← Баляга

Баляга · id 10551

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (992 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ونزع الخاتم من يده وخلع، وترك جسده طعاما للطيور والسباع، والذئاب والضباع، وانجلت الوقعة عن غلب أمير المؤمنين ونصره، وخذلان عدوه وقهره، والسلام. فهذا الكتاب يشتمل على تطويل لا فائدة فيه؛ لأنه كرر فيه معاني يتم الغرض بدونها، وذكر ما لا حاجة إليه في الإعلام بالواقعة. فانظر إلى هذه الكتب الثلاثة، وتأملها كما تأملت الذي تقدمها. وبعد ذلك إني أورد لك كتابا، وتقليدًا يوضحان لك فائدة الإطناب، أما الكتاب فإنه كتاب كتبته عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -رحمه الله تعالى- إلى ديوان الخلافة ببغداد يتضمن فتح بيت المقدس، واستنقاذه من أيدي الكفار، وذلك في معارضة كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني١ عنه، وكان الفتح في السابع والعشرين من شهر رجب من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. "خلد الله سلطان الديوان العزيز النبوي، وجعل أيام دولته أترابا، ومناقب مجدها هضابا وزادها على مرور الأيام شبابا، وأوسعها توشية وذهابا، إذا أوسع غيرها تلاشيا وذهابا، ومنحها في الدنيا والآخرة عطاء وفاقا لا عطاء حسابا، ومثل جدودها في عيون الأعداء شيئا عجابا، وأراهم منها وراءهم في اليقظة إرهابا وإرعابا، وفي المنام إبلا صعابا تقود خيلًا عرابًا، لو جمعت العصور في صعيد واحد لكان هذا العصر عليها فاخرًا، وفاز بسبق أوائلها وإن جاء آخرا، وليس ذلك إلا لخطوته بالدولة الناصرية التي كسته خبرا وقلدته دررا، ودونت له من المحامد سيرا، وجعلت في كل ناحية من وجهه شمسا وقمرا. "وقيض الله لها من الخادم وليا يوصل يومه في طاعتها بأمسه، ولا يرى إلا ومن نفسه في خدمتها رقيب على نفسه، وطالما سعى بين يديها بمساع تغص بأخبارها محافل

стр. 632

القوم، ويقال له فيها: ما ضرك ما صنعت بعد اليوم، وقد سلفت منها آيات تتمايل في أشباهها وأضرابها، واستؤنف لها الآن واحدة تدعى بأم كتابها، وهي فتح البيت المقدس الذي تفتحت له أبواب السماء، وكثرت بأحاديث مجده كواكب ظلماء، واسترد حق الإسلام، وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء، ومن أحسن ما أتي به أنه آنس قبلته الثانية بقبلته الأولى، وأطال منه كل ما قصرته يد الكفر، وكانت هي الطولى، وبه صح لهذا البيت معنى اسمه، وانتقل إلى الطهارة ونزاهتها عن الرجس ووصمه، ولم يحزه الخادم حتى طوى ما حوله من البلاد المنجدة والغائرة، وكان مركزا لدائرتها فغادره وهو طرف من أطراف الدائرة، ولما شارفه نظر منه إلى ظلة من الظلل، ورأى بلدًا قد استقر على متن الجبل مثل الجبل، ويطيف به واد يستهزئ عصمته بنوب الدهر، وقد انعطف على جوانبه انعطاف الحبوة على الظهر١، والمسالك إليه مع ذلك ذات تعاريج ومعارج، وهي ضيقة مستوعرة يطلق عليها اسم الطرق، ولا يطلق عليها اسم المناهج، فلما رآه قال: هذا أمنية لمن يرى، وعلم حينئذ أن كل الصيد في جوف الفرا٢، إلا أن لسان حاله خاطبه، وهو أفصح الخطاب، وقال: امدد يدك فليس دونها من حجاب. وكان قد برز من السلاح في لباس رائع من المنعة، وأخرج من السواد الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعة، وما يمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، ولا يحمى بعوالي الأسوار بل بعوالي الصعاد، وفي يوم كذا وكذا خيم المسلمون في عقر داره، ونزلوا منه نزول الجار إلى جانب جاره، ثم ارتادوا موقفا للقتال، وإن لم يكن هناك موقف يقرب مناله، ولا يتسع مجاله، واتفق الرأي على لسان المنجنيق في خطبة عقيلية أبلغ خطابا.

стр. 633

وأدنى من المطلوب طلابًا، وأنه إذا ضرب بعصاه الحجر انبجست عيون أهله دماء، كما انبجست عيون الحجر ماء. هذا والعزائم تنظر إلى هذا الرأي نظر المستجهل، وتصد عنه صدود المستعجل، وتقول: ما بارتياد السهل تملك الصعاب، ومن ابتنى السيف صرحا لم ينأ عنه بلوغ الأسباب، والحديد لا يفلح إلا بالحديد، والركن الشديد لا يصدم إلا بركن شديد، فعندها صمم الخادم أن يلقى البلد مواصبا لا مواربًا، وأن يجعل للزحف جانبا وللمنجنيق جانبا، ونوى أن يبدي صفحة وجهه أمام الناس، وتأسى برسول الله ﷺ في الاتقاء به إذا اشتد البأس، ولا شك أن قلوب الجيوش بمنزلة قلوبها، وأن النفاذ لأسنة الرماح لا لكعوبها، ولا يشتفي من الوغى إلا من كان طرفه أمام طرفه، ومن وقف خلف جنوده، فقد جعل عزائمها من خلفه. ولما وقع الزحف صورع البلد صراعًا، بعد أن قورع قراعًا، ثم هز هزة طوته بيمينها ونشرته بشمالها، وأذاقته العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر من نكالها، وبدون ذلك يكون عرك أديمه، وعطف شكيمه، ولم يكن قتاله بالسهام التي غايتها أن تصف أجنحتها للمطار، وتنال بكلومها من فوق الأسوار، بل بالسيوف التي إذا جالدت بلدًا أخذت بكظمه، وتوغلت في هجمه، وأغنت بسرعة خطواتها إليه عن المنجنيق وإبطاء هدمه، والسيف ليس بمرتو من النفس التي تظل طائشة عند لقائها، جائشة عند استيفائها، فالقلوب توصف بأنها تجيش إذا كانت أعدادًا، والنفوس لا تجيش إلا إذا كانت ثمادًا، وما يستوي وجوه الأقران في إقدامها وإحجامها، فمنها المظلم إذا رابها الروع بإشراقها، ومنها المشرق إذا شابها الروع بإظلامها، وكانت وجوه المؤمنين في هذا المقام أحظى بلباس الإشراق، وأتم أبدرًا، والبدور لا يكون تمامها في المحاق، فما منهم إلا من عرض نفسه ليوم العرض، ومشى إلى جنة عرضها السموات والأرض، حتى اتسع المكر، وضاق بأعداء الله المقر، وحرقت أوعار الخنادق، وصار الرجال لمنطقة السور كالمناطق، ولم يستشهد منهم إلا عدد يسير لا تدخله لام التعريف، وكانت أجنحة الملائكة مطيفة بهم، فأكرم المطاف به وبالمطيف.

стр. 634

وقد أسعد الله أولئك بالشهادة التي هي الفوز الأكبر، وقرنها بإدناء مضاجعهم من الأرض المقدسة، التي هي أرض المحشر، فما يسرهم أن يعودوا إلى الدنيا إلا للاستزادة من ثواب الجهاد، وأيسر ذلك أن أرواحهم في حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة إلى يوم المعاد. ولما رأى الكفار أن صليبهم قد صار خوارًا، وأن زئيرهم قد انقلب خوارا، أذعنت أيديهم باستسلامها، وصانعت بالمال عن الرقاب واسترقاقها، وبالبلد عن النفوس وحمامها، فأبى السيف أن يترك رقابا تغذي بأكلها، ويحل من عشقها على مداومة وصلها. وذكر الخادم أن سلف هؤلاء انتزاع هذا البلد قسرًا، وفتك بمن كان به من المسلمين غدرًا، وذلك ثأر ذخره الله لك حتى تحظى في الآخرة بثوابه، وتتجمل في الدنيا بزينة أثوابه، والمسلم أخو المسلم يأخذ بدمه، وإن تطاولت أمداد السنين على قدمه، فيا بعد عهد هذا الثأر من ثائره، ويا طيب خبره عند سامعه، وحسن أثره عند ناظره. ولما تحقق العزم على ذلك أشار ذوو الرأي بقبول الفدية المبذولة، وألا يحمل العدو على ما ليست نفسه عليه بمحمولة، فإن النقد١ إذا أخرج صار ذا أنياب وأظفار، واستضرى حتى يلتحق بالسباع الضوار، وهؤلاء إذا رأوا عين القتل تجردوا للقتال، وركبوا الأهوال للنجاة من الأهوال، ومن يدع إلى خطة رشد فليقبلها، ومن أنشط له عقل الأمور فلا يعقلها، وعلى كل حال فإن الفدية للمسلمين أرغب، وأموال يتقوى بها على العدو خير من دماء تذهب. هذا، وبالبلد من أسارى المسلمين من حياة أحدهم بحياة كل نفس، ومن حرمته

стр. 635

عند الله مما طلعت عليه الشمس، ولا يوازى فتحه عنوة أن يتعدى إليهم أضراره، ولا شك أنهم يعاجلون بالقتل قبل أن تدخل أقطاره. فرأى الخادم عند ذلك أن الرأي مشترك، وأن له معتركا كما أن السيف له معترك، وتقرر تسليم البلد ودموع أهله قد خضبت أحداقها، وأقرحت آماقها١ ولم تطب أنفسهم بفراق قمامه حتى كادت الهام تفارق أعناقها، فعلى حسب ذلك التراب تقوم قيامتهم، وتشيل نعامتهم، ولطالما ابتهلوا عنده أيام الحصار، واستنصروه فلم يحظوا منه بمعونة الانتصار، وكيف يرجى النصر من معبود تقر شيعته بقتله؟، أم كيف يدفع عن غيره من كان هو مبتلى بمثله، وهذه عقول سخيفة نفذ فيها كيد شيطانها، وأخفى عنها محجة الحق على وضوح بيانها. ولقد كان يوم التسليم عريض الفخار، زائد العمر على عمر أبويه من الليل والنهار، واشتق من اسمه معنى السلامة للمسلمين والهلاك للكفار، وزاده فخرا إلى فخره أنه وافق اليوم المسفر عن ليلة المعراج النبوي الذي كان في تلك الأرض موعده، ومن صخرتها مصعده، وذلك هو الإسراء الذي ركب إليه ظهر البراق٢، واستفتح له أبواب السبع الطباق، ولقي فيه الأنبياء على اختلاف درجاتهم، فظفر خير ملقى بخير لاق، وبركة ذلك اليوم سرت إلى هذا، فأطالت من شهرته، وضمنته نصرة الدين الحنيف الذي لله عناية بنصرته، وجعلته تاريخًا يؤرخ بفتحه كما أرخ النبي ﷺ بدار هجرته، وإذا أنصف واصفه قال: إنه لليوم البدري في اقتراب النسب، وإنه العجيبة التي لم تجفل عنها الأيام في صفر، وإنما أجفلت عنها في رجب، فما أكثر الفائز فيه والمغبون، والمسرور والمحزون فيمن جد راكب ومن جد راجل، ومن عز قادم وذل راحل.

стр. 636

ولطالما جد الخادم في السعي له وأبصار العدا تزلقه، وألسنتهم تسلقه، وما منهم إلا من أكثر الشناعة بأن ذلك السعي للاستكثار من البلاد، والله يعلم أنه لم يكن إلا للاستكثار من موارد الجهاد، لا جرم أن صدق النية كان له عقبى الدار، وتلك الأقوال الكاذبة كان لها عقبى البوار، ويوم هذا الفتح يفتقر قبله إلى أيام تجلو بياضه عن سوادها، ويلقح لها بطون المساعي حتى يكون هو نتيجة ميلادها، ولما ظفر به الخادم لم يكن لأهل النجامة١ فيه قول يرد كذابه، ولا يقبل صوابه، والشهب الطالعة على ذوات السروج، أصدق نبأ من الشهب الطالعة من ذوات البروج، على أنهما وإن اتفقا رجما فإنهما يختلفان علما، فعلم هذه يسأل عنه ثغر الأعناق، وعلم هذه يسأل عنه بطون الأوراق. ولما دخل البلد وجد به أممًا لولا أن ضربت عليهم الذلة لدافعوا المنايا مكاثرة، وغالبوا السيوف مصابرة، وهم طوائف مختلفو الألسنة والألوان، وإن قيل: إنهم أناسي فإن صورهم صور الجان، ومنهم طائفة استشعرت حبس نفوسها، وفحصت الشعر عن أوساط رءوسها، وتوحشت بالرهبانية حتى ارتاعت العيون من أشكالها ولبوسها. ولما رأوا طليعة الإسلام داخلة عليهم أعلنوا بالجؤار٢، واصطرخوا جميعًا كما يصطرخون غدا في النار، وزادهم غيظا إلى غيظهم أنهم رأوا الصلاة قائمة، وقد صار الناقوس أذانا، وكلمة الكفر إيمانا، وأقيمت الجمعة، وهي أول جمعة حظي الأقصى بمشهدها، وحضرتها الأمة الإسلامية بأحمرها وأسودها، فمن باك بدمعة سروره الباردة، ومن مجيل نظره في نعمة الله الواردة، ومن شاكر للزمن الذي أبقاه إلى يومه هذا الذي كل الأيام له حاسدة، من كان ولده تقدم قبله أو بعده فكأنه لم يولد، وكانت هذه الجمعة في رابع شعبان، وهو الشهر الذي جعله الله طليعة لشهر الصيام، وليلة نصفه هي الليلة المعروفة بإحياء قيامها إلى حين وفاة شخص الظلام، والتي يغفر فيها لأكثر من شعر غنم كلب من ذوي الذنوب والآثام.

стр. 637

وجيء باللواء الأسود، فركز من المنبر في أعلاه، ونطق لسان حاله، فقال: من كان رسول الله ﷺ مولاه فأنا مولاه، ولم يكن لسان الخطيب بأفصح بيانًا من لسانه، غير أن هذا يزهى ببلاغ موعظته، وهذا يزهى بعزة سلطانه، ولما ذكرت سمات الخلافة المعظمة أتبعها الناس بالدعاء الذي ملأ المسجد بعجيجه، وسبق الكرام الكاتبون بزميله إلى السماء ووشيجه، وكان اليوم فصلا، والموقف حفلا، وذلك الدعاء فرضا لا نفلا. ولا ينتهي النصف إلا ما شوهد بالبلد من الآثار العجيبة التي تستلبث العجلان، وتستحلب الأذهان، وتستنطق الألسنة بالتسبيح لله الذي فطر الإنسان، ومن جملة ذلك ما تبوهي في حسنه من البيع والصوامع، ذوات الأبنية الروائع، التي روضت بالزخارف ترويض الأزهار، ورفعت معاقدها حتى كادت النجوم توحي إليها بالأسرار، وما منها إلا ما يقال: إنه إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ولقد ألان الله لهم الحجارة حتى تخيروا في توسيعها بضروب الاختيار، وجعلوها أعاجيب للأسماع والأبصار، وقيل فيها: هذه روضات جنان لا أفنية ديار. هذا إلى غيره مما وجد من معبودات القوم الموصوفة بأنها آلة الصلب، اللاتي من ذوات النصب، وأكثر ذلك وجد في المسجد موضوعا، وعلى قبته مرفوعا، فأنزلت على قرونها، واستن بسنة رسول الله ﷺ في طعن عيونها، واستوطن المؤمن مكان الكفور، وبدلت الظلمات بالنور، وقالت الصخرة: الآن جمع بيني وبين الحجر الأسود لخاطب الإسلام، والجمع بين الأختين في هذا الأمر من الحلال لا من الحرام، وقال الأقصى: سبحان الذي أسرى إلي بجنده، كما أسرى بعبده، وأعاد لي عهود الفتح الأول بهذا الفتح الذي أتى من بعده، وعود الذاهب أرجى لدوام أحقابه، وخلود الإنسان لا يكون إلا في مآبه، وهذا هو الخطب الذي جدد للإسلام عهود ابن خطابه١ ﵁ إلا أن مستنقذ الطريدة أولى بها من صاحبها، ولئن غصبتها يد غالبة، فقد جاء الله باليد التي غصبتها من غاصبها.

стр. 638

هذا ولم يستنقذها الخادم إلا بإنضاء سلاح أنفته الوقعة الأولى التي استأصلت حماة البلاد، واستباحت أغيالها بقتل الآساد، فكانت لهذا الفتح عنوانا، ولتقرير أصوله بنيانا، ولم ينج بها من طواغيت الكفر إلا طاغية ترابلس، فإن السيوف أسأرته وبفؤاده قلق من أوجالها، وفي عينه دهش من أهوالها، وقد قرن الله هذا الفتح ببشرى موته. وكفى المسلمين مؤنة الاهتمام لفوته، ففر من الوقعة، ولم ينج بذلك الفرار، واعتصم بذات جداره، فقتله الخوف من وراء الجدار، ولا فرق بين قتيل خوف السفار، وبين قتيل الشفار، ولقد فر من المكروه إلى مثله، لكنه انتقل من ميتة عزه إلى ميتة ذله. وكذلك آثار الخادم في أعداء الله فهم هلكى بسيفه في مواقف الطراد، فإن فروا فبخوفه على جنوب الوساد، وبعد هذه فهل يمترون في أن دمائهم قد استجابت لمراده، وأن سواء لديه من أمكن منها في دنوه، ومن امتنع منها في بعاده، وكل ذلك مستمد من الاستنصار بعناية الديوان العزيز التي من شأنها أن تجعل الرؤيا حقًّا، وأحاديث الآمال صدقا، وتقرب بعيدات الأمور حتى تجعل الشرق غربا والغرب شرقا، فهذا الفتح منسوب إليها، وإن كان الخادم هو الساعي في تسهيله، والمجاهد بنفسه وماله في سبيله، فعلى عطف دولتها ترقم أعلامه، وفي أيامها تؤرخ أيامه. ولو أبيح للقلم الخيلاء في مقام المقال، كما أبيح لصاحبه في مقام القتال، لاختالت مشيته في هذا الكتاب، ولقال: وأسهب فليس الإكثار ههنا من الإسهاب، لكنه منعه من ذلك أن يكون ممن فخر بعمله فأبطله، وأرسل خطابه إلى الديوان العزيز، فلم يقبضه بالأدب حين أرسله، وقد ارتاد من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي، فأحسن الناس بيانًا مؤهل لإيداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحبها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والأيام والليالي رواة، فما الظن برواية الأيام والليال؟

стр. 639

وستتلو هذه الأخبار الصادقة بمشيئة الله أخبار مثلها صادقة، وما دامت السيوف ناطقة في يد الخادم فالألسنة عنها ناطقة، وللآراء العالية مزيد العلو، إن شاء الله تعالى. وأما التقليد، فإنه تقليد أنشأته لمنصب الحسبة، وهو: "أما بعد، فقد جعل الله جزاء التمكين في أرضه أن يقام بحدود فرضه، ونحن نسأله التوفيق لهذا الأمر الذي ثقل حمله وعدم أهله، فقد جيء بنا في زمن أصبح الناس فيه سدى، وعاد الإسلام فيه غريبا كما بدا، وهو الزمن الذي كثرت فيه أشراط١ اليوم الأخير، وغربلت فيه الأمة حتى لم يبق إلا حثالة٢ التمر والشعير. ومن أهم ما نقرر بناءه، ونقدم عناءه، ونصلح به الزمن وأبناءه، أن نمضي أحكام الشريعة المطهرة على ما قررته، في تعريف ما عرفته، وتنكير ما نكرته، ومدار ذلك على النظر في أمر الحسبة التي تتنزل منه بمنزلة السلك من العقد، والكف من الزند، وقد أخلصنا النية في ارتياد من فيها ويكفيها، ويصطفى لها ولا يصطفيها، وهو أنت أيها الشيخ الأجل "فلان" أحسن الله لك الأثر، وصدق فيك النظر، فتولها غير موكول إليها، بل معانا عليها. واعلم أن الناس قد أماتوا سننا وأحيوا بدعا، وتفرقوا فيما أحدثوه من المحدثات شيعا؛ وأظلم منهم من أقرهم على أمرهم، ولم يأخذ بقوارع زجرهم، فإن السكوت عن البدعة رضا بمكانها، وترك النهي عنها كالأمر بإتيانها، ولم يأت بنا لله تعالى إلا ليعيد الدين قائما على أصوله، صادعا بحكم الله فيه وحكم رسوله. ونحن نأمرك أن تتصفح أحوال الناس في أمر دينهم الذي هو عصمة مالهم، وأمر معاشهم الذي يتميز به حرامهم عن حلالهم، فابدأ أولًا بالنظر في العقائد، واهد فيها

стр. 640

إلى سبيل الفرقة الناجية١ الذي هو سبيل واحد، وتلك الفرقة هي السلف الصالح الذين لزموا مواطن الحق فأقاموا، وقالوا: ربنا الله ثم استقاموا، ومن عداهم شعب دانوا أديانا، وعبدوا من الأهواء أوثانا، واتبعوا ما لم ينزل به الله سلطانا "ولو نشاء لأريناكهم، فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول، والله يعلم أعمالكم"٢، فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله، ولا تسمع له قولا، ولا تقبل منه صرفا ولا عدلا، وليكن قتله على رءوس الأشهاد ما بين حاضر وباد، فما تكدرت الشرائع بمثل مقالته، ولا تدنست علومها بمثل أثر جهالته، والمنتمي إليها يعرف بنكره، ويستدل عليه بظلمة كفره، وتلك الظلمة تدرك بالقلوب لا بالأبصار، وتظهر زيادتها ونقصها بحسب ما عند رائيها من الأنوار، وما تجده من كتبها التي هي سموم ناقعة، لا علوم نافعة وأفاعي ملقفة، لا أقوال مؤلفة، فاستأصل شأفتها٣ بالتمزيق، وافعل بها ما يفعله الله بأهلها من التحريق، ولا يقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع آثارها، والكشف عن مكامن أسرارها، فمن وجدت في بيته فليؤخذ جهارا، ولينكل به إشهارا، وليقل: هذا جزاء من استكبر استكبارا، ولم يرج لله وقارا. وأما من تحدث في القدر، وقال فيه بمخالفة نص الخبر، فليس في شيء من ربقة الإسلام، وإن تنسك بمداومة الصلاة والصيام، قال النبي ﷺ : "القدرية مجوس هذه الأمة"، والمراد بذلك أنهما ماثلوا بين الله والعبد، والضياء والظلمة، فعلاج هذه الطائفة أن تجزى بأن تخزى، فليقابل جمعها بالتكسير، واسمها بالتصغير، ولتنقل إلى ثقل الحدود عن خفة التعزير، ومن كان منها ذا مكانة نابهة فليهبط، أو شهادة عادلة فليسقط:

стр. 641

وكذلك يجري الحكم فيمن قال بالتشبيه والتجسيم، أو قال بحدوث القرآن القديم، ومن ملحدي القرآن فرقة فرقت بين المعنى والخط، وفرقة قالت فيه بالشكل والنقط، وكل هؤلاء قوم خبثت سرائرهم، وعميت أبصارهم، وعظمت عند الله جرائمهم، فخذهم بالتوبة التي تطهر أهلها، وتجب ما قبلها، وليست التوبة عبارة عن ذكرى اللسان، والقلب لاه في قبضة النسيان، بل هي عبارة عن الندم على ما فات، واستئناف الإخلاص فيما هو آت، وقد جعل الله التائب من أحبابه، ووصفه في مواضع كثيرة من كتابه، ومن فضله أن الملائكة يستغفرون لذنبه، ويشفعون له إلى ربه، فإن أبت هذه الطوائف إلا إصرارًا، ولم يزدهم دعاؤك إلا فرارًا، فاعلم أن الله قد طبع على قلوبهم طبعًا، وألحقهم بالذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره، وكانوا لا يستطيعون سمعا، فخذهم عند ذلك بحد الجلد، فإن لم ينجع فبحد ذوات الحد، فإن هذه أمراض عمى لا ترجى لها الإفاقة، ولا تبرئ منها إلا الدماء المراقة. وأما الفرقة المدعوة بالرافضة، التي هي لما رفعه الله خافضة، فإنهم أناس ليس لهم من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه، وإذا نقب عن مذهبهم وجد على العصبية موضوعًا، ولغير ما شرعه الله ورسوله مشروعا، ذبُّوا عن علي ﵁ فأسلموه، وأخروه إذ قدموه، وهؤلاء وضعوا أحاديث فنقلوها، وأولوا على ما أولوها، فتبع الآخر منهم الأول على غمة، وقالوا: إنا وجدنا آبائنا على أمة. وههنا غير ما ذكرناه من عقائد محلولة، ومذاهب غير منقولة ولا مقبولة، وبالهدي يتبين طريق الضلال، وبالصحة يظهر أثر الاعتلال ولا عقيدة إلا عقيدة السنة والكتاب، ولا دين إلا دين العجائز الماء والمحراب. وإذا فرغنا من الوصية بالأصول التي هي للدين ملاك، فلنتبعها بالفروع التي هي له مساك: وأول ذلك الصلاة، وهي في مباني الإسلام الخمس أوكد خمسه، وآخر ما وصى به رسول الله ﷺ عند مفارقة نفسه، ومن فضلها أنها العمل الذي

стр. 642

ينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا عذر في تركها لأحد من الناس فيقال: إنه يعذر، فاجمع الناس إليها، واحملهم عليها، ومرهم بالاجتماع لها في المساجد، وناد فيهم بفضيلة صلاة الجماعة على صلاة الواحد، وراقبهم عند أوقات الأذان في الأسواق التي هي معركة الشيطان، فمن شغل بتثمير مكسبه، ولها عنها بالإقبال على لهوه ولعبه، فخذه بالآلة العمرية التي تضع من قدره، وتذيقه وبال أمره، ولا يمنعك عن ذي هيبة هيبته، ولا عن ذي شيبة شيبته، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. ومن مهمات الصلاة يوم الجمعة الذي هو في الأيام بمنزلة الأعياد في الأعوام، وفيه الساعة المخصوصة بالدعاء المجاب، التي ما صادفها عبد إلا ظفر بالطلاب، فمر الناس بابتداره في البواكر، والفوز فيه بقربان البدنات١ الأخاير، فإنه اليوم الذي لم تطلع الشمس على مثله، وبه فضل هذا الدين على أهل الكتاب من قبله -فهو واسطة عقد الأيام السبعة، ولاشتماله على مجموع فضلها سمي يوم الجمعة، وفي الأعوام مواسم لصلوات مخصوصة كالتراويح في شهر رمضان، والرغائب في أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان، فلتملأ المساجد في هذه المواسم التي تكثر فيها شهادات الأقلام، في كتب الطاعات ومحو الآثام، ومن حضرها وليس همه إلا أن يمر بها طروقًا، ويواعد إليه أخدانه رفثًا وفسوقًا، فهؤلاء هم الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فابعث عليهم قوما يسلبونهم سلبا، ويوجعونهم ضربا، ويملئون عيونهم مهابة وقلوبهم رعبا، فبيوت الله مطهرة من هذه الأدناس، ولم تعمر لشياطين الإنس وإنما عمرت للناس، فلا يحضرها إلا راكع وساجد، أو ذاكر وحامد. وههنا عظيمة عضيهة٢، وفاحشة يفقه لها من ليست نفسه بفقيهة، وهي الربا، فإنه قد كثر أكله، وتظاهر به فاعله، وقال فساق الفقهاء بتأويله؛ وتوصلوا إلى

стр. 643

شبهة تحليله، ولا يتسارع إلى ذلك إلا من أعمى الله قلبه، ومحق كسبه، قال النبي ﷺ : "لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها، وباعوها وأكلوا أثمانها"، ونحن نأمرك أن تشمر في هذا الأمر تشميرًا يرهبه الناس، ولا تدع ربا حتى تضعه، وأول ربًا تضعه ربا العباس١؛ فتأديب الكبير قاض بتهذيب الصغير، والأسوة بالرفيع خلاف الأسوة بالنظير؛ وجل معاملة الربا تجري في سوق الصرف الذي تختلف به النقود، وتفترض فيه العقود، ويخاض في نار نيره إلى النار ذات الوقود، وبه قوم أوسعوا عيون الموازين غمزًا، وألسنتها همزًا ولمزًا، وأصبح الدرهم والدينار عندهم بمنزلة الصنمين: اللات والعزى، ولا يرى منهم إلا من الحرص مفاض على ثيابه، وقد جمع بين المعرفة بالحرام والهجوم على ارتكابه، فعدل ميل هؤلاء تعديلا، وتخولهم على مرور الأيام تخويلا، واعلم أنك قد وليت من الكيل، والميزان أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة، فباشرهما بيدك مباشرة الاختبار والاختيار، ولا تقل أهلهما عثرة، فإن الإقالة لا تنتهى عن العثار، وكل هؤلاء من سواد الناس ممن لم يزك غرسه، ولا فقهت نفسه، وليس همه إلا فرجه وضرسه، فخذهم بآلة التعزيز التي هي نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، ومن آثارها أنها ترج أرض الرأس رجا، وتفرج سماءه فرجا، ويسلك بصاحبه هديا ونهجا. وقد كثر في الأسواق الخلابة والنجش٢، وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، وتنفيق السلعة باليمين الكاذبة، وكل هذه من المحظورات التي وردت الأخبار النبوية ببيانها، والنهي عن تورد مكانها، فمن قارف شيئا منها جاهلًا بتحريمه فقومه بالتعليم، واهده إلى الصراط المستقيم، ومن عرف ما اقترف، فأذقه حر التأديب، قبل أن يذاق غدًا حر التعذيب، وأعلمه أن الأرزاق بيد الله تعالى لا ينقصها عجز

стр. 644

القاعد، ولا يزيدها حرص الكادح، وقد ينقلب الجاهد فيها بصفقة الخاسر، والوادع بصفقة الرابح، ومن سنة الله تعالى أن ينمي الحلال وإن كان يسيرًا، ويمحق الحرام، وإن كان كثيرًا. ومن الناس من آتاه الله مالا فبث في الأسواق جنود ذهبه وورقه، واحتكر ما حمله الميزان من ذوات رطله، ووسعه الكيل من ذوات وسقه، فأصبح فقراء بلده في ضيق من عدم الرفق، ومدد الرزق، فليمنع هؤلاء أن يجعلوا رزق الله محتكرًا، ومعاش عباده محتجرًا، وليؤمروا بأن يتراحموا، ولا يتزاحموا، وأن يأخذ الغني منهم بقدر الكفاف، ويترك للفقير ما يعينه على الإسعاف، قال عمر بن الخطاب ﵁: "لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من أرزاق الله تعالى ينزل بساحتنا، فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده، فذلك ضيف عمر، فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله". وأما التسعير فإنه وإن آثره القاسطنون، وحكم به القاسطون، وقيل: إن في ذلك للفقير تيسير العسير، فليس لأحد أن يكون يد الله في حفظ ما رفع، وبذل ما منع، فقف أنت حيث أوقفك حكم الحق، ودع ما يعن من مصلحة الخلق، ولا تكن ممن اتبع الرأي والنظر، وترك الآية والخبر، فحكمة الله مطوية فيما يأمر به على ألسنة رسله، وليست مما يستنبطه ذو العلم بعلمه، ولا يستدل عليه ذو العقل بعقله، "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا"١. ومما نأمرك به أن تمحو الصغيرة، كما تمحو الكبيرة، فإن لمم الذنوب كالقطر يصير مجتمعه سيلا متدفقا، وكان أوله قطرًا متفرقا. وقد استمر في الناس عوائد تهاونوا باستمرارها، ولم ينظروا إلى ثقل أوزارها، فمن ذلك لبس الذهب، والحرير الذي لم يلبسه إلا من عدم عند الله خلاقا، وإن قيل: إنه

стр. 645

شعار للغني فلم يزد صاحبه من الحسنات إلا إملاقًا، وللبس عباءة مع التقوى أحسن في العيون شعارًا، وأعظم في الصدور وقارًا. ويلتحق بهذه المعصية صوغ الذهب، والفضة آنية يمنع منها حق الصدقات، وهو حق يقاتل مانعه، ويعصى في استعمالها أمر الله، وهو حد من حدوده يعاقب عاصيه، ويثاب طائعه. وكذلك يجري الحكم في الصور المرقومة في البيوت والثياب، وعلى الستور المغلقة على الأبواب، وإخراجها في ضروب أشكال الحيوان لملاعبة الصبيان، وذلك مماثلة لخلق الله في التقدير، ولهذا يؤمر صانعه بنفخ الروح فيما صوره من التصوير. ومما يغلظ نكيره إطالة الذيول للاجترار، والمباهاة لما فيها من عنجهية التيه والاستكبار، ولن يخرق صاحبها الأرض بإعجابه، ولا يبلغ الجبال بإطالة ثيابه١، قال النبي ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء". ومما هو أشد نكيرًا أمر الحمامات، فإن الناس قد أصروا بها على الإجهار، وترك الاستتار، والتهاون بأمر العورات التي لصاحبها اللعنة، وله سوء الدار. والنساء في هذا المقام أشد تهالكًا من الرجال، وقد ابتذلن أنفسهن حتى أفرطن في فاحشة الابتذال، ولهن محدثات من المنكر أحدثها كثرة الإرفاه والإتراف، وأهمل إنكارها حتى سرت في الأوساط والأطراف، وقد أحدثن الآن من الملابس ما لا يخطر للشيطان في حساب، وتلك من لباس الشهرة الذي لا يستر منه إسبال مرط٢، ولا إدناء جلباب. ومن جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثال الأسنمة، ويخرجن من جهارة

стр. 646

أشكالها في الصور المعلمة، وقد أخبر رسول الله ﷺ "بها فيما ورد عنه من الأخبار، وجعل صاحبها معدودًا من زمرة أصحاب النار. ومما حيد به عن السنن قراءة القرآن بضروب الألحان، وتلك قراءة تخرج حروفها من غير مخرج، وتبدو معوجة وهو قرآن عربي غير ذي عوج، وقد أمر الله بترتيله، وإيراده على هيئة تنزيله، فمن قرأه بالترجيع والترديد، وزلزل حروفه بالتمطيط والتمديد، فقد ألحقه بدرجات الأغاني، وذهب بما فيه من طلاوة الألفاظ والمعاني، قال النبي ﷺ : "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء، والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم". ويلتحق بذلك اقتناء القينات المغنيات اللاتي يلعبن بالعقول لعبهن بالأسماع، ويغنين الشياطين بغنائهن عن بث الجنود والأشياع، وفتيا النفس الأمارة في ذلك أن تقول: هؤلاء إماء يحل نغمة سماعهن، كما يحل ما تحت قناعهن، وقد علم أن لكل شيء تماما، وقد ينقلب فيصير حرامًا، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، قال النبي ﷺ : "لا تبيعوا القينات المغنيات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام". وفي مثل هذا أنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ١. وكذلك يجري الحكم في المواشط اللاتي يجعلن الحسن موفورًا، والقبح مستورًا، ويخدعن الناظر حتى يجعلنه مسحورًا، فهن يبدين صدقًا من كذب، وجدا من لعب، وفعلهن هذا من الغش الذي نهى رسول الله ﷺ عنه، وقال: "إنه ليس منه" ٢، وقد لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة٣.

стр. 647

ومن غش المنكرات أيضًا خضاب الشيب الذي يخالف فيه الظاهر الباطن، ويتخلق صاحبه بخلق الكاذب الخائن، وهب أنه أخفى لون شعره، وهل يخفي أخلاق لباسه، وإذا استسن ملائم المرء، فلا يغنيه سواد عارضه، ولا سواد رأسه، وقد جعل الله الشيب من نعمه المبشرة بطول الأعمار، وسماه نورا للونه وهدايته، ولا تستوي الظلمات والأنوار، قال النبي ﷺ : " قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة" ... والأولى بصاحب١ الشيب أن يشتغل بتغيير صيغة الكتاب٢، ويدأب في محو سواد العقاب ببياض الثواب، ففي بقية عمره مندوحة لادخار ما يحمد ذخره، وتبديل ما تقدم سطره. ومما خولفت فيه السنة عقد مجالس التعازي لحضور الناس، وإظهار شعار الأسود، والأزرق من اللباس، والتشبيه٣ بالجاهلية في النوح والندب، ومجاوزة دمع العين وخشوع القلب إلى الإعلان بإسخاط الرب، وقد تواطأ النساء على ضرب الخيام على القبور، وجعل الأعياد مواسم لاجتماع الزائر والمزور، فصارت المآتم بينهم ولائم، والمنادب عندهم مآدب، وربما نشأ من ذلك ما يغض طرفا، ويجدع أنفا، ويوجب حدا وقذفا، وهكذا أهمل أمر الإسلام في تشبه أهل الذمة بأهله، وما كانوا ليشابهوه في زي غرته، ويخالفوه في سلوك سبله، ولا بد من الغيار بأن يشد النصراني عقدة زناره، ويصفر اليهودي أعلى إزاره. وليمنعوا من الظاهر٤ بطغيان النعمة وعلو الهمة، ويؤمروا بالوقوف عند ما حكم عليهم من الأحكام، وأخذوا فيه بالاختفاء والاكتتام، فخمورهم تستر،

стр. 648

وشعائر دينهم لا تظهر، وموتاهم تقبر بالخمول قبل أن تقبر، فلا يوقد خلف ميتهم مصباح، ولا يتبع بندب ولا صياح. ومما عرف الناس منكره إثارة التحريش بين الحيوانات، وهي ذوات أكباد رطبة، وأخلاق صعبة وما منها إلا ما يحل أكله، ولا يحل قتله، كالكبش والحجلة والديك، والسماني وما أشبهها، وقد أكثر الناس من اقتنائها، والمواظبة على إضرام شحنائها، وربما نشأ من ذلك فتنة تئول إلى ضراب، وشق ثياب، وإحداث شجاج، وإثارة عجاج وتحزب إلى أحزاب كثيرة وأفواج. ويتصل بهذه المنكرات المذكورة أشياء أخرى تجري مجراها في التقديم، وتتنزل منزلتها في التحريم، فاحكم فيها بحكمك، وامض في شبهاتها بدليل علمك، ونب عنا في التذكير والتحذير، والتعريف والتنكير، حتى يتقود الأود، ويتضح الرشد ويمكث في الأرض ما ينفع ويذهب الزبد، وليكن عملك لله الذي يسمع ويرى، وله ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى. واعلم أن الأمر بالمعروف عبادة يتعدى نفع صاحبها إلى غيره، وتستضيف خير المأمور بها إلى خيره، وهي الجهاد الأكبر الذي تقاتل فيه عواصي النفوس، وتضرب به رءوس الشهوات التي هي أمنع من معاقد الرءوس، فقتيله يحيا بقتله، وجريحه يؤسى بجراحة نصله، وبمثل هذا الجهاد تستنزل أمداد النعم مضعفة، كما تستنزل أمداد النصر مردفة، فأقدم عليه ذا عزم باتر، وطرف ساهر، وقدم ثابت صابر، حتى تظل لمعاقل الشيطان فاتحا، وتكون فيمن دعا إلى الله وعمل صالحًا. واعلم أنك في صبيحة كل يوم يبتدرك الملك والشيطان، وكل منهما يقول: يأيها الإنسان، فإن أجبت نداء الملك كتبك في زمرة من مهد لجنبه، وخاف مقام ربه، وعرج بعملك١ إلى الله طيبا نشره، مضاعفا أجره، وإن أجبت نداء الشيطان

стр. 649

كتبك في زمرة من أغواه، وقرنك بمن أغفل الله قلبه واتبع هواه، ثم نزل به إلى الأرض خبيثا مخثبا، وأقبل به على إخوانه من الشياطين محدثا. وهذا آخر ما عهدناه إليك من العهد الذي طوقت اليوم بكتابه، وستناقش غدًا على حسابه، وكما جعلناه لك في الدنيا ذكرًا، فاجعله لك في الآخرة ذخرًا، إن شاء الله تعالى والسلام. وهذا الذي ذكرته في هذين من الكتاب، والتقليد يتضمن إطنابا مستوفى الأقسام، ولولا خوف الإطالة التي لا حاجة إليها لأوردت قصائد من الشعر أيضا، حتى لا يخلو الموضع من ضرب أمثلة من المنظوم والمنثور، لكن في الذي ذكرته كفاية لمن يحمله على أشباهه ونظائره. فإن قيل: إن الإطناب في الكلام وضعتموه اسما على غير مسمى، فإن الكلام لا يخلو من حالتين: إما أن لا يزيد لفظه على معناه، وهو "الإيجاز"، أو يزيد لفظه على معناه، وهو "التطويل"، وليس ههنا قسم ثالث، فما الإطناب إذا......? قلت في الجواب: اعلم أن "الإيجاز" هو ضد "التطويل"، كما أن السواد ضد البياض، غير أن بين الضدين مراتب، ومنازل ليست أضدادًا، فالإطناب لا إيجاز هو ولا تطويل، كما أن الحمرة أو الخضرة ليست بياضًا ولا سوادًا. وقد قدمنا القول أن الإطناب يأتي في الكلام مؤكدا كالذي يأتي بزيادة التصوير للمعنى المقصود، إما حقيقة وإما مجازا، والتطويل ليس كذلك، فإنه التعبير عن المعنى بلفظ زائد عليه يفهم ذلك المعنى بدونه، فإذا حذفت تلك الزيادة بقي المعنى المعبر عنه على حاله لم يتغير منه شيء. وهذا بخلاف الإطناب، فإنه إذا حذفت منه تلك الزيادة المؤكدة للمعنى تغير ذلك المعنى، وزال ذلك التأكيد عنه، وذهبت فائدة التصوير، والتخييل التي تفيد السامع ما لم يكن إلا بها.

стр. 650

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ، وهذا لا يسمى إيجازا؛ لأنه أتى فيه بزيادة لفظ، وهو ذكر الصدور، وقد علم أن القلوب لا تكون إلا في الصدور ولا يسمى تطويلا؛ لأن التطويل لا فائدة فيه أصلا، وهذا فيه فائدة، وهي ما أشرنا إليه، وكذلك باقي أقسام الإطناب التي نبهنا عليها، وهذا لا نزاع فيه.

стр. 651

محتويات القسم الثاني من كتاب: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لضياء الدين بن الأثير: المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية توطئة في معاني الخطابة، والشعر والكتابة "٣-٥٦": صفحة ٤ بين الطبع والتحصيل، هل أفاد أدباء العرب من كتب علماء اليونان المعاني المبتعدة، والمعاني المقلدة، عوامل الابتداع: أثر الحوادث المتجددة، والأحوال الشاهدة. ٦ أمثلة من ابتداع أبي تمام "٦" والبحتري "٧" والمتنبي "٨" وأبي نواس "١٠" وجليلة البكرية "١٣". من معاني ابن الأثير المبتكرة: ١٥ في وصف حسان، من كتاب يتضمن منازلة بلد، ووصف القتال بالمنجنيق ١٥ معنى مبتدع مستخرج من حديث نبوي -في وصف مفازة ١٦ من كتاب في وصف نزول العدو على حصار بلد ١٦ فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد ١٧ بين عهد الملك والحجاج، واستخراج معنى من كتاب الله أمثلة من شعر أبي نواس "١٨، ١٨"، ومسلم بن الوليد "١٨"، وعلي بن جبلة "١٨" وابن الرومي "٢١"، والمتنبي "٢٢" وشعراء آخرين "٢٤" ٢٨ من كتاب ابن الأثير: في صف صورة مليحة "٢٧" في ذم الشيب. ٢٩ كتابان في المعابثة والهزل "٢٩" فصل من كتاب يتضمن وصف هزيمة الكفار

стр. 652

٢٩ من كتاب في وصف القلم ٣١ كتاب مع هدية من رطب ٣٣ رقعة من هدية من ثياب ودراهم إل بعض حجاب السلطان ٣٤ رقعة أخرى من هدية من المسك ٣٦ رقعة من عاشق إلى معشوق ٣٨ كتاب في التعزية بوفاة زوجة بعض الملوك وولدها ٤١ كتاب عن الملك الأفضل إلى أخيه الملك الظاهر غازي ٤٤ من جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها ٤٥ استخراج المعاني من كتاب الله، ومن حديث النبي ﷺ ٤٦ فصل من كتاب إلى بعض المنعمين، من كتاب في وصف القلم ٤٧ الضرب الذي يحتذى فيه على مثال سابق ومنهج مطروق، والرد على القائلين باستفاد المعاني، وصعوبة الاختراع ٤٨ مناقشة ابن أفلح البغدادي في دعواه اختصاص المحدثين بالابتداع ٥٠ المتعصبون للألفاظ والرد عليهم النوع الأول: في الاستعارة "٥٧-٩٢" ٥٧ الأوصاف الخاصة، والأوصاف العامة للفصاحة والبلاغة ٥٧ أقسام المجاز: التوسع، والتشبيه التام، والتشبيه المحذوف "الاستعارة" ٥٨ الفرق بين التشبيه والاستعارة ٦٤ التوسع في الكلام "٦٤" ضرباه: ما يرد على وجه الإضافة ٦٥ ما يرد على وجه الإضافة ٦٧ حد الاستعارة، التعريف المشهور ونقده، تعريف ابن الأثير ٦٨ القرينة في الاستعارة، قول ابن جني في المجاز، والرد عليه ٧١ أقسام المجاز عند العزالي، واعتراضات ابن الأثير ٧٧ أمثلة للاستعارة المفيدة: من القرآن الكريم ٧٧ من الأخبار النبوية -من كلام العرب- من كلام ابن الأثير من الشعر العربي: لمسكين الدارمي "٧٩" لرجل من بني يسار "٨٠" لديك الجن، لأبي تمام "٨١" للبحتري "٨٤" للمتنبي "٨٥"، والشريف الرضي "٨٧". ٨٧ خلط الاستعارة بالتشبيه، ومناقشة الخفاجي، والآمدي ٩٠ الاستعارة المرضية والاستعارة المطرحة، الاستعارات التي ينبني بعضها على بعض

стр. 653

النوع الثاني: في التشبيه "٩٣-١٢٧": ٩٣ نقد علماء البيان في تفريقهم بين التشبيه والتمثيل، قسما التشبيه: التشبيه المظهر والتشبيه المضمر، أقسام التشبيه المضمر، وأمثلتها ٩٧ الشبيه المضمر أبلغ، وأوجز من التشبيه المظهر ٩٩ فائدة التشبيه ومحاسنه ١٠٢ أقسام التشبيه: تشبيه معنى بمعنى، صورة بصورة، تشبيه معنى بصورة، تشبيه صورة بمعنى ١٠٥ الطرفان من حيث الإفراد والتركيب "١٠٣" تشبيه المفرد بالمفرد ١٠٩ تشبيه المركب بالمركب ١١٧ تشبيه المفرد بالمركب ١١٩ تشبيه المركب بالمفرد ١٢١ من معيب التشبيه ١٢٥ الطرد والعكس "غلبة الفروع على الأصول" النوع الثالث: في التجريد "١٢٨-١٣٤" ١٢٨ حد التجريد، معناه اللغوي: والمعنى البلاغي ١٢٩ فائدة التجريد -قسما التجريد: المحض، وغير المحض ١٢٩ القسم الأول: تعريفه، أمثلته ١٣١ التجريد غير المحض: تعريفه، أمثلته ١٣٢ رأي أبي علي الفارسي، والرد عليه النوع الرابع: في الالتفات "١٣٥-١٥٠" ١٣٥ معناه اللغوي، معناه البلاغي، من أسمائه "شجاعة العربية" ١٣٥ أقسام الالتفات: القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، رأي الزمخشري ومناقشته ١٤٤ القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر ١٤٥ القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي المستقبل، وعن الفعل المستقبل بالفعل الماضي

стр. 654

النوع الخامس: في توكيد الضميرين "١٥١-١٥٦" ١٥١ بين النحو والبلاغة، معنى توكيد الضميرين ١٥٣ توكيد المتصل بالمتصل "١٥٢" توكيد المتصل بالمنفصل ١٥٥ توكيد المنفصل بالمنفصل النوع السادس: في عطف المظهر على ضميره، والإفصاح به بعده "١٥٧-١٥٩" فائدته، أمثلة من كلام العرب، ومن القرآن الكريم النوع السابع: في التفسير بعد الإبهام: "١٦٠-١٦٥": ١٦٠ فائدته، أمثلة من القرآن الكريم ١٦٠ الفرق بين عطف المظهر على ضميره، والتفسير بعد الإبهام ١٦٣ الإبهام من غير تفسير، أمثلة من القرآن ومن كلام العرب، ومن الشعر النوع الثامن: في استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات "١٦٦-١٧١": ما يدخل تحت هذا النوع "١٦٦" الخاص والعام "١٦٦" الأوصاف الخاصة إذا وقعت على شيئين، الأسماء المفردة الواقعة على الجنس "١٦٧" الصفتان الواردتان على شيء واحد "١٦٨" الصفات المتعددة الواردة على شيء واحد "١٧٠" النوع التاسع: في التقديم والتأخير: "١٧٢-١٨٥": ١٧٢ ضرباه: ما يغير المعنى، وما لا يغير المعنى ١٧٢ الضرب الأول: بلاغة التقديم: تقديم المفعول على الفعل -تقديم الخبر على المبتدأ- تقديم الظرف

стр. 655

١٧٢ غرضا التقديم: الاختصاص، مراعاة نظم الكلام ١٧٩ المعاظلة المعنوية: أمثلتها، تفاوت درجاتها في القبح ١٨٣ الضرب الثاني: تقديم السبب على المسبب "١٨٢" تقديم الأكثر على الأقل ١٨٤ تقديم الأعجب فالأعجب "١٨٤" تقديم الأفضل والمفضول النوع العاشر: في الحروف العاطفة والجارة: "١٨٦-١٩٠" ١٨٦ بين النحو والبلاغة، حروف العطف ١٨٨ التباس مواضع الفاء والواو -فعل المطاوعة- ما يلتبس بأفعال المطاوعة ١٨٩ حروف الجر: معاني بعض الحروف الجارة ١٩٠ العدول عن بعض الحروف إلى بعض النوع الحادي عشر: في الخطاب بالجملة الفعلية، والجملة الاسمية والفرق بينهما: "١٩١-١٩٦": ١٩١ العدول عن أحد الخطابين إلى الآخر وفائدته ١٩٢ ورود لام التوكيد في الكلام النوع الثاني عشر: في قوة اللفظ لقوة المعنى "١٩٧-٢٠٢" ١٩٧ اختلاف الأوزان، والصيغ واختلاف المعنى ١٩٨ زيادة التصغير ١٩٩ النقل من صيغة إلى صيغة، وفائدته النوع الثالث عشر: في عكس الظاهر "٢٠٣-٢٠٤" معناه، أمثلة، الغرض منه

стр. 656

النوع الرابع عشر: في الاستدراج "٢٠٥-٢٠٨" استخراج ابن الأثير إياه من كتاب الله -معناه- فائدة الاستدراج أمثلة من القرآن الكريم، من حديث بين الحسين بن علي، ومعاوية بن أبي سفيان. النوع الخامس عشر: في الإيجاز "٢٠٩-٢٧٧" ٢٠٩ معناه، النظر إلى المعاني لا الألفاظ ٢٠٩ معاني القرآن: المعاني الأصول "٢٠٩" المعاني الفروع ٢١١ رأي لبعض علماء البيان في مواضع الإيجاز، والتطويل والرد عليه ٢١٢ حد الإيجاز -الإيجاز والتطويل- أمثلة للإيجاز وللتطويل ٢١٦ قسما الإيجاز: الإيجاز بالحذف والإيجاز بغير الحذف، التنبيه إلى المحذوف في الأول أيسر ٢١٩ "١" الإيجاز بالحذف: بلاغته، ضرباه: حذف الجمل، وحذف المفردات ٢٢٠ القسم الأول: حذف الجمل، ضروبه: ١- حذف السؤال المقدر، ويسمى "الاستئناف" أ- إعادة الأسماء والصفات "٢٢١" ب- الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات "٢٢١" ٢٢٣ ٢- الاكتفاء بالسبب عن المسبب، وبالمسبب عن السبب ٢٢٥ ٣- الإضمار على شريطة التفسير ٢٢٥ أ- ما يرد على طريق الاستفهام ٢٢٥ ب- ما يرد على حد النفي والإثبات ٢٢٦ ج- ما يرد على غير هذين الوجهين ٢٢٧ ٤- ما ليس بسبب ولا مسبب، ولا إضمار على شريطة التفسير، ولا استئناف ٢٣٢ القسم الثاني: حذف المفردات: ضروبه: الضرب الأول: حذف الفاعل، والاكتفاء في الدلالة عليه بذكر الفعل ٢٣٣ الضرب الثاني: حذف الفعل وجوابه ٢٣٩ الضرب الثالث: حذف المفعول به

стр. 657

٢٤٢ الضرب الرابع: حذف المضاف والمضاف إليه، وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر ٢٤٤ الضرب الخامس: حذف الموصوف والصفة، وإقامة كل منهما مقام الآخر ٢٤٨ الضرب السادس: حذف الشرط وجوابه ٢٥٠ الضرب السابع: حذف القسم وجوابه ٢٥١ الضرب الثامن: حذف "لو" وجوابها ٢٥٤ الضرب التاسع: حذف جواب "لولا" ٢٥٥ الضرب العاشر: حذف جواب "لما"، وجواب "أما" ٢٥٥ الضرب الحادي عشر: حذف جواب "إذا" ٢٥٦ الضرب الثاني عشر: حذف المبتدأ والخبر ٢٥٦ الضرب الثالث عشر: حذف "لا" من الكلام، وهي مرادة ٢٦٠ الضرب الرابع عشر: حذف الواو من الكلام وإثباتها ٢٦٠ ب- الإيجاز بغير الحذف: ضرباه ٢٦١ الضرب الأول: ما ساوى لفظه معناه "الإيجاز بالتقدير" ٢٦٥ الضرب الثاني: ما زاد معناه على لفظه "الإيجاز بالقصر"، قسماه: ١- ما يدل على محتملات كثيرة ٢٦٧ ٢- ما لا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها النوع السادس عشر: في الإظناب "٢٧٨-٣١٢": ٢٧٨ فائدة الإطناب ٢٧٨ اختلاف علماء البيان في الإطناب: رأي العسكري والغانمي ٢٨٠ حقيقة معنى الإطناب في استعمال أهل اللغة ٢٨٠ حد الإطناب: الفرق بين الإطناب، والتطويل، والتكرير ٢٨٢ قسما الإطناب: ١- الإطناب في الجملة الواحدة: الحقيقة والمجاز ٢٨٦ ٢- الإطناب في الجمل: ضروبه ٢٨٦ أ- ذكر الشيء بمعن متداخلة، كل معنى يختص بما ليس للآخر ٢٨٧ ب- النفي والإثبات

стр. 658

٢٨٨ ج- ذكر المعنى الواحد تاما، ثم يضرب له مثال من التشبيه ٢٨٩ د- استيفاء معاني الغرض المقصود ٢٩٣ أمثلة للإيجاز والإطناب: كتاب لابن الأثير عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى ديوان الخلافة ببغداد، يتضمن فتح بيت المقدس، واستنقاذه من أيدي الكفار. ٣٠١ صورة تقليد أنشأه من الأثير لمنصب الحسبة ٣١٣ محتويات القسم الثاني من المثل الثائر

стр. 659

المجلد الثالث تابع المقالة الثانية في الصناعة المعنوية النوع السابع عشر: في التكرار مدخل ... النوع السابع عشر: في التكرار قد تقدم الكلام في صدر كتابي هذا على تكرار الحروف، وما [أشبه] ذلك مما يختلط بهذا النوع الذي هو "تكرار المعاني والألفاظ". واعلم أن هذا النوع من مقاتل علم البيان، وهو دقيق المأخذ. وحده هو: دلالة اللفظ على المعنى مرددا، وربما اشتبه على أكثر الناس بالإطناب مرة، وبالتطويل أخرى، وقد تقدم الكلام على الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة في باب الإطناب١، فلا حاجة إلى إعادته ههنا. وأما التكرير فقد عرفتكه, وهو ينقسم قسمين: أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى. والآخر يوجد في المعنى دون اللفظ. فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى فكقولك لمن تستدعيه "أسرع أسرع" ومنه قول أبي الطيب المتنبي٢: ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك: "أطعني ولا تعصني". فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية.

стр. 660

وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير مفيد: ولا أعني بالمفيد ههنا ما يعنيه النحاة، فإنه عندهم عبارة عن اللفظ المركب، إما من الاسم مع الاسم، بشرط أن يكون للأول بالثاني علاقة معنى يسع مكلفا جهله، وإما من الاسم مع الفعل التام المتصرف على هذا الشرط أيضا، وإما من حرف النداء مع الاسم، فهذا هو المفيد عند النحاة. وأنا لم أقصد ذلك ههنا، بل مقصودي من المفيد أن يأتي لمعنى، وغير المفيد أن يأتي لغير معنى. واعلم أن المفيد من التكرير يأتي في الكلام تأكيدا له، وتشييدا من أمره، وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشيء الذي كررت فيه كلامك، إما مبالغة في مدحه أو في ذمه أو غير ذلك، ولا يأتي إلا في أحد طرفي الشيء المقصود بالذكر، والوسط عار منه؛ لأن أحد الطرفين هو المقصود بالمبالغة إما بمدح أو ذم أو غيرهما، والوسط ليس من شرط المبالغة، وغير المفيد لا يأتي في الكلام إلا عيا وخطلا من غير حاجة إليه.

стр. 661

التكرير في اللفظ والمعنى: فأما الأول وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى, فإنه ينقسم إلى ضربين: مفيد وغير مفيد. فالأول المفيد, وهو فرعان: الأول: إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد، والمقصود به غرضان مختلفان: كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ١. هذا تكرير في اللفظ والمعنى، وهو قوله: "يحق الحق وليحق الحق" وإنما جيء به ههنا لاختلاف المراد, وذاك أن الأول تمييز بين الإرادتين, والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما نصرهم وخذل أولئك إلا لهذا الغرض. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ٢. فكرر قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ والمراد به غرضان مختلفان، وذلك أن

стр. 662

الأول: إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة والإخلاص في دينه، والثاني إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بعبادته, مخلصا له دينه، ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة في الثاني، وأخره في الأول؛ لأن الكلام أولًا وقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيا فيمن يفعل الفعل من أجله، ولذلك رتب عليه ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ . وعليه ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١. وظاهر الأول والثاني أنهما سواء في المعنى، وليس كذلك؛ لأن الثاني فيه تخصيص غير موجود في الأول، ألا ترى أنا إذا قلنا: "زيد الأفضل"، وقلنا: "الأفضل زيد"، كان في الثاني تخصيص له بالفضل، وهذا التخصيص لا يوجد في القول الأول الذي هو "زيد الأفضل"، ويجوز أن تبدل صفة الفضل فيه بغيرها أو بضدها، فيقال: "زيد الأجمل"، أو "زيد الأنقص"، وإذا قلنا: "الأفضل زيد"، وجب تخصيصه بالنفس، ولم يمكن تغيير عنه. وكذلك يجري الحكم في هذه الآيات، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ثم قال: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فوصفهم بالامتناع عن الذهاب إلا بإذنه، وهذه صفة يجوز أن تبدل بغيرها

стр. 663

من الصفات، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١. فجاء بصفة غير تلك الصفة، ولما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وجب تخصيصهم بذلك الوصف دون غيره، وهذا موضع حسن في تكرير المعاني. ومما يعد من هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٢. وقد ظن قوم أن هذه الآية تكرير لا فائدة فيه, وليس الأمر كذلك، فإن معنى قوله: ﴿لا أَعْبُدُ﴾ يعني في المستقبل: من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلبه منكم من عبادة إلهي، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ أي: وما كنت عابدا قط فيما سلف ما عبدتم، يعني أنه لم يعهد مني عبادة صنم في الجاهلية في وقت ما, فكيف يرجى ذلك مني في الإسلام? ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ في الماضي في وقت ما ما أنا على عبادته الآن. ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٣.

стр. 664

فكرر"الرحمن الرحيم" مرتين, والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا، والثاني بأمر الآخرة. فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلا منهم على أكمل صفة, وأعطاه جميع ما يحتاج إليه حتى البقة والذباب، وقد يرجع إلى غير الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها. وأما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى الرحمة الثانية في يوم القيامة الذي هو يوم الدين. وبالجملة فاعلم أنه ليس في القرآن مكرر لا فائدة في تكريره، فإن رأيت شيئا منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيه، فانظر إلى سوابقه ولواحقه، لتنكشف لك الفائدة منه. ومما ورد في القرآن الكريم مكررا قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ١. فكرر قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ٢ ليؤكده عندهم, ويقرره في نفوسهم، مع تعليق كل واحد منهما بعلة، فجعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وجعل علة الثاني حسم طمعه فيهم، وخلوه من الأغراض فيما يدعوهم إليه.

стр. 665

ومن هذا النحو قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ، إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ ١. وإنما كرر تكذيبهم ههنا؛ لأنه لم يأت به على أسلوب واحد، بل تنوع فيه بضروب من الصنعة، فذ كره أولًا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية, فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه, والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولًا, وبالاستثناء ثانيًا, وما في الاستثناء من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق العذاب وأبلغه. وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى حسن غامض، وبه تعرف مواقع التكرير، والفرق بينه وبين غيره، فافهمه إن شاء الله تعالى. الفرع الثاني من الضرب الأول ٢: إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد, والمراد به غرض واحد، كقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ٣. والتكرير دلالة على التعجب من تقديره, وإصابته الغرض, وهذا كما يقال: "قتله الله ما أشجعه أو ما أشعره! "

стр. 666

وعليه ورد قول الشاعر: ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي١ وهذا مبالغة في الدعاء لها بالسلامة، وكل هذا يجاء به لتقرير المعنى المراد إثباته. وعليه ورد الحديث النبوي، وذاك أن النبي ﷺ قال: "إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا, فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يطلق علي ابنتي وينكح ابنتهم". فقوله: "لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن" من التكرير الذي هو أشد موقعا من الإيجاز، لانصباب العناية إلى تأكيد القول في منع علي ﵁ من التزويج بابنة أبي جهل بن هشام. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ٢. ومن أجل ذلك نقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"؛ لأن قولنا: "لا إله إلا الله" مثل قولنا: " وحده لا شريك له" وهما في المعنى سواء، وإنما كررنا القول فيه لتقرير المعنى وإثباته؛ وذاك لأن من الناس من يخالف فيه كالنصارى والثنوية.

стр. 667

والتكرير في مثل هذا المقام أبلغ من الإيجاز، وأحسن وأشد موقعا. ومما جاء في مثل هذا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ١. فقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ بعد قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول، فاستحكم بأسهم، وتمادى إبلاسهم٢، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك. وعلى ذلك ورد قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ ٣. فقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ يقوم مقام قوله: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ ؛ لأن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق، وإنما كرر ههنا للخطب على المأمور بقتالهم، والتسجيل عليهم بالذم، ورجمهم بالعظائم، ليكون ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم. وقد قلنا: إن التكرير إنما يأتي لما أهم من الأمر, بصرف العناية إليه ليثبت ويتقرر. وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا

стр. 668

تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١. فتكرير لفظة "أولئك" من هذا الباب الذي أشرنا إليه، لمكان شدة النكير، وإغلاظ العقاب بسبب إنكارهم البعث. وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ ٢. فإنه إنما تكررت لفظة "هم" للإيذان بتحقيق الخسار، والأصل فيها وهم في الآخرة الأخسرون، لكن لما أريد تأكيد ذلك جيء بتكرير هذه اللفظة المشار إليها. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ ٣. وأمثال هذا في القرآن كثير. وكذلك ورد قوله تعالى في سورة القصص: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ ٤.

стр. 669

فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ بتكرير "أن" مرتين دليل على أن موسى ﵇ لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول، بل كان عنه إبطاء في بسط يده إليه، فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ . وجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية، فقال: إن "أنّ" الأولى زائدة، ولو حذفت فقيل: لما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ١. وقد اتفق النحاة على أن "أن" الواردة بعد "لما" وقبل الفعل زائدة. فقلت له: النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما، من حيث إنهم نحاة، ولا شك أنهم وجدوا "أن" ترد بعد "لما" وقبل الفعل في القرآن الكريم, وفي كلام فصحاء العرب, فظنوا أن المعنى بوجودها كالمعنى إذا أسقطت فقالوا: هذه زائدة، وليس الأمر كذلك، بل إذا وردت "لما" وورد الفعل بعدها بإسقاط "أن" دل ذلك على الفور، وإذا لم تسقط لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان على الفور، وإنما كان فيه تراخ وإبطاء. وبيان ذلك من وجهين: أحدهما: أني أقول: فائدة وضح الألفاظ أن تكون أدلة على المعاني، فإذا وردت لفظة من الألفاظ في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة, فالأولى

стр. 670

أن تحمل تلك اللفظة على معنى، فإن لم يوجد معنى بعد التنقيب والتنقير والبحث الطويل قيل: هذه زائدة دخولها في الكلام كخروجها منه. ولما نظرت أنا في هذه الآية وجدت لفظة "أن" الواردة بعد "لما" وقبل الفعل دالة على معنى, فكيف يسوغ أن يقال: إنها زائدة؟. فإن قيل: إنها إذا كانت دالة على معنى فيجوز أن تكون دالة على غير ما أشرت أنت إليه. قلت في الجواب: إذا ثبت أنها دالة على معنى فالذي أشرت إليه معنى مناسب واقع في موقعه، وإذا كان مناسبا واقعا في موقعه فقد حصل المراد منه، ودل الدليل حينئذ أنها ليست زائدة. الوجه الآخر: أن هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قدحا في كلام الله تعالى، وذاك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها، والمعنى يتم بدونها، وحينئذ لا يكون كلامه معجزا، إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي لا حاجة إليه، وإن التطويل عيب في الكلام، فكيف يكون ما هو عيب في الكلام من باب الإعجاز? هذا محال. وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ فإنه إذا نظر في قصة يوسف ﵇ مع إخوته منذ ألقوه في الجب إلى أن جاء البشير إلى أبيه ﵇ وجد أنه كان ثم إبطاء بعيد، وقد اختلف المفسرون حول تلك المدة، ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول لما جيء بأن بعد "لما" وقبل الفعل، بل كانت تكون الآية: فلما جاء البشير ألقاه على وجهه.
следующие страницы →