Полный текст (721 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
: فَقَالَ ضَغَاطِرُ: صَاحِبُكَ وَاللَّهِ نَبِيُّ مُرْسَلٌ نَعْرِفُهُ بِصِفَتِهِ، وَنَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا بِاسْمِهِ قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ فَأَلْقَى ثِيَابًا كَانَتْ عَلَيْهِ سُودًا، وَلَبِسَ ثِيَابًا بِيضًا، ثُمَّ أَخَذَ عَصَاهُ، فَخَرَجَ عَلَى الرُّومِ وَهُمْ فِي الْكَنِيسَةِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ إِنَّهُ قَدْ جَاءَنَا كِتَابُ أَحْمَدَ يَدْعُونَا فِيهِ إِلَى اللَّهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ أَحْمَدَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَلَمَّا رَجَعَ دِحْيَةُ إِلَى هِرَقْلَ وَقَدْ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ قَالَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ إِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَضَغَاطِرُ وَاللَّهِ كَانَ أَعْظَمَ عِنْدَهُمْ مِنِّي وَأَجْوَزَ قَوْلًا مِنِّي
стр. 72
٥٤ - حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ،: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ، بِعَبَّادَانَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ الْقَنْطَرِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّاسِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَجَّهَ إِلَى سَعْدٍ أَنْ وَجِّهْ، نَضْلَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الْأَنْصَارِيَّ إِلَى حُلْوَانَ الْعِرَاقِ لِيُغِيرَ عَلَى ضَوَاحِيهَا وَلِيَفْتَتِحَهَا، قَالَ: فَوَجَّهَ سَعْدٌ نَضْلَةَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَتَوْا حُلْوَانَ الْعِرَاقِ، فَأَغَارُوا عَلَى ضَوَاحِيهَا فَفَتَحُوهَا، فَأَصَابُوا غَنِيمَةً وَسَبْيًا، وَكَانَ وَقْتَ الظُّهْرِ، فَأَلْجَأَ نَضْلَةُ الْغَنِيمَةَ وَالسَّبْيَ إِلَى سَفْحِ الْجَبَلِ، ثُمَّ قَامَ فَأَذَّنَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَسَمِعَ مُجِيبًا مِنَ الْجَبَلِ: " كَبَّرْتَ كَبِيرًا يَا نَضْلَةُ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِذَا مُجِيبٌ يُجِيبُهُ: بِذَلِكَ شَهِدَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَمَّا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا مُجِيبٌ يُجِيبُهُ: نَبِيٌّ بُعِثَ وَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: طُوبَى لِمَنْ مَشَى إِلَيْهَا وَوَاظَبَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَجَابَ مُحَمَّدًا وَهُوَ الْبَقَاءُ لِأُمَّتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ قُمْنَا، فَقُلْنَا: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ ⦗١٠٣⦘ اللَّهُ؟ قَالَ: أنَّا وَفْدُ اللَّهِ وَوَفْدُ نَبِيِّهِ وَوَفْدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَانْفَلَقَ عَنْ شَيْخٍ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مِنَ الصُّوفِ، رَأْسُهُ كَرَأْسِ رَحَاءٍ، فَقُلْنَا: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا زُرَيْبُ بْنُ بَرثْمَلَا وَصِيُّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، أَسْكَنَنِي فِي هَذَا الْجَبَلِ، وَدَعَا لِي بِطُولِ الْحَيَاةِ إِلَى حِينِ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ فَيَنْزِلُ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَتَبَرَّأُ مِمَّا عَلَيْهِ النَّصَارَى، أَمَا إِذْ فَاتَنِي لِقَاءُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَقْرِئُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُولُوا: يَا عُمَرُ، سَدِّدْ وَقَارِبْ، فَقَدْ دَنَا الْأَمْرُ، وَأَخْبِرُوهُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ، إِذَا اسْتَغْنَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ، وَانْتَسَبُوا إِلَى غَيْرِ مَنَاسِبِهِمْ، وَانْتَمَوْا إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِمْ، وَلَمْ يَرْحَمْ كَبِيرُهُمْ صَغِيرَهُمْ، وَلَمْ يُوَقِّرْ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَتُرِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَتُرِكَ الْمُنْكَرُ وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ، وَتَعَلَّمَ الْعُلَمَاءُ الْعِلْمَ لِيَجْلِبُوا إِلَيْهِمُ الدِّرْهَمَ وَالدِّينَارَ، وَكَانَ الْمَطَرُ قَيْظًا، وَالْوَلَدُ غَيْظًا، وَطَوَّلُوا الْمَنَارَ، وَفَضَّضُوا الْمَصَاحِفَ، وَزَخْرَفُوا الْمَسَاجِدَ، وَشَيَّدُوا الْبِنَاءَ، وَبَاعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيَا، وَقَطَعُوا الْأَرْحَامَ، وَبَاعُوا الْأَحْكَامَ، وَخَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَسَلَّمَ، وَرَكِبَتِ الْفُرُوجُ السُّرُوجَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قِيَامُ السَّاعَةِ، قَالَ: ثُمَّ غَابَ عَنَّا، فَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَبَرِ نَضْلَةَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: لِلَّهِ أَبُوكَ، سِرْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى نَزَلَ ذَلِكَ الْجَبَلَ، فَسَارَ سَعْدٌ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يُنَادِي بِالْأَذَانِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَا جَوَابَ "
стр. 73
٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ⦗١٠٤⦘ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ إِيَادٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيُّكُمْ يَعْرِفُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيَّ؟، قَالُوا: كُلُّنَا نَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:، فَمَا فَعَلَ؟، قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَحِمَ اللَّهُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ مَا أَنْسَاهُ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ بِسُوقِ عُكَاظٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَوْرَقَ أَحْمَرَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ عَلَيْهِ حَلَاوَةٌ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ اجْتَمِعُوا وَاسْتَمِعُوا وَاحْفَظُوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، لَيْلٌ دَاجٍ، وَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، بِحَارٌ تَزْخَرُ، وَنُجُومٌ تُزْهِرُ، وَمَطَرٌ وَنَبَاتٌ، وَآبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ، وَذَاهِبٌ وَآتٍ، وَضَوْءٌ وَظَلَامٌ، وَبِرٌّ وَآثَامٌ، لِبَاسٌ وَمَرْكَبٌ، وَمَطْعَمٌ وَمَشْرَبٌ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَرًا، مِهَادٌ مَوْضُوعٌ، وَسَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَنُجُومٌ تَمُورُ، وَبِحَارٌ لَا تَغُورُ، أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا حَقًّا، لَئِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ رِضًا لَيَكُونُ سَخَطًا، إِنَّ لِلَّهِ دِينًا هُوَ أَحَبُّ الْأَدْيَانِ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، مَا لِي أَرَى النَّاسَ ⦗١٠٥⦘ يَذْهَبُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ، أَرَضُوا بِالْمُقَامِ هُنَاكَ فَأَقَامُوا، أَمْ تُرِكُوا هُنَاكَ فَنَامُوا؟ ثُمَّ قَالَ: أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا بَرًّا لَا إِثْمَ فِيهِ مَا لِلَّهِ عَلَى الْأَرْضِ دِينٌ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينٍ أَظَلَّكُمْ إِبَّانُهُ، وَأَدْرَكَكُمْ أَوَانُهُ، طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَهُ فَاتَّبَعَهُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ أَدْرَكَهُ فَفَارَقَهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر الكامل]
فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِينَ ... مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ
لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا ... لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ
وَرَأَيْتُ قَوْمِيَ نَحْوَهَا ... تَمْضِي الْأَصَاغِرُ وَالْأَكَابِرْ
لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ ... وَلَا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ ... حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :، يَرْحَمُ اللَّهُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ، لَأَرْجُو أَنْ يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ،. وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا نَحْنُ فِي مَلَاعِبِنَا إِذْ أَشْرَفَ عَلَيْنَا مِنْ شُرْفَةِ الْجَبَلِ، وَرَأَيْتُ طَيْرًا كَثِيرًا، وَوَحْشًا كَثِيرًا فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَإِذَا ابْنُ سَاعِدَةَ مُؤْتَزِرٌ بِشَمْلَةٍ مُرْتَدٍ بِأُخْرَى، وَبِيَدِهِ هَرَاوَةٌ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى عَيْنٍ مِنْ مَاءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَا وَإِلَهِ السَّمَاءِ لَا يَشْرَبُ الْقَوِيُّ قَبْلَ الضَّعِيفِ، بَلْ يَشْرَبُ الضَّعِيفُ قَبْلَ الْقَوِيِّ ⦗١٠٦⦘، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الْقَوِيَّ مِنَ الطَّيْرِ يَتَأَخَّرُ عَنْ شُرْبِ الضَّعِيفِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْقَوِيَّ مِنَ الْوَحْشِ يَتَأَخَّرُ عَنْ شُرْبِ الضَّعِيف» ِ، فَلَمَّا تَنَحَّى مَا حَوْلَهُ، هَبَطْتُ إِلَيْهِ مِنْ ثَنِيَّةِ الْجَبَلِ، فَرَأَيْتُهُ وَاقِفًا بَيْنَ قَبْرَيْنِ يُصَلِّي، فَقُلْتُ: أَنْعِمْ صَبَاحًا، مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ؟ قَالَ: صَلَّيْتُهَا لِإِلَهِ السَّمَاءِ، قُلْتُ: وَهَلْ لِلسَّمَاءِ مِنْ إِلَهٍ سِوَى اللَّاتِ وَالْعُزَّى؟، فَانْتَفَضَ. ثُمَّ قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَخَا إِيَادٍ، إِنَّ لِلسَّمَاءِ إِلَهًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا فَسَوَّاهَا، وَبِالْكَوَاكِبِ زَيَّنَهَا، وَبِالْقَمَرِ الْمُنِيرِ وَالشَّمْسِ أَشْرَقَهَا، أَظْلَمَ لَيْلَهَا، وَأَضَاءَ نَهَارَهَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
стр. 74
الْفَصْلُ السَّابِعُ ذِكْرُ مَا سُمِعَ مِنَ الْجِنِّ وَأَجْوَافِ الْأَصْنَامِ وَالْكُهَّانِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ نُبُوَّتِهِ ﷺ
стр. 75
٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَا: ثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَوَّلَ خَبَرٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهَا تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ، فَجَاءَ فِي صُورَةِ طَائِرٍ أَبْيَضَ، فَوَقَعَ عَلَى حَائِطٍ لَهُمْ فَقَالَتْ لَهُ: أَلَا تَنْزِلُ إِلَيْنَا فَتُحَدِّثُنَا وَنُحَدِّثُكَ، وَتُخْبِرُنَا وَنُخْبِرُكَ؟ قَالَ لَهَا: إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ بِمَكَّةَ حَرَّمَ الزِّنَا، وَمَنَعَ مِنَّا الْقَرَارَ. "
стр. 76
٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا أَبُو رِضْوَانَ، قَالَ: ثنا أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ، عَنْ أَرْطَاةَ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ ضَمْرَةَ، يَقُولُ: " كَانَتِ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ يَغْشَاهَا جَانٌّ، يَتَكَلَّمُ وَيَسْمَعُونَ صَوْتَهُ قَالَ: فَغَابَ فَلَبِثَ مَا لَبِثَ فَلَمْ يَأْتِهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ إِذْ هُوَ يَطْلُعُ مِنْ كُوَّةٍ، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ لَوْذَانَ، مَا كَانَتْ لَكَ عَادَةٌ تَطْلُعُ مِنَ ⦗١٠٨⦘ الْكُوَّةِ، فَمَا بَالُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ نَبِيٌّ بِمَكَّةَ، وَإِنِّي سَمِعْتُ مَا جَاءَ بِهِ، فَإِذَا هُوَ يُحَرِّمُ الزِّنَا، فَعَلَيْكِ السَّلَامُ. "
стр. 77
٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: " خَرَجْنَا فِي عِيرٍ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا كُنَّا بِأَفْوَاهِ الشَّامِ وَبِهَا كَاهِنَةٌ فَتَعَرَّضْنَا لَهَا، فَقَالَتْ: أَتَانِي صَاحِبِي فَوَقَفَ عَلَى بَابِي، فَقُلْتُ: أَلَا تَدْخُلُ؟ فَقَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، خَرَجَ أَحْمَدُ وَجَاءَ أَمْرٌ لَا يُطَاقُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَرَجَعْتُ إِلَى مَكَّةَ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ . "
стр. 78
٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ يَحْيَى بْنِ نُبَاتَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " خَرَجْنَا فِي عِيرٍ لَنَا إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا كُنَّا بَيْنَ الزَّرْقَاءِ وَمَعَانَ قَدْ عَرَّسْنَا مِنَ اللَّيْلِ، فَإِذَا بِفَارِسٍ يَقُولُ وَهُوَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ: أَيُّهَا النِّيَامُ هُبُّوا، فَلَيْسَ هَذَا حِينُ رُقَادٍ، قَدْ خَرَجَ أَحْمَدُ، وَقَدْ طُرِدَتِ الْجِنُّ كُلَّ مَطْرَدٍ، فَفَزِعْنَا وَنَحْنُ رُفْقَةٌ حَزَاوِرَةٌ، كُلُّهُمْ قَدْ سَمِعَ بِهَذَا، فَرَجَعْنَا إِلَى أَهْلِنَا، فَإِذَا هُمْ يَذْكُرُونَ اخْتِلَافًا بِمَكَّةَ بَيْنَ قُرَيْشٍ، وَنَبِيٍّ خَرَجَ فِيهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْمُهُ أَحْمَدُ. "
стр. 79
٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، وَأَبُو عُمَرَ بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: ثنا مِنْجَابٌ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ، عَنِ ابْنِ خَرَّبُوذٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " هَتَفَ هَاتِفٌ مِنَ الْجِنِّ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ:
[البحر الخفيف]
قَبَّحَ اللَّهُ رَأْيَ كَعْبِ بْنِ فِهْرٍ ... مَا أَرَقَّ الْعُقُولَ وَالْأَحْلَامْ
دِينُهَا أَنَّهَا يُعَنَّفُ فِيهَا ... دِينُ آبَائِهَا الْحَمَاةُ الْكِرَامْ
حَالَفَ الْجِنَّ حِينَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ ... وَرِجَالَ النَّخِيلِ وَالْآطَامْ
هَلْ كَرِيمٌ مِنْكُمْ لَهُ نَفْسُ حُرٍّ ... مَاجِدُ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَعْمَامْ
يُوشِكُ الْخَيْلُ إِنْ تَرَاهَا تَهَادَى ... تَقْتُلُ الْقَوْمَ فِي بِلَادِ التِّهَامْ
ضَارِبٌ ضَرْبَةً تَكُونُ نَكَالًا ... وَرَوَاحًا مِنْ كُرْبَةٍ وَاغْتِمَامْ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَصْبَحَ هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ شَاعَ بِمَكَّةَ، فَأَصْبَحَ الْمُشْرِكُونَ يَتَنَاشَدُونَهُ بَيْنَهُمْ، وَهَمُّوا بِالْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا شَيْطَانٌ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْأَوْثَانِ يُقَالُ لَهُ مِسْعَرٌ، وَاللَّهُ يُخْزِيهِ» قَالَ: فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِذَا هَاتِفٌ عَلَى الْجَبَلِ يَقُولُ:
[البحر الرجز]
نَحْنُ قَتَلْنَا مِسْعَرَا
لَمَّا طَغَى وَاسْتَكْبَرَا
⦗١١٠⦘
وَسَفَّهَ الْحَقَّ وَسَنَّ الْمُنْكَرَا
قَنَّعْتُهُ سَيْفًا جَرُوفًا مُبْتِرَا
بِشَتْمِهِ نَبِيَّنَا الْمُطَهَّرَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَلِكَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ يُقَالُ لَهُ سَمْحَجٌ، سَمَّيْتُهُ عَبْدَ اللَّهِ، آمَنَ بِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ فِي طَلَبِهِ مُنْذُ أَيَّامٍ» فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ
стр. 80
٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْكُوفِيُّ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْأُيُلِّيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ اللَّخْمِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ خُرَيْمُ بْنُ فَاتِكٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِبَدْءِ إِسْلَامِي، بَيْنَا أَنَا فِي طَلَبِ نَعَمٍ لِي إِذْ جَنَّ اللَّيْلُ بِأَبْرَقَ الْعِزَافِ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَعُوذُ بِعَزِيزِ هَذَا الْوَادِي مِنْ سُفَهَائِهِ، وَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ بِي فَقَالَ:
[البحر الرجز]
عُذْ يَا فَتَى بِاللَّهِ ذِي الْجَلَالِ ... وَالْمَجْدِ وَالنَّعْمَاءِ وَالْأَفْضَالِ
وَاقْرَأْ بِآيَاتٍ مِنَ الْأَنْفَالِ ... وَوَحِّدِ اللَّهَ وَلَا تُبَالِ
قَالَ: فَارْتَعْتُ مِنْ ذَلِكَ رَوْعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي، قُلْتُ:
[البحر الرجز]
يَا أَيُّهَا الْهَاتِفُ مَا تَقُولُ ... أَرُشْدٌ عِنْدَكَ أَمْ تَضْلِيلُ
بَيِّنْ لَنَا هُدِيتَ مَا الْعَوِيلُ
فَقَالَ:
هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ذُو الْخَيْرَاتِ ... يَدْعُو إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالنَّجَاةِ
⦗١١١⦘
يَأْمُرُ بِالصَّوْمِ وَبِالصَّلَاةِ ... وَيَزَعُ النَّاسَ عَنِ الْهَنَاتِ
قَالَ: فَأَتْبَعْتُ رَاحِلَتِي، وَقُلْتُ:
أَرْشِدْنِي رُشْدًا بِهَا هُدِيتَا ... لَا جُعْتَ يَا هَذَا، وَلَا عُرِيتَا
وَلَا صَحِبْتَ صَاحِبًا مَقِيتَا ... لَا يَثْوِيَنَّ الْخَيْرُ إِنْ ثُوِيتَا
قَالَ: فَأَتْبَعَنِي، وَهُوَ يَقُولُ:
صَاحَبَكَ اللَّهُ وَسَلَّمَ نَفْسَكَا ... وَبَلَّغَ الْأَهْلَ وَسَلَّمَ رَحْلَكَا
آمِنْ بِهِ أَفْلَحَ رَبِّي حَقَّكَا ... وَانْصُرْ نَبِيًّا عَزَّ رَبِّي نَصْرَكَا
قَالَ: فَدَخَلْتُ الْمَدِينَةَ، فَطَلَعْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: ادْخُلْ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَقَدْ بَلَغَنَا إِسْلَامُكَ، فَقُلْتُ: لَا أُحْسِنُ الطُّهُورَ، فَعُلِّمْتُ، وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ كَأَنَّهُ الْبَدْرُ، وَهُوَ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى صَلَاةً يَعْقِلُهَا، يَحْفَظُهَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . فَقَالَ عُمَرُ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ لَأُنَكِّلَنَّ بِكَ، قَالَ: فَشَهِدَ لَهُ شُوَيْخُ قُرَيْشٍ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَأَجَازَ شَهَادَتَهُ. "
стр. 81
٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ الْمُقْرِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ الْقِرَبِيُّ، وثنا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: ثنا بَشِيرُ بْنُ حُجْرٍ السَّامِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ مَنْصُورٍ الْأَنْبَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيِّ ⦗١١٢⦘، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ مَرَّ رَجُلٌ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ الْمَارَّ؟ قَالَ: لَا، فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: هَذَا سَوَادُ بْنُ قَارَبٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، لَهُ فِيهِمْ شَرَفٌ وَمَوْضِعٌ، وَهُوَ الَّذِي أَتَاهُ رَئِيُّهُ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: عَلَيَّ بِهِ؟ فَدُعِيَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ سَوَّادُ بْنُ قَارِبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ الَّذِي أَتَاكَ رَئِيُّكَ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ؟ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا اسْتَقْبَلَنِي بِهَذَا أَحَدٌ مُنْذُ أَسْلَمْتُ فَقَالَ عُمَرُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِمَّا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ، أَخْبِرْنِي بِإِتْيَانِكَ رَئِيُّكَ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إِذْ أَتَانِي رَئِيٌّ، فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَّادُ بْنَ قَارِبٍ، فَافْهَمْ وَاعْقِلْ، إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر السريع]
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتِجْسَاسِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا خَيْرُ الْجِنِّ كَأَنْجَاسِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى رَأْسِهَا
فَلَمْ أَرْفَعْ بِقَوْلِهِ رَأْسًا، وَقُلْتُ: دَعْنِي أَنَامُ، فَإِنِّي أَمْسَيْتُ نَاعِسًا، فَلَمَّا أَنْ ⦗١١٣⦘ كَانَ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ، أَتَانِي، فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يَا سَوَّادُ بْنَ قَارِبٍ قُمْ، فَافْهَمْ، وَاعْقِلْ، إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ الْجِنِّيُّ، وَجَعَلَ يَقُولُ:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتِطْلَابِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَقْتَابِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا صَادِقُ الْجِنِّ كَكَذَّابِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... لَيْسَ قُدَامُهَا كَأَذْنَابِهَا
قَالَ: فَلَمْ أَرْفَعْ بِقَوْلِهِ رَأْسًا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الثَّالِيَةُ أَتَانِي، فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يَا سَوَّادُ بْنَ قَارِبٍ افْهَمْ، وَاعْقِلْ، إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ الْجِنِّيُّ يَقُولُ:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَأَخْبَارِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأْكَوارِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ كَكُفَّارِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... بَيْنَ رَوَابِيهَا وَأَحْجَارِهَا
فَوَقَعَ فِي نَفْسِي حُبُّ الْإِسْلَامِ، وَرَغِبْتُ فِيهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ شَدَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَانْطَلَقْتُ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْتُ عَنْ النبي ﷺ ، فَقِيلَ لِي فِي الْمَسْجِدِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَعَقَلْتُ نَاقَتِي، وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: اسْمَعْ مَقَالَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ادْنُهُ، ادْنُهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِي، حَتَّى صِرْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: هَاتِ، فَأَخْبِرْنِي بِإِتْيَانِكَ رَئِيُّكَ، فَقُلْتُ ⦗١١٤⦘:
[البحر الطويل]
أَتَانِي نَجِيِّي بَعْدَ هَدْءٍ وَرَقْدَةٍ ... فَلَمْ أَكُ فِيمَا قَدْ بَلَوْتُ بِكَاذِبِ
ثَلَاثَ لَيَالٍ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ... أَتَاكَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ
فَشَمَّرْتُ مِنْ ذَيْلِ الْإِزَارِ وَوَسَّطَتْ ... بِيَ الذَّعْلَبُ الْوَجْنَاءُ بَيْنَ السَّبَاسِبِ
فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ... وَأَنَّكَ مَأْمُونٌ عَلَى كُلِّ غَائِبِ
وَأَنَّكَ أَدْنَى الْمُرْسَلِينَ وَسِيلَةً ... إِلَى اللَّهِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمِينَ الْأَطَائِبِ
فَمُرْنَا بِمَا يَأْتِيكَ يَا خَيْرَ مَنْ مَشَى ... وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ شَيْبُ الذَّوَائِبِ
وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذُو شَفَاعَةٍ ... سِوَاكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبِ
قَالَ: فَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِإِسْلَامِي فَرَحًا شَدِيدًا، حَتَّى رُؤِيَ فِي وُجُوهِهِمْ قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ هَذَا مِنْكَ"
стр. 82
٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْمُنْذِرِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَافَى، قَالَ ⦗١١٥⦘: كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ مَازِنُ بْنُ الْغَضُوبِ، يَسْدُنُ صَنَمًا بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: سَمَايَا مِنْ عُمَانَ، وَكَانَ بَنُو الصَّامِتِ، وَبَنُو خُطَامَةَ، وَمُهْرَةَ، وَهُمْ إِخْوَانُ مَازِنٍ لِأُمِّهِ زَيْنَبَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حُوَيْصٍ أَحَدِ بَنِي نِمْرَانَ، قَالَ مَازِنٌ: " فَعَتَرْنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ صَنَمٍ عَتِيرَةً، - وَهِيَ الذَّبِيحَةُ -، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ يَقُولُ:
[البحر الرجز]
يَا مَازِنُ اسْمَعْ تُسَرْ
ظَهَرَ خَيْرٌ وَبَطَنَ شَرْ
بُعِثَ نَبِيٌّ مِنْ مُضَرْ
بِدِينِ اللَّهِ الْأَكْبَرْ
فَدَعْ نَحِيتًا مِنْ حَجَرْ
تَسْلَمْ مِنْ حَرِّ سَقَرْ
. قَالَ: فَفَزِعْتُ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، ثُمَّ عَتَرْنَا بَعْدَ أَيَّامٍ عَتِيرَةً أُخْرَى، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ يَقُولُ:
أَقْبِلْ إِلَيَّ أَقْبِلْ
تَسْمَعْ مَا لَا يُجْهَلْ
هَذَا نَبِيُّ مُرْسَلْ
جَاءَ بِحَقٍّ مُنَزَّلْ
فَآمِنْ بِهِ كَيْ تَعْدِلْ
عَنْ حَرِّ نَارٍ تُشْعَلْ
وَقُودُهَا بِالْجَنْدَلْ
. قَالَ مَازِنٌ: فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَعَجَبٌ، وَإِنَّهُ لَخَيْرٌ يُرَادُ بِي، وَقَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَقُلْنَا مَا الْخَبَرُ وَرَاءَكَ؟ قَالَ ظَهَرَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ يَقُولُ لِمَنْ أَتَاهُ: أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ. فَقُلْتُ هَذَا نَبَأُ مَا سَمِعْتُ، فَسِرْتُ إِلَى الصَّنَمِ فَكَسَّرْتُهُ جُذَاذًا، وَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَشُرِحَ لِيَ الْإِسْلَامُ، فَأَسْلَمْتُ، وَقُلْتُ:
[البحر البسيط]
كَسَّرْتُ بَاجِرَ أَجْذَاذًا وَكَانَ لَنَا ... رَبًّا نَطِيفُ بِهِ ضَلًّا بِتِضْلَالِ
⦗١١٦⦘
بِالْهَاشِمِيِّ هَدَانَا مِنْ ضَلَالَتِنَا ... وَلَمْ يَكُنْ دِينُهُ مِنِّي عَلَى بَالِ
يَا رَاكِبًا بَلِّغَنْ عَمْرًا وَإِخْوَتَهُ ... أَنِّي لِمَنْ قَالَ رَبِّي بَاجِرٌ قَالِ
يَعْنِي بِعَمْرٍو وَإِخْوَتِهِ بَنِي خُطَامَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرُؤٌ مُولَعٌ بِالطَّرَبِ، وَبِالْهَلُوكِ مِنَ النِّسَاءِ، وَبِشُرْبِ الْخَمْرِ، فَأَلَحَّتْ عَلَيْنَا السُّنُونَ، فَأَذْهَبْنَ الْأَمْوَالَ، وَأَهْزَلْنَ الذَّرَارِي وَالْعِيَالَ، وَلَيْسَ لِي وَلَدٌ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ عَنِّي مَا أَجِدُ، وَيَأْتِينَا بِالْحَيَا، وَيَهِبْ لِي وَلَدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ أَبْدِلْهُ بِالطَّرَبِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَبِالْحَرَامِ الْحَلَالَ، وَبِالْإِثْمِ وَبِالْعُهْرِ عِفَّةً، وَأْتِهِ بِالْحَيَا، وَهَبْ لَهُ وَلَدًا» . قَالَ: فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي مَا أَجِدُ، وَأَخْصَبَتْ عُمَانُ، وَتَزَوَّجْتُ أَرْبَعَ حَرَائِرَ، وَحَفِظْتُ شَطْرَ الْقُرْآنِ، وَوَهْبَ اللَّهُ لِي حَيَّانَ بْنَ مَازِنٍ، وَأَنْشَأْتُ أَقُولُ:
[البحر الطويل]
إِلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ خَبَّتْ مَطِيَّتِي ... تَجُوبُ الْفَيَافِي مِنْ عُمَانَ إِلَى الْعَرْجِ
لِتَشْفَعَ لِي يَا خَيْرَ مَنْ وَطِئَ الْحَصَا ... فَيَغْفِرَ لِي رَبِّي فَأَرْجِعَ بِالْفُلْجِ
إِلَى مَعْشَرٍ خَالَفْتُ فِي اللَّهِ دِينَهُمْ ... فَلَا رَأْيُهُمْ رَأْيِي، وَلَا شَرْجُهُمْ شَرْجِي
وَكُنْتُ امْرَأً بِالْعُهْرِ وَالْخَمْرِ مُولَعًا ... شَبَابِيَ حَتَّى آذَنَ الْجِسْمُ بِالنَّهْجِ
⦗١١٧⦘
فَبَدَّلَنِي بِالْخَمْرِ خَوْفًا وَخَشْيَةً ... وَبِالْعُهْرِ إِحْصَانًا، فَحَصَّنَ لِي فَرْجِي
فَأَصْبَحْتُ هَمِّي فِي الْجِهَادِ وَنِيَّتِي ... فَلِلَّهِ مَا صَوْمِي، وَلِلَّهِ مَا حَجِّي"
стр. 83
٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا الْمِنْجَابُ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ، عَنِ ابْنِ خَرُّبُوذَ الْمَكِّيِّ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ خَثْعَمٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ لَا تُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا تُحِلُّ حَرَامًا، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَيَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا، فَبَيْنَا نَحْنُ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ وَثَنٍ جُلُوسٌ، وَقَدْ تَقَاضَيْنَا إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ قَدْ وَقَعَ بَيْنَنَا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَنَا، إِذْ هَتَفَ هَاتِفٌ، وَهُوَ يَقُولُ:
[البحر الرجز]
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ذَوُو الْأَجْسَامِ
مَا أَنْتُمُ وَطَائِشُ الْأَحْلَامِ
وَمُسْنِدُو الْحُكْمِ إِلَى الْأصْنَامِ
هَذَا نَبِيُّ سَيِّدُ الْأَنَامِ
أَعْدَلُ فِي الْحُكْمِ مِنَ الْحُكَّامِ
يَصْدَعُ بِالنُّورِ وَبِالْإِسْلَامِ
وَيَزَعُ النَّاسَ عَنِ الْآثَامِ
مُسْتَعْلِنٌ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ
قَالَ: فَفَزِعْنَا، وَتَفَرَّقْنَا مِنْ عِنْدِهِ، وَصَارَ ذَلِكَ الشِّعْرُ حَدِيثًا، حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَجِئْتُ، فَأَسْلَمْتُ"
стр. 84
٦٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَفُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَبُو سَرِيَّةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُوَيْلِدٌ الضَّمْرِيُّ، قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ صَنَمٍ جُلُوسًا، إِذْ سَمِعْنَا مِنْ جَوْفِهِ صَائِحًا يَصِيحُ: ذَهَبَ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ لِلْوَحْيِ، وَرُمِيَ بِالشُّهُبِ، لِنَبِيٍّ بِمَكَّةَ اسْمُهُ أَحْمَدُ ⦗١١٨⦘، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى يَثْرِبَ، يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْبِرِّ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، فَقُمْنَا مِنْ عِنْدِ الصَّنَمِ، فَسَأَلْنَا، فَقَالُوا: خَرَجَ نَبِيٌّ بِمَكَّةَ اسْمُهُ أَحْمَدُ "
стр. 85
٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ قَالَ: ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الذِّمَارِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُعَاذِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: ثنا الْأَصْمَعِيُّ، قَالَ: ثنا الْوَصَّافِيُّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ إِسْحَاقَ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ، قَالَ: " كَانَ أَوَّلُ إِسْلَامِي أَنَّ مِرْدَاسًا أَبِي لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَانِي بِصَنَمٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: ضِمَادٌ، فَجَعَلْتُهُ فِي بَيْتٍ، وَجَعَلْتُ آتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، فَلَمَّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ رَاعَنِي، فَوَثَبْتُ إِلَى ضِمَادٍ مُسْتَغِيثًا، فَإِذَا بِالصَّوْتِ فِي جَوْفِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
[البحر الكامل]
قُلْ لِلْقَبِيلَةِ مِنْ سُلَيْمٍ كُلِّهَا ... هَلَكَ الْأَنِيسُ وَعَاشَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ
أَوْدَى ضِمَادُ وَكَانَ يُعْبَدُ مُدَّةً ... قَبْلَ الْكِتَابِ إِلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
إِنَّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى ... بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي
قَالَ: فَكَتَمْتُهُ النَّاسَ فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ مِنَ الْأَحْزَابِ بَيْنَا أَنَا فِي إِبِلِي بِطَرَفِ الْعَقِيقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ رَاقِدٌ سَمِعْتُ صَوْتًا، فَإِذَا بِرَجُلٍ عَلَى جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: النُّورُ الَّذِي وَقَعَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ، وَلَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ مَعَ صَاحِبِ النَّاقَةِ الْعَضْبَاءِ، فِي دِيَارِ إِخْوَانِ بَنِي الْعَنْقَاءِ ⦗١١٩⦘، فَأَجَابَهُ هَاتِفٌ عَنْ شِمَالِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: بَشِّرِ الْجِنَّ وَأَبْلَاسَهَا، إِنْ وَضَعَتِ الْمَطِيُّ أَحْلَاسَهَا، وَكَلَأَتِ السَّمَاءُ أَحْرَاسَهَا، قَالَ: فَوَثَبْتُ مَذْعُورًا، وَعَلِمْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا مُرْسَلٌ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَأَجْشَمْتُ السَّيْرَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى ضِمَادٍ، فَأَحْرَقْتُهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْشَدْتُهُ شِعْرًا، أَقُولُ فِيهِ:
[البحر الطويل]
لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَجْعَلُ جَاهِلًا ... ضِمَادًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مُشَارِكَا
وَتَرْكِي رَسُولَ اللَّهِ وَالْأَوْسُ حَوْلَهُ ... أُولَئِكَ أَنْصَارٌ لَهُ مَا أُولَئِكَا
كَتَارِكِ سَهْلِ الْأَرْضِ وَالْحَزْنَ يَبْتَغِي ... لِيَسْلُكَ فِي وَعَثِ الْأُمُورِ الْمَسَالِكَا
فَآمَنْتُ بِاللَّهِ الَّذِي أَنَا عَبْدُهُ ... وَخَالَفْتُ مَنْ أَمْسَى يُرِيدُ الْمَهَالِكَا
وَوَجَّهْتُ وَجْهِي نَحْوَ مَكَّةَ قَاصِدًا ... أُبَايِعْ نَبِيَّ الْأَكْرَمِينَ الْمُبَارَكَا
نَبِيٌّ أَتَانَا بَعْدَ عِيسَى بِنَاطِقٍ ... مِنَ الْحَقِّ فِيهِ الْفَصْلُ فِيهِ كَذَلِكَا
أَمِينٌ عَلَى الْفُرْقَانِ أَوَّلُ شَافِعٍ ... وَأَوَّلُ مَبْعُوثٍ يُجِيبُ الْمَلَائِكَا
تَلَاقَى عُرَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ انْتِقَاضِهَا ... فَأَحْكَمَهَا حَتَّى أَقَامَ الْمَنَاسِكَا
عَنَيْتُكَ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... تَوَسَّطْتَ فِي الْفَرْعَيْنِ وَالْمَجْدِ مَالِكَا
وَأَنْتَ الْمُصَفَّى مِنْ قُرَيْشٍ إِذَا سَمَتْ ... عَلَى ضَمْرِهَا تَبْقَى الْقُرُونَ الْمُبَارَكَا
إِذَا انْتَسَبَ الْحَيَّانُ كَعْبٌ وَمَالِكٌ ... وَجَدْنَاكَ مَحْضًا وَالنِّسَاءَ الْعَوَاتِكَا"
стр. 86
٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَيَاضِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، قَالَ: " كُنْتُ اتَّخَذْتُ لِي مَجْلِسًا بِالْمَدِينَةِ زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قُلْتُ: بَيْنَمَا أَنَا نِصْفُ النَّهَارِ جَالِسٌ فِي فَيْءِ شَجَرَةٍ، إِذْ طَلَعَتْ عَلَيَّ نَعَامَةٌ بَيْضَاءُ، عَلَيْهَا رَجُلٌ أَبْيَضُ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ، تَزِفُّ بِهِ زَفِيفًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: آخُذُ هَذَا وَاللَّهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنِّي مَوْقِفَ الْمُسْتَجِيزِ، فَقَالَ: عَبَّاسُ يَا عَبَّاسَهَا، يَا ابْنَ قِيلَ مِرْدَاسِهَا، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْجِنِّ وَإِبْلَاسِهَا، وَالْحَرْبِ قَدْ جَرَعَتْ أَنْفَاسَهَا، وَإِنَّ السَّمَاءَ مَنَعَتْ أَحْرَاسَهَا، قَالَ الْعَبَّاسُ: فَانْصَرَفْتُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْأَلُ، وَأَعْرِضُ هَذَا الْكَلَامَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ ابْنُ عَمٍّ لِي، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ مُسْتَخْفِيًا "
стр. 87
٦٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ ⦗١٢١⦘ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ عَطَاءٍ الصَّقْرِيِّ، مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ وَلَدِ رَاشِدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، ﴿عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَاشِدٍ بْنَ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: كَانَ الصَّنَمُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سُواعٌ بِالْمَعَلَّاةِ﴾ مِنْ رُهَاطٍ يَدِينُ لَهُ هُذَيْلٌ، وَبَنُو ظُفُرٍ مِنْ سُلَيْمٍ، فَأَرْسَلَتْ بَنُو ظُفُرٍ رَاشِدَ بْنَ عَبْدِ رَبِّهِ بِهَدِيَّةٍ مِنْ سُلَيْمٍ إِلَى سُوَاعٍ، قَالَ رَاشِدٌ: فَأَلْفَيْتُ مَعَ الْفَجْرِ إِلَى صَنَمٍ قَبْلَ سُوَاعٍ، وَإِذَا صَارِخٌ يَصْرُخُ مِنْ جَوْفِهِ: " الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ، مِنْ خُرُوجِ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يُحَرِّمُ الزِّنَا، وَالرِّبَا، وَالذَّبْحَ لِلْأَصْنَامِ، وَحُرِسَتِ السَّمَاءُ وَرُمِينَا بِالشُّهُبِ، الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ، ثُمَّ هَتَفَ صَنَمٌ آخَرُ مِنْ جَوْفِهِ: تُرِكَ الضِّمَارُ، وَكَانَ يُعْبَدُ، خَرَجَ أَحْمَدُ، نَبِيٌّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ، وَيَأْمُرُ بِالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْبِرِّ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، ثُمَّ هَتَفَ مِنْ جَوْفِ صَنَمٍ آخَرَ هَاتِفٌ:
[البحر الكامل]
إِنِّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى ... بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي
نَبِيٌّ يُخْبِرُ بِمَا سَبَقَ، وَبِمَا يَكُونُ فِي غَدِ. قَالَ رَاشِدٌ: فَأَلْفَيْتُ سُوَاعًا مَعَ الْفَجْرِ، وَثَعْلَبَانِ يَلْحَسَانِ مَا حَوْلَهُ، وَيَأْكُلَانِ مَا يُهْدَى لَهُ، ثُمَّ يَعْرُجَانِ عَلَيْهِ بِبَوْلِهِمَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ رَاشِدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ:
[البحر الطويل]
أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ ... لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ
وَذَلِكَ عِنْدَ مَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَجَازِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِهِ ⦗١٢٢⦘، فَخَرَجَ رَاشِدٌ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَمَعَهُ كَلْبٌ لَهُ، وَاسْمُ رَاشِدٍ يَوْمَئِذٍ ظَالِمٌ، وَاسْمُ كَلْبِهِ رَاشِدٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا اسْمُكَ؟» قَالَ: ظَالِمٌ، قَالَ: «فَمَا اسْمُ كَلْبِكَ؟» ، قَالَ: رَاشِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْمُكَ رَاشِدٌ، وَاسْمُ كَلْبِكَ ظَالِمٌ» وَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَقَامَ مَعَهُ، ثُمَّ طَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطِيعَةً بِرُهَاطٍ، وَوَصَفَهَا لَهُ فَأَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَعْلَاةِ مِنْ رُهَاطٍ شَأْوَ الْفَرَسِ، وَرَمْيِة ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَجَرٍ، وَأَعْطَاهُ إِدَاوَةً مَمْلُوءَةً مَاءً، وَتَفَلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ لَهُ: «فَرِّغْهَا فِي أَعْلَى الْقَطِيعَةِ، وَلَا تَمْنَعِ النَّاسَ فُضُولَهَا» . فَفَعَلَ، فَجَاءَ الْمَاءُ مَعِينًا مُجِمَّةً إِلَى الْيَوْمِ، فَغُرِسَ عَلَيْهَا النَّخْلُ، وَيُقَالُ: إِنَّ رُهَاطًا كُلَّهَا تَشْرَبُ مِنْهُ، وَسَمَّاهَا النَّاسُ مَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَهْلُ رُهَاطٍ يَغْتَسِلُونَ مِنْهَا، وَيَسْتَشْفُونَ بِهَا، وَبَلَغَتْ رَمْيَةُ رَاشِدٍ الرُّكَيْبَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ رُكَيْبُ الْحَجَرِ، وَغَدَا رَاشِدٌ إِلَى سُوَاعٍ، فَكَسَرَهُ"
стр. 88
٦٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، إِمْلَاءً قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِنْتِ شُرَحْبِيلَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّكَ تَذْكُرُ سَطِيحًا، وَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ ⦗١٢٣⦘ خَلَقَهُ، لَمْ يَخْلُقْ مِنْ وَلَدِ آدَمَ ﵇ شَيْئًا يُشْبِهُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَطِيحًا الْغَسَّانِيَّ لَحْمًا عَلَى وَضَمٍ -، الْوَضَمُ: شَرَائِحُ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ -، وَكَانَ يُحْمَلُ عَلَى وَضَمِهِ، فَيُؤْتَى بِهِ حَيْثُ يَشَاءُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ عَظْمٌ، وَلَا عَصَبٌ إِلَّا الْجُمْجُمَةَ، وَالْكَفَّانِ، وَكَانَ يُطْوَى مِنْ رِجْلَيْهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ، كَمَا يُطْوَى الثَّوْبُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ يَتَحَرَّكُ، إِلَّا لِسَانَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ حُمِلَ عَلَى وَضَمِهِ، فَأُتِيَ بِهِ مَكَّةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ: عَبْدُ شَمْسٍ وَهَاشِمٌ ابْنَا عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وَالْأَحْوَصُ بْنُ فِهْرٍ، وَعَقِيلُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، انْتَمَوْا إِلَى غَيْرِ نَسَبِهِمْ، فَقَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ جُمَحٍ أَتَيْنَاكَ، بَلَغَنَا قُدُومُكَ، فَرَأَيْنَا أَنَّ زِيَارَاتَنَا إِيَّاكَ حَقٌّ لَكَ، وَاجِبٌ عَلَيْنَا، فَأَهْدَى إِلَيْهِ عَقِيلٌ صَفِيحَةً هِنْدِيَّةً، وَصَعْدَةً رُدَيْنِيَّةً، فَوُضِعَتْ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ؛ لِيَنْظُرُوا، هَلْ يَرَاهَا سَطِيحٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: يَا عَقِيلُ، نَاوِلْنِي يَدَكَ، فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَقَالَ: يَا عَقِيلُ، وَالْعَالِمِ الْخَفِيَّةَ، وَالْغَافِرِ الْخَطِيَّةَ، وَالذِّمَّةِ الْوَفِيَّةِ، وَالْكَعْبَةِ الْمَبْنِيَّةِ، إِنَّكَ لَجَائِي بِالْهَدِيَّةِ، الصَّفِيحَةِ الْهِنْدِيَّةِ، وَالصَّعْدَةِ الرُّدَيْنِيَّةِ، قَالُوا: صَدَقْتَ يَا سَطِيحُ، فَقَالَ سَطِيحٌ: وَآلَاتٍ بِالْفَرَحِ، وَقَوْسِ قُزَحٍ، وَسَائِرِ القَرْحِ، وَاللَّطِيمِ الْمُنْبَطِحِ، وَالنَّخْلِ، وَالرُّطَبِ، وَالْبَلَحِ، إِنَّ الْغُرَابَ حَيْثُ مَرَّ سَنَحَ، فَأَخْبِرْ أَنَّ الْقَوْمَ لَيْسُوا مِنْ جُمَحٍ، وَإِنَّ نَسَبَهُمْ فِي قُرَيْشٍ ذِي الْبُطَحِ، قَالُوا: صَدَقْتَ يَا سَطِيحُ، نَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، أَتَيْنَاكَ لِنَزُورَكَ لِمَا بَلَغَنَا مِنْ عِلْمِكَ، فَأَخْبِرْنَا عَمَّا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا ⦗١٢٤⦘ هَذَا، وَمَا يَكُونُ بَعْدَهُ، لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ عِلْمٌ، قَالَ: الْآنَ صَدَقْتُمْ، خُذُوا مِنِّي مِنَ إِلْهَامِ اللَّهِ إِيَّايَ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ فِي زَمَانِ الْهَرَمِ، فَتَبَيَّنُوا بَصَائِرَكُمْ، وَبَصيْرَةَ الْعَجَمِ، لَا عِلْمَ عِنْدَكُمْ، وَلَا فَهْمَ، وَيَنْشَأُ مِنْ عَقِبِكُمْ ذُوو فَهْمٍ، يَطْلُبُونَ أَنْوَاعَ الْعِلْمِ، فَيَكْسِرُونَ الصَّنَمَ، وَيَتَّبِعُونَ الرَّدْمَ، وَيَقْتُلُونَ الْعَجَمَ، يَطْلُبُونَ الْغَنَمَ، قَالُوا: يَا سَطِيحُ، مِمَّنْ يَكُونُ أُولَئِكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: وَالْبَيْتِ ذِي الْأَرْكَانِ، وَالْأَمْنِ، وَالسُّكَّانِ، لَيَنْشَوَنَّ مِنْ عَقِبِكُمْ وِلْدَانٌ، يَكْسِرُونَ الْأَوْثَانَ، وَيُنْكِرُونَ عِبَادَةَ الشَّيْطَانِ، وَيُوَحِّدُونَ الرَّحْمَنَ، وَيَنْشُرُونَ دِينَ الدَّيَّانِ، يُشْرِفُونَ الْبُنْيَانَ، وَيَقْتَنُونَ الْقِيَانَ، قَالُوا: يَا سَطِيحُ، مِنْ نَسْلِ مَنْ يَكُونُ أُولَئِكَ؟ قَالَ: وَأَشْرَفِ أَشْرَافٍ، وَالْمُفْضِي لِإِسْرَافِ، وَالْمُزَعْزِعِ لِلْأَخْفَافِ، وَالْمُضْعِفِ لِلْأَضْعَافِ، لَيَنْشَوَنَّ الْآلَافَ، مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَعَبْدِ مَنَافٍ، نَشْوًا يَكُونُ فِيهِ اخْتِلَافٌ، قَالُوا: يَا سَوْأَتَاهُ يَا سَطِيحُ، مِمَّا تُخْبِرُ مِنَ الْعِلْمِ بِأَمْرِهَا، وَمِنْ أَيِّ بَلَدٍ يَخْرُجُ أُولَئِكَ؟ قَالَ: وَالْبَاقِي الْأَبَدِ، وَالْبَالِغِ الْأَمَدِ، لَيَخْرُجَنَّ مِنْ ذِي الْبَلَدِ، فَتًى يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، يَرْفُضُ يَغُوثَ، وَالْفَنَدَ، يَبْرَأُ عَنْ عِبَادَةِ الضِّدَد، يَعْبُدُ رَبًّا انْفَرَدَ، ثُمَّ يَتَوَفَّاهُ مَحْمُودًا، مِنَ الْأَرْضِ مَفْقُودًا، فِي السَّمَاءِ مَشْهُودًا، ثُمَّ يَلِي أَمْرَهُ الصِّدِّيقُ، إِذَا قَضَى صَدَقَ، وَفِي رَدِّ الْحُقُوقِ لَا خَرَقَ وَلَا نَزَقَ، ثُمَّ يَلِي أَمْرَهُ الْحَنِيفُ، مُجَرَّبٌ غِطْرِيفٌ، وَيَتْرُكُ قَوْلَ الْعَنِيفِ، قَدْ ضَافَ الْمُضِيفَ، وَأَكْرَمَ الْتحنِيفَ، ثُمَّ يَلِي أَمْرَهُ دَاعِيًا لِأَمْرِهِ مُجَرِّبًا، فَيَجْتَمِعُ لَهُ جُمُوعًا ⦗١٢٥⦘، وَعُصَبًا، فَيَقْتُلُونَهُ نِقْمَةً، وَغَضَبًا، فَيُؤْخَذُ الشَّيْخُ، فَيُذْبَحُ إِرَبًا، فَيَقُومُ بِهِ رِجَالٌ خُطَبَاءُ، ثُمَّ يَلِي أَمْرَهُ النَّاصِرُ، يَخْلِطُ الرَّأْيَ بِرَأْيِ النَّاكِرِ، يُظْهِرُ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، ثُمَّ يَلِي بَعْدَهُ ابْنُهُ يَأْخُذُ جَمْعَهُ، وَيَقِلُّ حَمْدُهُ، وَيَأْخُذُ الْمَالَ، وَيَأْكُلُهُ وَحْدَهُ، وَيَكْنِزُ الْمَالَ لِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ يَلِي مِنْ بَعْدِهِ عِدَّةُ الْمُلُوكِ، لَا شَكَّ الدَّمُ فِيهِمْ مَسْفُوكٌ. وَذَكَرَ الْقِصَّةَ "
стр. 89
٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وثنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا، عَمَّنْ حَدَّثَهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ: أنَّ مَلِكًا مِنْ لَخْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمَلِكِ الْأَوَّلِ قَبْلَ حَسَّانَ ذِي نُوَاسٍ يُقَالُ لَهُ: رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ، رَأَى رُؤْيَا فَظِعَ بِهَا حِينَ رَآهَا، وَهَالَتْهُ، وَأَنْكَرَهَا، فَبَعَثَ إِلَى الْحَزَأَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ مَنْ كَانَ فِي مَمْلَكَتِهِ مِنَ الْكُهَّانِ، وَالْمُنَجِّمِينَ، وَالْعُرَّافِ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا فَظِعْتُ بِهَا، وَهَالَتْنِي، فَأَخْبِرُونِي عَنْهَا، قَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ، اقْصُصْهَا عَلَيْنَا نُخْبِرْكَ بَتَأْوِيلِهَا، قَالَ: إِنِّي إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ بِهَا لَمْ أَطْمَئِنَّ إِلَى خَبَرِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنْ كَانَ الْمَلِكُ يُرِيدُ هَذَا، فَلْيَبْعَثْ إِلَى سَطِيحٍ وَشِقٍّ، فَإِنَّهُمَا يُخْبِرَانِ عَمَّا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ، فَهُمَا أَعْلَمُ مَنْ نَرَاهُ، وَكَانَ سَطِيحٌ رَجُلًا مِنْ غَسَّانَ، وَكَانَ شِقٌّ مِنْ بَجِيلَةَ ⦗١٢٦⦘، قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ فِي حَدِيثِهِ: يُقَالُ لَهُ سَطِيحٌ الذِّئْبِيُّ لِنَسَبِهِ إِلَى الذِّئْبِ بْنِ عَدِيٍّ، وَشِقُّ بْنُ صَعْبِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ رُهْمِ بْنِ بَرَانُوكَ بْنِ نَذِيرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْقَرِ بْنِ أَنْمَارٍ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَيْهِمَا، فَقَدِمَ إِلَيْهِ سَطِيحٌ قَبْلَ شِقٍّ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِمَا مِثْلُهُمَا مِنَ الْكُهَّانِ، فَلَمَّا قَدِمَ سَطِيحٌ قَبْلَ شِقٍّ دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَلِكُ: يَا سَطِيحُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي، وَفَظِعْتُ بِهَا حِينَ رَأَيْتُهَا، وَإِنَّكَ إِنْ تَصِفْهَا قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَكَ تُصِبْ تَأْوِيلَهَا، قَالَ: أَفْعَلُ، قَالَ: رَأَيْتَ ﴿حُممَة خَرَجَتْ مِنْ ظُلْمَةٍ، فَوَقَعَتْ بِأَرْضِ تَهَمَة، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلُّ ذَاتِ﴾ جُمْجُمَةً مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى الْعَتْمَةِ، فَقَالَ الْمَلِكُ، وَاللَّهِ مَا أَخْطَأْتَ مِنْ رُؤْيَايَ فَمَا عِنْدَكَ فِي تَأْوِيلِهَا يَا سَطِيحُ؟ قَالَ: أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ حَنَشٍ لَيَنْزِلَنَّ أَرْضَكُمُ الْحَبَشُ، وَيَمْلِكَنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إِلَى جُرَشٍ، قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَأَبِيكَ يَا سَطِيحُ، إِنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ، مَتَى هُوَ كَائِنٌ يَا سَطِيحُ، فِي زَمَانِنَا هَذَا، أَمْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: بَلْ بَعْدَهُ بِحِينٍ، أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً يَمْضِينَ، قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَفَيَقُومُ، أَوْ يَدُومُ سُلْطَانُهُمْ، أَمْ يَنْقَطِعُ؟ قَالَ: يَنْقَطِعُ لِبِضْعٍ وَسِتِّينَ مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ يُقْتَلُونَ أَجْمَعِينَ ⦗١٢٧⦘، وَيَخْرُجُونَ هَارِبِينَ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَمَنِ الَّذِي يَقْتُلُهُمْ، وَيْلِي إِخْرَاجَهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُ ابْنُ ذِي يَزِنَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنٍ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَفَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِهِ، أَمْ يَنْقَطِعُ؟ قَالَ: يَنْقَطِعُ قَالَ: وَمَنْ يَقْطَعُهُ؟ قَالَ: نَبِيٌّ زَكِيٌّ، رَضِيٌّ، وَفِيٌّ، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَلِيِّ، قَالَ: وَمِمَّنْ هَذَا النَّبِيُّ يَا سَطِيحُ؟ قَالَ: مِنْ وَلَدِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، قَالَ: وَهَلْ لِلدَّهْرِ مِنْ آخِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ، يَشْقَى فِيهِ الْمُسِيئُونَ، وَيَسْعَدُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، قَالَ: أَحَقٌّ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالشَّفَقِ، وَالْغَسَقِ، وَالْفَلَقِ، إِنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ لَحَقٌّ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدِمَ شِقٌّ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ مِثْلَ مَا قَالَ لِسَطِيحٍ؛ لَيَنْظُرَ أَيَتَّفِقَانِ أَمْ يَخْتَلِفَانِ، فَقَالَ شِقٌّ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، رَأَيْتَ حِمَمَةً خَرَجَتْ مِنْ ظُلْمَةٍ، فَوَقَعَتْ فِي رَوْضَةٍ، وَأَكَمَةٍ، بِأَرْضٍ بَهْمَةٍ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلُّ نَسَمَةٍ، صَحِيحَةٍ مُسْلِمَةٍ، ثُمَّ قَالَ: أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ إِنْسَانٍ، لَيَنْزِلَنَّ أَرْضَكُمُ السُّودَانُ، وَلَيَغْلِبَنَّ عَلَى كُلِّ طِفْلَةٍ الْبَنَانَ، وَلَيَمْلِكَنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إِلَى نَجْرَانَ، فَقَالَ الْمَلِكُ: يَا شِقُّ، وَأَبِيكَ إِنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ، فَمَتَى هُوَ كَائِنٌ، فِي زَمَانِنَا، أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: بَعْدَهُ بِزَمَانٍ، ثُمَّ يَسْتنْقِذُكُمْ مِنْهُمْ عَظِيمٌ ذُو شَأْنٍ، فَيُذِيقُهُمْ أَشَدَّ الْهَوَانِ، قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَمَنْ هُوَ هَذَا الْعَظِيمُ الشَّأْنِ؟ قَالَ: غُلَامٌ لَيْسَ بَدَنِيٍّ، وَلَا مُدْنٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزِنَ، قَالَ: فَهَلْ يَدُومُ سُلْطَانُهُ، أَوْ يَنْقَطِعُ؟ قَالَ: يَنْقَطِعُ بِرَسُولٍ يَأْتِي بِحَقٍّ ⦗١٢٨⦘ وَعَدْلٍ، مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إِلَى يَوْمِ الْفَصْلِ، قَالَ: وَمَا يَوْمُ الْفَصْلِ يَا شِقُّ؟ قَالَ: يَوْمَ يُجْزَى فِيهِ الْوُلَاةُ، وَيُدْعَى فِيهِ مِنَ السَّمَاءِ دَعَوَاتٌ، فَيَسْمَعُ الْأَحْيَاءُ، وَالْأَمْوَاتُ، وَيَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ لِلْمِيقَاتِ، يَكُونُ فِيهِ لِمَنِ اتَّقَى الْفَوْزُ، وَالْخَيْرَاتُ، قَال لَهُ الْمَلِكُ: مَا تَقُولُ يَا شِقُّ؟ قَالَ: وَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ رَفْعٍ وَخَفْضٍ، إِنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ لَحَقٌّ مَا فِيهِ مِنْ أَمْضٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَسْأَلَتِهِمَا جَهَّزَ بَنِيهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَتَبَ لَهُمَا إِلَى مَلِكِ فَارِسَ، وَهُوَ شَابُورُ، فَأَسْكَنَهُمُ الْحِيرَةَ "
стр. 90
الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي تَزْوِيجِ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ
стр. 91
٧١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْخَلَّالُ الْمَكِّيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْجَوَّازُ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُخَرِّمِيُّ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، مَوْلَى الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: " قَدِمْتُ الْيَمَنَ فِي رِحْلَةِ الشِّتَاءِ، فَنَزَلْتُ عَلَى حَبْرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الزَّبُورِ، - يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ -: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ: مِنْ أَيِّهِمْ؟ قُلْتُ: مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى بَعْضِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً، قَالَ: فَفَتَحَ أَحَدَ مَنْخِرَيَّ، ثُمَّ فَتَحَ الْآخَرَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ فِيَ إِحْدَى يَدَيْكَ مُلْكًا، وَفِي الْأُخْرَى نُبُوَّةٌ، وَإِنَّا نَجِدُ ذَلِكَ فِي بَنِي زُهْرَةَ، فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ شَاعَةٍ؟ قُلْتُ: وَمَا الشَّاعَةُ؟ قَالَ: الزَّوْجَةُ، قُلْتُ ⦗١٣٠⦘: أَمَّا الْيَوْمُ فَلَا، فَقَالَ: فَإِذَا رَجَعْتَ فَتَزَوَّجْ فِيهِمْ، فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى مَكَّةَ، فَتَزَوَّجَ هَالَةَ بِنْتَ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ حَمْزَةَ، وَصَفِيَّةَ، وَتَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَوَهْبٌ وَوُهَيْبٌ أَخَوَانِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَجَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى أَبِيهِ "
стр. 92
٧٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّندِي، ثنا النَّضْرُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ: " أَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ فِي بِنَاءٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ الطِّينِ وَالْغُبَارِ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ مِنْ خَثْعَمٍ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ فِي حَدِيثِهِ: فَمَرَّ بِلَيْلَى الْعَدَوِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ، وَرَأَتْ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ دَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا، وَقَالَتْ لَهُ: إِنْ وَقَعْتَ بِي فَلَكَ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: حَتَّى أَغْسِلَ عَنِّي هَذَا الطِّينَ الَّذِي عَلَيَّ، وَأَرْجِعَ إِلَيْكِ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، فَوَقَعَ بِهَا، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الطَّيِّبِ الْمُبَارَكِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْخَثْعَمِيَّةِ، وَقَالَ عَامِرٌ: إِلَى لَيْلَى الْعَدَوِيَّةِ، فَقَالَ: هَلْ لَكِ فِيمَا قُلْتِ؟ قَالَتْ: لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّكَ مَرَرْتَ بِي، وَبَيْنَ عَيْنَيْكَ نُورٌ، ثُمَّ رَجَعْتَ إِلَيَّ، وَقَدِ انْتَزَعَتْهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ مِنْكَ، فَحَمَلَتْ آمِنَةُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنَ سَعِيدٍ
стр. 93
٧٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلَّالُ الْمَكِّيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ الْجَوَّازِ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: " نَحْنُ أَعْظَمُ خَلْقِ اللَّهِ بَرَكَةً، وَأَكْثَرُ خَلْقِ اللَّهِ وَلَدًا، خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ذَاتَ يَوْمٍ مُتَحَضِّرًا مُتَرَجِّلًا، حَتَّى جَلَسَ فِي الْبَطْحَاءِ، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ لَيْلَى الْعَدَوِيَّةُ، فَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَرْجِعُ إِلَيْكِ، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، فَقَالَ لَهَا: اخْرُجِي، فَوَاقَعَهَا، وَخَرَجَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ لَيْلَى، قَالَتْ: مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَيْكِ، قَالَتْ لَيْلَى: لَقَدْ دَخَلْتَ بِنُورٍ مَا خَرَجْتَ بِهِ، وَلَئِنْ كُنْتَ أَلْمَمْتَ بِآمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ لَتَلِدَنَّ مَلِكًا "
стр. 94
٧٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا خَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِابْنِهِ لِيُزَوِّجَهُ، مَرَّ بِهِ عَلَى كَاهِنَةٍ مِنْ أَهْلِ تُبَالَةَ مُتَهَوِّدَةٍ، قَدْ قَرَأَتِ الْكُتُبَ يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ الْخَثْعَمِيَّةُ، فَرَأَتْ ⦗١٣٢⦘ نُورَ النُّبُوَّةِ فِي وَجْهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: يَا فَتَى، هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْآنَ، وَأُعْطِيَكَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ:
[البحر الرجز]
أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهْ ... وَالْحِلُّ لَا حَلَّ فَأَسْتَبِينَهْ
فَكَيْفَ لِي الْأَمْرُ الَّذِي تَبْغِينَهْ
ثُمَّ مَضَى مَعَ أَبِيهِ، فَزَوَّجَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ نَفْسَهُ دَعَتْهُ إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ الْخَثْعَمِيَّةُ، فَأَتَاهَا، فَقَالَتْ: يَا فَتَى، مَا صَنَعْتَ بَعْدِي؟ قَالَ: زَوَّجَنِي أَبِي آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَأَقَمْتُ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، قَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِصَاحِبَةِ رِيبَةٍ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ فِيَ وَجْهِكَ نُورًا، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ فِيَّ، وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُصَيِّرَهُ حَيْثُ أَحَبَّ، ثُمَّ قَالَتْ فَاطِمَةُ الْخَثْعَمِيَّةُ:
[البحر الكامل]
إِنِّي رَأَيْتُ مَخِيلَةً لَمَعَتْ ... فَتَلَأْلَأَتْ بِحنَاتِمِ الْقَطْرِ
فَلِمَائها نُورٌ يُضِيءُ لَهُ ... مَا حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْبَدْرِ
وَرَجَوْتُهُ فَخْرًا أَبُوءُ بِهِ ... مَا كُلُّ قَادِحٍ زَنْدَهُ يُورِي
. وَلَهَا أَيْضًا:
لِلَّهِ مَا زُهْرِيَّةٌ سَلَبَتْ ... ثَوْبَيْكَ مَا اسْتَلَبَتْ وَمَا تَدْرِي
وَلَهَا أَيْضًا:
[البحر الطويل]
وَمَا كُلُّ مَا يَحْوِي الْفَتَى مِنْ تِلَادِهِ ... لِحَزْمٍ، وَلَا مَا فَاتَهُ لِتَوَانِ
فَأَجْمِلْ إِذَا طَالَبْتَ أَمْرًا فَإِنَّهُ ... سَيَكْفِيكَهُ جَدَّانِ يَعْتَلِجَانِ
سَيَكْفِيكَهُ إِمَّا يَدٌ مُقَفْعِلَةٌ ... وَإِمَّا يَدٌ مَبْسُوطَةٌ بِبَنَانِ
⦗١٣٣⦘
وَلَمَّا حَوَتْ مِنْهُ أَمِينَةُ مَا حَوَتْ ... فَحِيزَتْ بِفَخْرٍ مَا لِذَلِكَ ثَانٍ"
стр. 95
٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَحْسَنَ رَجُلٍ رُؤِيَ قَطُّ، خَرَجَ يَوْمًا عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ مُجْتَمِعَاتٍ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَيَّتُكُنَّ تَتَزَوَّجُ بِهَذَا الْفَتَى، فَتَصْطَبُّ النُّورَ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَإِنِّي أَرَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُورًا، فَتَزَوَّجَتْهُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ فَجْأَةً، فَحَمَلَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ " قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نُعَيْمٍ ﵀: فَفِي ابْتِغَاءِ الْيَهُودِ وَالْيَهُودِيَّةِ وُضِعَ هَذَا النُّورُ الَّذِي انْتَقَلَ إِلَى آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ فِيهَا، وَذِكْرُهُمْ بَنِي زُهْرَةَ وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَكُونُ فِيهِمْ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْخُبْرِ وَالْبِشَارَةِ بِذَلِكَ فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِعْثَتِهِ كُلُّ ذَلِكَ آيَاتٌ وَاضِحَةٌ، وَبَرَاهِينٌ صَحِيحَةٌ لَائِحَةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَبَعْثتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 96
الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي ذِكْرِ حَمْلِ أُمِّهِ وَوَضْعِهَا وَمَا شَاهَدَتْ مِنَ الْآيَاتِ، وَالْأَعْلَامِ عَلَى نُبُوَّتِهِ ﷺ
стр. 97
٧٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْخَلَّالُ الْمَكِّيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي أُمِّي، أَنَّهَا حَضَرَتْ آمِنَةَ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدَلَّى، حَتَّى قُلْتُ: لَتَقَعَنَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا وَضَعَتْ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ الْبَيْتُ وَالدَّارُ، حَتَّى جَعَلْتُ لَا أَرَى إِلَّا نُورًا "
стр. 98
٧٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الزُّهْرِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كِلَاهُمَا يُحَدِّثَانِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ ⦗١٣٦⦘: " كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ، ﷺ تِرْبًا، وَكَانَتْ أُمِّي الشِّفَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ابْنَةَ عَمِّ أَبِيهِ، فَكَانَتْ تُحَدِّثُنَا عَنْ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ أُمِّي الشِّفَاءُ بِنْتُ عَمْرٍو: لَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَعَ عَلَى يَدَيَّ، فَاسْتَهَلَّ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: رَحِمَكَ رَبُّكَ، قَالَتِ الشِّفَاءُ: فَأَضَاءَ لِي مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى بَعْضِ قُصُورِ الشَّامِ، قَالَتْ: ثُمَّ أَلْبَنْتُهُ، وَأَضْجَعْتُهُ، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ غَشِيَتْنِي ظُلْمَةٌ وَرُعْبٌ وَقُشْعَرِيرَةٌ، ثُمَّ أُسْفِرَ عَنْ يَمِينِي، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَيْنَ ذَهَبْتَ بِهِ؟ قَالَ: ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى الْمَغْرِبِ، قَالَتْ: وَأَسْفَرَ ذَلِكَ عَنِّي، ثُمَّ عَاوَدَنِي الرُّعْبُ بِهِ؟ قَالَ: إِلَى الْمَشْرِقِ، وَلَنْ يَعُودَ أَبَدًا، فَلَمْ يَزَلِ الْحَدِيثُ مِنِّي عَلَى بَالٍ حَتَّى ابْتَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ، فَكُنْتُ فِي أَوَّلِ النَّاسِ إِسْلَامًا "
стр. 99
٧٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا أَبُو غَزِيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَتْ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَنَامِهَا، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَسَيِّدِ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا وَلَدْتِيهِ فَسَمِّيهِ أَحْمَدَ وَمُحَمَّدًا، وَعَلِّقِي عَلَيْهِ هَذِهِ، قَالَ: فَانْتَبَهَتْ، وَعِنْدَ رَأْسِهَا صَحِيفَةٌ مِنْ ذَهَبٍ مَكْتُوبٌ فِيهَا ⦗١٣٧⦘:
[البحر الرجز]
أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدْ
مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدْ
وَكُلِّ خَلْقٍ رَائِدْ
مِنْ قَائِمٍ وَقَاعِدْ
عَنِ السَّبِيلِ عَانِدْ
عَلَى الْفَسَادِ جَاهِدْ
مِنْ نَافِثٍ، أَوْ عَاقِدْ
وَكُلِّ خَلْقٍ مَارِدْ
يَأْخُذُ بِالْمَرَاصِدْ
فِي طَرْقِ الْمَوَارِدْ
أَنْهَاهُمْ عَنْهُ بِاللَّهِ الْأَعْلَى، وَأَحُوطُهُ مِنْهُمْ بِالْيَدِ الْعَلْيَا، وَالْكَفِّ الَّذِي لَا يُرَى، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وَحِجَابُ اللَّهِ دُونَ عَادِيهِمْ، لَا يَطْرُدُونَهُ، وَلَا يَضُرُّونَهُ فِي مَقْعَدٍ، وَلَا مَنَامٍ، وَلَا مَسِيرٍ، وَلَا مَقَامٍ، أَوَّلِ اللَّيَالِي، وَآخِرِ الْأَيَّامِ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِهَذَا"
стр. 100
٧٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا أَبُو غَزِيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ، يُقَالُ لَهُ رَجُلُ صِدْقٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ أَبُو غَزِيَّةَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ لِمُرْضِعَتِهِ: " انْظُرِي ابْنِي هَذَا فَسَلِي عَنْهُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّهَ خَرَجَ مِنِّي شِهَابٌ أَضَاءَتْ لَهُ الْأَرْضُ كُلُّهَا، حَتَّى رَأَيْتُ قُصُورَ الشَّامِ، فَسَلِي عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتُ يَوْمٍ مَرَّتْ بِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْمَجَازِ إِذَا كَاهِنٌ مِنْ تِلْكَ الْكُهَّانِ، وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَتْ: لَأَسْأَلَنَّ عَنِ ابْنِي هَذَا مَا أَمَرَتْنِي بِهِ أُمُّهُ آمِنَةُ قَالَ: فَجَاءَتْ بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ الْكَاهِنُ أَخَذَ بِذِرَاعَيْهِ وَقَالَ: أَيْ قَومُ اقْتُلُوهُ اقْتُلُوهُ أَيْ قَوْمُ اقْتُلُوهُ اقْتُلُوهُ قَالَتْ: فَوَثَبَتْ عَلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِعَضُدَيْهِ وَاسْتَغَثْتُ، فَجَاءَ أُنَاسٌ كَانُوا مَعَنَا، فَلَمْ يَزَالُوا، حَتَّى انْتَزَعُوهُ مِنْهُ، وَذَهَبُوا بِهِ "
стр. 101
٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، ثنا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَلُوسِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو هَمَّامٍ الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ: «تُوُفِّيَ أَبُو النَّبِيِّ ﷺ ، وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ، فَلَمَّا وَضَعَتْهُ نَارَتِ الظِّرَابُ لِوَضْعِهِ، وَاتَّقَى الْأَرْضَ بِكَفَّيْهِ، حِينَ وَقَعَ، وَأَصْبَحَ يَتَأَمَّلُ السَّمَاءَ بِعَيْنَيْهِ، وَكَفَأُوا عَلَيْهِ بُرْمَةً ضَخْمَةً، فَانْفَلَقَتْ عَنْهُ فِلْقَتَيْنِ»
стр. 102
٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَاصِمِيُّ، قَالَ: ثنا الْغَلَابِيُّ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَكِيمِ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمَّتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ، يُحَدِّثُ أَنَّ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، لَمَّا وَلَدَتْ النبي ﷺ ، جَاءَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَأَخَذَهُ وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هُوَ وَدِيعَتِي عِنْدَكَ لَيَكُونَنَّ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ، ثُمَّ أَمَرَ فَنُحِرَتِ الْجَزَائِرُ، وَذُبِحَتِ الشَّاءُ، وَأُطْعِمَ أَهْلُ مَكَّةَ ثَلَاثًا، ثُمَّ نُحِرَ فِي كُلِّ شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكَّةَ جَزُورًا، لَا يُمْنَعُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا سَبْعٌ، وَلَا طَائِرٌ "
стр. 103
٨٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَعْيَنَ، وثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ⦗١٣٩⦘ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: ثنا أَبُو أَيُّوبَ يَعْلَى بْنُ عِمْرَانَ الْبَجَلِيُّ، زَعَمَ أَنَّهُ مِنْ آلِ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَخْزُومُ بْنُ هَانِئٍ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَتَتْ لَهُ مَنْ عُمُرِهِ خَمْسُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلِّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَجَسَ إِيوَانُ كِسْرَى وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرَّافَةً، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تَخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، وَرَأَى الْمُوبَذَانُ إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ كِسْرَى أَفْزَعَهُ مَا رَأَى فَتَصَبَّرَ عَلَيْهِ تَشَجُّعًا، ثُمَّ رَأَى لَا يَكْتُمُ ذَلِكَ عَنْ وُزَرَائِهِ وَمَرَازِبَتِهِ فَلَبِسَ تَاجَهُ وَقَعَدَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُوبَذَانِ، فَقَالَ: يَا مُوبَذَانُ إِنَّهُ قَدْ سَقَطَ مِنْ إِيَوانِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرَّافَةً وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تَخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَقَالَ: وَأَنَا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَدْ رَأَيْتُ كَأَنَّ إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا حَتَّى عَبَرَتْ دِجْلَةَ وانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِ فَارِسَ، قَالَ: فَمَا تَرَى ذَلِكَ يَا مُوبَذَانُ؟ قَالَ: وَكَانَ رَأْسَهُمْ فِي الْعِلْمِ فَقَالَ: حَدَثٌ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْعَرَبِ، فَكَتَبَ حِينَئِذٍ كِسْرَى: مِنْ كِسْرَى مَلِكِ الْمُلُوكِ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، ابْعَثْ إِلَيَّ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ يُخْبِرُنِي بِمَا أَسْأَلُهُ عَنْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ الْمَسِيحِ بْنَ حَيَّانَ بْنِ نُفَيْلَةَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ، هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ؟ ⦗١٤٠⦘ فَقَالَ: يَسْأَلُنِي الْمَلِكُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ أَعْلَمْتُهُ، وَإِلَّا أَعْلَمْتُهُ بِمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ، فَأَخْبَرَهُ بِهِ الْمَلِكُ، فَقَالَ عِلْمُهُ عِنْدَ خَالٍ لِي يَسْكُنُ فِي مَشَارِفِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ سَطِيحٌ، قَالَ: فَاذْهَبْ إِلَيْهِ وَاسْأَلْهُ وأَخْبِرْنِي بِمَا يُخْبِرُكَ بِهِ، فَخَرَجَ عَبْدُ الْمَسِيحِ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَطِيحٍ وَهُوَ مُشْرِفٌ عَلَى الْمَوْتِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَحَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْمَلِكِ، فَلَمْ يُجِبْهُ سَطِيحٌ فَأَقْبَلَ يَقُولُ:
[البحر الرجز]
أَصَمُّ أَمْ يَسْمَعُ غِطْرِيفُ الْيَمَنْ
أَمْ فَازَ فَازَ أَمْ بِهِ سَافُ الْعَنَنْ
يَا فَصْلَ الْخُطَّةِ أَعْيَتْ مَنْ فُتِنْ
وأُمُّهُ مِنْ آلِ ذِئْبِ بْنِ حَجَنْ
تَحْمِلُهُ وَجْنَاءُ تَهْوِي مِنْ وَجَنْ
حَتَّى أَتَى عَارِيَ الْجَآجِي وَالْقَطَنْ
أَصَكُّ مُهِمُّ النَّابِ صِرَارُ الْأُذُنْ
قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: عَبْدُ الْمَسِيحِ يَهْوِي إِلَى سَطِيحٍ، وَقَدْ أَوْفَى عَلَى الضَّرِيحِ، بَعَثَكَ مَلِكُ بَنِي سَاسَانَ، لِارْتِجَاسِ الْإِيَوَانِ، وَخُمُودِ النِّيرَانِ، وَرُؤْيَا الْمُوبَذَانِ، رَأَى إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا، قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِ فَارِسَ، يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ إِذَا ظَهَرَتِ التِّلَاوَةُ، وَغَارَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةُ وخَرَجَ صَاحِبُ الْهَرَاوَةُ، وَفَاضَ وَادِي السَّمَاوَةِ، فَلَيْسَتِ الشَّامُ لِسَطِيحٍ بِشَامٍ، يَمْلِكُ مِنْهُمْ مُلُوكٌ وَمَلِكَاتٌ عَلَى عَدَدِ الشُّرَّافَاتِ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ: ثُمَّ مَاتَ سَطِيحٌ وَقَامَ عَبْدُ الْمَسِيحِ وَهُوَ يَقُولُ:
[البحر البسيط]
شَمِّرْ فَإِنَّكَ مَاضِي الْهَمِّ شِمِّيرُ ... لَا يَفْزَعَنَّكَ تَشْرِيدٌ وَتَغْوِيرُ
⦗١٤١⦘
فَرُبَّمَا رُبَّمَا أَضْحَوْا بِمَنْزِلَةٍ ... يَهَابُ صَوْلَتَهَا الْأُسْدُ الْمَهَاصِيرُ
مِنْهُمْ أَخُو الصَّرْحِ بَهْرَامٌ وَإِخْوَتُهُ ... وَالْهُرْمُزَانُ وَسَابُورٌ وَسَابُورُ
وَالنَّاسُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ فَمَنْ عَلمُوا ... أَنْ قَدْ أَقَلَّ فَمَحْقُورٌ وَمَهْجُورُ
وَهُمْ بَنُو الْأُمِّ إِلَّا أَنْ رَأَوْا شِعْبًا ... فَذَاكَ بِالْغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَمَنْصُورُ
وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَجْمُوعَانِ فِي قَرَنٍ ... فَالْخَيْرُ مُتَّبَعٌ وَالشَّرُّ مَحْذُورُ
قَالَ: فَرَجَعَ عَبْدُ الْمَسِيحِ إِلَى كِسْرَى فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِلَى أَنْ يَمْلِكَ مِنَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكًا يَكُونُ أُمُورٌ وَأُمُورٌ، قَالَ: فَمَلَكَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ وَمَلَكَ الْبَاقُونَ بَعْدَهُ
стр. 104
٨٣ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى الرَّقَاشِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى كِسْرَى فِيكَ؟ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ سُورِ جِدَارِ بَيْتِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تَلَأْلَأَ نُورًا، فَلَمَّا رَآهَا فَزِعَ فَقَالَ: لِمَ تَفْزَعُ يَا كِسْرَى؟ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فَاتَّبِعْهُ تَسْلَمْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ، قَالَ: سَأَنْظُرُ
стр. 105
الْفَصْلُ العَاشِرُ ذِكْرُ مَا جَرَى عَلَى أَصْحَابِ الْفِيلِ عَامَ مَوْلِدِهِ ﷺ وَقِصَّةِ الْفِيلِ مِنْ أَشْهَرِ الْقَصَصِ قَدْ نَطَقَ بِهَا الْقُرْآنُ
стр. 106
٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الزُّهْرِيُّ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ يَقُولُ لِقَبَاثِ بْنِ أَشْيَمَ اللَّيْثِيِّ يَا قَبَاثُ أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلِّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلِّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْبَرُ مِنِّي وأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ، وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلِّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ وَتَنَبَّأَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ مِنَ الْفِيلِ وَوَقَفَتْ بِي أُمِّي عَلَى رَوْثِ الْفِيلِ مُحِيلًا أَعْقِلُهُ
стр. 107
٨٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدَايِنِيُّ، ثنا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ»
стр. 108
٨٦ - حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، أَنَّهُ قَالَ: " كَانَ مِنْ حَدِيثِ أَصْحَابِ الْفِيلِ أَنَّ أَبْرَهَةَ الْأَشْرَمَ الْحَبَشِيَّ كَانَ مَلِكَ الْيَمَنِ، وَأَنَّ ابْنَ ابْنَتِهِ أَكْشُومَ بْنَ الصَّبَّاحِ الْحِمْيَرِيَّ خَرَجَ حَاجًّا، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ مَكَّةَ نَزَلَ بِكَنِيسَةٍ بِنَجْرَانَ، فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَخَذُوا مَا فِيهَا مِنَ الْحُلِيِّ، وَأَخَذُوا مَتَاعَ أَكْشُومَ، فَانْصَرَفَ إِلَى جَدِّهِ الْحَبَشِيِّ مُغْضَبًا، فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ مَا لَقِيَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا تَأَلَّى بِيَمِينٍ أَنْ يَهْدِمَ الْبَيْتَ، فَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ شِمْرُ بْنُ مَصْفُودَ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفًا مِنْ خَوْلَانَ، وَنَفَرٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا أَرْضَ خَثْعَمٍ، فَتَنَحَّتْ ⦗١٤٥⦘ خَثْعَمٌ عَنْ طَرِيقِهِمْ، وَكَلَّمَهُمُ التَّقْتَالُ الْخَثْعَمِيُّ، وَكَانَ يَعْرِفُ كَلَامَ الْحَبَشَةِ، فَقَالَ: هَذَانِ عَلَى شِمْرَانِ قَوْسِي عَلَى أَكَلَتْ، وَسَهْمَيْ قُحَافَةَ، فَأَنَا جَارٌ لَكَ، فَسَارَ مَعَهُ وَأَحَبَّهُ، فَقَالَ لَهُ التَّقْتَالُ: إِنِّي أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ وَأَهْدَاهُمْ بِطَرِيقِهِمْ، فَطَفِقَ يَجُبُّهُمْ فِي مَسِيرِهِمُ الْأَرْضَ ذَاتَ الْمَهْمَةِ، حَتَّى تَقَطَّعَتْ أَعْنَاقُهُمْ عَطَشًا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الطَّائِفِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَارِسٌ مِنْ خَثْعَمٍ، وَنَصْرٍ، وَثَقِيفٍ، فَقَالُوا: مَا حَاجَتُكَ إِلَى طَرِيقِنَا؟ وَإِنَّمَا هِيَ قَرْيَةٌ صَغِيرَةٌ، لَكِنَّا نَدُلُّكَ عَلَى بَيْتٍ بِمَكَّةَ يُعْبَدُ، وَهُوَ حِرْزٌ لِمَنْ يُجَاءُ إِلَيْهِ , مَنْ مَلَكَهُ تَمَّ لَهُ مُلْكُ الْعَرَبِ، فَعَلَيْكَ بِهِ، وَدَعْنَا مِنْكَ، فَأَتَاهُ، حَتَّى بَلَغَ الْمَغْمَسَ، فَوَجَدَ إِبِلًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ مِائَةَ نَاقَةٍ مُقَلَّدَةٍ، فَأَنْهَبَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ جَاءَهُ، وَكَانَ جَمِيلًا، وَكَانَ لَهُ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ ذُو نفر، فَسَأَلَهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ إِبِلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أُطِيقُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ أَدْخَلْتُكَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: فَافْعَلْ، فَأَدْخَلَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً قَالَ: قُضِيَتْ كُلُّ حَاجَةٍ جِئْتَ تَطْلُبُهَا قَالَ: إِنَّا فِي بَلَدٍ حَرَامٍ فِي سَبِيلٍ بَيْنَ أَرْضِ الْعَرَبِ وَبَيْنَ أَرْضِ الْعَجَمِ، وَكَانَتْ لِي مِائَةُ نَاقَةٍ مُقَلَّدَةٍ تَرْعَى هَذَا الْوَادِي بَيْنَ مَكَّةَ وَتِهَامَةَ، عَلَيْهَا نَمِيرُ أَهْلَنَا ⦗١٤٦⦘، وَنَخْرُجُ إِلَى تِجَارَتِنَا، وَنَتَحَمَّلُ مِنْ عَدِوِّنَا، عَدَا عَلَيْهَا جَيْشُكَ فَأَخْذَوَهَا، وَلَيْسَ مِثْلُكَ يُظْلَمُ مَنْ جَاوَرَهُ، فَالْتَفَتَ الْحَبَشِيُّ إِلَى ذِي نفر، ثُمَّ ضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى عَجَبًا، فَقَالَ: لَوْ سَأَلَنِي كُلَّ شَيْءٍ أُحْرِزُهُ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ، أَمَّا إِبِلُكَ فَقَدْ رَدَدْتُهَا عَلَيْكَ وَمِثْلَهَا، فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تُكَلِّمَنِي فِي بَيْتِكُمْ هَذَا، وَبَلَدِكُمْ هَذَا؟ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَمَّا بَيْتُنَا هَذَا، وَبَلَدُنَا هَذَا، فَإِنَّ لَهُمَا رَبًّا، إِنْ شَاءَ أَنْ يَمْنَعَهُمَا مَنَعَهُمَا، وَلَكِنِّي أُكَلِّمُكَ فِي مَالِي، فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِالرَّحِيلِ، وَتَأَلَّى لَيَهْدِمَنَّ مَكَّةَ، فَانْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَسَمِعَ تَأَلِّيهِ فِي مَكَّةَ، وَقَدْ هَرَبَ أَهْلُهَا، فَلَيْسَ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَأَهْلَ بَيْتِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ، وَهُوَ يَطُوفُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ:
[البحر الكامل]
لَا هُمَّ إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ ... رحْلَهُ فَامْنَعْ حَلَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ ... وَمِحَالُهُمْ عَدْوًا مِحَالَكْ
فَلَئِنْ فَعَلْتَ فَبِهَا وَإِلَّا ... فَالْأَمْرٌ مَا بَدَا لَكْ
وَلَئِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّهُ ... أَمْرٌ تَتِمُّ بِهِ فِعَالُكَ
غَدَوْا لِجُمُوعِهِمْ ... وَالْفِيلُ كَيْ يَدُوسُوا عِيَالَكْ
وَلَئِنْ تَرَكْتَهُمْ وَكَعْبَتَنَا ... فَوَا حُزْنًا هُنَالِكْ
فَلَمَّا تَوَجَّهَ شِمْرٌ وَأَصْحَابُهُ بِالْفِيلِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا مَا أَجْمَعُوا طَفِقَ كُلَّمَا وَجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ أَنَاخَ وَبَرَكَ، فَإِذَا صَرَفُوهُ عَنْهَا مِنْ حَيْثُ أَتَى أَسْرَعَ ⦗١٤٧⦘ السَّيْرَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى غَشِيَهُمُ اللَّيْلُ وَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ طَيْرٌ مِنَ الْبَحْرِ لَهَا خَرَاطِيمُ، كَأَنَّهَا الْبَلَسُ شَبِيهَةٌ بِالْوَطَاوِيطِ حُمْرٌ وَسُودٌ، فَلَمَّا رَأَوْهَا أَشْفَقُوا مِنْهَا، وَسَقَطَ فِي أَذْرُعِهِمْ، فَقَالَ شِمْرٌ: مَا يُعْجِبُكُمْ مِنْ طَيْرٍ خِمَالٍ جَنَّبَهَا اللَّيْلُ إِلَى مَسَاكِنِهَا، فَرَمَتْهُمْ بِحِجَارَةٍ مُدَحْرَجَةٍ كَالْبَنَادِقِ، تَقَعُ فِي رَأْسِ الرَّجُلِ، فَتَخْرُجُ مِنْ جَوْفِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ أَخَوَانِ مِنْ كِنْدَةَ، أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَفَارَقَ الْقَوْمَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْآخَرُ، فَلَحِقَ بِأَخِيهِ حِينَ رَأَى مَا رَأَى، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُ عَنْهَا إِذْ رَأَى طَيْرًا مِنْهَا قَالَ: كَانَ هَذَا مِنْهَا، فَدَنَا مِنْهُ الطَّيْرُ، فَفَدَغَهُ بِحَجَرٍ، فَمَاتَ، فَقَالَ أَخُوهُ النَّاجِي مِنْهَا:
[البحر الوافر]
فَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ، وَلَنْ تَرَانَا ... خِبْتَ لِذِي الْغِمْرَيْنِ مَا لَقِينَا
خَشِيتَ اللَّهَ لَمَّا بَثَّ طَيْرًا ... بِظِلِّ سَحَابَةٍ مَرَّتْ عَلَيْنَا
وَبَاتُوا كُلُّهُمْ يَدْعُو بِحَقٍّ ... كَأَنْ قَدْ كَانَ لِلْحُبْشَانِ دِينَا
فَلَمَّا أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ أَصْبَحَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى جِبَالِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا غَشِيَهُمْ، فَبَعَثَ ابْنَهُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ سَرِيعٍ يَنْظُرُ مَا لَقُوا، فَإِذَا الْقَوْمُ مُشَدَّخُونَ جَمِيعًا، فَرَجَعَ يَرْفَعُ فَرَسَهُ كَاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُوهُ قَالَ: إِنَّ ابْنِي أَفْرَسُ الْعَرَبِ، وَمَا كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ إِلَّا بَشِيرًا، أَوْ نَذِيرًا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ نَادِيهِمْ بِحَيْثُ يُسْمِعُهُمُ الصَّوْتَ، قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا، فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَكَانَتْ أَوَّلُ أَمْوَالِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ⦗١٤٨⦘:
[البحر الرجز]
أَنْتَ مَنَعْتَ الْجَيْشَ وَالْأَفْيَالَا
وَقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الْأَجْبَالَا
وَقَدْ خَشِينَا مِنْهُمُ الْقِتَالَا
وَكُلُّ أَمْرٍ لَهُمْ مِعْضَالَا
شُكْرًا وَحَمْدًا لَكَ ذَا الْجَلَالَا"
وَقَالَ عُمَارَةُ الْعَبْدُ:
[البحر الرجز]
اللَّهُ رَبِّي وَوَلِيَّ الْأَنْفُسِ ... أَنْتَ حَبَسْتَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسِ
فَانْصَرَفَ الْأَسْوَدُ بْنُ مَصْفُودٍ هَارِبًا وَحْدَهُ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ نَزَلَهُ سَقَطَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ نَزَلَ مَنْزِلًا آخَرَ فَسَقَطَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، فَأَتَى مَنْزِلَهُ وَقَوْمَهُ وَهُوَ حِينَئِذٍ لَا أَعْضَاءَ لَهُ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَا لَقِيَتْ جُيُوشُهُ، ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. قَالَ الشَّيْخُ: رَوَى قِصَّةَ أَصْحَابِ الْفِيلِ مِنْ وُجُوهٍ وَسِيَاقٍ عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَتَمَّهَا وَأَحْسَنَهَا شَرْحًا، وَذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بَعَثَ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ وَهْمُ بَعْضِ النَّقَلَةِ، لِأَنَّ الزُهْرِيَّ ذَكَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ مَوْتُهُ عَامَ الْفِيلِ وَأَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي بَعَثَهُ عَلَى فَرَسِهِ لِيَنْظُرَ مَا لَقِيَ الْقَوْمُ
стр. 109
٨٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ: أَوَّلُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجَتْ مِنَ الْحَرَمِ فَارَّةً مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ حَرَمِ اللَّهِ أَبْغِي الْعِزَّ فِي غَيْرِهِ، فَجَلَسَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْبَيْتِ وَرَحَلَتْ قُرَيْشٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا ⦗١٤٩⦘ بِالْحَرَمِ حَتَّى أَهْلَكَ اللَّهُ الْفِيلَ وَأَصْحَابَهُ، وَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَقَدْ عَظُمَ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِمَا رَأَوْا مِنْ بَصِيرَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ لِمَحَارِمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
стр. 110
٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِدَاشٍ الْكَعْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَقْبَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَوْمَئِذٍ وَأَقْبَلَ أَصْحَابُ الْفِيلِ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَا هُمْ بِهِ سَارَ سَرِيعًا عَلَى فَرَسِهِ حَتَّى أَوْفَى عَلَى حِرَاءٍ وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ يَنْظُرُونَ كُلَّمَا حَمَلَ الْحَبَشَةُ الْفِيلَ عَلَى الْحَرَمِ رَبَضَ الْفِيلُ فَتُقْبِلُ الْحَبَشَةُ بِحِرَابِهِمْ وَرِمَاحِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ يَطْعَنُونَهُ بِهَا فَيَقُومُ فَإِذَا حَمَلُوهُ عَلَى الْحَرَمِ بَرَكَ وَصَاحَ وَإِذَا وَجَّهُوهُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ وَلَّى وَلَهُ وَجِيفٌ، وَأَيَّ وَجْهٍ شَاءُوا طَاوَعَهُمْ مَا لَمْ يَحْمِلُوهُ عَلَى الْحَرَمِ، قَالَ: فَبَيْنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابُهُ عَلَى حِرَاءٍ وَهُمْ يَحْمِلُونَ الْفِيلَ عَلَى الْحَرَمِ وَيَأْبَى، إِذْ قَالَ عَمْرُو بْنُ عَائِذٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: انْظُرْ هَلْ تَرَى شَيْئًا؟ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَرَى طَيْرًا تَأْتِي مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ قِطَعًا قِطَعًا، وَهِيَ صُفْرٌ، أَصْغَرُ مِنَ الْحَمَامِ، سُودُ الرُّءُوسِ، حُمْرُ الْأَرْجُلِ وَالْمَنَاقِيرِ، قَالَ عَمْرٌو: قَدْ رَأَيْتُهَا، فَأَقْبَلَتْ حَتَّى حَلَّقَتْ عَلَى الْقَوْمِ مَعَ كُلِّ طَائِرٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ فِي مِنْقَارِهِ حَجَرٌ وَفِي رِجْلَيْهِ ⦗١٥٠⦘ حَجَرَانِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِمَسْعُودٍ: هَلْ تَرَى شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ أَرَى سَوَادًا كَثِيرًا مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ كَثِيفًا، قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: هُوَ طَائِرٌ، قَالَ مَسْعُودٌ: صَدَقْتَ قَدْ وَاللَّهِ عَرَفْتُ حَيْثُ حَلُّوا بِنَا أَنْ لَوْ أَرَادُوا الرِّبَّةَ لَقَدَرُوا عَلَيْهَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَهْلِكَ أَصْحَابَ الْفِيلِ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَنْشَأَتْ مِنَ الْبَحْرِ كَأَنَّهَا الْخَطَاطِيفُ، مَعَ كُلِّ طَائِرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ مُجَزَّعَةٍ حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ. فَجَاءَتْ حَتَّى صَفَّتْ عَلَى رُءُوسِهِمْ وصَاحَتْ وَأَلْقَتْ مَا فِي أَرْجُلِهَا وَمَنَاقِيرِهَا، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ حَجَرٌ وَقَعَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَّا خَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، إِذَا وَقَعَ عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ
следующие страницы →