← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة لسنا هنا بصدد الترجمة للمؤرخ بدر الدين العينى، أو التوسع فى الكلام عن حياته الخاصة والعامة، فقد ترجم له من المعاصرين ابن تغرى بردى، والسخاوى، والسيوطى، وابن العماد، وغيرهم، كما توجد له ترجمة مطولة فى مقدمة كتاب «السيف المهند فى سيرة الملك المؤيد»، وفى غيره عن الدراسات التى تناولت نشر بعض كتب العينى، أو نشر أجزاء من كتبه. ورغم ذلك فقد رأينا إتماما للفائدة أن نورد فى هذه المقدمة ترجمة بدر الدين العينى التى كتبها أحد المعاصرين له، وهو ابن تغرى بردى فى كتابه «المنهل الصافى»، والتى لم تنشر بعد، وبخاصة أن ابن تغرى بردى أقدم من ترجم لبدر الدين العينى، وفيما يلى نص هذه الترجمة: محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود، العلامة، فريد عصره، ووحيد دهره، عمدة المؤرخين، مقصد الطالبين، قاضى القضاة بدر الدين أبو محمد وأبو الثناء بن القاضى شهاب الدين بن القاضى شرف الدين، العينتابى الأصل والمولد والمنشأ، المصرى الدار والوفاة، الحنفى، قاضى قضاة الديار المصرية، وعالمها، ومؤرخها. سألته عن مولده فكتب إلىّ بخطه - رحمة الله -: مولدى فى السادس

стр. 2

والعشرين (١) من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة، فى درب كيكن، انتهى. قلت: ونشأ بعينتاب، وحفظ القرآن الكريم، تفقه على والده وغيره، وكان أبوه قاضى عينتاب وتوفى بها فى شهر رجب سنة أربع وثمانين وسبعمائة، ورحل ولده صاحب الترجمة «إلى حلب» وتفقه بها، وأخذ عن العلامة جمال الدين يوسف بن موسى الملطى الحنفى، وغيره، ثم قدم لزيارة بيت المقدس فلقى به العلامة علاء الدين أحمد بن محمد السيرامى الحنفى، شيخ المدرسة الظاهرية برقوق، وكان العلاء أيضا توجه لزيارة بيت المقدس، فاستقدمه معه إلى القاهرة فى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ونزّله فى جملة الصوفية بالمدرسة الظاهرية، ثم قرره خادما بها فى أول شهر رمضان منها، فباشر المذكور الخدامة حتى توفى العلامة علاء الدين السيرامى فى سنة تسعين وسبعمائة، وقد انتفع به صاحب الترجمة وأخذ عنه علوما كثيرة فى مدة ملازمته له، ولما مات العلاء السيرامى أخرجه الأمير جاركس الخليلى أمير آخور من الخدامة وأمر بنفيه، لما أنهوه عنه، حسدا من الفقهاء، حتى شفع فيه شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى، فأعفى من النفى، وأقام بالقاهرة (٢) ملازما للإشتغال، وتردد للأكابر من الأمراء مثل الأمير جكم من عوض، والأمير قلمطاى الدوادار قبله، وتغرى بردى القردمى، وغيرهم، حتى توفى الملك الظاهر برقوق فى شوال سنة إحدى وثمانمائة، فولى بعد ذلك حسبة القاهرة فى يوم الإثنين مستهل ذى الحجة سنة _________ (١) «فى سابع عشر رمضان» فى التبر المسبوك ص ٣٧٥. (٢) «فتوجه إلى بلاده» فى التبر المسبوك، و «ثم بعد يسير توجه إلى بلاده ثم عاد» فى الضوء اللامع.

стр. 3

إحدى وثمانمائة عوضا عن الشيخ تقى الدين المقريزى، فلم تطل مدته، وصرف أيضا بالشيخ تقى الدين المقريزى فى سنة اثنتين وثمانمائة. قلت: وولايته الحسبة بالقاهرة يطول الشرح فى ذكر ذلك لأنه وليها غير مرة آخرها فى سنة ست وأربعين وثمانمائة عوضا عن يار على الطويل الخراسانى، انتهى. ثم ولى المذكور فى الدولة الناصرية عدة تداريس ووظائف دينية، واشتهر اسمه، وأفتى ودرس، وأكب على الإشغال والتصنيف إلى أن ولى فى الدولة المؤيدية شيخ نظر الأحباس، وصار من أعيان فقهاء الحنفية، وأرخ وكتب، وجمع وصنف، وبرع فى علوم كثيرة: كالفقه، واللغة، والنحو، والتصريف، والتاريخ، وشارك فى الحديث، وسمع الكثير فى مبدأ أمره، وقرأ بنفسه، وسمع التفسير والحديث والعربية. فمن التفسير: تفسير الزمخشرى، وتفسير النسفى، وتفسير السمرقندى. ومن الحديث: الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وسنن البيهقى والدارقطنى، ومسند عيد بن حميد، والمعاجم الثلاثة للطبرانى، وغير ذلك. ومن العربية: المفصل للزمخشرى والألفية لابن مالك فى النحو وغيرهما. وتصدى للإقراء سنين، واستمر على ذلك إلى أن طلبسه الملك الأشرف برسباى، وأخلع عليه باستقراره قاضى قضاة الحنفية بالديار المصرية فى يوم الخميس سابع عشرين ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة، بعد عزل قاضى القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهنى، وخلع على التفهنى بمشيخة خانقاه شيخو بعد

стр. 4

موت شيخ الإسلام سراج الدين عمر قارئ الهداية، فباشر المذكور وظيفة القضاء بحرمة وافرة، وعظمة زائدة، لقربه من الملك، ولخصوصيته به، ولكونه ولى القضاء من غير سعى. وكان ينادم الملك الأشرف، ويبيت عنده فى بعض الأحيان، وكان يعجب الأشرف قراءته فى التاريخ، كونه كان يقرأه باللغة العربية ثم يفسر ما قرأه باللغة التركية، وكان فصيحا فى اللغتين. وكان الملك الأشرف يسأله عن دينه، وعما يحتاج إليه من العبادات وغيرها، وكان العينى يجيبه بالعبارة «التى» تقرب من فهمه، ويحسن له الأفعال الحسنة، حتى سمعت الأشرف فى بعض الأحيان يقول: لولا العنتابى ما كنا مسلمين، انتهى. واستمو فى القضاء إلى أن صرف وأعيد التفهنى فى يوم الخميس سادس عشرين صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وفى اليوم المذكور أيضا صرف قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر بقاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى. فلزم المذكور داره أياما يسيرة، وطلبه السلطان إلى عنده، وصار يقرأ له على عادته، ثم ولاه حسبة القاهرة فى يوم السبت رابع شهر ربيع الآخر من السنة، عوضا عن الأمير إينال الششمانى، وكان الششمانى ولى الحسبة إلى أن أعيد إلى القضاء فى سابع عشرين جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، عوضا عن التفهنى بحكم طول مرض موته. باشر القضاء والحسبة والأحباس معا مدة طويلة، إلى أن صرف عن الحسبة بالأمير صلاح الدين بن حسن بن نصر الله، واستمر فى القضاء ونظر الأحباس

стр. 5

إلى أن توفى الملك الأشرف برسباى فى ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وتسلطن ولده الملك العزيز يوسف، وصار الأتابك جقمق العلائى مدبر مملكته، عزله جقمق المذكور عن القضاء بشيخ الإسلام سعد الدين سعد بن محمد الديرى فى يوم الإثنين ثالث عشر المحرم سنة اثنين وأربعين وثمانمائة، فلزم المذكور داره مكبا على الإشغال والتصنيف إلى أن ولاّه الملك الظاهر جقمق حسبة القاهرة مرتين، لم تطل مدته فيهما، الأولى عن الأمير تنم بن عبد الرزاق المؤيدى، والثانية عن يار على الطويل. ثم ركدت ريحه، وضعف عن الحركة لكبر سنه، واستمر مقيما بداره إلى أن خرجت عنه الأحباس لعلاء الدين على بن محمد بن الزين، أحد نواب الحكم الشافعى وندماء الملك الظاهر جقمق، فى سنة ثلاث وخمسين، فعظم عليه ذلك لقلة موجوده، وصار يبيع من أملاكه وكتبه إلى أن توفى ليلة الثلاثاء رابع ذى الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وصلى عليه من الغد بالجامع الأزهر، ودفن بمدرسته بجوار داره، رحمة الله. وكانت جنازته مشهودة، وكثر أسف الناس عليه. وكان بارعا فى عدة علوم، مفندا، عالما بالفقه، والأصول، والنحو، والتصريف، واللغة، مشاركا فى غيرهم مشاركة حسنة، أعجوبة فى التاريخ، حلو المحاضرة، محفوظا عند الملوك - إلا الملك الظاهر جقمق -، كثير الإطلاع، واسع الباع فى المعقول والمنقول، لا يستنقض إلا متعرض، قلّ أن يذكر علم إلا ويشارك فيه مشاركة جيدة.

стр. 6

ومصنفاته كثيرة الفوائد، وأخذت عنه، واستفدت منه، ولى منه اجازة بجميع مروياته وتصانيفه. وكان شيخا أسمو اللون، قصير، مسترسل اللحية، فصيحا باللغة التركية، لكلامه فى التاريخ وغيره طلاوة، وكان جيد الخط، سريع الكتابة، قيل أنه كتب كتاب القدورى فى الفقه فى ليلة واحدة فى مبادئ أمره، وكانت مسوداته مبيضات، وله نظم ونثر، ليسا بقدر علمه. ومن مصنفاته: شرح البخارى فى مجلدات كثيرة نحو العشرين مجلد، وشرح الهداية فى الفقه، وشرح الكنز فى الفقه، وشرح مجمع البحرين فى الفقه أيضا، وشرح تحفة الملوك، وشرح الكلم الطيب لابن تيمية، وشرح قطعة من سنن أبى داود، وقطعة كبيرة من سيرة ابن هشام، وشرح العوامل المائة، وشرح الجار بردى، وكتاب فى المواعظ والرقائق فى ثمان مجلدات، ومعجم مشايخه فى مجلد، ومختصر فى الفتاوى الظهيرية، ومختصر المحيط، وشرح التسهيل لابن مالك مطولا ومختصرا، وشرح شواهد الألفية لابن مالك، وهو كتاب نفيس احتاج إليه صديقة وعدوه، وانتفع بهذا الكتاب غالب علماء عصره، وشرح معانى الآثار للطحاوى فى ثنتى عشر مجلدة، وكتاب طبقات الشعراء، وحواشى على شرح الألفية لابن مالك، وكتاب طبقات الحنفية، والتاريخ الكبير على السنين فى عشرين مجلدة، واختصره فى ثلاث مجلدات، والتاريخ الصغير فى ثلاث مجلدات، وعدة تواريخ أخر، وحواشى على شرح السيد عبد الله، وشرح الساوية فى العروض، واختصر تاريخ «دمشق الكبير لابن عساكر، وله مصنفات» أخر لم يحضرنى الآن ذكرها. وفى الجملة كان من العلماء الأعلام، رحمة الله تعالى.

стр. 7

المخطوط ومنهج التحقيق: مخطوط «عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان» كتاب فى التاريخ العام، ذكر المؤلف فى مقدمته: «قد كنت جمعت فى حداثة سنى وعنفوان شبابى تاريخا من مبدأ الدنيا إلى سنة خمس وثمانمائة، حاويا لقصص الأنبياء ﵈، وما جرى فى أيامهم، وسيرة نبينا ﷺ ، وما جرى بعده بين الخلفاء والملوك فى كل زمان، مع الإشارة إلى وفيات الأعيان، متوجا بذكر الملكوت العلوية، والملكوت السفلية، ثم بدا لى أن أنقحه بأحسن منه ترتيبا، وأوضح تركيبا، مع زيادات لطيفة، ونوادر شريفة، وضبط ما يقع فيه من المبهمات من أسامى الرجال والأمكنة المذكورات وترجمته بعقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان، وفصلته على فصول، تسهيلا للحصول، متوجا بمقدمة تنبئ عن أصل التاريخ، ومعناه، وعن سبب وضعه ومبناه.». وقد قدم حوادث كل سنة على وفيات أعيانها، ورتب ما بعد الهجرة على السنين، وانتهى فيه إلى آخر سنة ٨٥٠ هـ. وما وصل إلينا من هذا الكتاب بخط المؤلف أجزاء متناثرة فى مكتبات متعددة فى أنحاء العالم، كما وجدت نسخ أحرى غير كاملة كتبت فيما بعد، ومن أشهر ما وجد من هذا الكتاب نسخة ملفقة من ثلاث نسخ مخطوطة محفوظة بمكتبة ولى الدين باستانبول: النسخة الأولى منقولة عن خط المؤلف بخط محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد الأنصارى الخزرجى الإخميمى الحنفى، كتبها بالقاهرة فيما بين سنة ٨٩٣ هـ، وسنة ٨٩٨ هـ، والنسخة الثانية بخط الشيخ عبد الله بن عيسى بن إسماعيل العمرى الأزهرى المالكى كتبها سنة ٨٩١ هـ، والنسخة الثالثة بخط المؤلف.

стр. 8

وتقع هذه النسخة الملفقة فى ٢٣ جزءا فى ٦٩ مجلدا، وعن هذه النسخة صورة بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٥٨٤ تاريخ، وعنها أيضا نسخة كتهت حديثا وتقع فى ٢٨ مجلدا تحت رقم ٨٢٠٣ م. كما توجد بدار الكتب المصرية ست مجلدات من هذا الكتاب كتبت سنة ١٢٩٠ هـ تحت رقم ٧١ م. كما توجد أجزاء من نسخ أخرى، بعضها بخط المؤلف فى مكتبة أحمد الثالث تحت رقم ٢٩١١، ومكتبة سليم أغا تحت رقم ٨٣٥، ومن هذه الأجزاء نسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة. كما يوجد جزء من مختصر عقد الجمان للمؤلف، وهو المعروف باسم «تاريخ البدر فى أوصاف أهل العصر»، محفوظ بمكتبة المتحف البريطانى بلندن تحت رقم. Add .٠٦٣٢٢ ولعل ضخامة الكتاب التى قد تصل فى بعض النسخ إلى ٦٩ مجلدا من الأمور التى جعلت أمر تحقيق الكتاب ونشره أمرا صعبا، ويكاد أن يكون بعيد المنال، ولذلك اقترحت على مركز تحقيق التراث بالهيئة المصرية العامة للكتاب أن يقسم الكتاب إلى عصور تاريخية، ويتم تحقيق ونشر كل عصر منها على حدة، وعلى يد أحد المتخصصين والمهتمين بهذا العصر، وبذلك يخرج هذا المخطوط إلى النور، ويصبح فى متناول الباحثين والدارسين للتاريخ الإسلامى والوسيط. ورأيت أن أبدأ بعصر سلاطين المماليك، فهو أقرب لى من حيث التخصص الدقيق، وفى نظرى هو أهم أجزاء الكتاب، فكما رأينا من ترجمة ابن تغرى بردى

стр. 9

للمؤلف أنه عاش ومات فى عصر سلاطين المماليك، وكان شاهد عيان على عصره بحكم كونه مؤرخا، وبحكم الوظائف التى تقلدها، حتى أنه يمكن أن نطلق على العينى أنه المؤرخ الرسمى للدولة فى عصر السلطان برسباى. ولم يكن العينى فيما نقله عن بدايات العصر المملوكى مجرد ناقل، ولكنه كان باحثا ومدققا وناقدا لما ينقله ويكتبه عن الآخرين، وذلك فى حدود ما تسمح به هذه المعانى فى عصر اعتبر التأليف هو جمع وتلخيص لما كتبه الآخرون. ويكفى للتدليل على ذلك ما ورد بهذا الجزء - الذى نقدمه للقارئ اليوم - على سهيل المثال لا الحصر، مناقشة العينى لتاريخ سلطنة المعز أيبك وأنها كانت سنة ٦٥٠ هـ وليس سنة ٦٤٨ هـ كما ذكر المؤرخون الآخرون، وعلل العينى هذا اللبس بأن أيبك بويع بالسلطنة سنة ٦٤٨ هـ لمدة خمسة أيام فقط، ثم عزل عن السلطنة، وظل أتابكا (١). كذلك ربط العينى بين زواج أيبك من شجر الدر وسلطنته الثانية - نقلا عن بيبرس الدوادار - وأن ذلك كان سنة ٦٤٩ هـ، (٢) مناقضا بذلك رواية المقريزى المتداولة بين المؤرخين المحدثين، والتى تردد القول بأن شجر الدر تزوجت من أيبك وتنازلت له عن السلطنة سنة ٦٤٨ هـ، إذ يقول المقريزى «وتزوج الأمير عز الدين أيبك بشجر الدر فى تاسع عشرى ربيع الآخر، وخلعت نفسها من مملكة مصر ونزلت له عن الملك (٣)». _________ (١) انظر ما يلى ص ٣٦، ص ٦٧. (٢) انظر ما يلى ص ٥٣، ص ٥٤. (٣) السلوك ج ١ ص ٣٦٨.

стр. 10

ومثال ذلك أيضا ما ذكره العينى - فى هذا القسم - عن وفاة السلطان الملك غياث الدين كيخسرو - صاحب بلاد الروم - واستقلال أولاده بالسلطنة، فقال: «وقد خبط نفر من المؤرخين فى تاريخ وفيات هؤلاء وتاريخ ولاياتهم، منهم: بيبرس الدوادار، والصواب ما ذكرناه (١)». من هذه الأمثلة يتضح لنا أهمية ما كتبه العينى عن عصر سلاطين المماليك، حتى فى الأجزاء التى لم يعاصرها ونقلها عن غيره، فإنه نقل، ونقد ما نقله، ثم أدلى برأيه فى هذه الأقوال. ويعتمد تحقيق الاجزاء الخاصة بعصر سلاطين المماليك على إتخاذ ما وجد من أجزاء بخط المؤلف أساسا للتحقيق والنشر مع مقابلتها على ما يوجد من نسخ أخرى، أما الأجزاء التى لم تصلنا بخط المؤلف، ومنها هذا القسم، فالاعتماد سيكون أساسا على أقدم النسخ، وفى جميع الأحوال ستجرى مقابلة النص على مصادره الأصلية التى نقل عنها العينى - إن وجدت -، وعلى المصادر الأساسية المعاصرة والتى تتناول نفس الأحداث. ويعتمد نشر الجزء الأول (٦٤٨ - ٦٦٤ هـ)، وكذلك الجزء الثانى (٦٦٥ - ٦٨٨ هـ) من القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك على النسخة التى كتبها محمد بن أحمد بن محمد الإخميمى بالقاهرة سنة ٨٩٥ هـ، وهما عبارة عن المجلدان الثالث والرابع (الورقة ٣١١ - ٧٢٧) من الجزء ١٨ من النسخة الملفقة، _________ (١) انظر ما يلى ص ١٤٧.

стр. 11

والمحفوظ صورتان بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٥٨٤ تاريخ، فقد جاء بآخر هذا الجزء «وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء فى ضحوة يوم الثلاثاء السابع من شهر جمادى الأولى عام خمس وتسعين وثمانمائة على يد أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى عفوه ورحمته ومغفرته محمد بن أحمد بن محمد الإخميمى الأنصارى الحنفى بمنزله بباب الجوانية داخل باب النصر بالقاهرة المحروسه، حامدا لله، ومصليا على رسوله، ومسلما، ومحسبلا، ومهللا، ومحوقلا». ويعتمد التحقيق على التعريف بالشخصيات والأعلام المشاركة فى الأحداث، والإشارة إلى مصادر ترجمتها، وشرح المصطلحات التاريخية، والألفاظ اللغوية، والتعريف بالأماكن … الخ وذلك فى شرح مختصر، وذلك عند ورودها لأول مرة. وسيجرى - إن شاء الله - نشر الأجزاء الخاصة بعصر سلاطين المماليك فى أجزاء متتابعة بحيث يحتوى كل جزء على تحقيق ونشر أحداث وتراجم عدد من السنوات ستوضح على غلاف كل جزء، دون ارتباط بعصر سلطان معين، أو فترة متساوية من عدد السنين، ذلك أن المؤلف يلجأ أحيانا إلى التوسع، ويلجأ أحيانا إلى الاختصار، ولم يكن أمامنا سوى تقسيم الكتاب إلى أجزاء شبه متساوية من حيث الحجم، تضم عددا من السنوات تزيد أو تنقص تبعا لتوسع المؤلف أو إيجازه. وسيزود كل جزء بفهارس تفصيلية تسهل الاستفادة من كل جزء على حدة. وفى ختام هذه المقدمة لا يسعنى إلا أن أتقدم بالشكر إلى كل من الأستاذ محمد كامل شحاته، وكيل الوزارة، ورئيس قطاع دار الكتب والوثائق القومية،

стр. 12

والأستاذ على عبد المحسن زكى مدير عام مركز تحقيق التراث، لما قاما به من تذليل للصعوبات والمعوقات الإدارية، وتوفير هما للمصادر والمخطوطات والمصورات التى احتجت إليها عند تحقيق هذا الجزء. كما أوجه الشكر إلى الباحثين - أعضاء لجنة التاريخ - بمركز تحقيق التراث الذين شاركوا فى مقابلة المخطوط على المصادر المعاصرة فى هذا الجزء، كما شاركوا فى إعداد كشافات الكتاب، ومراجعة تجارب المطبعة، وهم: السيدة/نجوى مصطفى كامل، والسيد/على صالح حافظ، والسيد/عوض عبد الحليم حسن، والسيدة/إلهام محمد خليل، كما أوجه الشكر إلى السيد/عبد المنعم عبد الفتاح الناسخ بمركز تحقيق التراث. وبعد فالكمال لله وحده، ولا يسعنى إلا أن أذكر قوله تعالى: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا»، وأدعوه أن يوفقنا لإتمام هذا العمل، ولخدمة التراث الإسلامى. والله ولى التوفيق. مسقط فى ٢٩ ربيع الثانى ١٤٠٧ هـ ١ يناير ١٩٨٧ م دكتور محمد محمد أمين

стр. 13

[٣١١] فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثامنة والأربعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: المستعصم بالله (١). وسلطان الديار المصرية: الملك المعظم تورانشاه (٢) بن الملك الصالح نجم الدين، ولكنه ما أقام فى السلطنة إلا يسيرا، وقتل على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. وبقية أصحاب البلاد وملوك الأطراف على حالهم، غير صاحب اليمن (٣)، فإنه قتل أيضا فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله. ذكر كسر الفرنج وأخذ ريد افرنس أسيرا: قد ذكرنا فى السنة الماضية من القتال مع الفرنج (٤)، وكانوا قد ضعفوا لأجل انقطاع المدد والميرة عنهم من دمياط، فإن المسلمين قطعوا الطريق الواصل إليهم [٣١٢] من دمياط، فلم يبق لهم صبر على المقام، فرحلوا ليلة الأربعاء

стр. 14

لثلاث مضين من المحرم من هذه السنة متوجهين إلى دمياط، وركبت المسلمون أكتافهم، ولما أسفر صباح يوم الأربعاء خالطهم المسلمون، وبذلوا فيهم السيف، ولم يسلم منهم إلا قليل، وبلغت عدة الموتى من الفرنج ثلاثين ألفا، وإنحاز ريد افرنس (١) ومن معه من الملوك والأمراء إلى تل هناك. قال المؤيد (٢): إلى بلد هناك، فطلبوا الأمان، فآمنهم الطواشى محسن الصالحى، ثم احتيط عليهم وأحضروا إلى المنصورة (٣). قال أبو شامة (٤): وأسر ريد افرنس وأخوه (٥)، وجماعة من خواصّه، كانوا اختفوا فى منية عبد الله من ناحية شرمساح (٦)، فأخذوا [برقابهم (٧)]، وقيدوا

стр. 15

ريد افرنس، وجعل فى الدار التى كان ينزلها كاتب الإنشاء فخر الدين [بن (١)] لقمان، ووكل به الطواشى صبيح المعظمى. وقال بيبرس (٢): وكان للبحرية النجمية فى هذه الوقعة الحظ الأوفى، والقدح المعلى. وفى المرآة (٣): وفى أول ليلة من سنة ثمان وأربعين وستمائة كان المصاف بين الفرنج والمسلمين على المنصورة، بعد وصول الملك المعظم توران شاه إلى المخيم، ومسك الأفرنسيس وهو ريد افرنس (٤)، وقتل من الفرنج مائة ألف، ووصل كتاب المعظم توران شاه، يعنى إلى دمشق، إلى نائبها جمال الدين ابن يغمور (٥):

стр. 16

الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن، ﴿(وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ (١)، ﴿(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللهِ، «يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» (٢)، ﴿(وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)﴾ (٣)، ﴿(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها)﴾ (٤)؛ نبشر المجلس السامى (٥) الجمالى، بل نبشر الإسلام (٦) كافة بما منّ الله به على المسلمين من الظفر بعدوّ الدين، فإنه كان قد استفحل أمره، واستحكم شره، ويئس (٧) العباد من الأهل والأولاد، فنودوا: ﴿(وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ [إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ)﴾ (٨) الآية (٩)] ولما كان يوم الأربعاء مستهل السنة المباركة تمم الله على الإسلام بركتها، فتحنا الخزائن، وبذلنا الأموال، وفرقنا السلاح، وجمعنا العربان، والمطوعة، واجتمع خلق (١٠) [عظيم (١١)] لا يحصيهم إلا الله تعالى، وجاءوا (١٢) من كل فج عميق، ومن كل (١٣) مكان

стр. 17

[بعيد (١)] سحيق، «ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصلح على ما وقع عليه (٢) الإتفاق بينهم وبين [٣١٣] الملك الكامل ﵀، فأبينا، «ولما كان فى الليل (٣)»، تركوا خيامهم، وأثقالهم، وأموالهم (٤)، وقصدوا دمياط هاربين، «فسرنا (٥) فى آثارهم طالبين (٦)»، وما زال السيف يعمل فى أدبارهم عامّة الليل، وقد (٧) حل بهم الخزى والويل: فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفا، غير من ألقى نفسه فى اللجج، وأما الأسرى فحدّث عن البحر ولا حرج، والتجأ الفرنسيس إلى المنية (٨)، وطلب الأمان فآمناه، وأخذناه، وأكرمناه، وتسلمنا دمياط (٩) بعون الله ولطفه (١٠). وقال أبو شامة: وفى يوم الأربعاء سادس عشر المحرم وصل إلى دمشق غفارة (١١) ملك افرنسيس المأسور، أرسلها السلطان المعظم إلى نائبه بدمشق الأمير

стр. 18

جمال الدين موسى بن يغمور، فلبسها، فرأيتها عليه، وهى أشكرلاط أحمر (١)، تحته فروسنجاب، فيها بكلة (٢) ذهب، فنظم صاحبنا الفاضل الزاهد نجم الدين محمد بن إسرائيل مقطعات ثلاثيا إرتجالا، كل قطعة بيتين فى مدح السلطان، والأمير. أحديها (٣): إن غفارة الفرنس التى … جاءت حباء لسيد الأمراء كبياض القرطاس فى اللون لكن (٤) … صبغتها سيوفنا بالدماء (٥) والثانية: مخاطبة للأمير: يا واحد العصر الذى لم يزل … يحوز فى نيل المعالى المدا لا زلت فى عز وفى رفعة … تلبس أسلاب ملوك العدا والثالثة: كتبها الأمير مقدمة (٦) كتاب إلى السلطان: أسيد أملاك الزمان (٧) … بأسرهم تنجزت من نصر الإله وعوده فلا زال مولانا يبيح حمى العدا … ويلبس أسلاب الملوك عبيده ثم إن الملك المعظم توران شاه رحل إلى فارسكور ونصب بها برج خشب،

стр. 19

وأرسل إلى ابن أبى علىّ (١) نائب القاهرة بأمره بالقدوم عليه، واستناب بالقاهرة الأمير جمال الدين أقوش النجمى، وأعرض عن مماليك والده، وأهمل جانبهم، وهم الذين أبلوا فى غزو الفرنج بلاء حسنا، فوجدوا فى نفوسهم لما بلغهم عنه من التهديد والوعيد، فاجتمعوا على إعدامه؛ وتعجيل حمامه. ذكر قتل الملك المعظم توران شاه: والكلام فيه على أنواع: الأول فى ترجمته: وهو السلطان الملك المعظم [٣١٤] تورانشاه بن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل محمد بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن الأمير نجم الدين أيوب، كان أبوه ولاه حصن كيفا فى الشرق، ثم كان يستدعيه فلا يجيبه، فلذلك كان يكرهه، ولأجل خفة فيه أيضا وخلاعة وهوج، فلذلك لم يوص إليه بالملك؛ مع أنه لم يخلف ولدا غيره، لأن ولده الواحد مات بدمشق، وولده المغيث توفى معتقلا بها كما ذكرناه (٢)، وولده خليل المولود من شجر الدرّ، لم يلبث إلا قليلا ومات طفلا (٣). قال السبط: وحكى لى الأمير حسام الدين بن أبى علىّ قال: كنا نقول للملك الصالح أيوب: ما ترسل إلى ولدك توران شاه وتحضره إلى ها هنا. فيقول: دعونا من هذا، فلحينا عليه يوما فقال: أجيبه إلى ها هنا أقتله (٤).

стр. 20

الثانى: فى سبب قتله: وكان قتله لأمور بدت منه، فنفرت عنه القلوب، فاتفقوا على قتله. منها: أنه كان فيه خفة. قال السبط: بلغنى أنه لما دخل كان يجلس على السماط، فإذا سمع فقيها يذكر مسألة وهو بعيد منه، يصيح هو: لا نسلم. ومنها: أنه احتجب عن الناس أكثر من أبيه، وما ألفوا من أبيه ذلك، وكذا سمع مماليك أبيه منه، ما ألفوا من أبيه ذلك. ومنها: أنه كان إذا سكر يجمع الشموع ويضرب رءوسها بالسيف فيقطعها ويقول: كذا أفعل بالبحرية. ومنها: أنه كان يسمى مماليك أبيه بأسمائهم. ومنها: أنه قدّم الأرذال والأندال، وأبعد الأماثل والأكابر. ومنها: أنه أهان مماليك أبيه الكبار. ومنها: أنه كان قد وعد أقطاى (١) بأن يؤمره، ولم يف له؛ فاستوحش منه. ومنها: أنه كان يهدّد أم خليل (٢)، ويطلب المال والجواهر، فخافت منه، وارتفقت معهم. الثالث: فى كيفية قتله: قال السبط: لما كان يوم الإثنين السابع والعشرين (٣) من المحرّم جلس المعظم

стр. 21

على السماط، فضربه بعض المماليك البحرية بالسيف، فتلقاه بيده، فقطع بعض أصابعه، وقام فدخل البرج (١) وصاح: من جرحنى؟ قالوا: الملحدة الحشيشية (٢). قال: لا والله إلا البحرية (٣)؛ والله لا أبقيت منهم بقية، واستدعى المزين (٤) فخيط يده وهو يتوعدهم [٣١٥]، فقال بعضهم لبعض: تموه وإلا أبادكم، فدخلوا عليه، فانهزم إلى أعلا البرج، فأوقدوا النيران حول البرج، ورموه بالنشاب، فرمى بنفسه، وهرب نحو البحر وهو يقول: ما أريد الملك، دعونى أرجع إلى الحصن، يا للمسلمين (٥) ما فيكم من يصطنعنى ويجبرنى، والعساكر كلها واقفة، فما أجابه أحد، والنشاب تأخذه، وكذا لما صعد إلى البرج رموه بالنشاب، فتعلق بذيل أقطاى، فما أجاره (٦)، فقطعوه قطعا، وبقى على جانب البحر ثلاثة أيام منتفخا، ما يتجاسر أحد أن يدفنه، حتى شفع فيه رسول الخليفة، فحمل إلى ذلك الجانب فدفن، وكان (٧) الذين باشروا قتله أربعة.

стр. 22

قال سعد الدين مسعود بن تاج الدين شيخ الشيوخ: حكى لى [رجل] (١) صادق أن أباه الملك الصالح أيوب قال لمحسن الخادم: إذهب إلى أخى العادل إلى الحبس، وخذ معك من المماليك من يخنقه، فعرض المحسن ذلك على جميع المماليك، فامتنعوا بأسرهم (٢) إلا هؤلاء الأربعة، فإنهم مضوا معه وختقوه، فسلطهم الله تعالى على ولده حتى قتلوه أنحس قتلة وأقبحها، ومثلوا به أعظم مثله كما (٣) فعل بأخيه. وفى تاريخ النويرى: اجتمعت البحرية على قتله بعد نزوله بفارسكور، وهجموا عليه بالسيوف، وكان أوّل من ضربه ركن الدين بيبرس الذى صار ملك مصر فيما بعده، فهرب المعظم منهم إلى البرج الخشب الذى نصب له بفارسكور كما ذكرنا، فاطلقوا فى البرج النار، فخرج المعظم من البرج هاربا طالبا للبحر ليركب فى حراقته، فحالوا بينه وبينها بالنشاب، فطرح نفسه فى البحر فأدركوه وأتمّوا قتله فى يوم الإثنين المذكور، وكانت مدّة إقامته فى الملك من حين وصوله إلى الديار المصرية شهرين وأياما (٤). وقال أبو شامة: جرح فى يده فى دهليز الخدمة بعد السماط، فانهزم ودخل برج خشب، فأحرق، فرمى بنفسه منه إلى ناحية النيل، فأدرك، وقطع بقرية فارسكور.

стр. 23

وقال: أخبرنى من شاهد ذلك أنه ضرب أولا، فتلقى الضربة بيده (١)، فحرقت (٢) يده، واختبط الناس، فأظهر أن ذلك كان من بعض الملحدة الحشيشية، ثم أشار بعضهم على الباقين بإتمام الأمر فيه. وقال بعد جرح الحية: لا ينبغى إلا [٣١٦] قتلها، فركبوا وتسلحوا، وأحاطوا بخيمته وبرجه الخشب، لأنه كان نازلا فى الصحراء بإزاء الفرنج، فدخل البرج خوفا منهم، فأمروا زراقا بإحراق البرج، فامتنع، فضربت عنقه، ثم أمروا زراقا آخر، فرمى البرج بنفط، فأحرقه، فخرج منه وناشدهم الله فى الكف عنه، والإقلاع عما نقموا عليه، وطلب تخلية سبيله، فلم يجب إلى شئ من ذلك، فدخل البحر إلى أن وصل الماء إلى حلقه، فرجع فضربه البندقدارى بالسيف، فرجع إلى الماء (٣)، وقيل: ضربه ضربة واحدة على عاتقه، فنزل السيف من تحت إبط اليد الأخرى، فوقع قطعتين، وكان قتله فى أواخر محرم. فانظر إلى هاتين الوقعتين (٤) العظيمتين القريبتين (٥) كيف اتفقتا فى شهر واحد، إحداهما (٦) فى أوله: وهى كسرة الفرنج الكسرة العظمى التى استأصلتهم.

стр. 24

والثانية فى آخره: قتل للسلطان المعظم على هذا الوجه الشنيع. وحكى عن السيف بن شهاب جلدك والى القاهرة [، كان أبوه (١)]: أنه بقى على البرج وهو يستغيث برسول الخليفة: يا أبا عز الدين أدركنى، وتكرر ذلك، فركب فى أمره، وكلمهم فيه، فردّوه وخوفوه بالقتل والإحراق، وإخراق حرمة الخلفة، وجرى ما ذكرناه (٢). قال السبط: وكانو قد جمعوا فى قتله ثلاثة أشياء (٣): السيف والنار والماء، فإنهم قتلوه وقد التجأ إلى البحر. قال: وحكى لى العماد بن درباس قال: رأى جماعة من أصحابنا الملك الصالح أيوب فى المنام وهو يقول: قتلوه شر قتله … صار للعالم مثله لم يراعوا فيه إلا … لا ولا من كان قبله ستراهم عن قريب (٤) … لأقل الناس أكله فكان كما ذكر من اقتتال المصريين والشاميين، ومن عدم فيهم من أعيان الأمراء.

стр. 25

ذكر سلطنة شجر الدّر حظية الملك الصالح أيوب ولما قتلوا المعظم اجتمعت الأمراء واتفقوا على أن يقيموا شجر الدرّ فى المملكة، وأن يكون عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحى المعروف بالتركمانى أتابك العساكر، وحلفوا على ذلك، وخطب لشجر الدر على المنابر، وضربت السكة بإسمها، وكان نقش السكة: المستعصمية الصالحية، ملكة المسلمين، والدة الملك المنصور خليل، وكانت شجر الدرّ قد ولدته من الصالح أيوب ومات صغيرا كما ذكرناه، (١) [٣١٧] وكانت صورة علامتها على المناشير والتواقيع: والدة خليل المستعصمية. ذكر تسلم دمياط من الفرنج ورحيل ريد افرنس: ولما تم النصر الأعظم والفتح الأكبر بتسلم دمياط من الفرنج من ريد افرنس أفرج عنه عن الحبس، وكان المتحدّث مع ريد افرنس فى ذلك الأمير حسام الدين ابن أبى علىّ الهذبانى، لما يعلمون من عقله ومشورته، واقتداء مخدومهم بتدبيره، فتقرّر الاتفاق على تسليم دمياط وأن يذهب هو بنفسه سالما، فأرسل ريد افرنس إلى من بدمياط يأمرهم بتسليم البلد إلى المسلمين، فأجابوه إلى ذلك، ودخل العلم السلطانى إليها يوم الجمعة لثلاث مضين من صفر، وأفرج عن ريد افرنس، وانتقل هو ومن بقى من أصحابه إلى البر الغربىّ، وركب البحر هو

стр. 26

ومن معه، وأفلعوا إلى عكا، ووردت البشرى بذلك إلى البلاد، وضربت البشائر، وأعلنت الأفراح. وفى كسرة ريد افرنس يقول القاضى جمال الدين بن مطروح (١) ﵀: قل للفرنسيس إذا جئته … مقال حق صادر عن نصيح (٢) آجرك الله على ما جرى … من قتل عباد يسوع المسيح أتيت مصرا تبتغى ملكها … تحسب أن الزمر يا طبل ريح فساقك الحين إلى أدهم … ضاق به عن ناظريك الفسيح وكل أصحابك أوردتهم (٣) … بحسن تدبيرك بطن الضريح خمسون (٤) … ألفا لا يرى منهم إلا قتيل أو أسير جريح وفقك (٥) … الله لأمثالها لعل عيسى منكم يستريح إن كان باباكم (٦) … بذا راضيا فرب غش قد أتى من نصيح (٧)

стр. 27

وقل لهم إن أضمروا (١) … عودة لأخذ ثأر أو لقصد صحيح (٢) دار بن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشى صبيح وذكر أن الفرنسيس لما توجه إلى بلاده جمع جموعا كثيرة ونزل على تونس (٣)، فقال شاب من أهلها يعرف بابن الزيات (٤): [٣١٨] يا فرنسيس هذه أخت مصر … فتاهب لما إليه تصير لك فيها دار لقمان قبر … وطواشيك منكر ونكير وكان هذا منه فألا عليه، فإنه هلك وهو محاصر لها، وصالح أهلها ابنه على مال ورحل عنها. ذكر عود العسكر إلى القاهرة: ولما جرى ما ذكرنا عادت العساكر إلى القاهرة ودخلوها يوم الخميس تاسع صفر من هذه السنة، ولما دخلوا القاهرة أرسلوا رسولا إلى الأمراء الذين بدمشق فى موافقتهم على ذلك، فلم يجيبوا إليه. وفى تاريخ بيبرس: وسيروا رسولا إلى دمشق لاستحلاف الأمير جمال الدين يوسف بن يغمور نائب السلطنة بها والأمراء القيمرية (٥) وغيرهم، فغلطوا الرسول ولم يجيبوه إلى ذلك.

стр. 28

وكان الملك السعيد بن الملك العزيز فخر الدين عثمان بن العادل صاحب الصبيبة خرج من الديار المصرية، وعبر على غزة، وأخذ جميع ما بها من المال وهرب، وكان قد أعطى قبل ذلك قلعته للملك الصالح أيوب وصار فى خدمته، ولما هرب احتيط على داره بالقاهرة، وتوجه هو إلى قلعة الصبيبة فسلمها له من كان فيها. وفى هذه الأيام ملك المغيث فتح الدين عمر (١) بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل بن العادل بن أيوب الكرك واستولى عليها، وذلك أنه كان عند عماته (٢) بالقاهرة، فلما توفى الملك الصالح أيوب بلغ الأمير حسام الدين ابن أبى علىّ أن فخر الدين بن الشيخ ربما أخرجه ورتبه فى الملك، فأطلعه إلى قلعة الجبل واعتقله بها، فلما ورد المعظم توران شاه إلى المنصورة فى التاريخ الذى ذكرناه، أمر به فحمل إلى الشوبك واعتقل بها خوفا منه، فلما مات المعظم أخرجه الطواشى بدر الدين الصوابىّ الصالحى، وكان نائب الملك الصالح بالكرك، وكانت الشوبك مضمومة إلى ولايته، فملكه البلدين، وسلم إليه القلعتين، وقام بتدبير دولته، والاجتهاد فى خدمته. ذكر استيلاء الملك الناصر صاحب حلب على دمشق: ولما جرى [٣١٩] ما ذكرناه خرج الملك الناصر يوسف (٣) بن الملك العزيز ابن الظاهر غازى بن صلاح الدين يوسف بن أيوب من حلب، وذلك لأنه

стр. 29

لما ورد عليه الخبر بقتل المعظم تورانشاه وصلت إليه كتب الأمراء القيمرية من دمشق يستدعونه ويحثونه على الوصول إليهم ليسلموا دمشق إليه، فوصلها يوم السبت ثامن ربيع الآخر من هذه السنة، وأحاط عسكره بها، وزحفوا عليها، وكان النائب بها الأمير جمال الدين بن يغمور من جهة الملك الصالح، وكان قد رتب الأبواب على الأمراء القيمرية وهم: ناصر الدين القيمرىّ، وضياء الدين، وشهاب الدين الكبير، ففتحوا باب الجابية مواطأة للملك الناصر، فدخل الناصر وأصحابه دمشق، وتملكوها بغير ممانعة ولا مقاتلة، وخلع على الأمراء المذكورين، وخلع أيضا على الأمير جمال الدين بن يغمور النائب من جهة السلطنة، وأحسن إليهم، وعلى جماعة من الأمراء المصريين مماليك الملك الصالح نجم الدين، واستقرت قدمه فى ملك دمشق، وعصت عليه بعلبك وعجلون وشميس مدة يسيرة، ثم مال الجميع إليه. ولما وصل الخبر بذلك إلى مصر اجتمعت الأمراء والأجناد بقلعة الجبل وجدّدوا الأيمان لشجر الدرّ والدة خليل، وللأمير عز الدين أيبك التركمانى بالتقدمة على العساكر، وعزموا على إخراج العساكر صحبة الأمير حسام الدين ابن أبى على ليدفعوا الملك الناصر عن دمشق، ويردّوه قبل أن يملكها، فورد عليهم بأن القيمرية سلموها إليه، فأمسك من كان منهم بالقاهرة، وقبض على كل من اتهم بالميل إلى الحلبيين (١).

стр. 30

ذكر سلطنة أيبك التركمانى ولما جرى ما ذكرنا من عصيان الملك المغيث بالكرك واستيلائه عليها وعلى الشوبك، واستيلاء الملك الناصر صاحب حلب على دمشق، ووقوع الاضطراب فى مصر، اجتمعت البحرية والأتراك وأجالوا الرأى بينهم، وقالوا: إنه لا يمكننا حفظ البلاد وأمر الملك إلى امرأة، وقد ورد فى الحديث: «كيف يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وقالوا: لابدّ من إقامة شخص كبير تجتمع الكلمة عليه ويشار فى الملك إليه فاتفق رأيهم [٣٢٠] على أن يفوض أمر الملك إلى الأمير عز الدين أيبك الجاشنكير التركمانى الصالحىّ مقدّم العساكر، فقاموا إليه وسألوه أن يولّى عليهم ليقوم بسياسة الملك، فأجابهم على ذلك (١)، وولوه، وعقدوا له، ولقبوه بالملك المعز، وركب بالسناجق السلطانية يوم السبت آخر ربيع الآخر من هذه السنة، وحملت الأمراء الغاشية فى خدمته على العادة. وهو أوّل ملوك الترك، وأبطلت السكة والخطبة التى كانت باسم شجر الدر فى ثانى يوم تمليكه، وكانت مدة سلطنتها ثلاثة أشهر لأنهم كانوا عقدوا لها بالسلطنة فى آخر المحرم، ثم خلعوها من السلطنة فى آخر ربيع الآخر.

стр. 31

ذكر عقد السّلطنة للملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك المسعود صلاح الدين يوسف الملقّب بإتسز ابن الملك الكامل بن العادل بن أيّوب والملك المسعود هو الذى ملك اليمن فى حياة والده الملك الكامل كما ذكرنا (١)، وكان السبب فى ذلك أنهم لما رأوا وقوع الاختلاف فى البلاد، واستيلاء كل أحد على ناحية، ووقوع الإضطراب فى الديار المصريّة، قالوا: لابدّ من إقامة شخص من بنى أيّوب ليجتمع الكلّ على طاعته، ويرتفع الخلاف. واتفق رأيهم على إقامة الملك الأشرف مظفر الدين موسى المذكور، وأن يكون الملك المعزّ عز الدين أيبك أتابكه (٢)، والقائم بتدبير الدولة، والتقدمة على العساكر، فرضى الجميع بذلك، وأقاموا الأشرف المذكور، وأجلسوه فى دست السلطنة والأمراء فى خدمته يوم الخميس لخمس مضين من جمادى الأولى، وكان عمر الأشرف عشر سنين، وجلس على السماط على عادة السلطنة.

стр. 32

وكانت مدّة سلطنة عز الدين أيبك خمسة أيام، لأنه تولى السلطنة فى آخر ربيع الآخر يوم السبت، وخلع عنها يوم الخميس الخامس من جمادى الأولى. ذكر ما جرى من الأمور بعد سلطنة الأشرف: منها: أنه كان فى غزّة جماعة من عسكر مصر مقدمهم ركن الدين خاص ترك (١)، فاندفعوا إلى مصر لما بلغهم حركة الحلبيين إلى مصر، ونزلوا بالسانح، واجتمعوا، واتفقت كلمتهم على طاعة الملك المغيث صاحب الكرك، وخطبوا له بالصالحيّة يوم الجمعة لأربع مضين من جمادى الآخرة من هذه السنة (٢) [٣٢١] فنودى بالقاهرة ومصر أن البلاد للخليفة المستعصم بالله، وأن الملك المعز عزّ الدين أيبك نائبه بها، وجدّدت الأيمان للأشرف بالسلطنة، وللمعز بالأتابكيّة، وندبت العساكر إلى السانح، فهرب من السانح الطواشيان شهاب الدين رشيد الكبير، وشهاب الدين رشيد الصغير، وركن الدين خاص ترك، وأقوش المشرف، وكانوا من جملة الذين اتفقوا على تمليك المغيث بن العادل صاحب الكرك، فقبض غلمان الرشيد الصغير عليه، وجاءوا به إلى القاهرة، فاعتقل بها، ونجا الباقون، وخرجت الخلع للذين تخلّفوا بالسانح وعفى عنهم، وطيّبت قلوبهم، وخرجت لهم النفقة. ومنها: أن فى يوم الأحد لخمس مضين من رجب من هذه السنة رحل الأمير فارس الدين آقطاى الجمدار، وكانت إليه تقدمة البحرية الصالحية، من القاهرة

стр. 33

متوجها إلى بلاد الشام، ومعه من العسكر ألفا فارس، فوصل إلى غزّة، وكان بها جماعة من أصحاب الملك الناصر صاحب حلب الذى استولى على دمشق، فأوقع بهم، فاندفعوا من بين يديه (١)، ثم عاد الأمير أقطاى إلى الديار المصرية، ودخلها، وقبض على الأمير زين الدين قراجا أمير جاندار، وعلى صدر الدين قاضى آمد، وكانا من كبار الصالحيّة. ومنها: أنه قبض على الأمير جمال الدين النجيبى، والأمير جمال الدين أقوش العجمى، واعتقلا. ومنها: أنهم نقلوا الملك الصالح إلى تربته (٢) التى بنيت له عند مدرسته بالقاهرة بين القصرين، وعمل له العزاء بالقاهرة، وقطعت مماليكه شعورهم، وعملوا له عزاء جديدا. ومنها: أن الأمراء وأرباب الدولة اتفقوا على هدم أسوار دمياط وتخريبها ومحو آثارها، لما اتفق من قصد الفرنج لها مرة بعد أخرى، لأنهم قصدوها فى أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وكادوا يملكونها (٣)، وفى أيام الملك الكامل وحاصروها أكثر من سنة وملكوها (٤)، وفى أيام الملك الصالح نجم الدين، وجرى ما ذكرناه (٥)، فهدموها وبنيت مدينة قريبة منها سميت المنشية، وهى المدينة يومنا هذا.

стр. 34

ومنها: أن الملك الناصر يوسف صاحب حلب قبض على الملك الناصر داود (١) ابن [٣٢٢] المعظم وحبسه فى حمص، وذلك أنه كان قد قدم دمشق فى خدمة الناصر يوسف، فبلغه عنه ما أوجب القبض عليه، فقبض عليه وسيّره إلى حمص تحت الاحتياط، فاعتقل فى قلعتها، وكان قد وعده وعودا جميلة فلم ينجز له منها شيئا، فلما أيس منه طلب منه دستورا ليمضى إلى بغداد، فأعطاه الدستور، فلما خرج إلى القصير قبض (٢) عليه فى مستهلّ شعبان من هذه السنة، ووصل حريمه وأولاده من مصر، وكان له عشرة أولاد ذكورا وثلاث بنات، فأنزلوا فى دمشق. ولما اعتقل بحمص نظم قصيدة مطلعها: إلّهى أنت أعلى وأعلم … بمحقوق ما تبدى الصدور وتكتم وأنت الذى ترجى لكلّ عظيمة … وتخشى وأنت الحاكم المتحكّم إلى علمك العلوى أشكو ظلامتى … وهل بسواك ينصف المتظلّم أبث خيانات العشيرة معلنا … إلى من بمكنون السرائر يعلم أتيتهم مستنصرا متحرّما … كما يفعل المستنصر المتحرّم فلما أيسنا نصرهم ونوالهم … رمونا بإفك القول وهو مرجّم أغثنا أغثنا من عدانا يكن لنا … بك النصر حتى يخذلوا ثم يهزموا فنصرك مجعول لنا معجل … وبرّك معلوم بنا فهو معلم

стр. 35

ذكر توجّه الملك الناصر صاحب حلب من دمشق قاصدا الديار المصرية: وفيها: سار الملك الناصر المذكور بعساكره من دمشق وصحبته، من ملوك أهل بيته، الصالح إسماعيل (١) بن العادل بن أيوب، وهو خال أبيه، والأشرف موسى (٢) صاحب حمص، كان وهو يومئذ صاحب تلّ باشر والرحبة وتدمر، والملك المعظم فخر الدين تورانشاه (٣) بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ومقدم جيشه الأمير شمس الدين لؤلؤ وإليه تدبير المملكة. وفى المرآة: وكان سير الملك الناصر قاصدا الديار المصرية بإشارة شمس الدين لؤلؤ المذكور، فإنه لحّ فى القضيّة لحاحا كان سببا لحضور المنيّة، وكان يستهزئ بالعساكر المصرية ويقول: آخذها بمائتى [٣٢٣] قناع (٤). وكان رحيلهم من دمشق يوم الأحد منتصف رمضان من هذه السنة، ولما وصلت الأخبار بذلك إلى الديار المصرية انزعج الملك المعز أيبك التركمانى ومن معه من البحرية والترك لذلك، وأجمعوا على لقاء الملك الناصر ومحاربته ودفعه عن الديار المصريّة، وقبضوا على جماعة من الأمراء اتهموهم بالميل إلى الناصر، وتجهزوا، وخرجوا من القاهرة فى شهر شوال، وبرزوا إلى السّانح، وتركوا السلطان الملك الأشرف موسى بقلعة الجبل، واستناب المعز بالديار المصرية

стр. 36

الأمير علاء الدين أيدكين البند قدارى، وأفرج عز الدين أيبك عن ولدى الصالح إسماعيل، وهما: المنصور إبراهيم والسعيد عبد الملك ابنا الصالح إسماعيل، وكانا معتقلين من استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على بعلبك، وخلع عليهما، ليتوهّم الملك الناصر صاحب حلب من أبيهما الصالح إسماعيل. ولما خرجوا وصل أولهم إلى السانح، ونزلوا بالصالحية، وقوى الإرجاف بوصول الملك الناصر ودخوله الرمل. قال بيبرس: وكان رحيل المعزّ فى بقية العساكر ثالث ذى القعدة من هذه السنة، ووصل الملك الناصر بمن معه من العساكر إلى كراع وهى قريبة من العباسة والسّدير، وتقارب ما بين العسكرين، فمال من كان مع الناصر من مماليك أبيه العزيز إلى الترك الذين بمصر للجنسيّة، فرحل المعز أيبك ونزل قبالة الناصر بسموط، والتقوا فى يوم الخميس عاشر ذى القعدة، فكانت الكسرة أولا على عسكر مصر، وولوا منهزمين، وثبت المعز أيبك فى جماعة من البحرية، وانحاز إلى جانب، وبقى الملك الناصر تحت السناجق (١) فى جمع من العزيزية (٢)، فخامروا وانضافوا إلى المعز أيبك، فحمل على الطلب (٣) الذى فيه الملك الناصر، فولّى منهزما طالبا الشام فى جماعة من خواصّه، وأخذت سناجقه والطبلخاناة (٤)

стр. 37

التى له، وقصد المعز أيبك الأطلاب الشاميّة، فوقع بالطلب الذى فيه شمس الدين لؤلؤ، فحمل عليهم، وبدّد شملهم، وأتى به إليه، فأمر بضرب عنقه، فضربت، وأتى بالأمير ضياء الدين القيمرى، [٣٢٤] فضربت عنقه، وأتى بالملك الصالح عماد الدين إسماعيل فسلم عليه الملك المعزّ، ووقف راكبا إلى جانبه، وأسر الملك الأشرف صاحب حمص، ونصرة الدين، والمعظم فخر الدين ابنا صلاح الدين يوسف. وأما العسكر المصريون (١) المنهزمون، فإن الهزيمة استمرّت بهم، ولا يعلمون ما تجدّد بعد ذلك، ووصلوا القاهرة غد هذا اليوم، وهرب بعضهم إلى الصعيد، وخطب ذلك اليوم للملك الناصر يوسف صاحب حلب بالقلعة وجامع مصر (٢)، وأما القاهرة فلم يقم بجامعها خطبة (٣) وتوقفوا ليتحققوا. ووصل معظم العسكر الشامىّ إلى العبّاسة فى إثر المصريين، ولا يظنون إلا أنّ الكسرة قد تمت على المصريين: وزال أمرهم بالكلية، وهم ينتظرون وصول الملك الناصر ليدخلوا معه القاهرة، ثم جاءهم الخبر بما جرى من هرب الملك الناصر؛ وقتل شمس الدين لؤلؤ والقيمرىّ، وأسر من أسر، فاختلفوا فيما يعتمدون عليه، وكان فى الجيش تاج الملوك ولد المعظم بن صلاح الدين وهو مجروح، وحاروا فيما يفعلون.

стр. 38

وفى نهار الجمعة حادى عشر ذى القعدة وردت البشائر بانتصار المعزّ وانكسار الناصر، وكان بقلعة الجبل ناصر الدين بن يغمور أستادار الملك الصالح عماد الدين إسماعيل؛ وأمين الدولة [أبى الحسن غزال (١)] وزيره محبوسين من أيام الملك الصالح نجم الدين، فلما بلغهما انتصار الناصر وكسر العسكر المصرى خرجا من الحبس وأظهرا السرور، ثم لما تحقّق نصر المعزّ أيبك أعيدا إلى السجن، ونودى فى آخر هذا اليوم، وهو يوم الجمعة المذكور، بإظهار الزيّنة. وعاد الملك المعزّ والبحرية والعساكر المصريّة ومن انضّم إليهم من العزيزية على غير طريق العباسة خوفا من الناصريّة النازلين عليها، ووصلوا إلى القاهرة بكرة يوم السبت ثانى عشر ذى القعدة ودخل المعزّ أيبك، والملك الصالح عماد الدين إسماعيل قدامه فى الموكب تحت الاحتياط فاعتقله بقلعة الجبل فى دار، واعتقل الأشرف صاحب حمص [٣٢٥] والمعظم تورانشاه وأخوه فى حبس القلعة، وشنق ناصر الدين بن يغمور، وأمين الدولة الوزير على باب القلعة، ثم أخرج الملك الصالح عماد الدين إسماعيل خارج القلعة من جهة القرافة، فقتل ودفن هناك، وكان مقتله فى ليلة الأحد السابع والعشرين من ذى القعدة. وفى المرآه: لما أسروا شمس الدين لؤلؤ، وجاءوا به إلى بين يدى الملك المعز، قال حسام الدين بن أبى علىّ: لا تقتله لتأخذ به الشام. وقال أقطاى: هذا الذى يأخذ مصر بمائتى قناع، قد جعلنا مخانيث، فضربوا عنقه. وأما الملك الناصر فإنه لما كسر، كسرت العزيزيّة سناجقه، وكسروا صناديقه، ونهبوا ماله، ورموه بالنشاب، فأخذه نوفل البدوى وجماعة من

стр. 39

مماليكه وأصحابه، وساروا به إلى الشام، ومات تاج الملوك من جراحة كانت به، فحمل إلى القدس ومات به، وضرب الشريف المرتضى فى وجهه بالسيف ضربة هائلة عرضا، وأرادوا قتله، فقال: أنا رجل شريف ابن عم رسول الله ﷺ ، فتركوه. قال السبط: وحكى لى قال: بقيت فى الرمل يوما وليلة ملقى، رأسى ناحية ووجهى ناحية، والدّماء تفيض، ولولا أن الله تعالى منّ علىّ بالملك الصالح ابن صاحب حمص لهلكت، حملنى وخيّط وجهى بمسال، وعاينت الموت مرارا، وتمزّق الناس كل ممزّق، ومشوا فى الرمال أيّاما. وأما (١) المصريّون فإنهم دخلوا إلى القاهرة بالأسارى والسناجق المقلّبة، والطبول المشقّقة، والخيول والأموال والعدد، ولما وصلوا إلى تربة الملك الصالح نجم الذين أيوب أحدقوا بالصالح إسماعيل، وصاحوا ياخوند (٢): أين عينك ترى عدّوك، ورموا الأسارى فى الجبل، وجمعوا بين الصالح إسماعيل وبين أولاده أيّاما، ثم غيّبوه. وأما المماليك فمالوا على المصريّين قتلا ونهبا، ونهبوا أموالهم، وسبوا حريمهم، وفعلوا بهم ما لا يفعل الفرنج بالمسلمين. وكان السامرى، وزير الصالح إسماعيل، معتقلا فى القلعة فى جب هو وناصر الدين بن يغمور، وسيف الدين القيمرى، والخوارزمى صهر الملك الناصر

стр. 40

يوسف، فخرجوا من الجبّ، وعصوا فى [٣٢٦] القلعة. ولم يوافقهم سيف الدين القيمرىّ، بل جاء فقعد على باب الدار التى فيها عيال الملك المعز أيبك التركمانى وحماهم، فلم يدع أحدا يقربها. وأما الباقون فصاحوا الملك الناصر يا منصور، وجاء الترك ففتحوا باب القلعة ودخلوا، فشنقوا السامرىّ وابن يغمور والخوارزمىّ متقابلين، ولكن لا على سرر (١)، وشنقوا المجير بن حمدان، وكان شابّا حسنا، قالوا: تعدّى على بعض المماليك، ونهب خيله. وأما الملك الناصر يوسف صاحب حلب، فإنه وصل إلى غزة فى حالة عجيبة، وأقام ينتظر أصحابه، فوصل إليه من سلم منهم، ومن عسكر الشام، وابن صاحب الموصل وكان معه. وقال المؤيّد وغيره: ثم بعد هزيمة الملك الناصر يوسف صاحب حلب سار فارس الدين أقطاى من الديار المصرية ومعه ثلاثة آلاف فارس إلى غزة وملكها، واستولى عليها، ثم عاد إلى الديار المصرية (٢). وفيها امر الملك المعزّ ببناء مدرسته التى بدار الملك بمصر على البحر، فبنيت (٣). وفيها: (٤) وفيها: (٥)
следующие страницы →