظم المقرب من الممتحن المؤدب؟! فهذا في غاية التقريب، وهذا في غاية التأديب. فانظر إلى هذا الاستدلال؛ لأنه بهذا المعنى المحرف اللفظ لم يقله الرسول، وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى عن خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله تعالى على خلقه، التي تزيد على ألف دليل، كما يأتي الإشارة إليها عند قول الشيخ ﵀ "محيط بكل شيء وفوقه"، إن شاء الله تعالى.
قوله: "وحبيب رب العالمين".
ش: ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا" (١). وقال: "ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن" (٢). والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه. وفي الصحيح أيضا: "إني أبرأ الى كل خليل من خلته (٣). والمحبة قد ثبتت لغيره. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ
стр. 159
الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٢]. فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، والمحبة عامة، وحديث ابن عباس ﵄ الذي رواه الترمذي الذي فيه: "إن إبراهيم خليل الله، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر" (١) لم يثبت.
والمحبة مراتب: أولها: العلاقة، وهي تعلق القلب بالمحبوب. والثانية: الإرادة، وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له. الثالثة: الصبابة، وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور. الرابعة: الغرام، وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم، لملازمته، ومنه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٥]. الخامسة: المودة، والود، وهي صفو المحبة وخالصها ولبها، قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [سورة مريم: ٩٦]. السادسة: الشغف، وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب. السابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تعالى ولا العبد في محبة ربه، وإن كان قد أطلقه بعضهم، واختلف في سبب المنع، فقيل: عدم التوقيف، وقيل غير ذلك. ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة. الثامنة: التيم، وهو بمعنى التعبد. التاسعة: التعبد. العاشرة: الخلة، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه. وقيل في ترتيبها غير ذلك. وهذا الترتيب تقريب حسن، [لا] يعرف حسنه [إلا] بالتأمل في معانيه.
واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته، كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة، حسبما ورد النص.
وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال، نحو ثلاثين قولا. ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء. وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد، كالماء والهواء والتراب والجوع ونحو ذلك.
стр. 160
قوله: "وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى".
ش: لما ثبت أنه خاتم النبيين، علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب. ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال بتكذيبه؟ لأنا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال؛ لأن الله تعالى لما أخبر أنه خاتم النبيين، فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ولا يظهر أمارة كذبه في دعواه. والغي: ضد الرشاد. والهوى: عبارة عن شهوة النفس. أي: أن تلك الدعوى بسبب هوى النفس، لا عن دليل، فتكون باطلة.
قوله: "وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء".
ش: أما كونه مبعوثا إلى عامة الجن، فقال تعالى حكاية عن قول الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [سورة الأحقاف: ٣١]، الآية. وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضا. قال مقاتل: لم يبعث الله رسولا إلى الإنس والجن قبله، وهذا قول بعيد. فقد قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٣٠]، الآية، والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسول، كذا قال مجاهد وغيره من السلف والخلف، وقال ابن عباس ﵄: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر. وظاهر قوله تعالى حكاية عن الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [سورة الأحقاف: ٣٠]، الآية: تدل على أن موسى مرسل إليهم أيضا. والله أعلم.
وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلا، واحتج بهذه الآية الكريمة. وفي الاستدلال بها على ذلك نظر لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي -والله أعلم- كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سورة الرحمن: ٢٢] والمراد: من أحدهما.
وأما كونه مبعوثا إلى كافة الورى، فقد قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [سورة الأعراف: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِه
стр. 161
وَمَنْ بَلَغَ﴾ [سورة الأنعام: ١٩]. أي: وأنذر من بلغه. وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [سورة النساء: ٧٩] وقال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة يونس: ٢]، الآية. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ١]. وقد قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [سورة آل عمران: ٢٠]. وقال ﷺ : "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (١)، أخرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ : "لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" (٢)، رواه مسلم. وكونه ﷺ مبعوثا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة.
وأما قول بعض النصارى إنه رسول إلى العرب خاصة، فظاهر البطلان، فإنهم لما صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال إنه رسول الله إلى الناس عامة، والرسول لا يكذب، فلزم تصديقه حتما، فقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف، يدعو إلى الإسلام.
وقوله: وكافة الورى في جر كافة نظر، فإنهم قالوا: لم تستعمل كافة في كلام العرب إلا حالا، واختلفوا في إعرابها في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ: ٢٨]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها حال من الكاف في
стр. 162
"أرسلناك" وهي اسم فاعل والتاء فيها للمبالغة، أي: إلا كافا للناس عن الباطل، وقيل: هي مصدر كف، فهي بمعنى كفا أي: إلا [أن] تكف الناس كفا، [و] وقوع المصدر حالا كثير. الثاني: أنها حال من "الناس". واعترض بأن حال المجرور لا يتقدم عليه عند الجمهور، وأجيب بأنه قد جاء عن العرب كثيرا فوجب قبوله، وهو اختيار ابن مالك ﵀، أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة. الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: رسالة كافة. واعترض بما تقدم أنها لم تستعمل إلا حالا.
وقوله: بالحق والهدى وبالنور والضياء. هذه أوصاف ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين والشرع المؤيد بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر الأدلة. والضياء: أكمل من النور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [سورة يونس: ٥].
стр. 163
القرآن كلام الله تعالى:
قوله: "وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [سورة المدثر: ٢٥]، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر".
ش: هذه قاعدة شريفة، وأصل كبير من أصول الدين، ضل فيه طوائف كثيرة من الناس، وهذا الذي حكاه الطحاوي ﵀ هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لمن تدبرهما، وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والآراء الباطلة.
وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال:
أحدها: أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معاني، إما من العقل الفعال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة.
وثانيها: أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه، وهذا قول المعتزلة.
وثالثها: أنه معنى واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار،
стр. 164
وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه، كالأشعري وغيره.
ورابعها: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث.
وخامسها: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلمًا، وهذا قول الكرامية وغيرهم.
وسادسها: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته، وهذا يقوله صاحب المعتبر، ويميل إليه الرازي في المطالب العالية.
وسابعها: أن كلامه يتضمن معنى قائمًا بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قول أبي منصور الماتريدي.
وثامنها: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات، وهذا قول أبي المعالي ومن اتبعه.
وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة.
وقول الشيخ ﵀ وإن القرآن كلام الله إن بكسر الهمزة عطف على قوله: إن الله واحد لا شريك له ثم قال: وإن محمدًا عبده المصطفى، وكسر همزة إن في المواضع الثلاثة؛ لأنها معمول القول، أعني قوله في أول كلامه: نقول في توحيد الله.
وقوله: كلام الله منه بدا بلا كيفية قولًا: رد على المعتزلة وغيرهم، فإن المعتزلة تزعم أن القرآن لم يبد منه، كما تقدم حكاية قولهم، قالوا: وإضافته إليه إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله، يحرفون الكلام عن مواضعه! وقولهم باطل، فإن المضاف إلى الله تعالى معانٍ وأعيان، فإضافة الأعيان إلى الله للتشريف، وهي مخلوقة له، كبيت الله، وناقة الله، بخلاف إضافة المعاني، كعلم الله، وقدرته، وعزته، وجلاله، وكبريائه، وكلامه، وحياته، وعلوه، وقهره، فإن هذا كله من صفاته، لا يمكن أن يكون شيء من ذلك مخلوقا.
стр. 165
والوصف بالتكلم من أوصاف الكمال، وضده من أوصاف النقص. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [سورة الأعراف: ١٤٨]. فكان عباد العجل -مع كفرهم- أعرف بالله من المعتزلة، فإنهم لم يقولوا لموسى: وربك لا يتكلم أيضا. وقال تعالى عن العجل أيضا: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [سورة طه: ٨٩]. فعلم أن نفي رجوع القول ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل.
وغاية شبهتهم أنهم يقولون: يلزم منه التشبيه والتجسيم؟ فيقال لهم: إذا قلنا إنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله انتفت شبهتهم، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [سورة يس: ٦٥]. فنحن نؤمن أنها تتكلم، ولا نعلم كيف تتكلم، وكذا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة فصلت: ٢١]. وكذلك تسبيح الحصا والطعام، وسلام الحجر، كل ذلك بلا فم يخرج منه الصوت الصاعد من لديه المعتمد على مقاطع الحروف.
وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: منه بدا بلا كيفية قولا، أي: ظهر منه ولا ندري كيفية تكلمه به. وأكد هذا المعنى بقوله: قولا، أتى بالمصدر المعرف للحقيقة، كما أكد الله تعالى التكليم بالمصدر المثبت النافي للمجاز في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
ولقد قال بعضهم لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة: أريد أن تقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾، بنصب اسم الله، ليكون موسى هو المتكلم لا الله! فقال أبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّه﴾؟! فبهت المعتزلي!
وكم في الكتاب والسنة من دليل على تكليم الله تعالى لأهل الجنة وغيرهم. قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [سورة يس: ٥٨]، فعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا أهل الجنة في نعيم إذ سطع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الرب ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام
стр. 166
عليكم يا أهل الجنة، وهو قول الله تعالى: ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ [سورة يس: ٥٨]، فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم، ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، وتبقى بركته ونوره" (١). رواه ابن ماجه وغيره. ففي هذا الحديث إثبات صفة الكلام، وإثبات الرؤية، وإثبات العلو، وكيف يصح مع هذا أن يكون كلام الرب كله معنى واحدا، و [قد] قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ٧٧]، فأهانهم بترك تكليمهم، والمراد أنه لا يكلمهم تكليم تكريم، [و] هو الصحيح، إذ قد أخبر في الآية الأخرى أنه يقول لهم في النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فلو كان لا يكلم عباده المؤمنين، لكانوا في ذلك هم وأعداؤه سواء، ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلا. وقال البخاري في "صحيحه": باب كلام الرب ﵎ مع أهل الجنة، وساق فيه عدة أحاديث. فأفضل نعيم أهل الجنة رؤية وجهه ﵎، وتكليمه لهم. فإنكار ذلك إنكار لروح الجنة، وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلا به.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الرعد: ١٦]، والقرآن شيء، فيكون داخلا في عموم "كل" فيكون مخلوقا!! فمن أعجب العجب. وذلك: أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالى، وإنما يخلقها العباد
стр. 167
جميعها، لا يخلقها الله فأخرجوها من عموم "كل"، وأدخلوا كلام الله في عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة، إذ بأمره تكون المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [سورة الأعراف: ٥٣]. ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقا لزم أن يكون مخلوقا بأمر آخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية له، فيلزم التسلسل، وهو باطل. وطرد باطلهم: أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم والقدرة وغيرهما، وذلك صريح الكفر، فإن علمه شيء، وقدرته شيء، وحياته شيء، فيدخل ذلك في عموم كل، فيكون مخلوقا بعد أن لم يكن، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وكيف يصح أن يكون متكلما بكلام يقوم بغيره؟ ولو صح ذلك للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه! وكذلك أيضا ما خلقه في الحيوانات، لا يفرق حينئذ بين نطق وأنطق. وإنما قالت الجلود: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ [سورة فصلت: ٢١]، ولم تقل: نطق الله، بل يلزم أن يكون متكلما بكل كلام خلقه في غيره، زورا كان أو كذبا أو كفرا أو هذيانا!! تعالى الله عن ذلك. وقد طرد ذلك الاتحادية، فقال ابن عربي:
وكل كلام في الوجود كلامه … سواء علينا نثره ونظامه
ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره، لصح أن يقال للبصير: أعمى، وللأعمى: بصير! لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره، والأعمى قد قام وصف البصر بغيره! ولصح أن يوصف الله تعالى بالصفات التي خلقها في غيره، من الألوان والروائح والطعوم والطول والقصر ونحو ذلك.
وبمثل ذلك ألزم الإمام عبد العزيز المكي بشرا المريسي بين يدي المأمون (١)، بعد أن تكلم معه ملتزما أن لا يخرج عن نص التنزيل، وألزمه الحجة، فقال بشر:
стр. 168
يا أمير المؤمنين، ليدع مطالبتي بنص التنزيل، ويناظرني بغيره، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه، ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال، قال عبد العزيز: تسألني أم أسألك؟ فقال بشر: [اسأل] أنت، وطمع فيَّ فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها: إما أن تقول: أن الله خلق القرآن، وهو عندي أنا كلامه في نفسه، أو خلقه قائما بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره؟ قال: أقول: خلقه كما خلق الأشياء كلها. وحاد عن الجواب. فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة، ودع بشرا فقد انقطع. فقال عبد العزيز: إن قال خلق كلامه في نفسه، فهذا محال؛ لأن الله لا يكون محلا للحوادث المخلوقة، ولا يكون فيه شيء مخلوق، وإن قال خلقه في غيره فيلزم في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلامه، فهو محال أيضا؛ لأنه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في غيره هو كلام الله! وإن قال خلقه قائما بنفسه وذاته، فهذا محال: لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا يعقل كلام قائم بنفسه يتكلم بذاته، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقا، علم أنه صفة لله. هذا مختصر من كلام الإمام عبد العزيز في الحيدة.
وعموم كل في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [سورة الأحقاف: ٢٥]، ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؟ وذلك لأن المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة وما يستحق التدمير. وكذا قوله تعالى حكاية عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل: ٢٣]، المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام، إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك، غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها، ولهذا نظائر كثيرة.
والمراد من قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ [سورة الرعد: ١٦]، أي كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتما، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى، وصفاته ليست غيره؛ لأنه هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة، لا يتصور انفصال صفاته عنه، كما تقدم الإشارة إلى هذا المعنى عند قوله: ما زال قديما بصفاته قبل
стр. 169
خلقه، بل نفس ما استدلوا به يدل عليهم، فإذا كان قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، لا يصح أن يكون دليلا.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، فما أفسده من استدلال! فإن "جعل" إذا كان بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٣٠]، ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٣١]. ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [سورة الأنبياء: ٣٢]. وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [سورة النحل: ٩١]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٤]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ﴾ [سورة الحجر: ٩١]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [سورة الإسراء: ٢٩] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. ونظائره كثيرة. فكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة الزخرف: ٣].
وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [سورة القصص: ٣٠] على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة فسمعه موسى منها! وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [سورة القصص: ٣٠]، والنداء هو الكلام من بعد، فسمع موسى ﵇ النداء من حافة الوادي، ثم قال: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [سورة القصص: ٣٠]. أي أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما يقول سمعت كلام زيد من البيت، يكون من البيت لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم! ولو كان الكلام مخلوقا في الشجرة، لكانت الشجرة هي القائلة: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة القصص: ٣٠]. وهل قال: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة القصص: ٣٠]، غير رب العالمين؟ ولو كان هذا الكلام بدا من غير الله لكان قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]
стр. 170
صدقا، إذ كل من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله! وقد فرقوا بين الكلامين على أصولهم الفاسدة: أن ذاك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون!! فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقا غير الله. وسيأتي الكلام على مسألة أفعال العباد، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [سورة الحاقة: (٤٠)، والتكوير: ١٩]. وهذا يدل على أن الرسول أحدثه، إما جبرائيل أو محمد.
قيل: ذكر الرسول معرف أنه مبلغ عن مرسله؛ لأنه لم يقل إنه قول ملك أو نبي، فعلم أنه بلغه عمن أرسله به، لا أنه أنشأ من جهة نفسه، وأيضا: فالرسول في إحدى الآيتين جبرائيل، وفي الأخرى محمد، فإضافته إلى كل منهما تبين أن الإضافة للتبليغ، إذ لو أحدثه أحدهما امتنع أن يحدثه الآخر، وأيضا فقوله: رسول أمين (١)، دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل بتبليغه ولا ينقص منه، بل هو أمين على ما أرسل به، يبلغه عن مرسله، وأيضا فإن الله قد كفَّر من جعله قول البشر، ومحمد ﷺ بشر، فمن جعله قول محمد، بمعنى أنه أنشأه، فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول: إنه قول بشر، أو جني، أو ملك، والكلام كلام من قاله مبتدئا، لا من قاله مبلغا. ومن سمع قائلا يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
قال: هذا شعر امرئ القيس، ومن سمعه يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢) قال: هذا كلام الرسول، وإن سمعه
стр. 171
يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: هذا كلام الله، إن كان عنده خبر ذلك، وإلا قال: لا أدري كلام من هذا؟ ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذب، ولهذا من سمع من غيره نظما أو نثرا، يقول له: هذا كلام من؟ هذا كلامك أو كلام غيرك؟
وبالجملة، فأهل السنة كلهم، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف، متفقون على أن كلام الله غير مخلوق، ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما، أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وأن نوع الكلام قديم، وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق، ومرادهم أنه غير مختلق (١) مفترى مكذوب، بل هو حق وصدق، ولا ريب أن هذا المعنى منتف باتفاق المسلمين.
والنزاع بين أهل القبلة إنما هو في كونه مخلوقا خلقه الله، أو هو كلامه الذي تكلم به وقام بذاته؟ وأهل السنة إنما سئلوا عن هذا، وإلا فكونه مكذوبا مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه، ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون (٢) بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلهم عليه، وإنما يزعمون أنهم تلقوا من الأئمة الشرائع.
ولو ترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة، لم يكن بينهم نزاع، ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه، فرق بها بينهم. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة البقرة: ١٧٦]، والذي يدل عليه كلام الطحاوي ﵀: أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم. وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة ﵁ في الفقه الأكبر، فإنه قال: والقرآن في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي ﷺ منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، والقرآن غير مخلوق، وما ذكر الله في
стр. 172
القرآن عن موسى ﵇ وغيره، وعن فرعون وإبليس، فإن ذلك كلام الله إخبارا عنهم، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا كلامهم، وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا. انتهى. فقوله: ولما كلم (١) موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته يعلم منه أنه حين جاء كلمه، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلا وأبدا يقول يا موسى، كما يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣]، ففهم منه الرد على من يقول من أصحابه أنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء، كما قال أبو منصور الماتريدي وغيره. وقوله: الذي هو من صفاته لم يزل رد على من يقول إنه حدث له وصف الكلام بعد أن لم يكن متكلما.
وبالجملة: فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل على أنه كلام متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئا بعد شيء، فهو حق يجب قبوله، وما يقوله من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وأنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف: فهو حق يجب قبوله والقول به، فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب، والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما.
فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به، قلنا: هذا القول مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضا، مع صريح العقل.
ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ويقول، لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه، بل الذي أفهموهم إياه أن الله نفسه هو الذي تكلم، والكلام قائم به لا بغيره، وأنه هو الذي تكلم به وقاله، كما قالت عائشة ﵂ في حديث الإفك: "ولشأني في نفسي كان أحقر
стр. 173
من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى" (١). ولو كان المراد من ذلك كله خلاف مفهومه لوجب بيانه، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا يعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام وإن زعموا أنهم فروا من ذلك حذرا من التشبيه، فلا يثبتوا صفة غيره، فإنهم إذا قالوا: يعلم لا كعلمنا، قلنا: ويتكلم لا كتكلمنا، وكذلك سائر الصفات، وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة، أو حي لا تقوم به الحياة؟ وقد قال ﷺ : "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" (٢)، فهل يقول عاقل: إنه ﷺ عاذ بمخلوق؟ بل هذا كقوله: "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك" (٣)، وكقوله: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (٤). وكقوله: "وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا" (٥)، كل هذه من صفات الله تعالى.
وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها، وإنما أشير إليها هنا إشارة.
وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعدد والتكثر والتجزؤ والتبعض حاصل في الدلالات، لا في المدلول. وهذه العبارات مخلوقة، وسميت "كلام الله" لدلالتها عليه وتأديه بها، فإن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن عبر بالعبرانية فهو توراة، فاختلفت العبارات لا الكلام. قالوا: وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازا!
وهذا الكلام فاسد، فإن لازمه أن معنى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين! ومعنى سورة الإخلاص هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]. وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف.
стр. 174
والحق: أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك. قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله، لما حرم على الجنب المحدث مسه، ولو كان ما يقرأه القارئ ليس كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث قراءته، بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف، كما قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة، وإذا قيل: فيه خط فلان وكتابته، فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه مداد قد كتب به. فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: المداد في المصحف. كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قول القائل: فيه السموات والأرض، وفيه محمد وعيسى، ونحو ذلك. وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: فيه كلام الله. ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد للصواب، وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ، والمقروء الذي هو قول الباري، من لم يهتد له فهو ضال أيضًا، ولو أن إنسانًا وجد في ورقة مكتوبًا: ألا كل شيء ما خلا الله باطل من خط كاتب معروف. لقال: هذا من كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، وهذا كل شيء حقيقة، وهذا خبر حقيقة، ولا تشتبه هذه الحقيقة بالأخرى.
والقرآن في الأصل: مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة، قال تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقال ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم" (١). وتارة يذكر ويراد به المقروء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. وقال تعالى: ﴿وإِذَا
стр. 175
قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقال ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" (١). إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كل من المعنيين المذكورين، فالحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي، ولكن الأعيان تعلم، ثم تذكر، ثم تكتب، فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة، وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة، بل هو الذي يكتب بلا واسطة ولا لسان.
والفرق بين كونه في زبر الأولين، وبين كونه في رق منشور، أو لوح محفوظ، أو في كتاب مكنون واضح. فقوله عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، أي ذكره ووصفه والإخبار عنه، كما أن محمدا مكتوب عندهم. إذ القرآن أنزله الله على محمد، لم ينزله على غيره أصلا، ولهذا قال في الزبر، ولم يقل في الصحف، ولا في الرق؛ لأن "الزبر" جمع "زبور" والزبر هو: الكتابة والجمع، فقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] أي: مزبور الأولين، ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد، ويبين كمال بيان القرآن وخلوصه من اللبس. وهذا مثل قوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: ذكره، بخلاف قوله: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: ٣] و ﴿لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] و ﴿كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨]؛ لأن العامل في الظرف إما أن يكون من الأفعال العامة، مثل الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك، أو يقدر: مكتوب في كتاب، أو في رق. والكتاب: تارة يذكر ويراد به محل الكتابة، وتارة يذكر ويراد به الكلام المكتوب. ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب، وكتابة الأعيان الموجودة في الخارج فيه، فإن تلك إنما يكتب ذكرها. وكلما تدبر الإنسان هذا المعنى وضح له الفرق.
وحقيقة كلام الله تعالى الخارجية: هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه، فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ، فإذا قاله السامع
стр. 176
فهو مقروء له متلو، فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم، وهو حقيقة في هذه الوجوه كلها لا يصح نفيه، والمجاز يصح نفيه، فلا يجوز أن يقال: ليس في المصحف كلام الله، ولا ما قرأ القارئ كلام الله، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. وهو لا يسمع كلام الله من الله، وإنما يسمعه من مبلغه عن الله، والآية تدل على فساد قول من قال: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، فإنه تعالى قال: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله، والأصل الحقيقة، ومن قال: إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله، أو حكاية كلام الله، وليس فيها كلام الله، فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة، وكفى بذلك ضلالا.
وكلام الطحاوي ﵀ يرد قول من قال: إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه، وأن المسموع المنزل المقروء والمكتوب ليس كلام الله، وإنما هو عبارة عنه، فإن الطحاوي ﵀ يقول: كلام الله منه بدا. وكذلك قال غيره من السلف، ويقولون: منه بدا، وإليه يعود. وإنما قالوا: منه بدا. لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون: إنه خلق الكلام في محل، فبدا الكلام من ذلك المحل. فقال السلف: "منه بدا" أي هو المتكلم به، فمنه بدا، لا من بعض المخلوقات، كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. ومعنى قولهم: وإليه يعود. يرفع من الصدور والمصاحف، فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف، كما جاء ذلك في عدة آثار.
وقوله بلا كيفية: أي: لا تعرف كيفية تكلمه به قولا ليس بالمجاز، وأنزله على رسوله وحيا، أي: أنزله إليه على لسان الملك، فسمعه الملك جبرائيل من الله، وسمعه الرسول ﷺ من الملك، وقرأ على الناس. قال تعالى: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]. وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى.
стр. 177
وقد أورد على ذلك أن إنزال القرآن نظير إنزال المطر، أو إنزاله الحديد، وإنزال ثمانية أزواج من الأنعام.
والجواب: أن إنزال القرآن فيه مذكور أنه إنزال من الله، قال تعالى: ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة غافر: ٢]. وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]. وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢]. وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [السجدة: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٣ - ٥]. وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. وإنزال المطر مقيد بأنه منزل من السماء. قال تعالى: ﴿أَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. والسماء: العلو. وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من المزن، والمزن: السحاب. وفي مكان آخر أنه منزل من المعصرات. وإنزال الحديد والأنعام مطلق، فكيف يشبه هذا الإنزال بهذا الإنزال؟! فالحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال، وهي عالية على الأرض، وقد قيل: إنه كلما كان معدنه أعلى كان حديده أجود. والأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يقال: أنزل، ولم يقل: نزل ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض. ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها عند الوطء، وينزل ماء الفحل من علو الى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى سفل. وعلى هذا فيحتمل قوله، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦] وجهين: أحدهما: أن تكون "من" لبيان الجنس. الثاني: أن تكون "من" لابتداء الغاية، وهذان الوجهان يحتملان في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ [الشورى: ١١].
وقوله: وصدقه المؤمنون على ذلك حقا الإشارة إلى ما ذكره من التكلم على
стр. 178
الوجه المذكور وإنزاله، أي هذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهم السلف الصالح، وأن هذا حق وصدق.
وقوله: وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، رد على المعتزلة وغيرهم بهذا القول ظاهر، وفي قوله: بالحقيقة رد على من قال: إنه معنى واحد قام بذات الله لم يسمع منه وإنما هو الكلام النفساني؛ لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم به: إن هذا كلام حقيقة، وإلا للزم أن يكون الأخرس متكلما، ولزم أن لا يكون الذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله، ولكن عبارة عنه ليست هي كلام الله، كما لو أشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده، فكتب ذلك الشخص عبارته عن المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس، فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص عن ذلك المعنى، وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه، وإن كان الله تعالى لا يسميه أحد "أخرس"، لكن عندهم أن الملك فهم منه معنى قائما بنفسه، لم يسمع منه حرفا ولا صوتا، بل فهم معنى مجردا، ثم عبر عنه، فهو الذي أحدث نظم القرآن وتأليفه العربي، وأن الله خلق في بعض الأجسام كالهوى الذي هو دون الملك هذه العبارة.
ويقال لمن قال: إنه معنى واحد: هل سمع موسى ﵇ جميع المعنى أو بعضه؟ فإن قال: سمعه كله، فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله! وفساد هذا ظاهر، وإن قال: بعضه، فقد قال: يتبعض. وكذلك كل من كلمه الله أو أنزل إليه شيئا من كلامه.
ولما قال تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. ولما قال لهم: ﴿اسْجُدُوا لِآَدَمَ﴾. وأمثال ذلك، هل هذا جميع كلامه أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه، فهذا مكابرة، وإن قال: بعضه، فقد اعترف بتعدده.
وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: أحدها: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعا، كما يتناول لفظ الإنسان الروح والبدن معا، وهذا قول السلف. الثاني: اسم اللفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول جماعة من المعتزلة وغيرهم. الثالث: أنه اسم "للمعنى" فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز؛ لأنه دال عليه، وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه.
стр. 179
الرابع: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، وهذا قول بعض المتأخرين من الكلابية، ولهم قول خامس، يروى عن أبي الحسن، أنه مجاز في كلام الله، حقيقة في كلام الآدميين لأن حروف الآدميين تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائما بغير المتكلم، بخلاف كلام الله، فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه، وهذا مبسوط في موضعه، وأما من قال إنه معنى واحد، واستدل عليه بقول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فاستدلال فاسد، ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا هذا خبر واحد! ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به! فكيف وهذا البيت قد قيل إنه موضوع (١) منسوب إلى الأخطل، وليس هو في ديوانه؟! وقيل إنما قال: "إن البيان لفي الفؤاد وهذا أقرب إلى الصحة، وعلى تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به، فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام، وزعموا أن عيسى ﵇ نفس كلمة الله واتحد اللاهوت بالناسوت! أي: شيء من الإله بشيء من الناس! أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب؟! وأيضا: فمعناه غير صحيح، إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلما لقيام الكلام بقلبه وإن لم ينطق به ولم يسمع منه، والكلام على ذلك مبسوط في موضعه، وإنما أشير اليه إشارة.
وهنا معنى عجيب، وهو: أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين باللاهوت والناسوت! فإنهم يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي لا يمكن سماعه، وأما النظم المسموع فمخلوق، فإفهام المعنى القديم بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى ﵇، فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه!
ويرد قول من قال: بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، قوله ﷺ : "إن
стр. 180
صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" (١). وقال: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة" (٢)، عامدا لغير مصلحتها بطلت صلاته، واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب، من تصديق بأمور دنيوية وطلب، لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام.
وأيضا: ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به" (٣)، فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان، باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة، لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب.
وأيضا ففي "السنن": أن معاذا ﵁ قال: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" (٤). فبين أن الكلام إنما هو باللسان، فلفظ القول والكلام وما تصرف منهما، من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل؛ إنما يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى، ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع، ثم انتشر.
ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول