فالأثر المعنوي لهذه النون هو: توكيد المعنى على الوجه السالف، وتخليص زمن المضارع للاستقبال، وتقوية الاستقبال في فعل الأمر أو إرجاعه إليه.
وقد تفيد النون -مع التوكيد- الدلالة على الإحاطة والشمول إذا كان الكلام لغير الواحد، ففي مثل: يا قومنا احذرن مكايد الأعداء ... يكون المراد: يا قومنا كلكم، أو جميعكم، فردا فردا ...
وخلاصة كل ما تقدم: أنهما حرفان من أحرف المعاني، يلحقان بآخر المضارع وآخر الأمر، لتلخيص هذين الفعلين للزمن المستقبل، ولا يلحقان بهما ولا بغيرها من الأفعال التي لا يراد منها المستقبل الخالص، ولا أسماء الأفعال مطلقا، ولا سائر الأسماء، والحروف. وأن فائدتهما المعنوية هي: تأكيد المعنى وتقويته بأقصر لفظ، وتخليص المضارع للزمن المستقبل، وتقوية الاستقبال في الأمر، أو إرجاعه إليه، وأنهما قد يفيدان -مع التوكيد- الشمول والعموم في بعض الصور.
آرثاهما اللفظية، والأحكام المترتبة على وجودها:
لنوني التوكيد آثار لفظية مشتركة بينهما، تحدث من اتصال إحداهما بآخر المضارع، المتجرد للمستقبل، أو بآخر الأمر كذلك. وتمتاز الخفيفة بأحكام خاصة تنفرد بها دون الثقيلة.
وأهم الآثار المشتركة بينهما هو:
١- بناء المضارع على الفتح، بشرط أن تتصل به نون التوكيد اتصالا مباشرا؛ بأن يكون خاليا من ضمير رفع بارز١ يفصل بينهما؛ ذلك أن المضارع معرب دائما، إلا إذا اتصلت به اتصالا مباشرا نون التوكيد؛ فيبنى على الفتح، أو نون
стр. 2102
النسوة؛ فيبنى على الكسون. كقول شوقي في وصف الدنيا:
لا تحفلن ببؤسها ونعيمها ... نعمى الحياة وبؤسها تضليل
وكقوله في الأمهات المصريات المجاهدات:
ينفثن في الفتيان من ... روح الشجاعة والثبات
يهوين تقبيل المهنـ ... ـد، أو معانقة الفتاة١
ويدخل فيما سبق: المضارع المسبوق بلام الأمر أو بغيرها من الجوازم التي يصح الجمع بينهما وبين نون التوكيد؛ فإنه يبنى على الفتح في محل جزم٢؛ كقولك للمهمل: لتحترمن عملك. ولتكرمن نفسك بإنجازه على خير الوجوه. ومثل: إما٣ تنصرن ضعيفا فإن الله ناصرك ... ، فالأفعال: "تحترم، وتكرم، وتنصر ... " مبنية على الفتح؛ لاتصالها المباشر بنون التوكيد، في محل جزم بلام الأمر. فإن لم يكن الاتصال بين المضارع ونون التوكيد مباشرا نشأت أحكام سنعرضها بعد٤ ...
٢- بناء فعل الأمر على الفتح، بشرط اتصاله بنون التوكيد اتصالا مباشرا، فلا يكون متصلا بضمير رفع بارز٥ يفصل بينهما؛ نحو: اشكرن من أحسن إليك، وكافئنه بالإحسان إحسانا، واعلمن أن كلمة حمد وثناء قد تكون خير جزاء٦.
стр. 2103
فإن كان فعل الأمر متصلا بضمير رفع بارز يفصل بينهما فإنه يجري عليه ما يجري على المضارع المسند لذلك الضمير من غير اختلاف في الأحكام ولا في التغيرات؛ فالمضارع والأمر سيان فيما يجري عليما عند الإسناد لضمائر الرفع البارزة، ح سواء أكان آخرهما صحيحا أم معتلا، مؤكدين أم غير مؤكدين، مع ملاحظة الاختلاف بينهما في ناحتين هامتين:
أولاهما: أن الأمر مبني دائما في كل الأساليب؛ سواء أكان مؤكدا أم غير مؤكد.
وثانيهما: أنه لا تلحقه نون الرفع مطلقا. وسيجيء تفصيل الكلام عليه مع المضارع آخر الباب١.
٣- أن توكيد فعل الأمر بها جائز في كل أحواله٢، بغير قيد ولا شرط، وكذلك المضارع المبدوء بلام الأمر.
أما المضارع المرجد من هذه اللام فلتوكيده أحوال أربعة٣، هي: وجوب التوكيد، وامتناعه، واستحسانه، وقلته. وإليك البيان:
الأولى والثانية: يجب توكيده، حين يكون مثبتا، مستقبلا، جواب قسم، مبدوءا باللام٤ التي تدخل على جواب القسم، ولا يفصل بينه وبين هذه اللام فاصل؛ نحو: والله لأعملن الخير جهدي -بالله لأجتنبن قول السوء قدر استطاعتي- تالله لنحاربن الشر ما وسعتنا المحاربة٥ ... فالأفعال المضارعة: "أعمل، أجتنب، نحارب ... " واجبة التوكيد بالنون، لاستيفهائها الشروط
стр. 2104
كلها، فهي مثبتة، مستقبلة الزمن١، وقبلها قسم وقعت في جوابه، مصدرة بلام الجواب، بغير فاصل بينهما.
فإذا فقد بعض الشروط نشأت صورة جديدة قد يمتنع فيها توكيده، وقد يصح إذا انطبقت عليها أوصاف المنع أو أوصاف الجواز التالية:
فمن الصور التي يمتنع فيها توكيد المضارع بالنون أن يفقد شرط الثبوت في الحالة السالفة فيكون منفيا، إما لفظا: نحو: إن دعيت للشهادة فوالله لا أكتم الحق، وإما تقديرا، نحو: قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تفتأ، لأن حذف "لا" النافية كثير في جواب القسم عند أمن اللبس٢.
ومن الصور التي يمتنع فيها توكيدا أيضا أن يفقد شرط الاستقبال في تلك الحالة أيضا؛ فيكون زمنه للحال بقرينة تدل على هذا، كقول الشاعر:
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ... ليعلم ربي أن بيتي واسع
стр. 2105
وقول الآخر:
يمينا لأبغض كل امرئ ... يزخرف قولا، ولا يفعل
لأن المعنى هنا على الحالية، ولأن لام جواب القسم الداخلة على المضارع تخلص زمنه للحال -عند فريق من النحاة-١ ونون التوكيد تخلصه للمستقبل؛ فيتعارضان.
ومن الصور الممنوعة أيضا أن يكون في تلك الحالة السالفة مفصولا من لازم الجواب، إما بمعموله، وإما بغيره؛ كقد، أو سوف، أو السين ... ؛ نحو: والله لغرضكم تدركون بالسعي الدائب، والعمل الحميد. ومثل: والله لقد تنالون رضا الناس بحسن معاملتهم. ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ والأصل: والله لسوف ...
الثالثة: أن يكون توكيده هو الكثير المستحسن؛ لكنه -مع كثرته واستحسانه- لا يبلغ درجة الواجب. وأمارته: أن يكون المضارع فعل شرط للأداة: "إن" الشرطية المدغم فيها "ما" الزائدة للتوكيد "أي: إما"، أو: يكون مسبوقا بأداة طلب تفيد الأمر، أو النهي، أو الدعاء؛ أو العرض٢، أو التحضيض، أو التمني، أو الاستفهام ...
فمثال المضارع المسبوق "بإما": إما تحذرن من العدو تأمن أذاه، وإما تهملن الحذر تتعرض للخطر. والأصل: إن تحذر ... وإن تهمل ... زيدت "ما" على "إن" الجازمة، وأدغمت فيها، ولا يحسن في النثر ترك هذا
стр. 2106
التوكيد بعد: "إما"، لكنه يصح في الشعر للضرورة، كقول القائل:
يا صاح، إما تجدني غير ذي جدة١ فما التخلي عن الإخوان من شيمي
ومثال المسبوق بأداة تفيد الأمر: لتحذرن مديح نفسك، ولتدعن الثناء عليها، وإلا كنت هدفا للسخرية والمهانة.
ومثال المسبوق بالنهي قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ ، وقول الشاعر:
لا تحسبن العلم ينفع وحده ... ما لم يتوج ربه بخلاف٢
وقول الآخر:
ولا تطمعن من حاسد في مودة ... وإن كنت تبديها له وتنيل
ومثال المسبوق بالدعاء قول القائل:
لا يبعدن٣ قومي الذين همو ... سم العداة وآفة الجزر.........
وبالعرض قولهم: ألا تنسين إساءة من أعتبك٤.
وبالتخصيص قول الشاعر:
هلا تمنن بوعد غير مخلفة ... كما عهدتك في أيام ذي سلم
وبالتمني قول الشاعر:
فليتك يوم الملتقى ترينني ... لكي تعلمي أني امرؤ بك هائم
وبالاستفهام قول الشاعر:
أتهجرن خليلا صان عهدكمو ... وأخلص الود في سر وإعلان؟
الرابعة: أن يكون توكيده قليلا٥، وهو -قلته- جائز فصيح، لكنه
стр. 2107
لا يرقى في قوته مرقى النوعين السالفين. وعلامته: أن يكون بعد "لا" النافية كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ١، أو بعد: "ما" الزائدة التي لم تدغم في "إن" الشرطية؛ كقولهم في المثل: بعين ما رأينك٢، وقول الشاعر في المال:
قليلا به٣، ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما
ويدخل في هذا "ما" الزائدة بعد "رب"؛ نحو: ربما يقبلن الخير وراء المكروه٤، أو بعد: "لم"٥ كقول الشاعر:
من جحد الفضل ولم يذكرن ... بالحمد مسديه فقد أجرما
أو بعد أداة شرط غير "إن" المدغمة في: "ما" الزائدة، كقول الشاعر:
من تثققن٦ منهم فليس بآيب ... أبدا، وقتل بني قتيبة شافي
٤- عدم تقديم معمول فعلها على هذا الفعل٧ إلا إن كان المعمول شبه
стр. 2108
التقديم -في الرأي الأرجح؛ ففي مثل: اسمعن النصح ... لا يصح أن يقال: النصح اسمعن. بخلاف لا تثقن بمنافق، واحذرنه عند تقلب الأيام، فيصح أن يقال: بمنافق لا تثقن، وعند تقلب الأيام احذرنه١.
٥- وقوع تغيرات أخرى تلحق المضارع صحيح الآخر ومعلته، وكذا الأمر، عند إسنادهما لضمائر الرفع البارزة؛ فقد يحذف حرف العلة عند الإسناد أو يقلب. وقد يحذف الضمير إذا كان واو جماعة، أو ياء مخاطبة، وقد يتحرك بحركة مناسبة له من غير أن يحذف. وقد تحذف نون الرفع، أو تدعم بغير حذف ... إلى غير هذا من التغيرات المختلفة المترتبة على التوكيد، والتي سنذكرها آخرها الباب٢ تفصيلا -كما قلنا.
стр. 2109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يرى بعض النحاة -ورأيه سديد- أن توكيد المضارع المنفي بالحرف: "لم" قليل، قلة ذاتية تدخله في حكم النادر الذي لا يصح القياس عليه، وليست قلة نسبية؛ "أي: ليست قلة بالنسبة لغيره، حيث يشترك القليل والكثير معا في الكثرة التي تبيح القياس عليهما، ويمتاز الكثير بزيادة الدرجة فيها". وحجته: أن "لم" حرف يقلب زمن المضارع للمضي، ونون التوكيد حرف يخلص زمنه للمستقبل، فيتعارضان. وهذا رأي يحسن الاقتصار عليه.
ب- جرى بعض النحاة على تقسيم حالات المضارع -من ناحية توكيده بالنون- خمسة أقسام، غير الحالة التي يمتنع فيها توكيده.
الأولى: وجوب توكيده ... وهي الحالة التي أوضحناها.
والثانية: أن يكون توكيده قريبا من الواجب، وذلك حين يكون مسبوقا "بإن" الشرطية المدغم فيها: "ما" الزائدة.
والثالثة: أن يكون توكيده كثيرا؛ وذلك إذا وقع بعد أداة طلب: "أمر، نهي، دعاء، عرض، حض، تمن، استفهام".
والرابعة: أن يكون توكيده قليلا، وذلك بعد: "لا" النافية، أو "ما" الزائدة غير المسبوقة بإن الشرطية.
والخامسة: أن يكون توكيده أقل، وذلك بعد: "لم" الجازمة، أو أداة شرط أخرى.
وذكروا لهذا التقسيم تعليلات مصنوعة لا يعرفها العرب، ولم تخطر ببالهم، والتعليل الحق في التقسيم يجب أن يقتصر على كثرة الاستعمال وقلته بين العرب.
стр. 2110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فما الحاجة إلى هذا التقسيم الخماسي والسداسي ... ، مع أن القسم الثاني والثالث لا يختلفان في الأثر؟ فحكمها واحد؛ هو: شدة الحاجة معهما إلى التوكيد، وإن كانت هذه الحاجة لا تبلغ مرتبة الوجوب؛ إذ لا أهمية لزيادة أحدهما على الآخر في درجة الكثرة والنوع؛ لأنهما -معا- مشتركان عند العرب في الكثرة التي تفيد شدة الحاجة للتوكيد، وتجعل استعماله قياسيا قويا، وما يزيد على هذا القدر المشترك يصير زيادة في الدرجة البلاغية؛ لا في صحة الاستعمال وقوته، وهذه الزيادة متروكة لتقدير المتكلمين في العصور المختلفة -بعد عصور الاحتجاج- ولرغبتهم في محاكاة هذا أو ذاك على حسب مقتضيات الأحوال. فهي متنقلة بينهما؛ فإن لم تتجه الرغبة إلى محاكاة الزائد -لغرض بلاغي، وشاع الاستعمال الأدبي على إهمالها، اكتسبها الآخر وصار هو الشائع، وانتقل إليه درجة الزيادة، ولا عيب في هذا؛ فكلاهما كثير، لكنه قد يحتفظ لنفسه دون الآخر بمرتبة الزيادة في الاستعمال زمنا مؤقتا، ينتقل بعده إلى نظيره.
ومثل هذا يقال في القليل والأقل. فما الحاجة إلى تفريقهما، وعدم إدماجهما في قسم واحد ما دامت قلتهما ليست مانعة من القياس عليهما؛ لأنها قلة نسبية عددية "أي: على حسب نسبة أحدهما للآخر". ليست قلة ذاتية تمنع القياس.
стр. 2111
الأحكام التي تختص بها نون التوكيد الخفيفة دون الثقيلة:
تنفرد المخففة بأمور أربعة:
الأول: عدم وقوعها -في الرأي الأرجح- بعد ألف اثنين، أو غيرها من أنواع١ الألف؛ نحو: "أيها الشابان، عاملان زملاءكما بكريم المعاملة، واجتنبان كثرة العتاب؛ فإنه يفضي إلى القطعية". فتتعين المشددة هنا مع بنائها على الكسر، ولا يصح مجيء الخفيفة؛ لأن المنع هو الأعم الأغلب في الكلام المأثور.
ويجيز بعض النحاة مجيء الخفيفة ساكنة، أو متحركة بالكسر؛ متابعة لبعض العرب، والأنسب الاقتصار على الأغلب؛ منعا للتشعيب، وابتعادا عما فيه من إلباس وخفاء٢ ...
الثاني: عدم وقوعها -في الرأي الأحسن- بعد نون النسوة مباشرة. فإذا كان الفعل المضارع أو الأمر مسندا لنون النسوة وأريد توكيده بالنون، وجب -في هذا الرأي الأعلى- أن تكون نون التوكيد مشددة، مبنية على الكسر، ووجب أن يفصل بينهما وبين نون النسوة ألف زائدة، لا مهمة لها إلا الفصل بينهما؛ نحو: "أيتها السيدات: لا تقصرنان في واجبكن القومي، وفي مقدمته حسن تربية الأولاد، والإشراف على شئون البيت، واعلمنان ما في تقصيركن من ضرر شامل، وإساءة عامة". فلا يصح مجيء الخفيفة هنا -في الرأي الأحسن الذي يحتم الاقتصار على المشددة المكسورة، بعد الألف الفاصلة؛ كهذا المثال، وبعد ألف الاثنين؛ كالمثال السابق في القسم الأول، وبعد غيرهما من كل أنواع الألف٣:
стр. 2112
وفي الاكتفاء بهذا الرأي، ابتعاد عن اللبس والخفاء١.
الثالث: وجوب حذفها -في الرأي الشائع- لفظا لا خطا إذا وليها، مباشرة، ساكن، ولم يوقف عليها. وسبب حذفها الفرار من أن يتلاقى ساكنان في غير الموضع الذي يصح فيه تلاقيهما٢؛ نحو: لا تتعودن الحلف، ولا تصدقن الحلاف، فتحذف النون الخفيفة عند النطق، وتبقى الفتحة التي قبلها دليلا عليها؛ فلا يلتبس الأمر على السامع؛ إذ لا مسوغ لوجود الفتحة في هذا الباب إلا وجود نون التوكيد، مذكورة أو محذوفة. ومنه قول الشاعر:
стр. 2113
ولا تهين١ الفقير؛ علك أن ... تركع يوما، والدهر قد رفعه
فالمضارع مجزوم بلا الناهية، فلا مسوغ لوجود الفتحة على النون، وبقاء الياء قبلها إلا ملاحظة نون التوكيد الخفيفة المحذوفة.
ولا داعي في هذه الصورة لحذفها كتابة -في غير الضرورة- كما يرى بعض النحاة، وحجته الاكتفاء بوجود الفتحة الدالة عليها لأن هذا الحذف الخطي قد يوقع في لبس أو احتمال، يحسن الفرار منهما.
وأفضل من كل ما سبق تحريكها بالكسر إذا وليها ساكن. وهذا رأي فريق آخر من النجاة، وحجته: أن الأصل في التخلص من التقاء الساكنين هو الكسر٢، وأن الكسر هنا أخف وأبعد من اللبس؛ فوق أنه مسموع في بعض
стр. 2114
أمثلة قليلة؛ لكنها على قلتها مسايرة للأصل العام السالف.
وهذا الراي -على قلة أنصاره- أفضل كما قلنا، لبعده عن شائبة اللبس والغموض، وخلوه من التفريق بين حالتي النطق والكتابة. فإن وجد من يعارض في أنه الأفضل فلا أقل أن يكون في منزلة الرأي الشائع الذي يوجب الحذف.
أما عند الوقف عليها فلها حكم خاص يذكر في الأمر الرابع التالي:
الرابع: وجوب قلبها ألفا عند الوقف عليها، بشرط أن تكون النون الخفيفة بعد فتحة؛ ففي مثل: احذرن قول السوء، وتعودن حبس اللسان عن منكر القول نقول عند الوقف على الفعلين المؤكدين: احذرا - تعودا ... والقرائن كفيلة بأن تدل على نوع هذه الألف. وأن أصلها نون التوكيد الخفيفة ...
فإن لم تكن النون الخفيفة بعد فتحة، بأن كانت بعد ضمة، أو كثرة وجب أمران: حذف النون، نطقا لا كتابة، وإرجاع ما حذف من آخر الفعل بسبب وجودها عند وصل الكلام وعدم الوقف. ففي مثل: "أيها الفتيان، لا تهابن مقابلة الشدائد، ولا تخافن ملاقاة الصعاب في سبيل إدراك الغايات النبيلة. وفي مثل: يا فتاتي: لا تحجمن عن احتمال العناء في شريف المقاصد، وسني١ الأغراض" ... نقول عند الوقوف على الأفعال المؤكدة مع أمن اللبس: لا تهابوا - لا تخافوا ... - لا تحجمي ... ، بحذف نون التوكيد الخفيفة. وإرجاع واو الجماعة وياء المخاطبة اللتين حذفتا نطقا فقط عند وجود النون الخفيفة للتخلص من التقاء الساكنين. أما عند حذفها فلا التقاء لساكنين فلا يحذف الضمير، ويعود إن كان محذوفا نطقا بسبب وجودها.
стр. 2115
ومن الأمرين الثالث والرابع يتبين أنها تحذف وجوبا في حالتين:
الأولى: حذفها في النطق دون الكتابة إن وقع بعدها ساكن، ولم يوقف عليها، وهذا الرأي هو الشائع، كان غير الأنسب اليوم.
والأخرى: حذفها في النطق دون الكتابة إن وقف عليها بعد ضم أو كسر. مع إرجاع ما حذف لأجل وجودها عند عدم الوقف.
وكل ما سبق جار على أشهر الآراء المستنبطة من أكثر اللغات شيوعا، وقد أهملنا الآراء الضعيفة المتعددة التي لا خير في نقلها، وليس من ورائها اليوم إلا البلبلة والاضطراب١ ...
стр. 2116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
ارتضى بعض النحاة تسمية الأمور الأربعة السالفة: "خصائص تمتاز بها نون التوكيد الخفيفة"، أو: "أمور تنفرد بها". ولا مانع من هذا على اعتبار تلك الخصائص أو الأمور أحكاما بعضها عدمي "أي: سلبي" كالأول والثاني، وبعضها حذف -طبقا للشائع- كالثالث، أو: قلب؛ كالرابع في بعض حالاته.
ولا مانع في الوقت نفسه من اعتبار تلك الأمور الأربعة خصائص تمتاز بها التوكيد الشديدة دون الخفيفة، ولكن على أساس آخر: هو أنها أمور إيجابية؛ لا عدم فيها ولا تغيير. فالأول: وقوعها بعد ألف الاثنين، والثاني: وقوعها بعد الألف الفاصلة، والثالث: بقاؤها إذا وليها ساكن. والرابع: بقاؤها على حالها من غير حذف أو قلب عند الوقف ...
стр. 2117
المسألة ١٤٤: إسناد المضارع والأمر إلى ضمائر الرفع البارزة بغير توكيدها، ومع التوكيد
...
المسألة ١٤٤: إسناد المضارع والأمر إلى ضمائر للرفع البارزة بغير توكيدهما، ومع التوكيد
الكلام على المضارع ١:
عرفنا٢ أن المضارع معرف في كل أحواله، إلا إذا اتصل بآخره نون النسوة؛ فيبنى على السكون٣، كالأمثلة السالفة، أو اتصل بآخره نون التوكيد اتصالا مباشرا؛ فيبنى على الفتح، سواء أكان صحيح الآخر؛ نحو: أتأمران بالمعروف، وأنت لا تأتمرن به؟ أم معتل الآخر مطلقا؛ "أي: بالألف، أو الواو، أو الياء" كقول ناصح لأخيه: لا تنهين عن الأذى، وأنت تمارسه، ولا ترجون من لئيم خيرا وإن تودد إليك، ولا تفترين حديثا، ولو توهمت أن الناس به مصدقون. ومن هذا قول القائل:
فلا تبكين في إثر شيء ندامة ... إذا نزعته من يديك النوازع
فالأفعال المضارعة: "تأمر، تأتمر، تنهى، ترجو، تفتري، تبكي ... " مبنية على الفتح لاتصالها، مباشرة، بنون التوكيد.
ومما تجب ملاحظته أن حرف العلة: "الألف" لا بد أن ينقلب ياء مفتوحة للبناء قبل: "نون التوكيد" كما في الفعل: "تنهى" في المثال السالف وأشباهه، أما "واو" العلة و"ياؤها" فيبقيان على صورتهما مع تحريكهما بفتحة البناء؛ لأجل نون التوكيد.
ولا يصح حذف حرف علة من تلك الثلاثة لأجل الجازم إن كان المضارع مسبوقا بجازم -كما في الأمثلة المتقدمة؛ لأن مراعاة نون التوكيد أهم وأولى في تلك الصور؛ فالمضارع فيها مبني على الفتح لفظا، ولكنه في محل جزم.
فإن لم يكن اتصال هذه النون بآخر المضارع اتصالا مباشرا لم يصح بناؤه
стр. 2118
على الفتح، وذلك حين يفصل بينهما ضمير رفع بارز؛ "ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء مخاطبة، أو نون نسوة" فإن أريد توكيده مع وجود فاصل من هذه الضمائر البارزة جاز، ولكن من غير بناء على الفتح. ويترتب على هذا التوكيد عند وجود الضمير الفاصل وقوع تغييرات حتمية تختلف باختلاف آخر المضارع؛ أهو صحيح الآخر أم معتله؟ وفيما يلي بيان هذه التغييرات الحتمية١:
أ- إسناد المضارع الصحيح الآخر إلى ضمائر الرفع البارزة بغير توكيد، وبتوكيد:
١- إذا كان المضارع صحيح الآخر؛ مثلك "تفهم"، وأردنا إسناده لألف الاثنين من غير توكيد -قلنا: أنتما تفهمان. والإعراب: "تفهمان"، مضارع مرفوع بثبوت النون، والألف فاعل. فهو معرب حتما.
أما عند التوكيد، وقبل إحداث التغيير فنقول: "أأنتما تفهمانن؟ بنون التوكيد الثقيلة المفتوحة، ولا يصح -في الأرجح- مجيء الخفيفة بعد المضارع المشتمل على ألف الاثنين٢. والمضارع هنا معرب أيضا: لوجود الضمير: "ألف الاثنين" فاصلا بينه وبين نون التوكيد المشددة. غير أنه اجتمع في آخر اللفظ ثلاثة٣ أحرف
стр. 2119
زوائد، متماثلة، متوالية. وهذا لا يقع -غالبا- في لغتنا إلا سماعا. فوجب حذف "نون الرفع" لوجود قرينة تدل عليها؛ "هي: "أن: المضارع من الأفعال الخمسة، ولم يسبقه ناصب أو جازم؛ فوجب أن يكون مرفوعا بثبوت النون. فإن لم تكن مذكورة، فلا بد أن تكون محذوفة لعلة والمحذوف لعلة كالثابت". ولا يصح هنا حذف نون التوكيد الثقيلة، أو تخفيفها؛ لأن الحذف أو التخفيف ينافي الغرض البلاغي من الإتيان بها، ومن تشديدها١. فصار الكلام بعد الحذف: تفهمان، ثم كسرت نون التوكيد المشددة، مراعاة للمأثور عن العرب في هذا الموضع؛ حيث يلزمونها التشديد والبناء على الكسر.
وعند الإعراب يقال في "تفهما"، فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي النونات "وألف" ضمير فاعل، و"نون التوكيد" المشددة حرف مبني على الكسر، لا محل له من الإعراب. وإن شئت قلت: "تفهما": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وحذف لتوالي النونات، والألف ضمير: فاعل، والنون المذكورة حرف للتوكيد ...
فالصورة النهائية بعد إجراء التغيرات السالفة هي: "أتفهمان"، بتشديد نون التوكيد وجوبا بعد ألف الاثنين، وحذف نون الرفع. ولا مانع هنا من التقاء "ألف الاثنين" ساكنة مع النون الأولى الساكنة من نون التوكيد المشددة؛ لأن التقاء الساكنين هنا جائز كما أوضحنا من قبل٢.
٢- ونقول عند إسناده لواو الجماعة من غير توكيد: أأنتم تفهمون؟ "فالمضارع مرفوع بثبوت النون؛ واوا وضمير فاعل". ونقول عند توكيده بالنون المشددة وقبل التغيرات: أأنتم تفهمونن؟ بثلاث نونات، تحذف نون الرفع -لتوالي ثلاثة أحرف في الآخر، وهي زوائد، ومن نوع واحد- فيصير الكلام:
стр. 2120
"تفهمون" فيلتقي ساكنان هما: واو الجماعة، والنون الأولى الساكنة من النون المشددة المفتوحة الآخر، فتحذف واو الجامعة -في الأغلب-١ لوجود الضمة قبلها تدل عليها عند حذفها، ولعدم الاستغناء عن تشديد نون التوكيد؛ لأنها جاءت مشددة، لغرض بلاغي يقتضيه المعنى؛ فيصير الكلام: أأنتم تفهمن؟ وعند الأعراب نقول بعد الحذف: "تفهم" الحالية أصلها "تفهمون" فهي مضارع مرفوع بالنون المحذوفة؛ لتوالي الأمثال ... ، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين، ضمير، فاعل، ونون التوكيد المشددة حرف، مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. ولا تتغير الفتحة على آخره.
"ملاحظة": ليس من اللازم لحذف واو الجماعة في هذه الصورة وأمثالها مما يسند فيها المضارع الصحيح الآخر لواو الجماعة، أن تكون نون التوكيد مشددة، فمن الجائز أن تكون مخففة. ومع تخفيفها تحذف لأجلها نون الرفع وجوبا كما تحذف مع المشددة، ويترتب على هذا الحذف أن يتلاقى الساكنان السالفان؛ وهما: واو الجماعة ونون التوكيد المخففة؛ فتحذف واو الجماعة هنا، كما حذفت هناك.
أما سبب حلاف نون الرفع إذا كانت نون التوكيد مخففة فهو إتباع العرب في المأثور عنهم، ومحاكاتهم في حذفها؛ بالرغم من عدم اجتماع ثلاث نونات في هذه الصورة، يقول النحاة: إن نون الرفع تحذف من الفعل المسند لواو الجماعة، وياء المخاطبة، إذا أكد بالنون المشددة أو المخففة، فتحذف مع المشددة؛ منعا لتوالي ثلاثة أحرف زائدة، متماثلة في آخر اللفظ، وتحذف مع المخففة أيضا؛ طلبا للتخفيف، ومجاراة للحذف مع المشددة٢.
٣- ونقول عند إسناده لياء المخاطبة بغير توكيد: أأنت تفهمين يا زميلتي؟ فالمضارع "تفهمين" مرفوع بثبوت النون، وياء المخاطبة ضمير فاعل. ونقول عند التوكيد من غير تغيرات: أتفهمينن؟. ثم تحذف النون الأولى "علامة الرفع" لتوالي الأمثال، و ... ؛ فيصير الكلام: أتفهمين؟ فيلتقي ساكنان، هما: ياء
стр. 2121
المخاطبة والنون الأولى من النون المشددة؛ فتحذف -في الأغلب- ياء المخاطبة للسبب السالف، وتبقى الكسرة قبلها لتدل عليها؛ فيصير الكلام: أتفهمن؟
ويقال في إعرابه: "تفهمين"، مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال، والفاعل هو: "ياء" المخاطبة المحذوفة لالتقاء الساكنين. ونون التوكيد حرف مبني، لا محل له من الإعراب، وتظل الفتحة باقية عليه مع تشديدة.
ولو أتينا بنون التوكيد الخفيفة مكان الثقيلة لوقعت التغيرات السالفة كلها تماما، طبقا لما تضمنته "الملاحظة" السالفة، من أن نون الرفع تحذف وجوبا هنا للخفة، وللحمل على الثقيلة؛ لا لتوالي الأمثال.
٤- ونقول عند إسناده لنون النسوة بغير توكيده: أأنتن -يا زميلاتي- تفهمن؟. فالفعل "تفهم" مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وهي ضمير فاعل مبني على الفتح في محل رفع.
ونقول: مع التوكيد: أأنتن تفهمنان؟ بمجيء نون التوكيد المشددة المبنية على الكسر -والمخففة؛ لا تجيء هنا- ثم زيادة "ألف" فاصلة١ بين نون النسوة ونون التوكيد. والإعراب بعد التوكيد لا يتغير، ولكن نزيد على ما سلف أن النون الأخيرة المشددة حرف للتوكيد مبني على الكسر، لا محل له، والألف التي بين النونين حرف زائد لا محل له.
يستخلص مما سلف أن إسناد المضارع الصحيح الآخر إلى ضمائر الرفع البارزة، بغير توكيد، يستلزم ما يأتي:
١- إن كان الضمير ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء مخاطبة، لزمته في حالة الرفع النون التي هي علامة الرفع، فيكون معربا مرفوعا بثبوت النون. والضمير
стр. 2122
فاعلا. وهذه النون خفيفة في كل حالاتها، ولكنها مبنية على الكسر لا محل لها بعد ألف الاثنين فقط، أما بعد واو الجماعة، وياء المخاطبة فمبنية على الفتح، لا محل لها.
٢- وإن كان الضمير نون النسوة وجب بناء المضارع على السكون، ونون النسوة هي الفاعل١، وهي مبنية على الفتح في محل رفع.
ويستخلص كذلك أن إسناده لتلك الضمائر مع توكيده يستلزم ما يأتي:
١- عدم بناء المضارع مطلقا مع وجود الضمائر الفاصلة بينه وبين نون التوكيد؛ فيجب إعرابه مع تلك الضمائر إلا مع نون النسوة فيبنى على السكون؛ لأنها تتصل به اتصالا مباشرة في كل حالاتها.
٢- وجوب حذف نون الرفع -إن كانت موجودة من قبل- إذا كان ضمير الرفع ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء مخاطبة. ويتساوى في وجوب حذفها مع الواو والياء أن تكون نون التوكيد بعدهما مشددة ومخففة. أما بعد الألف فنون التوكيد باقية، ومشددة حتما، ومبنية على الكسر.
٣- وجوب حذف واو الجماعة وياء المخاطبة، مع بقاء الضمة قبل واو الجماعة لتدل عليها. والكسرة قبل ياء المخاطبة؛ لتدل عليها -والحذف في الحالتين هو الأرجح.
٤- زيادة ألف بين نون النسوة ونون التوكيد؛ لتفصل بينهما.
стр. 2123
٥- وجوب تشديد نون التوكيد وبنائها على الكسر١ بعد ألف الاثنين، وبعد الألف الزائدة للفصل بين نون النسوة ونون التوكيد.
أما بعد واو الجماعة وياء المخاطبة فقد تكون مشددة مفتوحة الآخر، أو خفيفة ساكنة.
ب- إسناد المضارع المعتل الآخر، لضمائر الرفع البارزة٢، من غير توكيد، وبتوكيد:
المضارع المعتل الآخر إما أن يكون معتل الآخر بالألف، أو بالواو، أو بالياء؛ نحو: أنت ترضى الإنصاف، وترجو أن يشيع، وتجري وراء تحقيقه.
أولا: ١- إن كان معتلا بالألف "مثل: ترضى" وجب قلبها ياء مفتوحة عند إسناده لألف الاثنين، تقول بغير التوكيد بالنون: أأنتما ترضيان؟ ... والإعراب: "ترضيان" فعل مضارع معرب، مرفوع بثبوت النون، وألف الاثنين ضمير فاعل.
وتقول عند التوكيد قبل التغيير: أترضيانن؟ والمضارع معرب لوجود الضمير فاصلا بينه وبين نون التوكيد المشددة، ويجب هنا ما وجب هناك من حذف نون الرفع لتوالي الأمثال بوصفه السابق٣، مع بقاء ألف الاثنين، -برغم التقائها ساكنة مع النون الأولى من النون المشددة. كما يجب بناء نون التوكيد على الكسر مع تشديدها في هذه الحالة أيضا٤؛ فيصير الكلام: "أترضيان؟ " فالفعل المضارع "ترضيا" معرب مرفوع بالنون المحذوفة، وألف الاثنين ضمير، فاعل. والنون المذكورة المشددة حرف للتوكيد، مبني على الكسر لا محل له من الإعراب.
стр. 2124
٢- فإن كان معتلا بالألف وأريد إسناده لواو الجماعة من غير توكيد ولا تغيير، قيل فيه: "ترضيون" بقلب ألفه ياء مضمومة -لأن الضمة هي المناسبة للواو- وزيادة واو الجماعة ساكنة؛ فتتحرك الياء، ويفتح ما قبلها؛ فتنقلب ألفا. ويصير الكلام: "ترضاون" فيلتقي ساكنان؛ ألف العلة وواو الجماعة؛ فتحذف الألف؛ لأنها حرف هجائي، وقبله الفتحة تدل بعد الحذف، وتبقى واو الجماعة؛ لأنها فاعل؛ -فهي شطر جملة- وليس قبل علامة تدل عليها بعد حذفها، ويصير الكلام "ترضون". والإعراب: ترضون، مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير فاعل.
وعند التوكيد يقال بغير التغيير "أترضونن"، تحذف نون الرفع لتوالي الأمثال بوصفه السابق١؛ فيصير الكلام: "ترضون" فليتقي ساكنان؛ واو الجماعة والنون الأولى من النون المشددة، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما٢؛ فتتحرك واو الجماعة بحركة تناسبها؛ وهي الضمة، ويصير الكلام: ترضون.
والإعراب: مضارع مرفوع بالنون المحذفة لتوالي الأمثال ... ، وواو الجماعة ضمير فاعل. ونون التوكيد المشددة حرف مبني على الفتح هنا، وقد فصلت واو الجماعة بينه وبين المضارع، ولهذا بقي معربا، بسبب الفصل.
هذا إن كانت نون التوكيد مشددة: فإن كانت مخففة حذفت نون الرفع مع عدم تعدد الأمثال: للتخفيف، والحمل على المشددة، كما سبق البيان٣ فيتلاقى فتتحرك واو الجماعة، بالضم للتخلص منه.
٣- وإن كان معتلا بالألف أيضا، وأريد إسناده لياء المخاطبة من غير توكيد، قيل بغير التغيير: "أترضاين٤"؟ التقى ساكنان، ألف العلة وياء المخاطبة، حذفت الألف؛ لأنها حرف هجائي٥ وقبله الفتحة التي تدل عليه
стр. 2125
بعد حذفه، وبقيت الياء؛ لأنها شطر جملة "فاعل" ولا دليل يدل عليها بعد حذفها؛ فصار الكلام: "ترضين" وهو فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والياء ضمير فاعل.
وعند للتوكيد قبل التغيير يقال: "ترضينن"؛ فتحذف نون الرفع لتوالي الأمثال، فيصير الكلام: "ترضين" فيلتقي ساكنان؛ ياء المخاطبة والنون الأولى من النون المشددة، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما١؛ فتحرك ياء المخاطبة بالكسرة لأنها هي المناسبة لها ويصير الكلام: "ترضين".
وإعرابه: مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، والياء فاعل، ونون التوكيد حرف مبني لا محل له. وقد فصل بينه وبين المضارع ياء المخاطبة، وبسبب هذا الفصل بقي المضارع معربا.
هذا إن كانت نون التوكيد مشددة فإن كانت مخففة حذفت نون الرفع أيضا بالرغم من عدم تعدد الأمثال ... -لما سبق٢؛ فيتلاقى الساكنان؛ فتتحرك ياء المخاطبة بالكسرة للتخلص منه.
٤- وإن أريد إسناده لنون النسوة بغير توكيد وجب قلب الألف ياء، فنقول أأنتن ترضين؟ فالمضارع: "ترضي" مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وهي فاعل، مبنية على الفتح في محل رفع.
أما عند التوكيد فنقول: ترضينان: بزيادة ألف فاصلة بين النووين. والإعراب كما سبق٣ في صحيح الآخر. ولا تجيء المخففة بعد هذه الألف الفاصلة.
ثانيا: إن كان معتل الآخر بالواو "مثل: "ترجو" وأريد إسناده:
١- لألف الاثنين وجب تحريك الواو بالفتحة لمناسبة الألف؛ فنقول بغير توكيد: أنتم ترجوان -مثلا- والمضارع مرفوع بثبوت النون، والألف ضمير فاعل. ونقول مع التوكيد: "أأنتما ترجوانن؟ "، وتحذف نون الرفع لتوالي الأمثال، وتكسر نون التوكيد المشددة: مراعاة للنسق العربي الذي يقتضي كسرها
стр. 2126
دائما بعد ألف الاثنين، وتشديدها، فنقول: ترجوان. ولا تجيء المخففة بعد الألف مطلقا -كما كررنا١.
٢- وإن أريد إسناده لواو الجماعة بغير توكيد قيل: "أنتم ترجوون"٢ -مثلا- فتلتقي واوان ساكنتان، فتحذف واو العلة. وتبقى واو الجماعة، للسبب الذي عرفناه؛ فيصير الكلام: "ترجون" مرفوع بثبوت النون. وواو الجماعة ضمير فاعل.
فإذا أريد التوكيد، قيل بغير التغيير: "أترجونن" وتحذف نون الرفع لتوالي الأمثال -بوصفه السابق؛ فيصير: "ترجون"؛ فيلتقي ساكنان، واو الجماعة، والنون الأولى من المشددة، فتحذف واوا الجماعة -برغم أنها شطر جملة- لوجود الضمة قبلها تدل عليها، ولعدم استغناء المعنى عن تشديد النون، فيصير الكلام: "ترجن" مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، والفاعل: واو الجماعة المحذوفة، والنون المشددة المذكورة للتوكيد، وهي مفصوة من المضارع بالواو المحذوفة.
ويصح أن تجيء نون التوكيد الخفيفة بدلا من المشددة؛ فيتلاقى الساكنان٣؛ فتذف الواو للتخلص منه، وتبقى الضمة قبلها لتدل عليها.
٣- وإن أريد إسناده لياء المخاطبة بغير توكيد قيل: "أنت ترجوين" فيلتقي ساكنان؛ واو العلة وياء المخاطبة؛ فتحذف حرف العرلة، ويصير الكلام، "ترجين"، ثم تقلب الضمة التي قبل الياء كسرة؛ لأن الكسرة هي المناسبة للياء، فيصير: "ترجين".
стр. 2127
وعند التوكيد قبل التغيير نقول: "أأنت ترجينن؟ " تحذف نون الرفع لتوالي الأمثال، فيصير: "ترجين". فيلتقي ساكنان ياء المخاطبة والنون الأولى، فتحذف الياء للتخلص من التقاء الساكنين، "برغم أن الياء شطر جملة "فاعل" لوجود الكسرة الدالة عليها، وعدم الاستغناء عن تشديد النون" فيصير ترجن مع تشديد النون وفتحها. والإعراب: فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، وياء المخاطبة المحذوفة فاعل، والنون المذكورة حرف للتوكيد.
فإن كانت نون التوكيد مخففة -لا مشددة- حذفت لها نون الرفع أيضا١؛ فيتلاقى الساكنان؛ فتحذف الياء، وتبقى الكسرة قبلها.
٤- وإن أريد إسناده لنون النسوة بغير توكيد قيل: أأنتن ترجون الله؟ بزيادة نون النسوة. فالمضارع: "ترجو" مبني على السكون، بسببها. وهي الفاعل. وعند التوكيد تقول: أأنتن ترجونان بزيادة ألف فاصلة بين النونين. وعند الإعراب نقول: "ترجو" مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة. ونون النسوة فاعل، والألف بعدها زائدة، ونون التوكيد حرف مشدد، مبني على الكسر لا محل له من الإعراب. ولا يصح مجيء المخففة بعد هذه الألف.
ثالثا: إن كان المضارع معتل الآخر بالياء، وأريد إسناده:
١- إلى ألف الاثنين بغير توكيد، وجب تحريك الياء بالفتحة -لوجب فتح ما قبل الألف- فنقول: أنتما تجريان. فالمضارع مرفوع بثبوت النون؛ وألف التثنية ضمير فاعل. ونقول عند التوكيد قبل التغيير: "أتجريانن؟ " تحذف نون الرفع؛ لتوالي النونات -بوصفه السابق- وتتحرك نون التوكيد المشددة بالكسرة؛ -لما ذكرناه من وجوب تشديدها، وبنائها على الكسر بعد ألف الاثنين-٢ فيصير الكلام: "تجريان" ويقال في الإعراب، "تجريا" مضارع مرفوع بالنون المحذوفة؛ لتوالي الأمثال ... والألف ضمير فاعل، والنون المشددة حرف للتوكيد مبني على الكسر؛ لا محل له.
стр. 2128
٢- وإن أريد إسناده إلى واو الجماعة بغير التوكيد قلنا قبل التغيير: أنتم "تجريون" التقى ساكنان: ياء العلة، وواو الجماعة، حذف ياء العلة -لما عرفناه- فصار الكلام: تجرون، قلبت الكسرة قبل الواو ضمة؛ لتناسب الواو؛ فصار الكلام: "تجرون".
وعند التوكيد قبل التغيير نقول: "أتجرونن؟ " تحذف النون لتوالي النونات فيصير: "تجرون" فيلتقي ساكنان، واو الجماعة والنون الأولى من النون المشددة، فتحذف واو الجماعة؛ لوجود الضمة قبلها دليلا عليها؛ ولعدم الاستغناء -بلاغيا- عن تشديد النون؛ فيصير الكلام: "تجرن". مضارع معرب، مرفوع بالنون المحذوفة، وواو الجماعة المحذوفة فاعل، والنون المشددة المذكورة حرف للتوكيد واجب البناء على الفتح. وقد انفصل عن المضارع بواو الجماعة المحذوفة التي هي في حكم المذكورة كما سبق؛ وبسب هذا الفصل بقي المضارع معربا.
ويصح أن تجيء نون التوكيد الخفيفة بدلا من الثقيلة. فتحذف نون الرفع أيضا، فيلتقي الساكنان، فتحذف واو الجماعة.
٣- وإن أريد إسناده لياء المخاطبة بغير توكيد قيل: أأنت تجريين؟ فيلتقي ساكنان؛ ياء العلة، وياء المخاطبة؛ فيحذف حرة العلة؛ لأنه حرف هجائي وقبله الكسرة تدل عند عليه حذفه؛ فيصير الكلام: "تجرين"، مضارع مرفوع بثبوت النون وياء المخاطبة فاعل.
وعند التوكيد نقول: "أتجرينن" تحذف نون الرفع لتوالي الأمثال ... فيصير الكلام: "تجرين" فيلتقي ساكنان ياء المخاطبة والنون الأولى من المشددة؛ فتحذف ياء المخاطبة -برغم أنها شطر جملة- لوجود الكسرة قبلها تدل عليها، ولعدم الاستغناء -بلاغيا عن تشديد النون فيصير: "تجرن". مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، وفاعله ياء المخاطبة المحذوفة أيضا. والنون المشدد حرف للتوكيد ... وقد فصلت من المضارع بياء المخاطبة المحذوفة والتي تعد كالمذكورة؛ فبقي معربا.
ولو كانت نون التوكيد مخففة لحذفت لها نون الرفع أيضا. فيتلاقى الساكنان، فتحذف ياء المخاطبة.
٤- وإن أريد إسناده لنون النسوة بغير توكيد، قبل: أأنتن تجرين؟
стр. 2129
فالمضارع: "تجري" مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة "الفاعل".
وعند التوكيد: "تجرينان" فالمضارع "تجري" مبني على السكون، ونون النسوة بعده ضمير فاعل، والألف زائدة للفصل، ونون التوكيد المشددة حرف، ويجب تشديده وتحريكه بالكسر١، ولا تجيء المخخفة هنا.
أ- يستخلص مما سلف أن المضارع المعتل الآخر تلحقه التغيرات الآتية عند إسناده لضمائر الرفع البارزة بغير توكيد، وأن كل ضمير منها يعرب فاعلا:
١- إن كن معتلا بالألف قلبت ياء مفتوحة، عند إسناده لألف الاثنين، وساكنة من نون النسوة. وحذفت هذه الألف للتي للعلة عند إسناده لواو الجماعة وياء المخاطبة، مع بقاء الفتحة التي قبلها في الحالتين، لتدل عليها بعد الحذف.
زيادة نون الرفع بعد ألف الاثنين، وواو الجماعة، وياء المخاطبة؛ لتكون علامة لرفع المضارع المعرب.
أما نون النسوة فالمضارع معها مبني على السكون دائما؛ فلا توجد معها نون للرفع.
٢- وإن كان معتلا بالواو أو بالياء بقيا عند الإسناد لألف الاثنين، وتحركا بالفتحة لمناسبة الألف، وتجيء بعد الألف نون الرفع التي هي علامة لرفع المضارع؛ وبقيا كذلك عند الإسناد لنون النسوة، ولكنهما لا يتحركان؛ لأن المضارع يبنى على السكون عدن إسناده لنون النسوة.
ويجب حذفهما مع واو الجماعة وياء المخاطبة مع ضم ما قبل واو الجماعة وكسر ما قبل ياء المخاطبة، وزيادة نون الرفع بعدهما في حالة رفع المضارع.
ب- ويستخلص كذلك أن إسناده إلى تلك الضمائر مع توكيده يستلزم ما يأتي:
١- حذف ألف العلة عند الإسناد لواو الجماعة وياء المخاطبة مع تحريك الواو بالضم، والياء بالكسر.
وقلب ألف العلة ياء عند الإسناد لأف الاثنين، أو نون النسوة، مع مجيء
стр. 2130
نون التوكيد مشددة فيهما ومكسورة ومع إيجاد ألف فاصلة بين نون النسوة، ونون التوكيد المشددة.
٢- ترك حرفي العلة "الواو والياء"، مع فتحهما، عند الإسناد لألف الاثنين، ويجب أن تكون نون التوكيد مكسورة مشددة بعد هذا الضمير. والمضارع معرب في هذه الصورة.
ويتركان على حالهما من السكون عند الإسناد لنون النسوة "لأن المضارع معها مبني على السكون" وبعدها ألف فاصلة، فنون التوكيد الثقيلة المكسورة.
أما عند الإسناد إلى واو الجماعة أو ياء المخاطبة فيجب حذف حرفي العلة كما يجب حذف الضميرين "الواو والياء مع ترك الضمة قبل الواو والكسرة قبل الياء".
٣- حذف نون الرفع في جميع الحالات. وهي لا توجد مع وجود نون النسوة.
٤- ذكر نون التوكيد مشددة مفتوحة أو مخففة ساكنة في جميع الحالات، إلا مع ألف الاثنين ونون النسوة فيجب تشديدها وكسرها في الحالتين، كما يجب زيادة ألف فاصلة بين نون النسوة ونون التوكيد١ ...
стр. 2131
٥- المضارع في جميع الحالات السالفة معرب؛ لوجود الضمير فاصلا بينه وبين نون التوكيد. إلا عند الإسناد لنون النسوة فيكون مبنيا على السكون، لأن نون النسوة تتصل به مباشرة في جميع حالات إسناده إليه.
الكلام على الأمر ١:
حكم الأم صحيح الآخر ومعتله، كمضارعه عند الإسناد لضمائر الرفع البارزة، بتوكيد، وبغير توكيد؛ بلا فرق بينهما إلا من ناحية أن الأمر مبني دائما ولا تتصل بآخره نون رفع مطلقا، -كما أشرنا سالفا٢.
ما حكم نون التوكيد بنوعيها عند الوقف عليها؟
الجواب في رقم ٤ من الملاحظات التي في آخر الجدول الآتي.
стр. 2132
المسألة ١٤٥: ما لا ينصرف
مدخل
...
المسألة ١٤٥: ما لا ينصرف
معنى الصرف ١:
الاسم المعرب قسمان:
١- قسم يدخله نوع أصيل٢ من التنوين، لا يدخل غير هذا القسم، ولا يفارقه في حالات إعرابه المختلفة. -"إلا عند وجود طارئ معارض؛ كإضافة الاسم، أو اقترانه "بأل"٣ أو قوعه منادى معرفا. أو اسما مفردا لـ "لا" النافية للجنس ... "- ويدل وجوده على أن الاسم المعرب الذي يحويه أشد تمكنا في الاسمية من سواه؛ ولهذا يسمى: "تنوين الأمكنية"٤، أي: التنوين
стр. 2133
الدال على أن هذا الاسم المعرب أمكن١ وأقوى درجة في الاسمية من غيره. ويسمى أيضا: "تنوين الصرف"٢ وبهذا الاسم يشتهر عند أكثر النحاة٣. ووجوده في الاسم المعرب يفيده خفة في النطق، فوق الدلالة على الأمكنية.
وإذا ذكرت كلمة "التنوين" خالية من التقييد الذي يبين نوعه كان المقصود: "تنوين الأمكنية"، أي: "الصرف". ومن أمثلة الأسماء المشتملة عليه، أو التي تستحقه لولا الطارئ المعارض ما جاء في قول شوقي:
إنما الشرق منزل لم يفرق ... أهله إن تفرقت أصقاعه
وطن واحد على٤ الشمس، والفصـ ... حي، وفي الدمع والجراح اجتماعه
وإنما كان وجود هذا التنوين دليلا على "الأمكنية" لأن انضمامه إلى "الإعراب" في اسم واحد جعل هذا الاسم مشتملا على علامتين بدلا من واحدة، يبعدانه كل البعد عن الحروف وعن الأفعال؛ هما: "التنوين"، و"الإعراب"؛
стр. 2134
إذ التنوين لا يدخل الحروف ولا الأفعال. وكذلك الإعراب، لا يدخل الحروف ولا أكثر الأفعال. فبهذا التنوين المقصور على الأسماء المعربة١ صار الاسم القوي المتمكن بالإعراب أقوى وأمكن باجتماع الإعراب والتنوين معا. كما صار أخف نطقا.
وليس من هذا القسم تنوين جمع المؤنث السالم الباقي في دلالته على جميعه، نحو: هؤلاء متعلمات فاضلات؛ لأن هذا تنوين للمقابلة، ولأنه قد يوجد في الاسم غير المنصرف؛ كالعلم المؤنث المنقول من جمع مؤنث سالم؛ مثل: سعادات - عطيات - زينات ... فإن هذا العلم المنقول من جمع المؤنث السالم -يجوز صرفه، مراعاة لأصله الذي نقل منه، فيكون تنوينه -كتنوين أصله- للمقابلة للأمكنية. ويجوز عدم صرفه، مراعاة للحالة التي هو عليها الآن؛ وهي أنه: علم على مؤنث؛ فيكون غير أمكن أيضا٢.
وليس من تنوين "الأمكنية" كذلك تنوين "العوض" ولا تنوين "التنكير"؛ لأنهما يدخلان الأسماء المنصرفة وغير المنصرفة٣ ...
وسيتكرر في هذا الباب وغيره كلمة: "الصرف" مرادا منها تنوين "الأمكنية" جريا على الشائع٤.
٢- قسم لا يدخله هذا النوع الأصيل من التنوين، ويمتنع وجوده فيه؛ فيكون امتناعه دليلا على أن الاسم المعرب متمكن في الاسمية، ولكنه غير أمكن، إذ لا يبلغ في درجة التمكن، وقوته، مبلغ القسم السالف؛ كالأسماء: عمر، عثمان، مريم، عبلة ... وغيرها من الأسماء الممنوعة من الصرف؛ أي: الممنوعة من
стр. 2135
أن يدخل عليها تنوين: "الصرف" الدال على "الأمكنية"، والمؤدي إلى خفة النطق، "لأن هذا التنوين يرمز إلى الأمرين المذكورين ويدل عليهما، كما أسلفنا".
وإنما كان هذا القسم "متمكنا غير أمكن"، لاشتماله على علامة واحدة، هي الإعراب، وبسببها كان محصورا في الأسماء المعربة وحدها. أما تنوين "الأمكنية" فلا يدخل هذا القسم. وبسبب حرمانه هذا التنوين، وامتناع دخوله، اقترب من الفعل والحرف؛ إذ صار شبيها بهما في حرمانهما التنوين، وامتناع دخوله عليهما.
وإذا امتنع دخول تنوين "الأمكنية" على الاسم الذي لا ينصرف امتنع، -تبعا لذلك- جره بالكسرة؛ فيجر بالفتحة نيابة عنها١، بشرط ألا يكون مضافا، ولا مقترنا "بأل"٢ -مهما كان نوعها- فإن أضيفن أو اقترن "بأل"٣ وجب جره بالكسرة. -وهذا هو حكم الممنوع من "الصرف"، وسيجيء الكلام عليه٤.
لكن كيف يمكن التمييز بين القسمين، والحكم على الاسم المعرب بأنه من القسم الأول "الأمكن" أو من القسم الثاني "المتمكن"؟
لقد اقتصر النحاة على وضع علامات مضبوطة تميز الاسم المعرب المتكن، وهو "الممنوع من الصرف"، وتدل عليه بغير خفاء ولا غموض، واكتفوا بها؛ لعلمهم أنها متى وجدت في اسم معرب كانت دليلا على أنه "لا ينصرف"، ومتى خلا منها كان فقدها دليلا على أنه من القسم الأول: وهو: "المعرب الأمكن"، أي: "المعرب المنصرف". فعلامة الاسم المعرب الذي لا ينصرف "وجودية"، وعلامة المعرب المنصرف"، "عدمية؛ أي: سلبية". غير أن
стр. 2136
العلامة الدالة على منع الاسم من الصرف قد تكون واحدة، وقد تكون اثنتين معا، لهذا كانت الأسماء الممنوعة من الصرف نوعان:
نوع يمنع صرفه في كل استعمالاته حين توجد فيه هذه العلامة الواحدة، ونوع يمنع صرفه بشرط أن توجد فيه علامتان معا١ من بين علامات تسع. ومجموع النوعين أحد عشر شيئا:
стр. 2137
أ- فالذي يُمنع صرفه لوجود علامة واحدة هو ما يكون مشتملا على: "ألف التأنيث المقصورة، أو الممدودة"، وكذلك ما يكون على وزن: "صيغة منتهى الجموع".
١- فالمقصورة ألف تجيء في نهاية الاسم المعرب، لتدل على تأنيه، ومثلها الممدودة، إلا أن الممدودة لا بد أن يسبقها -مباشرة- ألف زائدة للمد؛ فتنقلب ألف التأنيث همزة١ ... ومن أمثلة المقصورة: "ذكرى" مصدر، نكرة للفعل: ذكر: بمعنى تذكر" و"رضوى" علم على جبل بالحجاز، بالمدينة"، و"جرحى؛ جمع: جريح" و"حبلى، وصف للمرأة الحامل ... ".
وعند إعراب هذه الكلمات نقول في حالة الرفع: إنها مرفوعة بضمة مقدرة على الألف، وفي حالة النصب منصوبة بفتحة مقدرة على الألف، ونقول في حالة الجر: إنها مجرورة بفتحة مقدرة على الألف، نياية عن الكسرة، والتنوين ممتنع في كل الحالات -كما عرفنا.
وإنما تجر هذه الأسماء وأشباهها، بالفتحة نيابة عن الكسرة بشرط خلو الاسم من "أل"٢ ومن الإضافة. وإلا وجب جره بالكسرة.
стр. 2138
ومن أمثلة الممدودة: "صحراء، وهي اسم نكرة"، و"زكريا، على إنسان"، و"أصدقاء، جمع صديق"، و"حمراء، وصف للشيء الأحمر المؤنث" ... ، وعند إعراب هذه الكلمات نقول: إنها مرفوعة بالضمة الظاهرة، ومنصوبة بالفتحة الظاهرة، ومجرورة بالفتحة الظاهرة نيابة عن الكسرة، بشرط خلو الاسم من "أل" ومن الإضافة؛ وإلا وجب جره بالكسرة -كما تقدم.
ومن هذه الأمثلة -وأشباهها- يتبين أن ألف التأنيث بنوعيها قد تكون في اسم نكرة؛ كذكرى وصحراء. وقد تكون في معرفة؛ كرضوى وزكرياء، وتكون في الاسم مفرد كالأمثلة السالفة، وفي جمع؛ كجرحى وأصدقاء، وقد تكون في اسم خالص الاسمية؛ كرضوى وزكرياء؛ علمين، أو في وصف١؛ كحبلى وحمراء ... وهي بنوعيها تمنع الاسم في كل الحالات استعماله٢ من تنوين الأمكنية، وتوجب جره بالفتحة، بدلا من الكسرة بشرط أن يكون مجردا من "أل" ومن الإضافة٣ ...
стр. 2139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- يقول النحاة: إن ألف التأنيث الممدودة، كحمراء، وخضراء -وغيرهما- كانت في أصلها مقصورة "أي: حمرى، خضرى ... " فلما أريد المد زيدت قبلها ألف أخرى. والجمع في النطق بين ألفين ساكنتين محال، وحذف إحداهما ينافي الغرض من ذكرها؛ إذ لو حذفت الأولى لضاع الغرض من المد، ولو حذفت الثانية لضاع الغرض من التأنيث، وقلب الأولى حرفا قريبا منها -وهو الهمزة- يفيد الغرض من المد؛ فلم يبق إلا قلب الثانية همزة تدل على التأنيث؛ كما كانت هذه الألف تدل عليه قبل انقلابها.
ب- يمنع الاسم من الصرف بشرط ألا يكون مضافا، ولا مقرونا "بأل" مهما كان نوعها -كما عرفنا-١ ومثل "أل" ما يحل محلها عند بعض القبائل العربية، ومنه: "أم" التي هي بمنزلة "أل".
стр. 2140
٢- وصيغة منتهى الجموع١ هي: كل جمع تكسير بعد ألف تكسيره حرفان٢، أو ثلاثة أحرف، بشرط أن يكون أوسط هذه الثلاثة حرفا ساكنا٣، نحو: "معابد، أقارب، طبائع، جواهر، تجارب، دواب ... "، وكذلك "مناديل، عصافير، أحاديث، كراسي، تهاويل، ... ".
ومن هذه الأمثلة -وأشباهها- يتضح أن صيغة منتهى الجموع قد تكون على وزن: "مفاعل"، و"مفاعيل"؛ كمعابد ومناديل. وقد تكون على أوزان أخرى ينطبق عليها وصف تلك الصيغة؛ كباقي الأمثلة السالفة.
"ملاحظة":
يجري على ألسنة فريق من النحاة أن صيغة منتهى الجموع هي؛ جمع التكسير المماثل لصيغة: "مفاعل"، و"مفاعيل". لكنهم يريدون بالمماثلة: أن الكلمة خماسية أو سداسية، والحرف الأول مفتوح في الحالتين -سواء أكان ميما أم غير ميم- وأن الثالث ألف زادة، يليها كسر الحرف الأول من حرفين بعدها، أو من ثلاثة أحرف أوسطها ساكن ... فليس المراد بالمماثلة أن تكون جارية على أسس الميزان الصرفي الأصيل الذي يراعى في صوغه عدد الحروف الأصلية والزائدة، وترتيبها، وحركاتها، وسكناتها، مع النطق بالحروف الزائدة كما وردت بنصها في الموزون، وإنما المراد عندهم هو: المماثلة في عد الحروف