فحسبكمو هذا التفاوت بيننا … وكل إناء بالذي فيه ينضح
بل ماذا يقول هذا المتعصب الجائر الجاني على نفسه فيما جاء في "مقدمة إعلاء السنن" تحت عنوان "ذكر بعض المغامز في "الصحيحين" وتكلف الجواب عنها"! قال مؤلفه الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي عقبه "ص ٤٦٣":
"وما يقوله الناس: إن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة، هذا من التجوه "أي التكلف" ولا يقوى … " ثم أطال في الاستدلال لما قال!
والغرض من إيراد هذا هنا أن يعلم القارئ الكريم أن هذه المقدمة قام على طبعها والتعليق عليها المتعصب الجائر، وقد علق في أكثر من موضع منها متعقبا على المؤلف، وأما هنا فإنه سكت عنه، ولم يتعقبه بشيء البتة، الأمر الذي يدل على أنه مع المؤلف فيما غمز به "الصحيحين"، وفي رد قول الناس المذكور، وقد كنت ذكرت نحوه في مقدمة الطبعة الثالثة، وقد سبق حكايته في هذه المقدمة "ص ٢١"، وإن القارئ ليزداد عجبا من هذا العنوان وما تحته إذا علم أن لفظة "الناس" فيه، إنما المراد به الحافظ الذهبي وأمثاله من كبار المحدثين، الذين يعرفون فضل "الصحيحين"، ودقة تحريهما للأحاديث الصحيحة، على ما هو مشروح في كتب "علم مصطلح الحديث" و"مقدمة فتح الباري" للحافظ ابن حجر، وغيره، فتجد هذا المتعصب يتابع المؤلف المشار إليه في نقد "الصحيحين" نقدا عاما انتصارا لمذهبهم الحنفي، الذي لا يأخذ بكثير من أحاديثهما، وقد مضت بعض الأمثلة على ذلك مما رده الكوثري شيخ هذا المتعصب المشار إليه من أحاديثهما.
هذا حال هذا المتعصب الهالك، وموقفه من "الصحيحين" الحالك، ومع ذلك، فهو لا يستحيي أن يتظاهر بالغيرة عليهما، والمدافعة عنهما، من أجل حديث واحد لأحدهما، قلنا في إسناده ما قاله أهل الاختصاص فيه، دون أن نتجرأ على تضعيف متنه، حتى يتيسر لنا البحث في طرقه، فلما منَّ الله علينا به، تبينت لنا صحته والحمد لله تعالى.
وهذه خدمة لصحيح الإمام البخاري أقدمها بفضل الله بعد أن قرأت ما قاله الحافظ الذهبي وابن رجب وغيرهما، وهنا يصح لنا أن نتمثل بقول الشاعر:
стр. 37
وإذا أراد الله نشر فضيلة … طويت أتاح لها لسان حسود
لقد أراد هذا المتعصب أن يظهرنا أمام الناس بمظهر الطاعنين في "صحيح البخاري" وكذا "مسلم" فإذا بالحقائق تشهد أنه هو الطاعن، مصداقا للمثل السائر: "من حفر بئرا لأخيه وقع فيه" (١) والمثل الآخر: "من كان بيته من زجاج فلا يرم الناس بالحجارة"!
إن مبلغ تعصب هذا الحنفي تبعا لشيوخه الأحناف على أهل الحديث عامة، والبخاري ومسلم خاصة، لا يعلمه إلا من تتبع مؤلفاتهم، أو تعليقاتهم على غيرها وقد سبق ذكر بعض النماذج منها، ومن الأدلة الجديدة التي وقفت عليها، تلك المقدمة التي مضت الإشارة إليها والتي قام هذا المتعصب الجائر على طبعها حديثا والتعليق عليها، فقد ذكر مؤلفها في مطلعها "ص (٢٠) ":
"أنه جعلها أساسا لكلامه في كتابه "إعلاء السنن" في تصحيح الأحاديث وتحسينها، مبينة لقواعد خالف فيها علماءَنا الحنفية جماعةُ المحدثين، "كذا بالضبط وليس العكس! " ولكل وجهة هو موليها في باب التصحيح والتحسين والتضعيف، فرب ضعيف عند المحدثين صحيح عند غيرهم، وكذا العكس"!!
ثم ذكر مخالفة ابن حبان جمهور المحدثين في قبوله رواية المجهول والاحتجاج بها، والتي ردها الحافظ ابن حجر وغيره من المحدثين، على ما هو مفصل في محله من "علم المصطلح"، ذكر ذلك ليتخذها ذريعة لتبرير مخالفة الحنفية أيضا إياهم في كثير من قواعدهم متسائلا بقوله "ص ٢":
"فماذا على الحنفية لو خالفوا كذلك بعض الأصول! ". ثم يتدرج من ذلك إلى القول "ص (٢٠) ":
"قلت: ولا يخفى أن ظن المجتهد لا يكون حجة على مجتهد آخر".
يشير بذلك إلى أن الحنفية مجتهدون في مخالفتهم لأئمة الحديث في أصولهم، فمهما خالفوهم في شيء من قواعدهم، فلا لوم عليهم في ذلك، وبناء على ما سبق،
_________
(١) ويروى مرفوعا للنبي ﷺ ولا يعرف له أصل كما في "المقاصد الحسنة" للحافظ السخاوي.
стр. 38
صرح "ص ٤٦١": بأن للحنفية في الحديث أصولا، كما أن للمحدثين أصولا! وكل هذه الأقوال مر عليها المتعصب الجائر مرور المسلم بها، فإنه سكت عنها، ولم يتعقبها بشيء، بل ذكر في تعليقه على الصفحة "٢١" أنه عدل اسم هذه المقدمة بموافقة المؤلف إلى: "قواعد في علوم الحديث"!
قلت: وكم كان يكون طريفا جدا لو أنه ألحق بهذا الاسم الجديد قوله: "على مذهب الحنفية"، ليكون عنوانا صادقا عن مضمون الكتاب وحقيقته، فإنه في الواقع، قد اشتمل على قواعد كثيرة لهم، خالفوا فيها جماهير علماء الحديث قديما وحديثا، وما ذلك إلا ليتسنى لهم -بناء عليهما- تصحيح ما ضعفه علماء الحديث، أو تضعيف ما صححوا! كما أشار إلى ذلك بقوله المتقدم: "فرب ضعيف عند المحدثين صحيح عند غيرهم" يعني الحنفية!
يقول هذا مع أن من فصول كتابه "ص ٤٤٠": "يرجع في كل علم إلى أهله ورجاله"!
ثم أيده بكلام جيد نقله من "منهاج السنة"، لشيخ الإسلام ابن تيمية فكيف يتفق هذا مع ما قبله يا أولى النهى!
والحقيقة أن هذه المقدمة لم تأت بجديد بالنسبة للعارفين بما عليه الحنفية من التعصب لأقوال علمائهم، حتى المتأخرين منهم، الذين يصرحون بأنهم مقلدون لمن قبلهم -زعموا- وليسوا مجتهدين أي علماء، عند أهل العلم والتحقيق! وذلك بتأويلهم النصوص، أو رد ما يمكن رده منها حين لا يساعدهم التأويل، وبتقويتهم للأحاديث المعروفة الضعف عند المحدثين، وإنما الجديد في المقدمة المذكورة هو التصريح بما لا يعرفه أكثر الناس عنهم، حتى عامة الحنفية أنفسهم، ألا وهو أن للحنفية في الحديث أصولا كما أن للمحدثين أصولا! وذلك ليرجعوا إليها عند الاختلاف في المسائل الفقهية أو غيرها، ويبرروا لأنفسهم عدم الرجوع إلى القواعد المعروفة عند أهل العلم المتخصصين في الحديث!
وعلى هذا فلا لوم على الفرق الضالة المخالفة لأهل السنة، إذا ما رجعوا عند الاختلاف إلى أصولهم التي ارتضوها لأنفسهم، كاحتجاج الشيعة مثلا، بكل ما يروى عن أئمة أهل البيت ﵃، بدعوى أنهم معصومون!
стр. 39
وليتأمل العاقل المنصف كم تتسع شقة الخلاف بين المذاهب الأربعة فضلا عن غيرهم، إذا ما قامت كل طائفة منهم لتضع لها أصولا في رواية الحديث غير مبالية بجهود أهل الحديث واختصاصهم فيه؟!
وإليك الآن بعض تلك القواعد التي بينها المؤلف المشار إليه في "المقدمة" وارتضاها المتعصب:
١ - المجتهد إذا استدل بحديث كان تصحيحا له. "ص ٥٧ - (٥٩)، ص ٦٥ - تعليق".
وغرضهم من هذه القاعدة التمهيد لرد تضعيف المحدثين لكثير من أحاديثهم التي يستدلون بها في كتبهم، وهي على قواعدهم معلولة، بالركون إلى هذه القاعدة المزعومة، وصححوا الحديث بها! ومما يؤكد ما قلنا قول المؤلف "ص (٥٩) ":
"قلت: فكل حديث ذكره محمد بن الحسن الإمام، أو المحدث الطحاوي محتجين به فهو حجة صحيحة على هذا الأصل لكونهما محدثين مجتهدين"!
قلت: يقول هذا مع أن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى على جلالته في الفقه، فهو مضعف عند المحدثين، لسوء حفظه، كما تراه مشروحا في "ميزان الاعتدال" للحافظ الذهبي وغيره، ومن تعصبهم على المحدثين وسوء ظنهم بهم، ما نقله المعلق على الكتاب "ص (٣٤٣) " عن الكشميري الحنفي أن وجه تضعيفهم إياه بأنه كان أول من جرد الفقه من الحديث، وكانت مشاكلة التصنيف قبل ذلك ذكر الآثار والفقه مختلطا، فلما خالف رأيهم طعنوا عليه في ذلك"!
هكذا قال! مع أنه يعلم أن الطعن عندهم فيه، إنما هو سوء الحفظ قال الذهبي في ترجمته محمد بن الحسن في "الميزان":
"لينه النسائي وغيره من قبل حفظه".
وقد حكاه عنه المؤلف نفسه "ص (٣٤٤) "، ولكنه جاء بباقعة (١) أخرى فقال في التعليق عليه:
"قلت: تشدده معلوم"، يعني الإمام النسائي!
٢ - قبول مرسل غير الصحابي من أهل القرن الثاني والثالث "ص (١٣٨) "، والقرن الرابع أيضا "ص (٤٥٠) ".
_________
(١) الباقعة: الداهية والطائر المحتال.
стр. 40
قلت: ومعنى ذلك أن التابعي، أو تابعه، أو تابع تابعه، أو تابعه، إذا قال: قال رسول الله ﷺ فهو حجة عندهم يثبت به الحكم الشرعي أي بالحديث المعضل، والمعلق ولو من رجل القرن الرابع! وهذا ضعيف باتفاق علماء الحديث، وغرضهم من ذلك أنه إذا أورد أحد أئمتهم حديثا ما ولو بدون إسناد إطلاقا، وكان في قرن من القرون الثلاثة من بعد الأول، ورده علماء الحديث بأنه لا أصل له، أو لا يعرف له إسناد، عارضوا ذلك بهذه القاعدة!
قلت: وهذا أمر خطير جدا إذ يتنافى مع ما هو مقرر عند العلماء: أن الإسناد مطلوب في الدين، وأنه من خصائص هذه الأمة الإسلامية، وعليه يقوم علم الحديث والرواية، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال الشافعي ﵀: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل. والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا، وقد ساق الكثير الطيب منها أبو الحسنات اللكنوي ﵀ في كتابه "الأجوبة الفاضلة" ثم عقب عليها بقوله:
"فهذه العبارات بصراحتها أو بإشارتها تدل على أنه لا بد من الإسناد في كل أمر من أمور الدين، سواء كان ذلك من قبيل الأخبار النبوية أو الأحكام الشرعية أو المناقب والفضائل، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد، ما لم يتأكد بالإسناد، لا سيما بعد القرون المشهود لهم بالخيرية"، ثم ذكر الوضاعين وأنواعهم ثم قال "ص ٢٩":
"ومن هنا نصوا: أنه لا عبرة بالأحاديث المنقولة في الكتب المبسوطة ما لم يظهر سندها، أو يعلم اعتماد أرباب الحديث عليها، وإن كان مصنفها فقيها جليلا … " إلخ كلامه. فراجعه فإنه مهم جدا.
قلت: وإذا عرفت هذا، وأن الإسناد لا بد منه حتى في القرون الثلاثة فضلا عن الرابع وما دونه، وتذكرت أن أكثر كتب الحديث المعتمدة مؤلفوها في قرن من هذه القرون كمسند الطيالسي وأحمد وأبي يعلى وغيرهم، وأصحاب الكتب الستة وغيرهم، ومثل معاجم الطبراني الثلاثة وغيرها، فعلى هذه القاعدة الباطلة إذا قال
стр. 41
أحد هؤلاء: قال رسول الله ﷺ يذكر إسناده وصار الحديث بذلك صحيحا، فما قيمة الإسناد حينئذ، ويا ضيعة جهود المحدثين في جمع الأسانيد!
هذا مع أن المعروف عنهم أنهم يردون كثيرا من الأحاديث المرسلة، فضلا عن المعضلة إذا كانت خلاف مذهبهم، وما لهم لا يفعلون ذلك، وهم يردون أيضا الأحاديث الموصولة أيضا، وتجد بعض الأمثلة على ذلك في كتابي "أحكام الجنائز وبدعها" فهل هذه القواعد وضعت لأجل الرد على خصومهم والتستر بها، فإذا كانت عليهم لم يلتفتوا إليها؟!
وقابل هذه القاعدة بقاعدتهم الآتية:
٣ - لا يقبل قول أئمة الحديث: "هذا الحديث غير ثابت، أو منكر … من غير أن يذكر الطعن"!
سبحان الله! ما هذه المفارقات، قول أهل الاختصاص في الحديث إذا ضعفوا الحديث لا يقبل … واستدلال المجتهد بحديث ما تصحيح له، فهذا يقبل مع أنه لم يصرح بالتصحيح، وكذلك قول من دون التابعين: قال رسول الله ﷺ يقبل حديثه على أنه صحيح وقد لا يكون من العلماء بالحديث؟!
أليس معنى هذه القاعدة هدم جانب كبير من علم الحديث وأقوال العارفين به، فإن هناك مئات بل ألوف الأحاديث لا نعرف ضعفها ونكارتها إلا من قول المحدثين بذلك فيها، فإذا قال مثل الحافظ الزيلعي والذهبي والعراقي في حديث ما: إنه ضعيف، فكيف لا يقبل منهم وهم أهل الاختصاص!! ولكن لعلهم يستثنون منهم الحافظ الزيلعي لأنه حنفي المذهب!
نعم لو قيدوا قولهم أو قاعدتهم هذه بما إذا كان هناك مخالف من علماء الحديث ذهب إلى تصحيحه، فالأمر في هذا قريب، ومع ذلك، فالصواب في هذه الحالة أنه لا بد من الرجوع إلى قاعدة أخرى معروفة في علم الحديث وهي: إذا تعارض الجرح والتعديل، فأيهما المتقدم؟ والصحيح أن الجرح هو المقدم إذا كان سببه مبينا وكان في نفسه جارحا، وبيانه هناك، ومن الغريب أن صاحب المقدمة قد رجح فيها "ص ١٧٥" هذا الذي صححته، فكيف قعد هذه القاعدة المنافية لترجيحه؟! ولماذا
стр. 42
خص بالذكر فيها أئمة الحديث دون أئمة الحنفية الذين يصححون ويضعفون حسب قواعدهم! هل هو تنفيس عما يضمرون في نفوسهم من العداء الشديد لائمة الحديث أم ماذا؟!
٤ - شيوخ إمامنا الأعظم أبي حنيفة ﵁ ثقات. "ص ٢١٩ - ٢٢٠".
قلت: يقول هذا مع علمه أن من شيوخ أبي حنيفة رحمه الله تعالى جابر الجعفي، فقد ذكر هو نفسه "ص ٣٤٨": أنه ثبت عن أبي حنيفة أنه قال في جابر الجعفي: ما رأيت أكذب منه!
ولذلك لم يسع المعلق عليه -على بالغ تعصبه- من أن يستدرك على المؤلف فيقول: "إن القاعدة على الأغلب الأكثر".
والمتقرر عند علماء الحديث: أن رواية العدل ليست بمجردها توثيقا.
ثم إنني لا أدري كيف يتجرأ هذا المؤلف على مثل هذه القاعدة.
والواقع في "مسانيد أبي حنيفة" التي جمعها أبو المؤيد الخوارزمي الحنفي يكذبها بشهادة الجامع نفسه، وإليك عشرة من شيوخ أبي حنيفة الذين أوردهم الخوارزمي مع بيانه لضعفهم، وفيهم غير واحد من المتهمين!
١ - محمد بن الزبير الحنظلي. قال البخاري: فيه نظر. ٢/ ٣٥٠.
٢ - محمد بن السائب الكلبي. قال البخاري: تركه يحيى بن سعيد وابن مهدي. ٢/ ٣٥٠.
٣ - إبراهيم بن مسلم الهجري. قال البخاري: كان ابن عيينة يضعفه. ٢/ ٣٨٢.
٤ - إسماعيل بن مسلم المكي. تركه ابن المبارك وابن مهدي. ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣.
٥ - أيوب بن عتبة. قال البخاري: ضعيف عندهم. ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.
٦ - حكيم بن جبير. قال البخاري: كان شعبة يتكلم فيه. ٢/ ٤٢٦.
٧ - مسلم بن كيسان أبو عبد الله الضرير. قال البخاري: يتكلمون فيه. ٢/ ٥٥١.
٨ - مجالد بن سعيد. ضعفه يحيى القطان. ٢٠/ ٥٥٤.
стр. 43
٩ - نصر بن طريف. قال البخاري: سكتوا عنه. ٢/ ٥٦٢.
١٠ - يزيد بن ربيعة أبو كامل الرحبي. قال البخاري: في حديثه مناكير. ٢/ ٥٧٤.
وأما شيوخه الذين سرد الخوارزمي أسماءهم وبيض لهم، وهم ممن تكلم العلماء فيهم فحدث ولا حرج، فضلًا عن غيرهم ممن لم يذكرهم مثل عطية العوفي. ١/ ١٠٣، وعبد الكريم ابن أبي أمية ٢/ ٥١ - ٥٢، وأبي سفيان طريف بن شهاب السعدي ١/ ٣١٢، وغيرهم.
هذا، وبعد أن فرغت من الرد على ما جاء في ذلك التقرير الجائر، من الزور والباطل، فقد قوي في نفسي الشعور بأن القارئ قد يتساءل بعد فراغه من قراءة هذا الرد: من هو صاحب ذلك التقرير الجائر حقًّا؟ وقد بدا لي أن من حقهم عليّ أن أجيبهم عن ذلك التساؤل، على الرغم من أنني حاولت في أثناء كتابته أن لا أبوح باسمه، فقد ظهر لي أخيرًا أن الأولى بل الواجب الكشف عن هويته، ليعرف كل قارئ عدوه من صديقه، وحبيبه من بغيضه، فيحب في الله، ويبغض في الله، ولي في ذلك من أهل العلم بالحديث وأصوله أحسن أسوة، الذين صرحوا بجواز بل وجوب ذكر رواة الحديث بأسمائهم وعيوبهم في الرواية ليعرفوا، فما أكثر ما ترى في كتبهم مثل قولهم: فلان وضاع، أو كذاب، أو سيئ الحفظ، ونحو ذلك، حتى أنهم لم يتورعوا عن وصف بعض الأئمة المتبوعين في بعض المذاهب بما علموا فيهم من سوء الحفظ، وقد مضى قريبًا قولهم في محمد بن الحسن الشيباني، كل ذلك نصحًا منهم للمسلمين، وغيرة على الدين، وقد صرحوا بأن غيبة الرجل حيًّا وميتًا تجوز لغرض شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وقد جمعها بعضهم في قوله:
القدح ليس بغيبة في ستة … متظلم ومعرفة ومحذر
ومجاهر فسقًا ومستفت ومن … طلب الإعانة في إزالة منكر
ولا يخفى على القارئ الحبيب بأن الأغراض الستة هذه أكثرها يمكن الاعتماد عليها فيما نحن فيه، وعليه أقول:
стр. 44
هو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الحنفي الحلبي، المعروف بشدة عدائه لأهل السنة والحديث، لا سيما في بلده "حلب" حين كان يخطب على منبر مسجده يوم الجمعة، ويستغله للطعن في أهل التوحيد المعروفين في بلده -بالسلفيين- خاصة، وفي أهل التوحيد السعوديين وغيرهم الذين ينبزهم بلقب الوهابية عامة، ويعلن عداءه الشديد لهم، ويصرح بتضليلهم بقوله: "إن الاستعانة بالموتى من دون الله تعالى وطلب الغوث منهم جائز، وليست شركا، ومن زعم أنها شرك أو كفر فهو كافر، ويتهمهم جميعا بشتى التهم، التي كنا نظن أن أمرها قد انتهى ودفن؛ لأن الناس قد عرفوا حقيقة أمرهم، وأن دعوتهم تنحصر في تحقيق العبادة لله تعالى، وإخلاص الاتباع لرسول الله ﷺ وإذا بأبي غدة هذا، يتجاهل كل ذلك، ويحيي ما كان ميتا من التهم حولهم، ويلصقها بهم، بل ويزيد عليها ما لم نسمعه من قبل، فيقول من على المنبر: "إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم أو تشمئز حينما يذكر اسم محمد ﷺ "سبحانك هذا بهتان عظيم" إلى غير ذلك من التهم الباطلة مما سمعه منه أهل بلده الذين حضروا خطبه بذلك، وغيره مما جاء في التعليق على كتاب الأستاذ الفاضل فهر الشقفة: "التصوف بين الحق والخلق" "ص ٢٢٠" الطبعة الثانية، وهذا موافق تماما لما قاله متعصب آخر مثله، من حملة "الدكتوراه" في كتاب له:
"ضل قوم لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ﷺ وراحوا يستنكرون التوسل بذاته ﷺ بعد وفاته".
فهل هذا توافق غير مقصود بذاته من هذين المتعصبين، وإنما التقيا عليه بجامع الاشتراك في الحقد على أهل السنة ومعاداتهم، دون اتفاق سابق بينهما على اتهامهم بهذه التهمة الباطلة التي نخشى أن يكونا أحق بها وأهلها أم الأمر كما قال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
فلما كتب الله على البلاد السعودية أن يكون أبو غدة مدرسا في بعض معاهدها كتم عداءه الشديد إياهم ولدعوتهم، وتظاهر بأنه من المحبين لهم، ولسان حاله ينشد:
ودارهم ما دمت في دارهم … وأرضهم ما دمت في أرضهم
ودعم ذلك بقيامه على طبع بعض كتب الحديث والتعليق عليها، وأحدها من
стр. 45
كتب الإمام ابن القيم، ويزين بعضها بالنقل عنه وعن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى، ولكنه في الوقت نفسه لا يتمالك من النقل عن عدوهما اللدود وعدو أهل الحديث جميعا، بل والإكثار عنه، ألا وهو المدعو زاهد الكوثري، الذي كان -والحق يقال- على حظ وافر من العلم بالحديث ورجاله، ولكنه مع الأسف كان علمه حجة عليه ووبالا؛ لأنه لم يزدد به هدى ونورا، لا في الفروع ولا في الأصول، فهو جهمي معطل، حنفي هالك في التعصب، شديد الطعن والتحامل على أهل الحديث قاطبة، المتقدمين منهم والمتأخرين.
فهو في العقيدة يتهمهم بالتشبيه والتجسيم ويلقبهم في مقدمة "السيف الصقيل" "ص ٥" بالحشوية السخفاء، ويقول في كتاب "التوحيد" للإمام ابن خزيمة: "أنه كتاب الشرك"! أو يرمي نفس الإمام بأنه مجسم جاهل بأصول الدين!
وفي الفقه يرميهم بالجمود وقلة الفهم، وأنهم حملة أسفار! ".
وفي الحديث طعن في نحو ثلاثمائة من الرواة أكثرهم ثقات، وفيهم نحو تسعين حافظا، وجماعة من الأئمة الفقهاء، كمالك والشافعي وأحمد، ويصرح بأنه لا يثق بأبي الشيخ ابن حيان، ولا بالخطيب البغدادي ونحوهما! ويكذب الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل المتفرد برواية "المسند" عن أبيه، وكأنه لذلك لا يعتبره من المسانيد التي ينبغي الرجوع إليها، والاعتماد عليها فيقول في كتابه "الإشفاق على أحكام الطلاق" "ص ٢٣ طبع حمص".
"مسند أحمد على انفراد من انفرد به ليس من دواوين الصحة أصلا"، ثم قال "ص ٢٤": "ومثل مسند أحمد لا يسلم من إقامة السماع والتحديث مقام العنعنة، لقلة ضبط من انفرد برواية مثل هذا المسند الضخم"!
ثم هو يصف الحافظ العقيلي بقوله: "المتعصب الخاسر"، وبالجملة فقل من ينجو من الحفاظ المشهورين وكتبهم من غمز ولمز هذا المتعصب الخاسر حقا مثل ابن عدي في "كامله" والآجري في "شريعته"! وغيرهما.
وهو إلى ذلك يضعف من الحديث ما اتفقوا على تصحيحه، ولو كان مما أخرجه
стр. 46
البخاري ومسلم في "صحيحيهما" دون علة قادحة فيه، وقد سبق ذكر بعض ما ضعفه منها، وعلى العكس من ذلك فهو يصحح انتصارا لعصبيته المذهبية ما يشهد كل عارف بهذا العلم أنه ضعيف بل موضوع، مثل حديث: "أبو حنيفة سراج أمتي"! إلى غير ذلك من الأمور التي لا مجال لسردها، وبسط القول فيها الآن، وقد رد عليه وفصل القول فيها بطريقة علمية سامية، وبحث منطقي نزيه، العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني في كتابه "طليعة التنكيل" ثم في كتابه الفذ العظيم "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، فليراجعهما من شاء الوقوف على حقيقة ما ذكرنا، فإنه سيجد الأمر فوق ما وصفنا، والله المستعان.
هذا شيء من حال الكوثري، وأبو غدة -دون شك- على علم بها؛ لأنه إن كان لم يتعرف عليها بنفسه من بطون كتب الكوثري التي هو شغوف بمطالعتها، وهذا أبعد ما يكون عنه، فقد اطلع عليها بواسطة رد العلامة اليماني عليها ردا علميا نزيها كما سبق.
وإن تعليقات أبي غدة الكثيرة على الكتب التي يقوم بطبعها، والنقول التي يودعها فيها من كلام الكوثري، كل هذا وذاك ليدل دلالة واضحة على أنه معجب به أشد الإعجاب، وأنه كوثري المشرب، وكيف لا وهو يضفي عليه الألقاب الضخمة، التي لا يطلقها عليه غيره، فيقول: "العلامة المحقق الإمام" "ص (٦٨) " من التعليق على "الرفع والتكميل"، بل يقول قبيل مقدمته عليه:
"الإهداء إلى روح أستاذ المحققين الحجة المحدث الفقيه الأصولي المتكلم النظار المؤرخ النقاد الإمام"!! "وقد بلغ من شدة تعلقه به أن نسب نفسه إليه فهو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الحنفي الكوثري" (١)، وأن سمى ابنه الكبير باسم: زاهد، تبركا به وإحياء لذكره! فهو إذن راض عنه وعن أفكاره وآرائه مائة في المائة! فهو مشترك معه في تحمل مسئولياتها، ويؤكده أنه لم يبد أي نقد أو اعتراض في شيء منها في أي تعليق من تعليقاته الكثيرة، بل هو متأثر به إلى أبعد حد، فإنك تراه بينما هو يضفي عليه ما سبق من الألقاب الضخمة، يضن على شيخ الإسلام ابن تيمية
_________
(١) ص ٧٢ من "مقالات الكوثري".
стр. 47
ببعضها، فهو إذا ذكره لا يزيد على قوله: "الشيخ ابن تيمية" "ص ٥٥، ٦٠ - الرفع والتكميل"، مع الاعتراف بأننا لا ندري على وجه اليقين بقصده بـ"الشيخ" هنا، هل يعني في العلم والفضل، أم في العمر والسن، أم في الزيغ والضلال، وكان المفروض أن لا نتوقف في حمله على المعنى الأول، ولكن منعني من ذلك علمي أن أبا عدة "كوثري" كما عرفت، والكوثري يرمي ابن تيمية في كثير من تعليقاته بالزيغ والضلال! بل لقد قال في كتابه "الإشفاق" "ص ٨٩":
"إن كان ابن تيمية لا يزال يعد شيخ الإسلام، فعلى الإسلام السلام"! وغالب ظني أن هذه الكلمة -وأبو غدة متأثر بها قطعا لأنها من شيخه "أستاذ المحققين الحجة … "- هي السبب في اقتصار أبي غدة على لفظ "الشيخ ابن تيمية" دون "شيخ الإسلام" لأنه لو فعل لكان عاقا لشيخه وذلك ما لا يكون منه إلا أن يشاء الله هدايته! أقول هذا مع علمي أنه أطلق مرة هذا اللقب عليه في تعليقه على "الأجوبة الفاضلة" "ص ٩٢"، فإن كان ذلك عن اعتقاد منه بما كتب ورام، ولم يكن منه رمية من غير رام، ولا على سبيل ما يعتقده الناس في بلد إقامته الموقتة "الرياض" ولا من قبيل الزلفى به إليهم، أو غير ذلك من الاحتمالات التي قد تخطر في البال، فيكون أبو غدة بإطلاقه المذكور، قد أعلن براءته من شيخه الكوثري في كلمته السابقة، فلعل عنده من الشجاعة الأدبية ما يتجرأ به على أن يعلن صراحة أنه كتب ذلك عن قناعة واعتقاد فقط، وأن ابن تيمية ﵀ هو شيخ الإسلام حقا، وأن كلمة شيخه الكوثري المتقدم في رد ذلك هو كافر بها ومتبرئ منها، فإن فعل، وذلك مما أشك فيه، سألت الله لنا وله التثبيت!
ومهما يكن قصد أبي غدة من قوله: "الشيخ ابن تيمية"، فالذي لا نشك فيه أنه تلميذ الكوثري حقيقة ومذهبا، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون سلفي المذهب في التوحيد والصفات، كما كان عليه ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، رحمة الله عليهم؛ لأن شيخه الكوثري يعاديهم في ذلك أشد المعاداة، وقد قدمت إليك بعد ما رماهم به من التهم كالتجسيم وغيره، ومن نسبته ابن تيمية خاصة إلى
стр. 48
الكذب والخيانة في النقل! مما يدل على أنه ألد أعداء أهل السنة والحديث إطلاقا في العصر الحاضر.
وإذا كان كذلك، فأبو غدة عدو لدود أيضا لهم، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، وهو يضفي تلك الألقاب الضخمة عليه (١)، فإلى أن يتبرأ من شيخه في معاداته
_________
(١) أعني قوله: "أستاذ المحققين الحجة … " إلخ ما تقدم عنه، ولا شك أن هذا الإطراء من أبي غدة لشيخه الكوثري المعروف بشدة عدائه لأهل السنة، لهو مستنكر أشد الاستنكار عند جماهير القراء، ولكن ماذا يكون شعورهم إذا علموا أن هذا التلميذ البار تلقى مثل هذا الإطراء من شيخه نفسه، مزكيا به الشيخ نفسه بنفسه، على غلاف كتابه؟ فقد جاء تحت عنوان كتابه "تأنيب الخطيب" الذي طبع تحت إشرافه وتصحيحه ما نصه: "تأليف الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير … "! انظر "التنكيل" "١/ ٥".
ثم سرت هذه العدوى إلى التلميذ نفسه، فقد نشر هو نفسه نشرة، أو بعض أصحابه بإشرافه هو طبعا وبعلمه؛ لأن ما فيها من المعلومات الدقيقة عن حياته وأموره الخاصة به، لا يمكن معرفته عادة إلا من طريق المترجم نفسه، فقد جاء فيها، وهي بعنوان: "من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة"، ما ملخصه:
"إن أكبر دليل على عظمة هذا الدين، وأنه من صنع الله العليم الخبير، قدرته على صنع الرجال العظام الأفذاذ" ثم ذكر عمر ﵁ "ولا أدري لم لم يذكر أبا بكر الصديق ﵁ مع أنه أعظم بعد النبي ﷺ "، وخالد بن الوليد وسلمان الفارسي، ثم عدد رجالا من أعلام الإسلام في العصر الحاضر ثم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة! وترجم له ترجمة مستفيضة في خمس صفحات كبار وصف فيها بما يأتي.
"العالم الفذ، والعامل المجاهد، والمربي الناصح الرشيد، علامة البلاد غير مدافع، ورجلها الموثوق بدينه وعلمه وسيرته، علامة الشام، جمع إلى علمه الفذ الغزير التقوى والخشية من الله في السر والعلن، فهو وقاف عند حدود الله لا يتعداها، مبتعد عن الشبهات والمكروهات، ما عرف عنه قط أنه أمر بمعروف إلا وطبقه على نفسه، ومن يعول، ولا نهى عن منكر إلا وقد اجتنبه هو ومن يعول، لديه غرام نادر في معرفة التراث الإسلامي مخطوطه ومطبوعه فما ذكر أمامه مخطوط أو مطبوع إلا بسط لك خصائص الكتاب ومجمل محتواه، وأين طبع وكم طبعة له إن كان مطبوعا، ومكان وجوده وتاريخ نسخه إن كان مخطوطا" قلت: ومن الطرائف أن أحد الظرفاء الأذكياء لما سمع هذا الوصف الأخير، قال: هذا هو الله ﵎! يشير إلى ما فيه من الغلو والإطراء بالحفظ الذي لا يبلغه البشر! =
стр. 49
تلك لأهل السنة، فهو ملحق به، وليس هذا مما ينافي قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
كلا، وإنما هو من باب المؤاخذة على اعترافه بأنه كوثري، وبعلمه بانحراف شيخه وطعنه في أهل السنة وأئمة الحديث والفقه وغير ذلك من مخازيه التي منها مطاعنه العديدة في شيخ الإسلام ابن تيمية حتى لقد قال -عامله الله بما يستحق:
"ولو قلنا لم يبل الإسلام في الأدوار الأخيرة بمن هو أضر من ابن تيمية في تفريق كلمة المسلمين لما كنا مبالغين في ذلك، وهو سهل متسامح مع اليهود والنصاري … " الإشفاق" "ص ٨٦".
إن أبا غدة يعلم هذا وغيره مما ذكرنا وما لم نذكره عن شيخه الكوثري، ولم نره يتعقبه في شيء من ذلك إطلاقا، الأمر الذي يجعلنا نعتقد أنه مع شيخه في عدائه
_________
= وفي النشرة من المعلومات والادعاءات الفارغة، والمغالطات المفضوحة ما يدركه كل من اطلع عليها، وهذا نتف منها تدلك على الهوس الذي أصاب هذا الرجل حتى تورط في إخراج هذه النشرة يمدح بها نفسه -أو يرضى بأن يمدح بها- بقوله:
"كان في القاهرة مثالا للعالم المجاهد!! لا يكتفي بما يلقى عليه في الأزهر، بل يتتبع العلم من أفواه العلماء الأثبات المحققين أمثال شيخه الإمام المحدث الفقيه الأصولي النقادة العف الشيخ محمد زاهد الكوثري".
وقال عن نفسه أيضا: "علامة البلاد غير مدافع، ورجلها الموثوق بدينه وعلمه وسيرته، والأمل المرجّى لكل مسلم … ؟! " و"أجمع علماء المسلمين في الهند وباكستان والحجاز والبلاد الشامية على أن يكون معتمدهم العلمي الموثوق ومرجعهم الفتوي!! ".
و"أن وجوده مصدر إشعاع تستمد به البركة والعصمة"، وأنه "النعمة الكبرى!! " و"أنه عرف برقة الطبع، ورهف الحس، وشفافية النفس، وسمو الذوق، ولطف المعشر، وحلاوة الحديث، ولين الملمس، وتذوق النكتة، وسداد الرأي، ورجاحة العقل، وتألق الذهن، وقوة الحجة، وصدق العاطفة، وحرارة الإيمان وسرعة التنقل، وأناقة المظهر، والتواضع والليونة".
هذا بعض ما جاء في تلك النشرة، ذكرنا ما له ارتباط بموضوعنا، وأما ما فيها من ادعاءات وتزوير للحقائق فمتروك لأصحابها، فإن أهل البيت أدرى بالذي فيه. وأن الواجب يقضي بأن يوقف كل مدع عند حده.
стр. 50
لأهل السنة والحديث، وإلا فليعلن براءته منه جملة وتفصيلا، فإن فعل، وما إخاله أخذنا بظاهر كلامه، ووكلنا سريرته إلى ربه .
وبعد هذا كله: أليس لنا أن نتساءل إذا كان أبو غدة بهذا البعد عن أهل السنة والتوحيد تبعا لشيخه الكوثري، حتى كان يعلن في حلب تكفير القائلين بأن الاستغاثة بغير الله كفر، كما سبق، فكيف طاب له المقام في البلاد السعودية هذه السنين حتى الآن، وهو يعلم أنهم هم الذين كان يعنيهم أصالة بتكفيره المذكور؟ فهل رجع هو عن تكفيرهم وعن القول بجواز الاستغاثة بغير الله، إلى القول الذي كان ينقمه عليهم: إن الاستغاثة كفر. وبذلك حصل الوئام، فطاب له المقام؟
فأقول: الجواب في قلب أبي غدة، ولكن الذي نعلمه عنه هو ما سبق ذكره، ومن القواعد الأصولية المقررة عند الحنفية وغيرهم قاعدة استصحاب الحال إلا لنص، ولما كان لا نص لدينا برجوع أبي غدة عن تكفيره المذكور، فالواجب علينا البقاء على ما نعلمه عنه، وعلى ذلك فلم يحصل الوئام المزعوم؛ لأن السعوديين -وخصوصا أهل العلم منهم- لا يزالون -والحمد لله- محتفظين بعقيدتهم في التوحيد، محاربين للشركيات والوثنيات، التي منها الاستغاثة بغير الله تعالى من الأموات، فكيف إذن طاب له المقام بين ظهرانيهم؟
الذي أتصور أنه لم يكن بينهم كما يجب أن يكون "المربي الناصح الرشيد"! يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، ويبين لهم أن ما أنتم عليه من أمور منكر وضلال، منها إنكار قولهم: إن الاستغاثة بغير الله تعالى كفر، فإنه لو فعل، لكان أمر من ثلاثة أمور:
إما ان يقنعهم بضلالهم، بخطبة نارية يلقيها هناك، كما كان يفعل في بلده "حلب"، وهذا مستحيل.
وإما أن يقنعوه هو بضلاله بما عندهم من حجج ناطقة وأدلة قاطعة من كتاب الله وسنة رسوله، وهذا بعيد!
وإما أن تكون الثالثة ولا بد هي … إلا أن يشاء الله تعالى.
ولما كان يعلم بأن النتيجة هو ما أشرنا إليه، وكان يستحب البقاء بين أظهرهم،
стр. 51
لسبب لا يخفى على القارئ اللبيب، آثر أن يظل بينهم كأي إنسان آخر ليس له هدف إلا … على حد قول الشاعر:
ودارهم ما دمت في دارهم … وأرضهم ما دمت في أرضهم
ولا يستغربن هذا أحد ممن يحسنون الظن بأبي غدة، ولم يعرفوا حتى الآن عقيدته، فإن لدي البرهان القاطع على ما نسبت إليه من المدارة ولم أقل: المداهنة!
لقد قال في مطلع تقريره الجائر ما نصه:
"يرى الناظر في شرح الطحاوية أن الشارح لها من أهل التوثق والضبط والإتقان فيما ينقله من الأحاديث الشريفة وغيرها … بعبارة واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، وبإمامة ملموسة مشهورة".
قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمنا حقا بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلب مخلص فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد -مع الأسف- ما رميته به من المداراة.
المسألة الأولى:
قال الإمام "ص ١٢٥":
"وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث".
قلت: وهذا الإطلاق هو مما يدندن به شيخه الكوثري في تعليقاته، ليتوصل، إلى نفي حقيقة الكلام الإلهي المسموع، وراجع له "شرح الطحاوية" "ص ١٦٨ - ١٨٨"، و"التنكيل" "٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢".
المسألة الثانية:
قال الإمام تبعا لأبي جعفر الطحاوي "ص ١٦٨".
وأن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزل على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أن كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق كلام البشرية".
ثم شرح "الإمام" مذاهب الناس في مسألة الكلام الإلهي على تسعة مذاهب
стр. 52
وبين أن مذهب السلف: أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وإنه يتكلم بصوت.
وشيخ أبي غدة ينفي الصوت المسموع "مقالات الكوثري ص ٢٦"، ويقول في تعليقه على "كتاب البيهقي": "الأسماء والصفات" "ص ١٩٤": "إن موسى ﵇ لما كلمه الله تعالى تكليما لم يسمعه صوته، وإنما أفهمه كلامه بصوت تولى خلقه من غير كسب لأحد … "!
المسألة الثالثة:
قال "الإمام" "ص ٢٨٠" تبعا للطحاوي:
"وهو "تعالى" مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه"
والكوثري لا يؤمن بفوقية الله تعالى على خلقه حقيقة كما يليق بجلاله، بل إنه ينسب القائلين بها من الأئمة إلى القول بالجهة والتجسيم!
المسألة الرابعة:
يثبت الإمام "الفوقية المذكورة بأدلة كثيرة جدا، في بعضها التصريح بلفظ "الأين" الذي سأل به رسول الله ﷺ الجارية ليتعرف على إيمانها"، وشيخك يا أبا غدة ينكر مثل هذا السؤال تبعا لتشكيكه في صحة الحديث كما سبق "ص ٢٧"، فهل تؤمن أنت بهذا الحديث، وتجيز هذا السؤال الذي سأله الرسول ﷺ .
المسألة الخامسة:
يقول "الإمام" تبعا للأئمة مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة:
"إنما الإيمان هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وقالوا: يزيد وينقص".
وشيختك تعصبا لأبي حنيفة يخالفهم مع صراحة الأدلة التي تؤيدهم من الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح ﵃، بل ويغمز منهم جميعا مشيرا إليهم بقوله في "التأنيب" "ص ٤٤ - ٤٥" إلى "أناس صالحون" يشير أنهم لا علم عندهم فيما ذهبوا إليه ولا فقه، وإنما الفقه عند أبي حنيفة دونهم، ثم يقول: إنه الإيمان والكلمة، وإنه الحق الصراح، وعليه فالسلف وأولئك الأئمة الصالحون هم عنده على الباطل في قولهم: بأن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص. وقد
стр. 53
نقل أبو غدة كلام شيخه الذي نقلنا موضوع الشاهد منه، نقله بحرفة، في التعليق على "الرفع والتكميل" "ص ٦٧ - ٦٩"، ثم أشار إليه في مكان آخر منه ممجدا به ومكبرًا له بقوله "ص ٢١٨":
"وانظر لزامًا ما سبق نقله تعليقًا فإنك لا تظفر بمثله في كتاب"، ثم أعاد الإشارة إليه "ص ٢٢٣" مع بالغ إعجاب به، وظني به أنه يجهل -أن هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح- مع ما فيه من المخالفة لما عليه السلف كما عرفت، مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم الذين ذهبوا إلى: أن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار! كما في "البحر الرائق" لابن نجيم الحنفي "٥/ ١٢٩"، والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي، يشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركنًا أصليًّا، ثم يتناسى أنهم يقولون: بأنه يزيد وينقص، وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقًا، بل إنهم قالوا في صدد بيان الألفاظ المكفرة عندهم: "وبقوله: الإيمان يزيد وينقص" كما في "البحر الرائق"، "باب أحكام المرتدين"! فالسلف على هذا كفار عندهم مرتدون!! راجع شرح الطحاوية "ص ٣٣٨ - ٣٦٠"، و"التنكيل" "٢/ ٣٦٢ - ٣٧٣" الذي كشف عن مراوغة الكوثري في هذه المسألة.
وليعلم القارئ الكريم أن أقل ما يقال في الخلاف المذكور في المسألة أن الحنفية يتجاهلون أن قول أحدهم -ولو كان فاسقاً فاجرًا: أنا مؤمن حقًّا، ينافي مهما تكلفوا في التأويل التأدب مع القرآن ولو من الناحية اللفظية على الأقل الذي يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.
فليتأمل المؤمن الذي عافاه الله تعالى مما ابتلى به هؤلاء المتعصبة، من هو المؤمن حقًّا عند الله تعالى، ومن هو المؤمن حقًّا عند هؤلاء؟!
المسألة السادسة:
ذهب "الإمام" شارح الطحاوية "ص ٣٥١" إلى جواز
стр. 54
الاستثناء في "الإيمان" وهو قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، على تفصيل في ذلك بينه، والحنفية يمنعون منه مطلقا، بل إن طائفة منهم ذهبوا إلى تكفير من قال ذلك، ولم يقيدوه بأن يكون في إيمانه، ومنهم الإتقاني في "غاية البيان"، وصرح في "روضة العلماء" "من كتبهم" بأن قوله "إن شاء الله" يرفع إيمانه، فلا يجوز الاقتداء به "يعني في الصلاة"، وفي "الخلاصة" و"البزازية" في كتاب النكاح، عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل: من قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر لا تجوز المناكحة معه. قال الشيخ أبو حفص في "فوائده": لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب. وهكذا قال بعض مشايخنا، ولكن يتزوج بنتهم. زاد "في البزازية" تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب. كذا في "البحر الرائق" "٢/ (٥١) " (١).
المسألة السابعة:
ذهب شارح الطحاوية "ص ٢٣٦ - (٢٣٩) " تبعا لإمامه أبي حنيفة وصاحبيه إلى كراهة التوسل بحق الأنبياء وجاههم.
وهذا مما خالف فيه الكوثري إمامه أبا حنيفة رحمه الله تعالى، اتباعا لأهواء العامة، ونكاية بأهل السنة. كما يعلم ذلك من اطلع على رسالة "محق التوسل" وغيرها. وقد كنت بينت شيئا من تعصبه واتباعه لهواه في محاولة تقويته إسناد حديث
_________
(١) قلت: ومن عجائب ما في هذا الكتاب "٨/ ٢٠٧" حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: من كان على السنة والجماعة استجاب الله دعاءه، وكتب له بكل خطوة يخطوها عشر حسنات، ورفع له عشر درجات، فقيل له: يا رسول الله متى يعلم الرجل أنه من أهل السنة والجماعة؟ فقال: "إذا وجد في نفسه عشرة أشياء، فهو على السنة والجماعة "قلت: فذكرها وفيها" ولا يشك في إيمانه … ".
قلت: وهذا حديث لا أصل له في شيء من كتب السنة، بل هو باطل، لوائح الوضع عليه ظاهرة ومن أجل مثل هذا الحديث اتهم القرطبي فقهاء أهل الرأي بأنهم كانوا ينسبون الحكم الذي دل عليه القياس الجلي عندهم إلى رسول الله ﷺ نسبة قولية، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سندا. نقله الحافظ السخاوي في "شرح ألفية العراقي " ص ١١١" وغيره.
стр. 55
في التوسل، فيه من هو ضعيف عنده، كما هو مشروح في الجزء الأول من "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم "٢٤"، فليراجعه من شاء.
قلت: "فهذه سبع مسائل هامة، كلها في العقيدة، إلا الأخيرة منها، قد وجهتها إلى أبي غدة الذي تظاهر بالثناء على شارح "الطحاوية"، ووصفه بأنه صاحب "إمامة ملموسة مشهورة"، فإذا أجاب بمتابعته له فيها -وهذا ما أستبعده على كوثريته- فالحمد لله، وإن خالفه فيها، وظل على كوثريته، فقد تبين للناس -إن شاء الله تعالى- أن ثناءه على شارح "الطحاوية" "الإمام"، لم يكن عن اعتقاد وثقه به كما زعم، وإن ليتخذه سلما للطعن بمخرج أحاديثه، وإلا كيف ساغ له أن يسكت عن الشارح في هذه الأخطاء بل الضلالات السبع بزعمه تبعا لشيخه الكوثري، وعن أخطائه الأخرى الحديثية التي سبقت الإشارة إلى أنواع منها، وينتقدني شاكيا إلى بعض رؤسائه أو المسئولين هناك في أمور -لو صح نقده فيها- لا تكاد تذكر تجاه تلك، كما ولا كيفا؟!
وليت شعري ما الذي منع أبا غدة، إذا كان لديه من الانتقادات عدة، حول هذا الكتاب أو غيره من مؤلفاتي، أن يفضي بها إلى مباشرة حينما كنا نلتقي مرات في أشهر العطلة الصيفية، في المكتب الإسلامي، بدل أن يغافلني، ويرفع ذلك التقرير الجائر خلسة دون علمي أو علم صديقه صاحب المكتب الإسلامي، ترى ماذا يقول عامة الناس فضلا عن خاصتهم فيمن كان هذا صنيعه مع أخيه؟! فإن قالوا فيه: إنه … فلا يلومن إلا نفسه، وعلى نفسها جنت براقش، وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
وختاما أقول:
لقد كنت أود لو أن الإدارة التي رفع إليها هذا المتعصب الجائر تقريره بادرت إلى إعلامي به قبل أن تلوكه ألسنة الناس، أو إحالته مع صاحبه على لجنة من أهل العلم في بلادها وهم كثر والحمد لله. ليناقشوه على ما ادعاه على كتاب يدرس في معهدها منذ عشر سنوات، وحاز الرضى والقبول من كافة علمائها، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد اللطيف رحمهما الله تعالى والشيخ عبد
стр. 56
العزيز بن باز، والشيخ عبد الرزاق عفيفي بارك الله فيهما وغيرهم، وكذلك الأمر عند علماء سائر الأمصار.
والحقيقة التي تنبه لها بعض الأفاضل أن القصد الكامن وراء ما ادعاه ذلك المتعصب على كتاب "شرح العقيدة الطحاوية" متسترا بالطعن بمخرج أحاديثها إنما هو الطعن في العقيدة نفسها وبمن يؤمن بها في العصر الحاضر، وخصوصا وهي تؤيد عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، ومجدد دعوة التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عليهم، تعصبا للكوثري، بل العلقمي، الذي يتهم هؤلاء الأعلام بالتهم الباطلة، ويلصق بهم وبعقيدتهم أشنع الأوصاف.
وإلا فما الذي يضر القارئ لو سكت الألباني عن تخريج حديث قال الشارح عنه: متفق عليه عند البخاري ومسلم، أو قال هو كذلك، أو قال: صحيح متفق عليه عندهما أو أحدهما، أو نحو ذلك، وقد قدمنا الحجة على ذلك!! ومنه تعلم أن هذا لا يضر القارئ، فكذلك لا يضر الألباني الذي زادت مؤلفاته في الحديث الشريف وفقهه على الخمسين كتابا، جعلها الله تعالى خالصة لوجهه الكريم، وتقبلها منه بمنه وفضله …
وكذلك فلن يضر ذلك ناشر الكتاب، فإن المكتب الإسلامي، وصاحبه الأخ السلفي الأستاذ زهير الشاويش، وقد نشر حتى الآن ما يزيد على أربعمائة كتاب في العقيدة، والتفسير والحديث، والفقه، لن يؤذيه تعطل كتاب له عند الجهة التي قدم المخبر تقريره إليها، ولن يوقفه ذلك عن نشر كتب السلف بالروح العلمية والإتقان … التي اشتهر بها، فإنه مؤمن بهذه العقيدة، ومن الدعاة إليها، الذين آمنوا بها منذ نعومة أظفارهم، خالصا لوجه الله، دون ما رغبة أو رهبة، بل نالهم الأذى في بلادهم، والبلاد التي هاجروا إليها، وأكثر ما نالهم الأذى بسبب هذه التقارير التي يقدمها الجواسيس والمخبرون، المنتشرون في كل مكان، مثل مقدم ذلك التقرير الجائر.
стр. 57
أسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الغل والحقد والحسد، وأن يعمرها بالإيمان والتوحيد الخالص، مصفى من كل أوضار الشرك والوثنية، وأن يلهمنا العمل الصالح، والحب في الله، والبغض في الله، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾.
بيروت، ١٩ رجب سنة ١٣٩١
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 58
صورة المخطوطة الأصل لطبعة المكتب الإسلامي (شرح العقيدة الطحاوية)، ويظهر ما أصابه من حذف وتغيير لاسم المؤلف
صورة إحدى النسخ المخطوطة من الطحاوية
стр. 59
صورة الصفحة ١٠ وهي تعادل الصفحة ٨١. وهي الزيادة التي أشرنا إليها في المقدمة
стр. 60
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوطة
стр. 61
صورة نسخة الرسالة التي فيها أن مؤلف شرح العقيدة الطحاوية طبع المكتب الإسلامي هو العلامة الشيخ علي بن علي بن محمد بن أبي العز
صوة إحدى النسخ المخطوطة من الطحاوية
стр. 62
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الشارح:
وبه نستعين:
الحمد لله [نحمده، و] نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: الفقه الأكبر وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة، إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها، بأسمائه وصفاته وأفعاله. ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه.
ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرِّفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم، وزبدة رسالتهم، معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها.
ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان:
стр. 63
وجوب الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ إيمانا عاما مجملا على كل أحد:
أحدهما: تعريف الطريق الموصل إليه، [وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.
والثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه] من النعيم المقيم، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه، وأعرفهم بحال السالكين عند القدوم عليه، ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله روحا، لتوقف الحياة الحقيقية عليه، ونورا لتوقف الهداية عليه، فقال الله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. [المؤمن: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [سورة الشورى: (٥٢)، ٥٣]، ولا روح إلا فيما جاء به الرسول، ولا نور إلا في الاستضاءة به، وسماه الشفاء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [سورة فصلت: ٤٤]، فهو وإن كان هدى، وشفاء مطلقا، لكن لما كان المنتفع بذلك هم المؤمنين، خصوا بالذكر.
والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فلا هدى إلا فيما جاء به.
ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء الى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء الى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما (١) أوجبه الله على المؤمنين، فهو واجب على الكفاية منهم.
وأما ما يجب على أعيانهم؛ فهذا يتنوع بتنوع قدرهم، وحاجتهم، ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص، وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والمحدث والحاكم ما لا يجب على من ليس كذلك.
стр. 64
وينبغي أن [يعرف] أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق، فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [سورة طه: ١٢٣ - ١٢٦].
قال ابن عباس ﵄: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، [أن] لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآيات، وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها ستكون فتن" قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيع به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع (١) منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" (٢) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، الدالة على مثل هذا المعنى.
ولا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا يدينون به، إلا أن يكون موافقا لدينه الذي شرعه على ألسنة رسله ﵈.
وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه العباد، إلا ما وصفه به المرسلون بقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ
стр. 65
لِلَّه رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [سورة الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون، ثم سلم على المرسلين، لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد.
ومضى على ما كان عليه الرسول ﷺ خير القرون، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يوصي به الأول الآخر (١) ويقتدي فيه اللاحق بالسابق، وهم في ذلك كله بنبيهم محمد ﷺ مقتدون، وعلى منهاجه سالكون، كما قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [سورة يوسف: ١٠٨]. فإن كان قوله. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوفا على الضمير في ﴿أَدْعُو﴾، فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله (٢)، وإن كان معطوفا على الضمير المنفصل، فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون غيرهم، وكلا المعنيين حق.
وقد بلغ الرسول ﷺ البلاغ المبين، وأوضح الحجة للمستبصرين، وسلك سبيله خيرُ القرون.
ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم، وافترقوا، فأقام الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها، كما أخبر الصادق ﷺ بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم" (٣).
стр. 66
التعريف بالإمام أبي جعفر الطحاوي:
وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، تغمده الله برحمته، بعد المائتين، فإن مولده سنة تسع وثلاثين ومائتين، ووفاته [سنة إحدى وعشرين] وثلاثمائة (١).
فأخبر ﵀ عما كان عليه السلف، ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني ﵃، ما كانوا يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين.
وكلما بعُد العهد، ظهرت البدع، وكثر التحريف، الذي سماه أهله تأويلا ليقبل، وقلّ من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل. إذ قد يسمى (٢) صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلا، وإن لم يكن ثم قرينة توجب ذلك، ومن هنا حصل الفساد، فإذا سموه تأويلا قبل وراج على من لا يهتدي إلى الفرق بينهما.
فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إيضاح الأدلة، ودفع الشبه الواردة عليها، وكثر الكلام والشغب، وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين، وخوضهم في الكلام المذموم، الذي عابه السلف، ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه، امتثالا لأمر ربهم، حيث قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] فإن معنى الآية يشملهم.
وكل من التحريف والانحراف على مراتب: فقد يكون كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ.
فالواجب اتباع المرسلين، واتباع ما أنزله الله عليهم. و [قد] ختمهم الله بمحمد ﷺ ، فجعله آخر الأنبياء، وجعل كتابه مهيمنا على ما بين يديه من كتب السماء، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين: الجن والأنس، باقية إلى يوم القيامة، وانقطعت به حجة العباد على الله. وقد بين الله به كل شيء،
стр. 67
وأكمل له ولأمته الدين خبرا وأمرا، وجعل طاعته طاعة له، ومعصيته معصية له، وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم، وأخبر أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره، وأنهم إذا دعوا إلى الله والرسول، وهو الدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله صدوا صدودا، وأنهم يزعمون أنهم إنما أرادوا إحسانا وتوفيقا، كما يقوله كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم: إنما نريد أن نحس الأشياء بحقيقتها، أي ندركها ونعرفها، ونريد التوفيق بين الدلائل التي يسمونها العقليات، وهي في الحقيقة: جهليات، وبين الدلائل النقلية المنقولة عن الرسول، أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة، وكما يقوله كثير من المبتدعة، من المتنسكة والمتصوفة: إنما نريد الأعمال بالعمل الحسن، والتوفيق بين الشريعة وبين ما يدعونه من الباطل، الذي يسمونه: حقائق وهي جهل وضلال، وكما يقوله كثير من المتكلمة والمتأثرة: إنما نريد الإحسان بالسياسة الحسنة، والتوفيق بينها وبين الشريعة، ونحو ذلك.
فكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول، ويظن أن ذلك حسن، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه، فله نصيب من ذلك، بل ما جاء به الرسول كاف كامل، يدخل فيه كل حق، وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه، فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير من الأمور الكلامية الاعتقادية، ولا في كثير من الأحوال العبادية، ولا في كثير من الإمارة السياسية، أو نسبوا إلى شريعة الرسول، بظنهم وتقليدهم، ما ليس منها، وأخرجوا عنها كثيرا مما هو منها.
فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم، وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم، كثر النفاق، ودرس كثير من علم الرسالة.
بل [إنما يكون] البحث التام، والنظر القوي، والاجتهاد الكامل، فيما جاء به الرسول ﷺ ، ليعلم ويعتقد، ويعمل به ظاهرا وباطنا فيكون قد تلي حق تلاوته، وأن لا يهمل منه شيء.
وإن كان العبد عاجزا عن معرفة بعض ذلك، أو العمل به، فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول، بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، لكن عليه أن يفرح
стр. 68
بقيام غيره به، ويرضى بذلك، ويود أن يكون قائما به، وأن لا يؤمن ببعضه ويترك بعضه، بل يؤمن بالكتاب كله، وأن يصان عن أن يدخل فيه ما ليس منه، من رواية أو رأي، أو يتبع ما ليس من عند الله، اعتقادا أو عملا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢].
وهذه كانت طريقة السابقين الأولين، [وهي طريقة التابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، وأولهم السلف القديم من التابعين الأولين]، ثم من بعدهم، ومن هؤلاء أئمة الدين المشهود لهم عند الأمة الوسط (١) بالإمامة.
فعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لبشر المريسي (٢): العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأسا في الكلام قيل: زنديق، أو رمي بالزندقة. أراد بالجهل به اعتقاد عدم صحته، فإن ذلك علم نافع، أو أراد به الإعراض عنه أو ترك الالتفات إلى اعتباره، فإن ذلك يصون علم الرجل وعقله فيكون علما بهذا الاعتبار، والله أعلم.
وعنه أيضا أنه قال: من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر [والقبائل]، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.
وقال أيضا رحمه الله تعالى "شعرا":
كل العلوم سوى القرآن مشغلة … إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا … وما سوى ذاك وسواس الشياطين
стр. 69
وذكر الأصحاب في الفتاوى: أنه لو أوصى لعلماء بلده: لا يدخل المتكلمون، وأوصى إنسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم، فأفتى السلف أن يباع ما فيها من كتب الكلام، ذكر ذلك بمعناه في "الفتاوى الظهيرية".
فكيف يرام الوصول إلى علم الأصول، بغير اتباع ما جاء به الرسول؟! ولقد أحسن القائل:
أيها المغتدي ليطلب علما … كل علم عبد لعلم الرسول
تطلب الفرع تصحح أصلا … كيف أغفلت علم أصل الأصول
ونبينا ﷺ أوتي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والأخروية على أتم الوجوه، ولكن كلما ابتدع شخص بدعة اتسعوا في جوابها، فلذلك صار كلام المتأخرين كثيرا، قليل البركة، بخلاف كلام المتقدمين، فإنه قليل، كثير البركة، [لا] كما يقوله ضلال المتكلمين وجهلتهم: أن طريقة القوم أسلم، وإن طريقتنا أحكم وأعلم! ولا كما يقوله من لم يقدرهم من المنتسبين إلى الفقه: إنهم لم يتفرغوا لاستنباط الفقه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالا منهم بغيره! والمتأخرون تفرغوا لذلك، فهم أفقه!
فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم، وكمال بصائرهم، وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمَّرة إلى المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون (١) في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرا.
وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء، ولكن رأيت بعض الشارحين قد أصغى إلى أهل الكلام المذموم، واستمد منهم، وتكلم بعباراتهم.
والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحا جديدا على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة، ولا كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك مخالفتها الكتاب والسنة، ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين، فضلا عن علمائهم.
ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل، كثر المراء والجدال، وانتشر القيل والقال، وتولد [لهم] عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه المجال، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه".
стр. 70
التوحيد ومعناه:
وقد أحببت أن أشرحها سالكا طريق السلف في عباراتهم، وأنسج على منوالهم، متطفلا عليهم، لعلي أن أنظم في سلكهم، وأدخل في عدادهم، وأحشر في زمرتهم ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [سورة النساء: ٦٩]، ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار، آثرته على التطويل والإسهاب، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [سورة هود: ٨٨]. [هو حسبنا ونعم الوكيل].
قوله: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له".
ش: اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله . قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف: ٥٩]، وقال هود ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف: ٦٥]، وقال صالح ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف: ٧٣]. وقال شعيب ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" (١). ولهذا كان الصحيح أن
стр. 71
أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك، ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك.
وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: كمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى [بغير ذلك من خصائص الإسلام، ولم يتكلم بهما، هل يصير مسلما أم لا؟ والصحيح أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الإسلام، "فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا"، كما قال النبي ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (١)]. وهو أول واجب وآخر واجب.
فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني: توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات (٢). والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء. والثالث: توحيد الإلهية، وهو استحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له.
أما الأول: فإن نفات الصفات أدخلوا نفي الصفات [في] مسمى التوحيد، كجهم بن صفوان (٣) ومن وافقه، فإنهم قالوا: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب، وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة، فإن إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج، وإنما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل، وهذا القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول والاتحاد، وهو
стр. 72
أقبح من كفر النصارى، فإن النصارى خصوه بالمسيح، وهؤلاء عموا (١) جميع المخلوقات، ومن فروع هذا التوحيد: أن فرعون وقومه كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة.
ومن فروعه: أن عباد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا الله لا غيره.
ومن فروعه: أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح، والكل من عين واحدة، لا بل هو العين الواحدة.
ومن فروعه: أن الأنبياء ضيقوا على الناس.
تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
وأما الثاني: وهو توحيد الربوبية، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضة طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة إبراهيم: ١٠].
وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن، كما قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]. وقال تعالى عنه وعن قومه. ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [سورة النمل: ١٤]. ولهذا [لما] قال: وما رب العالمين؟ على وجه الإنكار له تجاهل العارف، قال [له] موسى: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِين، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ
стр. 73
الْأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٢٤ - ٢٨].
وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهما عن الماهية، وأن المسئول عنه لما لم تكن له ماهية عجز موسى عن الجواب وهذا غلط، وإنما هذا استفهام إنكار وجحد، كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحدا لله نافيا له، لم يكن مثبتا له طالبا للعلم بماهيته، فلهذا بين لهم موسى أنه معروف، وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو؟ بل هو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف، ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: أن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال، فإن الثنوية من المجوس، والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما. متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة، هل هي قديمة أو محدثة؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين.
وأما النصارى القائلون بالتثليت، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الابن والأب وروح القدس إله واحد. وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد، فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم! والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص. وقد فطر الله العباد على فساد [هذه] الأقوال بعد التصور التام، وبالجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين.
والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين، مع أن كثيرا من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره، ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل، وزعم أنه يتلقى من السمع.
والمشهور عند أهل النظر إثباته بدليل التمانع، وهو: أنه لو كان للعالم صانعان
стр. 74
فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته، فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع، لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث ممتنع، لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون، وهو ممتنع، ويستلزم أيضا عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، واذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزا لا يصلح للإلهية.
وتمام الكلام على هذا الأصل معروف في موضعه، وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل ﵈، وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة لقمان: ٢٥]. ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة المؤمنون: (٨٤)، ٨٥]، ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم (١) شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب، قال تعالى حكاية عن قوم نوح. ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٢٣] وقد ثبت في "صحيح البخاري"، وكتب التفسير، وقصص الأنبياء وغيرها، عن ابن عباس ﵄، وغيره من السلف، أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم
стр. 75
وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى قبائل العرب، ذكرها ابن عباس ﵄ قبيلة قبيلة (١)، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله ﷺ ؟ "أمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته" (٢)، وفي "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣) يحذره ما فعلوا، قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا، وفي الصحيحين أنه ذكر في مرض موته كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها، فقال: "إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصورا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (٤). وفي "صحيح مسلم" عنه ﷺ أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (٥).
ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب [من] طباعها.
وشرك قوم إبراهيم ﵇ كان -فيما يقال- من هذا الباب، وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم.
وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع، وأنه ليس للعالم صانعان، ولكن اتخذوا هؤلاء