٢- الضرب الثاني: حذف الفعل وجوابه
اعلم أن حذف الفعل ينقسم قسمين:
أحدهما يظهر بدلالة المفعول عليه، كقولهم في المثل: "أهلك والليل"، فنصب، "أهلك" و"الليل" يدل على محذوف ناصب، تقديره: "الحق أهلك وبادر الليل"، وهذا مثل يضرب في التحذير.
وعليه ورد قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١.
ومما ورد منه في الأخبار النبوية أن جابرا تزوج، فقال له رسول الله ﷺ : "ما تزوجت"؟ قال: ثيبا؛ فقال له: "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك"، يريد فهلا تزوجت جارية، فحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.
стр. 562
ومما ورد منه شعرا قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يمتدح بها عضد الدولة أبا شجاع بن بويه، ومطلعها١:
فدى لك من يقصر عن مداكا٢
وسأذكر الموضع الذي حذف منه الفعل، وجوابه لتعلق الأبيات بعضها ببعض، وهي من محاسن ما يؤتى به في معنى الوداع، ولم يأت لغيره مثلها، وهي:
إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا٣
ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا مناكا٤
قد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا
فأكتم منك نجوانا وأخفي ... هموما قد أطلت لها العراكا٥
إذا عاصيتها كانت شدادًا ... وإن طوعتها كانت ركاكا٦
وكم دون الثوية من حزين ... يقول له قدومي: ذا بذاكا٧
стр. 563
ومن عذب الرضاب إذا أنخنا ... يقبل رحل تروك والوراكا١
يحرم أن يمس الطيب بعدي ... وقد عبق العبير به وصاكا٢
يحدث مقلتيه النوم عني ... فليت النوم حدث عن نداكا
وما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا٣
ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي ... فليتك لا يتيمه هواكا
فقوله: "ولا مناكا" فيه محذوف، تقديره: ولا صاحبت مناكا، وكذلك قوله: "ولا
إلا بأن يصغي وأحكي" فإن فيه محذوفا، تقديره: ولا أرضى إلا بأن يصغي وأحكي.
أما القسم الأخر: فإنه لا يظهر فيه قسم الفعل؛ لأنه لا يكون هناك منصوب يدل عليه، وإنما يظهر بالنظر إلى ملاءمة الكلام.
فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٤.
فقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ ، لقد جئتمونا"يحتاج إلى إضمار فعل: أي فقيل لهم: لقد جئتمونا، أو فقلنا لهم.
وقد استعمل هذا القرآن الكريم في غير موضع، كقوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ٥.
стр. 564
فقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ يحتاج إلى تقدير الفعل المضمر.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ ١، فقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ ، لا بد له من إضمار القول، أي: وقلنا له: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ .
ومن هذا الضرب: إيقاع الفعل على شيئين، وهو لأحدهما، كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ٢.
وهو٣ لأمركم وحده، وإنما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى "أجمعوا" من "أجمع الأمر"، إذا نواه، وعزم عليه.
وقد قرأ أبي ﵁: "فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم"، وهذا دليل على ما أشرت إليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه٤.
ومن حذف الفعل باب يسمى "باب إقامة المصدر مقام الفعل".
وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ٥، قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ، أصله: فاضربوا الرقاب
стр. 565
ضربا، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار، مع إعطاء معنى التوكيد المصدري.
وأما حذف جواب الفعل، فإنه لا يكون في الأمر المحتوم، كقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ ١، فجزم: ﴿يَخُوضُوا﴾ ، و ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ ؛ لأنهما جواب أمر ﴿فَذَرْهُمْ﴾ .
وحذف الجواب في هذا لا يدخل في باب الإيجاز؛ لأنا إذا قلنا: ذرهم أي: اتركهم لا يحتاج ذلك إلى جواب، وكذلك ما يجري مجراه.
وإنما يكون الجواب بالفاء في ماض، كقولنا: "قلت له: اذهب فذهب"، وحينئذ يظهر الجواب المحذوف، كقوله تعالى: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا، فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ ٢.
ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؟، فإن تقديره: فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا، فذهبا إليهم، فكذبوهما فدمرناه تدميرا، فذكر حاشيتي القصة أولها وآخرها؛ لأنهما المقصود من القصة بطولها، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ ٣.
стр. 566
فجواب الأمر من هذا الكلام محذوف، تقديره: فأرسله معهم، ويدلنا على ذلك ما جاء بعده من قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ .
كما حذف أيضًا من قوله عزوجل: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ١. الآية.
فجواب الأمر من هذا الموضع محذوف، وتقديره: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه، فقال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ .
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ، قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٢ الآية.
ففي هذا الكلام حذف، واختصار استغني عنه بدلالة الحال عليه، وتقديره: فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة، وقال لهن: ما خطبكن....؟
وهكذا ورد قوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ ٣.
وقد حذف جواب الأمر ههنا، وتقديره: فأتوه به، فلما كلمه.....
وفي سورة يوسف ﵇ محذوفات كثيرة من أولها إلى آخرها.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات المذكورة ههنا التي كأنها لم تحذف من هذا الكلام، لظهور معناها وبيانه؟، ودلالة الحال عليه.
وعلى النحو من ذلك ينبغي أن تكون محذوفات الكلام.
стр. 567
٣- الضرب الثالث: حذف المفعول به
وذلك مما نحن بصدده أخص، فإن اللطائف فيه أكثر وأعجب، كقولنا: فلان يحل ويعقد، ويبرم وينقض، ويضر وينفع، والأصل في ذلك على إثبات المعنى المقصود في نفسك للشيء على الإطلاق.
وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ١.
ومن بديع قوله عزوجل: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ٢.
فإن في هاتين الآيتين قد حذف المفعول به في أربعة أماكن، إذ المعنى: وجد أمة٣ من الناس يسقون مواشيهم، وامرأتين تذودان مواشيهما، وقالتا: لا نسقي مواشينا، فسقى لهما مواشيهما؛ لأن الغرض أن يعلم أنه كان من الناس سقي: ومن الامرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء٤، وأنه كان من موسى ﵇ بعد ذلك السقي، فأما كون المسقي غنما، وإبلا أو غير ذلك فخارج عن الغرض.
وقد ورد في الشعر من هذا النوع قول البعيث بن حريث٥ من أبيات الحماسة٦:
стр. 568
دعاني يزيد بعد ما ساء ظنه ... وعبس وقد كانا على حد منكب١
وقد علما أن العشيرة كلها ... سوى محضري من حاضرين وغيب٢
فالمفعول الثاني من "علما" محذوف؛ لأن قوله: "أن العشيرة" في موضع مفعول "علما" الأول، وتقدير الكلام قد علما أن العشيرة سوى محضري من حاضرين وغيب لا غناء عندهم، أو سواء حضورهم وغيبتهم، أو ما جرى هذا المجرى.
ومن هذا الضرب أيضًا: حذف المفعول الوارد بعد المشيئة، والإرادة كقوله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ ٣.
فمفعول: ﴿شَاءَ﴾ ههنا محذوف، وتقديره ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها.
وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ٤.
ومما جاء على مثال ذلك شعرا قول البحتري٥:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد
الأصل في ذلك: لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، فحذف ذلك من الأول، استغناء بدلالته عليه في الثاني.
وقد تقدم أن من الواجب في حكم البلاغة ألا تنطق بالمحذوف، ولا تظهره إلى اللفظ، ولو أظهرت لصرت إلى كلام غث.
стр. 569
ومجيء المشيئة بعد "لو"، وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معداة إلى شيء كثير شائع بين البلغاء.
ولقد تكاثر هذا الحذف في "شاء" و"أراد" حتى إنهم لا يكادون يبرزون المفعول، إلا في الشيء المستغرب، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ١.
على هذا الأسلوب جاء قول الشاعر٢:
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع٣
فلو كان على حد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ لوجب أن يقول: ولو شئت لبكيت دمًا، ولكنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه؛ لأنه أليق في هذا الموضع، وسبب ذلك أنه كان بدعا عجيبا أن يشاء الإنسان أن يبكي دما، فلما كان مفعول المشيئة مما يستعظم، ويستغرب كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر.
стр. 570
٤- الضرب الرابع: وهو حذف المضاف والمضاف إليه، وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر
وذلك باب عريض طويل شائع في كلام العرب، وإن كان أبو الحسن الأخفش١ ﵀ لا يرى القياس عليه.
فأما حذف المضاف، فكقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ٢، فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج٣، وهو سدهما، كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤، أي: أهل القرية٥.
ومن ذلك أيضًا قوله عزوجل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ٦، أي: خصلة من اتقى، وإن شئت كان تقديره، ولكن ذا البر من اتقى، والأول أولى؛ لأن حذف المضاف
стр. 571
ضرب من الاتساع، والخبر أولى بذلك من المبتدأ؛ لأن الاتساع بحذف الأعجاز أولى منه بحذف الصدور.
وقد حذف المضاف مكررًا في قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ١.
أي: من أثر حافر فرس الرسول.
وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره.
ومما جاء منه شعرا قول بعضهم٢ من شعراء الحماسة:
إذا لاقيت قومي فاسأليهم ... كفى قوما بصاحبهم خبيرا٣
هل اعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا٤
أراد: أنه يقتطع ما في الصدور من الضغائن والأوغام٥؛ أي يزيل ذلك بإحسانه من عفو وغيره، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
أما حذف المضاف إليه، فإنه قليل الاستعمال.
فمما جاء منه تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٦، أي: من قبل ذلك ومن بعده.
وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ٧، قيل: أراد ظهر الأرض، فحذف المضاف
стр. 572
إليه، وليس كذلك، وفإن الهاء والألف قائمة مقام الأرض، ألا ترى أن قوله: "ظهرها" يريد الأرض؛ لأنه ضمير راجع إليها.
وكذلك ورد قول جرير١:
إذا أخذت قيس عليك وخندف ... بأقطارها لم تدر من أين تسرح٢
وهذا لا يسمى إيجازا، وإنما هو تعويض٣ بالضمير عن الضمير.
стр. 573
٥- الضرب الخامس: وهو حذف الموصوف والصفة، وإقامة كل منهما مقام الآخر
ولا يكون اطراده في كل موضع، وأكثره يجيء في الشعر، وإنما كانت كثرته في الشعر دون الكلام المنثور لامتناع القياس في اطراده.
فمما جاء منه في الشعر قول البحتري في أبيات في صفة إيوان كسرى، فقال في ذكر التصاوير التي في الإيوان -وذلك أن الفرس كانت تحارب الروم، فصوروا صورة مدينة "أنطاكية"١ في الإيوان وحرب الروم، والفرس عليها- فمما ذكره في ذلك قوله٢:
стр. 574
وإذا ما رأيت صورة أنط ... كية ارتعت بين روم وفرس١
والمنايا مواثل وأنوشر ... وان يزجي الصفوف تحت الدرفس٢
في اخضرار من اللباس على أص ... فر يختال في صبيغة ورس
فقوله: "على أصفر" أي: على فرس أصفر، وهذا مفهوم من قرينة الحال؛ لأنه لما قال: "على أصفر" علم بذلك أنه أراد فرسًا أصفر.
والصفة تأتي في الكلام على ضربين:
١- إما للتأكيد والتخصيص.
٢- وإما للمدح والذم.
وكلاهما من مقامات الإسهاب والتطويل، لا من مقامات الإيجاز والاختصار، وإذا كان الأمر كذلك لم يلق الحذف به، هذا، مع ما ينضاف إليه من الالتباس، وضد البيان.
ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بطويل لم يبن من هذا اللفظ الممرور به إنسان هو أم رمح، أم ثوب، أم غير ذلك.
وإذا كان الأمر على هذا فحذف الموصوف إنما هو شيء قام الدليل عليه، أو شهدت به الحال، وإذا استبهم كان حذفه غير لائق.
ومما يؤكد عندك ضعف حذفه أنك تجد من الصفات ما لا يمكن حذف موصوفه، وذاك أن تكون الصفة جملة نحو: مررت برجل قام أبوه، ولقيت غلاما وجهه حسن، ألا تراك لو قلت: مررت بقام أبوه، ولقيت وجهه حسن، لم يجز؟.
وقد ورد حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ٣، فإنه لم يرد أن الناقة كانت مبصرة، ولم
стр. 575
تكن عمياء، وإنما يريد آية مبصرة، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه.
ولقد تأملت حذف الموصوف في مواضع كثيرة، فوجدت أكثر وقوعه في النداء، وفي المصدر.
أما النداء فكقولهم: يا أيها الظريف، تقديره: يا أيها الرجل الظريف.
وعليه ورد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ ١ تقديره: يا أيها الرجل الساحر، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢ تقديره: يا أيها القوم الذين آمنوا.
وأما المصدر فكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ٣، تقديره: ومن تاب وعمل عملا صالحا.
وقد أقيمت الصفة الشبيهة بالجملة مقام الموصوف المبتدأ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ٤ أي: قوم دون ذلك.
وأما حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها: فإنه أقل وجودا من حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، ولا يكاد يقع في الكلام إلا نادرًا، لمكان استبهامه.
فمن ذلك ما حكاه سيبويه٥ ﵀ من قولهم: "سير عليه ليل"،
стр. 576
يريدون: ليل طويل، وإنما حذفت الصفة في هذا الموضع لما دل من الحال عليه، وذاك أنه يحسن في كلام القائل لذلك من التصريح، والتطويح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وهو أن يكون في مدح إنسان، والثناء عليه فتقول: "كان والله رجلا" أي: رجلا فاضلا، أو شجاعا أو كريما، أو ما جرى هذا المجرى من الصفات، وكذلك تقول: "سألناه فوجدناه إنسانا" أي: إنسانا سمحا، أو جوادا، أو ما أشبهه، فعلى هذا ونحوه تحذف الصفة، فأما إن عريت عن الدلالة عليها من اللفظ أو الحال، فإن حذفها لا يجوز.
وقد تأملت حذفها فوجدته لا يسوغ إلا في صفة تقدمها ما يدل عليها، أو تأخر عنها، أو فهم ذلك من شيء خارج عنها.
أما الصفة التي تقدمها ما يدل عليها، فقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ١، فحذف الصفة: أي كان يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدل على المحذوف قوله: "فأردت أن أعيبها"، فإن عيبه إياها لم يخرجها عن كونها سفينة، وإنما المأخوذ هو الصحيح دون المعيب، فحذفت الصفة ههنا؛ لأنه تقدمها ما يدل عليها.
وأما التي تأخر عنها ما يدل عليها فقول بعض شعراء الحماسة٢:
كل امرئ ستئيم من ... هـ العرس أو منها يئيم٣
стр. 577
فإنه أراد كل امرئ متزوج، إذ دل عليه ما بعده من قوله: "ستئيم منه"، أو "منها يئيم" إذ لا تئيم هي إلا من زوج، ولا يئيم هو إلا من زوجة، فجاء بعد الموصوف ما دل عليه، ولولا ذلك لما صح معنى البيت، إذ ليس كل امرئ يئيم من عرس ولا تئيم منه عرس إلا إذا كان متزوجا.
وأما ما يفهم حذف الصفة فيه من شيء خارج عن الكلام، فقول النبي ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فإنه قد علم جواز صلاة جار المسجد في غير المسجد من غير هذا الحديث، فعلم حينئذ أن المراد به الفضيلة والكمال، وهذا شيء لم يعلم من نفس اللفظ، وإنما علم من شيء خارج عنه.
стр. 578
٦- الضرب السادس: وهو حذف الشرط وجوابه
فأما حذف الشرط فنحو قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ١.
فالفاء في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ ، جواب شرط محذوف؛ لأن المعنى: إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخلصوها في غيرها، ثم حذف الشرط، وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ ٢: أي: فحلق فعليه فدية.
وكذلك قولهم: "الناس مجزيون بأعمالهم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" أي: إن فعل المرء خيرا جزي خيرا، وإن فعل شرا جزي شرا.
وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ
стр. 579
أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١ تقدير ذلك: فأفطر فعدة من أيام أخر، ولهذا ذهب داود الظاهري٢ إلى الأخذ بظاهر الآية، ولم ينظر إلى حذف الشرط، فأوجب القضاء على المريض والمسافر، سواء أفطر أم لم يفطر.
ومن حذف الشرط قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
اعلم أن هذه الفاء التي في قول الشاعر:
فقد جئنا خراسانا٤
وحقيقتها أنها في جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: إن صح ما قلتم: إن خراسان أقصى ما يراد بنا، فقد جئنا خراسان، وآن لنا أن نخلص.
وكذلك هذه الآية، يقول: إن كنتم منكرين للبعث، فهذا يوم البعث، أي: قد تبين بطلان قولكم.
أما حذف جواب الشرط، فكقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥، فإن جواب الشرط ههنا محذوف، تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟، ويدل على المحذوف قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
стр. 580
٧- الضرب السابع: وهو حذف القسم وجوابه
فأما حذف القسم فنحو قولك: "لأفعلن"، أو غير ذلك من الأقسام المحلوف بها.
وأما حذف جوابه فكقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ ١.
فجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: ليعذبن، أو نحوه، ويدل على ذلك ما بعده من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ، إلى قوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ .
ومما يتنظم في هذا السلك قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ٢، فإن معناه: ق، والقرآن المجيد لتبعثن، والشاهد على ذلك ما بعده من ذكر البعث في قوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ٣.
وقد ورد هذا الضرب في القرآن كثيرا، كقوله تعالى في سورة النازعات: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا، فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا، فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا، يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ٤.
فجواب القسم ههنا محذوف، تقديره: لتبعثن أو لتحشرن، ويدل على ذلك ما أتى من بعده من ذكر القيامة في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ ، وكذلك إلى آخر السورة.
стр. 581
٨- الضرب الثامن: وهو حذف "لو" وجوابها
وذاك من ألطف ضروب الإيجاز وأحسنها.
فأما حذف "لو" فكقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١.
تقدير ذلك: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢.
تقديره: إذ لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون.
وهذا من أحسن المحذوفات.
ومما جاء من ذلك شعرًا قول بعضهم٣ في صدر الحماسة:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا٤
стр. 582
إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا١
ف"لو" في البيت الثاني محذوفة؛ لأنها في البيت الأول قد استوفت جوابها بقوله: "لم تستبح إبلي" ثم حذفها في الثاني، وتقدير حذفها: إذا لو كنت منهم لقام بنصري معشر خشن، أو: إذ لو كانوا قومي لقام بنصري معشر خشن.
وأما حذف جواب "لو" فإنه كثير شائع، وذلك كقولك: لو زرتنا، لو ألممت بنا، معناه لأحسنا إليك، أو لأكرمناك أو ما جرى هذا المجرى.
ومما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ ٢.
فإن جواب "لو" ههنا محذوف، تقديره: لرأيت أمرا عظيما، وحالا هائلة، أو غير ذلك، مما جرى مجراه.
ومما جاء على نحو من هذا قوله : ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٣.
تقديره: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه، وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، ولا يقدرون على دفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر، والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم.
стр. 583
ومما يجري على هذا النهج قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ١.
فجواب "لو" في هذا الموضع محذوف، كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ ٢.
أي: لو أن لي بكم قوة لدفعتكم، أو منعتكم، أو ما أشبهه، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ لكان هذا القرآن.
وهذا الضرب من المحذوفات أظهر الضروب المذكورة، وأوضحها، لعلم المخاطب به؛ لأن قوله تعالى -حكاية عن لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ يتسارع الفهم فيه إلى أن الكلام يحتاج إلى جواب.
ومما جاء منه شعرا قول أبي تمام في قصيدته البائية٣، التي يمدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمورية٤:
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له المراقب بين السمر والقضب٥
فإن هذا محذوف الجواب، تقديره: لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبة الحذار، أو غير ذلك.
واعلم أن حذف هذا الجواب لا يسوغ في أي موضع كان من الكلام، وإنما يحذف ما دل عليه مكان المحذوف.
ألا ترى أنه قد ورد في القرآن الكريم غير محذوف، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
стр. 584
بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ ١.
وهذا ليس كالذي تقدم من الآيات؛ لأن تلك علم مكان المحذوف منها، وهذه الآية لو حذف الجواب فيها لم يعلم مكانه؛ لأنه يحتمل وجوها، منها أن يقال: لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك، وقد تقدم القول في أول باب الإيجاز أنه لا بد من دلالة الكلام على المحذوف.
١٠- الضرب العاشر: وهو حذف جواب "لما" وجواب "أما "
فأما حذف جواب"لما" فكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
فإن جواب" لما" ههنا محذوف وتقديره: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ كان ما كان مما ينطق به الحال، ولا يحيط به الوصف من استبشارهما، واغتباطهما وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما أشبه ذلك مما اكتسباه بهذه المحنة من عظائم الوصف دنيا وآخرة، وقوله: "إنا كذلك نجزي المحسنين" تعليل لتخويل ما خولهما من الفرح، والسرور بعد تلك الشدة العظيمة.
وأما حذف جواب "أما"، فنحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٢.
стр. 587
١١- الضرب الحادي عشر: وهو حذف جواب "إذا "
فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ١.
ألا ترى كيف حذف الجواب عن "إذا " في هذا الكلام، وهو مدلول عليه بقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ، كأنه قال: وإذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا، ثم قال: ودأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة.
стр. 588
١٢- الضرب الثاني عشر: حذف المبتدأ والخبر
أما حذف المبتدأ فلا يكون مفردًا، والأحسن هو حذف الخبر؛ لأن منه ما يأتي جملة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ١.
وههنا قد حذف خبر المبتدأ، وهو جملة من مبتدأ وخبر، وتقديرها: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر.
ومما ورد منه شعرًا قول أبي عبادة البحتري٢:
كل عذر من كل ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار
وهذا قد حذف منه خبر المبتدأ، إلا أنه مفرد غير جملة، وتقديره: كل عذر من كل ذنب مقبول، أو مسموع، أو ما جرى هذا المجرى.
стр. 589
١٣- الضرب الثالث عشر: وهو حذف "لا" من الكلام وهي مرادة
وذلك كقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ ١يريد به: لا تفتأ، أي: لا تزال، فحذفت "لا" من الكلام وهي مرادة.
وعلى هذا جاء قول امرئ القيس٢:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي: لا أبرح قاعدا، فحذفت "لا" في هذا الموضع، وهي مرادة.
стр. 590
ومما جاء منه قول أبي محجن الثقفي١ لما نهاه سعد بن أبي وقاص٢ ﵁ عن شرب الخمر، وهو إذ ذاك في قتال الفرس بالقادسية٣:
رأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تهلك الرجل الحليما
فلا والله أشربها حياتي ... ولا أسقي بها أبدا نديما
يريد: "لا أشربها"، فحذف "لا" من الكلام، وهي مفهومة منه.
стр. 591
١٤- الضرب الرابع عشر: وهو حذف الواو من الكلام وإثباتها
وأحسن حذوفها في المعطوف والمعطوف عليه، وإذا لم يذكر الحرف المعطوف به كان ذلك بلاغةً وإيجازًا، كقول أنس بن مالك١ ﵁: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون"، أو قال: ثم يصلون لا يتوضّئون".
стр. 592
فقوله: "لا يتوضئون" بحذف الواو أبلغ في تحقيق عدم الوضوء من قوله "ولا يتوضئون" بإثباتها، كأنه جعل ذلك حالة لهم لازمة: أي أنها داخلة في الجملة، وليست جملة خارجة عن الأولى؛ لأن واو العطف تؤذن بانفراد المعطوف عن المعطوف عليه، وإذا حذفت في مثل هذا الموضع صار المعطوف، والمعطوف عليه جملة واحدة.
وقد جاء في القرآن الكريم، وذلك أنه يذكر جمل من القول كل واحدة منها مستقلة بنفسها، ثم تسرد سردا بغير عاطف، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ١.
تقدير هذا الكلام: لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم، وقد بدت البغضاء من أفواههم، فلما حذفت الواو جاء الكلام أوجز وأحسن طلاوة، وأبلغ تأليفا ونظما.
وأمثاله في القرآن الكريم كثير.
واعلم أنه قد حذف الواو، وأثبتت في مواضع.
فأما إثباتها فنحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ ٢.
وأما حذفها فنحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ ٣.
وعلى هذا فلا يجوز حذف الواو وإثباتها في كل موضع، وإنما يجوز ذلك فيما هذا سبيله من هاتين الآيتين.
ولنبين لك في ذلك رسما تتبعه، فنقول:
اعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد إلا" يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها، وكقولك: ما رأيت رجلا إلا وعليه ثياب، وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب، بغير واو،
стр. 593
فإن كان الذي يقع على النكرة ناقصًا فلا يكون إلا بحذف الواو، نحو قولك: ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا يجوز إلا وهو كافيك، بالواو؛ لأن الظن يحتاج إلى شيئين، فلا يعترض فيه بالواو؛ لأنه يصير كالمكتفي من الأفعال باسم واحد.
وكذلك جواب ظننت وكان، وإن وأشباهها، فخطأ أن تقول: إن رجلا وهو قائم، ونحو ذلك.
ويجوز هذا في "ليس" خاصة، تقول: ليس أحد إلا وهو قائم؛ لأن الكلام يتوهم تمامه بليس وبحرف ونكرة، ألا ترى أنك تقول: ليس أحد، وما من أحد، فجاز فيها إثبات الواو، ولم يجوز في أظن؛ لأنك لا تقول: ما أظن أحدًا، فأما أصبح وأمسى ورأى، فإن الواو فيهن أسهل؛ لأنهن توأم في حال، وكان وأظن ونحوهما بنين على النقص، إلا إذا "كانت" تامة.
وكذلك "لا" في التنزيه وغيرها، نحو لا رجل، وما من رجل، فيجوز إثبات الواو فيها وحذفها.
واعلم أن العرب قد حذفت من أصل الألفاظ شيئا لا يجوز القياس عليه، كقول بعضهم١:
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم٢
فقوله: "بسبا الكتان" يريد بسبائب الكتان٣.
стр. 594
وكذلك قول الآخر:
يذرين جندل حائر، لجنوبها ... فكأنما تذكي سنابكها الحبا١
فهذا وأمثاله مما يقبح ولا يحسن، وإن كانت العرب قد استعملته، فإنه لا يجوز لنا أن نستعمله.
стр. 595
القسم الثاني: من الإيجاز ما لا يحذف منه الشيء
مدخل
...
القسم الثاني: من الإيجاز فهو ما لا يحذف منه شيء
وأما القسم الثاني من الإيجاز فهو ما لا يحذف منه شيء
وذلك ضربان:
أحدهما: ما ساوى لفظه معناه١، ويسمى "التقدير".
والآخر: ما زاد معناه على لفظه، ويسمى "الإيجاز بالقصر".
فأما الإيجاز بالتقدير، فإنه الذي يمكن التعبير عن معناه بمثل ألفاظه وفي عدتها.
أما الإيجاز بالقصر، فإنه ينقسم قسمين:
أحدهما: ما دل لفظه على محتملات متعددة، وهذا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها، والآخر: ما يدل لفظه على محتملات متعددة، ولا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها، لا، بل يستحيل ذلك.
стр. 596
الضرب الأول: الايجاز بالتقدير
ولنورد الآن الضرب الأول الذي هو "الإيجاز بالتقدير":
فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ١.
فقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ دعاء عليه، وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله عليه.
ولا نرى أسلوبًا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أخشن مسا، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه!
ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ؟
ثم بين الشيء الذي خلق منه بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ، أي: هيأه لما يصلح له.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي: سهل سبيله، وهو مخرجه من بطن أمه، أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريق الخير والشر، والأول أولى؛ لأنه تال لخلقته وتقديره، ثم بعد ذلك يكون تيسير سبيله لما يختاره من طريقي الخير والشر.
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ، أي: جعله ذا قبر يوارى فيه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي: أحياه.
﴿كَلَّا﴾ ، ردع للإنسان عما هو عليه.
﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي: لم يقض مع تطاول زمانه ما أمر الله به، يعني أن إنسانًا لم يخل من تقصير قط.
стр. 597
ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك؛ لأنك كنت تذهب بجزء من معناه؟.
والإيجاز هو ألا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه١.
والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ ٢.
فقوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ من جوامع الكلم، ومعناه أن خطاياه الماضية قد غفرت له وتاب الله عليه فيها، إلا أن قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أبلغ: أي أن السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ٣.
ف"عليه كفره" كلمة جامعة تغني عن ذكر ضروب من العذاب؛ لأن من أحاط به كفره، فقد أحاطت به كل خطيئة.
وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
فهذا الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم.
وروي أن النبي ﷺ قرأها على الوليد بن المغيرة، فقال له: يا ابن أخي، أعده، فأعاد النبي ﷺ قراءتها عليه، فقال له: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.
ومن هذا النحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ
стр. 598
مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ١.
وهذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة التي دلت على تخويف، وإرهاب ترق القلوب، وتقشعر منه الجلود، وهي مشتملة على قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين حشره وحشر غيره من الناس، وتصوير ذلك الأمر الفظيع في أسهل لفظ وأقربه، وما مررت عليها ألا جدت لي موعظة، وأحدثت عندي إيقاظا.
ومن هذا الضرب، ورد عن النبي ﷺ في دعائه لأبي سلمة٢ عند موته، فقال: "اللهم ارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه في الغابرين لنا، وله يا رب العالمين".
وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها، فأوله مفتتح بالمهم الذي يفتقر إليه المدعو له في تلك الحال، وهو رفع درجته في الآخرة، وثانيه مردف بالمهم الذي يؤثر المدعو له من صلاح حاله عقبه من بعده في الدنيا، وثالثه مختتم بالجمع بين الداعي والمدعو له.
وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما قصد له.
وكلام النبي ﷺ هكذا كما قال: "أوتيت جوامع الكلم".
وكذلك ورد قوله ﷺ يوم بدر، فإنه قال: "هذا يوم له ما بعده"، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ .
стр. 599
ولما جرح عمر بن الخطاب ﵁ الجراحة التي مات بها اجتمع إليه الناس، فجاءه شاب من الأنصار وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، لك من صحبة رسول الله وقدم في الإعلام ما علمت، ووليت فعدلت، ثم شهادة.
وهذا كلام سديد قد حوى المعنى المقصود، وأتى به في أوجز لفظ وأحسنه، ومع ما فيه من الإيجاز فإنه مستغرب، وسبب استغرابه أنه جعل المساءة بشرى، وأخرجها مخرج المسرة، وتلطف في ذلك فأبلغ، ولو أراد الكاتب البليغ والخطيب المصقع، أن يأتي بذلك على هذا الوجه لأعوزه.
ومن هذا النمط ما كتبه طاهر بن الحسين١ إلى المأمون٢ عند لقائه "علي بن" عيسى بن ماهان٣ وهزمه إياه وقتله، فكتب إليه: "كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس "علي بن" عيسى بن ماهان٣ بين يدي، وخاتمه في يدي، وعسكره مصرف تحت أمري، والسلام"٤.
وهذا من الكتب المختصرة التي حوت الغرض المطول، وما يكتب في هذا المقام مثله.
стр. 600
ولما أرسل المهلب بن أبي صفرة١ أبا الحسن المدائني٢ إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، وذاك أن الحجاج سأله، فقال: كيف تركت المهلب? فقال: ما أدرك ما أمل، وأمن مما خاف.
فقال: كيف هو لجنده? قال: والد رءوف.
قال: كيف جنده له? قال: أولاد بررة.
قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله٣.
قال: كيف تصنعون إذا لقيتم عدوا?٤ قال: نلقاهم بجدنا "فنطمع فيهم"٥، ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا"٥، قال: كذلك الجد إذا لقي الجد.
"قال: فما حال قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه.
قال: فما منعكم من اتباعه، قال: رأينا المقام من ورائه خيرًا من اتباعه"٥.