← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10639

الأذكار للنووي ط ابن حزم

النووي

Полный текст (1 010 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بابُ ما يقولُه إذا بلَغه موتُ عدوِّ الإِسلام: ٧٦٢- روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٥٦٧] ، عن ابن مسعود ﵁، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ الله! قد قتلَ الله أبا جهلٍ، فقال: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَ عبده، وأعز دينه".

стр. 352

بابُ تحريمِ النياحَةِ على الميِّتِ والدُّعَاءِ بدعوَى الجاهليّة: ٧٦٣- أجمعت الأمّةُ على تحريم النياحة، والدعاء بدعوى الجاهلية، والدعاء بالويل والثبور عند المصيبة. ٧٦٤- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: ١٢٩٤] ومسلم [رقم: ١٠٣] ، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ". وفي رواية لمسلم: "أوْ دَعا" "أوْ شَقَّ" بـ"أو". ٧٦٥- وروينا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ١٢٩٦؛ ومسلم رقم: ١٠٤] ، عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ ، برىءَ من الصَّالقةِ، والحَالقةِ، والشاقة. ["رياض الصالحين"، رقم ١٦٥٩] . قلتُ: الصالقة: التي ترفع صوتها بالنياحة، والندب، والحالقة: التي تخلق شعرها عند المصيبة، والشَّاقةُ: التي تشقُّ ثيابَها عند المصيبة؛ وكل هذا حرامٌ باتفاق العلماء، وكذلك يحرم نشرُ الشعر، ولطم الخدود، وخمش الوجه، والدعاء بالويل. [راجع رقم: ١٥٨٣ اللاحق] . ٧٦٦- وروينا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ١٣٠٦؛ ومسلم، رقم: ٩٣٦] عن أُمّ عطيةَ [نسيبة] ﵂، قالت: أخذَ علينا رسولُ الله ﷺ في البيعة ألا ننوح. [رياض الصالحين، رقم: ١٦٦١] . وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٦٧] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "اثْنَتانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، وَالنِّياحَةُ على الميت". ["رياض الصالحين"، رقم: ١٦٦٧؛ وسيرد برقم: ١٧٦١] . ٧٦٨- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣١٢٨] ، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة. ٧٦٩- واعلم أن النياحة: رفع الصوت بالندب، والندب: تعديد النادبة بصوتها محاسن الميت، وقيل: هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه.

стр. 353

قال أصحابنا: ويحرم رفع الصوت بإفراط في البكاء. ٧٧٠- وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحةٍ فليس بحرام. فقد روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: ١٣٠٤] ، ومسلم [رقم: ٩٢٤] ، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة، ومعه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعودٍ، فبكى رسولُ الله ﷺ ، فلما رأى القومُ بكاءَ رسول الله ﷺ بكَوْا، فقال: "ألا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللَّهَ لا يُعذب بِدَمْعِ العَيْنِ ولا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذّبُ بِهَذَا أَوْ يَرْحَمُ" وأشار إلى لسانه ﷺ . ٧٧١- وروينا في صحيحيهما [البخاري، رقم ١٢٨٤؛ ومسلم، رقم: ٩٢٣] ، عن أسامة بن زيدٍ ﵄، أن رسول الله ﷺ رُفِعَ إليه ابنُ ابنته وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هَذِهِ رحمةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى في قُلوبِ عِبَادِهِ، وإنمَا يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ". قلتُ: "الرحماء" رُوي بالنصب والرفع، فالنصبُ على أنه مفعول يرحم، والرفعُ على أنه خبر "إنّ"، وتكون "ما" بمعنى "الذي". ٧٧٢- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٠٣] ، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل على ابنه إبراهيم ﵁، وهو يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسولَ الله؟ فقال: "يا ابن عَوْفٍ! إِنَها رَحْمَةٌ" ثم أتبعها بأخرى، فقال: "إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرضي رَبَّنا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إبراهيم لمحزونون" [وروى مسلم، رقم: ٢٣١٥، بعضه] .

стр. 354

والأحاديث بنحو ما ذكرته كثيرة مشهورة. ٧٧٣- وأما الأحاديث الصحيحة أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فليست على ظاهرها وإطلاقها، بل هي مُئَوَّلَةٌ. واختلف العلماء في تأويلها على أقوال: أظهرها -والله أعلم- أنها محمولة على أن يكون له سبب في البكاء، إما بأن يكون أوصاهم به، أو غير ذلك، وقد جمعت كل ذلك، أو معظمه في كتاب الجنائز من "شرح المهذب" [٦/ ٢٧٧] ؛ والله أعلمُ. ٧٧٤- قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت، وبعده، ولكن قبله أولى للحديث الصحيح: "فإذَا وَجَبَتْ فلا تَبكِيَنَّ باكية" [مالك رقم، ٥٥٢؛ أبو داود، رقم: ٣١١١؛ النسائي، رقم: ١٨٤٦؛ ابن ماجه، رقم: ٢٨٠٣] وقد نصّ الشافعي ﵀ والأصحاب على أنه يُكره البكاءُ بعد الموت كراهة تنزيه، ولا يحزمُ، وتأوّلوا حديث: "فَلاَ تَبْكينَّ بَاكِيَةٌ" على الكراهة [انظر الأم ١/ ٢٧٩، ٢٨٠] .

стр. 355

باب التعزية مدخل ... بابُ التَّعْزِيَة: ٧٧٥- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٠٧٣] ، و"السنن الكبرى" للبيهقي ٤/ ٥٩، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ عَزَّى مُصَاباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ". وإسناده ضعيف. ٧٧٦- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٠٧٦] أيضاً، عن أبي برزة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْداً في الجَنَّةِ". قال الترمذي: ليس إسناده بالقويّ. ٧٧٧- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣١٢٣] والنسائي [رقم: ١٨٨٠] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، حديثاً طويلاً فيه

стр. 356

أن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂: "ما أخْرَجَكِ يَا فاطِمَةُ مِنْ بَيْتكِ"؟ قالَت: أتيتُ أهلَ هذا الميت؛ فترحمتُ إليهم ميّتهم، أو عزَّيْتُهم به. ٧٧٨- وروينا في سنن ابن ماجه [رقم: ١٦٠١] والبيهقي [٤/ ٤٥٩] بإسناد حسن، عن عمرو بن حزم ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ما مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أخاهُ بِمُصِيْبَتِهِ إِلاَّ كَساهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ". ٧٧٩- واعلم أن التعزية هي: التصبير، وذكرُ ما يسلّي صاحب الميت، ويخفّف حزنه، ويهوّن مصيبته؛ وهي مستحبة؛ فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضاً في قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وهذا من أحسن ما يُستدلّ به في التعزية. ٧٨٠- وثبت في الصحيح [عند مسلم، رقم ٢٦٩٩] أن رسول الله ﷺ قال: "وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْن أخيه". ٧٨١- واعلم أن التعزية مستحبّة قبل الدفن وبعده، قال أصحابنا: يدخل وقت التعزية من حين يموتُ، ويبقى إلى ثلاثة أيام بعد الدفن. والثلاثة على التقريب لا على التحديد، كذا قال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا. قال أصحابنا: وتُكره التعزية بعد ثلاثة أيام؛ لأن التعزية لتسكين قلب المُصاب، والغالب سكون قلبه بعد الثلاثة، فلا يجدّد له الحزن، هكذا قال الجماهير من أصحابنا. وقال أبو العباس ابن القاص من أصحابنا: لا بأس بالتعزية بعد

стр. 357

الثلاثة، بل يبقى أبداً، وإن طال الزمان؛ وحكى هذا أيضاً إمام الحرمين عن بعض أصحابنا، والمختار أنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين استثناهما أصحابنا أو جماعة منهم، وهما: إذا كان المعزِّي، أو صاحب المصيبة غائباً حال الدفن، واتفق رجوعه بعد الثلاثة. قال أصحابنا: التعزية بعد الدفن أفضلُ منها قبلهُ؛ لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه، ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، هذا إذا لم يرَ منهم جزعاً شديداً، فإن رآهُ قدّم التعزية ليسكِّنهم؛ والله تعالى أعلم.

стр. 358

٢٠٢- فصل في تعميم التعزية: ٧٨٢- ويستحبّ أن يعمَّ بالتعزية جميعَ أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار والرجال والنساء، إلا أن تكون امرأةً شابّةً، فلا يعزّيها إلا محارمُها، وقال أصحابنا: وتعزيةُ الصلحاء، والضعفاء على احتمال المصيبة، والصبيان آكد.

стр. 359

٢٠٣- فصل في الجلوس للتعزية: ٧٨٣- قال الشافعي وأصحابنا ﵏: يكرهُ الجلوس للتعزية، قالوا: يعني بالجلوس: أن يجتمعَ أهلُ الميت في بيت ليقصدَهم مَن أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، ولا فرقَ بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها؛ صرَّحَ به [الحسين بن إسماعيل] المحاملي، ونقله عن نصّ الشافعي ﵁، وهذه كراهةُ تنزيه إذا لم يكن معها مُحدَثٌ آخر، فإن ضُمَّ إليها أمرٌ آخر من البدع المحرمة، كما هو الغالب منها في العادة، كان ذلك حراماً من قبائح المحرمات، فإنه محدثٌ. ٧٨٤- وثبت في الحديث الصحيح: [مسلم، رقم: ٨٦٧؛ النسائي، رقم: ١٥٧٨؛ أبو داود، رقم: ٢٩٥٤ و٢٩٥٦؛ ابن ماجه، رقم: ٤٥ و٢٤١٦؛ وعند ابن حبان، رقم: ٥] : "إن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكلّ بدعةٍ ضلالته". ["الأربعون النووية" الحديث، رقم: ٢٨، وسيرد برقم: ٢٠٨٥] .

стр. 360

٢٠٤- فصل [في ألفاظ التعزية] : ٧٨٥- وأما لفظ التعزية فلا حجرَ فيه، فبأيّ لفظ عزَّاه حصلت. واستحبَّ أصحابُنا أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعْظَمَ اللَّهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لمَيِّتِكَ, وفي تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرَك. وأحسن عزاءَك. وفي الكافر بالمسلم: أَحسن الله عزاءك، وغفر لميّتك. وفي الكافر بالكافر: أخلف الله عليك. ٧٨٦- وأحسن ما يُعزَّى به: ما روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: ١٢٨٤] ومسلم [رقم: ٩٢٣] ، عن أسامة بن زيد ﵄، قال: أرسلتْ إحدى بنات النبيِّ ﷺ إليه تدعوه وتخبره أنّ صبياً لها أو ابناً في الموت، فقال للرسول: "ارْجعْ إلَيْها فأخْبرْها أنَّ لِلَّهِ تَعالى ما أخَذَ، وَلَهُ ما أعْطَى، وكُلُّ شيءٍ عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسَمَّى؛ فمُرْها فَلْتَصْبرْ، وَلْتَحْتَسبْ" وذكر تمام الحديث. ٧٨٧- قلتُ: فهذا الحديثُ من أعظم قواعدِ الإسلامِ المشتملة على مهماتٍ كثيرةٍ من أول الدين وفروعه، والآداب والصبر على النوازل كلِّها، والهموم والأسقام وغير ذلك من الأعراض؛ ومعنى "إنَّ لِلَّهِ تَعالى ما أخذ": أن العالم كله ملكٌ للهِ تعالى، فلم يأخُذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية؛ ومعنى "وله ما أعطى": أن ما وهبه لكم ليس خارجاً عن ملكه، بل هو له سبحانهُ، يفعل فيه ما يشاء، "وكل شيءٍ عندهُ بأجلٍ مسمّى" فلا

стр. 361

تجزعوا، فإن من قبضه قد انقضى أجَله المسمَّى، فمحالٌ تأخرهُ، أو تقدمه عنه، فإذا علمتُم هذا كله فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم، والله أعلم. ٧٨٨- وروينا في "كتاب النسائي" [رقم: ١٨٧٠ و٢٠٨٨] ، بإسناد حسن، عن معاوية بن قرّة بن إياس، عن أبيه ﵁، أن النبي ﷺ فقدَ بعضَ أصحابه، فسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله! بُنَيُّهُ الذي رأيته هلك؛ فلقيهُ النبيّ ﷺ ، فسأله عن بنيّه، فأخبره أنه هلك، فعزاهُ عليه، ثم قال: "يا فُلانُ! أيُّما كانَ أحَبَّ إلَيْكَ؟ أَنْ تَمتَّع بِهِ عُمُرَكَ، أوْ لا تَأتِي غَداً باباً مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ"؟، قال: يا نبيّ الله! بل يسبقني إلى الجنة، فيفتحها لي، لهو أحبّ إليّ، قال: "فَذَلِكَ لَكَ". ٧٨٩- وروى البيهقي بإسناده، في مناقب الشافعي [٢/ ٩٠ و٩١] ، أن الشافعي بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي ﵀، مات له ابن فجَزعَ عليه عبد الرحمن جزعاً شديداً، فبعثَ إليه الشافعي ﵀: يا أخي! عزِّ نفسك بما تَعَزَّى به غيرُك، واستقبحْ من فعلك ما تستقبحُه من فعل غيرك. واعلم أن أمضَّ المصائب فقدُ سرورٍ، وحرمانُ أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتِساب وزر؟ فتناول حظَّكَ يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبَه وقد نأى عنك، ألهمك اللَّهُ عند المصائب صبراً، وأحرزَ لنا ولك بالصبر أجراً؛ وكتب إليه [من البسيط] : إنّي مُعَزِّيكَ لا أني على ثِقَةٍ ... مِنَ الخُلُودِ وَلَكِنْ سُنَّةُ الدّينِ فَمَا المُعَزَّى بباقٍ بَعْدَ مَيِّتِهِ ... وَلا المُعَزِّي وَلَوْ عاشا إلى حِينِ ٧٩٠- وكتبَ رجلٌ إلى بعض إخوانه يعزُّيه بابنه: أما بعدُ، فإنَّ الولدَ على والده ما عاش حزنٌ وفتنةٌ، فإذ قدّمه فصلاةٌ ورحمةٌ، فلا تجزعْ على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيّع ما عوّضك الله من صلاته ورحمته.

стр. 362

٧٩١- وقال موسى بن المهدي لإِبراهيم بن سالم، وعزَّاه بابنه: أسَرَّك وهو بليّة وفتنةٌ، وأحزنَك وهو صلوات ورحمة؟! يعني بالأول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] وبالثاني قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] عن "برد الأكباد عن فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي. ٧٩٢- وعزَّى رجل رجلاً، فقال: عليك بتقوى الله والصبر، فبه يأخذ المحتسب، وإليه يرجع الجازع. ٧٩٣- وعزَّى رجلٌ رجلاً، فقال: إن من كان لك في الآخرة أجراً، خيرٌ ممّن كان لك في الدنيا سروراً. ٧٩٤- وعن عبد الله بن عمر ﵄، أنه دفن ابناً لهُ، وضحك عند قبرهِ، فقيلَ لهُ: أتضحك عند القبر؟ قال: أردت أن أرغم أنف الشيطان. ٧٩٥- وعن ابن جُرَيْجٍ ﵀، قال: من لم يتعزّ عند مصيبته بالأجر والاحتساب، سَلاَ كما تَسْلُو البهائم. ٧٩٦- وعن حميدٍ الأعرج، قال: رأيت سعيدَ بن جُبير ﵀ يقول في ابنه، ونظر إليه: إني لأعلم خير خلةٍ فيك، قيل: ما هي؟ قال: يموت، فأحتسبه. ٧٩٧- وعن الحسن البصري ﵀، أن رجلاً جَزِع على ولده، وشكا ذلك إليه؛ فقال الحسن: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم، كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فاتركه غائباً، فإنه لم يغبْ عنك غيبة الأجْرُ لك فيها أعظم من هذه، قال: يا أبا سعيد! هوَّنت عنّي وجْدي على ابني. ["التعازي والمراثي" للمبرد، صفحة: ١٩٨] .

стр. 363

٧٩٨- وعن ميمون بن مهران، قال: عزَّى رجل عمرَ بن عبد العزيز ﵁ على ابنه عبد الملك ﵁، فقال عمر: الأمر الذي نزل بعبد الملك أمرٌ كنّا نعرفهُ، فلما وقع لم ننكره. ٧٩٩- وعن بشر بن عبد الله قال: قام عمرُ بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك، فقال: رحمك الله يا بني، فقد كنت سارًّا مولدًا، وبارًّا ناشئًا، وما أحبّ أني دعوتك فأجبتني. ٨٠٠- وعن مسلمة، قال: لما ماتَ عبدُ الملك بن عمر، كشفَ أبوه عن وجهه، وقال: رحمك الله يا بني! فقد سررت بك يوم بُشِّرْتُ بك، ولقد عُمِّرت مسروراً بك، وما أتت عليّ ساعةٌ أنا فيها أسرُ من ساعتي هذه، أما والله إن كنتَ لتدعو أباك إلى الجنة. ٨٠١- قال أبو الحسن المدائني: دخل عمرُ بنُ عبد العزيز على ابنه في وجعه، فقال: يا بني! كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحقّ؟ قال: يا بنيّ! لأن تكون في ميزاني أحَبَّ إلَيّ مِنْ أن أكون في ميزانك، فقال: يا أبتِ! لأن يكون ما تُحبُّ أحَبَّ إِليَّ مِنْ أن يكون ما أحب. ٨٠٢- وعن جُويرية بن أسماء، عن عمّه، أن إخوة ثلاثة شهدوا يوم تُسْتَرَ، فاسْتشهدوا، فخرجتْ أُمُّهم يومًا إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجلٌ حضرَ تُسْتَرَ، فعرفتْه، فسألته عن أمور بَنِيها، فقال: اسْتُشهدوا؛ فقالت: مُقبلين أو مُدبرين؟ قال: مُقبلين؛ قالت: الحمدُ لله، نالوا الفوزَ، وحاطوا الذِّمار، بنفسي هم وأبي وأمي. قلت: "الذِّمار" بكسر الذال المعجمة، وهم: أهل الرجل وغيرهم مما يحقّ عليه أن يحميهُ، وقولها: "حاطوا"، أي: حفِظوا ورعوا. ٨٠٣- ومات ابن الإِمام الشافعي ﵁، فأنشد من الطويل:

стр. 364

وما الدّهرُ إِلاّ هكذا فاصْطبرْ لهُ ... رزِيَّةُ مالٍ، أو فراقُ حبيبِ١ ٨٠٤- قال أبو الحسن المدائني: مات الحسنُ والدُ عُبيد الله بن الحسنِ، وعبيدُ الله يومئذٍ قاضي البصرةٍ وأميرُها، فكثر من يعزّيه، فذكروا ما يتبيّنُ به جزعُ الرجل من صبره، فأجمعوا على أنه إذا ترك شيئاً كان يصنعه فقد جزع. قلت: والآثارُ في هذا الباب كثيرةٌ، وإ نما ذكرتُ هذه الأحرف لئلا يخلو هذا الكتابُ من الإِشارة إلى طرفٍ من ذلك، والله أعلم.

стр. 365

٢٠٥- فصل في الإِشارة إلى بعض ما جرى من الطاعون في الإِسلام: والمقصود بذكره هنا التصبّر، والتحمل على التأسي بغيره، وأن مصيبة الإنسانية قليلة بالنسبة إلى ما جرى قبله على غيره. ٨٠٥- قال أبو الحسن المدائني: كانت الطواعين المشهورة العظام في الإِسلام خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله ﷺ سنة ستّ من الهجرة، ثم طاعونُ عمواس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ كان بالشام، مات فيه خمسةٌ وعشرون ألفاً، ثم طاعونُ الجارف في زمن ابن الزبير في شوّال سنة تسع وستين، مات في ثلاثة أيام في كلّ يوم سبعون ألفاً، مات فيه لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ابناً، وقيل: ثلاثة وسبعون ابناً، ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً، ثم طاعون الفتيات في شوّال سنة سبع وثمانين، ثم طاعون في سنة إحدى

стр. 366

وثلاثين ومائة في رجب، واشتدّ في رمضان، وكان يُحصى في سكة المِربد في كل يوم ألف جنازة، ثم خفّ في شوّال. وكان بالكوفة طاعون سنة خمسين، وفيه توفي المغيرة بن شعبة؛ هذا آخر كلام المدائني [راجع شرح صحيح مسلم للنووي، شرح مقدمة مسلم ١٠٥/١] . ٨٠٦- وذكر ابن قُتيبة في كتابه "المعارف" [صفحة: ٦٠١ و ٦٠٢] عن الأصمعي في عدد الطواعين نحو هذا، وفيه زيادة ونقص. قال: وسمي طاعون الفتيات؛ لأنه بدأ في العذارى [والجواري] بالبصرة، وواسط، والشام، والكوفة، ويقال له: طاعون الأشراف لِما مات فيه من الأشراف. قال: ولم يقع بالمدينة، ولا مكة طاعون قطّ [راجع "شرح صحيح مسلم" للنووي، شرح مقدمة مسلم ١/ ١٠٥] . وهذا الباب واسع، وفيما ذكرته تنبيهٌ على ما تركته، وقد ذكرتُ هذا الفصل بأبسط من هذا في أو "شرح صحيح مسلم" ﵀ [١/ ١٠٥] ، وبالله التوفيق.

стр. 367

بابُ جَواز إعلامِ أصحاب الميّتِ وقرابتِه بموتِه وكراهةِ النَّعي: ٨٢٧- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٩٨٦] ، وابن ماجه [رقم: ١٤٧٦] ، عن حذيفة ﵁، قال: إذا مِتُّ فلا تُؤذنوا بي أحداً، إني أخافُ أن يكون نعياً، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن النعي. قال الترمذي: حديث حسن [صحيح] . ٨٠٨- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٩٨٤] ، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ، فإنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ".

стр. 368

وفي رواية [رقم: ٩٨٥] عن عبد الله ولم يرفعه، قال الترمذي: هذا أصحّ من المرفوع، وضعَّف الترمذي الروايتين. ٨٠٩- وروينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: ١٣٣٣؛ ومسلم، رقم: ٩٥١] أن رسول الله ﷺ ، نعى النجاشي إلى أصحابه. ٨١٠- وروينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: ١٣٣٣؛ ومسلم، رقم: ٩٥٦] أن النبي صلى الله عليه وسم قال في ميت دفنوه بالليل ولم يعلم به: "أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ"؟. ٨١١- قال العلماء المحققون والأكثرون من أصحابنا وغيرهم: يُستحبّ إعلامُ أهل الميت وقرابته وأصدقائه لهذين الحديثين. قالوا. والنعي المنهي عنهُ إنما هو نعي الجاهلية، وكانت عاداتهم إذا مات منهم شريفٌ بعثوا راكباً إلى القبائل يقولُ: نعايا فلانٍ، أو يا نعايا العرب! أي: هلكت العرب بمهلك فلان، ويكون مع النعي ضجيج وبكاءٌ. وذكر الإمام الماوردي صاحب الحاوي من أصحابنا، وجهين لأصحابنا في استحباب الإِيذان بالميت، وإشاعة موته بالنداء والإِعلام، فاستحبّ ذلك بعضهُم للميت الغريب والقريب، لما فيه من كثرة المصلّين عليه والدّاعين له. وقال بعضُهم: يُستحبّ ذلك للغريب، ولا يُستحبّ لغيره. قلتُ: والمختارُ استحبابه مطلقاً إذا كان مجرد إعلام.

стр. 369

بابُ ما يُقالُ في حَالِ غَسل الميّتِ وتَكفِينه: ٨١٢- يُستحبّ الإِكثارُ من ذكر الله تعالى والدعاء للميت في حال غسله وتكفينه. قال أصحابنا: وإذا رأى الغاسلُ من الميّت ما يُعجبه: من استنارة وجهه، وطبيب ريحه، ونحو ذلك، استُحبَّ له أن يحدّثَ الناسَ بذلك، وإذا رأى ما يَكره من سوادِ وجهه، ونتن رائحته، وتغيّر عضوٍ، وانقلاب صورة، ونحو ذلك، حرّم عليه أن يحدّث أحداً به، واحتجوا. ٨١٣- بما رويناه في سنن أبي داود [رقم: ٤٩٠٠] والترمذي [رقم: ١٠١٩] ، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتاكُمْ، وكُفُّوا عَنْ مَساوِيهِمْ". ضعفه الترمذي [وسيرد برقم: ٨٧١] . ٨١٤- وروينا في "السنن الكبير" [٣/ ٣٩٥] للبيهقي، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسم قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتاً، فَكَتَمَ عَلَيْهِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أرْبَعِينَ مَرَّةً". ورواه الحاكم أبو عبد الله في "المستدرك على الصحيحين" [١/ ٣٥٤ و٣٦٢] وقال: حديثٌ صحيح على شرط مسلم. ٨١٥- ثم إن جماهير أصحابنا أطلقوا المسألة كما ذكرته. وقال أبو الخير [يحيى بن سالم] اليمني [العمراني] صاحب "البيان" منهم: لو كان الميت مبتدعاً مظهراً للبدعة، ورأى الغاسلُ منه ما يكره، فالذي يقتضيه القياسُ أن يتحدّث به في الناس، ليكونَ ذلك زجراً للناس عن البدعة ["البيان" ٣/ ٣٨] .

стр. 370

بابُ أَذْكَارِ الصَّلاة على الميّت: ٨١٦- اعلم أن الصلاة على الميت فرض كفاية، وكذلك غسله وتكفينه ودفنه، وهذا كلُّه مجمع عليه. وفيما يسقط به فرض الصلاة أربعة أوجه: أصحّها عند أكثر أصحابنا يسقط بصلاة رجل واحدٍ. والثاني: يُشترط اثنان. والثالث: ثلاثة. والرابع: أربعةٌ؛ سواءٌ صلُّوا جماعةٌ، أو فُرادى. ٨١٧- وأما كيفية هذه الصلاة، فهي: أن يكبرَ أربعَ تكبيرات، ولا بُدَّ منها، فإن أخلَّ بواحدة لم تصحّ صلاتهُ، وإن زاد خامسة ففي بطلان صلاته

стр. 371

وجهان لأصحابنا: الأصحّ لا تبطلُ، ولو كان مأموماً فكبَّر إمامهُ خامسة، فإن قلنا: إن الخامسة تبطل الصلاة فارقه المأموم، كما لو قام إلى ركعة خامسةٍ، وإن قلنا بالأصحّ: أنها لا تبطل لم يفارقه، ولا يتابعه على الصحيح المشهور، وفيه وجه ضعيف لبعض أصحابنا أنه يتابعه، فإذا قلنا بالمذهب الصحيح: أنه لا يتابعه، فهل ينتظره ليسلّم معه، أم يسلّم في الحال؟ فيه وجهان: الأصحّ ينتظره، وقد أوضحتُ هذا كلَّه بشرحه ودلائله في "شرح المهذّب" [٥/ ١٨٦] . ويستحبّ أن يرفعَ اليد مع كل تكبيرة. وأما صفة التكبير، وما يستحبّ فيه وما يبطله وغير ذلك من فروعه فعلى ما قدمته في باب صفة الصلاة وأذكرها. ٨١٨- وأما الأذكارُ التي تقالُ في صلاةِ الجنازة بين التكبيرات، فيقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، وبعد الثانية يُصلِّي على النبي ﷺ ، وبعد الثالثة يدعو للميت، والواجب منه ما يقع عليه اسم الدعاء، وأما الرابعة فلا يجب بعدها ذكرٌ أصلاً، ولكن يُستحبّ ما سأذكره إن شاء الله تعالى. ٨١٩- واختلف أصحابنا في استحباب التعوّذ، ودعاء الافتتاح عُقيب التكبيرة الأولى قبل الفاتحة، وفي قراءة السورة بعد الفاتحة، على ثلاثة أوجه: أحدها يُستحبّ التعوّذ دون الافتتاح والسورة. واتفقوا على أنه يُستحبّ التأمين عقيب الفاتحة. ٨٢٠- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٣٥] ، عن ابن عباس ﵄، أنه صلى على جنازةٍ، فقرأ فاتحة الكتاب، وقال: "لتعلموا أنها سنّة"، وقوله: "سنّة"، في معنى قول الصحابي: من السنة كذا. ٨٢١- وكذا جاء في "سنن أبي داود" [رقم: ٣١٩٨] ، قال: "إنها من

стр. 372

السنّة" فيكون مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ على ما تقرّر وعُرف في كتب الحديث والأصول. ٨٢٢- قال أصحابنا: والسنّة في قراءتها الإسرارُ دون الجهر، سواءٌ صُلِّيت ليلاً أو نهاراً، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي قاله جماهير أصحابنا. وقال جماعةٌ منهم: إن كانت الصلاة في النهار أسرّ، وإن كانت في الليل جهر. وأما التكبيرة الثانية فأقل الواجب عقبيها أن يقول: اللهم صل على محمدٍ، ويُستحبّ أن يقول: وعلى آلِ محمدٍ، ولا يجبُ ذلك عند جماهير أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: يجب، وهو شاذّ ضعيفٌ؛ ويُستحبّ أن يدعوَ فيها للمؤمنين والمؤمنات إن اتسع الوقت لهُ، نصّ عليه الشافعي [في "الأم" ١/ ٢٧١] ، واتفق عليها الأصحاب، ونقل المزني في "المختصر" [صفحة: ٣٨] عن الشافعي: إنه يُستحبّ أيضاً أن يحمد الله ، فقال باستحبابه جماعات من الأصحاب، وأنكره جمهورهم، فإذا قلنا باستحبابه بدأ بالحمد لله تعالى، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم يدعو للمؤمنين والمؤمنات؛ فلو خالف هذا الترتيب جاز، وكان تاركاً للأفضل. وجاءت أحاديث بالصَّلاة على رسول الله ﷺ ، رويناها في "سنن البيهقي" [٤/ ٤٠] ، ولكني قصدتُ اختصار١ هذا الباب، إذ موضعُ بسطه كتب الفقه، وقد أوضحته في "شرح المهذب" [٥/ ١٩٣] . وأما التكبيرة الثالثة فيجب فيها الدعاءُ للميت، وأقلهُ ما ينطلق عليه الاسم، كقولك: ﵀، أو: غفر الله له، أو: اللهمَّ اغفرْ له، أو: ارحمهُ، أو: الطفْ به، ونحو ذلك.

стр. 373

وأما المستحبّ فجاءت فيه أحاديث وآثارك فأما الأحاديث فأصحّها: ٨٢٣- ما رويناه في "صحيح مسلم" [رقم: ٩٦٣] ، عن عوف بن مالك ﵁، قال: صلّى رسول الله ﷺ على جنازةٍ، فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لهُ، وارحمهُ، وعافهِ، واعفُ عنهُ، وأكْرِمْ نزله، ووسغ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بالمَاءِ والثَّلْجِ وَالبَرَدِ، ونَقِّهِ منَ الخَطايا كما نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ، وَأهْلاً خَيْراً مِنْ أهْلِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وأدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وأعِذْهُ مِنْ عذابِ القبرِ، ومن عَذَابِ النَّارِ"، حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. وفي رواية لمسلم [رقم: ٨٦/٩٦٣] : $"وقه فتنة القبر، وَعَذَابِ القَبْرِ". ٨٢٤- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٢٠١] ، والترمذي [رقم: ١٠٢٣٤] ، والبيهقي [٤/ ٤١] ؛ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه صلّى على جنازةٍ فقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرنا، وَذَكَرِنا وأُنْثانا، وشَاهِدِنا وغائِبِنا، اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَه مِنَّا فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ على الإِيمان؛ اللَّهُمَّ لا تحرمنا أجرهُ، ولا تفتنا بعده" قال الحاكم أبو عبد الله [١/ ٣٥٨] : هذا حديثُ صحيحٌ على شرط البخاري ومسلم. [وسيرد برقم: ٨٦٦] . ورويناه في "سنن البيهقي" [٤/ ٤١] وغيره من رواية أبي قتادة. ورويناه في "كتاب الترمذي" من رواية أبي إبراهيم الأشهليّ، عن أبيه؛ وأبوه صحابي، عن النبي ﷺ ؛ قال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل - يعني: البخاري: أصحُّ الروايات في حديث: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا" رواية أبي إبراهيم الأشهلي، عن أبيه. قال البخاري: وأصحُّ شيء في الباب

стр. 374

حديثُ عوف بن مالك. ووقع في رواية أبي داود [رقم: ٣٢٠١] : "فأحْيِهِ على الإِيمَانِ، وتوفه على الإِسْلامِ" والمشهور في معظم كتب الحديث: "فأحْيِهِ على الإِسْلامِ، وَتَوَفَّهُ على الإِيمَانِ" كما قدمناهُ. ٨٢٥- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣١٩٩] وابن ماجه [رقم: ١٤٩٧] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "إذا صَلَّيْتُمْ على المَيِّتِ فأخْلِصُوا لَهُ الدُّعاءَ". ٨٢٦- وروينا في سنن أبي داود [رقم: ٣٢٠٠] ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، في الصلاة على الجنازة: "اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّهَا، وأنْتَ خَلَقْتَها، وأنْتَ هَدَيْتَهَا للإِسْلام، وأنْتَ قَبَضْتَ رُوحَها، وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرّها وعلانيتها، جئناك شُفَعاءَ، فاغْفِرْ لَهُ". ٨٢٧- وروينا في سنن أبي داود [رقم: ٣٢٠٢] وابن ماجه [رقم: ١٤٩٩] ، عن واثلةَ بن الأسقع ﵁، قال: صلى بنا رسولُ الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: "اللَّهُمَّ! إنَّ فلان بن فلانةٍ فِي ذِمَّتِكَ، وحبل جوارك، فَقِهِ فِتْنَةَ القَبْر وَعَذَاب النَّارِ، وأنْتَ أهْلُ الوَفاءِ وَالحَمْدِ؛ اللَّهُمَّ فاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرحيم". ٨٢٨- واختبار الإِمام الشافعي ﵀ دعاءً التقطه من مجموعة هذه الأحاديث وغيرها١، فقال: يقول: "اللَّهُمَّ هذا عبدك وابن عبدك، خرج من

стр. 375

رَوْحِ الدُّنْيا وَسَعَتِها، ومَحْبُوبُهُ وأحِبَّاؤُهُ فيها، إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ ومَا هُوَ لاقيهِ، وكان يَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وأنْتَ أعْلَمُ به؛ اللهم نَزَلَ بِكَ وأنْتَ خيرٌ مَنْزُولٍ به، وأصْبَحَ فَقيراً إلى رَحْمَتِكَ وأنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ رَاغِبِينَ إليك، شُفَعَاءَ لَهُ؛ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِناً فَزِدْ في إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئاً فَتَجاوَزْ عَنْهُ، وَلَقِّه بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَهُ، وافسخ لَهُ في قَبْرِهِ، وَجافِ الأرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ

стр. 376

الأمْنَ مِنْ عَذَابِكَ حتَّى تَبْعَثَهُ إلى جَنَّتِكَ، يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ". هذا نصّ الشافعي في "مختصر المزني" [١/ ١٨٣] رحمهما الله. ٨٢٩- قال أصحابنا: فإن كان الميتُ طفلاً دعا لأبوبه، فقال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَهُما فَرَطاً، واجْعَلْهُ لَهُما سَلَفاً، واجْعَلْهُ لَهُما ذُخْراً، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُما، وأفرغ الصَّبْرَ على قُلوبِهِما، وَلا تَفْتِنْهُما بعدهُ، وَلا تَحْرِمْهُما أجْرَهُ. هذا لفظ ما ذكره أبو عبد الله أحمد بن سليمان البصري الزبيري من أصحابنا في كتابه الكافي، وقاله الباقون بمعناه، وبنحوه قالوا. ويقول معهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا،.... إلى آخره. قال الزبيري: فإن كانتْ امرأةً، قال: اللَّهُمَّ هَذِهِ أَمَتُكَ، ... ثم ينسقُ الكلام؛ والله أعلمُ. ٨٣٠- وأما التكبيرة الرابعة، فلا يجبُ بعدها ذكرٌ بالاتفاق، ولكن يُستحبّ أن يقول ما نصّ عليه الشافعي ﵀ في "كتاب البويطي"، قال: يقول في الرابعة: اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنا أجرهُ، وَلا تَفْتِنّا بَعْدَهُ. قال أبو عليّ ابن أبي هريرة من أصحابنا: كان المتقدمون يقولون في الرابعة: رَبَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عَذَابَ النَّارِ. قال: وليس ذلك بمحكيّ عن الشافعي، فإنه فعله كان حسناً. قُلتُ: يكفي في حسنه ما قد قدّمناه في حديث أنس في باب دعاء الكرب [برقم: ٦٦٦] ؛ والله أعلم. ٨٣١- قلتُ: ويُحتجّ للدعاء في الرابعة بما رويناه في السنن الكبير [٤/ ٤٢] للبيهقي، عن عبد الله ابن أبي أوفى ﵄، أنه كبّر على جنازة ابنة له أربع تكبيراتٍ، فقام بعد الرابعة كقدرِ ما بين التكبيرتين،

стр. 377

يستغفر لها ويدعو، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا. وفي رواية: كبَّرَ أربعاً، فمكثَ ساعةً حتى ظننا أنه سيكبّر خمساً، ثم سلَّم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف، قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصنع، أو قال: هكذا صنعَ رسولُ الله ﷺ . قال الحاكم أبو عبد الله [١/ ٣٦٠] : هذا حديثٌ صحيحٌ. ٢٠٩- فصل في حكم السلام في صلاة الجنازة وحكم المسبوق: ٨٣٢- وإذا فرغَ من التكبيرات وأذكارها، سلَّمَ تسليمتين كسائر الصلوات، لما ذكرناه من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وحكمُ السلام على ما ذكرناه في التسليم في سائر الصلوات، [الباب، رقم: ١٠١] ، هذا هو المذهب الصحيح المختار، ولنا فيه هنا خلافٌ ضعيفٌ تركته لعدم الحاجة إليه في هذا الكتاب. ٨٣٣- ولو جاء مسبوقٌ، فأدرك الإِمامَ في بعض الصلاة، أحرمَ معه في الحال، وقرأ الفاتحة، ثم ما بعدها على ترتيب نفسه، ولا يُوافق الإِمام فيما يقرؤه، فإن كبَّرَ، ثم كبَّرَ الإِمامُ التكبيرة الأخرى قبل أن يتمكن المأموم من الذكر، سقطَ عنه كما تسقط القراءةُ عن المسبوق في سائر الصلوات؛ وإذا سلَّمَ الإِمامُ، وقد بقي على المسبوق في الجنازة بعضُ التكبيرات لزمه أن يأتي بها مع أذكرها على الترتيب، هذا هو المذهبُ الصحيح المشهور عندنا. ولنا قولٌ ضعيفٌ: إنه يأتي بالتكبيرات البقايات متواليات بغير ذكرٍ؛ والله أعلم.

стр. 378

بابُ ما يقولُه الماشي مع الجَنَازة: ٨٣٤- يُستحبّ له أن يكون مشتغلاً بذكر الله تعالى، والفكر فيما يلقاهُ الميتُ، وما يكونُ مصيرهُ، وحاصلُ ما كان فيه، وأن هذا آخرُ الدنيا، ومصيرُ أهلها؛ وليحذرْ كلَّ الحذرِ من الحديث بما لا فائدةَ فيه، فإن هذا وقتُ فِكر وذكر يقبح فيه الغفلةُ واللهو والاشتغال بالحديث الفارغ، فإن الكلامَ بما لا فائدة فيه منهيٌّ عنهُ في جميع الأحوال، فكيف في هذا الحال. ٨٣٥- واعلم أن الصوابَ المختارَ ما كان عليه السلفُ ﵃: السكوتُ في حال السير مع الجنازة، فلا يُرفع صوتٌ بقراءة، ولا ذكر، ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة؛ وهي أنهُ أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوبُ في هذا الحال. فهذا هو الحقّ، ولا تغترَّنَّ بكثرة من يُخالفه، فقد قال أبو عليّ الفُضَيْل بن عِياض ﵁ ما معناه: الزمْ طرقَ الهدَى، ولا يضرُّكَ قلّةُ السالكين، وإياك وطريق الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين [مر برقم: ٦٠٠، وسيرد برقم: ١٣٦٢] . وقد روينا في سنن البيهقي [٤/ ٧٤] ما يقتضي ما قلته. ٨٣٦- وأما ما يفعله الجهلةُ من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط، وإخراج الكلام عن موضوعه، فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه، وغلظ تحريمه، وفسق من تمكّن من إنكاره فلم ينكره في كتاب "آداب القرّاء" ["التبيان"، رقم: ٢٦٤] والله المستعان، وبه التوفيق.

стр. 379

بابُ ما يقولُه مَنْ مرَّتْ به جنازة أو رآها: ٨٣٧- يُستحبّ أن يقول: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذي لاَ يَمُوتُ. وقال القاضي الإمام أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه "البحر": يُستحبّ أن يدعوَ ويقول: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الحَيُّ الَّذي لاَ يَمُوتُ، فيستحبّ أن يدعوَ لها، ويثني عليها بالخير إن كانت أهلاً للثناء، ولا يجازفُ في ثنائه.

стр. 380

بابُ ما يقولُه مَن يُدْخِلْ الميّتَ قبرَه: ٨٣٨- روينا في سنن أبي داود [رقم: ٣٢١٣] ، والترمذي [رقم: ١٠٤٦] ، والبيهقي [٤/ ٥٥] وغيرها، عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر، قال: "بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلى سُنَّة رَسُولِ الله ﷺ ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. قال الشافعي والأصحاب ﵏: يُستحب أن يدعو للميت مع هذا. ["الأم" ١/ ٢٤٦] . ٨٣٩- ومن أحسن الدعاء ما نصّ عليه الشافعي ﵀ في "مختصر المزني" [١/ ١٨٥] ، قال: يقول الذين يدخلونه القبر: [بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلى ملّةِ رسولِ الله ﷺ ] ، اللهم سلمه١ إليك الأشِحاء من ولده وأهله وَقَرابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيا وَالحَياةِ إلى ظُلْمَةِ القَبْرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ وأنْتَ خيرُ مَنْزُولٍ بِهِ، إنْ عاقَبْتَهُ فبذنبه٢، وإنْ عَفَوتَ عَنْهُ فأنْتَ أهْلُ العَفْوِ، أنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إلى رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ اشكر حسناته، واغفر سيئاته٣، وأعذهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَاجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِكَ الأمْنَ منْ عَذَابِكَ، واكْفِهِ كل هولٍ دُونَ الجَنَّةِ، اللَّهُمَّ اخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الغابِرِينَ، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعْدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ، يا أرْحَمَ الراحمين. ["البيان" ٣/ ١٠٥] .

стр. 381

بابُ ما يقولُه بعدَ الدَّفْن: ٨٤٠- السُّنَّة لمن كان على القبر أن يحثي في القبر ثلاث حثيات بيديه جميعاً من قِبل رأسه. قال جماعةٌ من أصحابنا: يُستحبّ أن يقول في الحثية الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ، وفي الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة طه: ٥٦] . ٨٤١- ويُستحبّ أن يقعد عنده بعد الفراغ ساعة قدر ما يُنحر جزور ويقسم لحمها [مسلم، رقم: ١٢١] ، ويشتغل القاعدون بتلاوة القرآن، والدعاء للميت، والوعظ، وحكايات أهل الخير، وأحوال الصالحين. ٨٤٢- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: ١٣٦٢] ، ومسلم [رقم: ٢٦٤٧] ؛ عن علي ﵁، قال: كنّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسولُ الله ﷺ ، فقعدَ وقعدنا حولَه، ومعه مخصرةٌ، فنكسَ، وجعلَ ينكتُ بمحصرته، ثم قال: "ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ إِلاَّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ" فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: "اعلموا! فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ". وذكر تمام الحديث. ٨٤٣- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٢١] ، عن عمرو بن العاص ﵁، قال: إذا دفنتموني أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى أستأنسَ بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسُل ربي. ٨٤٤- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٢٢١] والبيهقي [٤/ ٥٦] ، بإسناد حسنٍ، عن عثمان ﵁، قال: كان النبي إذا فرغَ من دفن الميت وقفَ عليه، فقال: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فإنَّهُ الآنَ يُسْألُ". ٨٤٥- قال الشافعي والأصحاب: يُستحب أن يقرؤوا عنده شيئاً من القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآن كلَّه كان حسناً. ["الجموع" ٥/ ٢٩٤؛ وفيه

стр. 382

أن هذا قول الأصحاب، وفي رياض الصالحين، رقم: ٩٤٧ أن هذا قول الشافعي] . ٨٤٦- وروينا في "سنن البيهقي" [٤/ ٥٦] بإسناد حسن، أن ابن عمر استحبَّ أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوّل سورة البقرة وخاتمتها. ٢١٤- فصل [في تلقين الميت] : ٨٤٧- وأما تلقينُ الميّت بعد الدفن، فقد قال جماعة كثيرون من أصحابنا استحبابه، وممّن نصَّ على استحبابه: القاضي حسين في "تعليقه"، وصاحبه أبو سعد المتولي في كتابه التتمة، والشيخ الإِمام الزاهد أبو الفتح، نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي، والإِمام أبو القاسم الرافعي وغيرهم، ونقله القضاي حسين عن الأصحاب. وأما لفظه، فقال الشيخ نصر: إذا فرغ من دفنه يقف عند رأسه، ويقولُ: يا فلانُ بن فلانٍ، اذكر العهد الذي خرجتَ عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَن في القبور، قُل: رضيتُ بالله ربّاً، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيّاً، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إماماً، وبالمسلمين إخواناً، ربّي الله لا إِلهَ إِلا هو، وهو رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ. هذا لفظ الشيخ نصر المقدسي في كتابه "التهذيب" ولفظ الباقين بنحوه، وفي لفظ بعضهم نقص عنه، ثم منهم مَن يقول: يا عبد الله ابن أمة الله، ومنهم مَن يقول: يا عبد الله ابن حوّاء، ومنهم من يقول: يا فلان -باسمه- ابن أمة الله، أو يا فلانُ ابن حوّاء، وكله بمعنى. ٨٤٨- وسُئل الشَّيخ الإِمام أبو عمرو ابن الصلاح ﵀، عن هذا التلقين، فقال في "فتاويه" [١/ ٢٦١] : التلقين هو الذي نختاره، ونعمل به، وذكره جماعة من أصحابنا الخراسانيين، قال: وقد روينا فيه حديثاً من حديث أبي أمامة

стр. 383

ليس بالقائم إسناده١، ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام به قديماً. قال: وأما تلقين الطفل الرضيع فما له مُستند يعتمدُ، ولا نراهُ، والله أعلمُ. قلتُ: الصوابُ أنه لا يلقنُ الصغيرُ مُطلقًا، سواءٌ كانَ رضيعاً، أو أكبر منه ما لم يبلغ ويَصِر مكلفاً؛ والله أعلم.

стр. 384

بابُ وصيّةِ الميّتِ أنّ يُصلِّيَ عليه إنسانٌ بعينه أو أن يُدفن على صفة مخصوصية وفي مَوْضعٍ مَخصوص، وكذلك الكفنُ وغيرُه من أمورِه التي تُفعل والتي لا تفعل ... بابُ وصيّةِ الميّتِ أنّ يُصلي عليه إنسانٌ بعينه أو أن يُدفن على صفةٍ مخصوصةٍ وفي مَوْضعٍ مَخصوص، وكذلك الكفنُ وغيرُه من أمورِه التي تُفعل والتي لا تُفعل: ٨٤٩- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٨٧] ، عن عائشة ﵂، قالت: دخلت على أبي بكر ﵁ -يعني: وهو مريض- فقال: في كم كفّنتم النبيّ ﷺ ؟ فقلت: في ثلاثة أثوابٍ، قال: في أيّ يوم تُوفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الاثنين، قال: فأيّ يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرّض فيه،

стр. 385

به رَدْع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفِّنوني فيها، قلتُ: إن هذا خلقٌ، قال: إن الحيّ أحقُ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة؛ فلم يتوفّ حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودُفن قَبْلَ أنْ يُصبحَ. قلت: قولها: "رَدْع"، بفتح الراء، وإسكان الدال، وبالعين المهملات؛ وهو: الأثر. وقوله: "للمهلة"، روي بضم الميم وفتحها وكسرها، ثلاث لغات، والهاء ساكنةٌ؛ وهو: الصديد الذي يتحلل من من بدن الميت. ٨٥٠- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٩٢] ، أن عمر بن الخطاب ﵁، قال لما جُرح: إذا أنا قُبِضتُ فاحملوني، ثم سلموا، وقولوا: يستأذنُ عمرُ، فإن أذنتْ لي -يعني عائشةَ- فأدخلوني، وإن ردّتني فردّوني إلى مقابر المُسْلِمِينَ. ٨٥١- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٩٦٦] ، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص، قال: قال سعد: الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليَّ اللبنَ نصباً كما صُنع برسول الله ﷺ . ٨٥٢- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٢١] ، عن عمرو بن العاص ﵁، أنه قال، وهو في سياقة الموت: إذا أنا متّ فلا تصحبني نائحةٌ، ولا نارٌ، فإذا دفنتموني فشنّوا عليَّ التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنسَ بكم، وأنظر ماذا أراجع به رُسُل ربي. قلت: قوله: "شنوا"، روي بالسين المهملة وبالمعجمة، ومعناهُ: صبوهُ قليلاً قليلاً. وروينا في هذا المعنى حديث حذيفة المتقدم [رقم: ٨٠٧] في باب جاوز إعلام أصحاب الميت بموته، وغير ذلك من الأحاديث، وفيما ذكرناه كفايةٌ، وبالله التوفيق.

стр. 386

٨٥٣- قلتُ: وينبغي ألا يقلد الميتُ، ويتابع في كلّ ما وصَّى به، بل يعرضُ ذلك على أهل العلم، فما أباحوهُ فُعل، وما لا فلا. وأنا أذكرُ من ذلك أمثلة: ٨٥٤- فإذا أوصى بأن يدفن في موضع من مقابر بلدته، وذلك الموضع معدنُ الأخيار، فينبغي أن يُحافظ على وصيته. ٨٥٥- وإذا أوصى بأن يصلِّي عليه أجنبي، فهل يُقَدَّم في الصلاة على أقارب الميت؟ فيه خلافٌ للعلماء، والصحيح في مذهبنا أن القريب أولى، لكن إذا كان الموصَى له ممّن يُنسب إلى الصلاح، أو البراعة في العلم مع الصيانة والذكر الحسن، استحبّ للقريب الذي ليس هو في مثل حاله إيثاره رعاية لحقّ الميت. ٨٥٦- وإذا أوصى بأن يُدفن في تابوت لم تنقذ وصيته إلا أن تكون الأرض رخوة، أو نديّة يحتاجُ فيها إليه، فتُنفذ وصيّته فيه، ويكون من رأس المال، كالكفن. ٨٥٧- وإذا أوصى بأن يُنقل إلى بلد آخر لا تنفّذ وصيّته، فإن النقلّ حرامٌ على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرّح به المحققون، وقيل: مكروه. قال الشافعي ﵀: إلا أن يكون بقرب مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس، فيُنقل إليها لبركتها. ٨٥٨- وإذا أوصى بأن يُدفَن تحته مِضربة أو مخدة تحتَ رأسه، أو نحو ذلك لم تُنفذ وصيّته. ٨٥٩- وكذا إذا أوصى بأن يُكفن في حرير، فإن تكفينَ الرجال في الحرير حرامٌ، وتكفينُ النساء فيه مكروهٌ وليس بحرامٍ، والخنثى في هذا كالرجل. ٨٦٠- ولو أوصى بأن يُكفن فيما زاد على عدد الكفن المشروع، أو في ثوب لا يَستر البدن لا تنفذ وصيّته. ٨٦١- ولو أوصى بأن يُقرأ عند قبره، أو يُتصدّق عنه، وغير ذلك من أنواع القرب، نفذت وصيته إلا أن يقترن بها ما يمنع الشرع منها بسببه. ٨٦٢- ولو أوصى بأن تُؤَخَّرَ جنازته زائداً على المشروع لم تنفذ. ٨٦٣- ولو أوصى بأن يُبنى عليه في مقبرة مسبلةٍ للمسلمين لم تنفّذ وصيته، بل ذلك حرامٌ؛ والله أعلم.

стр. 387

بابُ ما ينفعُ الميّتَ من قَوْل غيره: ٨٦٤- أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم، ويَصلُهم ثوابه. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها. ٨٦٥- وبالأحاديث المشهورة، كقوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بقيع الغرقد" [أخرجه مسلم، رقم: ٩٧٤، وسيرد برقم: ٨٧٣] . ٨٦٦- وكقوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لحينا وميتنا" [رواه الترمذي، رقم، ١٠٢٤؛ والنسائي، رقم: ١٩٨٦ ومر برقم: ٨٢٤] وغير ذلك. ٨٦٧- واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصلُ. وذهب أحمل بن حنبل وجماعةٌ من العلماء وجماعةٌ من أصحاب الشافعي إلى أنه يَصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهمّ أوصلْ ثوابَ ما قرأته إلى فلانٍ؛ والله أعلم. ويُستحبّ الثناء على الميت وذكر محسانه. ٨٦٨- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: ١٣٦٧] ومسلم [رقم: ٩٤٩] ، عن أنس ﵁، قال: مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبيّ ﷺ : "وَجَبَتْ" ثم مرّوا بأخرى أثنوا عليها شرّاً، فقال: "وَجَبَتْ"،

стр. 388

فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: "هَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرَاً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّاً فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ؛ أنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّه في الأرْضِ". ٨٦٩- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٦٨] ، عن أبي الأسود، قال: قدمتُ المدينةَ، فجلستُ إلى عمرَ بن الخطاب ﵁، فمرّتْ بهم جنازةٌ، فأُثني على صاحبها خيرًا، فقال عمرُ: وجبتْ؛ ثم مُرّ بأخرى، فأُثني على صاحبها خيرًا، فقال عمرُ: وجبتْ؛ ثم مُرّ بالثالثة، فأُثني على صاحبها شرًّا، فقالَ عمرُ: وجبتْ. قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أميرَ المؤمنين؟ قال: قلتُ كما قال النبيّ ﷺ : "أيُّمَا مسلمٌ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وَثَلاَثَةٌ"، فقلنا: واثنان، قال: "وَاثْنانِ" ثم لم نسأله عن الواحد. والأحاديث بنحو ما ذكرنا كثيرةٌ؛ والله أعلمُ.

стр. 389

بابُ النهي عن سب الأموات بغير حق ومصلحة شرعية: ٨٧٠- روينا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٣٩٣] ، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأمْوَاتَ فإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا". ٨٧١- وروينا في سنن أبي داود [رقم: ٤٩٠٠] ، والترمذي [رقم: ١٠١٩] بإسناد ضعيف ضعَّفه الترمذي، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم". [مر برقم: ٨١٣] .

стр. 390

٨٧٢- قلتُ: قال العلماءُ: يَحرم سبُّ الميت المسلمَ الذي ليس معلناً بفسقه. وأما الكافرُ، والمُعلِنُ بفسقه من المسلمين، ففيه خلاف للسلف، وجاءت فيه نصوص متقابلة، وحاصلُه أنه ثبت في النهي عن سبّ الأموات ما ذكرناهُ في هذا الباب. وجاء في الترخيص في سبّ الأشرار أشياء كثيرةٌ، منها: ما قصَّه الله تعالى علينا في كتابه العزيز، وأمرنا بتلاوته وإشاعة قراءته؛ ومنها: أحاديثُ كثيرة في الصحيح، كالحديث الذي ذكر فيه رسول الله ﷺ عمروَ بن لحيّ [البخاري، رقم: ٤٦٢٤؛ مسلم، رقم: ٢٨٥٦] وقصة أبي رِغال، [أبو داود، رقم: ٣٠٨٨، وراجع رقم: ١٥٢٨ التالي] والذي كان يسرقُ الحاجَّ بمحجنه١، وقصة ابن جُدْعان [مسلم، رقم: ٢١٤] وغيرهم، ومنها الحديث الصحيح الذي قدّمناه [رقم: ٨٦٨] لَمَّا مرّت جنازة فأثنوا عليها شرّاً، فلم ينكر عليهم النبيّ ﷺ ، بل قال: "وجبتْ". واختلف العلماءُ في الجمع بين هذه النصوص على أقوال: أصحُّها وأظهرُها أن أمواتَ الكفاء يجوز ذكر مساويهم؛ وأما أمواتُ المسلمين المعلنين بفسق، أو بدعةٍ، أو نحوهما، فيجوز ذكرُهم بذلك إذا كان فيه مصلحة لحاجة إليه للتحذير من حالهم، والتنفيذ من قبول ما قالوه، والاقتداء بهم فيما فعلوه، وإن لم تكن حاجةٌ لم يجزْ؛ وعلى هذا التفصيل تُنَزَّلُ هذه النصوص، وقد أجمعَ العلماءُ على جرح المجروح من الرواة، والله أعلمُ.
следующие страницы →